← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وسار إلى غرناطة، وأقام بها مدى حين " ريثما تلاحقت حشوده وتأهبت متطوعته وجنوده ". وتقدر الرواية الجيوش المرابطية الغازية هذه المرة، بنيف ومائة ألف فارس وثلاثمائة ألف راجل. وهو تقدير يحمل طابع المبالغة. ولما تكاملت الحشود، سار علي في قوات ضخمة، صوب قرطبة، فأقام بها شهراً يضع خططه، ويستكمل أهباته. ثم غادر قرطبة على رأس قواته، وعبر جبال الشارات (سييرّا مورينا) ثم جبل طليطلة، وانقض المرابطون كالسيل على أراضي ولاية طليطلة، فعاثوا فيها وانتسفوا زروعها، وخربوا ديارها، وسبوا كثيراً من ْالسكان، واستولوا على كثير من القلاع والحصون، وهبت ريح من الرعب والروع على النصارى في تلك الأنحاء. وتقول لنا الرواية الإسلامية إن المرابطين ساروا أولا إلى مدينة طلبيرة الواقعة على نهر التاجُه غربي طليطلة، واقتحموها عنوة، وقتلوا معظم سكانها النصارى. واستنقذوا من كان بها من أسرى المسلمين، ولجأت جماعة من النصارى الذين بها إلى القصبة، ثم تسربوا منها ليلا إلى النهر ناجين بأنفسهم، فاستولى المرابطون على القصبة، وانتهبوا سائر ما في المدينة من السلاح والمتاع، وردوا كنيستها كما كانت جامعاً، وندب لها أمير المسلمين والياً من قبله، ورتب بها حامية قوية. ويضع ابن القطان تاريخ اقتحام المرابطين لطلبيرة في منتصف شهر المحرم سنة ٥٠٣ هـ، ولكن المرجح أنه وقع بعد ذلك بنحو شهر أو شهرين، إذ كان عبور أمير المسلمين إلى شبه الجزيرة حسبما تقدم في منتصف المحرم (١). وافتتح المرابطون من حصون أحواز طليطلة سبعة وعشرين، ثم استولوا على مجريط ووادي الحجارة، وقصدوا بعد ذلك إلى طليطلة فضربوا حولها الحصار. ولكن الرواية النصرانية تقدم إلينا تفصيلا آخر للغزوة المرابطية، فتقول لنا إن المرابطين بعد أن عاثوا في أراضي قشتالة الجنوبية، ساروا أولا إلى طليطلة، واقتحموا منيتها (ضاحيتها) الخضراء الواقعة على نهر التاجُه، وهي التي كانت من قبل جنة لبني ذى النون، ثم ضربوا الحصار حول عاصمة قشتالة، وكان يدافع عنها قائد قشتالة الأول ألبار هانيس في حامية قوية، ولم يلبث المرابطون على حصار طليطلة وفقاً للرواية الإسلامية سوى ثلاثة أيام. ثم غادروها بعد أن

стр. 1227

قطعوا ثمارها، وانتسفوا زروعها (١)، ولكن الرواية القشتالية تقول لنا بالعكس إن الحصار قد دام سبعة أيام، بذل المرابطون فيها جهوداً فادحة، وضربوا أسوارها بالمجانيق ضرباً شديداً، وحاولوا حرق بعض أبراجها، ولكن جهودهم ذهبت كلها سدى، واستطاع القشتاليون، اعتماداً على حصانة مدينتهم، وأسوارها المنيعة العالية، أن يردوا كل محاولات المرابطين، وفي اليوم السابع، خرج ألبار هانيس في قواته، واشتبك مع المرابطين في معركة شديدة، واضطر المرابطون على أثرها إلى رفع الحصار، ومغادرة المدينة بعد أن أحرقوا آلات الحصار (سنة ١١١٠ م). ثم تقول الرواية القشتالية إن المرابطين ساروا بعد ذلك إلى طلبيرة، فاقتحموها وقتلوا حاميتها، ثم ساروا من بعدها شمالا، واستولوا على مجريط ووادي الحجارة وقناليش وغيرها من قواعد هذه المنطقة. وهنا دب الوباء في الجيش المرابطي، فاضطر علي بن يوسف أن يغادر أراضي العدو، وأن يعود أدراجه إلى قرطبة. وعلى أي حال فإن الروايات المختلفة العربية والقشتالية تتفق على أن هذه الغزوة المرابطية لأراضي قشتالة، كانت من حيث ضخامة حشودها وأهباتها، واتساع نطاقها، بالغة الأثر في ردع القشتاليين ونذيرهم (٢). وعاد علي بن يوسف على أثر ذلك إلى مراكش، ولكن الغزوات المرابطية استمرت على نشاطها وشدتها، في أنحاء شبه الجزيرة. ففي نفس الوقت الذي كانت فيه الجيوش المرابطية تحت أسوار طليطلة سار جيش مرابطي زاخر بقيادة الأمير سير بن أبى بكر والى إشبيلية صوب الغرب إلى أراضي البرتغال. وكانت هذه المملكة النصرانية الجديدة الناشئة في كنف قشتالة، قد بدأت في ظل أميرها هنري البرجوني، صهر ملك قشتالة ألفونسو السادس وزوج ابنته غير الشرعية، تريسا، تنمو ويشتد ساعدها بسرعة، وكانت قاعدتها يومئذ

стр. 1228

قُلُمرية، ومن ثم فإن الرواية الإسلامية تعرف أميرها " بصاحب قُلُمرية ". وكانت يومئذ تضم عدة من القواعد الإسلامية القديمة من قواعد ولاية الغرب. فسار الأمير سير في قواته صوب بطليوس، ثم زحف على يابُرة وافتتحها على الفور، ثم قصد إلى أشبونة فاستولى عليها هي وضاحيتها شنترة، وسار بعد ذلك شمالا، واستولى على مدينة شنترين، الواقعة على نهر التاجُه، ويستفاد من الرسالة التي وجهها سير بفتح هذه المدينة إلى أمير المسلمين، وهو من إنشاء كاتبه الوزير أبى محمد عبد المجيد بن عبدون، أن المرابطين هاجموها أولا فاستعصت عليهم، فضربوا حولها الحصار حتى سلمت، وكان قد قتل من حاميتها عدد كبير، فسلم الباقون، وأسروا سائر من بها. وقد كانت شنترين، حسبما ورد في هذه الرسالة من أعظم قلاع الغرب وأكثرها موارد لوقوعها في بسيط وافر الخصب (١)، ووصل سير في زحفه نحو الشمال إلى مقربة من مدينة قلمرية عاصمة الإمارة. ولم تستطع القوات البرتغالية بقيادة الكونت هنري، دفعاً للقوات المرابطية الغازية. وكان افتتاح المرابطين لهذه القواعد الغربية في سنة ٥٠٤ هـ (١١١١ م) وتقول الرواية الإسلامية إن الأمير سير، افتتح في هذه الغزوة أيضاً مدينة بطليوس وبرتقال (٢). ولكن بطليوس كانت في أيدي المرابطين منذ انتزعوها من بني الأفطس في سنة ٤٨٨ هـ (١٠٩٤ م). وأما برتقال، وهي تعني في الجغرافية الأندلسية ثغر بورتو، فهي تقع في أقصى شمالي البرتغال، وفي شمال قُلُمرية، ومن ثم فإن المرابطين لم يصلوا في زحفهم إليها ولم يفتتحوها. ومما هو جدير بالذكر أنه على أثر هذه الغزوة، وفد على مدينة إشبيلية المنصور بن عمر المتوكل بن الأفطس قادماً من أراضي قشتالة، وكان قد سار إليها في أمواله وذخائره، والتجأ إلى ملك قشتالة ألفونسو السادس، حينما غزا المرابطون مملكة بطليوس سنة ٤٨٨ هـ، وقتلوا أباه عمر المتوكل وأخويه. وقيل إنه اعتنق النصرانية يومئذ. ولما وصل إلى إشبيلية، أخذ إلى حضرة أمير المسلمين بمراكش فكانت له لديه منزلة ملحوظة. ولم يمض قليل على ذلك حتى سارت حملة مرابطية جديدة صوب قشتالة،

