ابن عبد الله بن الحبحاب صاحب إفريقية فدخلها (أي الأندلس) سنة ثلاث عشرة، وغزا إفرنجة وكانت له فيهم وقائع، وأصيب عسكره في رمضان سنة أربع عشرة فولى سنتين " (١). ولدينا من الرواية الأندلسية ما قاله صاحب " أخبار مجموعة " عند ذكر ولاة الأندلس وهو: " ثم (أي وليها) عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، وعلى يده استشهد أهل البلاط الشهداء، واستشهد معهم واليهم عبد الرحمن " (٢). ونقل الضبي في ترجمة عبد الرحمن ما ذكر ابن عبد الحكم عن الموقعة (٣). وقال الحميدي وهو من مؤرخي الأندلس في حديثه عن عبد الرحمن: " وعبد الرحمن الغافقي هذا من التابعين ... استشهد في قتال الروم بالأندلس سنة خمس عشرة ومائة " (٤). وقال ابن عذارى المراكشي: " ثم ولي الأندلس عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، فغزا الروم واستشهد مع جماعة من عسكره سنة ١١٥، بموضع يعرف ببلاط الشهداء " (٥) وقال في موضع آخر " ثم ولي الأندلس عبد الرحمن هذا (أى الغافقي) ثانية وكان جلوسه لها في صفر سنة ١١٢ فاقام والياً سنتين وسبعة أشهر وقيل وثمانية أشهر، واستشهد في أرض العدو في رمضان سنة ١١٤ " (٦). وقال المقري فيما نقل: " قدم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي من قبل عبيد الله بن الحبحاب صاحب إفريقية، فدخلها (أى الأندلس) سنة ثلاث عشرة، وغزا الإفرنجة وكانت له فيهم وقائع، وأصيب عسكره في رمضان سنة أربع عشرة في موضع يعرف ببلاط الشهداء وبه عرفت الغزوة " (٧).
ونقل في موضع آخر: " وذكر أنه قتل (والإشارة هنا خطأ إلى السمح بن مالك) في الواقعة المشهورة عند أهل الأندلس بوقعة البلاط، وكانت جنود الإفرنجة قد تكاثرت عليه، فأحاطت بالمسلمين فلم ينج من المسلمين أحد. قال ابن حيان،
стр. 107
فيقال إن الأذان يسمع بذلك الموضع إلى الآن ". ونقل عن ابن حيان: " قال دخل الأندلس (أي عبد الرحمن) حين وليها ولايته الثانية من قبل ابن الحبحاب في صفر سنة ثلاث عشرة ومائة، وغزا الإفرنج فكانت له فيهم وقائع جمة إلى أن استشهد، وأصيب عسكره في موضع يعرف ببلاط الشهداء. قال ابن بشكوال وتعرف غزوته هذه بغزوة البلاط " (١).
هذه الفقرات والإشارات الموجزة، التي تكاد تتفق جميعا في اللفظ والمعنى، هي ما ارتضت الرواية الإسلامية أن تقدمه إلينا في هذا المقام، وإن كان في تحفظها ذاته ما ينم عن تقديرها لرهبة الحادث وخطورته وبعد آثاره. وإذا كان صمت الرواية الإسلامية تمليه فداحة الخطب الذي أصاب الإسلام في سهول تور، فإن الرواية النصرانية تفيض بالعكس في تفاصيل الموقعة إفاضة واضحة، وتشيد بظفر النصرانية ونجاتها من الخطر الإسلامي، وترفع بطولة كارل مارتل إلى السماكين. وتذهب الرواية النصرانية، ومعظم كتابها من الأحبار المعاصرين، في تصوير نكبة المسلمين إلى حد الإغراق، فتزعم أن القتلى من المسلمين في الموقعة بلغوا ثلاثمائة وخمسة وسبعين ألفاً، في حين أنه لم يقتل من الفرنج سوى ألف وخمسمائة. ومنشأ هذه الرواية رسالة أرسلها الدوق أودو إلى البابا جريجورى الثاني، يصف فيها حوادث الموقعة وينسب النصر لنفسه، فنقلتها التواريخ النصرانية المعاصرة واللاحقة، كأنها حقيقة يستطيع العقل أن يسيغها. بيد أنها ليست سوى محض خرافة، فإن الجيش الإسلامي كله، لم يبلغ حين دخوله فرنسا على أقصى تقدير، أكثر من مائة ألف (٢). والجيش الإسلامي لم يهزم في تور ولم يسحق، بالمعنى الذي تفهم به الهزيمة الساحقة، ولكنه ارتد من تلقاء نفسه بعد أن لبث طوال المعركة الفاصلة، يقاتل حتى المساء محتفظا بمراكزه أمام العدو، ولم يرتد أثناء القتال ولم يهزم. ومن المستحيل أن يصل القتل الذريع في جيش يحافظ على ثباته ومواقعه، إلى هذه النسبة الخيالية. ومن المعقول أن تكون خسائر المسلمين فادحة في مثل هذه المعارك الهائلة، وهذا ما تسلم به الرواية الإسلامية. ولكن مثل هذه
стр. 108
الخسائر لا يمكن أن تعدو بضع عشرات الألوف في جيش لم يزد على مائة ألف.
وأسطع دليل على ذلك هو حذر الفرنج وإحجامهم عن مطاردة العرب عقب الموقعة، وتوجسهم أن يكون انسحاب العرب خديعة حربية، فلو أن الجيش الإسلامي انتهي إلى أنقاض ممزقة، لبادر الفرنج بمطاردته والإجهاز عليه. ولكنه كان مايزال من القوة والكثرة إلى حد يخيف العدو ويرده (١). على أن خسارة المسلمين كانت بالأخص فادحة في نوعها، تتمثل في مقتل عبد الرحمن وجمع كبير من زعماء الجيش وقادته. بل كان مقتل عبد الرحمن أفدح ما في هذه الخسارة، فقد كان خير ولاة الأندلس، وكان أعظم قائد عرفه الإسلام في الغرب، وكان الرجل الوحيد الذي استطاع بهيبته وقوة خلاله، أن يجمع كلمة الإسلام في اسبانيا، فكان لمقتله في هذا المأزق العصيب، ضربة شديدة لمثل الإسلام ومشاريع الخلافة في افتتاح الغرب (٢).
ويعلق النقد الحديث على هذا اللقاء بين الإسلام والنصرانية أهمية كبرى، وينوه بخطورة آثاره وبعد مداها في تغيير مصاير النصرانية وأمم الغرب، ومن ثم في تغير تاريخ العالم كله. وإليك طائفة مما يقوله أكبر مؤرخي الغرب ومفكريه في هذا المقام:
قال إدوارد جيبون، إن حوادث هذه الموقعة " أنقذت آباءنا البريطانيين وجيراننا الغاليين (الفرنسيين) من نير القرآن المدني والديني، وحفظت جلال رومة، وأخرت استعباد قسطنطينية، وشدت بأزر النصرانية، وأوقعت بأعدائها بذور التفرق والفشل " (٣). ويعتبر المؤرخ أرنولد الموقعة " إحدى هاته المواقف
стр. 109
الرهيبة لنجاة الإنسانية وضمان سعادتها مدى قرون " (١). ويقول السير إدوار كريزي: " إن النصر العظيم الذي ناله كارل مارتل على العرب سنة ٧٣٢ وضع حدا حاسما لفتوح العرب في غرب أوربا، وأنقذ النصرانية من الإسلام، وحفظ بقايا الحضارة القديمة، وبذور الحضارة الحديثة، ورد التفوق القديم للأمم الهندية الأوربية على الأمم السامية " (٢). ويقول فون شليجل في كلامه عن الإسلام والإمبراطورية العربية: " ما كاد العرب يتمون فتح إسبانيا حتى تطلعوا إلى فتح غاليا وبرجونية. ولكن النصر الساحق الذي غنمه بطل الفرنج كارل مارتل بين تور وبواتييه وضع لتقدمهم حداً، وسقط قائدهم عبد الرحمن في الميدان مع زهرة جنده. وبذا أنقذ كارل مارتل بسيفه أمم الغرب النصرانية من قبضة الإسلام الفتاكة، الهدامة إلى الذروة " (٣)، ويقول رانكه: " إن فاتحة القرن الثامن من أهم عصور التاريخ، ففيها كان دين محمد ينذر بامتلاك إيطاليا وغاليا، وقد وثبت الوثنية كرة أخرى إلى ما وراء الرّين فنهض إزاء ذلك الخطر فتى من عشيرة جرمانية هو كارل مارتل، وأيد هيبة النظم النصرانية المشرفة على الفناء، بكل ما تقتضيه غريزة البقاء من عزم، ودفعها إلى بلاد جديدة " (٤). ويقول زيلر: " كان هذا الانتصار بالأخص انتصار الفرنج والنصرانية. وقد عاون هذا النصر زعيم الفرنج على توطيد سلطانه، لا في غاليا وحدها ولكن في جرمانيا التي أشركها في نصره " (٥). على أن هناك فريقاً من مؤرخي الغرب لا يذهب إلى هذا الحد في تقدير نتائج الموقعة وآثارها. ومن هذا الفريق المؤرخان الكبيران سسموندي وميشليه، فهما لايعلقان كبير أهمية على ظفر كارل مارتل. ويقول جورج فنلي: " إن أثرة الكتاب الغاليين قد عظمت من شأن تغلب كارل مارتل على حملة ناهبة من عرب اسبانيا، وصورته كانتصار باهر، ونسبت خلاص أوربا من نير العرب إلى شجاعة الفرنج، في حين أن حجاباً ألقى على عبقرية ليون الثالث (إمبراطور قسطنطينية) وعزمه، مع أنه نشأ جنديا يبحث وراء طالعه، ولم يكد يجلس على
стр. 110
العرش حتى أحبط خطط الفتح، التي أنفق الوليد وسليمان طويلا في تدبيرها " (١) ونحن مع الفريق الأول نكبر شأن بلاط الشهداء أيما إكبار، ونرى أنها كانت أعظم لقاء بين الإسلام والنصرانية، وبين الشرق والغرب، ففي سهول تور وبواتييه فقد العرب سيادة العالم بأسره، وتغيرت مصائر العالم القديم كله، وارتد تيار الفتح الإسلامي أمام الأمم الشمالية، كما ارتد قبل ذلك بأعوام أمام أسوار قسطنطينية، وأخفقت بذلك آخر محاولة بذلتها الخلافة لافتتاح أمم الغرب، واخضاع النصرانية لصولة الإسلام. ولم تتح للإسلام المتحد فرصة أخرى، لينفد الى قلب أوربا في مثل كثرته وعزمه واعتزازه، يوم مسيره إلى بلاط الشهداء. ولكنه أصيب غير بعيد بتفرق الكلمة، وبينما شغلت إسبانيا المسلمة بمنازعاتها الداخلية، إذ قامت فيما وراء البرنيه إمبراطورية فرنجية عظيمة موحدة الكلمة، تهدد الإسلام في الغرب وتنازعه السيادة والنفوذ.
стр. 111
الفصل السابع
الأندلس بين المد والجزر
صدى بلاط الشهداء. اهتمام الخلافة بحوادث الأندلس. تعيين عبد الملك بن قطن واليا للأندلس. مسير ابن قطن إلى الشمال. محاربته للثوار في الثغر الأعلى وبسكونية. غزوه لأكوتين. هزيمته أثناء العودة. صرامته وعزله. ولاية عقبة بن الحجاج. حزم عقبة وإصلاحاته. غزوه لجليقية. تحصينه لقواعد الثغر. غزواته في غاليس. حوادث أكوتين. عبد الرحمن اللخمي فارس الأندلس يغزو آرل. تحالف مورنتوس دوق بروفانس مع العرب. غزو القوات المتحدة لبرجونية. مهاجمة الفرنج لأفنيون واستيلاؤهم عليها. حصار كارل مارتل لأربونة. موقعة بين العرب والفرنج. هزيمة العرب. رفع الحصار عن أربونة. استيلاء كارل على مدن سبتمانيا وتخريبها. عوده إلى الشمال. مسير عقبة إلى سبتمانيا. استرداده لآرل. غزو الفرنج واللومبارد لبروفانس. قدوم كارل مارتل. ارتداد المسلمين. هزيمة مورنتوس وتمزيق قواته. مهاجمة البشكنس لعقبة حين عبوره الجبال. وفاة عقبة. ولاية عبد الملك ابن قطن الثانية. حوادث إفريقية. سخط البربر على العرب. ذيوع الدعوة الخارجية بين البربر. موقف البربر في اسبانيا. أقوال ابن خلدون في ذلك. أقوال دوزي. اضطرام البربر بعوامل الثورة. إخماد الثورة في المغرب الأقصى. ولاية إسماعيل بن عبيد الله للمغرب. عودة الثورة بزعامة ميسرة المدغري. استيلاء الثوار على طنجة. الحرب بين العرب والبربر. مصرع ميسرة. موقعة الأشراف. ولاية كلثوم بن عياض لإفريقية. الخلاف بين زعماء العرب. مسير كلثوم إلى المغرب. استئناف الحرب بين العرب والبربر. هزيمة العرب ومقتل كلثوم. امتناع الشاميين بسبتة. ولاية حنظلة بن صفوان لإفريقية. الثورة في إفريقية الوسطى. قتال حنظلة للثوار. هزيمة البربر ومصرع زعمائهم.
