كمال كلها، وكثير من أسمائه الحسنى يَستلزم عِدَّة أوصاف؛ كالكبير، والعظيم، والمجيد، والحميد، والصَّمد، فهذه قاعدةٌ نافعةٌ» (١).
قال ابن القيم: «الاسم من أسمائه له دلالات: دلالة على الذات، والصفة بالمطابقة، ودلالة على أحدهما بالتضمن، ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم» (٢).
وهذه القاعدة لا تختص بأسماء الله فقط، بل كل لفظ فإنه يدل على المعنى بالمطابقة والتضمن والالتزام، وعليه؛ فأنواع الدلالات ثلاثة:
دلالة المطابقة: وهي أن يدل اللفظ على جميع أجزاء معناه وأفراده.
ودلالة التضمن، فمعناها: دلالة اللفظ على جزء معناه.
وأما دلالة الالتزام، فمعناها: دلالة اللفظ على شيء خارج عنه، لكنه لا ينفك عنه، بل هو مرتبط به ارتباطًا وثيقًا (٣).
فالأسماء دلالتها مطابقة وتضمن والتزام:
١ - فدلالتها على الذات والصفة دلالة مطابقة.
٢ - ودلالتها على الصفة وحدها دلالة تضمُّن.
٣ - ودلالتها على الصفات الأخرى دلالة التزام.
ثم ضرب مثالًا لذلك باسم الله: (الخالق)؛ فهو:
١ - يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة.
٢ - ويدل على صفة الخلق بالتضمن.
стр. 72
٣ - ويستلزم الإرادة والعلم والقدرة.
ويُوضِّح الشيخ خليل هراس ذلك التقسيم فيقول: «يُقَسِّم المناطقة دلالة اللفظ الموضوع لمعنى إلى ثلاثة أقسام: مطابقة. وتضمُّن. والتزام، وذلك لأنَّه إن قُصد باللفظ الدلالة على تمام المعنى فمطابقة؛ لتطابق اللفظ والمعنى، أي: توافقهما. وإن قُصد به الدلالة على جزء ذلك المعنى فتضمُّن؛ لأن ذلك الجزء داخل في ضمن المعنى الموضوع له، وإن قُصِد به الدلالة على لازم ذلك المعنى فالتزام. وهذا التقسيم جارٍ في دلالة الأسماء الحسنى على معانيها؛ فكلٌّ منها يدل بالمطابقة على مجموع الذات والصفة التي اشتُّق منها؛ فعليم دالٌّ بالمطابقة على ذاتٍ ثَبَت لها العِلم، وحيٌّ دال بالمطابقة على ذات وحياة، وهكذا.
وأمَّا دلالته على الذات وحدها أو على الصفة وحدها فتضمُّن؛ لأن كلًّا منهما جزء لمعنى الاسم داخل في ضمنه. وأما دلالته على صفة للذات غير الصفة التي اشتق هو منها فدلالة التزام قريب من متناول العقل» (١).
وقد بَيَّن الله ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
فالخالق لا يمكن أن يخلق إلا وهو يعلم كيف سيخلق، والخالق لا يمكن أن يخلق إلا وهو قادر على أن يخلق، ونحن نعلم أنه لو أراد أحد أن يصنع شيئًا وهو لا يَعلم، فإنه لا يستطيع، ولو كان يعلم ولا يريد فإنه كذلك لا يستطيع.
إذًا فكلمة (خالق) تدل على ذات خالقة، وتدل على (خلق)، وتدل على (علم)، وتدل على (قدرة)، فدلالتها على ذات الخالق وعلى الخلق «دلالة
стр. 73
مطابقة»، ودلالتها على ذات الخالق فقط «دلالة تضمن»، ودلالتها على الخلق وحده «دلالة تضمن»، ودلالتها على العلم والقدرة «دلالة التزام»، ولهذا لما خلق الله السموات والأرض في قوله: ﴿الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن﴾ قال بعد ذلك: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا﴾، أي: أن الله هو الخالق، وقد خلق بقدرة وعلم، فلولا القدرة لما خلق، ولولا العلم لما خلق (١).
* * *
стр. 74
قال المصنف ﵀:
«القاعدة الخامسة
أسماء الله تعالى توقيفية لا مجال للعقل فيها.
وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسُّنَّة، فلا يزاد فيها ولا يُنقص؛ لأن العقل لا يُمكنه إدراك ما يستحقُّه تعالى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النَّصِّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، ولأن تسميته- تعالى- بما لم يُسَمِّ به نفسَه أو إنكار ما سَمَّى به نفسه جناية في حقِّه تعالى؛ فوجب سُلوك الأدب في ذلك، والاقتصار على ما جاء به النَّص».
الشرح
من الأمور المُتقررة في عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في باب أسماء الله الحسنى: أن من ضابط أسماء الله الحسنى: وُرود النَّصِّ بذلك الاسم؛ فلا يُسَمَّ الله إلا بما سَمَّى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ .
أ- فمعنى كون أسماء الله توقيفية: أي: يجب الوقوف في أسماء الله على ما ورد ذكره في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة لا نَزيد على ذلك ولا ننقص منه.
стр. 75
ولذلك يرى السلفُ أنَّ مِنْ أحكام باب الأسماء ما يلي:
١ - إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء الحسنى الواردة قي نصوص القرآن والسنة الصحيحة.
٢ - ألَّا نَنفي عن الله ما سَمَّى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ .
٣ - ألا نُسَمِّي الله بما لم يُسَمِّ به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ .
وذلك لأنَّه لا طريق إلى معرفة أسماء الله- ﵎ إلَّا مِنْ طريق واحد هو طريق الخبر (أي: الكتاب والسُّنَّة).
ب- ومِن أقوال أهل العلم في تقرير هذه المسألة ما يلي:
قال ابن القيم ﵀: «أسماء الله تعالى هي أحسن الأسماء وأكملها؛ فليس في الأسماء أحسن منها، ولا يقوم غيرها مقامها ولايؤدي معناها.
وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرًا بمرادف محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم.
فإذا عرفتَ هذا فله مِنْ كلِّ صفة كمال أحسنُ اسم وأكملُه وأتمُّه معنى، وأبعده عن شائبة عيب أو نقص.
فله من صفة الإدراكات:
العليم الخبير دون العاقل الفقيه.
والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر.
ومن صفات الإحسان:
البَر الرحيم الودود دون الرَّفيق والشفوق ونحوهما.
وكذلك العَلِي العظيم دون الرفيع الشريف.
وكذلك الكريم دون السَّخي.
والخالق البارئ المصور دون الفاعل الصانع المُشَكِّل.
стр. 76
والغفور العفو دون الصَّفوح الساتر.
وكذلك سائر أسمائه- تعالى- يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها، وما لا يقوم غيره مقامه؛ فتأمل ذلك، فأسماؤه أحسنُ الأسماء، كما أنَّ صفاته أكمل الصفات، فلا تَعدل عما سَمَّى به نفسه إلى غيره، كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ إلى ما وصفه به المُبطلون والمُعَطِّلون» (١).
وقال أبو سليمان الخَطَّابي: «ومن علم هذا الباب- أعني الأسماء والصفات- ومما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط: أنَّه لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يُستعمل فيها القياس؛ فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارض الكلام:
فـ (الجواد) لا يجوز أن يُقاس عليه السخي وإن كانا متقاربين في ظاهر الكلام، وذلك أن السخيَّ لم يَرد به التوقيفُ، كما ورد بـ (الجواد).
