← Баляга

Баляга · id 10096

تلوين الخطاب لابن كمال باشا دراسة وتحقيق

ابن كمال باشا

Полный текст (93 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

رأي الجمهور. وهذا التناقض ظاهر إذا نظرنا في قوله: "ومن هنا وما تقدم بيانه تبيّن أن كلاًّ من تغيير الأسلوب والنّقل عن صيغة إلى أخرى، أعم من الآخر من وجه، ولذلك جمعنا بينهما في تفسير الالتفات"١. فهو إذن يجمع رأيي السكاّكي والجمهور، ويأخذ بهما جميعاً في الالتفات، فكان من الواجب عليه ألاّ يعترض على السيد الشريف في تلك الأمثلة التي أوردها، وأن يقبل ما قاله فيها، وذلك بناءً على أخذه برأي السكّاكي في الالتفات. هذه بعض المآخذ التي تبّدت لي من خلال هذه الرِّسالة، وأسأل الله أن يعفو عني وعن المؤلف، وأن يتجاوز عن تقصيرنا، وأن يكتب لنا أجر المجتهد. إنه غفورٌ رحيم.

стр. 37

وصف النسخ ونماذج منها: عثرت على مصوّرتين لتلوين الخطاب، وهما: المصوّرة الأولى: عدد أوراقها (٧.٥) سبع ورقات ونصف، في الورقة صفحتان، وفي الصفحة الواحدة (٢٥) خمسة وعشرون سطراً، وفي السطر الواحد (١٣) ثلاث عشرة كلمة تقريباً. وكتبت بخط فارسي، وفي بعض صفحاتها تعليقات يسيرة. ولا يعرف ناسخها ولا تاريخ نسخها. ويوجد منها صورة فلمية، بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم (٧٣١٣) فيلم وهي مصورة عن المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة. وقد رمزت لهذه النسخة بالحرف (م) . المصوّرة الثانية: عدد أوراقها (١٤) أربع عشرة ورقة. في كل ورقة صفحتان. وفي الصفحة الواحدة (١٩) تسعة عشر سطراً. وفي السطر الواحد: (١٠) عشر كلمات تقريباً. وكتبت بخط فارسي، وفي بعض صفحاتها تعليقات يسيرة جداً، أقلّ من التعليقات التي وردت على النسخة الأولى. ولا يعرف ناسخها، ولا تاريخ نسخها. ويوجد منها صورة فلمية بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية برقم (٢٤٤٠) فيلم وهي مصورة عن دار الكتب المصرية. ورمزت لهذه النسخة بالحرف: (د) .

стр. 38

نماذج منها ... اللوحة الأولي من (د) ويتضح منها أن الرسالة تقع ضمن مجموعة رسائل

стр. 39

اللوحة الخيرة من (د) وبعدها رسالة أخرى للمؤلف

стр. 40

بداية نسخة م وهي تقع ضمن مجموعة رسائل

стр. 41

اللوحة الثانية من (م)

стр. 42

نهاية نسخة (م) وبعدها رسالة أخري للمؤلف

стр. 43

نص الرسالة الحمد لله الذي أنزل الكتاب تبياناً، وجعل الخطاب ألواناً، والصلاة على محمد أولى من نطق بالصواب، وفصل الخطاب، وعلى آله وصحبه خير آل وأصحاب، وبعد: فهذه رسالة مرتبة في بيان تلوين الخطاب، وتفصيل شعبه التي منها الالتفات الذي هو أسلوب متكاثر الفوائد، متناثر الفرائد. والمراد من الخطاب هنا: توجيه الكلام نحو السامع. اعلم أنهم يحسنون قرى الأشباح١، فيخالفون٢ فيه بين لون ولون، وطعم وطعم كذلك يحسنون قرى٣ الأرواح، فيخالفون٤ فيه أيضاً بين أسلوب وأسلوب وإيرادٍ وإيراد، بل اعتناؤهم بهذا القرى٥ أكثر، واهتمامهم فيه أوفر٦. ومرجع٧ التلوين المذكور إلى تغيير الأسلوب، وذلك قد يكون بالعدول عن الخطاب الخاصّ إلى الخطاب العام، كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ﴾ ٨ فإنَّ الخطاب فيما قبله وهو قوله تعالى: ﴿واتَّبِع مَا أُوْحِيَ إليْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ٩ الآية كان خاصاًّ لرسول الله ﷺ ، ولعلّ النكتة فيه التجنب عن مواجهته ﵊ وحده بالنهي عن خلاف ما هو

