← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

النواحي، واتسع الأمر على الحكومة المركزية، وانحل سلطانها في الأنحاء النائية، وأضحى عرضة للانتقاض والانهيار. ولبث دعاة الشيعة زهاء نصف قرن ينظمون دعوتهم، ويضعون لها الأصول والقواعد، ويحشدون لها الصحب والأنصار في سائر النواحي، وكانت كغيرها من الدعوات السرية الثورية، تلقى في الخفاء تأييداً كبيراً. وليس من موضوعنا أن نتحدث عن مبادئ الشيعة ورأيهم في الإمامة ومساقها (١). ويكفي أن نقول إن اختلاف الشيعة فيما بينهم، على حق الإمامة ومساقها في ولد علي، لم يحل دون إجماعهم على خصومة بني أمية، ولا دون استمرار الدعوة الشيعية وتقدمها. وكانت إمامة الشيعة قد انتقلت بعد مقتل الحسين إلى أخيه، محمد بن علي بن أبى طالب المعروف بابن الحنفية (٢). فلما توفي سنة ٨١هـ، قام بها ولده أبو هاشم عبد الله بوصية منه. واستمر أبو هاشم أيام الوليد بن عبد الملك وأخيه سليمان قائماً بأمر الشيعة، يفدون عليه ويؤدون له الخراج. ثم توفي مسموماً سنة ٩٨هـ بتحريض سليمان بن عبد الملك فيما يقال، وأوصى بالإمامة إلى ابن عمه محمد ابن على بن عبد الله بن العباس كبير عقلاء الشيعة يومئذ. والعباس هو ابن عبد المطلب عم النبي. وتقدمت الدعوة الشيعية على يد محمد بن علي تقدما كبيراً، وظفرت في ذلك الحين بأعظم دعاتها السياسيين، ونعني أبا مسلم الخراساني. وقد كان أبو مسلم شخصية عظيمة، وكان يتمتع بمقدرة ومواهب فائقة. ولكن الغموض محيط مع ذلك بأصله ونشأته، وتختلف الرواية في أمره اختلافاً كبيراً، حتى أنها لتختلف فيما إذا كان من الأحرار أو الموالي. فيقول البعض إنه حر، يرجع إلى أصل فارسي رفيع المنبت، وإنه ولد بأصبهان ونشأ بالكوفة، واسمه الحقيقي إبراهيم بن عثمان بن بشار. ويقول البعض إنه من الموالي، وأصله من أصبهان، واسمه إبراهيم. وقيل بل كان عبداً لبكير بن ماهان أحد عمال السند، وإنه استصحبه إلى مكة في زيارته لإبراهيم الإمام، فأعجب إبراهيم بذكائه وفطنته واشتراه منه. وأما تسميته بأبى مسلم، فيقال إنه سمى نفسه عبد الرحمن بن مسلم،

стр. 142

واتخذ كنيته أبا مسلم، وقيل إن إبراهيم الإمام هو الذي سماه بهذا الإسم. ولعل أرجح رواية في شأن هذا الداعية الكبير أنه كان فتى مغموراً، ولد بمرو في أسرة رقيقة الحال، ونشأ بأصبهان، واتصل منذ فتوته ببعض نقباء الشيعة في الكوفة، فآنسوا فيه ذكاء خارقاً، وحماسة تضطرم لآل البيت وقضيتهم، وسار معهم إلى محمد بن علي بن عبد الله بمكة، فأعجب بذكائه وعزمه، واختاره داعية للشيعة في خراسان، موطنه وأصلح ميدان لنشاطه. ولما ظهر أبو مسلم وقوي أمره، وكثر أنصاره، ادعى أنه من آل البيت من ولد سليط بن عبد الله بن عباس (١). ولما توفي محمد بن علي، وخلفه في الإمامة ولده إبراهيم الملقب بالإمام بعهد منه (سنة ١٢٦ هـ) استمر أبو مسلم في مهمته، يبث الدعوة، ويحشد لها الأنصار. وكانت خراسان كما قدمنا أخصب ميدان للدعوة الشيعية لبعدها عن الحكومة المركزية، وتعاقب الفتن فيها بن المضرية واليمنية. وكان أميرها من قبل بني أمية نصر بن سيار في مأزق صعب، يستنجد عبثاً بحكومة دمشق، ويشهد تفاقم الحوادث عاجزاً، وحركة الشيعة تشتد، وتجتاح خراسان بسرعة. ويروى أن نصر بن سيار كتب إلى مروان بن محمد الخليفة يومئذ، هذا الشعر الفياض بالنبوءة والنذير يستنجد به، ويستحثه للدفاع عن عرشه وتراث أسرته: أرى تحت الرماد وميض نار ... ويوشك أن يكون لها ضرام فان النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها الكلام فإن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام فان كانوا لحينهم نياماً ... فقل قوموا فقد حان القيام فقري عن رحالك ثم قولي ... على الإسلام والعرب السلام (٢) وكان أبو مسلم رجل الموقف يدير الخطط بقوة وبراعة، فلم يمض بعيد حتى ألفى الفرصة سانحة للعمل الحاسم، فاعتزم أمره ووثب في صحبه على نصر بن سيار

стр. 143

وقوات بني أمية وهزمهم في عدة معارك (سنة١٢٩ - ١٣٠هـ) " واستولى على مرو وسمرقند وخراسان ونيسابور، وطرد منها عمال بني أمية، وفر نصر بن سيار إلى العراق. وبسط أبو مسلم سلطانه على خراسان وفارس، ورفع فيهما لواء الشيعة الأسود، ودعا لأبي العباس عبد الله بن محمد بن علي المعروف " بالسفاح " أخى إبراهيم الإمام وخلفه. وكان الخليفة الأموي مروان بن محمد، قد هاله ما رأى من تغلغل الدعوة الشيعية في النواحي، فقبض على إبراهيم الإمام، وهو يومئذ بإحدى قرى الشام، وزجه إلى السجن حتى مات (سنة ١٣٢هـ)، وزعم أخوه عبد الله أبو العباس وأصحابه، أنه أوصى إليه بالإمامة من بعده. فدعا له أبو مسلم في خراسان وفارس حسبما تقدم. ثم سير أبو مسلم جيشاً إلى العراق فلقيه أميرها ابن هبيرة في قواته، ووقعت بين الفريقين على ضفاف الفرات معارك شديدة، هزم فيها ابن هبيرة وفر إلى الشمال. واستولى الشيعة على العراق، ودعوا لأبى العباس بالخلافة (ربيع الآخر سنة ١٣٢ هـ)، ونزل أبو العباس عبد الله " السفاح " بالكوفة، واستقر بها يرقب الحوادث. وفي ذلك الحين كان مروان بن محمد أو مروان الثاني (١)، الذي ولى الخلافة سنة ١٢٧هـ، يتأهب للدفاع عن ملك بني أمية، الذي تصدع صرحه سراعاً. فحشد جيشاً ضخماً، وسار شرقاً حتى وصل إلى ضفاف نهر الزاب، وهو فرع من دجلة يتصل به في الضفة الشرقية جنوب شرقي الموصل، وسار للقائه قائد المسوّدة (الشيعة) في الشمال، أبو عون عبد الملك بن يزيد الأزدي، وأمده أبو العباس بجيش آخر بقيادة عمه عبد الله بن علي، وبلغت قوات الشيعة كلها زهاء عشرين ألفاً، وبلغت القوات الأموية زهاء مائة وعشرين ألفاً. ولكن حماسة الشيعة كانت تغني عن الكثرة، وكان تعاقب الظفر يذكي عزائمهم ويضاعف قواهم، وكان الجيش الأموي على ضخامته قد خبت عزائمه، واختلت صفوفه وغاضت قواه المعنوية. والتقى الفريقان على ضفة الزاب اليسرى ونشبت بينهما معركة شديدة حاسمة، انتهت بهزيمة الجيش الأموي وتمزيقه، وذلك في الحادي عشر من جمادى الثانية سنة ١٣٢ هـ (٢٥ يناير ٧٥٠ م)، وغرق في النهر آلاف من جند الشام، وعدة من زعمائه وقادته، واستولى الشيعة على أسلابه، وفر

стр. 144

مروان في فل من صحبه إلى الشام، فسار في أثره عبد الله بن علي، وحاصر دمشق واقتحمها في الخامس من رمضان من نفس العام. وفر مروان إلى فلسطين ثم إلى مصر. فبعث " السفاح " في أثره جيشا بقيادة عمه صالح بن علي، فلحق به في مصر، وظل يطارده من مكان إلى مكان، حتى ظفر به في قرية بوصير على مقربة من الجيزة. وهنالك مزقت البقية الباقية من أنصار بني أمية، وقتل مروان آخر الخلفاء الأمويين بالمشرق، وأرسل رأسه إلى "السفاح" وذلك في السابع والعشرين من ذى الحجة سنة ١٣٢هـ (٦ أغسطس سنة ٧٥٠ م). وهكذا انهارت دعائم الدولة الأموية بسرعة مدهشة، وقامت على أنقاضها دولة بني العباس. ولا ريب أن أكبر الفضل في تحطيم ذلك الصرح الشامخ، يرجع إلى جهود تلك الشخصية العظيمة ونعني أبا مسلم الخراساني. كان أبو مسلم إحدى هذه العبقريات الشاملة، التي تتفتح في معترك الإنقلابات الحاسمة، وتقوم على سواعدها الدول العظيمة. وكانت دعوة الشيعة وإمامة آل البيت مبعث هذا الانقلاب وروحه. ولكن بني العباس ما كادوا يتبوأون ذلك الملك الباذخ، حتى غلبت عليهم عصبية الأسرة، وألفوا في أبي مسلم منافساً تخشى عواقبه، وفي الدعوة الشيعية خطراً يجب القضاء عليه. فلم تمض أعوام قلائل حتى قتل أبو مسلم (شعبان سنة ١٣٧هـ)، قتله أبو جعفر المنصور أخو أبي العباس وخلفه. ثم تتبع زعماء الشيعة وولد علي بن أبي طالب بالقبض والمطاردة، حتى مزق شملهم وسحق دعوتهم. واستخلص بنو العباس تراث بني أمية لأنفسهم. وقامت تلك الدولة العباسية الزاهرة، تصل تاريخ الإسلام في المشرق، وتسير به إلى عصر جديد من العظمة والبهاء.

стр. 145

الفصل الثاني بعث الدولة الأموية في الأندلس موقف الأندلس بعد سقوط الدولة الأموية. يوسف الفهري حاكم بأمره. مطاردة بني العباس لبني أمية. المذبحة الرائعة. من هو السفاح. نجاة عبد الرحمن بن معاوية. فراره وظروفه المؤثرة. تجوله في برقة وإفريقية. نجاته من قبضة عبد الرحمن بن حبيب. التجاؤه إلى المغرب الأقصى. إرساله لبدر مولاه إلى الأندلس. مفاوضة بدر الزعماء. سعي أبي عثمان وعبد الله بن خالد لتأييد عبد الرحمن. موقف الصميل بن حاتم. عبور عبد الرحمن إلى الأندلس. توجس يوسف الفهري واختلال جيشه. تقدم الدعوة الأموية. الزعماء المؤيدون لعبد الرحمن. عود يوسف والصميل إلى قرطبة. عرض يوسف على عبد الرحمن وكتابه إليه. رفض عبد الرحمن لهذا العرض. مبايعة ريه وشذونة وإشبيلية لعبد الرحمن. زحفه على قرطبة. خروج يوسف والصميل لملاقاته. لقاء الفريقين في موقعة المسارة. هزيمة يوسف والصميل. دخول عبد الرحمن قرطبة ومبايعته بالإمارة. الموقف بعد المسارة. مهمة عبد الرحمن الفادحة. معركة الدولة والإمارات المستقلة. الأخطار التي تحيق بالأندلس. الكفاح المستمر. بينما كانت حوادث هذا الانقلاب الحاسم في مصاير الإسلام تجري في المشرق، كانت حوادث الأندلس تؤذن بانقلاب عظيم آخر في مصاير الإسلام في ذلك القطر النائي. وكانت الفتن والحروب الأهلية المتعاقبة التي فصلنا أخبارها، تدفع بالأندلس إلى مصير مجهول تخشى عواقبه، وتعصف تباعا بمنعة الإسلام في الغرب، وتشجع الفرنج ونصارى الشمال على اقتطاع الأطراف النائية، والتوغل في الأراضي الإسلامية. وكان من عناية القدر أن تولي أمر الأندلس في ذلك المأزق العصيب، رجل قوي حازم هو يوسف بن عبد الرحمن الفهري. ولكن ولاية يوسف لم تكن حلا نهائياً للأزمة، لأنه تولى دون مصادقة شرعية من السلطة العليا، ولأن منافسيه من الزعماء والخوارج لم يقروا بولايته، ولم يخلدوا إلى السكينة، وأخيراً لأن السلطة العليا التي يرجع إليها أمر الأندلس، ونعني خلافة دمشق قد انهارت غير بعيد، وقامت على أنقاضها دولة وخلافة جديدتان. والحقيقة أن يوسف بن عبد الرحمن الفهري كان حاكماً بأمره في الأندلس. وكانت الأندلس في ذلك الحين إمارة أو دولة مستقلة، يتوقف مصيرها ومصير السلطات فيها على سير الظروف والحوادث. وكان للانقلاب الذي وقع في المشرق صداه