كان للخطب الجلل الذي أصاب الإسلام في بلاط الشهداء وقع عظيم في بلاط دمشق، وفي جميع أرجاء العالم الإسلامي، وكان ارتداد الإسلام أمام أسوار قسطنطينية قد وقع للمرة الثانية قبل ذلك بأربعة عشر عاما فقط، فكانت نكبة البلاط تتمة الفشل المؤلم، الذي أصاب مشاريع الخلافة في افتتاح أمم الغرب. ْعلى أنها لم تكن خاتمة الفتوح الإسلامية في فرنسا.
وأثار هذا الخطب في نفس هشام بن عبد الملك، أيما اهتمام بشئون الأندلس ومصير الإسلام في الغرب، فاختار عبد الملك بن قطن الفهري واليا للأندلس، وأمره أن يعمل على حماية شبه الجزيرة، وتوطيد هيبة الإسلام في تلك الأقطار
стр. 112
النائية. فعبر عبد الملك إلى اسبانيا، في جيش منتخب من جند إفريقية، في أواخر سنة ١١٤هـ (١). كان ثوار المقاطعات الشمالية قد انتهزوا فرصة مقتل عبد الرحمن وانحلال جيشه، وحاولوا أن ينزعوا عنهم نير الإسلام، فسار عبد الملك إلى الثغر الأعلى (أراجون) وهزم الثوار في عدة مواقع، ثم عبر البرنيه إلى بسكونية (بلاد البشكنس) (٢) سنة ١١٥ هـ (٧٣٣ م)، وكانت دائما أشد المقاطعات الجبلية مراساً، وأكثرها خروجاً وانتقاضاً، فعاث فيها وشتت جندها وألجأهم إلى طلب الصلح (٣). ثم سار إلى لانجدوك، وكان الفرنج منذ موقعة البلاط، يتطلعون إلى استردادها، ويكثرون من الإغارة عليها، فنظم حامياتها، وحصن قواعدها. ثم أغار على أراضي أكوتين وعاث فيها، فاعترضه الدوق أودو ورده، ولم يخاطر عبد الملك بالتوغل في أرض الفرنج لصغر جيشه, فارتد إلى الجنوب، ولكنه أثناء عبوره جبال البرنيه، هاجمته العصابات الجبلية البسكونية، وأصابته في قتالها خسارة كبيرة، فعاد إلى قرطبة دون أن يتمكن من إخضاعها.
ولم يطل عهد عبد الملك بعد عوده، فقد كان صارماً، شديد الوطأة، كثير الظلم والبطش (٤). فسخط عليه الزعماء وأولو الرأي، ودب الخلاف بين القبائل، وبدت بوادر الفتنة. هذا إلى أنه لم يوفق إلى إخماد الثورة في الولايات الشمالية، وتوطيد سلطان الإسلام فيها. فعزل في رمضان سنة ١١٦ لسنتين من ولايته. واختار عبيد الله بن الحبحاب عامل إفريقية، مكانه لولاية الأندلس. عقبة بن الحجاج السلولي. فدخلها في شوال سنة ١١٦ (أواخر سنة ٧٣٤ م). وكان عقبة من طراز عبد الرحمن الغافقي جندياً عظيماً، نافذ العزم والهيبة، محمود الخلال والسيرة، كثير العدل والتقوى (٥)، فأقام النظام والعدل، ورد المظالم، وقمع الرشوة
стр. 113
والاختلاس، وعزل الحكام الظلمة وألقاهم في غيابة السجن، وأقام مكانهم جماعة من ذوى الحزم والنزاهة، وأنشأ كثيرا من المدارس والمساجد. فاستقرت الأحوال وخبت الفتنة، وتراضت القبائل. واعتزم عقبة في الوقت نفسه أن يعيد عهد الجهاد والفتوح العظيمة، وأن يوطد سلطان الإسلام في الولايات الشمالية، وفي غاليس (فرنسا). فنظم الجيش وزاد في قواته وأهبته، وغزا جليقية وتوغل فيها، واستولى على كثير من مواقعها، ولكنه لم يستطع أن يسحق بقية النصارى التي اجتمعت حول الزعيم القوطي بلاي (أو بلايو)، وما زالت معتصمة بأقاصي
الجبال في شعب عرفت لمنعتها " بالصخرة "، متحدية كل أمير وقائد مسلم (١). وحصن عقبة جميع المواقع الإسلامية على ضفاف نهر الرون، واتخذ ثغر أربونة قاعدة للجهاد والغزو، فحصنها وبعث إليها بالجند والمؤن والذخائر. وتقول الرواية الإسلامية إن عقبة لبث طوال حكمه الذي امتد خمسة أعوام مثابرا على الجهاد والغزو، وأنه كان يخرج للغزو كل عام، حتى عاد نهر الرون رباط المسلمين أو معقل فتوحاتهم (٢)، بعد أن كان الفرنج قد استردوا ما بيد المسلمين في تلك الأنحاء. ولا تفصل الرواية الإسلامية حوادث هذه الغزوات، ولكن الروايات الفرنجية المعاصرة تلقى عليها شيئا من الضياء، وإليك ملخص الغزوات الإسلامية في غاليس في تلك الفترة حسبما تقصه علينا تلك الروايات:
رأى الفرنج على أثر ما أصاب المسلمين في بلاط الشهداء، أن الفرصة قد سنحت لإخراجهم من فرنسا. ولكن كارل مارتل شغل حينا بمحاربة القبائل الوثنية فيما وراء الرّين، في فريزيا وسكسونية، وشغل أودو برد العرب حينما غزوا أكوتين مرة أخرى بقيادة ابن قطن. ثم توفي أودو في العام التالي (سنة ٧٣٥ م)، وتخلص كارل مارتل بذلك من منافسه القوي، وبادر إلى غزو أكوتين ودخل بوردو عاصمتها، وأقام هونالد ولد أودو دوقا مكان أبيه، على أن تكون أكوتين تابعة للمملكة الفرنجية. وفي تلك الأئناء ولي الأندلس عقبة بن الحجاج، وأخذ ينظم الأهبة لاسترداد الثغور الإسلامية الشمالية. وفي سنة ٧٣٥ م (١١٧هـ) غزا العرب مدينة آرل للمرة الثانية، بقيادة عبد الرحمن بن علقمة اللخمي والي
стр. 114
أربونة، الموصوف بأنه " فارس الأندلس في عصره " تنويها بشجاعته الفائقة (١) واستولوا عليها. وكانت الولايات المجاورة لسبتمانيا الواقعة حول ضفاف الرون، وكلها مزيج من القوط والبرجونيين، تنزع إلى الخروج على كارل مارتل، وتحاول التخلص من نير الفرنج، وكان الدوق مورنتوس أو مورنت أمير بروفانس أقوى زعماء هذه المنطقة، يحكم ما بين نهر الرون وجبال الألب، ويسعى إلى توطيد استقلاله. وتوزيع ملكه على نحو ما كان يفعل أودو في أكوتين، فاتصل بالعرب وتحالف معهم. وفي سنة ٧٣٦ م عبر الدوق وعبد الرحمن اللخمي الرون في جيش مشترك، واستولوا على مدينة أفنيون ورغم حصانتها (٢). واخترق العرب بعد ذلك إقليم دوفينه، استولوا على أوسيز وففييه وفالانس وفيين وليون وغيرها، وغزوا برجونية وحصلوا على غنائم لا تحصى (٣). وعلم كارل مارتل بذلك أثناء انشغاله بالحرب في سكسونية، فبعث أخاه شلدبراند في جيش ضخم ليصد العرب، ثم لحق به جيش آخر، وزحف الفرنج على أفنيون في كثرة وهاجموها بشدة حتى سقطت في أيديهم، وقتلوا حاميتها المسلمة، وتحصن العرب في أربونة، فسار إليها كارل مارتل، وحاصرها فقاومه المسلمون أشد مقاومة. وردوا كل هجماته. وأرسل عقبة في الحال جيشا لإنقاذ المدينة، فقصدها من جهة البحر. وجاز إلى الشاطئ قبل أن يشعر به الفرنج حتى صار على مقربة من أربونة. فلما علم كارل بمقدم هذا الجيش الجديد، بادر إلى لقائه ونشبت بينه وبين العرب موقعة هائلة، فيما بين البحر وأربونة، هزم فيها العرب هزيمة شديدة، وطاردهم الفرنج حتى الشاطىء، فلم ينج منهم سوى شراذم قليلة لجأت إلى السفن، وذلك في ربيع سنة ٧٣٧ م (١١٩هـ) ومع ذلك فلم تسلّم أربونة ولم يهن عزمها. فاضطر عندئذ كارل مارتل إلى رفع الحصار عنها، وارتد إلى مهاجمة المواقع الإسلامية الأخرى، فاستولى على بزييه وأجده وماجلونة وخرب قلاعها ومعاهدها، وأحرق نيمة وآثارها الرومانية الفخمة، فغدت جميعا أطلالا دارسة، بعد أن كانت أيام المسلمين زاهرة باسمة، وحول السهل الواقع غرب سبتمانيا وشمالها إلى قفر بلقع ليحول دون تقدم المسلمين. وهنا وصلته الأنباء بوفاة تيودوريك الرابع
стр. 115
ملك الفرنج الميروفنجي (سبتمبر سنة ٧٣٧)، فارتد مسرعاً إلى عاصمة ملكه ليتقي تدابير خصومه، ولم يقم ملكا جديداً على العرش رغم وجود أعضاء من الأسرة الميروفنجية، بل آثر أن يترك العرش خاليا، حتى تمهد الظروف له أو لبنيه اعتلاءه، وتتويج سلطان محافظ القصر الفعلي بألقاب الملك.
وفي ذلك الحين كان عقبة بن الحجاج يتأهب لاستئناف الغزو، واسترداد ما انتزعه كارل مارتل من قواعد سبتمانيا. ففي ربيع سنة ٧٣٨ م (١٢٠هـ) عبر عقبة جبال البرنيه في جيش ضخم ونفذ إلى سبتمانيا، وعبر الرون واسترد مدينة آرل للمرة الثالثة أو الرابعة. ثم استولى بمعاونة الدوق مورنتوس على أفنيون وعدة معاقل أخرى في بروفانس. وكان كارل في ذلك الحين قد عاد إلى محاربة السكسونيين، فبعث لقتال العرب جيشا بقيادة أخيه شلدبراند، واستغاث بصهره وحليفه لوتيراند ملك اللومبارد (١)، فغزا بروفانس من جهة الشرق ليضيق على قوات الدوق، ثم أسرع كارل إلى الرون بجيش ثالث، وزحفت الجيوش المتحدة على مواقع المسلمين، فاضطر عقبة إلى إخلاء بروفانس والارتداد الى ما وراء الرون، واستولى الفرنج أيضا على معظم سبتمانيا، ولم يبق منها بيد المسلمين سوى أربونة، ورقعة ضيقة من الأرض على الشاطىء بين أربونة والبرنيه، ومزقت قوى الدوق مورنتوس، وطارده الفرنج في شعب الجبال، ففر ناجياً بحياته، واستولى الفرنج على أراضيه، واصطدم عقبة حين عبوره البرنيه إلى الأندلس بعصابات قوية من البسكونيين والقوط، حاولت بتحريض الفرنج أن تسد دونه ممرات الجبال، فتكبد في تمزيقها بعض الخسائر، ولكنه ارتد بجيشه سالما إلى قرطبة. وكان هذا اللقاء الأخير بين العرب والفرنج في سهول الرون في سنة ٧٣٩ م (١٢١هـ) (٢).
ثم توفي عقبة بن الحجاج بعد ذلك بقليل، وقدمت الجماعة مكانه عبد الملك ابن قَطَن، فولى الأندلس للمرة الثانية. وقيل بل ثار ابن قطن على عقبة في جمع
стр. 116
كبير من أنصاره، وكان عقبة قد ولاه على أثر عزله، قيادة الجيش في الشمال، فلبث يتحين الفرص للخروج والثورة. فأسر عقبة وقتل، أو أسر حتى توفي، وانتزع ابن قطن ولاية الأندلس لنفسه، ووقع هذا الانقلاب سنة ١٢٢ هـ (١)، وقيل بل سنة ١٢٣. قال الرازي: " ثار أهل الأندلس بأميرهم عقبة في صفر سنة ثلاث وعشرين، في خلافة هشام بن عبد الملك، وولوا عليهم عبد الملك بن قطن ولايته الثانية، وكانت ولاية عقبة ستة أعوام وأربعة أشهر، وتوفي بقرمونة في صفر سنة ثلاث وعشرين واستقام الأمر لعبد الملك " (٢). وعلى أى حال فقد كان هذا الانقلاب بالنسبة للأندلس فاتحة عهد من الاضطراب والفتن والحرب الأهلية المتصلة كما سنرى.