стр. 1229

بقيادة الأمير أبى محمد مزدلي والي قرطبة (١)، وكان أمير المسلمين علي بن يوسف قد أسند إليه ولاية قرطبة وغرناطة منذ سنة ٥٠٥ هـ. وولى أخاه أبا الطاهر تميما والي غرناطة ولاية تلمسان بالمغرب. وعاث المرابطون في أراضي قشتالة، وخربوا ربوعها بالنار والسيف، واستولوا على حصن أرجنة أو أرلبة Oreja وقتلوا حاميته، وسبوا كثيراً من النساء والأطفال، ثم قصدوا إلى مدينة طليطلة عاصمة قشتالة، وضربوا حولها الحصار مرة أخرى (٥٠٧ هـ - ١١١٤ م). وكان ألبار هانيس قائد قشتالة الأكبر، عندئذ في منطقة قونقة، وكان قد استطاع انتزاع قونقة، من المرابطين (١١١١ م)، ولكنها لم تلبث في يد القشتاليين سوى فترة يسيرة. فلما ترامت إليه أنباء الغزوة المرابطية، وحصار المرابطين لطليطلة، هرع لمدافعتهم في جيش قوامه عشرة آلاف فارس. ونشبت بين القشتاليين والمرابطين تحت أسوار المدينة المحصورة، معارك عديدة، منى فيها كل من الفريقين بخسائر، وفقد القشتاليون وفقاً لأقوال الروايتين العربية والنصرانية سبعمائة قتيل، ولكنهم استطاعوا أن يحملوا المرابطين على رفع الحصار، بعد أن نجحوا في إحراق آلاتهم الثقيلة (٢). وتقول الرواية العربية إن ألبار هانيس حينما أقبل لنصرة مواطنيه، وسار مزدلي للقائه، فر أمامه ليلا ولم يجرأ على مقاتلته، وعاد مزدلي على أثر ذلك إلى قرطبة ظافراً، ثم تقص علينا خبر غزوة أخرى قام بها مزدلي في منطقة وادي الحجارة، وأن صاحبها " الزند غرسيس " حينما سار مزدلي لقتاله، لجأ إلى الفرار واحتوى مزدلي على محلته وسائر أثقاله وأمتعته (٣) وهي غزوة لم تشر إليها الرواية النصرانية. وتزيد الرواية العربية على ذلك أن الأمير مزدلي توفي في شوال سنة ٥٠٨ هـ (١١١٥ م) أعني في العام التالي لحصار طليطلة، وذلك أثناء غزوة قام ضد القشتاليين على مقربة من حصن مسطانية (٤) الواقع في طريق قرطبة. وكتب بنبأ وفاته إلى أمير المسلمين على بن تاشفين، فأمر بتولية ولده محمد بن مزدلي مكانه على قرطبة، وبتولية ولده عبد الله على غرناطة. ولم يمكث محمد في ولاية

стр. 1230

قرطبة سوى أشهر قلائل، ثم خرج في عسكره ليرد القوات القشتالية التي اقتربت من أراضي ولاية قرطبة، ونشب بين الفريقين قتال عنيف سقط فيه محمد بن مزدلي وعدد كبير من زعماء لمتونة منهم الأمير محمد بن الحاج، والأمير أبو إسحق ابن دانية، والأمير أبو بكر بن واسينو، وجملة وافرة من الحشم وأهل الأندلس، وذلك في مستهل صفر سنة ٥٠٩ هـ (٢٧ يونيه ١١١٥ م). ولما وصل خبر هذه النكبة إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، بادر فندب لولاية قرطبة ابن عمه الأمير أبا بكر يحيى بن تاشفين، فقدم إليها على عجل، وما كاد يستقر بها حتى حشد قواته، وسار في أثر القشتاليين صوب بياسة، ولحق به عبد الله بن مزدلي صاحب غرناطة في قواته ونشبت بين المرابطين والنصارى معركة جديدة، هزم فيها المرابطون مرة أخرى، وقتل منهم عدد جم، وذلك في اليوم الثامن والعشرين من جمادى الثانية سنة ٥٠٩ هـ (أواخر أكتوبر ١١١٥ م) (١). وكان الأمير سير بن أبى بكر اللمتوني والي إشبيلية، والقائد العام للجيوش المرابطية في إسبانيا قد توفي قبيل وفاة الأمير مزدلي بقليل في جمادى الأول في سنة ٥٠٧ هـ (١١١٤ م)، فعين مكانه لولاية إشبيلية محمد بن فاطمة فلبث على ولايتها حتى توفي سنة ٥١٥ هـ (١١٢١ م). وهكذا فقد المرابطون في شبه الجزيرة بوفاة مزدلي، وسير بن أبى بكر، قائدين من أعظم قواد لمتونة وألمعهم. وقد كان مزدلي، وهو مزدلي بن تيولتكان بن الحسن بن محمد بن ترقوت (تُرجوت)، من أركان الدولة اللمتونية والعصبة الصنهاجية، وكان من أقارب يوسف بن تاشفين لالتقائهما في ترقوت. ويصفه ابن الخطيب بأنه كان "بطلا ثبتاً، بهمة من البهم، بعيد الصيت، عظيم الجلد، أصيل الرأي، مستحكم الحنكة، طال عمره، وحمدت مواقفه، وبعدت غاراته، وعظمت في العدو وقائعه " (٢) وقد كان من أعظم أعمال مزدلي استرجاعه لمدينة بلنسية من أيدي جنود السيد الكمبيادور بعد وفاته وجنود قشتالة، وذلك في سنة ٤٩٥ هـ (١١٠٢ م). وكان

стр. 1231

قد وُلّي بلنسية ثم قرطبة، وغرناطة أيام يوسف، ثم وُلّي قرطبة قبيل وفاته ببضعة أعوام من قبل علي بن يوسف. وأما سير بن أبى بكر، فقد كان أيضاً من أعظم زعماء لمتونة وقادتها، وقد ظهر بنوع خاص بشجاعته وبراعته العسكرية الفائقة في موقعة الزلاّقة (٤٧٩ هـ). ولما جاز أمير المسلمين يوسف بن تاشفين جوازه الثالث إلى شبه الجزيرة في سنة ٤٨٣ هـ، وبدأ افتتاح دول الطوائف بالاستيلاء على غرناطة، فوض عند عودته إلى المغرب بشئون الأندلس إلى الأمير سير، وعهد إليه بافتتاح ممالك الغرب الأندلسية، فافتتح سير مملكة إشبيلية من أيدي بني عباد (٤٨٤ هـ)، ثم افتتح مملكة بطليوس من أيدي بني الأفطس (٤٨٨ هـ)، في الظروف والمناظر العنيفة المروعة، التي فصلناها في كتابنا " دول الطوائف ". وكانت آخر الغزوات العظيمة التي قام بها سير، هي افتتاحه لقواعد الغرب من يابرة حتى أشبونة سنة ٥٠٤ هـ هـ (١١١١ م) حسبما تقدم من قبل. ويجب أن نلاحظ أنه كان من أسباب نشاط الغزوات المرابطية في تلك الفترة، وإقدامها على مهاجمة طليطلة عاصمة قشتالة ومحاصرتها غير مرة، ما وقع في اسبانيا النصرانية عقب وفاة ألفونسو السادس دون وارث (١١٠٩ م)، وقيام ابنته أورّاكا في العرش، من حروب أهلية حول السلطان بين أوراكا وزوجها ألفونسو الأول ملك أراجون من جهة، وبينها وبين أشراف جلِّيقية أنصار ولدها ألفونسو ريمونديس من جهة أخرى، وضعف الجبهة الدفاعية النصرانية بذلك، وعجزها عن القيام بغزوات كبيرة في أراضي المسلمين، وخصوصاً بعد مصرع ألبار هانس قائد قشتالة الكبير في إحدى هذه المعارك الأهلية، وقد كان هذا القائد الشهير زميل السيد الكمبيادور ومعاونه، من أعظم قادة اسبانيا النصرانية في هذا العصر. - ٣ - وشملت موجة الغزو المرابطي شرقي الأندلس كذلك. ونحن نعرف أن المرابطين بقيادة أبى عبد الله محمد بن الحاج والي بلنسية، قد استولوا على سرقسطة من أيدي بني هود في أواخر سنة ٥٠٣ هـ (١١١٠ م) حسبما سبق أن فصلناه من قبل في تاريخ مملكة سرقسطة. وكان يوسف بن تاشفين قد أوصى ولده علياً

стр. 1232

فيما أوصاه، بأن يهادن بني هود ملوك سرقسطة، وأن يتركهم في ملكهم حائلا بينه وبين النصارى. وكانت هذه سياسة فطنة، تتفق مع ظروف سرقسطة وموقعها في الثغر الأعلى بين الممالك النصرانية. ولكن الحوادث سارت في طريق آخر، واختلف أهل سرقسطة مع ملكهم عبد الملك بن المستعين بن هود الملقب بعماد الدولة، لارتمائه في أحضان النصارى، وتغليبهم في مصالح الدولة. وكتبوا إلى أمير المسلمين علي بن يوسف يدعونه لامتلاك بلادهم. وكان على بعد أن تلقي فتوى الفقهاء بوجوب خلع عماد الدولة، وفقاً لرغبات أهل سرقسطة، بعد أن زحفت الجنود المرابطية بالفعل من بلنسية نحو الشمال - قد أراد أن يبقى على رياسة بني هود استجابة لضراعة عماد الدولة، ولكن الحوادث سبقته، وانتهى المرابطون بالاستيلاء على سرقسطة، وذلك في اليوم العاشر من ذي القعدة سنة ٥٠٣ هـ (يونيه ١١١٠ م) ودخل ابن الحاج قصر " الجعفرية " الشهير واستقر فيه. وكان عماد الدولة حينما شعر بمقدم المرابطين، قد غادر سرقسطة في أهله وأمواله إلى حصن روطة المنيع، الواقع على نهر خالون (شلون). وهكذا انتهت مملكة سرقسطة، وانتهى ملك بني هود، وامتد سلطان المرابطين بذلك، إلى قلب الثغر الأعلى. ولبث ابن الحاج والياً على سرقسطة بضعة أعوام، وهو يحوطها بحمايته ويرد عنها أطماع النصارى، المحيطين بها من الشرق والغرب والشمال، ويقوم بغزو أراضيهم والعيث فيها من آن لآخر. وفي سنة ٥٠٤ هـ (١١١١ م) زحف ألفونسو الأول ملك أراجون (المحارب) (١)، نحو سرقسطة ومعه عماد الدولة عبد الملك ابن المستعين حتى أصبح قريباً منها، وخرج محمد بن الحاج في قواته لمدافعته، وقدمت الجند المرابطية من مرسية على عجل يقودها واليها محمد بن عائشة، فلما رأى ألفونسو تفوق المرابطين، ارتد أدراجه، وطاردته العساكر المرابطية حيناً، واستمر المرابطون على غزواتهم المخربة في أراضيه. وسارت قوة منهم بقيادة علي ابن كنفاط اللمتوني صوب قلعة أيوب، وحاصرت بعض حصون عبد الملك بن هود، فاستغاث عبد الملك بحليفه وحاميه ألفونسو، وقدمت لمعاونته نجدة من النصارى، فانهزم المرابطون وأسر قائدهم ابن كنفاط، وبقي في أسر عبد الملك مدة ثم أخلي سبيله (٢).