стр. 146

في الأندلس، إذ قام بعض الخوارج على يوسف يدعو لبني العباس، طمعاً في الرياسة على نحو ما بينا، ولكنه كان صدى ضعيفاً لم يحدث أثره، واستمر يوسف ثابتاً في مركزه، يناهض الخارجين عليه بقوة وعزم. ولاريب أنه كان يحرص على ذلك السلطان الذي ألقى إليه به القدر، بل لعله كان يعمل لغاية أتم وأبعد، هي أن يؤسس بالأندلس مملكة مستقلة قوية، يتبوأ عرشها، وأسرة ملوكية جديدة من بنيه وعقبه، يلقى إليها بهذا التراث الباذخ. على أن حوادث المشرق كانت تتمخض عن عوامل ومفاجآت أخرى. ذلك أن بني العباس بعد أن ظفروا بملك بني أمية ومزقوا شمل أسرتهم، أخذوا في تتبع من بقي من أمرائهم وزعمائهم، حتى لا تقوم لفلهم قائمة بعد. وعهد أبو العباس عبد الله " السفاح "، إلى عمه عبد الله بن علي وهو بالشام، تنظيم هذه المطاردة الدموية (١). فتتبع وجوه بني أمية ومواليهم في كل مكان، وأمعن في مطاردتهم وسفك دمائهم، وقتل منهم جماعة كبيرة من الأمراء والسادة، ولم يبق حتى على النساء والأطفال، ولما شعر أن كثيرين منهم فروا ولاذوا بالاختفاء، زعم أن أبا العباس قد ندم على ما فرط منه في حقهم، وأنه يشملهم بعفوه وأمانه، فخدع كثيرون منهم بهذا الوعد، ولبوا دعوة عبد الله إلى الظهور، واستطاع بهذه الوسيلة أن يقتل منهم نحو سبعين رجلا آخر. وكانت مأساة هائلة ارتكبت خلالها ضروب مروعة من القسوة، ومثل بكثير من الضحايا أشنع تمثيل، وألقيت جثثهم للكلاب، واستخرجت رفات الخلفاء الأمويين من مثواها وبددت، ولم تترك جريمة مثيرة، أو لون من العقاب أو المهانة، إلا كان فلُّ بني أمية لها فرائس وضحايا (٢). وهنا يسوغ لنا أن نتساءل، من هو " السفاح "؟ أهو أبو العباس عبد الله ابن محمد أول خلفاء بني العباس؟ أم هو عمه عبد الله بن علي؟ هذا ما تختلف

стр. 147

الرواية الإسلامية في شأنه. ويتفق معظم المؤرخين المسلمين، مثل الطبري، وابن الأثير، وابن خلكان، وابن خلدون (١) على أن " السفاح " إنما هو لقب أبى العباس عبد الله بن محمد أول الخلفاء العباسيين. ويذكر لنا الطبري وابن الأثير كيف أن أبا العباس، هو الذي أطلق على نفسه هذا اللقب حينما ألقى خطابه الأول بمسجد الكوفة على أثر مبايعته بالخلافة، إذ قال للناس في ختام خطابه -: "فاستعدوا فأنا السفاح المبيح، والثائر المنيح " (٢). ولكن هناك روايات أخرى ومنها رواية قديمة هي رواية صاحب " أخبار مجموعة في فتح الأندلس " تذكر لنا أن لقب "السفاح " لم يطلق على أبي العباس ولكنه أطلق على عمه عبد الله بن علي (٣). ولهذه الرواية ظاهر من الوجاهة فيما ارتكبه عبد الله بن علي من الفتك الذريع ببنى أمية، وتتبعهم بالقتل في سائر الأنحاء دون هوادة. ولكن من الذي يحمل في الواقع تبعة هذه المطاردة الدموية المروعة؟ إن الذي أوصى بمطاردة بني أمية والفتك بهم هو أبوالعباس ذاته، وهو أول من اجتنى ثمار الجريمة، وتلقى تراث القتلى، ولم يكن عمه عبد الله بن علي سوى منفذ لإرادته وأمره، وعلى ذلك فهو أحق بأن يحمل ذلك اللقب الذي يتفق مع تبعاته ونتائج لسياسته، وهو لقب يخصه به جمهرة من الثقاة المؤرخين. ولكن هذه المطاردة الدموية الشاملة لم تجتث الشجرة من أصلها، وشاء القدر أن تفلت بعض فروعها من يد الجناة، وأن تزكو لتستعيد أصلها الراسخ في أرض أخرى. وكان ممن نجا من المذبحة الهائلة فتى من ولد هشام بن عبد الملك هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام. وكان وقت أن حلت النكبة بأسرته يقيم مع أهله وأخوته، في قرية تعرف بدير خنان من أعمال قنسرين، وفيها كان مولده قبل ذلك بنحو عشرين عاماً سنة ١١٣ من الهجرة (٧٣١ م)؛ وقيل بل كان مولده بالعليا من أعمال تدمير. وتوفي أبوه معاوية شاباً في أيام أبيه هشام بن

стр. 148

عبد الملك في سنة ١١٨ هـ، فكفله وأخوته جدهم هشام (١). ولما انهار صرح الخلافة الأموية، وأمعن الظافر في مطاردة بني أمية، فر عبد الرحمن بأهله وولده إلى ناحية الفرات، وحل هناك ببعض القرى واختفى بها حيناً يدبر أمره، ولكن جند المسوّدة ما لبثت أن حلت بتلك الجهة تستقصي آثار بني أمية، فبادر عبد الرحمن بالفرار. وتنقل إلينا الرواية على لسانه قصة مؤثرة عن حوادث فراره، وتصف لنا كيف أدركته خيل المطاردين على ضفة النهر مع أخيه الصبي، فوثبا إلى النهر واستطاع عبد الرحمن أن يقطعه سباحة إلى الضفة الأخرى، ولكن الغلام عجز عن قطعه وعاد إلى الضفة الأولى، حيث وعده المطاردون بالأمان، ولكنه ما كاد يقع في أيديهم حتى انقضوا عليه وقطعوا رأسه أمام عينى أخيه، وقلبه يتفطر روعة وأسى (٢). ولما أن أمن عبد الرحمن خطر مطارديه، سار مختفياً إلى الجنوب، قاصداً إلى المغرب. وتقول لنا الرواية أيضا، إن المغرب كان مقصده منذ الساعة الأولى، وإن نفسه كانت تحدثه بما سيكون له في الأندلس من شأن، وإن بني أمية كانوا قبل مصرعهم، يهجسون بمثل هذه النبوءة ويرددونها (٣). واخترق عبد الرحمن فلسطين ومصر، ولحق به مولياه بدر وسالم، أنفذتهما إليه أخته أم الأصبغ بشىء من المال والجوهر، تم جاز إلى برقة والتجأ إلى أخواله بنى نفزة، وهم من برابرة طرابلس، وكانت أمه بربرية منهم تدعى راح، وأقام لديهم طويلا يرقب الفرص. والظاهر أن محاولة الاستيلاء على إفريقية لم تكن بعيدة عن ذلك الذهن الجرىء المغامر، وقد كانت إفريقية في الواقع منذ ربع قرن مطمح الخوارج والمتغلبين. وكان عبد الرحمن بن حبيب الفهري قد انتزعها لنفسه في سنة ١٢٧ هـ، ولما دالت دولة بني أمية دعا لبني العباس كما قدمنا، ولكن الفتى الأموي لم يجد على ما يظهر أية فرصة للعمل في هذا السبيل. وكان عبد الرحمن ابن حبيب يخشى على سلطانه من ظهور بني أمية في إفريقية، فطارد اللاجئين إليها منهم، وقتل ولدين للوليد بن يزيد بن عبد الملك، واعتقل آخرين وصادر أموالهم.

стр. 149

ولما شعر بظهور عبد الرحمن الأموي حاول القبض عليه، ولكن عبد الرحمن استطاع أن يتجنب المطاردة، وفر مع صحبه إلى المغرب الأقصى، وتجول حيناً في تلك الأنحاء، ولقي كثيراً من الصعاب والخطوب، وكان يرى الموت والأسر ينذرانه في كل خطوة. وأقام حيناً متخفياً عند شيخ من شيوخ البربر يدعى وانسوس، كانت له فيما بعد لديه حظوة، ثم نزل عند قوم من زناتة على شاطىء البحر، ولحق حينا بمليلة وغيرها، وكان أثناء تجواله يدرس أحوال الأندلس وأخبارها، ويرقب فرص العبور إليها. وفي أواخر سنة ١٣٦ هـ (٧٥٣ م) لاحت له فرصة العمل، وقوي أمله ما علمه من اشتداد الخلاف بين المضرية واليمنية، فبعث بدراً مولاه إلى الأندلس ليسبر غور شئونها، وليحاول بث دعوته بين أنصار بني أمية وأهل الشام، فنزل بدر بساحل إلبيرة (كورة غرناطة) وكانت منزل جند الشام كما أسلفنا، وفيها تجتمع عصبة بني أمية. وكانت رياسة الأمويين (أو المروانية) والشاميين يومئذ لزعيمين من موالي بني أمية، هما أبو عثمان عبيد الله بن عثمان وصهره عبد الله ابن خالد. فاجتمع بدر بأبى عثمان وأبلغه رسالة عبد الرحمن، وناشده العمل لنصرته، وبث دعوته بين أصدقائه وشيعته، ولاسيما بين اليمنية، وهم خصوم يوسف الفهري ومنافسوه (١). فاستجاب أبو عثمان لهذه الدعوة، وكانت بينه وبين الصميل مودة وصداقة، ففكر في التماس عونه في ذلك المشروع، وسار إليه مع عبد الله بن خالد في طليطلة، وكان الصميل قد ارتد إليها منهزماً عن سرقسطة وفي نفسه مرارة من يوسف لأنه قصر في غوثه وإنجاده، ففاوضاه في أمر عبد الرحمن وطلبا منه العون والتأييد. ولكن الصميل أبدى تردداً وفتوراً، واقترح أن يتزوج عبد الرحمن من ابنة يوسف، وأن ينزل آمناً في ظله، ثم صرفهما ببعض الوعود الغامضة (٢). وكان الصميل يحرص في الواقع على أن تبقى السلطة ليوسف،

стр. 150

لأنه مستأثر في ظله بالنفوذ والسلطان، ويشاركه في تدبير الأمر وحكم الأندلس، فعاد أبو عثمان وزميله إلى إلبيرة ونشطا إلى بث الدعوة فيها، وحث اليمنية على القيام للأخذ بالثأر، وبثا عمالهما في أنحاء الأندلس يدعون إلى تأييد عبد الرحمن الأموي. وعاد بدر إلى عبد الرحمن على مركب خاصة جهزها أبو عثمان ومعه عدة من أنصار الأموية، وأفضى إليه بنتائج رحلته، فاستبشر عبد الرحمن، وعبر البحر معهم إلى الأندلس، ونزل بساحل إلبيرة في ثغر المُنكَّب Almunecar (١) ، وذلك في ربيع الآخر سنة ١٣٨هـ (سبتمبر سنة ٧٥٥ م)، فاستقبله أبو عثمان وأنزله بمقامه في طرُّش Torrox، وهي قرية تقع غربي المنكب على مقربة من البحر، فاستقر بها ينظم دعوته ويدبر خططه (٢). وكان يوسف بن عبد الرحمن الفهري أثناء ذلك في الشمال يعسكر بجيشه تحت أسوار سرقسطة، وقد استعصم بها عامر العبدري والحباب الزهري. فلما تم له الأمر بالاستيلاء على سرقسطة والقبض على الزعيمين الثائرين وإعدامهما علي نحو ما فصلنا، ارتد بجيشه صوب طليطلة. وبينا هو في الطريق على مقربة منها، إذ أتاه رسول أوفده على جناح السرعة ولده عبد الرحمن بن يوسف، الذي استخلفه على قرطبة، ومعه كتاب ينبؤه فيه بمقدم عبد الرحمن الأموي، وانتشار دعوته في جنوب الأندلس، فذعر يوسف، وذاع النبأ في الجيش، فسرى إليه الخلل، وتسللت العناصر الناقمة، ولم يبق منه سوى فلول يسيرة. فهرول يوسف في بقية جنده إلى طليطلة، ليبحث مع الصميل في خير الوسائل لرد هذا الخطر. وكانت الدعوة الأموية في ذلك الحين قد اجتاحت جنوبي الأندلس، والتف حول عبد الرحمن عدة من زعماء القبائل والجند، منهم تمام بن علقمة اللخمي (٣)، وقد أخذ له بيعة جند فلسطين، ويوسف وبن بخت وقد أخذ له بيعة جند الأردن، وجدار بن عمرو المذحجي من زعماء ريُّه، وحسان بن مالك الكلبي من زعماء