و (القوي) لا يُقاس عليه الجَلْد، وإن كانا يتقاربان في نعوت الآدميين؛ لأن باب التَّجَلُّد يدخله التَّلف والاجتهاد.
ولا يُقاس على (القادر): المُطيق ولا المُستطيع.
وفي أسمائه (العليم) ومن صفته العلم، فلا يجوز قياسًا عليه أن يسمى عارفًا؛ لما تقتضيه المعرفة من تقديم الأسباب التي بها يتوصل إلى علم الشيء، وكذلك لا يُوصف بالعاقل.
وهذا الباب يجب أن يُراعى ولا يُغفل؛ فإنَّ عائدته عظيمة، والجهل به ضارٌّ، وبالله التؤفيق» (٢).
وقال السفاريني في منظومته:
لكنَّها في الحقِّ توقيفية … لنا بِذَا أدلة وَفِيَّة
стр. 77
ثم قال في شرحه: «لكنها- أي: أسماء الله- في القول الحق المُعتمد عند
أهل الحق: توقيفية بنصِّ الشرع وورود السمع بها، ومما يجب أن يُعلم أنَّ علماء السنة اتفقوا على جواز إطلاق الأسماء الحسنى والصفات على البارئ جل وعلا إذا وَرَد بها الإذنُ من الشارع، وعلى امتناعه على ما ورد المنع عنه» (١).
ج- الأدلة على كون أسماء الله توقيفية:
من خلال ما تقدَّم مِنْ نُقول يتضح لك مَدى تمسُّك علماء أهل السنة بالتوقيف في باب الأسماء الحسنى، ومنعهم لاستخدام القياس اللغوي والعقلي في هذا الباب.
وهذا هو القول الحقُّ الذي تدل عليه النصوص الشرعية، ومنها ما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾:
فهذه الآية تدلُّ على أنَّ الأسماء توقيفية من وجهين:
١ - قوله: ﴿الأَسْمَاءُ﴾ جاءت معرفة (بأل)، وهي هنا للعهد؛ فالأسماء بذلك لا تكون إلا معهودة، ولا معروف في ذلك إلا ما نصَّ عليه في الكتاب أو السنة (٢).
٢ - قوله: ﴿الْحُسْنَى﴾ وصف يدلُّ على أنه ليس في الأسماء الأخرى أحسن منها، وأنَّ غيرها لا يقوم مقامها ولا يؤدي معناها (٣)؛ فلا يجوز بحال أن يُدخل في أسماء الله ما ليس منها، فهذا الوصف يُؤكد كونها توقيفية.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَأنه سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال الإمام البغوي: «قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته
стр. 78
بما لم يَتَسَمَّ به ولم ينطق به كتابُ الله ولا سنة رسوله ﷺ » (١).
وقال ابنُ حَجَر: «قال أهل التفسير: من الإلحاد في أسمائه: تسميته بما لم يَرد في الكتاب أو السُّنَّة الصَّحيحة» (٢).
وقال ابنُ حَزْم: «منع تعالى أن يُسَمَّى إلَّا بأسمائه الحسنى، وأخبر أنَّ مَنْ سَمَّاه بغيرها فقد ألحد» (٣).
وبهذا يتبين أنَّ هذه الآية دليل على أنَّ أسماء الله توقيفية، وأن مخالفة ذلك وتسميته تعالى بما لم يُسَمِّ به نفسه ميل بها عما يجب فيها؛ فالإقدام على فعل شيء من ذلك هو نوع من الإلحاد في أسماء الله.
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومَن جعله تسبيحًا للاسم يقول: المعنى: أنك لا تُسَمِّ به غير الله، ولا تُلحد في أسمائه؛ فهذا ما يستحقه اسم الله» (٤)، فإذا فُسِّرت الآية بهذا الوجه ففيها دليل على كلِّ ما سبق في الآية التي قبلها من اعتبار تَسميته بما لم يُسَم به نفسه من أنواع الإلحاد في أسمائه.
رابعًا: قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.
فإذا كانت هذه الآيات تُحَرِّم وتُحَذِّر من الخوض في الأمور المغيبة عند فقد الدليل الشرعي، فإن ذلك التحريم والتحذير يدخل فيه باب أسماء الله باعتباره من الأمور المغيبة التي لا تُعرف إلا من طريق النص الشرعي.
ولذلك من الواجب هنا الاقتصار على الأسماء الواردة في النصوص
стр. 79
وترك ما سواها.
خامسًا: حديث: «ما أصاب عبدًا قطُّ همٌّ ولا غَمٌّ ولا حَزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أَمَتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك؛ سَمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا مِنْ خَلقك، أو استأثرت به في عِلم الغَيب عندك … »، الحديث (١)، والشاهد في الحديث قوله: «أسألُك بكلِّ اسم هو لك سَمَّيت به نفسك».
فالله تعالى هو الذي يسمِّي نفسه، وليس لأحد مِنْ خَلقه أن يسمي الله تعالى بشيء من عنده، فأسماء الله أمور حكمها الغيب وحكمها التوقيف والخبر؛ فلا بد من الرجوع إلى ذلك. هذا قول أهل السنة والجماعة.
قال ابنُ القَيِّم: «فالحديث صريح في أنَّ أسماءه ليست مِنْ فعل الآدميين وتسمياتهم» (٢).
و (أو) في قوله: «سَمَّيت به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابِك»: حرف عطف، والمعطوف بها أخص مما قبله؛ فيكون من باب عطف الخاص على العام، فإنَّ ما سمى به نفسه يتناول جميع الأنواع المذكورة بعده، فيكون عطف كل جملة منها من باب عطف الخاص على العام، فوجه الكلام أن يقال: «سَمَّيت به نفسك؛ فأنزلته في كتابك، أو عَلَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» (٣).
د- الذين خالفوا الحقَّ في هذه المسألة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والناس مُتنازعون: هل يُسَمَّى الله
بما صَحَّ معناه في اللغة والعقل والشرع وإن لم يَرد بإطلاقه نصٌّ ولا إجماع، أم لايُطلق إلا ما أطلق نصًّا أو إجماعًا، على قولين مَشهورين:
стр. 80
١ - فعامَّة النُّظَّار- أي: أهل الكلام- يُطلقون ما لا نَصَّ في إطلاقه ولا إجماع؛ كلفظ القديم والذات، ونحو ذلك.
٢ - ومِن الناس مَنْ يُفَصِّل بين الأسماء التي يُدعى بها وبين ما يُخبر به عنه للحاجة؛ فهو- سبحانه- إنَّما يُدعى بالأسماء الحسنى، كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
وأمَّا إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم ولا موجود ولا ذات قائمة بنفسها، ونحو ذلك. فقيل: بل هو سبحانه قديم موجود وهو ذات قائمة بنفسها. وقيل: ليس بشيء. فقيل: بل هو شيء. فهذا سائغ، وإن كان لا يُدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدل على المدح» (١).
فالذين خالفوا الحقَّ في هذه المسألة هم بعض أهل الكلام، كما أشار لذلك شيخ الإسلام في النقل السابق، ومِن هؤلاء بعض المعتزلة وبعض الأشاعرة، وكذلك الكرَّامِيَّة.
أمَّا عن المعتزلة فهم ينقسمون إلى قسمين: معتزلة البصرة. ومعتزلة بغداد.
فالاعتزال أول ظهوره كان في البصرة، ثم بعد ذلك أصبحت هناك مدرسة للمعتزلة في بغداد.