ويجب لكي نعرف عوامل هذا الاضطراب، أن نعود إلى حوادث إفريقية قبل ذلك بثلاثة أعوام أو أربعة. ففي سنة ١١٦هـ عُين عبيد الله بن الحبحاب عامل مصر والياً لإفريقية، وقد بينا فيما سلف كيف كان البربر يضطرمون سخطاً على سادتهم العرب، وشرحنا طرفاً من عوامل هذا السخط، وبينا كيف أن دعوة الخوارج ذاعت بين البربر منذ أواخر القرن الأول، فأقبلو على اعتناقها لما تضمنت من مبادئ الحرية والديمقراطية، والحث على مقاتلة الغاصبين للرياسة والحكم. كذلك رأينا كيف استبسل البربر في الدفاع عن حرياتهم، وانقضوا على الفاتحين غير مرة، وحطموا سلطانهم، وفتكوا بقادتهم وجيوشهم، ولم يخضعوا لنير العرب إلا بعد كفاح رائع، استطال زهاء نصف قرن. ومع أن الأمر استتب للعرب آخر الأمر، واستطاعوا أن يفرضوا سلطانهم ودينهم على البربر، وأن يتخذوهم جندا لجيوش الخلافة في الغرب، فإن البربر لبثوا يعتبرون العرب أجانب غاصبين لحرياتهم، ولبثت القبائل البربرية القاصية، تضطرم دائما بنزعات الخروج والثورة. وكانت مثل هذه العواطف تحفز البربر في اسبانيا، إلى مخاصمة العرب والسخط عليهم والتربص بهم، خصوصاً لأنهم رغم قيامهم بمعظم أعباء الفتح، لم يفوزوا بكثير من مغانمه، واستأثر العرب دونهم بالسلطان والحكم. وفي ذلك يقول ابن خلدون: " ثم نبضت فيهم (أى البربر) عروق الخارجية
стр. 117
فدانوا بها، ولقنوها من العرب الناقلة ممن سمعها بالعراق، وتعددت طوائفهم، وتشعبت طرقها من الإباضية والصفرية. وفشت هذه البدعة وعقدها رؤوس النفاق من العرب، وجرت إليهم الفتنة من البربر ذريعة الانتزاء على الأمر، فاختلوا في كل جهة، ودعوا إلى قائدهم طغام البربر، تتلون عليهم مذاهب كفرها، ويلبسون الحق بالباطل فيها، إلى أن رسخت فيهم عروق من غرائسها. ثم تطاول البربر إلى الفتك بأمر العرب " (١).
ويصف دوزي موقف البربر من العرب فيما يأتي: " اعتنق البربر سكان الأكواخ الحقيرة، كل التعاليم بحماسة لا توصف، ولا ريب أنهم لجهالتهم وسذاجتهم، لم يدركوا شيئاً من تضارب المذاهب ودقائقها، مما تدركه وتسيغه أذهان مستنيرة، فمن العبث إذاً أن نبحث عن أي الفرق كانوا يفضلون الانضمام إليها، وعما إذا كانوا من الحرورية أو الصفرية أو الإباضية، فقد اختلف الرواة في ذلك. ولكنهم كانوا يفقهون من المبادئ. ما يسمح لهم باعتناق المبادئ الثورية والديمقراطية، ومشاطرة الآمال الخيالية التي يذيعها فقهاؤهم في المساواة العامة، وما يقنعهم بأن ظالميهم كانوا آثمين نصيبهم النار. ولما كان الخلفاء منذ عثمان جميعاً غاصبين غير مؤمنين، فلم يكن جريمة أن يثوروا على المظالم الذي يسلبهم أراضيهم ونساءهم. فقد كان هذا حقاً بل كان واجباً. ولما كان العرب قد أبعدوهم عن السلطة، ولم يتركوا لهم إلا ما عجزوا عن أخذه منهم، أعني حكم القبائل، فقد اعتقدوا بسهولة أن نظرية سيادة الشعب، وهي نظرية يعتنقونها في ظل استقلالهم الوحشي منذ غابر العصور، إنما هي نظرية عريقة في الإسلام عريقة في الإيمان. وأن أقل بربري يمكن رفعه إلى العرش برأي الجماعة. وهكذا كان هذا الشعب الذي بولغ في ظلمه، يثيره متعصبون أنصاف فقهاء وأنصاف جند، وينزع إلى رفع هذا النير باسم الله وباسم النبي، وباسم هذا الكتاب المقدس (القرآن) الذي اعتمد عليه آخرون في إقامة الطغيان الرائع " (٢).
فلما ولي عبيد الله بن الحبحاب إفريقية، كانت القبائل البربرية تضطرم بعوامل الثورة ولاسيما في المغرب الأقصى، فسير عبيد الله إلى مواطن الثورة في قاصية المغرب جيشاً بقيادة حبيب بن أبي عبيدة الفهري، فأثخن في هاتيك الأنحاء ومزق
стр. 118
جموع الثائرين، وعاد مثقلا بالغنائم والسبي، وسادت السكينة حيناً في المغرب الأقصى. وسير ابن الحبحاب حبيباً في معظم قواته في غزوة بحرية إلى سردانية وصقلية، وعين ولده إسماعيل واليا للمغرب الأقصى. ولكن هذه السكينة كانت ظاهراً خلباً فقط، فقد كان البربر يتوقون إلى الانتقام ويرقبون الفرص. وكان إسماعيل يحفزهم ويثيرهم بعسفه وسوء تصرفه، وذاع فوق ذلك أنه ينوي أن يعتبر مسلمي البربر كالنصارى فيئاً وغنيمة، وأن يفرض الأخماس عليهم. فذكا الهياج واستفحل، وانتهز البربر فرصة غياب الجيش والقادة في صقلية، فأعلنوا الثورة والتفوا حول داعية من الخوارج الصفرية، وهو سقاء يدعى ميسرة المدغري، وانقضوا على طنجة وهزموا حاميتها، وقتلوا قائدهم عمر بن عبد الله، واستولوا عليها ودعوا لميسرة بالخلافة. ثم زحفوا على السوس وهزموا إسماعيل بن عبيد الله وقتلوه، فقويت جموعهم واستفحل شأنهم، وذاعت الدعوة الخارجية في قفار المغرب ذيوعاً كبيراً، واضطرب سلطان العرب في معظم النواحي. فسير ابن الحبحاب في الحال جيشاً إلى المغرب الأقصى بقيادة خالد بن حبيب، واستدعى حبيب بن أبي عبيدة وجيشه من صقلية، ووقعت بين خالد والبربر بقيادة ميسرة معارك شديدة غير حاسمة في ظاهر طنجة، تم ارتد ميسرة إلى طنجة حينا، واغتاله بعض أنصاره لأمور نقموها منه، وولوا مكانه خالد بن حميد الزناتي، وهو من بطون زناتة. فبرز لقتال العرب ثانية، ونشبت بين الفريقين في مكان يعرف بوادي سلف، معارك هائلة هزم فيها العرب، وقتل خالد بن حبيب وجماعة كبيرة من الزعماء والقادة، وسميت الموقعة لذلك بغزوة الأشراف (أوائل سنة ١٢٣هـ) (١).
فلما رأى هشام بن عبد الملك عجز ابن الحبحاب عن ضبط الأمور، استدعاه وأقاله، واعتزم أن يخمد ثورة البربر بأي الوسائل، فعين لولاية إفريقية كلثوم ابن عياض القشيري (٢)، وسيره إليها في جيش ضخم من عرب الشام، بقيادة ابن أخيه بَلْج بن بشر القشيري (جمادى الثانية سنة ١٢٣) واجتمعت إليه أثناء
стр. 119
مسيره قوات أخرى من مصر وطرابلس، حتى بلغ جيشه زهاء سبعين ألفا (١). وكان حبيب بن أبي عبيدة قد وقف بجيشه في منتصف الطريق، مترددا لما رآه من استفحال أمر البربر، فاستوقفه كلثوم حتى يصل إليه. وكان حبيب وزعماء العرب في إفريقية، يتوجسون شرا من غلبة الشاميين، فاستقبلوا كلثوما وبَلْجا بفتور، وأبدى بلج بالأخص جفاء وخشونة في معاملة أهل القيروان، وثارت بينه وبين حبيب مناقشات عاصفة، وكاد الخلاف يضطرم بين الفريقين، ويرتد العرب لقتال بعضهم بعضا لولا أن غلبت الحكمة إزاء الخطر الداهم (٢). فسارت القوات المتحدة لقتال البربر، وسار البربر لقتالهم من طنجة في جموع زاخرة بقيادة خالد بن حميد الزناتي، ونشبت بين الفريقين على مقربة من طنجة في مكان يعرف بوادي سبسر، معارك هائلة كان النصر فيها حليف البربر، فمزق العرب للمرة الثالثة، وقتل كلثوم وحبيب وكثير من الزعماء والقادة (٣). وارتدت فلول العرب إلى القيروان، وفر بلج بن بشر ونفر من الزعماء، منهم ثعلبة بن سلامة الجذامي وعبد الرحمن بن حبيب في بقية من جند الشام إلى سبتة، فامتنعوا بها واستغاثوا بوالي الأندلس عبد الملك بن قطن، ووقعت هذه النكبة في أواخر سنة ١٢٣ أو أوائل سنة ١٢٤هـ (٧٤١ م).
عندئذ سير هشام بن عبد الملك والي مصر، حنظلة بن صفوان الكلبي واليا لإفريقية، فقدمها في ربيع الثاني سنة ١٢٤. وكانت دعوة الخوارج قد سرت أيضاً إلى إفريقية الوسطى، بعد أن خرج المغرب الأقصى من قبضة الخلافة، وثار البربر في كثير من النواحي. وخرج منهم في ناحية قابس زعيم يدعى عكاشة الفزاري. وخرج في غرب القيروان زعيم آخر هو عبد الواحد بن يزيد الهواري. فحشد حنظلة كل قواته، ولقي الفزاري أولا، وهزمه وبعد معركة عنيفة ومزق جموعه. ثم التقى بجيش عبد الواحد على مقربة من القيروان بمكان يعرف بالأصنام،
стр. 120
ويقال إن جموع البربر بلغت يومئذ ثلاثمائة ألف، وبلغ العرب أربعين ألفاً فقط (١). ونشب بين الفريقين قتال رائع ثبت فيه العرب، ومزق البربر وقتلت منهم جموع عظيمة، وقتل عبد الواحد وأسر الفزاري وقتل بأمر حنظلة. وكانت هذه الموقعة الشهيرة سنة ١٢٥هـ (٨٤٢ م).
وليس من موضوعنا أن نتتبع ما تلا من الحوادث في إفريقية (٢)، ويكفي أن نقول إن ثورة الخوارج لبثت على اضطرامها، وظهر الثوار والمتغلبون في كل ناحية، ولبثت إفريقية عصراً آخر فريسة الاضطراب والفوضى، واضمحلت سيادة العرب، ثم زالت غير بعيد لتحل مكانها سيادة المستعربين من البربر والموالي.
стр. 121
الفصل الثامِنُ
الحرب الأهلية
صدى حوادث إفريقية في الأندلس. استغاثة الشاميين بابن قطن. إعراضه عن دعوتهم. ثورة البربر في الأندلس. مفاوضة ابن قطن لبلج زعيم الشاميين واستقدامهم. سير القوات المتحدة لمحاربة البربر. هزيمة البربر في شذونة وقرطبة. سحق ثورتهم. مطالبة ابن قطن الشاميين بالجلاء. ثورة بلج بن بشر وادعاؤه ولاية الأندلس. مقتل ابن قطن وولاية بلج. ثورة أمية وقطن ابنى عبد الملك. الخصومة بين الشاميين والعرب المحليين. لقاء الفريقين في ظاهر قرطبة. مصرع بلج وانتصار الشاميين. ولاية ثعلبة بن سلامة. ضعف حكومة قرطبة. خروج الزعماء في مختلف النواحي. استئناف الحرب بين الشاميين وخصومهم. هزيمة ثعلبة ثم فوزه. مقدم أبي الخطار الوالي الجديد. قبضه على زمام السلطة. تفرقته للشاميين. ضمه لولاية تدمير إلى الأندلس. مطاردته للزعماء الخوارج. سكون الفتنة. تعصب أبي الخطار لليمنية. الصميل بن حاتم زعيم المضرية. ثورة المضرية والجذامية. الحرب بين الفريقين. هزيمة أبي الخطار. ولاية ثوابة بن سلامة. ثورة أبي الخطار. زحفه على قرطبة. فشله وهزيمته. الخلاف بين اليمنية والمضرية. ولاية عبد الرحمن اللخمي لشئون الحكم. الاتفاق على تولية يوسف بن عبد الرحمن الفهري.
