← Тафсир

Тафсир · id 10091

تفسير الكتاب العزيز وإعرابه

ابن أبي الربيع

Полный текст (110 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة تفسير الكتاب العزيز وإعرابه لأبي الحسين عبيد الله بن أبي جعفر بن أحمد بن أبي الربيع القرشي الأموي الأندلسي الإشبيلى المتوفى سنة ٦٨٨ هـ تحقيق ودراسة الجزء الأول الدكتور علي بن سلطان الحكمي الأستاذ المشارك في كلية اللغة العربية (أ) بين يدي تفسير الكتاب العزيز وإعرابه الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن أبا الحسن عبيد الله بن أبي الربيع الأشبيلي الأندلسي كان إمام عصره في بلاد الأندلس، اشتهر بدروسه في مدينة إشبيلية قبل سقوطها في أيدي الفرنجة، وفي مدينة سبتة بعد هجرته إليها. وقد امتد الزمن بدروسه أكثر من نصف قرن وقصده الدّارسون من كل أوب وفج يقيدون عنه ويفيدون منه، ويروون ويحملون ما يجيزهم روايته وحمله. وقد تخرج به الجمع الغفير من العلماء الذين صاروا به أئمة في مختلف الفنون، وكان لبعض منهم مؤلفات لا يحصرها ديوان، ويعز جمعها على ذي البحث والتنقير والافتنان، وقد كان لانقطاعه للعلم والدرس ومباعدته أهل الدنيا أثر واضح في تمكنه العلمي ورسوخه في مختلف الفنون التي كانت شغل الدارسين وحديثهم، ولئن انحصر نشاطه العلمي في التأليف والشرح والتّقيْيد على النحو

стр. 2

والصرف، وما يتصل بهما إن له لقدماً راسخة في مختلف العلوم لكنّ علوم العربية كانت تُمَثِّلُ التخصُّص الدقيق الذي تأكد فيه رسوخه وأحاط به معرفة وفهماً، لذلك خصه بالتأليف والشرح والتقييد على أمهات المصادر والأصول، إسعافاً للدارسين، وإثراءً لجوانب من هذا العلم بالتحقيق المستقصي والبحث الموفّي لما بدأه السلف من أئمة هذا الشأن، وقد أراد أن يختم نشاطه العلمي في آخر أيّامِه بمؤلف يجمع فيه ما كان حصله في رحلته الطويلة مع الدرس والمراجعة فكان هذا الكتاب الموسوم بتفسير الكتاب العزيز وإعرابه الذي شرع في إملائه في الأيام الأخيرة من حياته، وسلك فيه النهج الوسط مُتحامياً الإطناب المُمِلّ والإيجاز المخل، لكنَّ القدر لم يُمْهل ابن أبي الربيع كثيراً من الوقت ليتَسنَّى له إتمام هذا التفسير بل عاقته المنية وهو مازال يملي على طلابه ما أعدّهُ من تفسير وبيان وإعراب على آية المائدة (١٠٩) : ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ فرحم الله ابن أبي الربيع وأجزله مثوبته. أما العمل في هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه فيتلخص فيما يلي: أولا: التعريف بمؤلفه تعريفاً موجزاً امتدّ إلى شيوخه وما حمله ورواه عنهم، أمّا تلاميذه فقد اقتصر البحثُ على بعض المشاهير من تلاميذه، لأنَّ العدد الحاصر لطلابه ليس بُمِتَأت جمعُهُ، فعالم تمتدُّ حلقته للدرس والإقراء واِلإجازة المروية أكثر من نصف قرن، وفي مدينتين من أعظم المدن الأندلسية، ويقصده أفواج الدارسين من الأندلس والمغرب يتعذر حصر طلابه بعد فقد الكثير من المصادر وكتب الفهارس والبرامج التي يظن أن بها الجمع الغفير من طلابه الذين لم يُهتد إليهم بعد، ولذلك فما ذكر له في دراسة كتابه الملخص في ضبط قوانين العربية عددٌ تقريبي، وكذا ما توصل إليه الزميل الدكتور عياد الثبيتي فيما أعدّه على كتاب البسيط هو عدد تقريبي أيضاً وليس حاصراً لهم. وقد كان في ذكر ما سبق في هذين الكتابين غُنيَة عن هذا التّعريف لولا خشية أن يقع هذا البحث بين أيدي من لم يكن لديهم الكتابان السابقان، فيكون في ذلك نقصٌ بالغرض الذي يَهدِفُ إليه هذا التعريف.

стр. 3

ثانياً: دراسة النص الذّي عثر عليه من تفسير ابن أبي الربيع وتوثيق نسبته إليه، وتصحيح ما وقع فيه بعض الباحثين عن حجم هذا التفسير أو كمه. ثالثاً: تحقيق النص وفق المنهج الذي ترسمه أئمة التحقيق، والضوابط التي وضعوها ما أمكن، ولا ادّعي أني وفيته حقه، لكن حرصت على ذلك جهد الطاقة، وقد وجدت صعوبة بالغة في قراءة النص وردّ شوا رده مما أضيف إليه في المقابلة التي ذهب جزءٌ كبير منها بسبب الرطوبة وتقادم النسخ لهذا الكتاب. هذا والله أسأل أن يعظم الأجر لأبي الحسين عبيد الله بن أبي الربيع وأن يتقبل منه عمله في خدمة العلم وطلابه.

стр. 4

ابن الربيع: حياته وآثاره اسمه ونسبه ونشأته الفصل الأول: ابن أبي الربيع: حياته وآثاره، وفيه مباحث: المبحث الأول: اسمه ونسبه ونشأته: هو أبو الحسين عبيد الله بن أبي جعفر بن أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن أبي الربيع القرشي الُأمَويّ ثم العثماني الأندلسي الإشبيلي، يتصل في سلسلة نسبه بالخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁. كان موطن أجداده قرطبة إبان أزدهارها واستقرار الأمن فيها، فلمّا اجتاحها الصليبيون خرج جده فيمن خرج من أهل قرطبة فقصد لبلة حيث أقام بها فترة هو وبنوه، ثم ما لبث أنْ غادرها إلى مدينة إشبيلية قاعدة دولة الموحدين يومئذ، وفي مدينة إشبيلية كانت ولادة ابن أبي الربيع سنة ٥٩٩هـ ولا تذكر المصادر شيئاً عن كيفية نشأته الأولى، ولا يبعد أن يكون قد أخذ من حداثة سنه قدراً كبيراً من حفظ القرآن الكريم وتجويده أو حفظه كاملا، ثم امتد به الدرس إلى العلوم الأولية التي تعدّ الدارس لما بعدها من الدراسة الموسَّعة في أمهات الكتب والمصادر المبسوطة في مختلف الفنون التي كانت مقصد الدارسين في الأندلس وشغلهم الشاغل.

стр. 5

وقد قدر لابن أبي الربيع الاتصال بنخبة لامعة من أئمة العلم البارزين في الأندلس وأن يأخذ عنهم ويحمل ما أجازوه حمله وروايته من مصنّفاتهم وسائر الكتب التي رووها عن أشياخهم ودرسوها في مجالسهم وحلقات دروسهم العامة، وقد ساعده على جودة التحصيل طموح قاده إلى التّفوق العلمي، وكفاءة سمت به إلى ذروة المجد يوم خلف شيخه أبا علي الشلوبين على درسه في الجامع الأعظم بإشبيلية بتوجيه من شيخه أبي علي فوصل درسه بدرس شيخه وسنده بسنده في كفاءة نادرة لا يجارى فيها وبراعة فائقة لا يشق له غبار، وأداء ما يتقاصر فيه عن شيخه أبي علي الشلوبين، إن لم يكن فاقة في رجاحة العقل ونباهة الضمير وحسن الممالحة، في مقابل الغفلة والبَلَه اللّذين نحس حظ أبي علي الشلوبين بهما، وغيرهما من الصّفات المنغصة في حياة أبي علي الشلوبين ﵀.