стр. 151

إشبيلية، وحشد أبو عثمان وعبد الله بن خالد حوله جموعاً كبيرة من الأموية وأهل الشام. وعاد يوسف والصميل إلى قرطبة ليدبروا الأمر معاً، وأشار الصميل على يوسف بمصانعة عبد الرحمن وملاطفته وإغرائه بمصاهرته، فأرسل إليه يوسف وهو ما يزال بطرُّش وفداً يعرض عليه أن يزوجه ابنته، ويقطعه كورة إلبيرة (غرناطة) أو كورة ريه أو يقطعه ما بينهما، وبعث إليه هدية وشيئاً من المال، وكتاباً طويلا يرغبه فيه بمحالفته. وينقل إلينا منه صاحب البيان المغرب هذه الفقرة: " أما بعد فقد انتهى إلينا نزولك بساحل المنكب، وتأبش من تأبش إليك، ونزع نحوك من السراق وأهل الختر والغدر، ونقض الأيمان المؤكدة التي كذبوا الله فيها وكذبونا، وبه جل وعلا نستعين عليهم. ولقد كانوا معنا في ذرى كنف ورفاهية عيش، حتى غمضوا ذلك، واستبدلوا بالأمن خوفا، وجنحوا إلى النقض، والله من ورائهم محيط. فإن كنت تريد المال وسعة الجناب. فأنا أولى بك ممن لجأت إليه، أكنفك وأصل رحمك، وأنزلك معي إن أردت أو بحيث تريد، ثم لك عهد الله وذمته بي، ألا أغدرك ولا أمكن منك ابن عمي صاحب إفريقية ولا غيره ... ". ولكن عبد الرحمن لم يخدع بوعود يوسف وعهده، فأبى عرضه ورد رسله، وكان يسمو بأطماعه إلى أبعد من ذلك وأرفع، وكان سلطان الأندلس كلها مطمح آماله (١). وكان قد آنس عندئذ ذيوع دعوته وقوة أنصاره، فسار في صحبه من طرّش إلى ريُّه، فبايعه عاملها عيسى بن مساور، ثم إلى شذونة فبايعه عاملها علقمة بن غياث اللخمي، ثم إلى إشبيليه، فبايعه كبيرها أبو الصباح بن يحيى اليحصبي زعيم اليمنية، وانضم إليه أثناء تجواله كثير من الأنصار والجند، واجتمع له في إشبيلية زهاء ثلاثة آلاف فارس، وذاعت دعوته في غربي الأندلس كله، وأقبلت إليه المتطوعة من كل صوب، من المضرية واليمنية وأهل الشام. ولما رأى أنه يستطيع البدء بمناجزة يوسف سار في قواته صوب قرطبة، وكان ذلك في فاتحة ذى الحجة سنة ١٣٨ هـ (أوائل سنة ٧٥٦ م). وفي ذلك الحين كان يوسف والصميل قد حشدا جموعهما، ومعظمها من الفهرية والقيسية، وكان جند يوسف قد وهن، وتفرق معظمه خلال الفتن والغزوات المتوالية، وجاءت دعوة عبد الرحمن الأموي فزادته تفرقاً وضعفاً.

стр. 152

وخرج يوسف بقواته إلى المسارّة في ظاهر قرطبة من الغرب، على ضفة نهر الوادي الكبير، وكان عبد الرحمن قد أشرف بجيشه على ضفة النهر الجنوبية، في قرية مقابلة تسمى " بلَّة نوبة " (فليا نويفا Villanueva) (١) . وفرق النهر بين الجيشين مدى أيام ثلاثة، وفي اليوم الرابع وهو يوم الخميس تاسع ذى الحجة، هبط ماء النهر وانحسر في بعض المواضع، فتأهب الفريقان للحرب، ولم تنجح محاولة يوسف في سبيل عقد الصلح، وصمم عبد الرحمن على القتال في اليوم التالي أعني يوم الجمعة، وكان يوم الأضحى، متيمنا في ذلك بذكرى موقعة مرج راهط الشهيرة، التي انتصر فيها جده مروان بن الحكم، على قوات عبد الله ابن الزبير، التي يقودها الضحاك بن قيس الفهري، وذلك في يوم الأضحى - وقد كان الجمعة أيضاً - سنة ٦٤ هـ. وفي اليوم التالي دفع عبد الرحمن قواته لاقتحام النهر، وكان أول من اقتحمه منهم جند بني أمية، وكان يوسف يتفوق على خصومه بكثرة فرسانه، ولكن التفرق كان يسود جنده، وكانت جموع عبد الرحمن تضطرم على قلتها عزماً وحماسة، فنشبت بين الفريقين معركة عنيفة ولكن قصيرة، فلم يأت الضحى حتى مزقت خيل يوسف، وهزم جيشه هزيمة شديدة، ونهبت أسلابه، وقتل كثير من وجوه القيسية والفهرية (٢). وفر يوسف صوب طليطلة، حيث كان ولده عبد الرحمن، وفر الصميل صوب جيان. ودخل عبد الرحمن الأموي وصحبه قرطبة دون معارضة، وحمل جنده ما استطاع على الاعتدال والقناعة، وحمى أسر خصومه وحريمهم وأموالهم من العيث، وصلى الجمعة في الجامع، ثم نزل بالقصر، وبويع في الحال بالإمارة، وذلك في العاشر من ذى الحجة سنة ١٣٨هـ (١٣ مايو سنة ٧٥٦ م) (٣). كان يوم المسارّة بالنسبة لعبد الرحمن فاتحة الظفر لا غايته، فقد استطاع بعد أحداث وخطوب جمة أن يجوز إلى الأندلس، وأن يفتتح عاصمتها، وأن ينتزع إمارتها لنفسه، ولكنه ظفر بعرش لم يتوطد سلطانه بعد. وكان ثمة بينه وبين مُلْك

стр. 153

الأندلس الحقيقي مراحل بعيدة، وكان ملك الأندلس قد غدا منذ انحلال الخلافة الأموية، كما رأينا، نهباً مشاعاً يتنازعه الزعماء والمتغلبون، وكانت الفتن المتوالية قد عصفت بالسلطة العليا، واقتصت من أطرافها، واستقل الزعماء الأقوياء بكثير من النواحي، وقضى يوسف الفهري معظم ولايته في إخماد الفتنة، واستخلاص الرياسة، ولكنه لم يوفق إلى إخماد كل عناصر النزاع والخروج. فلما ظهر الفتى الأموي في الميدان، كان صرح الأندلس يهتز فوق دعائمه الواهنة، وكان توطيده يتطلب كثيراً من العزم والعمل القوي. وكان يوم المسارّة حاسما في مصاير الأندلس، وكان فاتحة عهد جديد في تاريخها. ولكن المهمة كانت فادحة، والمعركة شاقة مشعبة النواحي. وكما أن يوم المسارة كان فاتحة الظفر، فقد كان فاتحة الكفاح أيضا. ذلك أن الأندلس كانت يومئذ بسيطاً من الفتن المتأججة، وكانت الثورة تجثم في كل ناحية، وانحلت عري العصبية القديمة الشاملة، وانتثرت فرقا وشيعا صغيرة، فلم تبق الخصومة قاصرة على المضرية واليمنية فقط، ولكن غدت كل قبيلة وكل بطن تلتف حول زعامتها ومصالحها الخاصة. وكانت هذه القوى المنتثرة المستقلة برأيها وهواها، تتمسك باستقلالها المحلي، وتأبى الخضوع لأية سلطة عامة. وكان عبد الرحمن يرمي إلى إحياء دولة الإسلام في الأندلس موحدة متماسكة، كما كانت قبل أن تمزقها الحرب الأهلية، فكانت المعركة في الواقع معركة الدولة والإمارات المستقلة، ومعركة السلطة المركزية والإقطاع المحلي: معركة الرياسة الشاملة، والعصبية المتناثرة. وكان البربر عنصراً قوياً في الفتنة، يحتفظون دائماً ببغضهم القديم للعرب، ويحرصون على ما انتزعوه منهم خلال الفتنة من النواحي والضياع. ثم كان هنالك ما هو أشد خطراً على دولة الإسلام في الأندلس، ونعني اسبانيا النصرانية التي استطاعت أن تخرج سراعاً من غمر الهزيمة والفوضى، وأن تنتظم إلى مملكة جديدة في الشمال، وكذلك مملكة الفرنج القوية التي استطاعت أثناء الفتنة أن تنتزع الأراضي الإسلامية فيما وراء البرنيه. وكان نصارى الشمال والفرنج يتربصون يومئذ بالأندلس، ويرون في تفرقها وضعفها فرصة صالحة للعمل، ويتصلون بكثير من الزعماء والخوارج، ويمدونهم بالنصح والعون، ويتخذونهم وسائل لتحقيق مشاريعهم في تمزيق الأندلس وانتزاع أطرافها.

стр. 154

كان عبد الرحمن غداة ظفره الأول، يواجه هذه الخطوب والأخطار كلها، وكان عليه أن يقارعها جميعاً، لكي يغنم رياسة الأندلس القوية المتحدة. ولكن ذلك الأمير الفتى الذي لم يكن يجاوز السادسة والعشرين يوم ظفره، كان رجل الموقف، قد شحذت من عزمه الخطوب والمحن، وأعدته لحياة النضال والمغامرة. فقضى بقية عمره - اثنين وثلاثين عاما - في كفاح مستمر، لا ينتهي من معركة إلا ليخوض أخرى، ولا يقمع ثورة إلا تليها ثورة، ولا يسحق خارجاً إلا ليعقبه خارج، ولم تبق بالأندلس ناحية أو مدينة إلا ثارت عليه، ولا قبيلة إلا نازعته في الرياسة، ولم تبق قوة خفية أو ظاهرة إلا عملت لسحقه. فكانت الأندلس طوال عهده بركاناً يتأجج بضرام الحرب والثورة والمؤامرة. ولكنه صمد لتلك الخطوب كلها، واستطاع بكثير من الذكاء والإقدام والعزم والجلد، أن يغالب تلك الأخطار والقوى، وأن يقبض على مصاير الأندلس بيده القوية، وأن يحيى سلطان أسرته المندثر، في ذلك القطر النائي، ليستقر ويزدهر أكثر من قرنين. وكان تفرق خصومه أهم عامل في ظفره، فلم تك ثمة زعامة شاملة بعد يوسف والصميل، يجتمع الخصوم حولها، وكانت القوى الخصيمة منتثرة في النواحي والمدن، تعمل كل بمفردها حول زعيمها المحلي، وكانت فوق ذلك يعارض بعضها بعضاً في معظم الأحيان، وقد استطاع عبد الرحمن أن يقدر هذا الظرف وأن يستغله، فعمد إلى لقاء معارضيه في الميدان فرادى، واستطاع أن يخمد ثوراتهم، وأن يحطم قواهم بالتعاقب، وهو في كل مرة يزداد قوة ومنعة، ويزداد خصومه ضعفاً وتفرقاً، حتى قضى عليهم جميعاً.

стр. 155

الفصل الثالث ولاية عبد الرحمن الداخل - ١ - بدء المعارك الداخلية. القتال بين يوسف والصميل وبين عبد الرحمن. إذعانهما إلى طلب الصلح وعودهما إلى قرطبة. فرار يوسف وسجن الصميل. يوسف يستأنف الحرب. هزيمته وفراره. مصرعه في طليطلة ومقتل ولده عبد الرحمن. فرار ولده محمد إلى طليطلة. هزيمته وأسره. مصرع الصميل. تأملات عن يوسف والصميل. ثورة القاسم بن يوسف في الجزيرة الخضراء. استيلاؤه على إشبيلية. مهاجمة عبد الرحمن لإشبيلية. هزيمة القاسم وأسره. ثورة عبد الغافر اليمني في إشبيلية وإخمادها. استئنافها على يد حيوة بن ملامس. عبد الرحمن يقاتله ويهزمه. ثورة هشام بن عزرة الفهري بطليطلة وامتناعه بها. ظهور العلاء بن مغيث واضطرام الثورة في باجة. شهر الدعوة العباسية واتساع نطاق الثورة. مسير عبد الرحمن لمقاتلة العلاء وحلفائه. لقاؤهما في قرمونة. هزيمة الثوار ومصرعهم. إرسال رؤوسهم إلى إفريقية ومكة. استئناف حصار طليطلة. تسليمها ومصرع زعمائها. ثورة المطري بلبلة. هزيمته ومقتله. ثورة أبي الصباح في إشبيلية. إستدراجه إلى قرطبة ومقتله. ظهور الفاطمي البربري ودعوته. ثورته في غرب الأندلس. هزيمته لقوات عبد الرحمن. مسير عبد الرحمن لقتاله. التجاؤه إلى الجبال. خطة عبد الرحمن لتفريق جموعه. عود الثورة إلى إشبيلية ولبلة. مسير عبد الرحمن لقتال الثوار. تفرق الثوار وهزيمتهم. عود عبد الرحمن لقتال الفاطمي. التجاؤه إلى شنت برية. اغتياله وانهيار دعوته. وكان أول ما عنى به عبد الرحمن من أدوار ذلك النضال بعد يوم المسارة، هو أن يتعقب يوسف والصميل أقوى خصومه وأخطرهم. وكان يوسف قد فر عقب الموقعة صوب طليطلة، وفر الصميل إلى جيان معقل قومه. وحشد يوسف في طليطلة ونواحيها ما استطاع من أنصاره، بمعاونة عامله عليها هشام بن عزرة الفهري، ووافاه الصميل بمن حشد من المضرية. ثم سارا في قواتهما إلى جيان ثم إلى إلبيرة (غرناطة)، واجتمع أهل هذه الأنحاء حول يوسف، ونزل يوسف بإلبيرة يتأهب لمحاربة عبد الرحمن. ولكنه ما كان يستقر في إلبيرة، حتى بادر عبد الرحمن بالسير إليه، وترك حماية قرطبة لحليفه وقائده أبى عثمان. ولما علم يوسف مسيره إليه، بعث ابنه عبد الرحمن في بعض قواته إلى قرطبة، فاقتحمها وأسر أبا عثمان ونفراً من أهل عبد الرحمن وحريمه، ثم غادرها في الحال خشية