стр. 44

عليه١ من الأخلاق الكريمة، إذ لم يكن ﵊ فحّاشاً ولا سبَّاباً، كما في قوله تعالى٢: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَليٍّ وَلاَ نَصِيْرٍ﴾ ٣. وخصوص الخطاب٤ قد يكون صورة لا معنى، فإنّ الخطاب في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ وإن كان خاصاً بحسب الصيغة، لكنه عامّ معنى، فإن المخاطب به كلّ واحد ممن يقدر على الاستدلال من المصنوع على٥ الصانع. وقد يكون بصرف الخطاب عن مخاطب إلى مخاطب٦، كما في قول جرير٧: ثِقِيْ بِاللهِ لَيْسَ لَهُ شَرِيْكٌ وَمِنْ عِنْدِ الخَلِيْفَةِ بِالنَّجَاحِ أَغِثْنِيْ يَا فِدَاكَ أَبِيْ وَأُمِّيْ بِسَيْبٍ مِنْكَ إِنَّك ذُو ارْتِيَاحِ٨ فإن [المخاطب] ٩ بالبيت الأوّل امرأته، وبالبيت الثاني الخليفة ١٠، وليس هذا

стр. 45

من قبيل الالتفات، كما سبق إلى بعض الأوهام١؛ لأنّ من٢ شرطه أن يكون الخطاب في الحالين لواحد، فلا يوجد فيه صرف الخطاب حقيقة وإن وجد ظاهراً، بسبب العدول عن صيغة إلى أخرى، صرّح بذلك صدر الأفاضل٣ حيث قال في شرح سقط الزّند: «قوله: (سقيت الغيث) بمعزل عن الالتفات، لأن قوله:

стр. 46

بيانه. فلا التفات في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تولَّيْتُمْ إلاّ قَلِيْلاً مِنْكُمْ﴾ ١ لأن الكلام قبله مع أسلاف المخاطبين به، نعم هو على طرزه وطريقته، ولذلك قال صاحب الكشاف٢: " ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ على طريقة الالتفات"٣ فإن قلت: هلاّ يجدي نفعاً اعتبار التغلب الذي ذكره البيضاوي٤ حيث قال في تفسيره: "ولعلّ الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله ﷺ ومن قبلهم على التغليب"٥؟ قلت:

стр. 47

بيانه. فلا التفات في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تولَّيْتُمْ إلاّ قَلِيْلاً مِنْكُمْ﴾ ١ لأن الكلام قبله مع أسلاف المخاطبين به، نعم هو على طرزه وطريقته، ولذلك قال صاحب الكشاف٢: " ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ على طريقة الالتفات"٣ فإن قلت: هلاّ يجدي نفعاً اعتبار التغلب الذي ذكره البيضاوي٤ حيث قال في تفسيره: "ولعلّ الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله ﷺ ومن قبلهم على التغليب"٥؟ قلت:

стр. 48

لا، لأنّ اعتباره لا يحقق الشرط المذكور، لأنّ الكلام قبل النّقل مع البعض، وبعده مع الكل حينئذٍ١، والكلّ غير البعض. وقد نبّه على هذا صاحب الكشف٢، حيث قال في شرح القول المذكور لصاحب الكشاف: "وهو كذلك سواء حمل على تغليب الموجودين في عصره ﵊، أو لا"٣ وكلام صاحب المفتاح٤ خلو عن اعتبار هذا الشرط في الالتفات٥، والشارح الفاضل لم يتعرض له في شرحه.

стр. 49

وأمّا الشرط الآخر المذكور في كتب القوم، وهو أن يكون التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر١، واعتباره كيلا يدخل في حدّ الالتفات أشياء ليست منه، منها: أنا زيد وأنت عمرو٢، ونحن رجال وأنتم رجال، وأنت الذي فعل كذا، و: نَحْنُ اللَّذُوْنَ صَبَّحُوا الصَّبَاحَا٣ ونحو ذلك ممّا عبّر عن معنى واحد، تارة بضمير المتكلم٤ أو المخاطب، وتارة بالاسم المظهر أو ضمير الغائب. ومنها: يا زيد قم. ويا رجلاً له بصر٥ خذ بيدي، لأن الاسم المظهر طريق غيبته فلا حاجة إلى ذكره، واعتباره شرطاً زائداً على ما ذكرنا، لأن أسلوب الكلام لا يتغيّر إلاّ إذا كان كذلك، بناءً على أن المراد من مقتضى ظاهر الكلام،لا مقتضى ظاهر المقام، ولذلك صرّح الإمام البيضاوي

стр. 50

على وفق إشارة١ صاحب الكشاف٢، بوجود الالتفات في قوله تعالى٣: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ ٤ فإنَّ العدول فيه عن مقتضى٥ ظاهر الكلام، حيث كان سباقه، وهو قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ ٦ على صيغة الغيبة، لا عن مقتضى ظاهر المقام، لأن مقتضاه٧ الخطاب في الموضعين، ونكتة العدول عن مقتضى الظاهر بحسب المقام، التعظيم للنبي ﵊، والتلطيف في تأديبه بالعدول عن الخطاب في مقام العتاب، والإباء عن المواجهة بما فيه الكراهة. وأمّا ما قيل: "في الإخبار عمّا فرط منه، ثم الإقبال عليه دليل على زيادة الإنكار، كمن يشكو إلى الناس جانياً جنى عليه، ثم يقبل على الجاني إذا حمي في الشكاية مواجهاً له بالتوبيخ، وإلزام الحجة"٨ فوهم، لا ينبغي أن يذهب إليه فهم.