стр. 6

المبحث الثاني: شيوخه حفل برنامج ابن أبي الربيع الذي رواه عن شيوخه، وأملاه على تلميذه أبي القاسم ابن الشاط الأنصاري - بأسماء نخبة من العلماء الّذين التقى بهم وصحبهم وقرأ عليهم، أو سمع ما يُقرأ في مجالسهم، أو أجازوه رواية ما روَوه عن أشياخهم أو أذنوا له برواية مصنفاتهم وغير ذلك من طرق الأداء والتحمل وفيما يلي تعريف موجز بأشياخه الذين ورَدَ ذِكْرُهم في برنامجه بحسب الكنية التي تصدرت اسم كلّ شيخ منهم. ١- أبو بكر محمد بن عبد الله الأنصاري الإشبيلي المعروف بالقرطبي المقري ١. كان عالماً مقرئاً مجوّداً ورعاً مُتَقَلّلا مِن الدُّنيا عاكفاً على التقييد، حريصاً على استفادة العلم.. قال ابن أبي الربيع فيما أخذ عنه: لزمتُه وحضرتُ مجلَسَهُ وقرأتُ عليه بعض كتاب

стр. 7

الموطّأ، وسمعتُ عليه بعض تأليفه في التفسير، وأجازني جميع ما رواه عن جميع شيوخه١. توفى سنة ٦٢٨هـ. ٢- أبوبكر ٢محمد بن نبيل الغافقي الإشبيلي. (..- ٦٣٠هـ) كان قاضياً وفرضيَّا مقصوداً في درسه. قال ابن أبي الرّبيع: تَعلّمتُ عليه الفرائض ٠٠) ٢. ٣- أبو الحسن علي بن جابر اللّخمي الإشبيلي المعروف بابن الدبّاج٣. (٥٥٦-٦٤٦ هـ) . كان إماماً في النحو، حُجّة في النّقل مُسدّداً في البحث، تخَرّجَ به عدد كبيرٌ من العلماء. قال ابْنُ أبي الرَّبيع: "حضرت مجلَسه في جامع العدَبَّسْ وسمعتُ عليه بَعضَ كتاب سيبويه، وأجازني في جميع ما رواه عن شيوخه"٤. ٤- أبو العبّاس أحمد بن محمد اللّخمي العَزَفي السَّبتي٥ (٥٥٧-٦٣٣ هـ) عالم بالسنة والفقه، لزم التدريس بجامع سَبّتَة طيلة حياته، وقَصدَهُ الدَّارسون يفيدون منه ويقيدون عنه. قال عنه ابن أبي الربيع: (كَتَبَ إليَّ بإجازة، ما رواه عن جميع شيوخه) ٦. ٥- أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن خلفون الأزدي الأندلسي الأونْبي (٥٥٥ ـ ٦٣٣ هـ) ٧ كان عالماً حافظاً ناقداً بصيراً بالحديث ورجاله، وله فيه مصنفات

стр. 8

مشهورة، منها المنتقى في الرجال، والمفهم في شيوخ البخاري ومسلم، وكتاب علوم الحديث، وغيرها. قال ابن أبي الربيع: "لقيته بإشبيلية، وأجازني في جميع ما رواه عن شيوخه"١. ٦- أبو علي الشلوبين عمر بن محمد الأزدي٢ (٥٦٢-٦٤٦ هـ) كان إماماً في علوم العربية، تصدّر للتدريس سِنِىّ حياته، له العديد من المصنفات والشروحات. قال ابن أبي الربيع: "لزمت مجلسه وقرأت عليه جميع كتاب الإيضاح وأكثر كتاب سيبويه، وسمعت بعضه بقراءة غيري، وقرأت عليه بعض الحماسة الأعلمية، وبعض الأمثال لأبي عبيد، وسمعت عليه بقراءة غيري بعض شعر حبيب، وبعض الأمالي للبغدادي، وبعض المفصل للزمخشري ... إلى أن يقول: وكانت الجزولية تقرأ عليه وأنا أسمعُ، وأجازني جميع ما رواه عن شيوخه"٣. ٧- أبو عمر محمد بن إبراهيم الإشبيلي المعروف بابن زغلل٤. كان فقيهاً حافِظاً، عارفاً بالنوازل، فرضياً. قال ابن أبي الربيع: فيما حمله عنه: "حملتُ عنه إجازة كتاب ابن القاسم الحوفي في الفرائض، وحدّثني به عن القاضي أبي القاسم المذكور) ٥. ٨- أبو عمر محمد بن أحمد بن هارون التميمي الإشبيلي٦. أخذ عن أبيه أبي القاسم، وأبي الحسن بن خروف، وابن طلحة، وغيرهم. قال ابن أبي الربيع فيما قرأه وسمعه عليه وأجازه روايته: "قرأت عليه الكتاب

стр. 9

العزيز بقراءات السّبعة حسب ما تضمَّنَهُ كتاب الكافي، وبالإدغام الكبير، وبقراءة يعقوب، وسمعت منه كتاب الكافي لأبي عبد الله بن شريح، وقرأت عليه كتاب المفردات من تأليفه وتأليف ابنه شريح، والجمل مَرّتين، والتّبصرة للصّيمري والأشعار السّتةَ والفصيح وعرضتها عليه، وأدب الكاتب وعرضته عليه من أوله إلى (إقامة الهجاء) ، وإصْلاح المنطق، وعرضته عليه دولا، والحماسة الأعلميّة وعرضتها عليه دولا إلاَّ يسيراً من آخرها، وأجازني جميع مما رواه عن جميع شيوخه"١. ٩- أبو الفتوح عمر بن فاخر العبدري٢ ( ... - ٦٣٦ هـ) كان فقيهاً أصولياً، عالماً بالنحو. قالت ابن أبي الربيع: ".. أخذت عنه المستصفى بين قراءة وسماع، وسمعت عليه أبعاضاً من كتب الفقه"٣. ١٠- أبو القاسم أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن القرطبي الأموي قاضي الجماعة المعروف بابن بقي (٥٣٧-٦٢٥ هـ) . قال الرعيني في برنامجه: "بيته بقرطبة معروفٌ بالعلم والنّباهة، لم تزل خطَّة القضاء متداولة في سلفه ٠٠"٤. وكان عالماً باللغة العربية، ألف كتاباً في الآيات المتشابهات أحسنُ شيَءٍ في بابه٥. قال ابن أبي الربيع: "قدمَ علينا إشبيلية وهو شيخٌ كبير فسمعت عليه بعض كتاب الكافي لأبي عبد الله بن شريح، وبعض كتاب الموطأ رواية يحيى بن يحيى وأجاز لي جميع ما رواه عن جميع شيوخه. .."٦.

стр. 10

١١- أبو محمد عبد الله بن محمد الجذامي الشّلطيشي. قال عنه الرعيني: "هذا رجلٌ من خيار المسلمين وصلحائهم"١. كان عالماً بالفقه المالكي، محصلاَ له حفظاً وإتقاناً، مجوداً لتوجيه أقوال أصحابه، مستقلاً بترجيح ما يجري على أصوله.."٢. قال ابن أبي الربيع: "قرأت عليه بعضاً من كتاب المختصر لأبي محمد بن زيد، وسمعت منه بعضاً ولم أكمله، وسمعت عليه بعضاً من كتب الفقه"٣. ١٢- أبو محمد عبيد الله بن علي بن محمد الأنصاري الأشجعي المعروف بابن سناري (٥٧٦-٦٤٧ هـ) . يعد من أهل النباهة والفهم والتيقظ والاستنباط الحسن، له جوابات فيما سئل عنه تدل على متانة علمه٤. قال ابن أبي الربيع: "سمعت عليه المستصفى وأبعاضاً من كتب فقهيّة، وأجازني كتاب البراذعي، حدَّثني به عن أبي الحسن الأبياري"٥.

стр. 11

المبحث الثالث: تلاميذه امتدّت الحياة بابن أبي الربيع نحواً من تسعين سنة قضاها أو قضى جُلّها في ميدان العلم الواسع، تحصيلاً له في مرحلة التحصيل وبذلاً له في مجال التعليم والتدريس "معاناً على علمه بما جبل عليه من انقباض عن الناسِ ومباعدة أهل الدنيا وقلّة العيال وشغل البال، منعكفاً على التدريس والتعليم"٦.

стр. 12

وهذا العمر الطويل في ميدان العلم لعالم كابن الربيع قد هيأ الفرصة لجمع غفير من الطلاب والدارسين الذين قصدوا مجلسه وحلقة دروسه في مدينة إشبيلية قبل انتقاله منها، وفي مدينة سبتة بعد هجرته إليها، لكنّ العدد الذي أوردته بعض المصادر وكتب البرامج والفهارس الأندلسية أقلّ بكثير ممّا يتوقع، وربما كان له طلاب غير من ذكروا. وقد سبق لي حديث عن تلاميذه الذين وقفت عليهم في دراسة السفر الأولى من كتاب الملخص في ضبط قوانين العربية١، واكتفي بذكر بعض مشاهير طلابه الذين عرفوا بعلمهم وخلدوا بآثارهم الباقية من بعدهم. أبو إسحاق الغافقي الإشبيلي (٦٤١ - ٧١٦ هـ) ٢: هو إبراهيم بن أحمد بن عيسى الغافقي الإِشبيلي يكنى بأبي إسحاق، خرجت به أسرته من إشبيلية بعد سقوطها في أيدي الصليبيين، فقصدت به سبتة مهاجر الأندلسيين أيام المحنة، وفي سبتة قدر له الاتصال بابن أبي الربيع وملازمته والأخذ عنه حتى استكمل تحصيله في مختلف العلوم التي واظب على تحصيلها، وقد خلف ابن أبي الربيع للتدريس، فكان منه مكان ابن أبي الربيع من شيخه أبي علي الشلوبين يوم خلفه على كرسي الدرس في جامع إشبيلية، أخذ عنه أبو عبد الله محمد البيري٣، وشمس الدين محمد بن جابر الوادي آشي٤، ويوجد الجزء الرابع من الكافي في الإفصاح عن مسائل كتاب الإيضاح بخط إبراهيم الغافقي هذا بالخزانة العامة بالرباط تحت الرقم ٣٧٩ ك. أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي الأندلسي٥ (٦٢٧-٧٠٨ هـ) : قال عنه ابن جابر في برنامجه: "أشهر من أن يعرف به، ذو التواليف الجمة، والعلم الغزير، أستاذ بلده"٦.