стр. 156

المفاجأة. ولكن عبد الرحمن الأموي لم يلو في طريقه على شىء، وقصد إلى إلبيرة توا، وحاصر يوسف والصميل. فلما شعرا بأن المقاومة عبث، فاوضاه في الصلح والتسليم بالأمر له، ونبذ كل دعوى في الولاية والسلطة، على أن يؤمنهما في النفس والمال والأهل، وأن يُؤمن حلفاؤهم وأصدقاؤهم جميعاً، وأن يُسمح لهما بسكنى قرطبة تحت رعايته ورقابته، فأجابهما عبد الرحمن إلى الصلح على ذلك، وعلى أن يقدم يوسف ولديه عبد الرحمن ومحمداً أبا الأسود رهينة لديه، يعتقلهما في قصر قرطبة برفق وإكرام، حتى تطمئن النفوس وتستقر الأمور، وتم عقد الصلح بين الفريقين في صفر سنة ١٣٩هـ، وأفرج عن أبي عثمان وباقي الأسرى الذين أسرهم ولد يوسف، وتصافى الفريقان، وقفل يوسف والصميل مع عبد الرحمن إلى قرطبة، وانفض جندهما (١). ونزل يوسف بشرقي قرطبة في قصر الحر الثقفي أحد الولاة السابقين، ونزل الصميل بداره بالربض (الضاحية)، وأبدى عبد الرحمن نحوهما عطفاً وليناً، وهو مع ذلك يشدد عليهما الرقابة، ويحرص على تجريدهما من كل سلطة وقوة. وكان في قرطبة فل من عصبة يوسف وأنصاره السابقين، الذين نالوا على يديه جاها وحظوة، يتطلعون إلى العهد السابق، ويلومون يوسف على تسليمه واستكانته، ويحرضونه على استعادة مركزه وسلطانه، وكان يوسف من جهة أخرى يشعر أنه في شبه اعتقال، وأن عبد الرحمن يضيق الخناق عليه، ويؤلب عليه صنائعه، ينازعونه في أملاكه وأمواله لدى القضاء، والقضاء يميل إلى غبنه وإعناته، حتى ذهب معظم أملاكه، وهو يشعر أن عبد الرحمن من وراء ذلك الاضطهاد (٢). عندئذ عول على الفرار، وكاتب أنصاره في ماردة وطليطلة، ثم فر إلى ماردة، وكان بها معظم أهله وأصهاره (سنة ١٤١هـ)، وهناك حشد أنصاره من العرب والبربر، حتى اجتمع له زهاء عشرين ألفاً، وتخلف الصميل ولم ويوافقه، فقبض عليه عبد الرحمن وألقاه في غيابة السجن بتهمة التحريض والتآمر. وبينا كان عبد الرحمن يحشد جنوده، سار يوسف بقواته إلى إشبيلية، وعليها عبد الملك بن عمر بن مروان المعروف بالمرواني، فحاصره في إشبيلية حتى أتاه ولده عبد الله بالمدد، ثم وقعت بينهما معارك شديدة

стр. 157

قتل فيها كثير من الفريقين، وارتد يوسف منهزما بفلوله. وكان عبد الرحمن الأموي يرابط عندئذ بقواته في حصن المدوّر، الواقع على مقربة من غربي قرطبة، على نهر الوادي الكبير، فوافته الأخبار بهزيمة يوسف وفراره، فتوقف عن مطاردته، وسار يوسف إلى طليطلة، ولبث يتردد في أنحائها مدى أشهر، وهو يحاول أن ينظم قواته مرة أخرى، ولكن بعض الخونة من أنصاره أو مواليه ائتمروا به، واغتالوه ذات يوم على مقربة من طليطلة، وحملوا رأسه إلى عبد الرحمن في قرطبة (سنة ١٤٢هـ). والظاهر أن هذه الجريمة لم تكن بعيدة عن وحي عبد الرحمن. وانتهت بذلك حياة يوسف الحافلة المضطربة، وأمن عبد الرحمن شره وخطره، وقتل ابنه عبد الرحمن المعتقل لديه، ورفع رأسيهما فوق الرماح أمام القصر ليلقي الرعب في قلوب الخوارج والمخالفين (١). أما ولد يوسف الآخر وهو محمد أبو الأسود، فقد استطاع أن يفر من سجنه، وقصد تواً إلى طليطلة معقل عصبة أبيه وتحصن بها، فبعث عبد الرحمن في أثره جيشاً بقيادة تمام بن علقمة وعينه والياً لطليطلة، فحاصرها حتى سلمت، وأسر محمد بن يوسف ثانية وجىء به إلى قرطبة، واستولت جنود عبد الرحمن على طليطلة (ذى الحجة سنة ١٤٢)، وسحق بذلك وكر الثورة الفهرية. وزج محمد إلى السجن ثانية وادعى العمى حتى استطاع الفرار بعد محنة طويلة، وعاد يرفع علم الثورة كما سيأتي. واستطاع أخوه الأصغر القاسم بن يوسف أن يفر من طليطلة متنكراً قبل سقوطها. وأما الصميل، فلبث يرسف في سجنه مدى أسابيع أخرى حتى دس عليه عبد الرحمن من قتله داخل السجن خنقا (أواخر سنة ١٤٢هـ) (٢). وهكذا انتهت بذهاب يوسف والصميل مرحلة خطيرة من الإضطراب والقلاقل. كان يوسف شخصية قوية وزعيما ممتازاً، وقد استطاع أن يحكم الأندلس زهاء عشرة أعوام في ظروف عصيبة، وأن يسهر على وحدتها وسلامتها بقوة

стр. 158

وذكاء، وأن يدرأ عنها خطر نصارى الشمال والفرنج، ولما فقد يوسف رياسة الأندلس في يوم المسارة، لبث مع ذلك أخطر قوة تهدد طالع عبد الرحمن الأموي وسلطانه، ولبث روح الثورة والمعارضة مدى أعوام أخرى. وكان الصميل زعيما قوى العصبية، نافذ الرأي والكلمة، وافر الدهاء والمكر، يخشى بأسه ووحيه. فكان ذهابهما من الميدان فوزاً لعبد الرحمن، وخطوة كبيرة في سبيل استقرار رياسته وتوطدها. وقطع عبد الرحمن أعوامه التالية في كفاح مستمر، يتلقى وثبات الخوارج عليه من كل صوب. وكان أول الخوارج عليه بعد مصرع يوسف والصميل، القاسم ابن يوسف وحليفه رزق بن النعمان الغساني. وكان القاسم حينما فر من طليطلة كما قدمنا، قد سار إلى الجزيرة الخضراء، والتجأ إلى شيخها رزق بن النعمان صديق أبيه، وحشد حوله جمعاً من الأنصار والمرتزقة، واستولى بمعونة حليفه على شذونة، ثم سارا في قواتهما إلى إشبيلية، ولم تكن بها قوة تدافع عنها، فاستوليا عليها دون مشقة، فبادر عبد الرحمن الأموي في قواته إلى إشبيلية، ونشبت بينه وبين الخوارج معركة عنيفة، قتل فيها رزق بن النعمان ومزق جنده، ودخل عبد الرحمن إشبيلية ضافراً، وذلك في أواخر سنة ١٤٣هـ. أما القاسم فالتجأ بقواته إلى شذونة، وبعث عبد الرحمن في أثره تماماً والي طليطلة، فطارده حتى أسره ومزق قواته (١). ولبث عبد الرحمن بإشبيلية بضعة أشهر، ولكنه ما كاد يغادرها إلى قرطبة حتى نشبت فيها ثورة أخرى، بقيادة عبد الغافر اليماني زعيم اليمانية، واستولى عبد الغافر على ما جاور قرطبة من الأنحاء، وكثرت جموعه ولا سيما من البربر، وأصبح يهدد قرطبة. فخرج عبد الرحمن لقتاله، والتقيا بوادي قيس على مقربة من قرطبة، فاستمال عبد الرحمن حلفاء عبد الغافر من البربر وانفض عنه جندهم، واقتتل الفريقان فهزم عبد الغافر هزيمة شديدة، وفر إلى لَقَنت، وطارد عبد الرحمن جنده حتى قتل منهم ألوفاً عديدة (سنة ١٤٤ هـ). ورفع لواء الثورة من بعده في إشبيلية أيضاً، حيوة بن ملامس الحضرمي

стр. 159

كبير زعمائها، وتغلب على إشبيلية وإستجة وكثير من نواحي الغرب (١)، والتف حوله أهل هذه الأنحاء واستفحل أمره. فسار إليه عبد الرحمن، ونشبت بينهما معارك عنيفة مدى أيام، ودافع الثوار عن أنفسهم بمنتهى البسالة، حتى كادت الدائرة تدور على عبد الرحمن، ولكن التفرق دب أخيراً إلى صفوف الثوار، ولحقهم الإعياء والملل، فوقعت عليهم الهزيمة، وفر زعيمهم حيوة، وكتب إلى عبد الرحمن يلتمس منه العفو والأمان (سنة ١٤٤هـ - ٧٦١م) (٢). وعلى أثر ذلك نشبت الثورة في طليطلة. وكان عبد الرحمن قد اختار لولايتها تمام بن علقمة، ثم عينه لحجابته فكان أول حجابه، وخلفه في ولاية طليطلة حبيب بن عبد الملك. وكانت المدينة ما تزال تضطرم بعناصر الثورة وفيها كثير من أنصار الفهرية، فلم يلبث أن قام زعيمهم هشام بن عزرة الفهري، ولد عزرة أمير الأندلس السابق، وأعلن الثورة واعتصم بالمدينة. فسار إليه عبد الرحمن وحاصره مدى أشهر، حتى اضطر إلى طلب الصلح، وقدم ولده رهينة بحسن طاعته، فأجابه عبد الرحمن إلى طلبه، وآثر أن يهادنه مؤقتاً. ولكنه ما كاد يصل إلى قرطبة حتى عاد هشام إلى الثورة، فارتد إليه عبد الرحمن ليعاقبه على نكثه، وحاصره ثانية وقتل ابنه، وأطلق رأسه بالمنجنيق داخل الأسوار، ولكنه لم يظفر بحمل الثاثر على التسليم، فعاد إلى قرطبة ليضاعف أهباته، بيد أنه لم يستطع أن يعود تواً إلى طليطلة، إذ نمى إليه عندئذ خبر حادث داهم الخطر يتطلب كل جهوده وقواه. ذلك أن داعية من خصوم بني أمية هو العلاء بن مغيث اليحصبي (٣)، وكان من وجوه باجة وله بها رياسة وعصبة، كاتب أبا جعفر المنصور، واتصل برسله