стр. 51

ومن تأمل في طريق عتابه تعالى إياه ﵊ في مواضع العتاب - كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ١ فإنْ فيه ما لا يخفى من لطف الكناية عن خطئه ﵊ في الإذن تعظيماً لشأنه - لا يخطر بباله مثل ذلك الوهم، وإنّما قلنا على ما ذكرنا، إذ لابدّ من اعتباره شرطاً زائداً على ما ذكروا في تفسير الالتفات٢. قال صاحب التلخيص٣: والمشهور أن الالتفات هو التعبير عن٤ معنى بطريق من الثلاثة بعد التعبير عنه بآخر منها٥. وقال الفاضل التفتازاني٦ - في شرحه، "بشرط أن يكون التعبير الثاني على خلاف مقتضى الظاهر"٧ وفي المفتاح: "ويسمّى هذا النقل التفاتاً عند علماء علم المعاني"٨.

стр. 52

وقال الفاضل الشريف١ في شرحه: "ثم إن الالتفات من إحدى٢ الطرق الثلاثة إلى آخر٣ منها إنما يسمّى التفاتاً إذا كان على خلاف مقتضى الظاهر، كما يشعر به لفظ النقل، وإيراده في الإخراج لا على مقتضاه، وما ذكر من فائدته العامة"٤ ويردّ عليه أن النقل الذي أشير إليه، هو النقل من صيغة إلى أخرى، وهذا ظاهر عن التأمّل في سياق الكلام المنقول، فلا إشعار فيه بما ذكر، وتعليله على ما نقل عنه في الحاشية "بأن الجاري على مقتضى الظاهر لا يقال فيه: نقل٥" مردود٦ أيضاً، لأنه [إن] أريد: أنه لا يقال فيه نقل على الإطلاق، فمسلّم ولكن لا يجدي نفعاً، لأن الواقع ههنا النقل المقرون بالإشارة٧ الصارفة عن المتبادر عند الإطلاق فلا صحة له كما لا يخفى، ثم إن قوله: "يتحقق الإشعار في إيراد الالتفات في الإخراج لا على مقتضى الظاهر بما

стр. 53

ذكر"١ مبناه عدم الفرق بين ظاهر المقام وظاهر٢ الكلام؛ فإنّ صاحب المفتاح قد أورد الالتفات في الإخراج على خلاف الظاهر٣ بحسب اقتضاء أسلوب الكلام، وقد نبّهت فيما تقدّم على هذا وعلى الفرق بين الإخراجين. فإن قلت: قد أثبت صاحب المفتاح في أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَىقول امرئ القيس٤: تَطَاوَلَ لَيلُكَ بِالأَثْمُدِ التفاتاً، وهذا بناءً على أنّ كلاً من المتكلم٥ والخطاب والغيبة، إذا كان مقتضى الظاهر فعدل عنه ٦ إلى الآخر فهو التفات٧ عنده، قلت: نعم، أثبت فيه التفاتاً٨ على خلاف ما عليه الجمهور٩، ومع ذلك لم ينكر

стр. 54

قد يكون مخالفاً للقديم، كما إذا كان المقام مقام الخطاب، وشرع١ في الكلام على أسلوب الغيبة، وقد مرّ مثاله من التنزيل، فلو اعتبر في مثل ذلك الحادث بعد الشروع يلزم أن يكون الكلام على مقتضى الظاهر من وجه وعلى خلافه من وجه، ولا وجه لترجيح الحادث على القديم، وإسقاطه على٢ حيّز الاعتبار بالكليّة؛ إذ يلزم حينئذٍ٣ أن لا يتحقق مقتضى المقام من جهة الكلام قبل الشروع بل عنده أيضاً، ما لم يتقرر أسلوبه، ولا مجال لأن يقال: أنهم اعتبروا القديم قبل حدوث ٤ المعارض، وأسقطوا [ما] بعده، إذ لا مستند لهذا التفصيل من جهة السلف، كما لا يخفى على من تتبّع وأنصف، وبالتجنب عن التعسف٥ اتّصف. ثمّ إنّ ما زعمه من الإشعار فيما ذكره٦ من الفائدة العامة للالتفات بكونه على مقتضى الظاهر -مردود أيضاً؛ لأن مدار تلك الفائدة على العدول من أسلوب إلى آخر سواء كان العدول عنه على مقتضى الظاهر أو لا، على ما تقف على ذلك بإذن الله تعالى. لا يُقال: المشهور في تفسير الالتفات ما هو المذكور في التلخيص، وعليه الجمهور على ما نصّ عليه الفاضل التفتازاني في شرحه٧، وما ذكرته٨ تفسير