فمعتزلة البصرة لا يلتزمون التوقيف في أسماء الله ؛ فقد ذكر البغداديُّ: أن المعتزلة البصرية أجازوا إطلاق الأسماء عليه بالقياس» (٢).
وقال أبو الحسن الأشعريُّ: «واختلفت المعتزلة: هل يجوز أن يُسَمِّي البارئ عالمًا مَنْ استدل على أنَّه عالم بظهور أفعاله عليه وإن لم يأته السَّمعُ مِنْ قِبَل الله سبحانه؛ بأن يُسَمِّيه بهذا الاسم أم لا؟ على مقالتين:
стр. 81
فزعمت الفرقة الأولى منهم: أنه جائز أن يسمِّي الله سبحانه عالمًا قادرًا حيًّا سميعًا بصيرًا مَنْ استدل على معنى ذلك أنه يليق بالله وإن لم يأت به رسول.
وزعمت الفرقة الثانية: أنه لا يجوز أن يسمي الله سبحانه بهذه الأسماء مَنْ دَلَّه العقل على معناها، إلا أن يأتيه بذلك رسولٌ مِنْ قِبل الله سبحانه يأمره بتسميته بهذه الأسماء» (١).
٢ - وأمَّا عن الأشاعرة، فإن جمهورهم مع أهل السنة في كون أسماء الله توقيفية وكذلك الماتريدية، ولكن القاضي الباقلاني- من الأشاعرة- لا يَشترط التوقيف، واشترط أمرين هما:
١ - أن يدل على معنى ثابت لله تعالى.
٢ - ألَّا يكون إطلاقه موهمًا لما لا يليق بالله تعالى (٢).
وتوقف الجويني في هذه المسألة؛ فهو يَرى أنَّ الجواز وعدمه حكمان شرعيَّان لا سبيل إلى إطلاق أحدهما إلا بإذن الشرع ولم يأت، ولذا قال بالتوقُّف (٣).
قال السفاريني: «الجمهور مَنعوا إطلاق ما لم يأذن به الشرع مطلقًا، وجَوَّزه المعتزلة مطلقًا، ومال إليه بعضُ الأشاعرة؛ كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وتوقف إمام الحرمين الجوينى» (٤).
٣ - وأمَّا الكرامية، فقد قال الرازي: «وقالت المعتزلة والكرامية: إن اللفظ إذا دلَّ العقل على أنَّ المعنى ثابت في حق الله سبحانه جاز إطلاق ذلك اللفظ على الله؛ سواء ورد التوقيف به أو لم يَرد» (٥).
стр. 82
وإنَّ مما لا شَكَّ فيه أن إسقاط شرط التوقيف في باب أسماء الله ضرره عظيم، وأذكر لك قصة تبين فساد قول القائلين بإسقاط هذا الشرط؛ فمعتزلة البصرة يُسقطون هذا الشرط، وشيخهم الجبائي في ذلك الوقت قد اعترض عليه أبو الحسن الأشعري- وكان ربيبه (١) - عندما دخل رجلٌ على الجبائي؛ فقال: هل يجوز أن يسمى الله تعالى عاقلًا؟ فقال الجبائي: لا؛ لأنَّ العقل مُشتق من العقال، وهو المانع، والمنع في حق الله تعالى محال؛ فامتنع الإطلاق.
قال الشيخ أبو الحسن (الأشعري): فقلتُ له: فعلى قياسك لا يُسَمَّى الله- سبحانه- حكيمًا؛ لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام. وهي الحديدة المانعة للدَّابة عن الخروج، ويَشهد لذلك قول حسان بن ثابت ﵁:
فنحكم بالقوافي من هجانا … ونضرب حين تختلط الدماء (٢)
وقول الآخر (٣):
أبي حنيفة أحكموا سفهاءكم … إني أخاف عليكمو أن أغضبا
أي: «نمنع بالقوافي من هجانا»، و «امنعوا سفهاءكم».
فإذا كان اللفظ مشتقًّا من المنع، والمنع على الله محال- لزمك أن تَمنع إطلاق (حكيم) عليه .
стр. 83
فوقع الجبائي بهذا في هذا الفخ، وأُلزم بلازم قوله؛ فلا يمكن للجبائي أن يقول: لا أُسَمِّيه حكيمًا؛ لأنه قد ورد في القرآن.
فلأنه ألغى شرط التوقيف، وبنى عليه هذا الحكم- وقع في محظور، وهو أنه بناء على قياسه هذا يلزم أن يمنع الحكيم كما يمنع العاقل؛ لأن مدار الكلمتين على المنع.
قال الأشعري: فلم يَحر جوابًا، إلا أنه قال لي: فَلِمَ مَنعتَ أنت أن يُسَمَّى الله سبحانه عاقلًا، وأجزتَ أن يسمَّى حكيمًا؟
قال (أي: الأشعري): فقلت له: لأنَّ طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي، دون القياس اللغوي. فأطلقت (حكيمًا)؛ لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلًا؛ لأن الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقتُه» (١).
فالشاهد: أن أسماء الله توقيفية؛ لا مجال للعقل فيها، فليس لك أن تستعمل في إثباتها القياس العقلي أو القياس اللغوي، وعليك أن تلتزم بما ورد في أسماء الله ؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولًا﴾، فالله أدَّبنا أن لا نتكلم في أمر لا علم لنا به.
والملائكة- مع فضلهم- لا عِلم لهم إلا ما عَلَّمهم الله؛ قال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، ونحن طريق العلم عندنا هو الوحي؛ فبالتالي ما كان وحيًا آمنَّا به.
وقال تعالى عندما ذَكر المحرمات: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، والعلماء يقولون: تدرج هنا من الأدنى إلى الأعلى، فعلى هذا أعلى المحرمات: هو أن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
стр. 84
لذا يجب على المسلم أن يحذر حذرًا شديدًا من أن يتقول على الله تعالى بغير علم.
والعلماء عندما أخذوا بالاشتقاق أخذوه من طريق النص، وهكذا ما ورد مضافًا، وهذا ليس بخروج عن التوقيف.
ثم قال المصنف: «لأن تسميته- تعالى- بما لم يُسَمِّ به نفسَه أو إنكار ما سَمَّى به نفسه جناية في حقِّه تعالى»، وهذا سيأتي أنه نوع من أنواع الإلحاد في أسماء الله تعالى، وهو قاعدة مستقلة.
* * *
стр. 85
قال المصنف ﵀:
«القاعدة السادسة
أسماء الله- تعالى- غير محصورة بعدد معين ؛ لقوله ﷺ في الحديث المشهور: «أسألُك بكلِّ اسم هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابك، أو عَلَّمْتَه أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في عِلم الغيب عندك»، الحديث، رواه أحمدُ وابنُ حِبَّان والحاكم، وهو صحيحٌ.
وما استأثر الله- تعالى- به في علم الغيب لا يُمكن أحدًا حصره، ولا الإحاطة به.
الشرح
أسماء الله الحُسنى لا تَدخل تحت حصر ولا تُحد بعددٍ؛ فإنَّ لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يَعلمها مَلكٌ مُقَرَّب ولا نبيٌّ مُرسل (١)، وهذا هو الصواب، وعلى ذلك مضى سلفُ الأمة وأئمتها، وهو قول جمهور العلماء، ولم يخالفهم فيه إلا طائفة من المتأخرين؛ كابن حزم وغيره (٢).