стр. 1233

ولما اشتدت موجة الغزو المرابطي لأراضي قشتالة، خرج ابن الحاج في قواته من سرقسطة في شهر صفر سنة ٥٠٨ هـ (يوليه ١١١٤ م)، وانضم إليه في لاردة محمد بن عائشة في قواته. وسارت القوات المرابطية المتحدة شرقاً، واخترقت أراضي إمارة برشلونة، وهي تثخن فيها، وتستولي على مقادير عظيمة من السبي والغنائم، واستمرت كذلك حتى وصلت إلى ظاهر مدينة برشلونة العظيمة. وعندئذ بعث ابن الحاج الغنائم والسبي مع بعض قواته لتعود من الطريق الكبير، واتجه هو بباقي قواته غرباً ليسير من طريق البرية، وهو أقصر وأقرب إلى سرقسطة، ولكنه فوجىء خلال الطريق بقوات كثيفة من النصارى متأهبة في كمائنها، فنشب القتال بين الفريقين، وقاتل ابن الحاج وقواته قتالا عنيفاً، حتى سقط معظمهم، وفي مقدمتهم - وفقاً لهذه الرواية - قائدهم الباسل، ونجا ابن عائشة وقليل من صحبه، بيد أن ابن الحاج، وفقاً لرواية ابن عذارى المتقدمة لم يقتل في هذه الموقعة، وإنما قتل في العام التالي في موقعة قرطبة التي سبق ذكرها. ولما علم أمير المسلمين على بهذه النكبة، وما أصاب محمداً بن عائشة على أثرها من الذهول، عين صهره زوج أخته الأمير أبا بكر بن ابراهيم بن تافلوت والي مرسية، أيضاً والياً على بلنسية وطرطوشة وسرقسطة، وأمره بالسير لغزو النصارى. فجمع ابن تافلوت سائر قواته، وسار شمالا إلى برشلونة، وهو يثخن في أراضيها بالنار والسيف ثم حاصرها. وأقام على حصارها عشرين يوماً، حتى خرج إلى لقائه أميرها رامون برنجير في قوات برشلونة وأربونة، ونشبت بين الفريقين معارك عنيفة قتل فيها كثير من النصارى، وخسر المسلمون نحو سبعمائة قتيل، وارتد المرابطون بعد ذلك صوب أراضيهم (١). وكان أبو عبد الله محمد بن الحاج من أكابر زعماء لمتونة وقوادها، وكان يتصل بصلة القرابة المتينة ليوسف بن تاشفين، إذ يرجع نسبه إلى ترقوت أو ترجوت جد العاهل المرابطي، وعرف بابن الحاج، إذ قام أبوه بأداء الفريضة وقد ظهر منذ البداية، مذ عبر إلى شبه الجزيرة مع يوسف بن تاشفين في سنة ٤٨٤ هـ، بمقدرته وأعماله العسكرية البارزة، أولا حين افتتاحه لقرطبة من يد

стр. 1234

ابن عباد، ثم في محاربته للقشتاليين، في غير موقعة. ولما تولى علي بن يوسف، عينه أولا والياً للمغرب، ولكنه لم يمكث في هذا المنصب سوى أشهر قلائل، ثم ندبه لولاية بلنسية وشرقي الأندلس، في سنة ٥٠١ هـ. ومن بلنسية سار ابن الحاج إلى سرقسطة، استجابة لدعوة أهلها، وانتزعها من يد بني هود، واستقر والياً لها حسبما تقدم. وكان من أعظم الأعمال التي حققها أمير المسلمين علي بن يوسف يومئذ، استرداده للجزائر الشرقية واستنقاذها من أيدي الغزاة النصارى. وقد سبق أن تحدثنا، عند كلامنا عن مملكة دانية، عن أخبار الجزائر الشرقية وأحوالها، وكيف أنه حينما سقطت مملكة دانية في يد المقتدر بن هود في سنة ٤٦٨ هـ، (١٠٧٦ م)، وانتهت بذلك رياسة علي بن مجاهد موفق الدولة، كان على حكمها، (أي الجزائر)، عبد الله المرتضي، وكيف أن المرتضي أعلن استقلاله عندئذ، واستبد بحكمها. ولما توفي المرتضي في سنة ٤٨٦ هـ، خلفه في حكم الجزائر فتى من أخص فتيانه هو مبشر بن سليمان، فضبط شئونها بحزم وكفاية، وتلقب بناصر الدولة، واستمر على حكمها فترة طويلة، وهو بمعزل عن حوادث شبه الجزيرة. وكانت الجيوش المرابطية خلال ذلك، تستولى تباعاً على قواعد الأندلس الشرقية، فاستولت على بلنسية في سنة ٤٩٥ هـ، ثم استولت بعد ذلك على سرقسطة وقواعد الثغر الأعلى (٥٠٢ هـ). بيد أن مبشراً لم يفكر بالرغم من وجود الجيوش المرابطية على مقربة منه في ثغور اسبانيا الشرقية، أن ينضوي تحت لواء المرابطين، أو يعقد الحلف معهم، واستمر على استقلاله بحكم الجزائر، حتى دهمتها الغزوة النصرانية الكبرى. وقد سبق أن فصلنا في أخبار مملكة دانية، من كتابنا " دول الطوائف " قصة الغزو النصراني للجزائر الشرقية، وكيف أنه لما كثرت غارات البحارة المسلمين على الشواطىء الإيطالية الشمالية والغربية، وشواطىء قطلونية الإسبانية، عقدت جمهوريتا بيزة (بيشه) وجنوة، وإمارة برشلونة حلفاً لافتتاح الجزائر، وفي أوائل سنة ٥٠٨ هـ (١١١٤ م) خرج من مياه جنوة أسطول الغزو، وقوامه نحو ثلاثمائة سفينة، ومعه وحدات بحرية أخرى من برشلونة وفرنسا، وفرض الغزاة على مدينة ميورقة عاصمة الجزائر حصاراً محكماً صارماً، وقاسى المسلمون أهوالا من الحصار الذي استمر زهاء عام، وفي أواخر سنة ٥٠٨ (أوائل

стр. 1235

سنة ١١١٥ م) اقتحم الغزاة أسوار ميورقة ودخلوها، واحتلوا قصر المُدَينة، وعاثوا في أنحائها، قتلا ونهباً وسبياً، وقتلوا من سكانها جملة عظيمة، وكانت محنة مروعة. وفي خلال ذلك، كان المرابطون يرقبون تطور الحوادث في الجزائر. ولم يكن أمير المسلمين بغافل عن أهمية الجزائر، وأهمية موقعها بالنسبة لحماية شواطىء الأندلس الشرقية. ولما حاصر النصارى ميورقة، بعث مبشرٌ بصريخه إلى أمير المسلمين، ولكنه توفي خلال الحصار، وحاول خلفه القائد أبو الربيع سليمان, أن يغادر الجزيرة ليسعى في طلب النجدة، فأسره النصارى. ولكن صريخ مبشر وصل إلى أمير المسلمين على يد بحار جرىء هو القائد أبو عبد الله بن ميمون، استطاع أن يخترق الحصار بسفينته تحت جنح الظلام، ولم يستطع النصارى لحاقاً به. وكان أمير المسلمين، قد أتم عندئذ أهباته البحرية الضخمة، فبعث لإنجاد الجزائر واستنقاذها أسطولا ضخماً قوامه نحو ثلاثمائة سفينة، وأقلعت السفن المرابطية بسرعة صوب الجزائر، بقيادة أمير البحر المرابطي ابن تفرتاش أو (تافرطاش). ولما علم البيزيون وحلفاؤهم بمقدم هذا الأسطول الإسلامي الضخم، وأدركوا أن لا أمل لهم في مدافعته، غادروا ميورقة مثقلين بالغنائم والسبي، بعد أن استصفوا ثرواتها وخربوا ربوعها، وأحرقوها وقتلوا معظم أهلها، ووصلت السفن المرابطية في أثرهم إلى الجزيرة في أواخر سنة ٥٠٩ هـ (١١١٦ م) واحتلها المرابطون وشرعوا في تعميرها، وعاد إليها الفارون من سكانها. وتزيد الرواية الإسلامية على ذلك أنه لما انصرفت السفن النصرانية ناجية إلى أوطانها، دهمتها العواصف والأمواج العالية، فحملت منها أربع سفن صوب ثغر دانية، فطاردها القائد أبو السداد، حتى غرقت منها واحدة، وتمكن من أسر الثلاث الأخرى (١). وعين أمير المسلمين والياً للجزائر هو وانور بن أبى بكر اللمتوني، وبذلك أضحت الجزائر الشرقية جزءاً من الإمبراطوربة المرابطية الكبرى. ودخلت في عهد جديد من تاريخها. وسنرى فيما بعد، أى دور خطير تلعبه الجزائر الشرقية، كمركز للثورة " المرابطية " المريرة، التي حمل لواءها بنو غانية حكام