стр. 55

قد يكون مخالفاً للقديم، كما إذا كان المقام مقام الخطاب، وشرع١ في الكلام على أسلوب الغيبة، وقد مرّ مثاله من التنزيل، فلو اعتبر في مثل ذلك الحادث بعد الشروع يلزم أن يكون الكلام على مقتضى الظاهر من وجه وعلى خلافه من وجه، ولا وجه لترجيح الحادث على القديم، وإسقاطه على٢ حيّز الاعتبار بالكليّة؛ إذ يلزم حينئذٍ٣ أن لا يتحقق مقتضى المقام من جهة الكلام قبل الشروع بل عنده أيضاً، ما لم يتقرر أسلوبه، ولا مجال لأن يقال: أنهم اعتبروا القديم قبل حدوث ٤ المعارض، وأسقطوا [ما] بعده، إذ لا مستند لهذا التفصيل من جهة السلف، كما لا يخفى على من تتبّع وأنصف، وبالتجنب عن التعسف٥ اتّصف. ثمّ إنّ ما زعمه من الإشعار فيما ذكره٦ من الفائدة العامة للالتفات بكونه على مقتضى الظاهر -مردود أيضاً؛ لأن مدار تلك الفائدة على العدول من أسلوب إلى آخر سواء كان العدول عنه على مقتضى الظاهر أو لا، على ما تقف على ذلك بإذن الله تعالى. لا يُقال: المشهور في تفسير الالتفات ما هو المذكور في التلخيص، وعليه الجمهور على ما نصّ عليه الفاضل التفتازاني في شرحه٧، وما ذكرته٨ تفسير

стр. 56

محدث له، قلت: بل ما١ ذكرته على وفق إشارة صاحب المفتاح حيث قال: «والعرب يستكثرون منه، ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل في القبول عند السامع، وأحسن تطرئة لنشاطه٢، وأملأ٣ باستدرار إصغائه» ٤ ويوافقه ما في الكشّاف٥، وكفى بنا ذانك الشيخان قدوةً، وقد وقفت فيما سبق على أن ما ذكر في التلخيص لا يطّرد إلا باعتبار شرط من الخارج، وذلك خارج٦ عن قانون الحدّ، وما ذكرنا سالم عن المحذور المذكور، وذلك لأن الاختلاف في الأسلوب أخصّ من الاختلاف في التعبير؛ فإنّ الثاني يتحقّق في نحو٧ قوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الَّذِيْن آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاة﴾ ٨ دون الأوّل؛ لأن حق الضمير العائد إلى الموصول أن يكون غائباً، فلا يتغيّر به الأسلوب وإن تغيّر٩ التعبير حتى احتيج إلى اعتبار قيد زايد للاحتراز عن مثله. وبما قررناه١٠ تبيّن أن الجمهور لا يرتضي تحديد١١ الالتفات بما ذكر في التلخيص، وأن ما ذكر١٢ في شرحه من نسبته إليهم فرية ما فيها مرية. ومما يظنّ أنّه من قبيل الالتفات وليس منه قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ

стр. 57

تَجْهَلُونَ﴾ ١ أما وجه الظنّ فهو أن الاسم الظاهر غائب فلما عدل عنه إلى الخطاب في تجهلون تحقق الالتفات، وأمّا أنه ليس منه فلأنّ في عبارة القوم [جهتا غيبة] ٢ وخطاب؛ وذلك لأنّها اسم ظاهر غائب وقد حمل على ﴿أَنْتُمْ﴾ فصار عبارة عن المخاطب، ثم إنّه٣ وصف ﴿تَجْهَلُوْنَ﴾ اعتباراً لجانب خطابه المستفاد من حمله على ﴿أَنْتُمْ﴾ ٤ وترجيحاً له على جانب غيبته الثابت في نفسه؛ لأن الخطاب أشرف وأدل وجانب المعنى أقوى وأكمل٥، فهو بالحقيقة اعتبار لجانب المعنى، وتغليب له على جهة اللفظ، فإنّ الغيبة في لفظ (القوم) ومعناه الخطاب٦، وبهذا القدر من الاعتبار لا يتغير٧ الأسلوب، ولا يتحقق النقل من طريق إلى آخر، وعلى هذا القياس قول علي ﵁: "أنا الَّذي سمّتْنِي أمِّي حَيْدَرَة"٨.