стр. 160

في إفريقية، واستصدر منه سجلا بولايته للأندلس، ثم ارتد إلى الأندلس، وعاد إلى باجة في قوة كبيرة، ودعا لبني العباس، ورفع العلم الأسود، وأعلن أنه قد عين أميرا للأندلس من قبل المنصور (١) (سنة ١٤٦هـ). وكان الخليفة العباسي يحاول بهذه الدعوة، أن يحطم مشاريع بني أمية فيما وراء البحر، وأن يبسط سلطانه الإسمي على الأندلس. وقد رأينا أن عبد الرحمن بن حبيب المتغلب على إفريقية، دعا لبني العباس حينما انهار سلطان بني أمية، وكاتب الخليفة العباسي فأقره على حكم إفريقية، فكانت إفريقية تابعة لبني العباس من الوجهة النظرية، وهكذا كان شأن العلاء بن مغيث، فقد رأى أن يستظل في ثورته بالدعوة العباسية، لكي يسبغ عليها لونا من الشرعية، ولم يكن للخليفة العباسي اعتراض على محاولة لا يتحمل تبعتها من الوجهة المادية، وإن كان يعضدها من الناحية المعنوية، وقد أرسل بالفعل سجلا إلى الثائر بما طلب. وكان بعض الزعماء الخوارج على يوسف ابن عبد الرحمن، قد استظلوا بالدعوة العباسية كما قدمنا. وسنرى كيف يشهر الخوارج على عبد الرحمن الأموي هذه الدعوة في حوادث وخطوب أخرى (٢). واضطرمت باجة وما حولها بنار الثورة، وهرعت القبائل والأحزاب المختلفة إلى الانضواء تحت اللواء الأسود، ولاسيما الفهرية واليمنية وجند مصر، واستفحل أمر العلاء وكثر جمعه، وانضم إليه أمية بن قطن وأصحابه. وأعلن غياث ابن علقمة الثورة في شذونة محالفا للعلاء. فخرج عبد الرحمن من قرطبة في جميع قواته، وبعث بدرا مولاه في بعضها إلى شذونة، فحاصرها حتى أذعن غياث لطلب الصلح. وسار عبد الرحمن إلى قرمونة ما بين قرطبة وإشبيلية نظرا لمناعتها، واتخذ موقف الدفاع، فسار إليه العلاء في جموعه، وهاجم قرمونة مرارا، وحاصرها مدى أسابيع حتى وهنت قوى جنده، وعندئذ انقلب عبد الرحمن من الدفاع إلى الهجوم، وداهم العلاء في صفوة جنده، ونشبت بين الفريقين معارك شديدة مدى أيام، حتى هزم العلاء ومزق جيشه، وقتل منهم آلاف عديدة، وكان العلاء نفسه بين القتلى؛ وأسر ابن قطن. وجمع عبد الرحمن رؤوس الزعماء والقادة من خصومه ورقمها بأسمائهم. وحملها بعض رسله إلى القيروان، فألقيت في أسواقها سرا، وأثارت هناك دهشة وارتياعا، ووضعت رأس العلاء في سفط،

стр. 161

ومعها اللواء الأسود وسجل المنصور للعلاء، وحمله بعض التجار الثقاة إلى مكة، حيث كان المنصور يؤدي فريضة الحج في العام التالي (سنة ١٤٧ هـ). وألقي أمام سرادق المنصور، وحمل إليه فارتاع لرؤيته، وقال ما معناه: " ما في هذا الشيطان مطمح، فالحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر " (١). ْوهكذا استطاع عبد الرحمن أن يسحق هذه الدعوة الخطرة، وكان أخطر ما فيها أنها لم تكن دعوة حزب أو قبيلة، وإنما كانت دعوة عامة تدعمها الصبغة الشرعية، ولم يك أصلح منها لجمع خصوم عبد الرحمن من سائر الأحزاب والقبائل تحت لواء واحد (٢). ولما عاد عبد الرحمن إلى قرطبة كانت الثورة التي يثير ضرامها هشام الفهري في طليطلة، قد استفحلت واتسع نطاقها. فأرسل عبد الرحمن قائديه بدراً وتمام بن علقمة في جيش كبير إلى طليطلة، فطوقها وشدد الحصار عليها حتى ضاق أهلها ذرعاً، واضطروا إلى طلب الصلح، على أن يسلموا الزعماء الثائرين، وقبضوا على هشام وعدة من أصحابه، فأخذوا إلى قرطبة مصفدين معذبين، ثم صلبوا بأمر عبد الرحمن، وتم بذلك سحق الثورة في طليطلة إلى حين (سنة ١٤٧ هـ - ٧٦٤ م). وفي أوائل سنة ١٤٩ هـ - ٧٦٦ م، خرج سعيد اليحصبي المعروف بالمطري بمدينة لَبْلة، مطالباً بثأر اليمانية الذين قتلوا مع العلاء، فهرعت إليه اليمانية وقوى جمعه. ثم سار إلى إشبيلية فاستولى عليها، وارتد عنها واليها عبد الملك بن عمر المرواني لقلة جنده، ولبث ينتظر المدد. وكانت إشبيلية مطمح كل ثائر لقربها من قرطبة، ولأنها لبثت مدى أعوام من أهم مراكز الثورة في الأندلس. وخرج في الوقت نفسه غياث بن علقمة اللخمي بمدينة شذونة ناكثاً لعهده. فسار عبد الرحمن أولا إلى إشبيلية، وانقلب المطري إلى قلعة رعواق القريبة وامتنع بها، فحاصره عبد الرحمن وقطع علائقه مع بقية أنصاره، فلما ضاق الثائر بالحصار ذرعا، حاول الخروج ليشق له طريقاً بين الجيش المحاصر، ووقعت بين الفريقين معركة شديدة قتل فيها المطري، وارتدت فلوله إلى القلعة، وقدموا عليهم خليفة بن مروان،

стр. 162

فاستمر عبد الرحمن في محاصرة الخوارج، حتى أذعنوا لطلب الصلح، وسلموا اليه قائدهم فقتله، واستولى على القلعة وهدمها، ثم سار إلى شذونة فحاصرها حتى أذعن أهلها لطلب الأمان. وفي العام التالي عادت الثورة فاضطرمت في إشبيلية، ومدبرها وزعيمها في تلك المرة أبو الصباح بن يحيى اليحصبي، صديق عبد الرحمن وحليفه، وكان أبو الصباح زعيم اليمنية في إشبيلية يوم قدوم عبد الرحمن إلى الأندلس، فكان في طليعة من هرعوا يومئذ لتأييده ونصرته، وقاتل معه يوم المسارة، وغدا إلى جانب أبى عثمان وعبد الله بن خالد، من خاصة أعوانه وأركان دولته. ولكن عبد الرحمن كان يحقد عليه ويتوجس منه، لحديث نقل عنه يوم المسارة بوجوب التخلص من عبد الرحمن بعد التخلص من يوسف الفهري ورد الأمر إلى اليمنية (١). وكان عبد الرحمن قد ولاه إشبيلية، ثم عزله عنها لما ظهر من عجزه عن قمع الفتنة، فغضب أبو الصباح وأظهر الخلاف، واجتمع إليه أنصاره، ورأى عبد الرحمن أن يأخذه بالحيلة والملاطفة، فبعث إليه تمام بن علقمة يدعوه إلى قرطبة للتفاهم، ويبذل له ما شاء من الوعود، فسار أبو الصباح إلى قرطبة في أربعمائة من رجاله، واستقبله عبد الرحمن بالقصر، وعاتبه على ما كان منه، فأغلظ أبو الصباح في الجواب، ولامه على النكث بوعوده له، فأمر الفتيان بقتله، فقتل طعناً بالخناجر وانفض جمعه (سنة ١٥٠هـ). ولم يمض قليل على ذلك حتى نشبت فتنة خطيرة من نوع جديد، شغلت عبد الرحمن مدى الأعوام التالية، وكان نشوبها في شمال شرقي الأندلس بين البربر، وزعيمها ومثير ضرامها، داعية بربري خطر يدعى شقنا أو شقيا بن عبد الواحد، وأصله من بربر مكناسة، وكان فقيها يعلم الصبيان، فزعم ذات يوم أنه سليل النبي ومن ولد فاطمة والحسين، وتسمى بعبد الله بن محمد. فذاعت دعوته بين البربر في تلك المنطقة، وكانوا أكثرية بها. والخصومة بين العرب والبربر قديمة مؤثلة كما بينا، وقد كان البربر دائماً على قدم الأهبة للثورة ضد العرب. ولما آنس الدعي الفاطمي قوة جمعه، سار إلى شَنت بريّة (٢). فاستولى عليها وجعلها مركزه

стр. 163

العام، ثم سار في جموعه غرباً واستولى على ماردة وقورية ومدلين، وعلى جميع المنطقة الواقعة حولها بين نهري التاجُه ووادي يانة، فقويت دعوته وعظم أمره، واشتد بغيه وعيثه في تلك الأنحاء، وأخذت العناصر المخالفة لعبد الرحمن من العرب في التحرك أيضاً. فعهد عبد الرحمن إلى والي طليطلة أن يقمع ثورة الدعي، فبعث إلى شنت برية جيشاً بقيادة سليمان بن عثمان، فخرج إليه الفاطمي في قواته، فهزمه هزيمة شديدة، وأسر قائده سليمان وقتله، وزاد هذا الظفر في سلطانه وبغيه. فسار إليه عبد الرحمن بنفسه في العام التالي (سنة ١٥٢هـ)، واقتحم منطقة الثورة، ونشبت بينه وبين البربر وقائع عديدة ثبت فيها البربر، وامتنع الثائر بالجبال، ولم يجد عبد الرحمن سبيلا إلى مطاردته. فارتد إلى قرطبة، وبعث إلى شنت برية مولاه بدراً ليتابع القتال، فاستمر الفاطمي ممتنعاً بصحبه في الجبال، محاذراً لقاء الجيش المهاجم. وعاد عبد الرحمن لقتاله بنفسه في العام التالي (سنة ١٥٤هـ)، وشدد في محاصرته ومطاردته، ولكنه لم يفلح أيضاً في حمله على مغادرة مواقعه، ثم بعث لقتاله في العام التالي مولاه عبيد الله بن عثمان، فخرج الفاطمي للقائه واستمال جنده البربر، وبث الخلاف إلى صفوفه، فانحل عسكره وأثخن فيه الفاطمي، ففر عبيد الله واستولى الثائر على معسكره وأسلاب جيشه، وقتل جماعة كبيرة من وجهاء جنده (سنة ١٥٥هـ) (١). وهكذا فشلت الحملات المتوالية لإخماد الثورة في تلك المنطقة الوعرة، فعاد عبد الرحمن بجيش جديد إلى شنت برية، ولكنه لجأ عندئذ إلى وسيلة جديدة لتمزيق شمل الثوار، فاستقدم إليه كبير البربر في شرقي الأندلس واسمه هلال الميديوني، وأقره على ما بيده من الأنحاء، وأصدر له عهداً بولاية الأنحاء التي غلب عليها الفاطمي، وفوض إليه أمر استخلاصها منه، وكان لتلك الحيلة أثرها في بث الخلاف إلى صفوف البربر، فانفض عن الفاطمي كثير من أنصاره، واضطر أن ينسحب من شنت برية إلى الشمال ليعتصم بالجبال مرة أخرى، وبينا عبد الرحمن يجد في مطاردته ويقتحم معاقله وضياعه، وينكل بأنصاره حيثما وجدوا، إذ بلغه نشوب الثورة في إشبيلية ولبلة وباجة، وقوامها اليمنية من عصبة أبي الصباح

стр. 164

وأنصاره. وكان على رأس الثورة في إشبيلية زعيمها القديم حيوة بن ملامس الحضرمي، وفي باجة عبد الغافر اليحصبي، وفي لبلة عمر بن طالوت، وهما من أبناء عمومة أبي الصباح، وانضم إليهم كثير من البربر، فحشد الثلاثة جموعهم واعتزموا السير إلى قرطبة في غيبة عبد الرحمن، وكان قد استخلف عليها مولاه بدرا (١). فعاد عبد الرحمن إلى قرطبة مسرعاً، ثم غادرها تواً إلى لقاء الثوار، فالتقى بهم في وادي منبس على نهر "بمبيزار" أحد فروع الوادي الكبير، ونشبت بين الفريقين في المبدأ عدة معارك محلية. ثم لجأ عبد الرحمن إلى الحيلة والخديعة، فعهد إلى جماعة من وجهاء البربر من جنده، أن يتصلوا بزملائهم البربر من جند العدو، وأن يقنعوهم بخطأ تصرفهم في نصرة اليمنية، وأنه إذا تغلب عليه العرب، كانت العاقبة وبالا عليهم أيضاً، فانسل الرسل إلى معسكر العدو تحت جنح الظلام، وخاطبوا أبناء جنسهم بما تقدم، وأخذوا عليهم العهود والمواثيق. وفي اليوم التالي نشبت بين الفريقين موقعة عامة. فنكث البربر وتقاعدوا عن القتال، فهزم الثوار شر هزيمة، وكثر القتل في جموعهم حتى قتل منهم زهاء ثلاثين ألفا (٢). وهلك معظم الزعماء الثائرين، وفر عبد الغافر وركب البحر إلى المشرق، وقرن عبد الرحمن ظفره باجراء دموي آخر، إذ قبض على ثلاثين من وجهاء إشبيلية ممن كانوا في جيشه وأمر بهم فأعدموا (سنة ١٥٧ - ١٥٨ هـ). وفي العام التالي عاد عبد الرحمن إلى مطاردة الفاطمي، فالتجأ الثائر إلى الجبال كعادته، ولم يجد عبد الرحمن سبيلا إلى اللحاق به، فغزا قورية وأثخن في تلك الأنحاء، وكان أمر الفاطمي قد ضعف خلال هذه الأعوام وتضاءل جمعه، ولكنه لبث يسيطر على شنت برية وماردة، ولبثت دعوته خطرا يهدد سلام الأندلس. فوجه عبد الرحمن لقتاله في العام التالي حملة قوية أخرى بقيادة تمام ابن علقمة وعبيد الله بن عثمان، فلقيهما الفاطمي ووقعت بينهما معارك شديدة، رجحت فيها كفته، ثم التجأ إلى حصن شبطران بقرب شنت برية، فحاصره تمام وعبيد الله مدى أشهر، ولم يظفروا منه بطائل، فعادا إلى قرطبة، وخرج الفاطمي عل أثر عودهما إلى شنت برية، ونزل بقرية من أعمالها تسمى قرية العيون،

стр. 165

وهنالك ائتمر به اثنان من أصحابه هما أبو معن داود بن هلال وكنانة بن سعيد، وانقضا عليه ذات يوم وقتلاه، واحتزا رأسه وحملاها إلى عبد الرحمن في قرطبة، وبذلك انفضت جموعه، وخبت ثورته، بعد أن لبثت زهاء عشرة أعوام تحمل الدمار والسفك إلى شرقي الأندلس وغربيها، وتهدد سلطان عبد الرحمن بشر العواقب، وحققت الخيانة في لحظة واحدة ما لم تحققه الحملات والبعوث المتعاقبة في أعوام طويلة. ولعل هذه الضربة الناجعة لم تكن بعيدة عن أصبع عبد الرحمن أو وحيه، وقد كانت الخيانة والجريمة من بعض أسلحته في مقارعة خصومه، وكانتا تحققان له في بعض الأحيان من الظفر ما لا تحققه أى الوسائل. وكان مصرع الفاطمي وانتهاء ثورته سنة ١٦٠هـ (٧٧٦ م) (١).