أدلة الجمهور على أن اسماء الله غير محصورة:
مما احتح به الجمهور لقولهم في هذه المسألة ما يلي:
١ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما أصاب
стр. 86
عبدًا قطُّ همٌّ ولا غَم ولاحزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضي في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك سَمَّيْتَ به نفسك، أو أنرلتَه في كتابك، أو عَلَّمته أحدًا مِنْ خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تَجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب هَمِّي وغمي- إلا أذهب اللهُ همَّه وغمَّه، وأبدله مكانه فرحًا». قالوا: يا رسول الله، أفلا تتعلمهن؟ قال: «بلى، يَنبغي لمن يسمعهن أن يَتعلمهن» (١).
والشاهد من هذا الحديث قوله: «أو استأثزت به في عِلم الغيب عندك»، فهو دليل على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين، وأنَّ له أسماءً وصفاتٍ استأثر بها في علم الغيب عنده لا يَعلمها غيرُه (٢)، ففي هذا الحديث جعل أسماءه ثلاثة أقسام (٣):
стр. 87
١ - قسم سَمَّى به نفسه؛ فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم يَنزل به كتابه.
٢ - وقسم أنزل به كتابَه؛ فتعَرَّف به إلى عباده.
٣ - وقسم استأثر به في علم غَيبه؛ فلم يُطلع عليه أحد من خلقه. ولهذا قال: «استأثرتَ به»، أي: انفردت بعلمه، وليس المراد: انفراده بالتسمي به؛ لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أَنزل بها كتابه (١).
وقال الخطابيُّ عند هذا الحديث: «فهذا يدلُّك على أنَّ لله أسماء لم يُنزلها في كتابه، حَجبها عن خلقه، ولم يُظهرها لهم» (٢).
وقال ابن كثير: «ثم ليُعلم أنَّ الأسماء الحسنى غير مُنحصزة في تسعة وتسعين» (٣)، واستدل لذلك بهذا الحديث.
٢ - ومما يستدل به ما ثَبت في الصَّحيح: أنَّ النبي ﷺ كان يقول في سجوده: «اللهم إني أَعوذ برضاك من سَخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك مِنك، لا أُحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك» (٤).
والشاهد من الحديث هو قوله: «لا أُحصي ثناء عليك».
وأمَّا عن وجه الاستشهاد؛ فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأخبر أنَّه لا يُحصي ثناء عليه، ولو أَحصى أسماءه لأحصى صفاتِه كلها فكان يُحصي الثناء عليه؛ لأن صفاتِه إنَّما يُعبر عنها بأسمائه» (٥).
стр. 88
٣ - ويستدل كذلك بقوله ﷺ في حديث الشفاعة: «فيَفتح عليَّ من محامده بما لا أُحسنه الآن» (١).
قال ابن القيم ﵀: «وتلك المحامد تَفِي بأسمائه وصفاته» (٢).
٤ - أن الأسماء الواردة في الكتاب والسنة أكثر من تِسعة وتسعين؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإن قيل: لا تَدعو إلا باسم له ذِكر في الكتاب والسنة! قيل: هذا أكثر مِنْ تسعة وتسعين» (٣).
وقال محمد بن المرتضى اليماني: «وقد ثبت أنَّ أسماء الله تعالى أكثر من ذلك المروي (أي: التسعة والتسعون) بالضرورة؛ فإنَّ في كتاب الله أكثرَ من ذلك» (٤).
* * *
стр. 89
قال المصنف ﵀:
«فأمَّا قوله ﷺ : «إنَّ للهِ تسعة وتسعين اسمًا؛ مائة إلا واحدًا، مَنْ أحصاها دخل الجنة»، فلا يدلُّ على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: إنَّ أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا؛ مَنْ أحصاها دخل الجنة، أو نحو ذلك.
إذًا فمعنى الحديث: أن هذا العدد من شأنه أنَّ مَنْ أحصاه دخل الجنة. وعلى هذا فيكون قوله: «مَنْ أحصاها دخل الجنة» جملة مكملة لما قبلها، وليست مستقلة. ونظير هذا أن تقول: عندي مائة درهم أَعددتها للصدقة؛ فإنه لا يَمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تَعدها للصَّدقة».
الشرح
قوله ﷺ : «إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا؛ مائة إلا واحدًا، مَنْ أحصاها دخل الجنة» متفق عليه (١)، وفي رواية: «مَنْ حَفِظها» (٢).
الشاهد من الحديث: قوله: «مَنْ أحصاها»، «مَنْ حَفِظها».
ثانيا: معاني الإحصاء:
معنى قوله: «مَنْ أحصاها» قد ذكر فيه الخطابي (٣): «أربعة أوجه»، وهي:
المعنى الأول: العدُّ، كما في قوله سبحانه: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾،
стр. 90
فيكون معنى «أحصاها» في الحديث: أنه يعدُّها ليستوفيها حفظًا، فيدعو ربه بها.
وقد استدل على صحة هذا التأويل بما ورد في رواية سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ لله تسعة وتسعين اسمًا؛ مائة غير واحد، مَنْ حفظها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر» (١).
قال الخطَّابيُّ عند هذا الوجه: «وهو أظهرها».
وقال النوويُّ: «قال البخاري وغيره من المحققين: معناه: حفظها، وهذا هو الأظهر؛ لثبوته نصًّا في الخبر، وهو قول الأكثرين» (٢).
وقال ابن الجوزي: «لما ثبت في بعض طرق الحديث: «مَنْ حَفِظها» بدل «مَنْ أحصاها» - اخترنا أن المراد «العَد»؛ أي: مَنْ عَدَّها؛ لِيستوفيها حفظًا».
واعترض الحافظ ابنُ حجر على هذا الوجه فقال: «وفيه نظر؛ لأنه لا يَلزم من مجيئه بلفظ: «حفظها» تعيين السَّرد عن ظهر قلب، بل يُحتمل الحفظ المعنويُّ».
وقال الأصيليُّ: «ليس المراد بالإحصاء: عدها فقط؛ لأنه قد يعدُّها الفاجر، وإنما المراد: العلم بها».
وقال ابن بطال: «إنَّ مَنْ حفظها عدًّا وأحصاها سردًا ولم يعمل بها- يكون كمن حفظ القرآن ولم يَعمل بما فيه، وقد ثبت الخبر في الخوارج: أنهم يقرءون القرآن ولا يجاوز حناجرهم» (٣).
المعنى الثاني: الطاقة، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾، أي: لن تُطيقوه.
стр. 91
وكقول النبي ﷺ : «استقيموا ولن تُحصوا» (١)؛ أي: لن تُطيقوا كل الاستقامة.
فيكون معنى: «أحصاها» في الحديث: أي: يطيقها، بحسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها في معاملة الربِّ سبحانه بها، وذلك مثل أن يقول: (يا رحمن يا رحيم)؛ فيخطر بقلبه الرحمة، ويعتقدها صفة لله ؛ فيرجو رحمته، ولا ييأس من مغفرته؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
وإذا قال: (السميع البصير) علم أنه لا يَخفى على الله خافية، وأنه بمرأى منه ومسمع؛ فيخافه في سرِّه وعلنِه، ويُراقبه في كافة أحواله.
فإذا قال: (الرَّزَّاق) اعتقد أنه المتكفِّل برزقه، يسوقه إليه في وقته؛ فيَثق بوعده، ويعلم أنه لا رازق له غيره، ولا كافي له سواه.
وإذا قال: (المنتقم) استشعر الخوف من نقمته، واستجار به من سخطه.