стр. 13

أخذ عن جماعة من العلماء، فيهم ابن أبي الربيع، وأبو الحجاج يوسف بن إبراهي المالقي، وأبو عبد الله محمد بن يوسف المالقى، وابن سيد الناس، ومن تلاميذه ابن جابر الوادي آشي. ابن الشاط (٦٤٣- ٧٢٣ هـ) ١: هو قاسم بن محمد الأنصاري السبتي المعروف بابن الشاط، صحب ابن أبي الربيع وأخذ عنه، صنف مصنفات منها كتاب الإشراف على الشرف برجال سند البخاري. التجيبي (- ٧٣٠ هـ) ٢: هو القاسم بن يوسف بن محمد التجيبي البلنسي السبتي. كان عالماً ضابطاً، أخذ عن طائفة من أئمة العلم في عصره، ولازم ابن أبي الربيع أخذاً عنه، وراوياً أو سامعاً، وهو آخر من درسوا في حلقة ابن أبي الربيع، وروى عنه تفسير الكتاب العزيز وإعرابه، قال يا صفة أخذه: "سمعت طائفةً منه من لفظه، وأجازني جميعه". ابن رشيد (٦٥٧- ٧٢١ هـ) ٣: هو محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن إدريس الفهري أبو عبد الله المشهور بابن رشيد، أخذ العلم عن أئمة عصره، فأخذ عن أبي الربيع النحو والقراءات، وقيد تقييداً حسناً على سيبويه، له مؤلفات نافعة، من أشهرها ملء العيبة، وتقييد على سيبويه، والسنن الأبينَ في السند المعَنْعَنْ.

стр. 14

المبحث الرّابع: مكانته العلمية قُدِّرَ لابن أبي الربيع نشأة علمية متميّزة حَقَّقتْ له طموحه في التّحصيل العلمي، والاطلاع الواسع على موارد العلم المختلفة، والإحاطة بأكثر العلوم العقلية والنقلية التي كانت شغل العالمين والدارسين في عصره. ولذا نجده ينعت باللغوي والنحوي، والفرضي، وإمام المقرئين، الحافظ، الحسابي المتقن. وهذه النعوت تدل على تمكنه من أكثر الفنون وتحقيقه فيها، وَلَئن كانت السمة الغالبة على آثاره الموجودة والمذكورة في مصادر ترجمته تنحصر في علم النحو والتصريف وما يتصل بهما إنَّ له مشاركة وتمكناً في أكثر العلوم التي واظب على دراستها طالباً يتلقىَّ، وعالماً يُعطى ثمرة تحصيله العلمي ونتيجة نشاطه وعصارة فكره لطلابه في الحديث وفقه ورجاله إسناده، والفقه وأصوله، وفي القراءات والتفسير، والفرائض، بله النحو والصرف وعلوم اللغة العربية وقد أفاضت كتب التراجم والفهارس والبرامج بابن أبي الربيع وأبانت عن مكانته بين علماء عصره، فتلميذه ابن الشاط يقول: في شأنه: "أعلم مَن لقيناه، وأعظم مَنْ روينا عنه العلم ولقنّاه، وأجلُّ مَنْ نظم بين يديه اجتماعنا وعظم بما لديه انتفاعنا"١. ويقول تلميذه التجيبي: "شيخ الأستاذين، وإمام المقرئين، وخاتمة المعربين العلامة الأوحد، الحافظ النحوي اللغوي الحسابي، الفرضي"٢. وقال السيوطي: "إمام أهل النحو في زمانه، ولم يكن في طلبة الشلوبين أنجب منه"٣. وقال ابن القاضي: "كان إليه المفزع في المشكلات بصيراً بالفقه وأصوله والقراءات والحساب، والفرائض، وإمام الناس في النحو."٤.

стр. 15

هذه أمثلة من شهادات بعض العلماء الذين اتّصلوا به وقيدوا عنه، والذين رووا طرفاً من سيرته العلمية، وَهِي تدلّ على ما بلغه قَدْرُهُ، وما انتهت إليه شهرتُهُ في العلم والتدريس والإجازة، فقد كان مقصد الدارسين من كل فج، وحديث العلماء في المشرق والمغرب، الذين تناقلوا أخباره وتداولوا كتبه يفيدون منها ويتدارسونها ويفزعون إليها في مواطن الاختلاف وتحرير المسائل، وحسبه أن يَسْتخلفه شيخه أبو علي الشلوبين على كرسيه في الجامع الأعظم بإشبيلية ليقوم بدرسه من بعده، فقام به خير قيام وأدّى أداءهُ في توجيه المسائل الدقيقة، باستقصاء أطرافها واستجلاء غوامضها، مِماَّ أعلى قدره يومئذٍ بين الدارسين فاشرأبت إليه الأعناق، وتزاحمت في حلقة دروسه مناكب طلاب العلم على مختلف مراحلهم ودرجاتهم، وحسبه أن كان من آخر المقرئين لكتاب سيبويه العارفين بغوامضه الفاتحين مغاليقه المقربين ما تناء من مسائله، العالمين بعويصه ومشكله، وقد أُعين على ذلك بالانقطاع إلى العلم ومباعدة أهل الدنيا وقلة الصوارف والعيال١.

стр. 16

المبحث الخامس: وفاة ابن أبي الربيع وآثاره أ- وفاته: كان ابن أبي الربيع مِمّنْ نسأ الله له في الأجل وبارك له في حسن العمل، فقد أمضى سِنيّ حياته- التي قاربت التسعين عاماً في محراب العلم، طالباً يتلقىّ وعالماً يعطى ثمار ما حَصَّلَه من العلم لطلاب العلم والدّارسين علماً منظماً ورواية مُسنَدةً، وإجازةً باقيةً، وكان آخر عمل أراد أنْ يَطْوي به رحلته الطويلة في الدرس والتأليف، ويختم به نشاطه العلمي هو تفسير الكتاب العزيز وإعرابه، فقد شرع في إملاء ما أَعدَّهُ في آخر أيامه من تفسير وإعرابِ وقراءاتٍ على القرآن الكريم، وفيما كان يتوجه هذا العمل بين يديه أتاه اليقين صبيحةَ يوم الجمعة السّادس عشر من شهر صفر من سنة ٦٨٨ هـ.

стр. 17

ب- آثاره: يكاد نشاط ابن أبي الربيع في التأليف، وما أعدَّه من شروحاتٍ على بعض كتب المتقدمين، وتقييدات ينحصر في مجال النحو والصرف وما يتصلُ بهما، أمّا في مجال التدريس فقد امتدّت دروسه إلى العلوم العقلية والنقلية فكان له دروس في القراءات، وفي الحديث ورجاله، والفقه وأصوله، وفي التفسير، والفرائض، وغيرها. ولكن دروسه في النحو والصرف كانت تستأثر باهتمام أكبر منه، لأنَّ هذا الميدان كان ميدان تخصصه، فقد حققّ العلم بهذا الفن وأحاط بشوارده، لذلك كان نشاطه في التأليف والشروح منحصراً فيهما، ولا يبعد أن تكون له آثار في بعض الفنون التي أفسح لها في حلقات دروسه، وأعطى فيها إجازة باقية ورواية متصلة لأنَّ المصادر التي بين أيدينا، وكتب البرامج الموجودة لا تنفي أن يكون له نشاط علمي في غير النحو والصرف ولكنها غير صريحة في ما تعزو إليه فيما عدا الرواية وإجازتهُ لبعض العلوم، فيْبقى البحث مع ما ذكر له من الآثار الباقية والمفقودة، المطبوعة والمخطوطة، وقدْ سبق لنا دراسة هذه الآَثار في السفر الأوَّل من كتابه الملخَّص في ضبط قوانين العربية بما يغني عن الإِعادة والتكرار لما تطرّق إليه البحث هناك، وإنما نُشير في البحث هنا إشارة موجوزة إلى هذه الآثار، ونتوجه بالدراسة لكتابه (تفسير الكتاب العزيز وإعرابه) موضوع هذه الدراسة، وبخاصة ما يتعلق بالقضايا النحوية والصرفية في السفر الموجود من هذا الكتاب. والسمة الغالبة على ابن أبي الربيع في أعماله وآثاره الموجودة أو المفقودة هي الشرح والتقييد على كتب المتقدمين التي كانت تقرأ عليه في حلقة دروسه، ولذا تعددت شروحاته عليها، حسب ما يقتضيه حال الدارسين في الإِيجاز والبيان والتفصيل، ونعرض هنا لآثار ابن أبي الربيع وفق ما أوردته المصادر التي وقفنا عليها: كتاب البسيط: وهو شرحٌ على كتاب الجمل للزجاجي، وله على هذا الكتاب عِدّة شروحات فيها المختصر والمبسوط، وقد أورده بهذا الاسم غير واحد من علماء عصره وممّن جاء من بعده، قال تلميذه القاسم بن يوسف التجيبي في برنامجه: (وله على كتاب الجمل