стр. 166

الفصل الرابع موقعة رونسفال أو باب شزروا الثورة في الشمال. تحالف ابن يقظان والي برشلونة والحسين الأنصاري والي سرقسطة. هزيمة جيش عبد الرحمن وأسر قائده. سعي ابن يقظان لدى ملك الفرنج واستدعاؤه لغزو اسبانيا. تلبية شارلمان للدعوة. اتصال الزعماء الخوارج بالفرنج. سياسة الفرنج في تشجيع الثورة في الأندلس. صلة الخلافة العباسية بهذه السياسة. الصراع بين الأندلس والفرنج. اللون الديني لهذا الصراع. أقوال الروايات اللاتينية في تأييد هذه الخاصة. مسير شارلمان إلى اسبانيا. اختراقه لنافار وحصاره لبنبلونة. مقاومة البشكنس. سقوط المدينة في يد الفرنج. مقدم سليمان وتسليمه للرهائن. زحف شارلمان على سرقسطة. مقدم بقية الجيش الفرنجي. تطور الحوادث. تحول الحسين وامتناعه بسرقسطة. فشل شارلمان في أخذها. اعتقاله لسليمان وارتداده. بواعث هذا الارتداد الفجائى. عود شارلمان إلى مهاجمة بنبلونة وتخريبها. بدء المسير للعود. عيشون ومطروح ولدا سليمان. تحالفهما مع الحسين الأنصاري. سيرهما في قواتهما في أثر الفرنج. مسير شارلمان إلى البرنيه. أبواب البرنيه. رونسفال أو باب شزروا. مفاجأة الجيش الفرنجي وفصل مؤخرته. من هم الذين هاجموه. المسلمون أم البشكنس. المسلمون هم الذين دبروا الهجوم. معاونة البشكنس. وصف الرواية اللاتينية للهجوم. تمزيق مؤخرة الجيش الفرنجي. مصرع الفرسان والسادة الفرنج. أنشودة رولان وبعدها عن التاريخ الحق. مكانتها في أدب الفروسة. لماذا لم ينتقم شارلمان لهزيمته. مقارنة بين الروايتين العربية واللاتينية. في ذلك الحين كانت ثمة حوادث هامة أخرى تقع في شمال الأندلس. وقد تتبعنا ثورة الفاطمي والبربر إلى نهايتها حرصا على صلة الحديث. ونعود الآن بضع سنين إلى الوراء. ففي سنة ١٥٧ هـ (٧٧٤ م) ثار سليمان بن يقظان الكلبي (أو الأعرابي) والي برشلونة (أو برشنونة) (١) وجيرونة (جيرندة)، والحسين ابن يحيى الأنصاري والي سرقسطة، وهو من ولد سعد بن عبادة، وتحالفا على قتال عبد الرحمن وخلعه. وكان استمرار الثورة في الجنوب، وانشغال عبد الرحمن الدائم بقمعها، وطبيعة الشمال الجبلية ومنعته، مما يذكي عوامل الثورة في الولايات الشمالية، ويشجع مشاريع الزعماء الخوارج. وكان عبد الرحمن يشتغل يومئذ بمقاتلة الفاطمي، فأرسل إلى الشمال جيشاً بقيادة ثعلبة بن عبيد الجذامي، فهزمه

стр. 167

سليمان وأسره وتفرق جيشه (١٥٨هـ - ٧٧٥ م) (١). واستفحل أمر الثورة في الشمال، ولكن زعماء الثورة وعلى رأسهم سليمان بن يقظان لم يطمئنوا إلى ذلك النصر المؤقت لما يعلمونه من عزم عبد الرحمن وبأسه وروعة انتقامه، ففكروا في الاستنصار بملك الفرنج. وسار سليمان (وتسميه الرواية اللاتينية ابن الأعرابي) مع نفر من صحبه الخوارج، إلى لقاء شارلمان أو كارل الأكبر في ربيع سنة ٧٧٧ م (١٦٠هـ)؛ وكان يومئذ يقيم بلاطه في مدينة بادربورن من أعمال وستفاليا (شمال غربي ألمانيا)، ويعقد الجمعية الكبرى، حيث كانت جموع السكسونيين المغلوبة تعمّد للنصرانية، بعد أن شتت شارلمان شملهم وفر زعيمهم فيدوكنت؛ فهنا وفد عليه سليمان وصحبه، وعرض عليه المحالفة على قتال عبد الرحمن، واقترح عليه غزو الولايات الأندلسية الشمالية، وتعهد بمعاونته، وبأن يسلمه المدن التي يحكمها هو وصحبه من قبل أمير قرطبة ولاسيما سرقسطة، وأخيراً بأن يسلمه أسيره القائد ثعلبة بن عبيد. وتضيف الرواية اللاتينية إلى ذلك أنه كان مع ابن الأعرابي ولد ليوسف الفهري حاكم الأندلس السابق جاء ومعه صهره ليسعيا كذلك إلى خلع عبد الرحمن، وتقول الرواية الإسبانية النصرانية، إن الذي دعا شارلمان إلى غزو اسبانيا هو ألفونسو أمير إمارة ليون النصرانية (جليقية). ولكن الروايتين العربية والفرنجية (اللاتينية) كلتاهما صريحة في أن الدعوة جاءت من سليمان بن يقظان (الأعرابي) وحلفائه. والرواية العربية تقول لنا بمنتهى الوضوح، إن سليمان استدعى قارله (كارل أو شارلمان) ملك الفرنج إلى بلاد المسلمين، ووعده بتسليم برشلونة أوسرقسطة (٢). وتوافق الرواية اللاتينية على ذلك، وتزيد أن سليمان

стр. 168

وحلفاءه أعلنوا خضوعهم لملك الفرنج وانضواءهم تحت حمايته (١). ولبى ملك الفرنج دعوة الثوار المسلمين ووافق على عروضهم. وبعث إليه سليمان بأسيره ثعلبة بن عبيد قائد عبد الرحمن، عنواناً للثقة والتحالف، فسجن في إحدى القلاع الفرنسية. وفي رواية أخرى أنه سلمه إليه عقب مقدمه إلى اسبانيا. وعلى أى حال فقد كان حصول هذا الأسير، وهو من خاصة عبد الرحمن وأكابر وزرائه في يد ملك الفرنج، ضربة لعبد الرحمن، ورهينة قيمة يمكن استغلالها. وكان سليمان زعيم أولئك الخوارج يعمل مستقلا لنفسه، ويرمي قبل كل شىء إلى تحطيم سيادة قرطبة، وإلى الاستقلال بما في يده تحت حماية ملك الفرنج. ولكن ملك الفرنج كانت له مشاريع أخرى. وكانت السياسة الفرنجية ترمي إلى تعضيد روح الثورة والخلاف في إسبانيا المسلمة، ولاسيما منذ انهارت سيادة الإسلام في جنوبي فرنسا وارتد المسلمون إلى ما وراء البرنيه. وبدأ تطبيق هذه السياسة منذ عهد ببين أبى شارلمان. وكان سليمان بن يقظان زعيم الثورة في الشمال يتصل بملك الفرنج منذ سنة ٧٦٠ م، أعني منذ استيلائه على أربونة واتصال الحدود الفرنجية بحدود اسبانيا المسلمة، ويسعى بهذا التحالف إلى تأييد استقلاله. وهكذا بدأت العلاثق تنتظم بين الزعماء المسلمين، الخوارج على حكومة قرطبة، وبين الفرنج المتربصين بدولة الإسلام في الأندلس، فكان الزعماء الخوارج كلما حاولوا الثورة والاستقلال بحكم مدينة أو ولاية، اتجهوا إلى الفرنج يستمدون عونهم ومناصرتهم، وكان الفرنج يسارعون إلى تلبية هذه الدعوات، ويتخذونها ذريعة للتدخل في شئون اسبانيا المسلمة، وإذكاء روح التفرق فيها، وسنرى كيف استطاع ملوك الفرنج تنفيذ هذه السياسة في فرص عديدة متعاقبة. والظاهر أن الخلافة العباسية في المشرق لم تكن بعيدة عن تأييد هذه السياسة في المغرب، والتوصل بذلك إلى مناوأة بني أمية الذين استطاعوا أن ينتزعوا هذا القطر النائي من أقطار الخلافة، ويقيموا فيه دولتهم الذاهبة على دعائم جديدة، فإن الرواية الفرنجية تحدثنا عن

стр. 169

علائق المنصور وببين وتقول لنا، إن ببين بعث في سنة ٧٦٥ م سفارة إلى بغداد، ورد المنصور بإرسال سفراء إلى ملك الفرنج وفدوا عليه بعد ذلك بثلاثة أعوام، وقضوا حينا في البلاط الفرنجي في مدينة متز (١). وسار شارلمان ولد ببين على سياسة أبيه، فكان بينه وبين الرشيد فيما بعد تلك المكاتبات والسفارات الشهيرة التي فصلتها الرواية الفرنجية أيضاً، والتي نعود إليها في مقامها المناسب. وسنرى فيما بعد، أنه في الوقت الذي كان فيه يعقد هذا التحالف بين ثوار الشمال وبين ملك الفرنج، كانت ثمة محاولات تبذل لنشر الدعوة العباسية في الأندلس حيث نزل عبد الرحمن بن حبيب الفهري المعروف بالصقلبي في تدمير يدعو للخلافة العباسية على نحو ما نفصل بعد. وكانت إسبانيا المسلمة تجوز إزاء هذا الخطر الأجنبي الذي يتربص بها ظرفا من أدق ظروفها، فقد كانت مصايرها تهتز في يد القدر، وكان الإسلام يجوز فيها معركة الحياة والموت، بعد أن كان قبل ذلك بحقبة يسيرة يتدفق إلى ما وراء البرنيه بقوة، ويسود معظم أنحاء فرنسا الجنوبية. وكانت مملكة الفرنج بالعكس قد توطدت دعائمها، وانتزعت من الإسلام كل معاقله في فرنسا، بعد أن لبث مدى حين يزعجها ويهدد وجودها. وبينما اجتمعت كلمة الفرنج بزعامة الأسرة القارلية القوية، إذا بالإسلام في اسبانيا تعصف به ريح التفرق من كل صوب وتمزقه شر ممزق، وإذا بالأندلس تغدو بركانا من القلاقل والحروب الأهلية. وكان كارل الأكبر (شارلمان) مذ ولي العرش (سنة ٧٦٨ م) يشغل عن التدخل في اسبانيا المسلمة، بمحاربة القبائل الوثنية السكسونية فيما وراء الرين ليرد خطر اعتدائها على مملكته، وليخضعها إلى سلطانه. وكانت غزوات الأسرة القارلية تتخذ فيما وراء الرّين منذ عهد كارل مارتل، جد كارل الأكبر، لوناً دينياً عميقاً كالذي تتخذه حروب الفرنج مع العرب في غاليس. ذلك أن حروب الفرنج فيما وراء الرين كانت تتخذ مظهر حماية النصرانية، من خطر الوثنية المتدفق من المشرق، وكانت حروبهم في غاليس تتخذ مظهر حماية النصرانية، من وثبات الإسلام المتدفق من الجنوب. وكانت الكنيسة روح هذه المعارك توحي بها وتذكيها، إلى جانب شهوة الظفر والفتح. فلما ظفر الفرنج برد تيار الإسلام إلى ما وراء البرنيه، واستولوا