كان لهذه الفتنة التي اضطرمت في إفريقية، بين العرب والبربر. وما اقترن بها من الأحداث الخطيرة، صداها في شئون الأندلس. وكانت الأندلس تتبع يومئذ إفريقية من الوجهة الإدارية، فكان لاضطراب الحكم في إفريقية أثره في اضطراب الحكم في الأندلس، كما كان لثورة البربر في المغرب. أثرها في تحريك البربر في الضفة الأخرى من البحر. وقد سبق أن بينا كيف كان البربر في شبه الجزيرة الإسبانية يجيشون سخطا على العرب. لما استأثروا به دونهم من مغانم السيادة والحكم، وكيف كانت عصبية القبيل تمزق وحدة العرب أنفسهم، وكيف كانت عوامل التنافس والتنازع، تضطرم باستمرار بين اليمنية والمضرية. وسنرى الآن كيف كان صدى هذه العوامل المختلفة قوياً بارزاً في حوادث الأندلس، وفي اضطراب شئونها، وتمزيق وحدتها. وكيف انحدرت الأندلس من جرائها، إلى معترك خطر من الفتن، والحروب الأهلية الطاحنة، والفوضى. تولى عبد الملك بن قطن الفهري إمارة الأندلس للمرة الثانية على أثر وفاة عقبة بن الحجاج سنة ١٢٢ أو ١٢٣هـ، وثورة البربر يومئذ على أشدها في المغرب
стр. 122
الأقصى. فلما هزم الجيش العربي في مفاوز طنجة للمرة الثالثة، وقتل كلثوم ابن عياض والي إفريقية ومعظم قواده، فر بَلْج بن بشر في بقية من جند الشام إلى سبتة، وامتنع بها حسبما أسلفنا، فطاردهم البربر وشددوا الحصار عليهم حتى جهدوا وأشرفوا على الهلاك. واستغاث بلج وزملاؤه بعبد الملك بن قطن ورجوه أن يعاونهم على العبور إلى الأندلس. وكان عبد الملك مضريا شهد موقعة الحَرَّة (١) قبل ذلك بستين عاماً، وشهد ما ارتكبه جند يزيد في المدينة من رائع السفك والإثم، فكان يبغض الشاميين أشد البغض، وكان فوق ذلك يخشى مطامعهم ومنافستهم، فأبى إغاثتهم بادىء ذى بدء، وعاقب بالجلد والقتل زعيما من بني لخم، أمدهم ببعض المؤن، ولكنه من جهة أخرى خشي عاقبة تصرفه، وأن يتهمه الخليفة بالعمل على إهلاك جنده. ولم يمض قليل حتى اضطرته الحوادث نفسها إلى استدعاء بَلْج وأصحابه. ذلك أن ثورة البربر كان لها في الأندلس أكبر صدى، فتحرك البربر في معظم الأقاليم الشمالية. وعصفت بالأندلس ريح ثورة بربرية دينية سياسية، كتلك التي عصفت بإفريقية، وإن كانت دونها شدة، واضطرمت الثورة بالأخص في جليقية وماردة وقورية وطَلْبيرة، وحشد الثوار جموعهم واختاروا لهم إماما، واعتزموا الزحف على طليطلة وقرطبة ثم الجزيرة، ليمهدوا لبربر العدوة سبيل القدوم إلى اسبانيا، ومعاونتهم على سحق العرب. واستطاع البربر، وهم في عنفوان ثورتهم، أن يهزموا كل الحملات، التي وجهها ابن قطن لإخضاعهم. وهنا ارتاع ابن قطن، وفكر في الحال أن يستعين بجند الشام المحصورين في سبتة، وهم زهاء عشرة آلاف، فكتب إلى بلج يدعوه إلى معاونته، واشترط عليه للعبور إلى الأندلس، أن يغادرها متى صلحت حال جنده، وانتهت الثورة. فقبل بَلْج وقدم الرهائن من أصحابه لتنفيذ هذا الميثاق. وعبر بَلْج وأصحابه إلى الأندلس (سنة ١٢٣ هـ)، وقدمت إليهم المؤن والثياب. وانضموا إلى قوات ابن قطن بقيادة ولديه أمية وقطن. والتقت القوات المتحدة بالبربر أولا في شذُونة (مدينة سدونيا) فهزم البربر، وأصاب الشاميون منهم غنائم كثيرة. ثم وقع القتال في ظاهر قرطبة مع جموع البربر الزاحفة عليها، فهزموا أيضا بعد مقاومة
стр. 123
شديدة، ثم هزم البربر للمرة الثالثة، في وادي سليط على مقربة من طليطلة، وكانوا قد بدأوا حصارها, وبذلك سحقت الثورة، ومزق البربر وطوردوا في كل مكان، وانتعش بلج وأصحابه وقويت نفوسهم واشتدت شوكتهم (١).
وعندئذ طالب ابن قَطَن بتنفيذ الميثاق وجلاء الشاميين عن الأندلس متوجسا من بقائهم. ولكن بَلْجا كانت تحدوه أطماع أخرى، فماطل في الجلاء وسوّف، ثم كشف القناع فجأة، وادعى أنه أمير الأندلس الشرعي بعهد من عمه كلثوم، وأيده في ذلك ثعلبة بن سلامة وغيره من الزعماء. ثم نادى الشاميون بخلع ابن قطن وتولية بلج، وانحازت إليه اليمانية، ووثب بلج وأصحابه على ابن قطن وهو في قلة من جنده, فقبضوا عليه بقصره بقرطبة، وكان شيخاً قد أشرف على التسعين فلم يرحموا شيخوخته بل قتلوه وصلبوه ومثلوا بجثته، فتم الأمر بذلك لبلج بن بشر القشيري، وتولى إمارة الأندلس في أوائل ذى القعدة سنة ١٢٣ هـ (سبتمبر سنة ٧٤١ م) (٢).
ولكن الفتنة لم تنته بعد. فإن أمية وقَطَن ابنى عبد الملك فرا إلى الشمال، وحشدا جموعهما في سرقسطة، وآزرهما البلديون (العرب المحليون) والبربر، وانضم إليها جماعة من الزعماء، الذين أنكروا فعلة بلج بعبد الملك، مثل عبد الرحمن ابن حبيب الفهري كبير الجند، وكان من أنصار بلج قبل الانقلاب، وعبد الرحمن ابن علقمة اللخمي، حاكم أربونة " فارس الأندلس في عصره "، وكان قوي البأس كثير الأتباع. وانقسمت الأندلس بذلك إلى معسكرين كبيرين، معسكر الشاميين (٣) المتغلبين على الحكم، ومعسكر العرب والبربر المحليين الذين اعتبروا الشاميين دخلاء غاصبين، فعظمت الفتنة واشتد الاضطراب، وسار أمية وقطن وأنصارهما إلى قرطبة لقتال الشاميين في جيش قيل إنه بلغ نحو مائة ألف، وتأهب بلج وأنصاره للدفاع في نحو عشرين ألفاً، والتقى الفريقان على مقربة من قرطبة في شوال سنة ١٢٤ (أغسطس سنة ٧٤٢ م) ونشبت بينهما معارك
стр. 124
شديدة، وأبدى الشاميون شجاعة وجلداً. ولكن عبد الرحمن اللخمي صمم على قتل بلج، فحمل بجند أربونة على الشاميين، وشق بينهم طريقاً إلى مكان بلج، وأثخنه طعاناً توفي منها بعد أيام. ومع ذلك فقد انتصر الشاميون على البلديين انتصاراً باهراً فارتدوا منهزمين. وعاد الشاميون ظافرين إلى قرطبة، وقدموا عليهم ثعلبة بن سلامة العاملي، وكان من أصحاب بلج الذين عبروا معه إلى الأندلس كما قدمنا. فتولى إمارة الأندلس، وقيل في إمارته ما قيل في إمارة بلج، من أنه وليها بعهد من الخليفة، أو من كلثوم والي افريقية يليها بعد بلج، وكانت ولايته في شوال سنة ١٢٤ (١). فقبض ثعلبة على زمام الأمور بحزم، وحاول أن يضبط النظام والأمن، وأبدى كثيرا من اللين والاعتدال، ولكن سلطان الحكومة المركزية كان قد تضعضع، وانقسمت الأندلس إلى مناطق عديدة للنفوذ، ولبثت الغلبة في الأقاليم الوسطى والشمالية، لجماعة من الزعماء الخارجين على حكومة قرطبة، مثل أمية وقطن ابنى عبد الملك، وعبد الرحمن بن حبيب الفهري، وعبد الرحمن اللخمي حاكم أربونة، واستمر يؤازر هذا الفريق سواد العرب المحليين والبربر. ولم تمض أشهر قلائل حتى اضطرمت الحرب مرة أخرى بين الفريقين المتنازعين، ونشبت بينهما مواقع عديدة على مقربة من ماردة، فهزم الشاميون أولا واعتصم ثعلبة بقلعة ماردة، ولكنه عاد فكر على خصومه وهزمهم هزيمة شنيعة، وأسر وسبى منهم جموعا كبيرة، وعاد ظافرا إلى قرطبة، وقرر إعدام الأسرى ليلقى على خصومه درسا قاسياً. ولكنه قبل أن يتمكن من تنفيذ عزمه، قدم إلى قرطبة حاكم جديد للأندلس، هو أبو الخطار حسام بن ضرار الكلبي، بعثه حنظلة بن صفوان والي إفريقية، إجابة لجماعة من زعماء الأندلس، خشوا من عواقب الفتنة، وما قد تؤدي إليه من استظهار نصارى الشمال، وإغارتهم على الأراضي الإسلامية (٢)، وقيل إن الذي اختار أبا الخطار لولاية الأندلس، هو هشام بن عبد الملك (٣)، اختاره قبيل وفاته بقليل، إذ توفي في ربيع الثاني سنة ١٢٥. وقدم أبو الخطار إلى الأندلس
стр. 125
في رجب، ولم يكن مضى على ولاية ثعلبة سوى عشرة أشهر، فقبض في الحال على زمام السلطة. وأفرج عن جموع الأسرى والسبايا، التي اعتزم أن يزهقها وينكل بها ثعلبة، واهتم برد السكينة والنظام، وإخماد شوكة الزعماء الخارجين، ففرق الشاميين في مختلف الكور تمزيقا لعصبتهم، وأنزل جند الشام بإلبيرة (غرناطة)، وجند حمص بإشبيلية ولَبْلة، وجند فلسطين بشذونة والجزيرة، وجند الأردن برَيُّه، وجند قنسرين بجيان، وجند مصر بعضهم في أكشُونبة وباجة والبعض في تدمير. ونذكر أن ولاية تدمير (مرسية) كانت قد تركت عند الفتح لصاحبها تيودمير، وفقا للمعاهدة التي عقدت بينه وبين عبد العزيز بن موسى (١)، ولكن تيودمير كان قد توفي، وخلفه في حكم الولاية ولده أتاناجلد. واعتبر أبو الخطار أن نص المعاهدة، كان قصرا على تيودمير، وأنه لا يسري على خلفائه، وطالب أتاناجلد بتأدية الجزية لحكومة قرطبة، وأنزل جند مصر قسرا بقواعد تدمير، وأقطعهم أراضيها، وبذلك فقد القوط آخر معاقلهم الحرة في الجنوب، وضمت تدمير إلى باقي ولايات الأندلس، تحت سلطان الحكومة المركزية (٢). وتتبع أبو الخطار الزعماء الخارجين، فقبض على ثعلبة ونفاه إلى إفريقية مع نفر من زملائه، وأعلن أمية وقطن ابنا عبد الملك الطاعة، وتفاهما مع أبي الخطار، فولاهما حكم بعض الولايات الشمالية. أما عبد الرحمن بن حبيب فاستطاع أن يتقي المطاردة وفر إلى تونس، وهناك أقام حينا يرقب الحوادث، حتى سنحت له فرصة الوثوب وانتزاع إمارة إفريقية من حنظلة ابن صفوان على ما سيجىء. وأما عبد الرحمن اللخمي فلبث مستقلا برباط الثغر في أربونة وما جاورها.