стр. 1236

الجزائر، ضد الدولة الموحدية قاهرة الدولة المرابطية، ووريثة ملكها في المغرب والأندلس (١). - ٤ - في بداية سنة ٥٠٣ هـ (١١٠٩ م) وقع في قرطبة حادث كبير الدلالة، عميق الأثر، بالرغم من عدم أهميته الظاهرة، هو إحراق كتاب " إحياء علوم الدين " للإمام أبى حامد الغزالي، ويقول ابن القطان إن هذا الحادث وقع " في أول عام ثلاثة وخمسمائة "، ومعنى ذلك أنه وقع قبيل عبور علي بن يوسف إلى شبه الجزيرة بأسابيع قلال. وكان أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، في أواخر عهده على صلة طيبة بالإمام الغزالي، وكان يستفتيه باعتباره عميد فقهاء المشرق، في عظائم الأمور، ومن ذلك أنه استفتاه في مسألة خلع ملوك الطوائف (٢)، وكان الغزالي من جانبه يقدر يوسف ونصرته للإسلام، حتى قيل إنه اعتزم أن يسير إلى المغرب لرؤياه، ولكنه حينما وصل إلى الإسكندرية، علم بوفاة يوسف (سنة ٥٠٠ هـ)، فعدل عن رحلته (٣). ولكن الأمور تغيرت في عهد ولده علي. وكان علي يتسم بنوع من الورع والزهد، ويميل إلى إيثار الفقهاء ومشاورتهم، فاشتد نفوذ الفقهاء بالمغرب والأندلس في عهده، حتى أصبح لا يقطع في أمر من الأمور، صغيراً كان أو كبيراً إلا برأيهم، وهكذا علت مكانتهم، واشتد نفوذهم، حتى سيطروا فيما بعد على الدولة. وكان من أشدهم نفوذاً لدى أمير المسلمين، قاضي قرطبة أبو عبد الله محمد بن حَمْدين. وكان الفقهاء عندئذ يؤثرون علم الفروع بعنايتهم، وهو علم العبادات، والمعاملات، ويهملون علم الأصول، أو أصول الدين. وكان لا يحظى لدى أمير المسلمين إلا من برع في علم الفروع (٤). فلما وصلت كتب

стр. 1237

الإمام الغزالي إلى المغرب والأندلس، وفي مقدمتها كتاب " الإحياء "، وقرئت وذاع ما فيها، سخط الفقهاء المرابطون، وأنكروا كثيراً من المسائل التي وردت في كتاب " الإحياء " " وزعموا أنها مخالفة للدين، وكان أبو القاسم ابن حَمْدين (١) من أشد الفقهاء مبالغة في ذلك حتى أنه قال " بتكفير " من قرأ كتاب " الإحياء ". ورفع ابن حمدين ومعه فقهاء قرطبة، الأمر إلى علي بن يوسف، وأجمعوا على وجوب مطاردة كتاب " الإحياء " وإحراقه؛ فأخذ على برأيهم، وجمعت نسخ الكتاب واحتفل بإحراقها في رحبة المسجد الجامع بقرطبة أمام الباب الغربي بعد أن أشبعت جلودها بالزيت، ونفذت كتب أمير المسلمين، إلى سائر أنحاء الأندلس والمغرب بإحراقه حيثما وجد، وانتزعت نسخه من أصحابها، وتوالى إحراق الكتاب في سائر أنحاء المغرب، وشدد أمير المسلمين في ذلك حتى إنه أنذر بعقوبة الإعدام ومصادرة المال لكل من وجد عنده (٢)، واستمرت هذه المطاردة لكتاب الإحياء وباقي كتب الغزالي طوال أيام المرابطين، وجدد المرسوم بذلك في أواخر عهد تاشفين بن علي بن يوسف (سنة ٥٣٨ هـ) حسبما نذكر بعد. والحقيقة أن حملة الفقهاء المرابطين على كتاب الإحياء، لم تكن راجعة لأمور تتعلق بالعقيدة أو لأنه يخالف الدين في شىء، بل كانت ترجع قبل كل شىء إلى ما ورد فيه من حملة لاذعة على علماء الفروع، والتنويه بجهلهم، وسخف مجادلاتهم السطحية، ووصف الغزالي لهم بأنهم " مجانين " " وكونهم يجهلون علم الأصول، الذي ينوه الغزالي بأهميته وعظيم قدره (٣). ويحمل ابن القطان على هؤلاء الجهلة الذين قاموا بإحراق هذا "الكتاب العظيم "، ويقول لنا إن إحراقه كان سبباً لزوال ملكهم، واستئصال شأفتهم، ثم ينقل إلينا قصة وجود المهدي ابن تومرت في حلقة الإمام الغزالي بالمشرق، ووقوف الغزالي

стр. 1238

منه على ما تم من إحراق كتابه بقرطبة، ودعائه " أن يمزق الله ملكهم كما مزقوه، وأن يذهب دعوتهم كما أحرقوه ". بيد أننا سوف نرى فيما بعد، عند الكلام على نشأة ابن تومرت وظهوره، بطلان هذه القصة، وما يحيط بها من المتناقضات المنطقية والزمنية. - ٥ - ولم يمض قليل على استرداد المرابطين للجزائر الشرقية حتى عبر أمير المسلمين علي بن يوسف البحر إلى الأندلس للمرة الثالثة منذ جلوسه، وذلك في أواخر المحرم سنة ٥١١ هـ الموافق لشهر مايو سنة ١١١٧ م (١)، أعني في بداية الصيف، وهو الفصل المفضل للعبور والجهاد، على نحو ما وقع في الجواز الثاني. وفي روض القرطاس أن هذا العبور قد وقع سنة ٥١٣ هـ، بعد سقوط سرقسطة وقواعد الثغر الأعلى، وأنه هو الجواز الثاني لأمير المسلمين، وهو تحريف واضح في التاريخ والوصف. ولا تقدم إلينا الرواية الإسلامية عن هذا الجواز، وما اقترن به من الحوادث تفاصيل شافية، ويكتفي صاحب الحلل الموشية وابن الخطيب كلاهما، بالإشارة إليه في كلمات عابرة. ولكن صاحب روض القرطاس وابن عذارى يقدمان لنا عنه بعض التفاصيل. وفي الرواية الأولى، أن علياً جاز إلى الأندلس برسم الجهاد وإصلاح شئونها، وجازت معه جموع غفيرة من المرابطين والمتطوعة من العرب وزناتة والمصامدة وسائر قبائل البربر، وأنه سار في قواته صوب قرطبة وعسكر خارجها، فأتته الوفود للسلام عليه، ووقف منها على أحوال البلاد، وكان من تصرفاته عندئذ، أن عزل القاضي أبا الوليد بن رشد (الجد) عن قضاء قرطبة، وولى مكانه أبا القاسم ابن حمدين (٢). ولكن سوف نرى أن هذا التصرف قد وقع في مناسبة لاحقة. أما ابن عذارى فإنه يقول لنا، إن علياً قصد عند عبوره إلى مدينة إشبيلية، وهناك لحقت به العساكر العدوية والأندلسية، وقصدت إليه وفود العلماء والفقهاء والمجاهدين من قرطبة، وكذلك جموع المتطوعة من غرناطة. وأما ما يتعلق بغزوات على في هذا الجواز، فتتخلص في أنه سار في قواته نحو أراضي البرتغال، وغزا قُلُمرية (ويسميها صاحب روض القرطاس سنبرية،