стр. 58

قال المرزوقي١ في شرح قول٢ الحماسة٣: [وَإِنَّا] ٤ لَقَوْمٌ مَا نَرَى٥ القَتْلَ سُبَّةً٦ إِذا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وَسَلُوْلُ "كان الوجه أن يقول: ما يرون القتل سبَّةً٧؛ حتى يرجع الضمير من صفة القوم إليه ولا تَعْرى منه، لكنّه لما علم أن المراد بالقوم هم قال: ما نرى، وقد جاء في الصلة مثل هذا وهو فيه أفظع، قال: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّيْ حَيْدَرَهْ أَكِيْلُكُمْ بِالسَّيْفِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ والوجه سمّته حتى لا تعرى٨ الصلة من ضمير الموصول، قال أبو عثمان

стр. 59

المازني١: لولا صحة مورده وتكرره لرددته» ٢ والشريف الفاضل٣ لغفوله عمّا قررناه قال٤ في شرحه للمفتاح: «لا يبعد أن يجعل مثل٥: أنا الذي سمّتني أُمِّي حيدرة، وأنت الذي أخلفتني، ونحن قوم فعلنا، وأنتم قوم تجهلون - من باب الالتفات من الغيبة إلى التكلم أو الخطاب"٦. وممّا يشبه الالتفات وليس منه: ما في قوله تعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ ٧ من تغيُّر٨ الأسلوب والعدول عن مقتضى ظاهر الكلام؛ وذلك أن موجب طرد الكلام على أسلوب ما سبق من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيْعُوا الله وَأَطِيْعُوا الرَّسُوْلَ﴾ ٩ وسوقه١٠ على مقتضى الظاهر هو أن يقال: فإن تولّوا١١ فإنّما١٢ عليهم ما حمّلوا وعليك ما حمّلت، وإنّما قلنا إنّه

стр. 60

ليس منه؛ لعدم النقل عن أحد الطرق الثلاثة إلى الآخر منها؛ فإن المتحقق١ في قوله تعالى٢: ﴿قُلْ أَطِيْعُوا اللهَ﴾ تنزيلهم منزلة الغائبين٣، لا سوق الكلام٤ معهم على طريق الغائبة، والفرق واضح وإن خفي على صاحب الكشف حيث قال: "هو٥ التفات حقيقي؛ لأنّه٦ جعلهم غُيّباً، حيث أمر الرسول [ ﷺ ] بخطابهم في٧ قوله ﴿قُلْ أَطِيْعُوا اللهَ﴾ ثم خاطبهم بقوله ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ٨. وقد نبّه صاحب الكشاف٩ على ما ذكرنا من عدم الالتفات حقيقة فيما ذكر لفقد شرط النقل حيث قال: "صرف الكلام عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات"١٠ يعني أن مقتضى الظاهر نظم الكلام على الغيبة، ولما صرف عنها كان على طريقة الالتفات وإن لم يكن منه لعدم تحقّق النّقل عن الغيبة، حيث لم يوجب١١ سوق الكلام على صيغتها١٢، ففي إقحام عبارة الطريقة وذكر الصرف دون النّقل تنبيه على ما ذكرنا، فافهم.

стр. 61

ومن ههنا وما١ تقدم بيانه تبيّن أنّ كلاً من تغيير الأسلوب والنّقل عن صيغة٢ إلى أخرى - أعمّ من الآخر من وجهٍ؛ ولذلك جمعنا بينهما في تفسير٣ الالتفات، وظهر لك شعبة أخرى لتلوين الخطاب، وهي: ما يوجد فيه تغيير الأسلوب دون النّقل. فاعلم أن أنواع الالتفات بحسب النّقل من كل واحدة من الصيغ الثلاث٤ إلى إحدى الأخريين ستّة٥، وقد أفصح عن هذا صاحب المفتاح بقوله: "بل الحكاية والخطاب والغيبة ثلاثتها ينقل٦ كل واحد منها إلى الآخر، ويسمّى هذا النقل التفاتاً عند علماء علم المعاني٧" وإن قصر عنه بيان صاحب الكشاف بقوله: "هذا يسمّى الالتفات في علم البيان، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم"٨ حيث اقتصر على٩ ذكر أنواعه الثلاثة، وقوله: "في علم البيان" لا ينافي قول صاحب المفتاح "عند علماء المعاني" لأنه أراد بالبيان علم البلاغة الشامل١٠ للمعاني والبيان١١،