стр. 170

على جميع ثغوره ومعاقله في فرنسا، وفترت تلك النزعة الدينية العميقة، التي جعلت غاليس مدى نصف قرن مسرحا لصراع العرب والفرنج، بقيت الأطماع والبواعث السياسية، تحفز الفرنج إلى قتال الإسلام ومطاردته، وانتزاع اسبانيا أو على الأقل ولاياتها وثغورها الشمالية من قبضته، لتكون معقلا لدرء فورانه ووثباته من الجنوب. وتشير الروايات اللاتينية إلى غايات السياسة الفرنجية من التدخل في شئون اسبانيا المسلمة، وتحدثنا عن هذا المزج بين الغايات الدينية والدنيوية. فأما عن الناحية السياسية فإن إجنهارت مؤرخ شارلمان يقول لنا إن الحملة التي نظمها الملك الفرنجي إلى اسبانيا كان يقصد بها مهاجمة قرطبة. وإنه ليبدو من ضخامة الجيش الذي حشده شارلمان، أن الأمر لم يكن متعلقا فقط بالاستيلاء على المدن التي وعد سليمان بن يقظان بتسليمها، وأن شارلمان كان يرمي بالعكس إلى السيطرة على اسبانيا كلها، أو على الأقل نصفها الشمالي. ويقول لنا "أبَدَال " وهو مؤرخ حملة شارلمان الإسبانية، إن الأمر لم يكن متعلقا بغاية دينية قوامها تحطيم دولة " كافرة " ولكن الحملة كانت ترمي إلى غاية سياسية قوامها أن يوضع حد لأخطار الغزوات الإسلامية لفرنسا. ويرى الأستاذ بيدال أن شارلمان لم تكن له غاية دينية خالصة في أية حملة من حملاته، وأن الباعث كان دائماً سياسياً، ولكنه يبطن في ثنيته الغاية الدينية. ذلك لأن المشكل الوحيد لإخضاع شعب " كافر " هو حمله على اعتناق النصرانية، وهذا ما وقع بالنسبة لحملات شارلمان ضد " الأفار " (١)، وضد " السكسونيين ". ومن ثم فقد كان مسير شارلمان إلى اسبانيا يبطن الغاية الدينية إلى جانب الغاية السياسية، وهذا ما تؤيده الرواية اللاتينية Anales Mettenses، التي كتبت في حياة شارلمان، وفيها "أن كارلوس قد هزته شكاوى النصارى الإسبان الذين نكل بهم المسلمون فسار بجيشه إلى هنالك ". ويضيف الأستاذ بيدال إلى ذلك " انه وإن كان الإسلام يتسم حقا بالتسامح، إلا أن النصارى واليهود في اسبانيا كانوا يعانون ضغطا وإرهاقا في ظل الحكومة الإسلامية، ومن ثم فقد كان للنصارى المستعربين

стр. 171

أن يستقبلوا شارلمان كمحرر لهم ". وتؤيد هذه النزعة الدينية للحملة، روايات لاتينية كثيرة أخرى معاصرة ولاحقة. بيد أن أقطع دليل على روح الحملة الدينية هو أن شارلمان قد أبلغ البابا هادريان بأمرها قبل أن يضطلع بها، وأن البابا بارك عزيمته ووعده بإقامة الصلوات، لكى يعود ظافرا إلى مملكته (١). وكان كارل حينما استدعاه الخوارج المسلمون لغزو اسبانيا، قد انتهى من الحرب في سكسونية، وهزم القبائل الوثنية الجرمانية، وأخضع زعيمها القوي " فيدوكنت " وألجأه إلى الفرار، فجاءت الدعوة إليه في وقت ملائم. وانتظر كارل حتى مضى الشتاء، ثم سار إلى الجنوب وقت أعياد الفصح في أكوتين على مقربة من بوردو. وفي فاتحة ربيع سنة ٧٧٨ م، جمع قواته المؤلفة من فرنج نوستريا ومن الجرمان واللونبارد وفرق من بريتانيا وأكوتين، واخترق ولاية أكوتين، وقرر أن يفتتح الغزوة الإسبانية توا حتى لا يفاجئه الشتاء، وقسم جيشه الضخم إلى قسمين، عبر أحدهما جبال البرنيه من الناحية الشرقية، وعبرها القسم الثاني بقيادة كارل نفسه من الناحية الغربية، من الطريق الروماني القديم فوق آكام "جان دى لابور" الشاهقة التي تشرف على مفاوز رونسفال الوعرة، على أن يجتمع الجيشان على ضفاف نهر الإيبرو أمام سرقسطة حيث يلتقي شارلمان بحلفائه المسلمين. وكان عبوره لجبال البرنيه من " باب الشزرى " في شهر أبريل على الأرجح. واخترق شارلمان بلاد البشكنس أو نافار الحديثة، وحاصر عاصمتها بنبلونة، وهي قلعة النافاريين، واستولى عليها بعد قليل. وقد كان أولئك النافاريون دائماً شعبة خاصة من " البشكنس "، وكانت بنبلونة دائما مدينة البشكنس منذ أيام سترابون (٢). وقد كان البشكنس دائما يحاولون الاحتفاظ باستقلالهم منذ أيام القوط، وكثيراً ما لجأوا في سبيل ذلك إلى الخروج والعصيان، والامتناع بهضابهم وجبالهم الشاهقة. وكان هذا شأنهم حينما وفد شارلمان بقواته الضخمة، فقد كانوا يحرصون على هذا الاستقلال، ولا يودون الخضوع لأية جهة، لا إلى الفرنج، ولا إلى مملكة (جليقية)، ولا إلى إمارة قرطبة الإسلامية. ومن ثم فقد اضطر شارلمان إلى محاصرة بنبلونة وأخذها بالعنف. وهنا تبرز هذه الحقيقة، وهي

стр. 172

أن شارلمان بغزو بلاد البشكنس، كان يحارب أمة من النصارى، وهو في ذلك لم تكن تحدوه سوى بواعث السياسة والفتح. ولم تكن النزعة الدينية خاصة بارزة في تلك الغزوة. أما الجيش الفرنجي الذي اخترق شرقي البرنيه، فقد كان يسير في منطقة يسيطر عليها الفرنج، مذ تقلص عنها سلطان المسلمين، منذ أيام ببين والد شارلمان، ومن ثم فقد كان يخترق بلادا صديقة، يرحب أهلها بمقدمه، أملا في عونه وحمايته. وتقول لنا بعض الروايات اللاتينية (١) إن سليمان بن يقظان (ابن الأعرابي)، كان يتردد عندئذ بانتظام على بنبلونة، وإنه وفقا لتعهداته سلم الرهائن إلى شارلمان، وإنه قد وفد كذلك على بنبلونة أبو ثور بن قسي حاكم وشقه، وقدم أخاه وولده رهينة، وقد بقيت هذه الرهائن في معسكر شارلمان حتى وقعت النكبة. بيد أنه توجد روايات أخرى مفادها أن الرهائن سلمت فيما بعد، حين وفود شارلمان على سرقسطة. وعلى أى حال، فقد سار شارلمان بعد استيلائه على بنبلونة ومعه سليمان إلى سرقسطة (٢)، وهي معقد المشروع كله حسبما اتفق عليه في بادربورن؛ وكان القسم الآخر من الجيش، قد اخترق في تلك الآونة منطقة جيرندة (جيرونة) وبرشلونة، واتجه غربا إلى سرقسطة حيث انضم إلى القوات التي يقودها شارلمان، وكان شارلمان، يعتقد حينما سار إلى سرقسطة أنه سيلقى هناك حلفاءه المسلمين على أهبة لمعاونته وتحقيق رغباته في الاستيلاء على المدينة الكبرى. ولكن الحوادث كانت تطورت عندئذ، ودب الخلاف بين الخوارج المسلمين. وكان الحسين بن يحيى الأنصاري والي سرقسطة حليف سليمان منذ البداية، وكان عضده في مشروعه لاستدعاء الفرنج، وبالرغم من أنه لم يذهب إلى بادربورن، ولا إلى بنبلونة، فقد كان موافقاً على الحلف الذي عقده سليمان مع شارلمان، وعلى العهود التي قطعها له. والظاهر أن الحسين نقم على سليمان موقف الصدارة والزعامة الذي اتشح به إزاء الفرنج، فنشبت بينهما الخصومة، أو أنه خشي عاقبة التورط في حلف الفرنج. فعدل موقفه في آخر لحظة حينما شعر بمسير الفرنج إلى مدينته والظاهر أيضاً أنه لم يكن في سرقسطة حينما أقبل إليها الجيش الفرنجي؛ إذ تقول

стр. 173

لنا الرواية الإسلامية، إنه سبق إليها سليمان، وتحصن بها، فلما أشرف شارلمان مع حليفه سليمان على سرقسطة، رفض الحسين أن يستقبله، وألفى المدينة محصنة متأهبة للدفاع والمقاومة، فعبر نهر الإيبرو إلى الضفة الأخرى، وقدم إليه سليمان رهائن عدة من الأعيان والأكابر، وفي مقدمتهم ثعلبة بن عبيد قائد عبد الرحمن وكان أسيرا لديه حسبما تقدم. ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئا لإقناع الحسين بفتح أبواب سرقسطة، ولم يستطع شارلمان من جهة أخرى الاستيلاء عليها، وردت المدينة المحصورة كل هجماته بشدة (١)، وعجز سليمان أن يحقق شيئا من وعوده في تسليم المدن والحصون الواقعة في تلك المنطقة. ولم يشأ ملك الفرنج أن يخوض في تلك الوهاد والهضاب الصعبة معارك لم يتأهب لخوضها، وارتاب من جهة أخرى في نية سليمان وموقفه، فقبض عليه (٢)، وارتد بجيشه نحو الشمال الشرقي في طريق العودة. وكان ذلك في شهر يوليه سنة ٧٧٨ م (شوال سنة ١٦١هـ). بيد أن هذه الوقائع ينقصها شىء من الوضوح. ذلك أنه لم تقع بين الفريقين معارك ذات شأن. فهل ارتد ملك الفرنج من تلقاء نفسه، أم اضطر مرغماً إلى الارتداد لبواعث وأسباب لا نعلمها؟. يقول الأستاذ بيدال " إن الانسحاب لا شك فيه. ولكن فشل حملة الملك الفرنجي لا تفسرها لنا هجمات المحصورين. إذ كيف يرتد هذان الجيشان الفرنجيان اللذان يضمان هذه الجموع من جند بريتانيا ونوستريا وبافاريا ولومبارديا؟ وكيف يرتد كارل وهو في عنفوان قوته بهذه السهولة؟ كيف يرتد هذا العاهل القوي وجيشه العظيم ما يزال سليما لم يمس، دون أن يخضع الحسين، ودون أن يفتتح أواسط إسبانيا؟ " (٣). إن الروايات اللاتينية تحاول أن تلقى الضوء على ذلك الغموض؛ فيقول لنا " أبدال " السالف الذكر، إن شارلمان قدر أنه قد يجد نفسه وحيدا في قلب شعب معاد، مع صعوبة التموين لجيشه العظيم. بيد أنه يوجد تعليل آخر أقوى وأوضح، تقدمه إلينا رواية لاتينية أخرى في نصها الآتي: " إن السكسون المارقين حينما

стр. 174

علموا أن الملك كارلوس في منطقة سرقسطة، قد شقوا الطاعة، وخربوا وأحرقوا الأراضي حتى ضفاف الرين. ونمى ذلك إلى كارلوس وهو في اسبانيا، فلما وقف عليه عاد مسرعاً إلى فرنسا " (١). وربما كان في ذلك خير تفسير لانسحاب شارلمان، وتركه سرقسطة لمصيرها. ارتد شارلمان على رأس قواته المجتمعة وفي ركابه سليمان أسيره وعدد من الرهائن وسار شمالا نحو بلاد البشكنس. وكان النافاريون في تلك الأثناء قد جمعوا فلولهم، واعتزموا الدفاع عن حاضرتهم بنبلونة وعن حرياتهم التالدة، خصوصا وقد شجعتهم وقفة سرقسطة وصاحبها الحسين ضد الملك الفرنجي، وانضم إليهم كثير من المسلمين من أبناء الأنحاء المجاورة، للتعاون في دفع العدو المشترك؛ ولكن شارلمان هاجم بنبلونة بعنف، ولم تجد بسالة النافاريين وحلفائهم المسلمين شيئا، فتركوا المدينة، وتفرقوا في مختلف الأنحاء؛ واستولى شارلمان على بنبلونة للمرة الثانية، وهدم حصونها وأسوارها حتى لا تعود إلى المقاومة إذا عاد إلى تلك الأنحاء، ولكي يمهد لجيشه طريق العود المأمون إلى فرنسا. وغادر شارلمان بنبلونة متجهاً إلى جبال البرنيه من طريق هضاب رونسفال المؤدية إلى باب الشزري. فما الذي حدث عندئذ؟ تقول الرواية العربية إن شارلمان " لما أبعد من بلاد المسلمين واطمأن، هجم مطروح وعيشون إبنا سليمان في أصحابهما، فاستنقذا أباهما ورجعا به إلى سرقسطة " (٢). وفي هذه الكلمات القليلة تشير الرواية العربية إلى النكبة الهائلة التي أصابت الجيش الفرنجي أمام باب الشزري والتي تقدم إلينا الروايات اللاتينية اللاحقة تفاصيلها. والظاهر أيضا من الرواية العربية أن ولدي سليمان، حينما قبض شارلمان على أبيهما، عادا إلى الاتفاق مع الحسين بن يحيى على مقاومة الفرنج، وجمعا في الحال قوات أبيهما وأتباعه، وسارا بجيشهما في أثر ملك الفرنج يحاولان مهاجمته وإنقاذ أبيهما من أسره. وكان شارلمان في ذلك الحين قد غادر بنبلونة بعد تخريبها متجهاً صوب جبال البرنيه، ليعبرها كرة أخرى إلى فرنسا، وكان عبوره من نفس الطريق التي أتى منها، أعني من مفاوز رونسفال. ويقع ممر رونسفال Roncesvalles،