وسلك أبو الخطار في البداية سبيل الحزم والاعتدال، وسوى بين جميع القبائل في المعاملة، فرضى الجميع واجتمعت الكلمة على تأييده وطاعته، وسكنت الفتنة واستقر النظام حينا. ولكن نزعة العصبية ما لبثت أن حملته كما حملت أسلافه من قبل، فمال إلى قومه اليمانية، وتنكر لخصومهم من المضرية، واضطرمت الأحقاد
стр. 126
والمنافسات القديمة. وحدث أن اعتدى أبو الخطار على زعيم من زعماء المضرية بالإهانة والضرب لأنه تدخل لحماية رجل من بني قومه. وهذا الزعيم هو الصُّمَيل ابن حاتم بن شمر الكلابي، وجده شمر بن ذى الجوشن من أشراف الكوفة، وكان قد اشترك في قتل الحسين بن علي في كربلاء، ثم نزح بأسرته إلى الشام خيفة الانتقام، فلما ولي كلثوم بن عياض القشيري حكم إفريقية. كان الصميل بين أشراف الشام الذين انتظموا في جيش بلج القشيري، ثم جازوا معه إلى الأندلس (١). وكان الصميل فارساً شجاعاً وزعيماً ذا نجدة، يلتف حوله المضرية وبعض اليمنية، من خصوم أبي الخطار ومنافسيه مثل جذام ولخم. فلما اعتدى أبو الخطار عليه بعث إلى قومه في مختلف الأنحاء، وأيدته المضرية وحلفاؤهم في الخروج، وتفاهم مع باقي الزعماء الناقمين على أبي الخطار، ومنهم ثوابة بن سلامة الجذامي زعيم جذام، وكان يمنيا ولكنه كان يحقد على أبي الخطار. لأنه عزله عن ولاية إشبيلية. وتكفل ثوابة بمحاربة أبي الخطار، وقدّمته المضرية، وزحف بجموعه على قرطبة، فلقيه أبو الخطار بقواته في شذونة على ضفاف وادي لكه في رجب سنة ١٢٧ , ونشبت بين الفريقين معارك شديدة انتهت بهزيمة أبي الخطار وأسره، ودخل ثوابة قرطبة وارتضته المضرية أميراً للأندلس مكان أبي الخطار، ووافق عبد الرحمن بن حبيب الفهري أمير إفريقية على هذا الاختيار. وكان قد استطاع ْفي تلك الفترة أن ينتزع ولاية إفريقية من حنظلة بن صفوان. ولكن أبا الخطار استطاع أن يفر من سجنه بمعونة نفر من أصدقائه. فذهب إلى باجة وحشد جموعه وقصد إلى قرطبة، فلقيه الصميل في المضرية وثوابة في أنصاره من اليمنية، ووقعت بينهما معركة غير حاسمة، وعندئذ دعا بعض اليمنية من فريق ثوابة إلى وقف القتال، ونعى على أنصار أبي الخطار أنهم بقاتلون ثوابة. مع أنه يمني منهم، وقد عفا عن أبي الخطار وعف عن دمه حين كان في قبضته؛ فأحدثث هذه الدعوة أثرها، وانفض عن أبي الخطار جنده. واضطر أن يعود إلى باجة وهنالك لبث ينتظر مجرى الحوادث (٢).
ولم يمض سوى قليل حتى توفي ثوابة في أوائل سنة تسع وعشرين ومائة.
стр. 127
بعد أن حكم الأندلس زهاء عام ونصف. وهنا نشب الخلاف بين الزعماء والقبائل كرة أخرى، وأصرت اليمنية على أن يكون الأمير منهم خلفاً لأميرهم المتوفي، وأصر الصميل أن يكون الأمير من المضرية، واشتد النزاع بين الفريقين، ووقعت بينهما مصادمات ومعارك عديدة، ولبثت الأندلس بضعة أشهر دون أمير رسمي، وتولى الأحكام فيها عندئذ عبد الرحمن بن كثير اللخمي باتفاق الفريقين. ولما تفاقم الخلاف، وخشي الزعماء عاقبة الفتنة والحرب الأهلية، اتفقوا على تولية يوسف ابن عبد الرحمن الفهري أحد زعماء المضرية، فولى إمارة الأندلس في ربيع الثاني سنة ١٢٩ (يناير ٧٤٧) دون مصادقة أو مراجعة من دمشق أو إفريقية.
وكانت حكومة دمشق قد اضطربت يومئذ شئونها، وأخذت نذر السوء تبدو في الأفق، وشغلت الخلافة الأموية بما يهددها من خطر داهم على سلطانها، وضعف إشراف الحكومة المركزية على الولايات النائية، فاستقلت إفريقية والأندلس كل بشئونها، حتى يستبين المصير، وتستقر الأمور.
стр. 128
الفصل التاسع
خاتمة عصر الولاة
ْأصل يوسف الفهري. عبد الرحمن بن حبيب واستيلاؤه على إفريقية. استئثار يوسف بالسلطة. تحرك اليمنية. خروج أبي الخطار وابن حريث. التقاء المضرية واليمنية في شقندة. هزيمة اليمنية ومقتل زعمائها. استقرار الأمر ليوسف والصميل. ولاية الصميل لسرقسطة. إصلاحات يوسف الإدارية والمالية. تقسيم اسبانيا الجديد. إصلاحه للجيش. إرساله جيشا إلى الشمال. ثورة البشكنس والقوط. استيلاء الفرنج على المواقع الإسلامية في سبتمانيا. اضطراب أمر الخلافة في المشرق. سخط الزعماء على يوسف والصميل. عبد الرحمن اللخمي فارس الأندلس. محاولته الخروج ومصرعه. الثورة في إشبيلية وسحقها. ثورة عروة بن الوليد في باجة. استيلاؤه على إشبيلية. هزيمته ومصرعه. ثورة المضرية واليمنية بقيادة عامر العبدري. فراره إلى الشمال وتحالفه مع الحباب الزهري وتميم الفهري. محاصرة الثوار الصميل في سرقسطة. هزيمة الصميل واستيلاء الثوار على سرقسطة. إدعاء عامر لولاية الأندلس. ولاية الصميل لطليطلة. مسير يوسف إلى سرقسطة واستيلاؤه عليها. أسر زعماء الثورة ومصرعهم. اجتماع يوسف والصميل في طليطلة الإخطار بمقدم عبد الرحمن الأموي. مسيره إلى قرطبة. ببين ملك الفرنج وأنزيموند أمير القوط يحاصران أربونة. القتال بين ببين وأمير أكوتين. مصرع أنزيموند. خيانة النصارى في أربونة. سقوطها في يد الفرنج. انتهاء سيادة الإسلام فيما وراء البرنيه. نصارى الشمال. امتناعهم بهضاب جليقية. إغارتهم على الأراضي الإسلامية. نمو المملكة النصرانية.
ويجب أن نقف قليلا عند شخصية يوسف بن عبد الرحمن الفهري هذا، الذي اختارته " الجماعة " واليا للأندلس، واستقل بولايتها زهاء عشرة أعوام، وكان آخر هذا الثبت من أمرائها، وعلى يده انتقلت إلى عهد جديد، ودولة جديدة. فمعظم الروايات على أنه ولد عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري فاتح إفريقية. ويؤيد هذا القول من مؤرخي الأندلس ابن القوطية، وابن حزم، والرازي، وابن الفرضي. ولكن ابن حيان يرتاب في هذه النسبة ويقول لنا إنه لم يقف على ما يؤيد بنوة يوسف لعبد الرحمن بن حبيب، أو صلته بهذا الفرع (١). بيد أن اتفاق معظم مؤرخي الأندلس، ولا سيما المتقدمين منهم
стр. 129
على صحة هذه النسبة يجعلها في نظرنا أقوى وأرجح. وإذن فيوسف بن عبد الرحمن خاتمة ولاة الأندلس هو ولد عبد الرحمن بن حبيب، الذي تتبعنا أخباره فيما تقدم خلال الحروب الأهلية، التي اضطرمت منذ قدوم بَلْج القشيري إلى شبه الجزيرة. وقد أسلفنا أنه فر إلى تونس اتقاء لنقمة أبي الخطار، وهنالك لبث يرقب الحوادث مدى حين، فلما جاءت الأخبار إلى إفريقية بمقتل الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك (في جمادى الآخرة سنة ١٢٦)، رأى عبد الرحمن الفرصة سانحة للعمل، فدعا أنصاره وحشد جموعه لقتال حنظلة بن صفوان والى إفريقية، وزحف على القيروان، وخشى حنظلة عاقبة الفتنة، فانسحب مع أصحابه إلى الشام دون قتال، ودخل عبد الرحمن القيروان (سنة ١٢٧ هـ) وأعلن ولايته لإفريقية، وأيدته المضرية، وبعث إلى الثغور عمالا من أقاربه وأنصاره. ولم يختر يزيد بن الوليد، الذي ولى الخلافة عقب مقتل أبيه، والياً لإفريقية نزولا على حكم الواقع. فلما خلفه مروان بن محمد بعد ذلك بأشهر، كاتبه عبد الرحمن وهاداه وأظهر له الطاعة فأقره على ولايته (١). ولبث عبد الرحمن مستقلا بحكم إفريقية أكثر من عشرة أعوام، وفي عهده وقعت بإفريقية ثورات وقلائل كثيرة، فأخمدها جميعاً وغزا صقلية وسردانية. ولما دالت دولة بني أمية أعلن الطاعة لبنى العباس، ودعا لهم بإفريقية. ولكنه لم يلبث أن قتل غيلة في شهر ذي الحجة سنة ١٣٨ (٧٥٥ م). وأما ابنه يوسف فقد فر منه مغضباً لأمور نقمها عليه، ودخل الأندلس يبحث وراء طالعه في حوادثها، وكان مثل أبيه فارساً هماماً وخطيباً مفوهاً (٢). فلم يلبث أن ظهر بين أنجاد المضرية وسادتهم، ولازم الصميل وصادقه حتى عظم نفوذه، وانتهي بأن ظفر بإمارة الأندلس في ربيع الثاني سنة ١٢٩، وهو يومئذ في السابعة والخمسين من عمره.
وكانت مصاير الخلافة الأموية تهتز يومئذ في يد القدر، وقد شغلت بما يواجهها من خطر الفناء الداهم عن حوادث الأندلس، فلم تحاول تدخلا أو اعتراضا على ما يحدث في ذلك القطر النائي، ولم يكن يوسف بحاجة إلى مصادقة أو مراجعة.
стр. 130
وكان المتفق عليه بين اليمنية والمضرية أن يتعاقبا في الولاية فيمكث يوسف عاما فقط ثم يُرد الأمر إلى اليمنية (١). ولكن المضرية وعلى رأسهم الصميل مرجع الزعامة والأمر يومئذ، لم يفكروا بلا ريب في تمكين اليمنية من الرياسة بأى الصور، وكذلك لا ريب في أن يوسف بن عبد الرحمن لم يفكر بعد أن ظفر بالإمارة أن ينزل عنها طائعاً مختاراً، بل بادر منذ البداية إلى استخلاص جميع السلطات لنفسه، فنزع ولاية ريُّه من يحيى بن حريث الجذامي أحد الزعماء اليمنية، وكان ينافسه ويعارض إمارته، فأقطع ريه ثمناً لموافقته. فلما نزعت منه ريه ثار قومه من اليمنية والتفوا حوله. وهنا أيضا ظهر أبو الخطار الأمير المعزول على مسرح الحوادث، وكان يقيم كما تقدمنا في باجة، بغرب الأندلس. فلما علم بتولية يوسف وخروج ابن حريث، تحرك للعمل، وفاوضه ابن حريث ولكنهما لم يتفقا، إذ أصر كل منهما على ترشيح نفسه للإمارة، بيد أنهما اجتمعا على قتال يوسف ابن عبد الرحمن، وحشد كل منهما جموعه من الفريق الذي يؤازره، وزحفا على قرطبة. وحشد يوسف والصميل جموع المضرية، وبالغ كل فريق في الأهبة، والتقيا أخيرا في شقندة بالقرب من قرطبة (سنة ١٣٠ هـ - ٧٤٧ م) ونشبت بينهما موقعة هائلة تبالغ في روعتها الرواية الأندلسية، إذ تقول لنا: " إنه لم يك بالمشرق ولا بالمغرب، حرب أصدق منها جلاداً ولا أصبر رجالا، طال صبر بعضهم على بعض إلى أن فنى السلاح، وتحاذبوا بالشعور، وتلاطموا بالأيدي، وكلّ بعضهم عن بعض " (٢). واستمر القتال حيناً سجالا بين الفريقين، ثم داهمت المضرية ذات يوم جموع اليمنية على غرة، فأوقعت بها، وأسر أبو الخطار واِبن حريث وكثير من أصحابهما، وقتلوا جميعاً بأمر الصميل، وجردت اليمنية من زعمائها، واستقر الأمر ليوسف، ولكنه كان يخشى الصميل، لأنه كان بنفوذه وكثرة عصبته، يقبض على ناصية الموقف، فرأى أن يبعده عن قرطبة، وأقطعه ولاية سرقسطة وأعمالها، فسار الصميل إلى سرقسطة واستقل يوسف بالأمر.
ونشط يوسف إلى ضبط النظام، وإصلاح الشئون في ظروف صعبة. وكانت السلطة المركزية قد اضمحلت، وهبت ريح الفتنة من كل صوب.