стр. 62

وإنما كان الالتفات من علم المعاني لأن ما يترتب١ عليه من الفوائد من جملة خواصّ التراكيب التي يبحث عنها في العلم المذكور. وأمّا ما قيل: "يُبحث عنه في علمي٢ البلاغة والبديع، أمّا في المعاني فباعتبار كونه على خلاف مقتضى الظاهر، وأمّا في البيان فباعتبار أنَّه إيراد لمعنى واحد في طرق مختلفة في الدلالة عليه جلاء، [وخفاء] ٣ وبهذين الاعتبارين يفيد الكلام حسناً ذاتياً للبلاغة، وأمّا في البديع فمن حيث إنّ فيه جمعاً بين صورٍ متقابلة في معنى واحد فكان من محسّناته المعنوية٤" - ففيه نظر؛ أمّا أوّلاً: فلأن مجرد كونه على خلاف مقتضى الظاهر لا يكفي في دخوله في علم المعاني، وهذا ظاهر٥ عند من له أدنى تأمل في حدّ العلم المذكور. وأمّا ثانياً: فلأن اعتبار أنّه إيراد لمعنى واحد في طرق مختلفة في الدلالة عليه جلاء [وخفاء] ، غير كافٍ في دخوله في علم البيان؛ بل لابدّ معه أن يكون ذلك الاختلاف بحسب الدلالة العقلية، وهو مفقود٦ في الالتفات، ولذلك لم يورده صاحب المفتاح في البيان واقتصر على إيراده في٧ المعاني والبديع ٨.

стр. 63

وعدّه خلاف مقتضى الظاهر من الكناية١ لا يجدي نفعاً في كونه من البيان؛ لأنه ليس منها حقيقة؛ كيف وهي من أقسام اللفظ، والخلاف المذكور ليس من جنس اللفظ، وكذا إخراج الكلام عليه ليس منه، وإنّما عدّه من الكناية لما بينهما من المشابهة، والشريف الفاضل لغفوله عن هذا قال في شرح المفتاح في حاشيته "وكونه من إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر المندرج تحت الكناية؛ لا يوجب كونه من مباحث البيان كسائر الجزئيات المندرجة تحت ٢ قواعده؛ لأن الأحكام الجزئية المندرجة تحت٣ قواعد علم [البيان٤] فروعٌ وثمراتٌ لمسائله، إذ ليست مبحوثاً عنها بخصوصيّاتها"٥. ثم إن موجب تعليله بقوله: "لأن الأحكام" الخ. على تقدير تمامه هو إيجاب ما ذكر من الاندراج عدم كونه من مباحث البيان لا عدم إيجاب كونه منها، وإنّما قلنا: "على تقدير تمامه" لأنه محل نظر، فتدبّر. وهذا الكلام قد وقع في البيان٦ استطراداً٧، فلنعد إلى ما كنّا فيه من تفصيل أنواع الالتفات الحاصلة من ضرب الثلاث في الاثنين٨، فنقول: أحدها:

стр. 64

الالتفات من التكلم إلى الخطاب: ومثاله من التنزيل ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ ١ وذلك أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ﴾ المخاطبون، والمعنى: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم فالمعبّر عنه في الجميع هو المخاطبون، ولمّا عبّر عنهم بصيغة التكلم كان مقتضى٢ الظاهر أن لا يغيّر أسلوب الكلام، بل يجري اللاحق على سنن السابق، ويقال: وإليه٣ أرجع، فلمّا عدل عنه إلى ما٤ ذكر تحقق الالتفات٥. ومن الشعر: تَذَكَّرْتَ والذِّكْرَى تَهِيْجُكَ زَيْنَبَا وَأَصْبَحَ باقِي وَصْلِها قَدْ تَقضَّبا٦

стр. 65

إن قُرئ (تذكرتَ) بالفتح كما هو الرواية، فالالتفات فيه على رأي صاحب المفتاح؛ حيث كان الظاهر ضمّها على التكلم ١ فعدل عنه إلى الخطاب، وإن قُرِئ بالضمّ فالالتفات في (يهيجك) وهذا باتفاق٢. وثانيها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة: ومثاله من التنزيل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ ٣ كان الظاهر أن يقال: فصلّ لنا. قال الفاضل التفتازاني في شرح التلخيص: "وقد كثر في الواحد من المتكلم٤ لفظ الجمع تعظيماً له لعدّهم٥ المعظّم كالجماعة، ولم يجيء ذلك للغائب والمخاطب في الكلام القديم، وإنّما هو استعمال المولّدين كقوله: بِأَيِّ نَوَاحِي الأَرْضِ أَبْغِي وِصَالَكُمْ وَأَنْتُمْ مُلُوْكٌ مَا لِمَقْصَدِكُمْ نَحْوُ٦ تعظيماً للمخاطب وتواضعاً من المتكلم٧ وفيه نظر؛ لأنّه قد جاء ذلك للغائب والمخاطب أيضاً في الكلام القديم، أمّا الأول: فقد قال الإمام البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿و٨مَا كَانَ لِمُوْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللهُ ورَسُوْلُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٩ "أي قضى رسول الله [ ﷺ ]