стр. 175

الذي يسمى بالعربية " باب شيزروا " (١)، أو باب الشزري، في طرف البرنيه الغربي شمال شرقي بنبلونة، وعلى قيد عشرين كيلومتر منها، وهو أحد ممرات عدة كانت تستعمل منذ عهد الرومان لاختراق البرنيه من الشمال أو الجنوب. وهي نفس الممرات أو الأبواب التي كان يستعملها العرب للعبور إلى غاليس (٢). وقد لبثت هذه الجبال الوعرة الشاهقة على ممر القرون حاجزا منيعا يفصل بين شبه الجزيرة الإسبانية وبين غاليس، ولا يتأتى للغزاة، عبوره إلا خلال هذه الممرات الشهيرة. ففي مفاوز رونسفال الوعرة، وتجاه ممر البرنيه المسمى بهذا الاسم أعني باب شيزروا، وقعت المفاجأة الهائلة. ذلك أن الجيش الفرنجي ما كاد يبدأ عبور الجبال، حتى أشرف المسلمون بقيادة عيشون ومطروح على مؤخرته، وهاجموه بشدة رائعة، وفصلوا عنه مؤخرته، وانتزعوا منها الأسلاب والأسرى، وفيهم سليمان بن يقظان. والرواية العربية صريحة في أن المسلمين هم الذين دبروا هذا الهجوم الفجائي، على مؤخرة الجيش الفرنسي، ولكن بعض الروايات اللاتينية التي تتحدث عن الموقعة، تقول لنا إن الذين

стр. 176

هاجموا مؤخرة شارلمان حين ارتداده، هم البشكنس النصارى انتقاما لما أنزله الفرنج ببلادهم وعاصمتهم بنبلونة من العيث والتخريب. وإليك ما تقوله هذه الرواية: " إن شارلمان عاد من سرقسطة إلى بنبلونة، وهدم أسوار هذه المدينة من أساسها لكي لا تستطيع الثورة عليه وقرر العودة، وبدأ يجوز شعب البرنيه. وهنا، وفي أرفع نقطة هجم البشكنس، وقد كانوا يكمنون في المؤخرة، وأوقعوا الخلل في الجيش كله، فساده أيما اضطراب وجلبة، وبالرغم من أن الفرنج أبدوا تفوقهم على البشكنس، سواء في السلاح أو الروح المعنوية، فقد بقوا هم الأضعف بسبب رداءة الموقع وعدم التكافؤ في وضع المعركة " (١). وهنا يحق لنا أن نتساءل إزاء هذا التناقض بين الروايتين، من هم الذين دبروا هذا الهجوم على مؤخرة الجيش الفرنجي؛ أهم المسلمون وحدهم حسبما تقرر الرواية العربية، أم هم البشكنس وحدهم حسبما تقرر الرواية الفرنجية؟ يقول الأستاذ بيدال، إنه لمن غير المعقول، بل ومن المستحيل أن يقوم البشكنس وحدهم بمهاجمة مؤخرة جيش عظيم كجيش شارلمان، والأكثر احتمالا هو أنهم يبحثون عن العون ضد المعتدي الخارجي، وإنه لكذلك من غير المعقول أن يستطيع إبنا سليمان وحدهما انتزاع الأسرى من الجيش الفرنجي، وذلك في الأرض المكشوفة ما بين سرقسطة وبنبلونة، وإنه لا يمكن الاعتقاد بأي حال بأن يسمح جيش شارلمان لنفسه أن يُفاجأ مرتين في أيام قليلة، وإذا فلا بد أن البشكنس والمسلمين معاً قد فاجأوه في شعب البرنيه: البشكنس الذين أثارهم تخريب بنبلونة، والمسلمون الذين يحاولون استنقاذ ابن الأعرابي والرهائن (٢). ثم يقول العلامة الإسباني " إنه باستعراض سائر الروايات يبدو أن هناك حقيقة تاريخية، وهي أن المسلمين تعاونوا مع البشكنس في موقعة باب الشزري؛ وأن أنشودة رولان، وهي مستمدة من أناشيد معاصرة للنكبة، هي أصح من الرواية اللاتينية Anales Regios". ونقول نحن إن هذا الاستعراض لمختلف الروايات يدلي بأن المسلمين هم الذين دبروا الهجوم على مؤخرة الجيش الفرنجي، وإنه

стр. 177

خريطة: مواقع غزوة شارلمان لسرقسطة ومعركة باب الشزري.

стр. 178

فيما يرجح قد اشتركت معهم جموع كبيرة من البشكنس في هذا الهجوم، وإن مضمون أنشودة رولان حسبما نقدمه بعد، يؤكد هذا الاستنتاج في إسناد الدور الرئيسي في الموقعة إلى المسلمين. وقد وصفت لنا إحدى هذه الروايات اللاتينية، تعاون المسلمين والبشكنس في الهجوم، وفيها " أن جيش شارلمان كان يتكون من خمسة آلاف فارس من ذوي الأسلحة الثقيلة وعدد مماثل من المشاة، وأن المؤخرة كانت تتكون من ألف فارس ومعها دواب الحمل، وأن الكمين وقع في الأماكن الصاعدة من الطريق المعبد. وقد تعاون بشكنس بنبلونة والمسلمون ولاسيما مطروح وعيشون ولدي ابن الأعرابي، وكان هذا التحالف ضرورياً، لأن المسلمين كانوا في حاجة إلى المعرفة الدقيقة لهذه الوهاد وهو ما يتقنه البشكنس، وكان البشكنس بحاجة إلى مقدرة المسلمين في التنظيم العسكري، وهما معاً قد استطاعا أن يسحقا مؤخرة هذه الصفوف التي ارتجت لها سائر إسبانيا " (١). وقع هذا الهجوم الفجائي من المسلمين على مؤخرة الجيش الفرنجي بمعاونة ْالبشكنس، فأسفر عن أروع نتيجة يمكن تصورها. ذلك أن الفرنج لم يحسنوا الدفاع عن أنفسهم في تلك الشعاب الضيقة المنحدرة. وقد فصلت مؤخرة الجيش الفرنجي، وانتزعت منها الأسلاب والأمتعة وفي مقدمتها الخزانة الملكية، وكذلك الرهائن، وفي مقدمتهم سليمان، ومزقت المؤخرة نفسها شر ممزق، وهلك خلال المعمعة الهائلة عدد عظيم من سادة الجيش الفرنجي وفرسانه، ولم تسمح المفاجأة المذهلة بأى عمل أو محاولة منظمة لإنقاذ الفرق المنكوبة. وكانت نكبة مروعة لبث صداها يتردد مدى عصور في أمم الغرب والنصرانية. وتضع الرواية الفرنجية تاريخ الموقعة في ١٨ أغسطس سنة ٧٧٨ (ذى القعدة سنة ١٦١هـ) (٢). وقد رأينا فيما تقدم كيف تقنع الرواية العربية بالإشارة إليها في

стр. 179

عبارات موجزة، وإن كانت مع إيجازها في منتهى الدقة، وكيف أن الرواية اللاتينية الفرنجية والكنسية تفيض بالعكس في تفاصيلها إفاضة واضحة، وقد أشرنا فيما تقدم إلى بعض هذه الروايات التي اقتبسنا بعض نصوصها، وربما كانت رواية إجنهارت (أينهارت) مؤرخ شارلمان، عن الموقعة، هي أدق هذه الروايات وأوثقها، فقد كتبت في سنة ٨٢٩ م بعد وفاة شارلمان بقليل، واعتمد فيها على كثير من أقوال المعاصرين وشهود العيان. وهو يفصل لنا حوادثها ويذكر من هلك فيها من الأمراء والسادة، ومنهم إيجهارد رئيس الخاص، وأنسلم محافظ القصر، وهردولاند حاكم القصر البريتاني، وكثير من الرؤساء ورجال الخاص والحاشية. وهردولاند، هو رولان Roland بطل الأنشودة الشهيرة، التي نظمت فيها بعد عن هذه الموقعة، واستمدت من أناشيد معاصرة لها، والتي ما زالت أثراً خالداً لقريض الفروسية في العصور الوسطى. بيد أن أنشودة رولان تنحرف في كثير من مناحيها إلى الأسطورة. وقد اتخذت الأسطورة من حوادث الموقعة موضوعا لقصة حربية حماسية حرفت فيها الوقائع الأصلية أيما تحريف، ولكنها تستبقي مكان الموقعة، وبعض أشخاص التاريخ. وقد رأينا أن نورد فيما يلي خلاصة هذه القصة أو الأنشودة الشهيرة: " غزا شارلمان إسبانيا، ولبث يحارب فيها سبعة أعوام، حتى افتتح ثغورها ومدنها، ما عدا سرقسطة، وهي معقل الملك العربي مارسيل. وكان يعسكر بجيشه بجوار قرطبة، حين جاءته رسل مارسيل يعرض عليه الطاعة، بشرط أن يجلو الفرنج عن إسبانيا، فعقد شارلمان مجلسا من البارونات ومنهم رولان ابن أخيه. وكان رولان يرى أن تستمر الحرب، ولكن فريقاً آخر من السادة برآسة جانلون كونت مايانس، كان يرى الصلح والمهادنة، فغلب رأي هذا الفريق، لأن الفرنج سئموا الحرب والقتال، وأرسل جانلون إلى الملك مارسيل ليعقد معه شروط الهدنة. فأغراه مارسيل واستماله بالتحف والذخائر، واتفق معه على الغدر برولان وفريقه. ثم عاد إلى شارلمان وزعم أن مارسيل قبل شروط الفرنج، وبذا قرر شارلمان الإنسحاب. وتولى رولان قيادة المؤخرة. وكان معه الأمراء الإثنا عشر، وزهرة الفروسية الفرنجية. ولما وصل الجيش إلى قمة الممرات الجبلية رأى أوليفر أحد الأمراء، جيشاً من العرب، يبلغ أربعمائة ألف مقاتل.

стр. 180

فتضرع إلى رولان أن ينفخ في بوقه ليدعو شارلمان إلى نجدته، فأبى رولان، وانقض الجيش المهاجم على مؤخرة الفرنج، ونشبت بينهما عدة معارك هائلة. واستمر رولان يأبى طلب النجدة حتى مزق جيشه ولم يبق منه سوى ستين رجلا، وعندئذ نفخ في بوقه يدعو شارلمان: ثم قتل بقية أصحابه، ولم يبق سوى رولان وأوليفر واثنين آخرين. ولما شعر العرب أن شارلمان سيرتد بجيشه لقتالهم، قرروا الانسحاب. وكان زملاء رولان الثلاثة قد قتلوا، وأثخن رولان نفسه جراحا حتى أشرف على الموت. ولكنه استطاع أن ينفخ في بوقه مرة أخرى قبل أن يموت، وأن يسمع صرخة شارلمان الحربية، وسمع شارلمان صوت البوق على بعد مراحل عديدة. فعاد مسرعا وطارد جيش العدو وسحقه. ودفن الفرنج قتلاهم، وعوقب جانلون الخائن أروع عقاب. وتوفيت ألده، خطيبة رولان حينما علمت بموته ". هذه هي خلاصة القصة التي ترددها أنشودة رولان الشهيرة. وهي أبعد ما يكون عن وقائع التاريخ الحق. بيد أنها تتخذ مادتها من بعض هذه الوقائع، ومن الذكريات والروايات الشفوية المتناقلة، والأناشيد الحربية المعاصرة. وهي نورمانية الأصل، ظهرت لأول مرة في القرن الحادي عشر، أعني بعد الموقعة بنحو ثلاثة قرون، ودونت أولا في بعض القصص اللاتينية، ثم دونت بالنظم في ملحمة طويلة تبلغ أربعة آلاف بيت بعنوان " أنشودة رولان " Chanson de Roland ولبثت تعتبر مدى عصور من أعظم الآثار الأدبية، ومن روائع القريض الحربي. وكانت حوادث هذه الموقعة الشهيرة مستقى خصبا لكثير من الكتاب والشعراء، وكانت بالأخص مستقى لقصص الفروسية والملاحم الحماسية المغرقة، التي تملأ فراغا كبيرا في الأدب الفرنجي في العصور الوسطى (١). ومما يلفت النظر في حوادث الموقعة أن شارلمان، لم يحاول بعد أن أفاق من الصدمة الأولى، أن يعجل بالانتقام لنكبة جيشه ومقتل فرسانه، وأن يعود فيطارد تلك العصابات التي تحدته واجترأت عليه سواء من المسلمين أو البشكنس.
следующие страницы →