стр. 1239

وابن عذارى قلمورية)، وأثخن في تلك الأنحاء تخريباً وقتلا وسبياً، ولم تستطع قوات الملكة تيريسا ملكة البرتغال يومئذ، أن تقوم بأية أعمال دفاعية ذات شأن، وفر أمامه النصارى في كل مكان، واعتصموا بالمعاقل المنيعة، وأنه على العموم " دوخ بلاد الشرك بجيوش لا تحصى " (١). ويستفاد من أقوال الرواية النصرانية أن علياً وصل بقواته إلى أحواز قلمرية، وبعد أن حاصرها، دخلها عنوة، وذلك في يوم ٢٢ يونيه سنة ١١١٧ م، وهو يوافق يوم ١٨ صفر سنة ٥١١ هـ (٢). ويقول لنا ابن عذارى إن حصار قلمرية استمر عشرين يوماً، ومعنى ذلك أنه بدأ في ٢ يونيه الموافق ٢٨ من المحرم، فإذا ذكرنا أن علياً قد عبر إلى الأندلس في أواخر المحرم، وفقاً لرواية ابن عذارى، فإنه تبدو ثمة في التواريخ ثغرة واضحة. وإذن فلا بد أن يكون عبور علي قد وقع في أوائل المحرم، أو أن تكون قلمرية قد سقطت في أيدي المرابطين، بعد التاريخ الذي تحدده الرواية النصرانية، بشهر أو نحوه، وهو ما يفسح لمسير على وغزوته بضعة أسابيع، وهي أقل ما يمكن أن تستغرقه مثل هذه الغزوة. والظاهر أن علياً لم يحتفظ بقُلُمرية لأية مدة، فقد انصرف عنها عقب افتتاحها إلى إشبيلية حسبما يقول ابن عذارى. ويفسر ذلك موقع قلمرية النائي، وصعوبة الاحتفاظ بها في منطقة يحيط بها النصارى من كل صوب. وتذكر لنا الرواية الإسلامية نبأ غزوة قام بها في نفس الوقت القائد عبد الله ابن فاطمة، ومنصور بن الأفطس - وهو الذي سبق أن ذكرنا خبر عوده من أراضي النصارى إلى إشبيلية والتجائه إلى حماية أمير المسلمين - في أرض النصارى، وهي غزوة عادا منها إلى إشبيلية مثقلين بالسبي والغنائم الكثيرة (٣). - ٦ - وقضى أمير المسلمين علي بن يوسف، عقب عوده من الأندلس، بحاضرته مراكش، زهاء أربعة أعوام، وفي أوائل سنة ٥١٥ هـ (ربيع سنة ١١٢١ م)، عبر إلى شبه الجزيرة مرة أخرى في جيش عظيم من صنهاجة وزناتة ومصمودة وغيرها من قبائل البربر، وقيل أن حشوده لم تبلغ في أية عبور سابق ما بلغته هذه

стр. 1240

المرة من الضخامة والأهبة. وكان هذا هو الجواز الرابع لأمير المسلمين. وقد اختلفت الرواية في بواعثه، وقيل إن علياً اهتز لما بلغه من توالي المحن على جيوشه في شبه الجزيرة، وبخاصة لما أصابها في كتندة من هزيمة ساحقة، فعبر إلى الأندلس، لتدارك الموقف، وإصلاح الأمور، والعمل على توطيد سمعة الجيوش المرابطية (١)، بيد أنه كان ثمة باعث أهم وأخطر، وهو الذي تردده أكثر من رواية، وهو قيام الثورة ضد المرابطين في قرطبة. ويلخص لنا صاحب الحلل الموشية الحادث في أن أمير المسلمين كان قد ولّى على قرطبة الأمير أبا يحيى بن روادة، فحدث بينه وبين أهلها نفور وسوء تفاهم فثاروا عليه، وحدثت بينهم وبين من كان بها من المرابطين فتنة كبيرة، ونهب العامة قصر الوالي، ودور المرابطين، واشتدت الحال (٢). ولكن ابن عذارى يقدم إلينا رواية أخرى يقول فيها: إنه في سنة ٥١٤ هـ، " نفذ أمر أمير المسلمين إلى البلاد الأندلسية، بإحياء المجانيق والآلات الحربية، فلما كمل منه المختص بغرناطة، خرج لمشاهدة التجربة لها والرمي بها أجداي بن سير اللمتوني صاحب الأعنة. فتزاحم هناك الجم الغفير، فرام الفسحة، وأشار برسيخ كان في يده فأصاب صبياً في مقتله فقضى لوقته، وانفض اللفيف، وتهرجت البلدة. فاسترضى ولي الدم بدفع الدية، فسكنت الثورة، وأمهل الله القاتل ثم أخذه. ولما كمل ما أنشىء منها بقرطبة، وقد جاء عيد النحر، فخرج ثانية عامل البلدة لمشاهدة التجربة، وقد أقبل السواد الأعظم الذي لا يطاق، بمجمع حضور العيد، وحضور كل ذاعر وناعق، من كل حدب وشاهق، فكثر التدافع والتزاحم، ودهم الحشم، فكثر بينهم التزاحم، وأقبل لفيف الربض الغربي، فالتقى بأسهم على القصر، ورام صاحبه المدافعة بحشمه وخدمه فغلبوا، واقتحم القصر عليه و [انتهب] جميع ما فيه، وخرج هو فاراً بنفسه، وركب القاضي أبو الوليد بن رشد في أعلام الفقهاء، فردع العامة، وقمع السفلة " (٣). وأخيراً يقدم إلينا ابن الأثير عن هذه الثورة تفاصيل أوفى، ومن نوع خاص، فيقول إنه لما كان يوم الأضحى (من سنة ٥١٤ هـ)، خرج الناس متفرجين، فمد عبد من عبيد أبى بكر يده إلى امرأة وأمسكها. فاستغاثت فأغاثها الناس،

стр. 1241

فوقع بين العبيد وأهل قرطبة فتنة عظيمة، ونشب القتال بينهم حتى دخل الليل، ووصل الخبر إلى الوالي الأمير أبى بكر، واجتمع إليه الفقهاء والأعيان، واقترحوا عليه تهدئة للحال أن يقتل واحداً من العبيد الذين أثاروا الفتنة، فأنكر ذلك وغضب، وفي اليوم التالي استعد للقتال وأظهر السلاح، والعدد، فاجتمع لقتاله أهل قرطبة بزعامة الأعيان والفقهاء وهزموه، فتحصن بالقصر فحاصروه، وفر منهم بعد مشقة، فنهبوا القصر وأحرقوا دور المرابطين، ونهبوا أموالهم، وأخرجوهم من قرطبة على أقبح صورة (١). تلك هي تفاصيل الفتنة القرطبية التي أهمت أمير المسلمين، وحملته على المبادرة إلى العبور إلى الأندلس. بين أن هذه الحوادث الظاهرة، كانت تحمل في ثنيتها، عوامل أخطر وأبعد مدى، فلم يكن الأمر في الواقع متعلقاً بحادث شغب عابر، ولكنه كان أعمق جذوراً، وكان أول فورة علنية ضد الحكم المرابطي. وقد سبق أن أشرنا إلى أن أساليب المرابطين في الحكم لم تكن تتسم بكثير من الرفق والكياسة، وأنها كانت بالعكس تتسم بالضغط والخشونة. ولم ينجح المرابطون مذ غلبوا على الأندلس، منذ نحو ربع قرن، أن ينشئوا في البلاد المفتوحة نظاماً مدنياً للحكم، فبقيت الأندلس في أيامهم، تعاني ضغط الحكم العسكري المرهق، وكانت تزمت المرابطين الديني، وحجرهم على الأفكار والعقائد، سبباً آخر من أسباب التذمر لدى العقلاء والمفكرين. وكانت الحاميات المرابطية المكونة من أخلاط البربر، تعامل جموع الشعب بصلف وتعال وجفاء، وكانت جموع الشعب من جانبها تحقد عليها، وتنظر إليها بعين المقت والحفيظة، وهذا إلى ما كان يشعر به الشعب الأندلسي بصفة عامة من ألم نفسي عميق لفقد استقلاله وحرياته، في ظل أولئك السادة الجدد، الذين عبروا الى الأندلس باسم إنقاذها، ثم انتهوا بأن فرضوا عليها نيرهم الحديدي. ولم تك ثورة قرطبة سوى أولي البوادر المادية لهذه الثورة النفسية. ومن ثم فقد قدر أمير المسلمين خطورتها، وبادر بالقدوم إلى الأندلس لمعالجة الموقف، وكان في استعداداته العسكرية الضخمة ما ينم عن توجسه من عواقب هذه الفورة التي ربما وجدت صداها في بعض القواعد الأخرى.