стр. 66

وذكر الله لتعظيم أمره، والإشعار بأنّ قضاءَه قضاءُ الله، تعالى١ وجمع الضمير الثاني للتعظيم"٢. وأمّا الثاني فقد قال صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿لا تَقُوْلُوا٣ رَاعِنَا٤﴾ : "وقرأ٥ ابن مسعود: (راعونا٦) على٧ أنهم كانوا٨ [يخاطبونه] ٩ بلفظ الجمع للتوقير"١٠ والفاضل المذكور اعترف١١ بما أنكره ههنا - في بحثه١٢: أن الأمر١٣ للوجوب من التلويح. ومثال النوع المذكور من الشعر لم يوجد في أشعار الجاهلية، ولذلك لم يورد

стр. 67

صاحب المفتاح مثالاً له١ إلاّ أنَّه لم يصب في ذلك، لأن وجود مثاله في التنزيل كان كافياً، فلا وجه لاقتصاره على إيراد المثال للأقسام الخمسة٢. وثالثها: الالتفات من الخطاب إلى التكلم، ومثاله لم يوجد في التنزيل، وأمّا مثاله من الشعر فقوله٣: طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الحِسَانِ طَرُوبُ بُعيْدَ٤ الشَّبابِ عَصْرَ حانَ مَشِيْبُ٥ يُكَلِّفُنِي لَيْلَى وقد شَطَّ وَلْيُها٦ وَعَادتْ عَوَادٍ بَيْنَناَ وخُطُوبُ التفت من الخطاب في (طحابك) إلى التكلم؛ حيث لم يقل يكلّفك، وفاعل يكلفني ضميرُ القلب، وليلى مفعوله الثاني، والمعنى: يكلفني ذلك القلب ليلى ويطالبني بوصلها. ورابعها: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة؛ ومثاله من التنزيل: ﴿حَتَّى إِذَا

стр. 68

كنتم الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ١ كان الظاهر أن يقال: وجرين بكم. ومن الشعر قوله٢: إنْ تَسْأَلوا الحقَّ نُعطِ٣ الحقَّ سائِلَهُ والدِّرْعُ مُحْقَبَةٌ والسَّيْفُ مَقْرُوبُ٤ التفت في (سائله) من الخطاب إلى الغيبة. وخامسها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب؛ ومثاله من التنزيل: ﴿مالكِ يومِ الدِّيْن. إيَّاكَ نَعْبُدُ٥﴾ كان الظاهر أن يقول: إيّاه نعبد. ومن الشعر: طَرَقَ الخَياَلُ ولا كَلَيْلَةِ مُدْلجِ سَدِكاً٦ بِأَرْحُلِنَا وَلَمْ يَتَعَرَّجِ أنَّى اهْتَدَيْتِ٧ وَكُنْتِ [غير] رجِيْلَةٍ٨ والقومُ قَدْ٩ قَطَعُوا متان١٠السَّجْسَجِ١١

стр. 69

التفت في البيت الثاني من الغيبة إلى الخطاب، حيث قال: (اهتديت) وكان الظاهر أن يقول: اهتدى١. وسادسها: الالتفات٢ من الغيبة إلى التكلم، ومثاله من التنزيل: ﴿والله الَّذِيْ أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيْرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ﴾ ٣ كان الظاهر أن يقال: فساقه٤. ومن الشعر قوله٥: تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بالأثْمُدِ ونَامَ الخَلِيُّ وَلَمْ تَرْقُدِ وبَاتَ وبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ كَلَيْلةِ ذِيْ العَائِر الأرْمَدِ وَذَلِكَ مِنْ نَبإٍ جاءَنِيْ وخُبِّرْتُه٦ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ التفت في (جاءني) ٧ من الغيبة إلى التكلم، وكان الظاهر أن يقول: جاءه. وقال صاحب المفتاح٨: "فالتفت - يعني امرأ القيس - في الأبيات [الثلاثة] "٩ أراد أنه التفت في كل بيت. وكلام صاحب الكشاف في هذا المعنى أظهر؛ حيث