стр. 18

المذكور عدة شروحات أعظمها الكتاب الموسوم بالبسيط، وَهُو في عدّة مُجلّدات ظَهَرَ فِيهِ حفظُهُ وتبريزه. ويبدو أنه شرع في هذا الشّرح وهو في مدينة إشبيلية، وأتّمهُ في مدينة سبته، هذا ما توصل إليه مُحقّق الكتاب الزميل الدكتور عياد الثبيتي لقول ابن أبي الربيع في مقدمة الكتاب: (..وكان الذّي أعانني على إكماله وتتميمه الذّي اتفق الأنام على فضله وتقديمه، فخر الزّمان المذكور بكل مكان، المشكور على كلّ لسان، الّذي عَمّت فضائله، وانتشرت في الورى فواضله.. الفقيه الأوحد، الأسنى الأفضل أبو القاسم محمد ابن الإمام العلامة المحدث الراوية أبو العباس أحمد ... ) . وأبو القاسم هذا هو أمير سبتة وطنجة إبّان قدوم ابن أبي الربيع إليها، ولا يبعدُ ما ذُكِر في زمن تأليف هذا الشرح عن الصواب، فإن الفترة التي أمضاها ابن أبي الربيع في مدينة إشبيلية أكثر من الفترة التي قضاها في مدينة سبتة، والمظنون أنّ حياته في مجال التدريس في مدينة إشبيلية لا تقل عن خمس وعشرين سنة، وهي فترة حافلة بالحيوية وحسن الأداء في الدرس والتأليف والشرح والتقييد. يُوجدُ من هذا الكتاب السفر الأول يبدأ بالكلام على قول الزجاجي: (أقسام الكلام ثلاثة) (١) وينتهي بالكلام على قول الزجاجي في الصفة المشبهة (والوجه الحاد عشر أجازه سيبويه، وهو قولك: مررت برجلٍ حسنٍ وجههِ ٠٠) (٢) . (وقد قام بتحقيقه ونال به درجة الدكتوراه الزميل عياد الثبتي وهو مطبوع في دار العرب الإسلامي في مجلدين) . الشرح الأوسط على كتاب الجمل: أورده التجيبي في برنامجه (٣) ويوجد الجزء الأول منه في المغرب بخزانة ابن يوسف بمراكش، تحت الرقم (١٠٠) كتب سنة ٧٢٤ هـ بخط أندلسي، واسم الناسخ محمد بن أحمد بن مخلوف، وعليها تملك باسم إبراهيم الرشيد بن عبد الله بن محمد (٤) .

стр. 19

كتاب الكافي في الإِفصاح عن مسائل كتاب الإيضاح (١) : هذا هو عنوان الكتاب وفق ما أثبته ابن أبي الربيع في المقدمة التي استهل العمل بها في هذا الشرح، وسمَّاه القاسم بن يوسف التجيبي في برنامجه الكافي في الإفصاح عن نكت الإِيضاح (٢) ، وفي بعض المصادر سُمِّيَ بالإفصاح (٣) ، وربّما سُمّي شرح الإِيضاح في أكثر المصادر التي تورده أو تورد نقلاً عنه، والكتاب من أوسع الشروحات التي قدمت على كتاب الإيضاح وأفضلها في عَرْض المادة العلمية ومناقشتها وتَقصِيّ مسائل الخلاف، وتحرير القول فيه بالدليل وبالقياس. وقد سبق لي حديث عنه فيما كتبته على الملخص في ضبط قوانين العربية (٤) . توجد لهذا الكتاب نسخ مفرقة في مكتبات وخزائن المغرب، وهي تكمل الكتاب بأجزائه الأربعة. فيوجد منه الجزء الأول في خزائن القرويين تحت الرقم (٥١٣) ، وله نسخة ثانية في الخزائن الحمزية تحت الرقم (١٧) ، وله نسخة ثالثة في مكتبة الجامع الكبير بمكناس تحت الرقم (٤١١) . الجزء الثاني. توجد له نسختان: الأولى بالخزانة الملكية تحت الرقم (٥٢٩٨) ، والثانية بالزاوية الحمزية تحت الرقم (١٧) . الجزء الثالث، توجد له نسخة نادرة بخط ابن آجروم. بفاس. وله نسخة ثانية بالخزانة الحمزية تحت الرقم (٤١) ، وبها خرمٌ من أولها وآخرها. الجزء الرابع، توجد له نسخة نادرة كتب بخط أحمد بن إبراهيم الغافقي تلميذ ابن أبي الربيع كتبت في شهر شوال سنة ٦٥٨ هـ. توجد في صدر هذا الجزء إجازة لأبي مروان

стр. 20

عبد الملك بن شعيب القشتالي بخط ابن أبي الربيع نفسه. والنسخة بالخزانة العامة بالمغرب تحت الرقم (٣٧٩) . وله نسخة ثانية بالخزانة الحمزية تحت الرقم (٤١) . كتاب الملخص في ضبط القوانين العربية: وله نسخُ في المغرب وأسبانيا ويقع في جزء ين، الأول خاص بالنحو، والثاني خاص بالصرف، وقد حقق الأول لدرجة علمية وطبع في عالم الكتب سنة ١٤٠٥ هـ. وحقق الثاني وطبع في الباكستان طباعة مشوهة تداخلت فيها نصوص الكتاب بالحواشي والتعليقات مما دعا إلى إيقاف توزيع الكتاب. تقييد على كتاب سيبويه: تذكره بعض المصادر بهذا العنوان (١) ، وبعض منها يذكر أنَّه تعليق على سيبويه (٢) ، وبعض منها يورده بعنوان شرح سيبويه (٣) ، ولعلّ القول بأنه تقييد على كتاب سيبويه هو الأقرب إلى الصحة من سائر العنوانان التي ذكرت، ولم يرد نقل عن هذا الكتاب في المصادر والكتب التي تورد أقوال ابن أبي الربيع، ممّا يدلّ على اختفاء هذا التقييد في فترة متقدمة من التاريخ قبل أن تتداوله أيدي النُّساخ والوراقين وربما يوجد تحت غير هذا العنوان من الشروح والتقييدات المجهولة المؤلف. كان ماذا: هذا كتاب ردّ به ابن أبي الرّبيع على مالك ابن المرحل لورود هذا التركيب في قول مَالِك هذا: وإذا عشقت يكون ماذا، هل لّه ... دين علىَّ فيفتدى ويروحُ

стр. 21

فأنكر ابن أبي الربيع هذا التركيب بقوله: لحن هذا الناظم، لا يقال كان ماذا، ولا يكون ماذا، ولا أفعل ماذا، ولا يجوز ما كان على هذه الطريقة (١) . وهذا الكتاب مفقود مع باقي آثار ابن أبي الربيع المفقودة ومن المحتمل يكون هذا الرد رسالة صغيرة الحجم لا كتاباً مبسوطاً. الشرح الصّغير على كتاب الإِيضاح: هذا الكتاب من آثار ابن أبي الربيع التي مازالت مفقودة، ولعلّ الله أن يظهره للباحثين والدّارسين، ويبدو أنه من كتبه التي لم يجر تداولها كثيراً بين العلماء بدليل عدم ذكره في أكثر الكتب التي أوردت كتب ابن أبي الربيع، كما لم يرد عنه نقل كما نقل عن غيره، ويكاد القاسم بن يوسف التجيبي ينفرد بذكره فقد أورده لا مقام الاستدراك على شيخه أبي الحسن بن أبي الربيع في عدّهِ عبد الله بن مسعود من العبادلة، وهو ليس منهم، ومما قاله التجيبي: (وقد سها شيخنا الإمام أبو الحسن بن أبي الربيع- ﵀ في ذلك فعدّه فيهم في شرحه الصغير لكتاب إيضاح الفارسي وفي غيره من تآلفه ٠٠) (٢) . تفسير الكتاب العزيز وإعرابه: وهو آخر أعمال ابن أبي الربيع العلمية، وخاتمة نشاطه العلمي في الدرس والمراجعة والتأليف، وسيفرد ببحث في هذه الدراسة إن شاء الله، يتناول توثيق نسبته والقدر الذي انتهى إليه فيه ابن أبي الربيع، ودراسة المسائل النحوية والصرفية في الجزء الموجود منه.