стр. 1242

ووصل علي بن يوسف بحشوده إلى ظاهر قرطبة في شهر ربيع الآخر سنة ٥١٥ هـ (يوليه سنة ١١٢١ م)، وهو ينوي أن يخمد الهياج بشدة، فأغلقت قرطبة دونه أبوابها، واستعد أهلها للدفاع عن أنفسهم، واستفتوا فقهائهم، فأفتوا بأنه متى عرضت الحقائق فيما حدث على أمير المسلمين، وتبين منها أن الأمر لم يكن عدواناً من أهل قرطبة، وإنما كان بالعكس دفاعاً عن الحرم والدماء والأموال، فإن أصر أمير المسلمين على موقفه، واستمع لنصح المفسدين، وجب القتال دفاعاً عن النفس والحرم (١). ويقول لنا ابن الأثير من جهة أخرى، إن أمير المسلمين، بادر عند مقدمه بحصار قرطبة، فقاتله أهلها قتال من يريد أن يحمي دمه وحريمه وماله، وأنه لما رأى شدة قتالهم، دخل السفراء بينه وبينهم، وسعوا في الصلح (٢). على أنه يبدو أنه لم يكن ثمة قتال، وإنما تذرع أمير المسلمين بالهدوء والصبر، وأقام أمام المدينة فترة، حتى تردد إليه وجوه قرطبة وأعيانها. ويقول لنا ابن عذارى إن أمير المسلمين استدعى القاضي أبا الوليد بن رشد (الجد) قاضي قرطبة وفقهاء المدينة، وجرت بينهم أحاديث طويلة في أمر الثورة والانتزاء على الرياسة، واقتحام قصر الوالي وانتهابه، وذكّر أعيان قرطبة أمير المسلمين بوصية أبيه، في أن يقبل من أحسن من أهل قرطبة، وأن يتجاوز عمن أساء منهم. وكان محمد بن داود قاضي إشبيلية في ركاب أمير المسلمين، فجعل يعظم الأمر، ويبالغ في تصوير شناعته، ويقول إنه اجتراء وعصيان وضلال. ودافع القاضي ابن رشد من جهة أخرى عن موقف أهل المدينة، وبين أنهم لم يشقوا عصا ولا نبذوا طاعة، وأنه كان من واجب الوالي أن يعاقب المذنب من عبيده، فقال أمير المسلمين فتمكنوا منهم، فقال ابن رشد ليس لنا قدرة على حصرهم، وإنما يحصرهم صاحب الأمر، ثم بعد ذلك يأمر الصفح عنهم. وانتهت المفاوضات بالاتفاق على أن يقوم أهل قرطبة بالتعويض عما نهب من المرابطين، وارتضى أمير المسلمين هذا الاتفاق، ولكنه غضب لموقف ابن رشد وإيضاحاته، فصرفه عن القضاء، وولى مكانه أبا القاسم بن حَمْدين، وأمر كذلك بصرف الأمير عبد الله ابن تينغمر عن غرناطة، وأسند نظر غرناطة إلى أخيه الأمير أبى الطاهر تميم، وكان يومئذ بفاس، فاستحثه إلى الحضور، ولبث تميم والياً على غرناطة مدى

стр. 1243

عامين، ثم عين بعد ذلك والياً لإشبيلية مكان الأمير أبى بكر بن علي بن يوسف، فلبث واليها حتى وفاته في سنة ٥٢٠ هـ (١). ولم يمكث علي بن يوسف هذه المرة طويلا بالأندلس، إذ وافته أنباء مزعجة من مراكش، عن قيام محمد بن تومَرت المهدي ببلاد السوس الأقصى، واستفحال أمره (٢).

стр. 1244

الفصل الثالِث سقوط سرقسطة سرقسطة وخواص موقعها. موقف أمرائها من الملوك النصارى. إستيلاء المرابطين عليها. أطماع قشتالة وأراجون نحوها. تربض ألفونسو ملك أراجون بها. ولاية الأمير أبى بكر بن ابراهيم لسرقسطة. حكمه اللامع ووفاته. ندب عبد الله بن مزدلي لولاية سرقسطة. أهبة أراجون وحلفائها من النصارى الصليبيين لافتتاحها. محاصرة النصارى لسرقسطة. اختلاف الروايات الإسلامية حول حوادث الحصار. رواية ابن عذارى عن القتال بين أهل سرقسطة والنصارى. عبد الله بن مزدلي ومدافعته للنصارى. صمود المدينة واستمرار الحصار. نضوب الموارد ووفاة ابن مزدلي. مقدم المرابطين بقيادة الأمير تميم. استغاثة أهل سرقسطة بالأمير وإحجامه. الرسالة التي وجهها قاضي سرقسطة إلى الأمير بالاستغاثة واللوم. ما تدلة به هذه الرسالة. بواعث إحجام المرابطين وعوم الاعتداد بها. اضطرار أهل سرقسطة إلى طلب الهدنة. الإتفاق على تسليم المدينة، وشروط هذا التسليم. تسليم سرقسطة، وتحويلها إلى مدينة نصرانية. هجرة أهلها المسلمين. الآثار المترتبة على سقوط سرقسطة. استيلاء ألفونسو المحارب على طرسونة وقلعة أيوب. اهتمام علي بن يوسف بهذه الحوادث. سير الجيوش المرابطية لمقاتلة الأراجونيين. موقعة كتندة وهزيمة المسلمين. سقوط قلعة دروقة. - ١ - مضت ثلاثة وثلاثون عاماً، مذ سقطت طليطلة في يد ألفونسو السادس ملك قشتالة، وجاشت الأندلس بهزتها العنيفة، التي تمخضت عن مقدم المرابطين إلى شبه الجزيرة نصرة لإخوانهم في الدين، وإحرازهم لنصرهم الباهر في الزلاّقة (٤٧٩ هـ)، ثم استقرارهم بعد ذلك سادة في الأندلس. ثم شاء القدر، بعد أن لمعت الجيوش المرابطية في غير موقعة وغزوة في أراضي اسبانيا النصرانية، أن تفجع الأمة الأندلسية مرة أخرى، بفقد قاعدة جديدة من قواعدها العظيمة، هي سرقسطة قاعدة الثغر الأعلى. كانت سرقسطة - وقد اشتق اسمها العربي من اسمها الروماني Caesar Augusta - تمثل منذ عهد الإمارة، زعامة الأسر العربية، والرياسة المحلية، في الثغر الأعلى، واستمرت هذه الزعامة قائمة خلال القرن الخامس الهجري، أولا في بني هاشم التجيببيين، ثم في خلفائهم بني هود، حتى وضع مقدم المرابطين حداً

стр. 1245

لحياة دول الطوائف، وكانت سرقسطة حسبما تقدم من قبل، آخر القواعد التي سقطت في أيديهم، وذلك في أواخر سنة ٥٠٣ هـ (١١١٠ م). وقد أشرنا من قبل إلى ما يمتاز به موقع سرقسطة الخاص من الناحيتين الإستراتيحية والقومية. فأما من الناحية الإستراتيجية، فقد كان بُعد سرقسطة عن موسّطة الأندلس، ومركز الحكومة الرئيسية، وموقعها الحصين على الضفة اليسرى لنهر إيبرو (إبرة)، ومناعة أسوارها العالية، تعاون المنتزين بها على تحدي الحكومة المركزية، وتوطيد استقلالهم المحلي، وكانت من جهة أخرى تجعلها حاجزاً طبيعياً بين أراضي المسلمين، وأراضي النصارى. وأما من الناحية القومية، فإن وقوع مملكة سرقسطة المسلمة بين المالك النصرانية - بين إمارة برشلونة من الشرق ومملكتي أراجون ونافار (نبرّة) من الشمال، ومملكة قشتالة من الغرب - كان يحتم عليها أن تتبع نحو جيرانها النصارى، سياسة خاصة، يغلب عليها طابع السلم والتهادن، والملق والخضوع أحياناً في صورة أداء للجزية، وذلك ْحتى تأمن شر أولئك الجيران الطامعين الأقوياء، وكان ملوك سرقسطة فوق ذلك يستخدمون في جيوشهم كثيراً من النصارى المرتزقة، ومن هؤلاء أحياناً قادة مبرزون مثل السيِّد الكمبيادور، وأحياناً كانوا يعتمدون على التحالف مع الملوك النصارى. وهكذا كانت مملكة سرقسطة تُحمل بموقعها وظروفها الخاصة، على اتباع سياسة، تجعلها في شبه عزلة عن باقي الإمارات المسلمة. وقد كان هذا شأنها، حينما قدم المرابطون إلى شبه الجزيرة الإسبانية، وحينما بدأت جيوشهم تستولي تباعاً على قواعد الأندلس الوسطى، ثم الشرقية. ودخل المرابطون مدينة سرقسطة حسبما قدمنا، في أواخر سنة ٥٠٣ هـ، (١١١٠ م)، استجابة لصريخ أهلها، وكانت آخر القواعد الأندلسية التي استولوا عليها. وشعر المرابطون منذ الساعة الأولى بهذا المركز الدقيق، الذي تحتله سرقسطة في قلب هذا المعترك من الإمارات النصرانية المتوثبة، وشعروا بفداحة مهمتهم في حمايتها والاحتفاظ بها. وكانت مملكة أراجون القوية جارة مملكة سرقسطة من الشمال قد استطاعت أن تنتزع منها بعض قواعدها الشمالية الهامة مثل مونتشون، والمنارة، ووشقة، وبربشتر، ولم يبق لسرقسطة من قواعدها، سوى تطيلة ولاردة وإفراغة، وثغرها على البحر المتوسط طرطوشة.