стр. 131
واستقل كثير من العمال بالنواحي، وتحرك النصارى في الولايات الشمالية، وعصف القحط فوق ذلك بالأندلس سنة ١٣٣هـ (٧٥٠ م)، واستطال زهاء عامين، فأجدبت السهول والوديان، وأمحلت الزراعة، وفتك الجوع بالمدن والقرى، وهبطت عندئذ على شواطىء الأندلس عصابات بحرية ناهبة كثيرة من أمم الشمال، وعاثت في الشواطىء والثغور والمدن القريبة (١). ولكن يوسف أبدى في مغالبة هذه الصعاب والمحن همة فائقة، فطاف بالأقاليم وعزل الحكام العابثين، وقمع المظالم والفوضى ما استطاع، وأصلح الطرق الحربية، لتكون ممهدة لحملاته حيثما اضطر إلى الحرب، وعدل نظام الضرائب فاقتضى ثلث الدخل من كل ولاية، ولكنه أمر بمراجعة السجلات القديمة، واستبعاد الأموات منها، وكانت الضرائب ما تزال تجبى طبقاً للإحصاء القديم، فكان في ذلك إرهاق للسكان، لأن عددهم تناقص منذ الفتح، فقرر يوسف أن تجبى الضرائب عن الأحياء فقط، وأسقطها عمن توفوا، واكتسب بذلك عطف كثير من النصارى (٢). وأعاد يوسف أيضاً تنظيم الأقاليم الإداري، فقسم اسبانيا إلى خمس ولايات كما كانت أيام القوط، وكما قسمت عند الفتح مع تعديل في حدودها، فأصبحت كما يأتي: ولاية الأندلس وهي ولاية " باطقة " Baetica القديمة، وتقع بين نهر وادي يانة والبحر الأبيض المتوسط، وأشهر قواعدها قرطبة، وقرمونة، وإستجة، وإشبيلية، وشَذُونة، ولَبْلَة، ومالقة، وإلبيرة، وجيان. وولاية طليطلة، وهي ولاية قرطاجنة القديمة، وتمتد من جبال قرطبة في شمال شرقي ولاية الأندلس حتى نهر دويره (الدورو)، وجبال وادي الحجارة شمالا، أشهر قواعدها طُلَيطلة، ومرسية، ولوَرقَة، وأوريولة، وشاطبة، ودانية، ولَقنت، وبلنسية، وشَقُوبية، ووادي الحجارة، وقُونْقَة. وولاية ماردة وهي ولاية اوجدانيا أو جلِّيقية القديمة، وتمتد فيما وراء نهر وادي يانة شرقاً حتى المحيط، وأشهر قواعدها ماردة، وباجة، وأُشبُونة، وأستُرقه، وسمُّورة، وشلمنقة. وولاية سَرَقُسطة، وهي ولاية كانتبريا القديمة، وتمتد من منابع نهر التَّاجُه شرقاً، على ضفتي نهر إيبرو حتى
стр. 132
جبال البرنيه وبلاد البشكنس، وأشهر قواعدها سرقسطة، وطركونة، وجيرندة، وبرشلونة، وأرقلة، ولاردة، وطُرطُوشة، ووشقة. ثم ولاية أربونة وهي ولاية الثغر، وتقع شمال شرقي جبال البرنيه حتى البحر، وتشمل مصب نهر الرون، وأشهر قواعدها أربونة، ونيمة، وقَرْقشونة، وأجدة، وبزييه، وماجلونة (١).
وعنى يوسف بتنظيم الجيش وإصلاحه أشد عناية، وحشد قوات جديدة ليستطيع قمع الثورة في الداخل وحماية الحدود الشمالية، وسير إلى الشمال جيشا بقيادة ولده محمد أبي الأسود، وسليمان بن شهاب، والحصين العقيلي. وكان النصارى قد انتهزوا فرصة الاضطراب الداخلي، وأغاروا على الأراضي الشمالية، واستولوا على كثير من القلاع والحصون، ووصلوا في تقدمهم حتى ضفاف نهر دويره (الدورو). وثار البشكنس والقوط فيما وراء البرنيه واستدعى أميرهم الكونت آنزيموند، ملك الفرنج ببين الملقب " بالقصير " لمحاربة المسلمين، وكان آنزيموند هذا من نبلاء القوط، فانتهز فرصة اضطراب الحوادث في اسبانيا، واستولى على قواعد سبتمانيا المسلمة، وهي نيمة وأجدة وماجلونة وبزييه وما حولها، وأنشأ منها مملكة صغيرة، والتف حوله السكان النصارى، واستطاع بمؤازرة الزعماء المحليين، أن يقضى على سلطان المسلمين في تلك الأنحاء. ولكنه رأى أنه لايستطيع الاحتفاظ بمملكته الصغيرة، والعرب على مقربة منه في أربونة أقوياء يخشى بأسهم، وكذلك توجس شراً من جاره أمير أكوتين، إذ كان يطمح إلى ضم هذه الأراضي إلى أملاكه، فلم خيراً من الانضواء تحت لواء ملك الفرنج ببين، واستدعائه لمعاونته (٢).
وكان ببين قد خلف أباه كارل مارتل كحافظ للقصر الفرنجي، ولكنه لم يلبث أن قبض على مليكه شلدريك الثالث آخر الملوك الميروفنجية، وزج به إلى ظلام الدير، وانتزع العرش لنفسه (٧٥١ م). فلما استدعاه آنزيموند، استجاب لدعوته، ورحب بتلك الفرصة ليتم ما بدأه أبوه من إجلاء المسلمين عن غاليس، وغزا لانجدوك، وهاجم المواقع الإسلامية مع حليفه آنزيموند، وفتك بالمسلمين في تلك الأنحاء (٧٥٣ م). وقاومته الحاميات الإسلامية أشد مقاومة، ولكنها لم تثبت طويلا لعزلتها، وحرمانها من كل معاونة ومدد، واستولى الفرنج على تلك
стр. 133
القواعد والمعاقل كلها خلا أربونة، فإنها لبثت بيد المسلمين أعواماً أخرى. ولم يستطع الجيش الذي سيره يوسف إلى الشمال، أن يحقق الغاية المنشودة، بل رد بخسارة فادحة وقتل قائده سليمان بن شهاب، ونجا الحصين العقيلي وفرسانه بصعوبة (١). وترك الشمال لمصيره، واستغرقت الثورات والحروب الداخلية اهتمام يوسف وكل نشاطه وموارده.
ذلك أن الأحقاد والمنافسات القديمة التي هدأت حيناً بتولية يوسف، عادت فاضطرمت حين استأثر يوسف وحليفه الصميل بكل سلطة وولاية، وكان المفهوم أن ولاية يوسف لإمارة الأندلس إنما هي حل مؤقت لحالة طارئة حتى يأتي الأمير الشرعي الذي يختاره الخليفة، ولكن الخلافة الأموية لقيت مصرعها غير بعيد (١٣٢هـ - ٧٥٠م)، وتفاقم الاضطراب الذي سرى إلى شئون إفريقية والأندلس قبل ذلك بأعوام، وأصبح تراث الخلافة الأموية نهباً مباحاً لكل طامع ومتغلب.
وكان بالأندلس عدة من الزعماء النابهين ذوى الجاه والعصبية، ينقمون من يوسف والصميل استئثارهما بالسلطة، ويرى كل منهم أنه أولى بها وأجدر، وكان يوسف يعمل من جهة أخرى لتوطيد سلطانه في ذلك القطر البعيد، الذي رفعه القدر إلى ولايته ورياسته، والذي يضارع بضخامته وأهميته ملكاً عظيماً. وكان أقوى أولئك الخصوم والزعماء المنافسين ليوسف، عبد الرحمن بن علقمة اللخمي حاكم ثغر أربونة الملقب " بفارس الأندلس " تنويهاً بفائق شجاعته (٢). وكان قد اشترك في الحرب الأهلية قبل ذلك بأعوام حسبما قدمنا. ثم ارتد بجنده إلى أربونة، واستعصم بها يرقب الحوادث والفرص. فلما تولى يوسف إمارة الأندلس، واضطربت شئون الشمال، أخذ يدبر العدة لعبور البرنيه ومحاربة يوسف، ولكن لم يلبث أن اغتاله بعض أصحابه وحملوا رأسه إلى يوسف، وتمت هذه الخيانة بوحي يوسف وتحريضه على الأرجح، وانهارت تلك المحاولة في مهدها (٣). وخرج على يوسف في إشبيلية يوسف بن عمرو بن يزيد الأزرق، وكثر جمعه وقوى أمره، فزحف إليه يوسف وقاتله حتى هزمه وقتله. وخرج عليه في باجة عروة بن الوليد
стр. 134
المعروف بالذمي لتحالفه مع أهل الذمة، والتف حوله النصارى فضلا عن أنصاره من العرب والبربر، وسار إلى إشبيلية فاستولى عليها, واتسع نطاق الثورة في تلك الأنحاء، فوجه إليه يوسف جيشاً لقتاله فهزمه عروة، فسار إليه يوسف بنفسه، ووقعت بينهما معارك شديدة انتهت بهزيمة عروة وأسره، ثم بقتله مع نفر من أصحابه. بيد أن ثورة أخطر وأوسع نطاقا كانت تدبر عندئذ في الشمال لخلع يوسف والصميل وسحق سلطانهما. وكان روح هذه الثورة ومدبرها زعيم مضري شديد البأس والجاه، هو عامر بن عمرو بن وهب العبدري، وكان عامر عريق الحسب والعصبية، وافر الجاه والأتباع، يتزعم مضر ويقودها خلال الحوادث، وكان صديقاً ليوسف الفهري قبل ظفره بالإمارة، يتولى مثله قيادة الجيش، فلما وُلِّى يوسف نزعها منه، وكان كباقي الزعماء ينقم من يوسف والصميل استئثارهما بالسلطة واستبدادهما بالشئون. فلما اضطرمت الأندلس بالفتن واتسع نطاق الثورة، أخذ يدبر وسائل الخروج على يوسف، وكان يبسط نفوذه على الجزيرة الخضراء، ثم انتقل إلى قرطبة يرقب الحوادث، وكاتب الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور، وعرض عليه أن يدعو له بالأندلس، وأن يحكمها باسمه، إذا بعث إليه بمرسوم إمارتها. وكان يتودد فوق ذلك إلى اليمانية، وينعى على يوسف والصميل إسرافهما في سفك دمائهم يوم شَقُندة، فالتفت حوله اليمنية والمضرية. ولم يكن يوسف يجهل حركاته وتدابيره، فلما هم بمطاردته والقبض عليه، فر إلى الشمال في كثير من أتباعه. وكان ثمة زعيمان قرشيان آخران هما الحباب بن رواحة الزهري من بني كلاب، وتميم بن معبد الفهري، قد رفعا لواء الثورة في ولاية سرقسطة، فتفاهم معهما عامر وتحالف، واجتمع إليه جيش كبير من اليمنية والمضرية والبربر، وزحف عامر والحباب الزهري على سرقسطة، حيث كان الصميل، وضيقا عليه الحصار. فاستغاث الصميل بحليفه يوسف. ولكن يوسف لم يستطع أو لم يُرد إنجاده بغية القضاء على سلطانه (١). فاضطر الصميل أن يلقى خصومه في أنصاره وأتباعه القلائل. ونشبت بين الفريقين مدى أشهر معارك عديدة، انتهت بهزيمة الصميل وانسحابه من سرقسطة في فل أنصاره، فدخلها عامر وحليفه، واستوليا عليها (سنة ١٣٦ هـ - ٧٥٣ م). وعمت الثورة كورة
стр. 135
سرقسطة وما إليها، ودعا عامر لنفسه بولاية الأندلس، بمرسوم زعم أنه تلقاه من أبي جعفر المنصور، وخرج الشمال كله عن قبضة يوسف الفهري.
أما الصميل فارتد إلى طليطلة التي أسند إليه يوسف ولايتها بدلا من سرقسطة، وكان يوسف قد أنهكت قواه واستنفدت موارده تلك الحروب والثورات المتوالية، فاضطر أن يلزم السكينة حيناً. وبسط عامر سلطانه زهاء عامين، على كورة سرقسطة. وفي أواخر سنة ١٣٧هـ (٧٥٤ م) سار يوسف إلى سرقسطة في جيش كبير، وحاصرها بشدة حتى ضاق أهلها بالحصار ذرعاً، ورأوا أن يتقوا مصائب الحصار، بتسليم عامر وابنه وهب والحباب الزهري إلى يوسف، فحملهم يوسف معه في الأصفاد، وارتد صوب طليطلة، ثم أمر بهم فقتلوا أثناء الطريق، وتخلص يوسف بذلك من آخر الزعماء الخوارج عليه (١). ولكنه لم يقدر أن خطراً آخر سيأتيه من خارج الجزيرة، وينذر جميع مشاريعه وتدابيره بالانهيار. ذلك أنه ما كاد يجتمع بصديقه وحليفه الصميل في ظاهر طليطلة، حتى أقبل عليه رسول من قرطبة يحمل كتاباً من ولده عبد الرحمن، خلاصته أن فتى من بني أمية يدعى عبد الرحمن بن معاوية قد نزل بساحل الأندلس في ثغر المُنكّب Almunecar، واجتمع إليه أشياع بني أمية في كورة إلبيرة (غرناطة)، وانتشرت دعوته في جنوب الأندلس بسرعة. وذاع الخبر في جيش يوسف فأحدث فيه ذعراً واضطراباً، وتفرق كثير من جنده. وقيل إن نبأ مقدم الأمير الأموي انتهى إلى يوسف أثناء سيره إلى الشمال ليقاتل نصارى جلّيقية، وبعد أن سحق الثوار في سرقسطة (٢). وعلى أى حال فقد بادر يوسف والصميل فيمن بقى من الأشياع والجند بالسير إلى قرطبة، ليدبرا الخطط لرد هذا الخطر الجديد، وكان ذلك في أواسط سنة ١٣٨هـ (أواخر سنة ٧٥٥ م).