стр. 22

دراسة المسائل العربية في تفسير الكتاب العزيز وإعرابه توثيق نسبة الكتاب لمؤلفه ابن أبي الربيع ... الفصل الثاني دراسة المسائل العربية في تفسير الكتاب العزيز وإعرابه، وفيه مباحث المبحث الأول: توثيق نسبة الكتاب لمؤلفه ابن أبي الربيع هذا الكتاب هو آخر أعمال ابن أبي الربيع، وخاتمة نشاطه العلمي في الدرس والمراجعة والتصنيف، وهو من مُصنّفات ابن أبي الربيع التي لم يرد لها ذكر في أكثر كتب التراجم والبرامج التي ترجمت ابن أبي الربيع وأوردت أسماء مؤلفاته أو شروحا ته على كتب المتقدمين، كما لم يرد عنه نقل في المصادر التي أوردت أقوالا ونقولات عن كتب ابن أبي الربيع، وإنما أورده تلميذه القاسم بن يوسف التجيبي في برنامجه، وقد وثق نسبته إلى شيخه توثيقاً لا يأفكه ارتياب ولا تسنح فيه شبهة، فذكر عنوان هذا التفسير وبدايته ونهايته، والقدر الذي سمعه من إملاء شيخه، ثم إجازته له رواة جميع تفسيره وجميع ما رواه وألفه، وفيما يلي نص كلام التجيبي عن هذا التفسير: (.. ما تسنى لشيخنا العلامة أبي الحسن القرشي المذكور-رحمه الله تعالى- من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه، وذلك من فاتحته إلى قوله تعالى في سورة المائدة (١٠٩) : (ويَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ، قَالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب) وعاقته المنية عن إتمامه- ﵀ ورضى عنه وقدس روحه وبرد ضريحه. وهوَ آخرُ ما ألف. سمعت طائفة منه مِن لفظه في الإملاء وأجازني في جميعه..) . وأحسب أنّ هذا النص كافٍ في نسبة هذا التفسير لابن أبي الربيع، وهناك من الأدلة التي توثق هذه النسبة وتؤكدها ما يلي: أولا: ورود اسم هذا التفسير في اللوحة الأخيرة من هذا الكتاب، ونصها: الأول من تفسير القرآن لابن أبي الربيع- ﵀ وإن كان في هذه قصور في

стр. 23

البيان ونقص في العنوان فمرده إلى الاختصار أو إلى معلومات الناسخ عن العنوان الحقيقي للكتاب. ثائياً: بعض الأقوال والآراء التي ناقشتها في هذا التفسير نجدها بنصها أو بنص مقارب في كتبه السابقة على هذا التفسير، ومن الأمثلة التي تؤكد ما أسلفناه ما يلي: أولا: ما قرره في إضافة الوصف- اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال والاستقبال وأضيف إلى المعرفة، كانت إضافة على التعريف والتَّخفيف، وهذا القول أورده في كتابه البسيط بعرض أشمل، وبيان مفصل. ثانياً: إضافة اسم الفاعل إلى الضّمير. أورد الخلاف في موضعِ الضمير عند الكلام على قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسَ إِمَاماَ) وهذا الخلاف أورده في كتابه البسيط (٢/١٠٤٨/٢-١٠٤٩) ، والملخص (١/١٩٢) . ثالثاً: خَرّجَ الباء في قوله تعالى: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم) على أنها بمعنى الهمزة، قال: والمعنى: أذهب الله نورهم، وأورد شاهدين على مجيء الباء بمعنى الهمزة، ونقل عن ثعلب قوله: ذهبت به وأذهبته، ودخلت به الدار وأدخلته.. إلى أن يقول: ولا أَعلَمُ خلافاً بين النحويين خلافاً في أنَّ الباء تكون بمعنى الهمزة إلا المبر، قال بين الهمزة والباء هنا فرق، وذلك أنك إذا قلت: أذهبت زيداً، المعنى جعلته يذهب وإن كنت غير ذاهبٍ معه، وإذا قلت: ذهبت بزيدٍ فلا تقوله حتّى تذهب معه. وهذا القول والتوجيه أورده ابن أبي الربيع في كتاب البسيط (١/٤١٧) و (٢/٩٩٥) . رابعاً: وجّه قراءة النصب في "غشاوة" من قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلى

стр. 24

قُلُوبهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) على إضمار فعلٍ دلّ عليه وختم، قال: لأِنَّ الختم في القلب والعين نظير جعل الغشاوة على العين..) واحتج لذلك بقول امرئ القيس: وريح سنا في حقّة حميرّية ... تخصّ بمفروك من المسك أذفرا المعنى: ويضمّخْن ريح سنا، وحذف يُضمَّخْنَ، لأَن ما قبله وهو يُحلّينْ يَدُلّ عليه. وهذا التوجيه للشاهد أورده في كتاب الملخص (١/ ٣٨٥) في احْتِجاجه به على نصب "شركاءهم " من قوله تعالى: (فَأَجْمعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءكُمْ) حيث جعل النصب هنا على إضمار فعل تقديره، وأَجمعوا شركاءَ كم بوصل الألف، ويكون بمنزلة قول امرئ القيس: ريح سنا في حقّة حميرية ... البيت قال في توجيه البيت: التقدير: ويضَمِّخْن رِيْحَ سَنَا، وحذف لدلالة ما قبلها عليه. تلك أهم الأدلة التي تثبت نسبة هذا التفسير لابن أبي الربيع إضافة إلى ما أورده القاسم بن يوسف التجيبي تلميذ ابن أبي الربيع، وقد أفاد نص التجيبي بالإضافة إلى نِسْبَهِّ الكتاب أمرين مُهَميْن في التوثيق: الأول: أن هذا التفسير كان آخر ما ألفه ابن أبي الربيع. الثاني: تحديد القدر الذي انتهى إليه في هذا التفسير، فهو لم يتمكّن من إتمامه، بل وقف به الجهد عند آية (١٠٩) من سورة المائدة كما سبق في نص التجيبي، ورأيت بحثاً للدكتور محمد حجي بعنوان (ابن أبي الربيع السبتي إمام أهل النحو في زمانه) يُقَدّرُ هذا التفسير بما يَنيف عن ثلاثين جزءاً (١) ، ويبدو أنه لم يطلع على ما أورده التجيبي في

стр. 25

برنامجه عن هذا التفسير، وإنما بَنَى حُكَمُهُ على الظَّنّ والتّخمين وليس على الحقيقة واليقين، فهذا التّقدير الذي انتهى إليه الدكتور محمد حجي مَبْنيُّ على تفسير القرآن كاملاََ، والّذي ثبت أنّ ابن أبي الربيع لم يكمل الجزء السّابع من أَجزاء القرآن الكريم للسَّبب الّذي أورده التجيبي، وهو ثقة فيما أخبر به، وعليه يُعَوّل فيما يَتَعلّق بهذا التفسير، وَصفاً وتوثيقاً.

стр. 26

المبحث الثاني: منهج ابن أبي الربيع في عرض مادة الكتاب تناول ابن أبي الربيع في هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه العلوم المساعدة على فهم نصوص الكتاب الحكيم وبيان مقاصده، وهي علوم العربية من نحو وصَرفٍ وبلاغة، لأن تحصيل هذه العلوم مُعينٌ على فهم آيات الكتاب الحكيم، وعلى فهم سائر النصوص العربيّة نثراً وشعراً، ويبيّن فحواها ومنطوقها، لأنَّ المعاني تبقى مُستكِنّة في النص حتى تكشف بأنه البيان من تفسير الغريب، وتحليل التراكيب، وتوجيه النص على مقتضى العربيّة في وضوح العبارة وسلامة التراكيب وحسن البيان، ولما كانت مُهِمّة العربيّة هي فهم النصوص وتحرير معانيها أهتم بها سلفنا من العلماء، وأوصوا الدَّارسين بالنظر في علوم العربيّة قبل غيرها من العلوم ليتأتى لهم فهم العلوم الشرعية فهماً سليماً، لأن مَنْ حَسُنَ نظره في علوم العربية توجه له النظر في غيرها، وجرى في تحصيله على وجه السداد، وأخذ في المعرفة مأخذ أهل التّحقيق والاجتهاد ومن هذا التوجه عند المتقدمين ينطلق عمل ابن أبي الربيع في هذا السفر من تفسيره فقد رأى أنها وسيلة الفهم في تجلية معاني النصوص وكشف مكنونها، فأولى القضايا النحوية والصرفية واللغوية جلّ عنايته، وناقش أكثر المسائل مناقشة تنم عن علمٍ وَسِعة اطّلاع على مصادر التراث في مختلف فنونه، كما برزتْ شخصيته العلميّة في المناقشة ونقد الأقوال التي لا تقف مع منهج المتقدمين في الاحتكام إلى الأصول المعتَبرة من السماع والقياس الصحيح أو الاتساع فيما لم يرد به سماع موثوق ولا يُحملُ على وجه في القياس.

стр. 27

وقد تنوّع أسلوب ابن أبي الربيع في عرض المادة العلمية التي أوردها في تفسيره، وبخاصةٍ ما يتعلّق بالعربيّة أداةِ الفهم والبيان، فتارةً يستهل الكلام على الآية بتفسير غريبها وما يتبع ذلك من توجيه المعنى، وتارة يأخذ في تفصيل المسائل النحوية والصرفية معرجاً على ما فيها من خلاف أو مُتَوخّياً له ليحكم فيه بما يراه وتارةً تتواردُ القضايا النحوية والصرفية، والبلاغية على النص فيأخذ في بيان كل قضية منها، وغرضه من التنوّع في العرض تقريب المعنى بما يُعينُ على استنباط الحكم الذي تحتمله الآية أو تدلُّ عليه وقد كان هذا الكتاب- أعني تفسير الكتاب العزيز وإعرابه -خاتمة أعمال ابن أبي الربيع في الدرس والتأليف ونتيجة نشاطه الطويل في هذا الميدان، فهو يمثل قمة النُّضج العلمي الذي انتهى إليه في تحرير المسائل العلمية وتوجيه أقوال المتقدمين وتقويمها وفق منهجه الذي ترَسَّمَهُ في دروسه وتواليفه.