وإذا قال: (الضار النافع) اعتقد أنَّ الضر والنفغ من قِبَل الله جلَّ وعزَّ لا شريك له، وأن أحدًا من الخلق لا يجلب إليه خيرًا، ولا يصرف عنه شرًّا، وأن لا حول لأحد ولا قوة إلا به.
وكذلك إذا قال: (القابض الباسط)، و (الخافض الرافع)، و (المعز المذل)، وعلى هذا سائر الأسماء (٢).
وقال ابن حجر: «وقيل: معنى «أحصاها»: عَمِل بها، فإذا قال: (الحكيم) - مثلًا- سَلَّم بجميع أوامره؛ لأن جميعها على مقتضى الحكمة، وإذا قال: (القدُّوس) استحضر كونه منزهًا عن جميع النقائص. وهذا اختيار أبي الوفاء بن عقيل. وقال ابن بطال: «طريق العمل بها: أنَّ الذي يسوغ
стр. 92
الاقتداء به فيها كـ (الرحيم)، و (الكريم)، فإن الله يحب أن يرى حلاها على عبده؛ فليمرن نفسه على أن يصحَّ له الاتِّصاف بها. وما كان يختص به تعالى كـ (الجبَّار) و (العظيم)؛ فيجب على العبد الإقرار بها والخضوع لها، وعدم التَّحلِّي بصفة منها.
وما كان فيه معنى الوعد نقف منه عند الطَّمع والرَّغبة.
وما كان فيه معنى الوعيد نقف منه عند الخشية والرَّهبة.
فهذا معنى «أحصاها» و «حفظها».
وقال أبو نُعيم الأصبهاني: «الإحصاء المذكور في الحديث ليست هو التعداد، وإنما هو العمل والتَّعقُّل بمعاني الأسماء والإيمان بها» (١).
المعنى الثالث: أن يكون الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة.
وهذا المعنى مأخوذ من الحصاة، وهي: العقل.
قال طَرَفة:
وإن لسان المرء ما لم تكن له … حصاة على عوراته لدليل (٢)
والعرب تقول: فلان ذو حصاة؛ أي: ذو عقل ومعرفة بالأمور.
فيكون معنى «أحصاها»: أنَّ مَنْ عرفها وعقل معانيها وآمن بها- دخل الجنة (٣).
قال أبو عمرو الطَّلمنكي: «مِنْ تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله ﷺ : المعرفة بالأسماء والصفات وما تتضمن من الفوائد، وتدل عليه مِنْ الحقائق، ومَن لم يعلم ذلك لم يكن عالمًا لمعاني الأسماء، ولا مستفيدًا بذكرها وما تدلُّ عليه من المعاني» (٤).
стр. 93
المعنى الرابع: أن يكون معنى الحديث: أن يقرأ القرآن حتى يختمه؛ فيستوفي هذه الأسماء كلها في أضعاف التلاوة، فكأنه قال: مَنْ حفظ القرآن وقرأه فقد استحق دخول الجنَّة (١).
قال الحافظ ابن حجر: «وقيل: المراد بالحفظ: حفظ القرآن؛ لكونه مستوفيًا لها؛ فمن تلاه ودعا بما فيه من الأسماء حصل المقصود. قال النووي: «هذا ضعيف».
وقيل: المراد: مَنْ تَتَبَّعها مِنْ القرآن» (٢).
والحق والصواب: أن الإحصاء شامل لهذه الأمور جميعها، فلا بد من الجمع بين الإحصاء النظري المُتمثل في العلم بها وحفظها وحفظ النصوص الدالة عليها. والإحصاء الفقهيِّ المتمثل في فَهم معانيها ومدلولاتها والإيمان بآثارها. والإحصاء العملى الذي هو العمل بمقتضاها ودعاء الله بها.
قال ابن بطال: «الإحصاء يقع بالقول، ويقع بالعمل؛ فالذي بالعمل: أنَّ لله أسماء يختصن بها؛ كالأحد والقدير، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها. وله أسماء يستحبُّ الاقتداء بها في معانيها؛ كالكريم والعَفُو؛ فيسحب للعبد أن يتحلى بمعانيها؛ ليؤدي حقَّ العمل بها، فبهذا يحصل الإحصاء العملي.
وأمَّا الإحصاء القولي فيحصل بجمعها وحفظها والسؤال بها، ولو شارك المؤمن غيره في العَدِّ والحفظ، فإن المؤمن يَمتاز عنه بالإيمان والعمل بها» (٣).
* * *
стр. 94
قال المصنف ﵀:
«ولم يصح عن النبي ﷺ تعيين هذه الأسماء، والحديث المروي عنه في تعيينها ضعيف.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه في «الفتاوى» (ص ٣٨٢، ج ٦) من مجموع ابن قاسم: «تَعْيينها ليس من كلام النبي ﷺ باتِّفاق أهل المعرفة بحديثه»، وقال قبل ذلك (ص ٣٧٩): «إن الوليد ذكرها عن بعض شُيوخه الشاميين، كما جاء مُفَسَّرًا في بعض طُرق حديثه». اهـ. وقال ابن حجر في
«فتح الباري» (ص ٢١٥، ج ١١، ط. السلفية): «ليست العلة عند الشيخين (البخاري ومسلم) تفرُّد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه والاضطراب، وتدليسه، واحتمال الإدراج». اهـ.
* * *
الشرح
لم يَرد حديثٌ صحيح عن النبي ﷺ في تعيين التسعة والتسعين اسمًا، وأشهر ما عند الناس فيها هو حديث الترمذي الذي رواه الوليد بن مسلم، وحُفَّاظ أهل الحديث يقولون: إنَّ هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه؛ فهي مُدرجة في الحديث (١).
ولذلك فإنَّ من الخطأ التعويل على هذا العَدِّ وقَصر الناس عليه؛ ففي الكتاب والسنة أسماء ليست في ذلك الحديث؛ مثل: اسم (الرَّب) و (المنان) و (السبوح) و (الوتر) و (الشافي)، وغيرها كثير (٢).
стр. 95
وكذلك هناك أسماء في العدِّ الوارد في الحديث- لم تَثبت في النصوص، وهي محل نظر (١).
وقال ابن عطية في «تفسيره»: «في سرد الأسماء نظر؛ فإنَّ بعضها ليس في القرآن ولا في الحديث الصحيح» (٢).
وقال ابن حزم: «والأحاديث الواردة في سرد الأسماء ضعيفة؛ لا يصحُّ منها شيء أصلًا» (٣).
وقال ابن القيم ﵀: «والصحيح: أنه- أي: العد- ليس مِنْ كلام النبي ﷺ » (٤).
وقال ابن حَجر: «ورواية الوليد تُشعر بأن التعيين مُدرج» (٥).
* * *
стр. 96
قال المصنف ﵀:
«ولمَّا لم يصح تعيينها عن النَّبي ﷺ اختلف السلف فيه، ورُوِيَ عنهم في ذلك أنواع، وقد جمعتُ تِسعة وتسعين اسمًا مما ظهر لي من كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ .
فمن كتاب الله تعالى:
الله … الأحد … الأعلى … الأكرم … الإله … الأوَّل
والآخر … والظاهر … والباطن … البارئ … البَر … البصير
التَّوَّاب … الجبار … الحافظ … الحسيب … الحفيظ … الحَفِي
الحق … المبين … الحكيم … الحليم … الحميد … الحي
القيوم … الخبير … الخالق … الخلاق … الرءوف … الرحمن
الرحيم … الرزاق … الرقيب … السَّلام … السَّميع … الشاكر
الشكور … الشهيد … الصمد … العالم … العزيز … العظيم
العفو … العليم … العلي … الغفار … الغفور … الغني
الفتاح … القادر … القاهر … القدوس … القدير … القريب
القوي … القهار … الكبير … الكريم … اللطيف … المؤمن
المتعالي … المتكبر … المتين … المجيب … المجيد … المحيط
المصور … المقتدر … المُقيت … الملك … المليك … المولى
المهيمن … النصير … الواحد … الوارث … الواسع … الودود
الوكيل … الولي … الوهَّاب … - … - … -
стр. 97
ومن سُنَّة رسول الله ﷺ :
الجَميل … الجواد … الحَكَم … الحَي … الرَّب … الرفيق
السُّبُّوح … السيد … الشافي … الطيب … القابض … الباسط
المُقَدِّم … المُؤخر … المُحسن … المُعطي … المنان … الوتر
هذا ما اخترناه بالتتبع: واحد وثمانون اسمًا في كتاب الله تعالى، وثمانية عشر اسمًا في سنة رسول الله ﷺ ، وإن كان عندنا تردُّد في إدخال (الحفي)؛، لأنه إنما ورد مُقيدًا في قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾، وما اخترناه فهو حسب علمنا وفهمنا، وفوق كل ذي علمٍ عليم، حتى يصل ذلك إلى عالم الغيب والشهادة ومن هو بكل شيءٍ عليم.
الشرح
قال ابنُ حَجَر ﵀: «إذا تقرَّرَ رُجحان أنَّ سرد الأسماء ليس مرفوعًا (١)، فقد اعتنى جماعة بتتبعها من القرآن مِنْ غير تقييد بعدد» (٢).
نماذج لاجتهادات أهل العلم في جمع الأسماء الحسنى:
إذا تبيَّن أن الروايات في عدِّ الأسماء ليست من كلام النبي ﷺ ، فإن الحقيقة التي يجب أن تُقرَّر في هذا المقام: أنَّ جميع ما ورد من جمع للأسماء الحسنى إنَّما هو من اجتهاد أهل العلم من خلال استقرائهم للنُّصوص، والملاحظ على تلك الاجتهادات ما يلي:
стр. 98
١ - اقتصار الأغلب في جمعهم على عدِّ تسعةٍ وتسعين اسمًا من أسماء الله الحسنى، ولعلّ المقصود من هذا التّقيّد هوتحصيل الفضل الوارد في الحديث، إذ الفضل قد ورد فيمن أحصى هذا القدر من أسماء الله.
٢ - الاقتصار كذلك على تَتبُّع تلك الأسماء في سور القرآن الكريم فقط، دون الرُّجوع إلى السنة الصَّحيحة، ولعل السَّبب يرجع في ذلك إلى صعوبة تتبُّع ما ورد في السنة؛ إذ أنَّه يحتاج إلى جهدٍ في الاستقصاء، مع ملاحظة أن غالب مَنْ يعتني بعدِّ الأسماء يقتصرعلى عدٍّ تسعةٍ وتسعين- كما أسلفنا- لتحصيل فضل ما ورد في الحديث، وبما أنهم يستخرجون ذلك العدد من القرآن، فإنهم يَكتفون بذلك.
٣ - الاختلاف في العدِّ بين جمعٍ وآخر، ويَندر أن تجد اتِّفاقًا كليًّا بين جمعين؛ لأن الاستقراء قد يختلف من شخص لآخر، وكذلك الضابط في تعيين ما يَنطبق عليه شرط الاسم قد يختلف؛ فهناك مَنْ يتوسَّع، وهناك مَنْ يتقيَّد بشروط مُعيَّنة بحسب ما وصل إليه اجتهاد كلِّ واحد منهم.
ومن خلال استقراء أدلَّة الأسماء التي جُمِعَت مِنْ قِبَل العلماء، فإنَّه يمكن تصنيف تلك الأسماء على النَّحو التَّالي:
١ - أسماء وردت بصورة الاسم؛ إمَّا في القرآن والسنة معًا، أو في القرآن فقط، أو في السُّنَّة فقط.
٢ - أسماءٌ لم تَرد بصورة الاسم، وإنَّما وردت بالإضافة أو الاشتقاق، وبعضها قد يُؤخَذ من النُّصوص بضربٍ من التَّكلُّف.
٣ - أسماءٌ لا يصحُّ أن تُطلَق في باب الأسماء، ولا يصحُّ إيرادها في هذا الباب، وإن كانت قد ترجع إمَّا إلى باب الصِّفات أو باب الأخبار.
وسأعرض نماذج لجمع العلماء لتلك الأسماء، وقد اخترتُ ثمانية عشر جمعًا لعلماء من عصورٍ مختلفةٍ، ورتَّبت ذلك ترتيبًا زمنيًّا على النَّحو التالي:
стр. 99
١ - جمعُ جعفر الصَّادق (٨٥ - ١٤٨ هـ)، وقد ذُكِرَ ذلك الجمع في «فتح الباري» (١١/ ٢١٧).
٢ - جمعٌ لأبي زيد اللغويِّ، أقرَّه عليه سفيان بن عيينة (١٥٧ - ١٩٨ هـ)، وقد ذُكِرَ ذلك الجمع في «فتح الباري» (١١/ ٢١٧، ٢١٨).
٣ - جمعٌ لأبي سليمان؛ حمد بن محمد الخطَّابيِّ (٣١٩ - ٣٨٨ هـ)، أورده في كتابه «شأن الدُّعاء».
٤ - جمعٌ للحافظ محمد بن إسحاق بن منده (٣١٥ - ٣٩٥ هـ)، أورده في كتابه «التَّوحيد»، الجزء الثاني.
٥ - جمعٌ لأبي عبد الله؛ الحسين بن الحسن الحليمي (٣٣٨ - ٤٠٣)، أورده في كتابه «المنهاج في شعب الإيمان» (١/ ١٨٨ - ١٥٩)، ووافقه على ذلك أبو بكر؛ أحمد بن الحسين البيهقي (٣٨٤ - ٤٥٨ هـ) في كتابه «الأسماء والصِّفات» (ص ٢٣ - ١١٨).
٦ - جمعٌ لأبي محمد؛ علي بن أحمد بن حزم (٣٨٤ - ٤٥٦ هـ)، أورده في كتابه «المحلى» (٨/ ٣١).
٧ - جمعٌ لقَوَّام السُّنَّة؛ إسماعيل بن محمَّد بن الفضل الأصبهانيِّ (٤٥٧ - ٥٣٥ هـ)، أورده في كتابه «الحُجَّة في بيان المحجَّة» (١/ ١١٤ - ١١٦)، علمًا بأنَّه لم يَقصد بذكره للأسماء جمع تلك الأسماء على سبيل الاستقصاء.
٨ - جمعٌ لأبي بكر؛ محمَّد بن عبد الله القرطبي، المشهور بابن العربي المالكي (٤٦٨ - ٥٤٣ هـ)، أورده في كتابه «أحكام القرآن» (٢/ ٨٠٨ - ٨١٥).
٩ - جمعٌ لأبي عبد الله؛ محمَّد بن أحمد الأنصاري القرطبي المُفسِّر ( … - ٦٧١ هـ) في كتابه «الأسنى في شرح الأسماء الحسنى»، مع العلم أنَّ الكتاب مخطوطٌ وهو ناقصٌ، وقد أكملت النَّقص من كتاب «تلخيص الحبير» لابن حجر كما عزاه إلى القُرطبيِّ.