стр. 1246

وكانت مدينة سرقسطة هدفاً لأطماع قشتالة وأراجون معاً. ففي صيف سنة ١٠٨٥ م (٤٧٨ هـ) حاصرها ألفونسو السادس ملك قشتالة على أثر استيلائه على طليطلة، محاولا الاستيلاء عليها، ولم يرفع الحصار عنها إلا حينما وافته الأنباء بمقدم المرابطين إلى شبه الجزيرة. فغادرها على عجل ليجمع سائر قواته، وليقي هزيمته في الزلاّقة في شهر رجب ٤٧٩ هـ (أكتوبر ١٠٨٦ م). ولما رأى المستعين ابن هود ملك سرقسطة يومئذ، اشتداد ضغظ النصارى على مملكته، ورأى جهة أخرى انسياب الجيوش المرابطية إلى شرقي الأندلس، واقترابها من الثغر الأعلى، اعتزم أن يتقرب من المرابطين، وأن ينضوي تحت لوائهم، فبعث إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين سفارتين متواليتين، وكان يوسف يرى أن تترك سرقسطة، حاجزاً بين المرابطين والنصارى، وبهذا أوصى ولده علياً قبيل وفاته، ولكن الحوادث تطورت فيما بعد، وانتهت باستيلاء المرابطين على سرقسطة وباقي قواعد الثغر الأعلى. - ٢ - لما استقر المرابطون في سرقسطة تحت إمرة قائدهم محمد بن الحاج أول ولاتها من اللمتونيين، كانت حوادث الثغر الأعلى، تنذر باقتراب الخطر الداهم، وكان النصارى قد أنشأوا منذ سنة ١٠٩١ م (٤٨٤ هـ) على ضفة نهر إيبرو اليسرى شمالي سرقسطة حصناً قوياً، يقع على قيد أربعة فراسخ فقط منها، واتخذوه قاعدة للضغط عليها، وإرهاقها من آن لآخر، وكان ألفونسو الأول ملك أراجون الملقب بالمحارب El Batallator ، والمسمى " ابن رذمير " في الرواية العربية، يترقب الفرص لمهاجمة سرقسطة، وسبر غور المدافعين عنها، وكانت قواته قد وصلت شرقاً حتى ظاهر لاردة، وأحتلت قلعة تاماريت القريبة منها وذلك في سنة ١١٠٧ م. ولما احتل المرابطون سرقسطة، سار إليها ألفونسو في العام التالي (٥٠٤ هـ - ١١١١ م) وحاول مهاجمتها، فردته عنها القوات المرابطية بقيادة ابن الحاج ومحمد ابن عائشة والي مرسية. ثم شغل ألفونسو بعد ذلك حيناً بالحرب التي نشبت بينه وبين زوجته أورّاكا ملكة قشتالة، وانتهز المرابطون، من جهة أخرى، تلك الفرصة، فقاموا ببعض الغزوات المخربة في أراضي إمارة برشلونة، وحاصروا الثغر العظيم ذاته حسبما فصلنا ذلك من قبل. ولما قتل ابن الحاج حين عودته من

стр. 1247

تلك الغزوة (٥٠٨ - ١١١٤ م)، خلفه في ولاية سرقسطة الأمير أبو بكر بن ْابراهيم بن تافلوت المسّوفي والي مرسية، وهو ابن عم أمير المسلمين علي بن يوسف وصهره - زوج أخته - فلبث في ولايتها زهاء عامين. وقد كان هذا الأمير من خيرة أمراء الدولة المرابطية، كرماً وجوداً وشجاعة، وظهوراً في ميدان الفضائل، وقد أقام خلال عهده القصير بسرقسطة بلاطاً فخماً كبلاط الملوك، واستوزر الفيلسوف الشهير أبا بكر بن الصائغ المعروف بابن باجّة، وخاض حياة باذخة فخمة، ومن حوله الأدباء والندماء، وانهمك في اللذات والشراب، وذلك كله بالرغم مما كانت تجوزه سرقسطة يومئذ من ظروف حرجة واحتمالات خطرة. بيد أنه يبدو من إشارة لابن عذارى، أنه سار في سنة ٥١٠ هـ، إلى حصن روطة وغزاه، وأنه غزا كذلك برجة وبها عماد الدولة بن هود؛ ويبدو من إشارة أخرى لابن الخطيب، أنه قد خاض خلال تلك الفترة مع النصارى، بعض معارك دفاعية، كان لهم فيها التفوق على القوات المرابطية. ويبدو من جهة أخرى أن ألفونسو ملك أراجون، هو الذي كان يضطلع بهذه الغزوات المرهقة (١). ثم توفي الأمير أبو بكر سنة ٥١٠ هـ أو في سنة ٥١١ هـ، على قول آخر (٢). ولما اتصل نبأ وفاته بالأمير أبى إسحاق إبراهيم بن يوسف، أخى أمير المسلمين علي بن يوسف، وهو يومئذ والى مرسية، بادر بالسير إلى سرقسطة فنظر في شئونها، وضبط أحوالها، ولما اطمأن إلى توطيد أمورها عاد إلى مرسية مقر ولايته (٣). وإنه لما يلفت النظر أنه لم يعين في تلك الآونة العصيبة، التي لاح فيها الخطر داهماً على سرقسطة، والٍ جديد يخلف على الفور واليها المتوفى، خصوصاً وقد كان أمير المسلمين علي بن يوسف موجوداً في تلك الفترة بالذات (٥١١ هـ - ١١١٧ م) في شبه الجزيرة، عقب جوازه الثالث إليها. وأعجب من ذلك هو أن علي بن يوسف، بدلا من أن يتجه بجيوشه الجرارة العابرة معه، إلى مواطن الخطر في الثغر الأعلى، يؤثر أن يضطلع بغزوات عقيمة في أراضي البرتغال، يستولي

стр. 1248

خلالها على مدينة قُلُمرية، ثم يتركها عقب افتتاحها. وعلى أي حال، فإنه بعد أن لبثت سرقسطة حيناً دون والٍ، نُدب عبد الله بن مزدلي والى غرناطة ليكون والياً لبلنسية وسرقسطة، وذلك فيما يبدو في أواخر سنة ٥١١ هـ (أواخر ١١١٧ م) (١). وهنا يحيق الغموض بحركات النصارى وحركات والي سرقسطة الجديد. ذلك أنه من المسلم به، ومن المتفق عليه في الروايتين العربية والإفرنجية، أن حصار النصارى لسرقسطة بدأ في شهر صفر سنة ٥١٢ هـ، الموافق لشهر مايو سنة ١١١٨ م. ونقول هنا حصار النصارى بصفة عامة، لأن الجيش المحاصر لم يكن مكوناً فقط من الأرجونيين، أعداء سرقسطة الأصليين، بل كان يضم طوائف عديدة أخرى من الفرنج. والواقع أننا نجد أنفسنا في هذا الموطن أمام حملة صليبية حقيقية. ذلك أنه في الوقت الذي كان فيه ملك أراجون ألفونسو المحارب، يوالي الضغط على سرقسطة، ويجد في انتزاع حصونها الأمامية حتى أنه استولى على تطيلة في سنة ١١١٧ م، ووصل في أوائل سنة ١١١٨ م إلى موريلا القريبة منها، كان صدى دعواته وحركاته ضد المسلمين يعمل عمله في الناحية الأخرى من جبال البرنيه، وكانت الحرب الصليبية الأولى، قد انتهت قبل ذلك بعشرين عاماً في الشرق باستيلاء الصليبيين على بيت المقدس (١٠٩٩ م) وازدادت الروح الصليبية اضطراماً، في فرنسا وفي اسبانيا. ففي سنة ١١١٧ م، عبرت حملة قوية من الفرنج أهل بيارن بقيادة جاستون دي بيارن وأخيه سانتولو - وكانا قد اشتركا بالمشرق في الحرب الصليبية الأولى -، إلى اسبانيا، لتشترك مع الأرجونيين في افتتاح سرقسطة. وفي العام التالي (١١١٨ م) عقد بمدينة تولوز (تولوشة) مؤتمر من أساقفة آرل، وأوش، ولاسكار، وبنبلونة، وببشتر، وتقرر فيه أن ترسل حملة صليبية أخرى إلى اسبانيا يقودها الكونت دي تولوز، وحشدت فوق ذلك قوات كبيرة من البشكنس، ومن قطلونية، ومن أورقلة تحت إمرة سادة هذه المناطق، وكان بين المقاتلين كثير من الأساقفة ورجال الدين (٢). وتنوه الرواية الإسلامية بضخامة هذه الحملات الفرنجية التي اشتركت في حصار سرقسطة وافتتاحها، وتصفها إحدى الروايات بأنها كانت أمماً كالنمل والجراد، أو أنها أقبلت في عدد لا يحصى أكثره من

стр. 1249

خريطة: الثغر الأعلى وما يليه مواقع حروب المرابطين والنصارى حتى موقعة إفراغة سنة ٥٢٨ هـ.