стр. 28

المبحث الثالث: دراسة المسائل النحوية وأثر الإعراب في توجيه المعنى أ- المسائل النحوية: يتناول هذا المبحث قضيَّتين: الأولى: المسائل النحوية التي تَعرّض لها ابن أبي الربيع في هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه. الثانية: الإعراب وأثره في توجيه المعنى، وهذه المسألة أساس في تفسير ابن أبي الربيع كما هو واضح من العنوان. فأمّا المسائل النحويّة التي تطرق لها ابن أبي الربيع فكثيرة في هذا السفر وليس من غرض هذا البحث حصرها، ولكني أقف عند مسائل بعينها، منها السهلة التي لا يختلف في فهمها حذاق العربية وعامة الدّارسين لعلم العربية، ومنها الدَّقيقة التي كانت معترك الاقتران، وقد عرض ابن الربيع كل ذلك بشيءٍ من البسط تارة وأوجز القول تارة أخرى، وكان له موقفٌ من كل ما عرضه، إمّا الترجيح لمذهب ورد ما يعارضه، وإمّا ردّ القول واختيار ما يراه متوجهاً نحو الصحة، وذلك بعد مراجعة طويلة للمسألة أفضت

стр. 29

به إلى ما انْتَهى إليه في ترجيح ما رجحه واختيار ما اختاره، ويعرضُ البحث فيما يلي بعضاً من المسائل التي تناولها ابن أبي الربيع في هذا السفر من تفسيره. أولاً: الخلاف في مُتَعلّق الجار والمجرور: اسْتهلّ ابن أبي الربيع تفسير الكتاب العزيز وإعرابه بذكر الخلاف في متعلَّقِ الجار والمجرور بين البصريين والكوفيين في "بِسْمِ " ثُمَّ أورد قَوْلاً ثالثاً في المسألة نسبة لبعض المتأخرين ظاهر الموطأة لمذهب الكوفيين، وقد أبدى ابن أبي الربيع على كِلّ قولٍ من الأقوال الثلاثة مأخذاً لكنَّهُ مال إلى ما ذهب إليه البصريون، وَوَهَّن ما ذهبَ إليه الكوفيون، وردّ قول بعض المتأخرين ووجّه ردّه لذلك القول بما أسعفه به فقهه للمسألة ودقّة فهمه، ومِمَّا قاله في المسألة: (ذهبَ البَصرِيُّون إلى أنَّه في تقدير: ابْتدائي بِسْمِ اللَّهِ، فبسم اللَّهِ عِندَهُم خَبَرْ مُبْتَدَأٍ مَحذُوفٍ. وذهب الكُوفِيُّونَ إلى أنَّه في تَقْدِيْر: أُبْدَأً بِسم اللَّهِ (١) . والفعلُ الّذي لا يَصِلُ إلاَّ بِحرْفِ الجرّ يَضْعُفُ حَذْفهُ، وقَدْ جاءَ لكنّهُ قليلٌ. وجاء بعضُ المَتأَخِّرِينَ وذَهَبَ إلى أنه يَجُوزُ أن يكونَ المجرور مُتعلِّقاً بفعلٍ تَدُلُّ عليهِ الحال، تَقْدِيرُهُ: أقرأ بهذا، وأكتب بهذا، على معنى مُسْتعيناً. ويُحذَفُ الفعل لِدلاَلَةِ الحالَ عَليهِ. وهذا لا يصح لأن الحال لا تدل على الفعل حتى يصل بنفسه لا تقول: بزيد، تريد، مرّ بزيد وإن كان معك من الحال ما يدل على ذلك تقول لمن شال سوطا أو أشهر سيفاً: زيداً، على معنى: اضرب زيدا، فالحال لا تدل على الفعل حتى يكون الفعل يصل بنفسه، ولا يتصرفون في الضعيف تصرفهم في القوى من الإضمار والإظهار، إلا

стр. 30

إنهم يقولون: بمن تمر أو بمن مررت؟ فيقول المسؤول: بزيد، وهو على تقدير: مررت بزيد، لأن هذا وإن كان محذوفاً فكأنه ظاهر لأنه مكنون في السؤال، وليس هذا بمنزلة ما استعملته الأحوال، ولا بمنزلة ما أُخِذَ لِيفَسّرَ. وأما قوله: (في تِسْعِ آيَاتٍ إلَى فِرْعَوْنَ) (١) فقوله: "في تِسْعِ آيات " خبر لمبتدأ محذوف، أيْ هذه الآيات في تسع آيات، فقد نزل هذه منزلة قد أرسلت أو ترسل، فجاز حذف الفعل هنا وإن كان لا يصل إلا بحرف الجر، لأنه تنزل منزلة بمن مررت؟ فنقول: بزيد. ومع هذا لا ينكر حذف الفعل الواصل بحرف الجر لكنه قليلٌ لا يُحملُ عليه ما قُدِّر على غيره (٢) . ثانياً: متعلق الظرف (إذا) : أورد ابن أبي الربيع الخلاف في متعلق الظرف إذا المتضمنة معنى الشرط، ورجح أن يكون متعلقها جواب الشرط، وهو قول أبي على الفارسي في المسألة، ومما ذكره ابن أبي الربيع في المسألة: (.. وإذا اختلف الناس في الفعل الذي تتعلق به على ثلاثة مذاهب) : فمنهم من قال تتعلق بفعل الشرط، لأن فيها معنى السبب، فإذا قلت: إذا جئتني جئتك فإذا تتعلق بجئتني، وهي بمنزلة أن لو قلت: متى جئتني جئتك. ومنهم من قال هي متعلقة بالجواب، والجملة التي بعدها في موضع خفض بإذا، إلا إنها لا يقع بعدها إلا جملة فعلية، لأجل ما فيها من السبب، ولا يقع بعدها المبتدأ أو الخبر إلا في ضرورة الشعر.. إلى أن يقول: وعلى هذا أكثر النحويين؛ لأنّ إذا في الأصل ظرف، والظرف يطلب ما يضاف

стр. 31

إليه، والسببية تطلب مرد الكلام، فيلزم لهذا أن يكون جوابها مؤخراً، فإن جاء: أكرمُك إذا جئتني فجوابها محذوف، تقديره: أكرمك إذا جئتني يكون ذلك، ولا تتعلق بأكرمك، كما أنك إذا قلت: أكرمك إن أكرمتني، فجواب إن محذوف، تقديره: أكرمك إن أكرمتني يكن ذلك، فالفعل الأول دل على الجواب لا هو الجواب. وتقول العرب: إن زيد قام فأكرمه، فزيد فاعل بفعل مضمر دلت عليه قام الظاهر، ويكون هذا بمنزلة قوله تعالى: (وَإنْ أَحَدٌ منَ اْلمُشْرِكِينَ استجارك فَأَجِرْهُ) (١) فأحد فاعل بفعل مضمر، وكذلك قوله تعالى: (إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ، وَإذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ) (٢) . فهذه كلها مرفوعات بفعل محذوف دلت عليه هذه الظواهر، فتعرب الشمس كورت مفعولاً لم يسم فاعله لا مبتدأ، لأن السببية تمنع من ذلك، وقد نص أبو على في الإيضاح (٣) على هذا وهو الصواب. ومنهم من قال: إذا تضاف إلى الجملة الفعلية وإلى الجملة الاسمية، وتتعلق بما قبلها وبما بعدها لأنها ظرف، والظرف يتعلق بما قبله وبما بعده، فجعل "إذا الشمس كورت " الشمس: مبتدأ، كورت خبره، وفي هذا بعد، إذا لو كان كما قيل لجاز: إذا زيد قائمٌ. أكرمك، وهذا لا يقع إلا في ضرورة الشعر، وهو قليل في الضرورة والذي ذهب إليه أبو على (٤) أصح الأقوال الثلاثة- والله أعلم. (٥٤) . ثانياً: مجيءُ نائب الفاعل والمفعول به جملة: خرّج ابن أبي الربيع الجمل الواقعة بعد أفعال القول المبنية للمجهول على أنها بلفظها نائب فاعل وليست جملة في موضع رفع نائب فاعل، قال في توجيه الآية الكريمة: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا في الأرْضِ..) (٥) : (.. لا تُفْسِدوا) في

стр. 32

موضع المفعول الذي لم يُسمّ فاعله بقيل، َ لأنه عينُ المفعول فيجري مجرى: "سُبْحانَ اللَّهِ تَمْلأ الميزان " (١) ومجرى: زعموا مطيَّة الكذب. وليس في موضع مفردٍ هو المفعول الذي لم يُسمَّ فاعلهُ؛ لأنَّ هذا لا يكون في المبتدأ ولا في الفاعل ولا في المفعول الذي لم يُسمَّ فاعلهُ ويكون في الأخبار، وقد مضى الكلام على هذا في: (أأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ..) (٢) (٣٦) . وقال في توجيه الآية الكريمة: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَاَ آمَنَ النَّاسُ..) : (.. و (آمِنوا) هو المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله بقيل..) (٦١) . وقال في توجيه الآية الكريمة: (إِنَّمَا نَحنُ مُصْلِحُونَ) : (إنما نحنُ مصلحون) في موضع المفعول به لـ"قالوا" وموضعه نصب لأنّ قالوا أخذ عمدته بخلاف "لا تفسدوا، موضعه رفع، لأنه عمدة قيل ". وبمثل هذا التوجيه عرض لقوله تعالى: (قَالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهَاء) فقال: "أنؤمن": هي مفعول "قالوا" بنفسه وليس موضوعاً موضع المفعول به على حسب ما تقدم في قول العرب: زعموا مطية الكذب، وكما قال ﷺ : "الحمدُ لِلّهِ تَملأُ الميزان وسبحان اللَّه تملأ أو تملاَن ما بين السماء والأرض.. ". وقد سبق إلى قريب من هذا القول الزمخشري، قال توجيه الآية الكريمة: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي اَلأرْضِ..) : (وإذا قلت: كيف صح أن يُسند "قيل " إلى "لا تفسدوا" و"آمنوا" وإسنادُ الفعل إلى الفعل لا يصح؟. قلت: الذي لا يصح إسناد الفعل إلى معنى الفعل، وهذا إسنادُ إلى لفظة، كأنه قيل: لهم هذا القول أو هذا الكلام. فهو نحو: ألِفٌ ضرب من ثلاثة أحرف، ومنه: زعموا مطية الكذب (٣) .