١٠ - جمعٌ لأبي عبد الله؛ محمَّد بن أبي بكر الدِّمشقي، المعروف بابن
стр. 100
قيم الجوزيَّة، المتوفى سنة (٧٥١ هـ)، وقد اسخلصت هذا الجمع من نُونيَّته المسمَّاة: «الكافية الشَّافية في الانتصار للفرقة النّاجيه»، وكذا من كتاب «مدارج السّالكين»، وكتاب «بدائع الفوائد».
١١ - جمعٌ لمحمد بن المرتضى اليماني، المعروف بابن الوزير، المتوفَّى سنة (٨٤٠ هـ) في كتابه «إيثار الحقِّ على الخلق» (ص ١٧١، ١٧٢).
١٢ - جمع لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) في كتابه «فتح الباري» (١١/ ٢١٩).
١٣ - جمع لعبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، المتوفى سنة (١٣٧٦ هـ) في كتابه «تيسير الكريم الرَّحمن في تفسيركلام المنَّان» (٦/ ٢٩٨ - ٣٠٥).
١٤ - جمع لمحمد بن صالح بن عثيمين في كتابه «القواعد المُثلَى»، وهو المذكور هنا في هذا «المتن» الذي نحن بصدد شرحه.
١٥ - جمعٌ لسعيد بن عليِّ القحطانيِّ- وهو من طلبةِ العلم المعاصرين- في كتابه «شرح الأسماء الحسنى في ضوء الكتاب والسُّنَّة».
١٦ - جمع لمحمَّد بن حمد الحمود- وهو من طلبة العلم المعاصرين- في كتابه «المنهج الأسمَى في شرح أسماء الله الحسنى».
١٧ - جمعٌ لأحمد بن عبده الشَّرباصيّ- مِنْ مشايخ مصر- في كتابه «موسوعة الأسماء الحسنى».
١٨ - جمعٌ لنُور الحُسن خان ابن الشَّيخ محمَّد صِدِّيق حَسن خان- من مشايخ الهند- في كتابه «الجوائز والصِّلات من جمع الأسامي والصِّفات» (١).
ثم قال المصنف بعد جمعه الخاص للأسماء الحسنى- قال: «وإن كان عندنا تردُّد في إدخال (الحفي)؛، لأنه إنما ورد مُقيدًا في قوله تعالى عن
стр. 101
إبراهيم: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾»، وقال في الشرح: «وهذا في الحقيقة عندي فيه شيء من التردد؛ لأنه قد يقال بأنه من الأفعال، وليس من الأسماء؛ لوردوه مقيدًا، فإنه قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾» (١).
وكذلك ذكر اسمَ (الحَفي) في جمعه: ابنُ العربي، والقرطبيُّ، وابنُ حَجَر، وابنُ الوزير، والشرباصيُّ.
стр. 102
قال المصنف المصنف ﵀:
«لم نذكر الأسماء المضافة، مثل: رب العالمين، وعالم الغيب والشهادة، وبديع السموات والأرض، وهي كثيرة؛ لأنه لم يتبين لنا أنها مرادة، والعلم عند الله» (١).
ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى اعتبار الأسماء المضافة وعَدِّها من ضمن الأسماء الحسنى؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في: «وكذلك أسماؤه المضافة؛ مثل: أرحم الراحمين، وخير الغافرين، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، وأحسن الخالقين، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، ومُقلب القلوب، وغير ذلك مما ثَبت في الكتاب والسنة، وثبت الدعاء بها بإجماع المسلمين» (٢).
والعلماء في عدِّهم لهذه الأسماء ما بين مُقِلٍّ ومُكثرٍ؛ فبعض تلك الأسماء التي عَدُّوها إضافتها واضحة في النُّصوص، والبعض منها لا تدلُّ النُّصوص صراحة على إضافتها.
* * *
стр. 103
قال المصنف ﵀:
«القاعدة السابعة
الإلحاد في أسماء الله- تعالى- هو الميل بها عمَّا يجب فيها، وهو أنواع:
الأول: أن يُنكِر شيئًا منها، أو ممَّا دَلَّت عليه الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم. وإنَّما كان ذلك إلحادًا لوجوب الإيمان بها، وبما دلَّت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك مَيْلٌ بها عمَّا يجب فيها.
الثاني: أن يجعلها دالَّة على صفات تُشابه صفات المخلوقين، كما فعل أهل التشبيه، وذلك لأنَّ التشبيه معنى باطل لا يُمكن أن تدل عليه النُّصوص، بل هي دالة على بطلانه، فجعلها دالة عليه ميل بها عمَّا يجب فيها.
الثالث: أن يُسَمَّى الله- تعالى- بما لم يُسَمِّ به نفسه؛ كتسمية النَّصارى له: (الأب)، وتسمية الفلاسفة إيَّاه: (العِلَّة الفاعلة)، وذلك لأنَّ أسماء الله تعالى توقيفية، فتسمية الله- تعالى- بما لم يُسَم به نفسه مَيْلٌ بها عمَّا يجب فيها، كما أنَّ هذه الأسماء التي سَمَّوه بها نفسها باطلة، يُنَزَّه الله تعالى عنها.
الرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كما فعل المشركون في اشتقاق العُزَّى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله،
стр. 104
على أحد القولين؛ فسموا بها أصنامهم، وذلك لأن أسماء الله- تعالى- مختصة به؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وقوله: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، فكما اختص بالعبادة وبالألوهية الحق، وبأنه يُسَبِّح له ما في السماوات والأرض، فهو مختص بالأسماء الحسنى، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختصُّ بالله ميلٌ بها عما يجب فيها.
والإلحاد بجميع أنواعه مُحَرَّم؛ لأنَّ الله- تعالى- هَدَّدَ الملحدين بقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ومنه ما يكون شركًا أو كفرًا حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية».
* * *
الشرح
الإلحاد في أسمائه: هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحقِّ الثابت لها.
والإلحاد مأخوذ من المَيل، كما يدل عليه مادته (ل- ح- د)؛ فمنه: اللحد، وهو الشَّق في جانب القبر الذي قد مال عن الوَسط.
ومنه المُلحد في الدين: المائل عن الحقِّ إلى الباطل؛ قال ابن السِّكِّيت: «الملحد: المائل عن الحقِّ المُدخِلُ فيه ما ليس فيه (١).
وفي قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَأنه سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ - قال الإمام البغوي: «قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته بما
стр. 105
لم يَتَسَمَّ به، ولم ينطق به كتابُ الله ولا سُنَّة رسوله ﷺ » (١).
وقال ابن حجر: «قال أهل التفسير: مِنْ الإلحاد في أسمائه: تسميته بما لم يَرد في الكتاب أو السنة الصحيحة» (٢).
والإلحاد في أسمائه تعالى أنواع.
أحدها: أن يسمى الأصنام بها؛ كتَسميتهم اللات من الإلهيَّة، والعُزَّى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهًا، وهذا إلحاد حقيقة؛ فإنهم عَدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة (٣).
قال ابن عباس ومجاهد: «عدلوا بأسماء الله تعالى عما هى عليه، فسموا بها أوثانهم؛ فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من الله، والعُزَّى من العزيز، ومَناة من المنَّان» (٤).
الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله؛ كتسمية النصارى له أبًا، وتسمية الفلاسفة له: مُوجبًا بذاته أو علَّةً فاعلةً بالطبع، ونحو ذلك (٥)؛ وذلك لأنَّ أسماء الله- تعالى- توقيفية، فتسميته تعالى بما لم يُسَم به نفسه ميلٌ بها عما يجب فيها، كما أنَّ هذه الأسماء التي سَموه بها نفسها باطلة يُنزه الله تعالى عنها.
قال ابن حزم: «مَنع تعالى أن يُسَمَّى إلا بأسمائه الحسنى، وأخبر أنَّ مَنْ سَمَّاه بغيرها فقد ألحد» (٦).
وفي قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومَن جعله تسبيحًا للاسم يقول: المعنى: إنَّك لا تسم به غير الله، ولا تُلحد في أسمائه، فهذا ما يستحقُّه اسم الله» (٧).
стр. 106
فأسماء الله توقيفية، ومخالفة ذلك وتسميته تعالى بما لم يُسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها؛ فالإقدام على فِعل شي من ذلك هو نوع من الإلحاد في أسماء الله.
الثالث: أن ينكر شيئًا منها أو ممَّا دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم، وإنما كان ذلك إلحادًا لوجوب الإيمان بها، وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها.
قال ابن القيم: «ومِن الإلحاد في أسمائه: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها؛ كقول مَنْ يقوله من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معان، فيُطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرَّحيم والمتكلم والمريد، ويقولون: لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به، وهذا مِنْ أعظم الإلحاد فيها عقلًا وشرعًا ولغة وفطرة، وهو يقابل إلحاد المشركين؛ فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم، وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها؛ فكلاهما ملحد في أسمائه، ثم الجهمية وفروخهم مُتفاوتون في هذا الإلحاد؛ فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب، وكل مَنْ جحد شيئًا مما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد ألحد في ذلك؛ فليستقلل أو لِيستكثر» (١).
فالمعتزلة ضلوا؛ لأنهم نفوا معاني أسماء الله الحُسنى، وادعوا أنَّها كالأعلام المحضة التي لم تُوضع لمسمَّاها باعتبار معنى قائم به، وقالوا: إن الله سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عِزَّة وهكذا، وعلَّلوا ذلك: بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدُّد القدماء.
وهذه العلة عليلةٌ بل ميتة؛ لدلالة السمع والعقل على بطلانها.
стр. 107
أمَّا السمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنَّه الواحد الأحد، فقال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٢ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ١ - ٥].
وأما العقل، فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي صفاتُ مَنْ اتصف بها، فهي قائمة به، وكل موجود فلابد له من تعدُّد صفاته (١).
ومن المكابرة الصريحة والبُهت البيِّن: أن يُجعل معنى اسمه (القدير) هو معنى اسمه (السميع)، أو (البصير).
الرابع: أن يجعلها دالَّة على صفات تشابه صفات المخلوقين، كما فعل أهل التشبيه؛ وذلك لأنَّ التشبيه معنى باطل لا يُمكن أن تدل عليه النصوص، بل هي دالة على بطلانه، فجَعْلُها دالة عليه ميل بها عما يجب فيها.
قال ابن القيم: «ومِن الإلحاد في أسمائه: تشبيه صفاته بصفات خلقه- تعالى الله عما يقول المشبِّهون علوًّا كبيرًا- فهذا الإلحاد في مقابل إلحاد المعطلة؛ فإن أولئك نفوا صفات كماله وجحدوها، وهؤلاء شَبَّهوها بصفات خلقه، فَجَمَعَهُم الإلحادُ وتفرَّقت بهم طُرُقُه، وبرَّأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يَصفوه إلا بما وصف به نفسه، لم يجحدوا صفاته، ولم يُشبهوها بصفات خلقه، ولم يَعدلوا بها عما أُنزِلَت عليه لفظًا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات؛ فكان إثباتهم بريًّا من التَّشبيه، وتنزيههم خليًّا من التعطيل، لا كمن شَبَّه حتى كأنه يَعبد صنمًا، أو عَطَّل حتى كأنه لا يعبد إلا عدمًا، وأهل السنة وسطٌ في
стр. 108
النِّحَلِ، كما أنَّ أهل الإسلام وسطٌ في المِلل» (١).
وقال ﵀: «قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، ومِن أعظم أنواع الإلحاد في أسمائه: إنكار حقائقها ومعانيها، والتَّصريح بأنها مجازات، وهو أنواع هذا أحدها.
والثاني: جَحدها وإنكارها بالكلية.
والثالث: تشبيهه فيها بصفات المخلوقين ومعاني أسمائه، وأن الثابت له منها مماثل لخلقه» (٢).
واسمع إلى أبيات يُحَذِّر فيها ابنُ القَيِّم من الإلحاد؛ حيث يقول:
أسماؤه أوصافُ مَدْحٍ كلِّها … مُشتقة قد حُمِّلت لمعان
إيَّاك والإلحاد فيها إنه … كفر مَعاذ الله مِنْ كفران
وحقيقة الإلحاد فيها الميل بالإ … شراك والتَّعطيل والنُّكران
فالمُلحدون إذًا ثلاث طوائف … فعليهم غضبٌ من الرحمن
المشركون؛ لأنَّهم سموا بها … أوثانهم قالوا: إله ثان
هم شَبَّهوا المخلوق بالخلَّاق عكـ … سَ مُشبه الخَلَّاق بالإنسان
وكذاك أهل الاتحاد فإنَّهم … إخوانهم مِنْ أقرب الإخوان
والملحد الثاني فذو التَّعطيل إذ … ينفي حقائقها بلا برهان
هذا وثالثهم فنافيها ونا … في ما تدل عليه بالبهتان
ذا جاحد الرحمن رأسًا لم يُقِ … ر بخالق أبدًا ولا رحمن
هذا هو الإلحاد فاحذره لعل اللـ … ـه أن يُنجيك من نيران
وتفوز بالزُّلفى لديه وجَنَّة المَـ … أوى مِنْ الغفران والرِّضوان (٣)
ومِن خلال ما سبق يتضح: أنَّ الإلحاد دائر بين التَّعطيل والتمثيل، فلابد للنَّجاة من الإلحاد والسلامة منه أن نَحذر مِنْ هذين الداءين، وذلك بالبُعد
стр. 109
منهما أشد البُعد؛ لأنه بجميع أنواعه مُحَرَّم؛ فالله سبحانه تعالى قد هَدَّدَ المُلحدين بقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ومن الإلحاد ما يكون شركًا أو كفرًا حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية.
стр. 110
قال المصنف ﵀:
«الفصل الثاني
قواعدٌ في صِفات الله تعالى
القاعدة الأولى
صفات الله- تعالى- كلها صفات كمال لا نَقْصَ فيها بوجهٍ من الوجوه:
كالحياة، والعِلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والرحمة، والعزة، والحكمة، والعُلو، والعظمة، وغير ذلك».
الشرح
الصفة هي: ما قام بالذات مما يميزها عن غيرها من أمور ذاتية، أو معنوية، أو فعلية.
وقد تنوعت تقسيمات أهل السنة للصفات، وذلك بحسب الاعتبارات التي يرجع لها كل تقسيم، ومن تلك التقسيمات: أقسام الصفات عمومًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الصفات نوعان:
أحدهما: صفات نقص؛ فهذه يجب تنزيه الله عنها مطلقًا؛ كالموت، والعجز، والجهل.
والثاني: صفات كمال؛ فهذه يمتنع أن يماثله فيها شيء» (١).