стр. 70

قال: "التفت [امرؤ] ١ القيس ثلاث التفاتات في [ثلاثة] ٢ أبيات"٣ فإنه نصّ في الثلاث٤ وظاهر٥ في التوزيع؛ أمّا في الأول: فمن التكلم إلى الخطاب؛ إذا القياس: (تطاول ليلى) . وأمّا في الثاني: فمن الخطاب إلى الغيبة؛ حيث قال: (وبات) والقياس: (وبتَّ) على الخطاب. وأمّا٦ في الثالث: فقد مرّ بيانه٧. وهذا القول من صاحب الكشاف صريح٨ في أنَّ سَبْقَ طريق آخر تحقيقاً ليس بشرطٍ في٩ الالتفات. فالمخالفة١٠ للجهمور في هذا الخصوص ليست من

стр. 71

خصائص صاحب المفتاح، بل هو١ مقلّد فيها لصاحب الكشّاف٢، فحقُّ ذلك المذهب أن يُنسب إليه لا إلى صاحب المفتاح؛ لأن القول حقُّه أن ينسب إلى من سبق به٣. لا يقال: إن في لفظ٤ (ذلك) التفاتاً من الغيبة إلى الخطاب؛ فيكون في تلك الأبيات٥ ثلاثة التفاتات٦ على مذهب الجمهور أيضاً، فلا ضرورة٧ إلى٨ حمل قول صاحب الكشاف٩ على خلاف ما عليه الجمهور، لأنّا نقول: الالتفات١٠ فيما ذكر غير متعين، إذ يجوز أن يكون الكاف خطاباً لغيره لا لنفسه؛ على أن قول صاحب الكشاف على ما نبهت فيما تقدم - صريحٌ في

стр. 72

توزيع الالتفاتات١ على الأبيات الثلاثة٢، وعلى ما ذكر لا يصح ذلك. اعلم أنه قد دار في ألسنة أرباب البلاغة أن [امرأ] ٣ القيس التفت ثلاث مرات٤ في [ثلاثة] ٥ أبيات، واستغربوا ذلك غاية٦ الاستغراب وزعموا أنه ثمرة الغراب٧، وقد وقع في كلامه تعالى٨ التفاتان في مقدار نصف مصراع البيت؛ وذلك أغرب، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوْا إِلى اللهِ﴾ ٩ فإنَّ في ﴿رُدُّوا﴾ التفاتاً من الخطاب إلى الغيبة، وفي قوله: ﴿إِلى اللهِ﴾ ١٠ التفاتاً١١ من التكلم إلى الغيبة؛ لأن سياقه قوله تعالى: ﴿حَتَّى١٢ إذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُوْنَ﴾ ١٣.

стр. 73

وقوله تعالى: ﴿بَارَكْنَا حَوْلَه لِنُرِيَهُ١ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ٢ على قراءة ﴿لِيُرِيَه﴾ ٣ بياء الغيبة، فإن فيه التفاتاً من التكلم إلى الغيبة ثم من الغيبة إلى التكلم. ومن ههنا تبيّن فساد ما قيل: شرط الالتفات أن يكون التعبيران في [كلامين] ٤.

стр. 74

والفوائد العامّة لأنواع الالتفات هي: حسن التطرئة١ لأسلوب الكلام، تنشيطاً للسامع٢، فإن الطبع قد يملّ من أسلوب معين، فإذا خرج عنه الكلام [تتجدّد] ٣ له الرغبة إلى الإصغاء ولطف الإيقاظ للسامع٤، وذلك أن الكلام إذا جرى على سنن واحدٍ ربّما يذهل٥ لكونه جرياً على العادة المعهودة، فيفوته المقصود، وزيادة٦ التقرير للمعنى في ذهن السامع، وذلك أن الكلام اللاحق إذا صرف عن أسلوب السابق تستغربه٧ النّفس فتتنبه له، وتنبعث٨ للنظر فيه وتدبّره٩، فيشتد١٠ وقعه فيها، وقال الفاضل التفتازاني في شرحه

стр. 75

للمفتاح: "الفائدة العامة١ في مطلق الالتفات وجهان يرجع أحدهما إلى المتكلم، وهو قصد التفنّن٢ في الكلام والتصرف فيه بوجوه مختلفة من غير اعتبار لجانب السامع. وثانيهما٣: إلى السامع، وهو حسن تنشيطه٤ ولطف إيقاظه"٥. ويردّ عليه أن القصد المذكور لا يصلح٦ فائدة للالتفات. وكان الشريف الفاضل تنبّه لذلك فعدل عنه إلى قوله: "وهي التصرف والافتنان في وجوه الكلام، وإظهار القدرة من التمكن فيها"٧. ويتّجه عليه أيضاً أنه: إن أريد مطلق التصرف والافتنان٨ حسناً كان أو قبحاً؛ فلا وجه لعدّه٩ القدرة عليه فضيلة، وإن أريد التصرف والافتنان على وجه يتضمّن١٠ الخاصية والمزية فترجع الفائدة إلى تلك الخاصية١١، فينقلب خاصّة فتدبّر.
следующие страницы →