стр. 33

وقد رد العكبري ما ذهب إليه الزمخشري وجعل القائم مقام الفعل مضمر يفسره سوق الكلام، وتابعه أبو حيان مع زيادة في البيان وتوجيه الرد على الزمخشري (١) . رابعاً: تَعدي الفعل "زاد" ولزومه: يأتي الفعل "زَادَ" مُتعدياً ولازماً، والأكثر في المتَعَدِّي أنْ يأتي من باب كسا وأعطى، ولكنَّ ابن أبي الربيع أورد قسماً ثالثاً يكون فيه هذا الفعل مُتعديّاً لمفعولٍ واحد.. وهذا التقسيم قلمّا رُوعي في تصانيف المتقدمين وتفاسير المفسرين ولا أظنّ ابن أبي الربيع انفرد به، وإنما له سلفٌ فيما ذهب إليه لكنه لم يشتهر به، وأكثر ما يرد هذا التقسيم في كتب اللغة فلعلّ ابن أبي الربيع أفاد منها وأخذ عنها ما أضافه هنا. قال في توجيه الآية الكريمة: (فَزَادهمُ اللَّهُ مَرَضاً) (٢) : اعْلم أنّ زاد يأتي على ثلاثة أقسام: أحدُها: أن يكون غير مُتعدٍ، فنقول: زاد المالُ بمعنى كثُرَ، هذه لا تتعدَّى كما أنَّ كثُرَ لا تتعدى، ومن هذا زاد إيمانُ زيد على إيمان عمرو، فإذا قلت: زاد المالُ درهما فالدّرْهمُ اسمٌ في موضع المصدر بمنزلة قوله: ضربت سوطاً، وبمنزلة قوله تعالى: (فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً) فشيءٌ على هذا وُضِعَ موضعَ المصدر، والمعنى: لَنْ يَضُرَّ ضرراً قليلاً ولا كثيراً، ومِنْ هذا: ما زدته زيالاً، والزيال ما تحمله النملة في فيها. هذه كلها أسماءٌ وضعت موضع المصدر. الثاني: أن تكون متعدية إلى مفعولٍ واحدٍ، فتقول!: زدت المال، أيّ جعلتُهُ يزيدُ. الثالث: أن تتعدى إلى مفعولين، قال تعالى: (وَإذَا مَا أُنزِلَتْ سُوَرَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيَّكُمْ زَادَتْهُ هَذهِ إِيمَاناً، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادْتُهْم إيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) (٣) .

стр. 34

فزاد في هذه الآية تتعدى إلى مفعولين، وكذلك (فَزَادهمُ اللَّهُ مَرَضاً) تتعدى إلى مفعولين (١) . خامساً: مجيء الباء بمعنى الهمزة: ذهب ابن أبي الربيع إلى أنَّ الباء الجارة بعد الفعل اللازم تكون بمعنى الهمزة في إيصال الفعل اللازم إلى المفعول به، واحتج بالسّماع وإجماع النحويين، وردَّ ما ذهب إليه المبرد والزمخشري في القول بالفرق بين الحرفين. قال في توجيه الآية الكريمة: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بنُورِهِمْ) : (.. الباءُ بمعنى الهمزةَ، والمعنى: أذْهب اللَّهُ نُورهُم، والباءُ بمعنى الهمزة جاء كثيراً، قال امرؤ القيس: كما زَلَّتِ الصَّفْواءُ بالمتَنَزّلِ. وأنشد أبو على: دِيارُ التَّي كادَتْ ونَحنُ على مِنًى ... تَحُلُّ بنا لَولا نَجاءُ الرَّكائِبِ وقال تعالى: (ما إِنّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالْعُصْبَةِ..) . وقال ثعلبُ: ذهبتُ به وأذهَبْتُهُ، وَدخَلْتُ به الدّارَ وأَدْخلْتُهُ.. إلى أَنْ يَقُول: ولا أعلم بين النحويين خلافاً في أن الباء تكون على معنى الهمزة إلاّ المُبرِّد قال: بين الهمزة والباء هنا فرق. وذلك أنك إذا قلت: أَذْهَبْتُ زيداً، المعنى: جَعَلْتَهُ يَذْهبُ وإنْ كُنتَ غير ذاهِبٍ؛ وإذا قلت: ذهبت بزيدٍ، فلا تقولُ حتى تذهب معه (٢) ، وتَبعهُ على ذلك الزمخشري (٣) . واعْتلال محمد بن يزيد لما سَبقَ- حُجَّةَ عَلَيْهِ- أنَّه على القَلْبِ، وهذا اعْتِلاَلٌ بعيدٌ؛ لأنَّ القلبَ قليلٌ، وهذا كثير، فقد جاء في القرآن في مواضع عدّةٍ. (٧٧)

стр. 35

ب- الإِعراب: الإِعراب ثمرة الدروس النحوية ونتيجة ضوابطها، وخلاصة ما يُنتهي إليه في تحرير المعنى عند الخلاف. فليس الإعراب نشاطاً ذهنياً يُقصد به شحذ أذهان المتعلمين وإيقاظ الوسنانين، بل هو وسِيلةٌ ماضية في توجيه النصوص وبيان المراد منها، وَرُبّما يصبح غاية في إيضاح ما في الكتاب العزيز من البيان وفصل الخطاب. وقد حث المتقدمون من أئمة العلم على الأخذ بالإعراب والتبصّرَ فيه والوقوف على أثره في توجيه المعاني وتحرير النصوص من اللبس والغموض. وفي هذا السفر من تفسير ابن أبي الربيع نجد اهتماماً بالإعراب، وإبرازاً لأثره أحياناً في توجيه النصوص واستنباط الحكم، وقد توخى في الإِعراب أقرب الوجوه وأعدل الأقوال، ولم يوغل لا المسائل المشكلة من دقائق الإعراب وعويصه، بل اعتام السهولة حتى فيما أشكل إعرابه توخى له أقرب الوجوه وأسلمها من الغموض، وفيما يلي نورد نماذج مما أعربه من الآيات، ومما وجه به لإِبراز معنى أو استنباطِ حكم. قال- ﵀ في توجيه الآية الكريمة: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلمْتُقَّينَ) (١) : "ذا" إشارة وَهو الاسم المبتدأ، واللاّمُ زائدة، والكاف حرف خطاب، وَلَيْسَتْ هنا باسم، إذْ لو كانت اسماً لكانت في موضع خفض أو نصب، ولا خافض لها ولا نَاصِب، فهي حرف خطاب، ونظير هذه التاءُ من كنت وَأَنت، والضمير أنْ خاصة، وكذلك رأيتك، الكاف حرف خطاب، والضمير التاء، وكذلك رُويدك، الضمير مستتر والكاف حرف خطاب. وهذا يكمل في كتب العربية. وللنحويين في هذا كله خلاف، والأحسنُ فيها ما ذكرتُ لك.