وفي أثناء هذه الفتن والقلاقل المتواصلة، استولى الفرنج كما قدمنا على جميع القواعد والأراضي الإسلامية في سبتمانيا ولانجدوك، وهي التي تكون ولاية الثغر أو رباط الثغر، ولم يبق منها بيد المسلمين سوى أربونة. وكانت
стр. 136
أمنع قلاع المسلمين فيما وراء جبال البرنيه، وقد استطاعت أن ترد غزوات الفرنج أيام كارل مارتل. فلما فقدت أربونة بطلها المدافع عنها أعني عبد الرحمن اللخمي فارس الأندلس، وسقطت أراضي الثغر كلها في يد النصارى، زحف ببين ملك الفرنج ومعه حليفه الكونت آنزيموند القوطي أمير سبتمانيا على أربونة، وطوقها بقوات كثيفة وضرب حولها الحصار الصارم (سنة ٧٥٥ م). وكانت أربونة في غاية المنعة والحصانة، فاعتزم المسلمون الدفاع عنها لآخر نسمة، واضطر ببين خلال الحصار أيضاً، أن يرتد عنها بقسم من جيشه لمحاربة أمير أكوتين حفيد الدوق أودو، ورده عن الأراضي الفرنجية، وترك آنزيموند لمتابعة الحصار. ولكن آنزيموند قتل أثناء ذلك غيلة تحت أسوار أربونة، فعاد ببين لاستئناف الحصار وهاجم المدينة المحصورة مراراً، ولكن المسلمين استطاعوا أن يقاوموا الفرنج، ْوأن يردوا كل هجماتهم مدى أربعة أعوام، رغم عزلتهم وانقطاع صلتهم بالأندلس، وعدم تلقيهم أى مدد من أولى الأمر في قرطبة، لاشتغالهم بالحرب الأهلية. وكان اتصال المدينة بالبحر يسهل على المسلمين تلقى بعض المؤن، وتحمل ويلات الحصار. فلما رأى ببين أنه لا يستطيع أخذ المدينة بالحرب لجأ إلى الخديعة والخيانة، وتفاهم مع أهلها القوط، وقطع لهم عهوداً مؤكدة أنهم إذا عاونوه على أخذها، فإنه يترك لهم حرية التمتع بقوانينهم، ويمنحهم حقوقاً ومزايا كثيرة، فعمل القوط على إضرام الثورة داخل المدينة، ثم انقضوا ذات يوم على حراسها المسلمين وقتلوهم وفتحوا أبوابها، فدخلها الفرنج وفتكوا بسكانها المسلمين أيما فتك، وخربوا مساجدها ومعاهدها ودورها وذلك في سنة ٧٥٩ م (١٤٢هـ) (١). وسقطت بذلك آخر المعاقل الإسلامية في غاليس في يد النصارى، وانهارت سيادة الإسلام فيما وراء جبال البرنيه، بعد أن استمرت هنالك زهاء نصف قرن، وعادت قوى النصرانية، فاحتشدت وراء تلك الآكام تتربص بالإسلام في الأندلس، بينما كانت قوى الإسلام داخل شبه الجزيرة يمزق بعضها بعضا.
وحذا نصارى الشمال حذو الفرنج في الاستفادة من تمزق الإسلام بالأندلس، ونريد بنصارى الشمال تلك البقية الباقية من القوط الذين ارتدوا أمام الفتح الإسلامي
стр. 137
الكتابُ الثاني
الدّوْلة الأمويَّة في الأندَلسْ
القسم الأول عَصْرُ الإمارة من عبْد الرحمن الداخل إلى عبْد الرحمن بن الحَكم
١٣٨: ٢٣٨ هـ - ٧٥٦: ٨٥٢ م
стр. 138
الفصل الأول
مصرع الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية
اضمحلال الدولة الأموية إبان فتوتها. عوامل هذا الاضمحلال. السياسة الأموية. ما أثارته وسائلها من السخط. استغلال الشيعة لهذه العاطفة. اضطرام العصبية والخلافات القومية. خلاف العرب والبربر. خلاف العرب فيما بينهم. وهن دعائم الدولة الأموية. العوامل الخفية التي عملت على تقويضها. الخصومة بين بني أمية وآل البيت. تقدم الدعوة الشيعية. ظهور الشيعة في النواحي. أئمة الشيعة بعد الحسين. محمد بن علي ولد العباس. أبو مسلم الخراساني أعظم دعاة الشيعة. إضطرام الدعوة في خراسان. إستنجاد أميرها نصر بن سيار بالخليفة. غزو أبي مسلم الخراساني وفرار أميرها. استيلاء أبى مسلم على خراسان وفارس. وفاة إبراهيم الإمام والدعوة لأخيه عبد الله بن محمد. غزو الشيعة العراق. نزول أبي العباس عبد الله بن محمد بالكوفة. من هو السفاح. مسير مروان الثاني لقتال الشيعة. لقاء الأموية والشيعة على ضفاف الزاب. هزيمة مروان. فراره ومصرعه. ذهاب الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية.
كانت الدولة الأموية دولة الإمبراطورية الإسلامية الكبرى، ففي ظلها امتدت الفتوح الإسلامية شرقاً إلى السند وغرباً إلى المحيط الأطلنطي وإسبانيا، ووصلت الإمبراطورية الإسلامية إلى ذروة ضخامتها وقوتها، متماسكة الأجزاء، وثيقة العرى، موحدة السلطان والإدارة. ولكن الدولة الأموية لم تنعم طويلا بطور فتوتها ومنعتها ووحدتها، ولم تأت فاتحة القرن الثاني للهجرة حتى كانت هذه الدولة الشامخة التي لم تجز بعد طور الفتوة، قد هرمت سراعاً وأدركها الانحلال والوهن، وتصدع صرح وحدتها الباذخ. واختتم ثبت الخلفاء الأقوياء من بني أمية، بالوليد بن عبد الملك وأخيه سليمان (٨٦ - ٩٩هـ) ثم بأخيهما هشام. ومنذ عصر هشام بن عبد الملك، نجد عوامل الانحلال والتفكك، تعمل عملها في هذا الصرح العظيم، فلم يمض طويل حتى اضطرمت الأندلس بالفتن وخرجت من حظيرة الإمبراطورية، ولم يبق للخلافة عليها سوى سلطة إسمية، واستقل الزعماء المتغلبون بحكم إفريقية، بعد أن خرجت أطرافها القصوى عن قبضة الخلافة، واضطرب سلطان الخلافة في الولايات الشرقية النائية مثل خراسان وفارس، وأخذ ملك بني أمية يهتز فوق بركان مضطرم من الدعوات الخصمية، التي لبثت قبل
стр. 139
ذلك بنصف قرن تعمل في الخفاء، ثم لاح لها أن الفرصة قد آذنت بالانفجار. ولهذا الانحلال الذي سرى إلى الدولة الأموية، قبل أن تستكمل أطوار نموها وئوطدها، أسباب خاصة، ترجع إلى الظروف التي قامت فيها، وإلى الآثار الدينية والمعنوية، التي أثارتها السياسة الأموية في الجزيرة العربية. ثم إلى نتائج تلك المعركة الخالدة التي نشبت بين مختلف العناصر والقوى، التي اشتركت في بناء الإمبراطورية الإسلامية. فقد استطاع بنو أمية أن ينتزعوا الخلافة والملك، خلال معركة اعتبرها فريق كبير من الأمة العربية، خروجا على آل البيت ذوي الحق الشرعي في الخلافة، وبوسائل لم تكن دائماً نزيهة ولا عادلة. وكان لما ارتكبه بنو أمية خلال هذه المعركة من الأحداث المثيرة، أسوأ وقع في نفوس الأمة العربية. فقد فتك بنو أمية بآل البيت وشيعتهم أشنع فتك، وكان مقتل الحسين ابن علي في كربلاء (سنة٦١هـ) (١)، ومقتل عدة من أبنائه وإخوته أشهر حوادث الفتك بآل البيت وأروعها. ومع أن مصرع الحسين وآله، لم يكن سوى نتيجة للصراع السياسي الذي اضطرم بين آل البيت وبين بني أمية منذ خلافة علي، فقد كان لهذا الحادث أعظم وقع في العالم الإسلامي، ولم يمض عامان على تلك المأساة المؤلمة، حتى أرسل يزيد بن معاوية (سنة ٦٣ هـ) جنده إلى المدينة بقيادة مسلم بن عقبة المرِّي، لمعاقبة أهلها على خروجهم عن طاعة بني أمية، فاقتحم الجند الأمويون مدينة الرسول، وعاثوا فيها واستباحوا الحرم المقدسة، وارتكبوا أشنع صنوف الكبائر والإثم (٢)، ثم ساروا بعد ذلك إلى مكة فحاصروها، وضربوا البيت الحرام بالمنجنيق والنار. وكان لهذه الحوادث وأمثالها أثر عميق في الأمة الإسلامية، وألفى الشيعة صحب آل البيت ودعاتهم، في تلك الأحداث المثيرة، غذاء للتشهير بالسياسة الأموية وأساليبها، وأصيبت هيبة الخلافة الأموية من هذه الناحية، بصدع لم تنهض من بعده، وذكت عوامل السخط عليها.
стр. 140
واستغل الشيعة هذه العاطفة لبثِّ دعوتهم وتدعيم قضيتهم، وحشد العناصر الناقمة في صفوفهم. وكان اضطرام العصبية والخلافات القومية من جهة أخرى، يعمل عمله لتمزيق روابط هذه الإمبراطورية الشاسعة. ففي إفريقية كانت ثورات البربر القومية، تستنفد قوى الخلافة ومواردها بلا انقطاع، وكان الخلاف بين العرب والبربر في الأندلس، يهدد مصير الإسلام والخلافة في ذلك القطر النائي، ويفت في عضد الزعماء والقادة، ويبعث الاضطراب والوهن إلى صفوف الغزاة. وكان العرب أنفسهم قدوة سيئة في تفرق الرأي والكلمة. فكانت المعركة الخالدة بين مضر وحمير، وبين مختلف القبائل والبطون، تمزق أوصال الوحدة العربية، وتقوض دعائم هذه العصبية القومية، التي دفعت يوم اتحادها وتماسكها، سيل الفتوح الإسلامية إلى أقاصي المشرق والمغرب.
كانت الخلافة الأموية تسيطر على دولة عظيمة مترامية الأطراف. ولكن سلطانها الحقيقي كان محدود المدى داخل هذه الإمبراطورية الشاسعة، وكان فوق ذلك يقوم على دعائم مضطربة. وفي ذلك ما يفسر تلك الظاهرة التي يعرضها سقوط الدولة الأموية. فبينا هي تبدو في أوج قوتها وفتوحها، إذ بها تنهار فجاة، وتبدو في الحال مظاهر ضعفها وتفككها، ويبدو ما كان يحيط بسلطانها الشاسع من عوامل مصطنعة، وما كان يهدده من عوامل الهدم الخفية، المعنوية والنفسية. وكانت هذه العوامل الخفية في الواقع أخطر ما يهدد سلطان بني أمية، فإن تلك الأحقاد المرة التي أثارتها السياسة الأموية في نفوس خصومها، كانت تسري وتجيش، وتحيط ملك بني أمية بسياج خطر من الحفيظة والبغض. وكانت هذه الخصومة الخطرة التي يغذيها ظمأ الانتقام، هي عماد الدعوة الشيعية التي لبثت تشق طريقها منذ مقتل عليّ، ثم مقتل بنيه من بعده. ثم تأثلت هذه الخصومة وتوطدت منذ أوائل القرن الثاني من الهجرة. واستطاع الشيعة أن يظهروا في النواحي، ولاسيما في العراق وخراسان، وأن يدبروا عدة ثورات محلية خطيرة. وقد أخمدت هذه الحركات الأولى في سيل من الدماء. ولكن القمع كان يذكي النضال، وإراقة الدم تذكي ظمأ الانتقام. ولم تكن المعركة متكافئة من الوجهة المادية، فلم يك للشيعة جيوش منظمة أو موارد يعتد بها، ولكن خطر المعركة كان يجثم في نواحيها المعنوية. واشتد هذا الخطر حينما ضعف أمر العمال في
стр. 141
النواحي، واتسع الأمر على الحكومة المركزية، وانحل سلطانها في الأنحاء النائية، وأضحى عرضة للانتقاض والانهيار.