стр. 36

والكتاب: عَهْدٌ في المتلُوِّ أو بالعكس، يُريد عهدٌ في الموعُود و"ذلِكَ " إشارةٌ لِلمتْلُوّ، والكتاب عهدٌ في المتْلُوّ.. والكتابُ على هذين الوجْهَينْ خبر "ذلك " وقد يكونُ ذلك الكتابُ الذي تقرؤونه وتتلُونهُ هُدىً للمتّقين، ويكونُ على هذا الكتاب نعتاً لـ"ذلِكَ " ويكونُ العهدُ في الإشارة، ويكون هذا بمنزلة قولِكَ: هذا الرّجُلُ الصّالحُ ... "لاَ رَيْبَ ": رُكِّبَتْ "لا" مع "رَيْبَ" وأصلُها أن تكون ناصبةً كأنَّ لأِنها تقابلُ مِنْ، وَمِنْ عاملةٌ في النكرة، ولا تُركّبُ "لا" مع المنصوب بها إلاَّ إذا كان مفرداً، ولا يُفصلُ بينها وبين معمولها. فَقولُ مَنْ قال: ِ لمَ لَمْ يُقدم "فيه" على "رَيْبَ " ضعُفَ كأنه توهم أنّ التقديم جائز وليس بجائز؛ لأنه لا يفصلُ بين لا ومعمولها، كما لا يفصل بين "مِنْ " ومعمولها، ولا خلاف في هذا بين النحويين. "فيه" خبر "لا" فيتعلق بمحذوف، وكذلك المجرور والظرف إذا وقعا خبَرْين أو صِفَتَينْ أو حالينْ يتعلقان بمحذوف لا يَظهَرُ. "هُدىً لِلمتّقين" هُدىً: مصدر هديت وهو خبر مبتدأ محذوف أي هو هُدىً إذا جعلت "الكتاب" نعتاً لـ"ذلك " فقد يكون "هُدىً" خبراً عنه، و"للمتَّقين " من صِلَةِ "هُدىً" فيتعلّق بمحذوف. وقال في إعراب: (سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) (١) : "سَواءٌ " في الأكثر لا ترفع الظاهر إلا أن يكون معطوفاً على المضمر، نحو: مررت برجلٍ سواء هُوَ والعَدمُ، ولاتجدُ صِفةً هكذا، وهو هنا مبتدأ و"عَلَيهم" من صلته و (أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) في موضع خبره، ويكون بمنزلة إنْ خيرٌ منك زيدٌ! ان مثلُك عمرو. وكان الأصل أن يكون "خَيْرُ" هُوَ الخبرُ وعمروٌ المبتدأ، لأن عمراً المخبرُ عنهُ في المعنى لكنهم لمَّا أرادوا تقديم خير للاعتناء به وخبر إن لا يتقدم على اسمها قلبوا فجعلوا (خيراَ مِنْكَ) مبتدأ وعمرو الخبر، وكذلك الآية؛ لأنَّ الإنذار وعدم الإنذار هو المخبر عنه لا

стр. 37

"سواء" فلما أرادوا أن يضعوا الإنذار وعدم الإنذار موضع ذلك (أَأَنْذَرتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُم) قلبُوا وجعلُوا المخبر عنه خبراً لأنَّ الجملة لا تقعُ موقع المبتدأ وتقع موقع الخبر. فإن قلت: قد جاء: "الحمدُ لِلَّهِ تَمْلأ الميزانَ.. " وما أشْبَهَ هذا. قلت: الحمدُ لِلَّهِ هُنا هو المخبرُ عنهُ وليست جملة وُضِعت موضع المخبر عنه كما في (أأنذرتهم أمْ لَمْ تنذرهم) . ومن قال: إنّ "أأنذرتهم" في موضع المبتدأ و"سَوَاءٌ" خبر فقد قال ما لا نظير له. وكذلك من قال: "إنَّ أأنذرتَهُم" فاعل بـ"سَواء" و"سواء" خبر "إنّ مقدمٌ فقد أخطأ، لأنَّ الجملة لا تقع موقع الفاعل فلَيْسَ في هذا إلا ما ذكرته مِنْ جعل الخبر مُبتدأ وجعل المخبر عنه خبراً على جَهِةِ الاتساع، فتكون بمنزلة: إنْ خْيراً مِنك زَيدٌ وانْ مِثْلَك عمروٌ، ولمَّا لم يكن الخبرُ يحتاجُ إلى ضمير يعود إليه من المبتدأ لم يكن في هذه الجملة ضميرٌ يعودُ إلى "سواء"، لأنَّ الإِنذار وعدم الإنذار هو المبتدأ في الأصل و"سَواءٌ عَلَيهم " هو الخبر في الأصل فلا يحتاجُ "سَواء" إلى ضمير يعود إليه من المبتدأ، وهذا بَيّن.. (٣٦) . ترجيح العطف على التوهم: أورد ابن أبي الربيع وجهين من الإِعراب للفعل المضارع المقرون بالفاء "فَتكُونا" من الآية الكريمة: (ولاَ تَقْرَبَا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) (١) وَرَجَّحَ النَّصبَ عَطْفاً على التَّوهِمّ على العطف بالجزم، وَوَجَّه النَّصب في الآية، على أنَّه بحرف أنْ مُضمرة لا بالفاء، ومما قاله هنا: (.. فقوله "فتكونا" منصوبٌ بالفاءِ في جواب النّهي كما تقول: لا تَدْنُ من الأسَدِ فَيَأْكُلكَ، والعطف في هذا الموضع جائز (٢) ، ويكون مثل قول امرئ القيس: فَقُلْتُ له: صَوِّبْ ولا تجهدنه ... فيُذْرِكَ من أخرى القطاه فتزلْقٍ

стр. 38

والأحسن ما ذكرته أولاً، ويكونا منصوب بإضمارِ أنْ.. واَنْ مع الفعل في تأويل المصدر، وهو معطوف على المصدر المتوهم من الفعل المقدم، والفاء هنا عاطفة، وأن لا تظهر، ومَنْ جَعَلَ الفاء هِي النّاصبة، هذا يريد أنها قامت مقام الناصب، فصارت كأنها الناصبة، وإن لم ير هذا فهو قول فاسد.. (١٤٦) . ما اسْتَشْكل إعرابه أورد ابن أبي الربيع قراءة غير سبعيه في الآية الكريمة: (ياَ أيّها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) بفتح الميم في "مَنْ " اسماً موصولاً وقبلها "الذين " فالموصولان تواردا على صلة واحدة، هي شبه الجملة "قَبْلِكُم ل" وقد أورد هذا الإشكال أبو القاسم الزمخشري في كشافه عند تعرضه للقراءة المذكورة آنفاً، فقرر أن هذا من باب االإقحام، فقد أُقْحِم الموصولُ الثاني بين الموصول الأول "الذين" وصلته "قبلكم ": تأكيداً، كما أَقْحم جريرٌ في قوله: يا تيم- تيمَ- عَدىٍّ لا أيا لكم تَيمْاً الثاني بين الأول وما أضيف إليه (١) . ولم يسلم هذا التوجيه للزمخشري، بل رده أبو حيان لمخالفته القياس، إذ القياس تكرار الموصول مع صِلَتِهِ لأنها من كماله.. وخرج الآية على جعل "قبلكم" صلةً للموصول الثاني "مَنْ" و"مَنْ" خبرُ مبتدأٍ محذوف، وذلك المبتدأ وخبره صلة للموصول الأول، وهو " الّذينَ "، والتقدير: والذين هم مَن قبلكم (٢) . أما ابن أبي الربيع فقد قرر الإشكال على مقتضى ظاهر القراءة، لكنّه خرجها على وجه أقرب مأخذ وأحسنَ في الحمل، فقال: (وأمّا (والذينَ مَنْ قبلكم) فمشكلة، وهي عندي بمنزلة قول زهير: لَدَى حيثُ أَلْقَتْ رحْلَها أمُّ قشعم

стр. 39

المعنى- والله أعُلَمُ- لَدَى إلقاءِ أم قَشْعِمِ، فأتى بلدى وحيثُ والمعنى واحدٌ، ثم جاء بعدَ حيثُ بجملةٍ في مَوْضِعِ خفضٍ دلّت على مخفوضِ لَدى، ولدَى تطلبُ مخفوضاً، وحيثُ تطلبُ جُملة في موضع خفضٍ، فأتى بالجملةِ لحيثُ ودَلّ على مخفوضِ لدَى، فقولك: (والّذين مَنْ قبلكم) الّذين ومَنْ معناهما واحدٌ، فكأنَّ مَنْ بدلٌ مِن الّذين، وكِلاهما يَطْلبُ الصِّلَة فأتوا بالصلةِ لِمَنْ فَدَلّت على صِلةِ الّذين. وقد تحذفُ الصِّلةُ إذا عُلِمَتْ. وهذا تعليلٌ ما سُمِعَ ولا يُقالُ بالقياس، وإذا تَتَبَّعْتَ مَا قَلْتُ لكَ وجَدْتَهُ.

стр. 40

المبحث الرابع المسائل الصّرفيّة أورد ابن أبي الربيِع في هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه مسائل في التصريف، تناول بعضاَ منها بشيءٍ من الإيجاز وبسط القول في بعضٍ بسطاً قلمّا وُجدَ عند غيره في كتب التفاسير وإعراب القرآن، ووقف عند دقائق من التصريف فجلَّى مبهمها وفصلَ مجملها تفصيلاً يعزّ وجوده في غير الكتب المتخصصة، وعزا الأقوال والآراء التي تذكر في بعض القضايا الصّرفية إلى أصحابها ليمكن للباحث والدارس من المراجعة والنظر على ضوء ما ناقشه من المسائل في هذا السفر، وفيما يلي نوردُ بعضاً من المسائل الصرفية التي تناولها ابن أبي الربيع بالمناقشة والتحليل في هذا السفر من تفسيره. قال في تصريف كلمة "رَبِّ" من الآية (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ) : (.. رَبّ " وَزْنُهُ فَعِلٌ بكسرِ العَين، والأصلُ: رَبُبَ، ثُمَّ أدغم، وليْسَ فعلاً بسكونِ العَينَ، لأنهم قالوا في الجمع: أرْبابٌ، وليسَ الأصلُ فعلاً بفتح العين، إذ لو كان كذلك لم يُدغَمْ، ألا ترى الطّللَ والشّررَ لم يُدغما، وليس الأصلُ فعُلَ بضم العين؛ لأن هذا يَقلُّ في الصِّفات، وفعِلٌ بكسر العين يكثُرُ فيه. قالوا: حَذِراً، وبَطِراً، وأشراً
следующие страницы →