ولبث دعاة الشيعة زهاء نصف قرن ينظمون دعوتهم، ويضعون لها الأصول والقواعد، ويحشدون لها الصحب والأنصار في سائر النواحي، وكانت كغيرها من الدعوات السرية الثورية، تلقى في الخفاء تأييداً كبيراً. وليس من موضوعنا أن نتحدث عن مبادئ الشيعة ورأيهم في الإمامة ومساقها (١). ويكفي أن نقول إن اختلاف الشيعة فيما بينهم، على حق الإمامة ومساقها في ولد علي، لم يحل دون إجماعهم على خصومة بني أمية، ولا دون استمرار الدعوة الشيعية وتقدمها. وكانت إمامة الشيعة قد انتقلت بعد مقتل الحسين إلى أخيه، محمد بن علي بن أبى طالب المعروف بابن الحنفية (٢). فلما توفي سنة ٨١هـ، قام بها ولده أبو هاشم عبد الله بوصية منه. واستمر أبو هاشم أيام الوليد بن عبد الملك وأخيه سليمان قائماً بأمر الشيعة، يفدون عليه ويؤدون له الخراج. ثم توفي مسموماً سنة ٩٨هـ بتحريض سليمان بن عبد الملك فيما يقال، وأوصى بالإمامة إلى ابن عمه محمد ابن على بن عبد الله بن العباس كبير عقلاء الشيعة يومئذ. والعباس هو ابن عبد المطلب عم النبي. وتقدمت الدعوة الشيعية على يد محمد بن علي تقدما كبيراً، وظفرت في ذلك الحين بأعظم دعاتها السياسيين، ونعني أبا مسلم الخراساني. وقد كان أبو مسلم شخصية عظيمة، وكان يتمتع بمقدرة ومواهب فائقة. ولكن الغموض محيط مع ذلك بأصله ونشأته، وتختلف الرواية في أمره اختلافاً كبيراً، حتى أنها لتختلف فيما إذا كان من الأحرار أو الموالي. فيقول البعض إنه حر، يرجع إلى أصل فارسي رفيع المنبت، وإنه ولد بأصبهان ونشأ بالكوفة، واسمه الحقيقي إبراهيم بن عثمان بن بشار. ويقول البعض إنه من الموالي، وأصله من أصبهان، واسمه إبراهيم. وقيل بل كان عبداً لبكير بن ماهان أحد عمال السند، وإنه استصحبه إلى مكة في زيارته لإبراهيم الإمام، فأعجب إبراهيم بذكائه وفطنته واشتراه منه. وأما تسميته بأبى مسلم، فيقال إنه سمى نفسه عبد الرحمن بن مسلم،
стр. 142
واتخذ كنيته أبا مسلم، وقيل إن إبراهيم الإمام هو الذي سماه بهذا الإسم. ولعل أرجح رواية في شأن هذا الداعية الكبير أنه كان فتى مغموراً، ولد بمرو في أسرة رقيقة الحال، ونشأ بأصبهان، واتصل منذ فتوته ببعض نقباء الشيعة في الكوفة، فآنسوا فيه ذكاء خارقاً، وحماسة تضطرم لآل البيت وقضيتهم، وسار معهم إلى محمد بن علي بن عبد الله بمكة، فأعجب بذكائه وعزمه، واختاره داعية للشيعة في خراسان، موطنه وأصلح ميدان لنشاطه. ولما ظهر أبو مسلم وقوي أمره، وكثر أنصاره، ادعى أنه من آل البيت من ولد سليط بن عبد الله بن عباس (١). ولما توفي محمد بن علي، وخلفه في الإمامة ولده إبراهيم الملقب بالإمام بعهد منه (سنة ١٢٦ هـ) استمر أبو مسلم في مهمته، يبث الدعوة، ويحشد لها الأنصار. وكانت خراسان كما قدمنا أخصب ميدان للدعوة الشيعية لبعدها عن الحكومة المركزية، وتعاقب الفتن فيها بن المضرية واليمنية. وكان أميرها من قبل بني أمية نصر بن سيار في مأزق صعب، يستنجد عبثاً بحكومة دمشق، ويشهد تفاقم الحوادث عاجزاً، وحركة الشيعة تشتد، وتجتاح خراسان بسرعة. ويروى أن نصر بن سيار كتب إلى مروان بن محمد الخليفة يومئذ، هذا الشعر الفياض بالنبوءة والنذير يستنجد به، ويستحثه للدفاع عن عرشه وتراث أسرته:
أرى تحت الرماد وميض نار ... ويوشك أن يكون لها ضرام
فان النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها الكلام
فإن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام
فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام
فان كانوا لحينهم نياماً ... فقل قوموا فقد حان القيام
فقري عن رحالك ثم قولي ... على الإسلام والعرب السلام (٢)
وكان أبو مسلم رجل الموقف يدير الخطط بقوة وبراعة، فلم يمض بعيد حتى ألفى الفرصة سانحة للعمل الحاسم، فاعتزم أمره ووثب في صحبه على نصر بن سيار
стр. 143
وقوات بني أمية وهزمهم في عدة معارك (سنة١٢٩ - ١٣٠هـ) " واستولى على مرو وسمرقند وخراسان ونيسابور، وطرد منها عمال بني أمية، وفر نصر بن سيار إلى العراق. وبسط أبو مسلم سلطانه على خراسان وفارس، ورفع فيهما لواء الشيعة الأسود، ودعا لأبي العباس عبد الله بن محمد بن علي المعروف " بالسفاح " أخى إبراهيم الإمام وخلفه. وكان الخليفة الأموي مروان بن محمد، قد هاله ما رأى من تغلغل الدعوة الشيعية في النواحي، فقبض على إبراهيم الإمام، وهو يومئذ بإحدى قرى الشام، وزجه إلى السجن حتى مات (سنة ١٣٢هـ)، وزعم أخوه عبد الله أبو العباس وأصحابه، أنه أوصى إليه بالإمامة من بعده. فدعا له أبو مسلم في خراسان وفارس حسبما تقدم. ثم سير أبو مسلم جيشاً إلى العراق فلقيه أميرها ابن هبيرة في قواته، ووقعت بين الفريقين على ضفاف الفرات معارك شديدة، هزم فيها ابن هبيرة وفر إلى الشمال. واستولى الشيعة على العراق، ودعوا لأبى العباس بالخلافة (ربيع الآخر سنة ١٣٢ هـ)، ونزل أبو العباس عبد الله " السفاح " بالكوفة، واستقر بها يرقب الحوادث.
وفي ذلك الحين كان مروان بن محمد أو مروان الثاني (١)، الذي ولى الخلافة سنة ١٢٧هـ، يتأهب للدفاع عن ملك بني أمية، الذي تصدع صرحه سراعاً. فحشد جيشاً ضخماً، وسار شرقاً حتى وصل إلى ضفاف نهر الزاب، وهو فرع من دجلة يتصل به في الضفة الشرقية جنوب شرقي الموصل، وسار للقائه قائد المسوّدة (الشيعة) في الشمال، أبو عون عبد الملك بن يزيد الأزدي، وأمده أبو العباس بجيش آخر بقيادة عمه عبد الله بن علي، وبلغت قوات الشيعة كلها زهاء عشرين ألفاً، وبلغت القوات الأموية زهاء مائة وعشرين ألفاً. ولكن حماسة الشيعة كانت تغني عن الكثرة، وكان تعاقب الظفر يذكي عزائمهم ويضاعف قواهم، وكان الجيش الأموي على ضخامته قد خبت عزائمه، واختلت صفوفه وغاضت قواه المعنوية. والتقى الفريقان على ضفة الزاب اليسرى ونشبت بينهما معركة شديدة حاسمة، انتهت بهزيمة الجيش الأموي وتمزيقه، وذلك في الحادي عشر من جمادى الثانية سنة ١٣٢ هـ (٢٥ يناير ٧٥٠ م)، وغرق في النهر آلاف من جند الشام، وعدة من زعمائه وقادته، واستولى الشيعة على أسلابه، وفر
стр. 144
مروان في فل من صحبه إلى الشام، فسار في أثره عبد الله بن علي، وحاصر دمشق واقتحمها في الخامس من رمضان من نفس العام. وفر مروان إلى فلسطين ثم إلى مصر. فبعث " السفاح " في أثره جيشا بقيادة عمه صالح بن علي، فلحق به في مصر، وظل يطارده من مكان إلى مكان، حتى ظفر به في قرية بوصير على مقربة من الجيزة. وهنالك مزقت البقية الباقية من أنصار بني أمية، وقتل مروان آخر الخلفاء الأمويين بالمشرق، وأرسل رأسه إلى "السفاح" وذلك في السابع والعشرين من ذى الحجة سنة ١٣٢هـ (٦ أغسطس سنة ٧٥٠ م).
وهكذا انهارت دعائم الدولة الأموية بسرعة مدهشة، وقامت على أنقاضها دولة بني العباس. ولا ريب أن أكبر الفضل في تحطيم ذلك الصرح الشامخ، يرجع إلى جهود تلك الشخصية العظيمة ونعني أبا مسلم الخراساني. كان أبو مسلم إحدى هذه العبقريات الشاملة، التي تتفتح في معترك الإنقلابات الحاسمة، وتقوم على سواعدها الدول العظيمة. وكانت دعوة الشيعة وإمامة آل البيت مبعث هذا الانقلاب وروحه. ولكن بني العباس ما كادوا يتبوأون ذلك الملك الباذخ، حتى غلبت عليهم عصبية الأسرة، وألفوا في أبي مسلم منافساً تخشى عواقبه، وفي الدعوة الشيعية خطراً يجب القضاء عليه. فلم تمض أعوام قلائل حتى قتل أبو مسلم (شعبان سنة ١٣٧هـ)، قتله أبو جعفر المنصور أخو أبي العباس وخلفه. ثم تتبع زعماء الشيعة وولد علي بن أبي طالب بالقبض والمطاردة، حتى مزق شملهم وسحق دعوتهم. واستخلص بنو العباس تراث بني أمية لأنفسهم. وقامت تلك الدولة العباسية الزاهرة، تصل تاريخ الإسلام في المشرق، وتسير به إلى عصر جديد من العظمة والبهاء.
стр. 145
الفصل الثاني
بعث الدولة الأموية في الأندلس
موقف الأندلس بعد سقوط الدولة الأموية. يوسف الفهري حاكم بأمره. مطاردة بني العباس لبني أمية. المذبحة الرائعة. من هو السفاح. نجاة عبد الرحمن بن معاوية. فراره وظروفه المؤثرة. تجوله في برقة وإفريقية. نجاته من قبضة عبد الرحمن بن حبيب. التجاؤه إلى المغرب الأقصى. إرساله لبدر مولاه إلى الأندلس. مفاوضة بدر الزعماء. سعي أبي عثمان وعبد الله بن خالد لتأييد عبد الرحمن. موقف الصميل بن حاتم. عبور عبد الرحمن إلى الأندلس. توجس يوسف الفهري واختلال جيشه. تقدم الدعوة الأموية. الزعماء المؤيدون لعبد الرحمن. عود يوسف والصميل إلى قرطبة. عرض يوسف على عبد الرحمن وكتابه إليه. رفض عبد الرحمن لهذا العرض. مبايعة ريه وشذونة وإشبيلية لعبد الرحمن. زحفه على قرطبة. خروج يوسف والصميل لملاقاته. لقاء الفريقين في موقعة المسارة. هزيمة يوسف والصميل. دخول عبد الرحمن قرطبة ومبايعته بالإمارة. الموقف بعد المسارة. مهمة عبد الرحمن الفادحة. معركة الدولة والإمارات المستقلة. الأخطار التي تحيق بالأندلس. الكفاح المستمر.
بينما كانت حوادث هذا الانقلاب الحاسم في مصاير الإسلام تجري في المشرق، كانت حوادث الأندلس تؤذن بانقلاب عظيم آخر في مصاير الإسلام في ذلك القطر النائي. وكانت الفتن والحروب الأهلية المتعاقبة التي فصلنا أخبارها، تدفع بالأندلس إلى مصير مجهول تخشى عواقبه، وتعصف تباعا بمنعة الإسلام في الغرب، وتشجع الفرنج ونصارى الشمال على اقتطاع الأطراف النائية، والتوغل في الأراضي الإسلامية. وكان من عناية القدر أن تولي أمر الأندلس في ذلك المأزق العصيب، رجل قوي حازم هو يوسف بن عبد الرحمن الفهري. ولكن ولاية يوسف لم تكن حلا نهائياً للأزمة، لأنه تولى دون مصادقة شرعية من السلطة العليا، ولأن منافسيه من الزعماء والخوارج لم يقروا بولايته، ولم يخلدوا إلى السكينة، وأخيراً لأن السلطة العليا التي يرجع إليها أمر الأندلس، ونعني خلافة دمشق قد انهارت غير بعيد، وقامت على أنقاضها دولة وخلافة جديدتان. والحقيقة أن يوسف بن عبد الرحمن الفهري كان حاكماً بأمره في الأندلس. وكانت الأندلس في ذلك الحين إمارة أو دولة مستقلة، يتوقف مصيرها ومصير السلطات فيها على سير الظروف والحوادث. وكان للانقلاب الذي وقع في المشرق صداه