стр. 1250

من الجند والرماة (١)، وفي روية أخرى أن الفرنج بلغوا خمسين ألف فارس (٢). - ٢ - وهكذا اجتمعت الجيوش النصرانية المتحدة من الأرجونيين والفرنج، وسارت لافتتاح سرقسطة، وفي بعض الروايات أن الذي بدأ بالحصار هو الجيش الفرنجي الذي يقوده جاستون دي بيارن، وأن ألفونسو المحارب قدم بعد ذلك في قواته من قشتالة (٣). وبدأ حصار سرقسطة وفقاً للرواية الإسلامية في مستهل شهر صفر سنة ٥١٢ هـ (٤)، ويوافق ذلك يوم ٢٢ مايو سنة ١١١٨، وهو التاريخ الذي تضعه الرواية الفرنجية. وهنا يبدأ الغموض في تعقب حوادث الحصار، ونجد أنفسنا أمام طائفة من الروايات المتناقضة، فهناك أولا القول بأن سرقسطة انتهت بعد حصار دام أشهراً، أو دام بالتحديد تسعة أشهر، بالتسليم صلحاً. وهذه رواية ابن الكردبوس في " الإكتفا " وابن عبد المنعم الحميري في الروض المعطار (٥). بيد أن هذه رواية ضعيفة أو بعبارة أخرى رواية ناقصة. وأما الروايات الأخرى وهي عديدة، عربية وإفرنجية، فإنها تتفق في أنه وقعت خلال الحصار معارك عديدة بين المسلمين والنصارى، وأن سرقسطة لم تسلم صلحاً، وإنما أرغمت على التسليم إرغاماً، بعد أن برّحت بأهلها أهوال الحصار، وبعد أن هزم أهلها في غير معركة، وهزم المرابطون الذين تصدوا للدفاع عنها. وتقدم إلينا الرواية الإسلامية تفاصيل مختلفة عن حوادث الحصار، والمعارك التي سبقته أو اقترنت به، فيقول لنا صاحب روض القرطاس، إن عبد الله بن مزدلي لما ولي سرقسطة في سنة ٥١١ هـ، سار إليها من غرناطة، فوجد ابن رذمير قد أذاق أهلها شراً، فاشتبك معه عبد الله في عدة معارك شديدة حتى هزمه، وأخرجه من البلدة، ولبث عبد الله بعد ذلك عاماً آخر في سرقسطة ثم توفي، فبقيت دون أمير " فأتاها ابن رذمير فنزلها، وأتى ألفنش أيضاً في أمم لا تحصى من قبائل الروم، فنزل لاردة من بلاد الجوف، فاتصل الخبر بأمير المسلمين علي

стр. 1251

ابن يوسف، فكتب إلى أمراء الأندلس بالمسير إلى أخيه تميم، وكان والياً على شرق الأندلس، ليسيروا معه لاستنقاذ سرقسطة ولاردة، فقدِم على تميم، عبد الله بن مزدلي، وأبو يحيى بن تاشفين صاحب قرطبة، بعساكرهما، فخرج تميم بن يوسف من بلنسية مع أمراء لمتونة، فقصد نحو لاردة، وكان بينه وبين ألفنش قتال عظيم، أقلعه عن لاردة خاسئاً خاسراً بعد أن بذل جهده في قتالها، وفقد عليها من جيوشه ما يزيد على العشرة آلاف رجل، ورجع تميم إلى بلنسية " (١). وربما كانت رواية ابن عذارى أكثر وضوحاً واتساقاً. فهو يقول لنا إنه في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ولّى أمير المسلمين علي بن يوسف أخاه الأمير أبا الطاهر تميماً إمرة بلاد شرقي الأندلس لما ضيق العدو عليها، وأعمل عزمه وحزمه إليها، وذلك أنه لما رأى " أذفونش " ضعف سرقسطة، وتفرق الجيش عنها، بعد موت الأمير أبى بكر بن إبراهيم، جد في الحشد إليها واستجاش للإفرنجة، فأقبلت في عدد لا تحصى، أكثرهم جند ورماة، فاحتل سرقسطة مستهل صفر من هذه السنة (٥١٢ هـ) فخرج المسلمون إليهم، ونشبت الحرب بينهم، فحمل الروم عليهم، فانهزم الناس، وهم في أثرهم إلى ربض الدباغين، إلى القنطرة، فازدحموا بها، وقد حصل الروم معهم فيها. فبادر المسلمون بإلقاء النار عليها، فاحترقت القنطرة إلى أقصاها، ولولا المناجزة بين الربض والمدينة لكانت الحالقة، وبات الناس على الأسلحة، وخمسوا أبواب المدينة، واتصل الحصار وتواترت الحرب، وكان أذفونش قد تخلف عن .. فلحق بعد نصف شهر، فتعاضد العدو، وقد أمد، وزاد كلبه واشتد، ولنحو الشهر تغلبوا على قصر ... بالجعفرية، وهو قبيل ميل من سرقسطة، وكان عبد الله بن مزدلي أوان نزول الروم على سرقسطة بالعسكر، على جيان لحماية ذلك الثغر عن عدو طليطلة ". ويزيد ابن عذارى على ذلك، أنه لما توالى تضييق العدو على سرقسطة وحصارها وهزيمة أهلها، وتحريق قنطرتها، ونزول العدو على قصرها المعروف بالجعفرية، اتصل الخبر بعبد الله بن مزدلي، فسار الجيش إليها ولحق به مدد من جيش قرطبة، فقويت نفوس أهل سرقسطة، ولحق الجيش بطرسونة،

стр. 1252

وقد شد العدو غارته عليها، فجد في اتباعه وأدركه غير بعيد، فهزم الله العدو، وأظهر على يد عبد الله بن مزدلي عجائب في هذه الغزوة لم يعهد مثلها، منذ مدة بعيدة قبلها. ثم احتل بتطيلة، وتلوم بها، وأقلع الفرنج عن سرقسطة، فرأى الأمير عبد الله بعد تلومه أن ينهض إليها، فترك الحمولة ومدد قرطبة، وانتخب أنجاد العسكر، وصمم إلى سرقسطة، فدخلها في أوائل جمادى الآخرة، وقد استنشق أهلها ريح الحرب. وفي خلال ذلك اعتل الأمير عبد الله المذكور، فتوفي في رجب، فكتم وفاته أياماً، ثم انبث الخبر وعلم به رذمير، ففغر على البلد فمه، وألقى عليه زوره. وقد نفدت الأقوات، وبلغ الميقات، فدخله بالمعاهدة والأمنة في يوم الأربعاء الثالث من شهر رمضان المعظم من السنة المؤرخة (أعني ٥١٢ هـ) " (١). وعلى أي حال، فإنه بالرغم مما يوجد بين الروايتين من اختلاف في الوقائع والتفاصيل، يمكننا أن نستخلص منهما حقيقتين هامتين: الأولى أنه وقعت قبل حصار سرقسطة، أو خلال الحصار، معارك شديدة بين المسلمين والنصارى، والثانية هو أن عبد الله بن مزدلي، آخر ولاة سرقسطة المسلمين، قد اشترك بقواته في هذه المعارك وأبلى فيها. وثمة مسألة أخرى، ينفرد بها صاحب روض القرطاس، وهي أن القوات المرابطية المشتركة، سارت لاستنقاذ سرقسطة بقيادة الأمير أبى الطاهر تميم، واشتبكت عند لاردة في موقعة شديدة مع ألفونسو المحارب، وأنزلت به هزيمة ساحقة، وأن تميماً عاد على أثر ذلك إلى مقر ولايته بلنسية، وهذه مسألة سوف نعود إلى مناقشتها. - ٣ - بدأ حصار سرقسطة حسبما قدمنا، في مستهل شهر صفر سنة ٥١٢ هـ (٢٢ مايو سنة ١١١٨ م)، وطوقتها قوات كثيفة من الفرنج والأرجونيين، والبشكنس والقطلان وغيرهم. وكانت سرقسطة، فضلا عن حصانتها الطبيعية بموقعها جنوبي نهر إيبرو على ضفته اليسرى، تعتمد في الدفاع على أسوارها العالية القوية، وهي ترجع إلى أصل روماني، وعلى قلعتها المنيعة، وكان قصرها الشهير المسمى بالجعفرية، نسبة إلى مؤسسه أبى جعفر المقتدر بن هود، يقع خارج الأسوار، غربي سرقسطة على قيد نحو ميل منها، وعلى مقربة من النهر، ومن ثم فقد احتله

стр. 1253

النصارى لأول مقدمهم. وجاء المحاصرون معهم بأبراج خشبية عالية تجري على بكرات لكي يستطيع المهاجمون بها محاذاة الأسوار العالية، لينصبوا فوقها الرعدات، وجاءوا كذلك بعشرين منجنيقاً ضخمة لدك الأسوار (١)، وكان الذي يشرف على آلات الحصار واستعمالها، طائفة من أهل بيارن ممن اشتركوا في حصار بيت المقدس. وتمرسوا في استعمال هذه الآلات. واستمر حصار سرقسطة سبعة أشهر. والظاهر أنه استطال أكثر مما قدر ألفونسو المحارب وحلفاؤه. ذلك أنه في الوقت الذي كان فيه أهل سرقسطة، يعانون ويلات الحصار داخل الأسوار، كان المعسكر النصراني منذ مقدم الخريف، يعاني من نقص المؤن، ويهدده الجوع بشبحه المروع، حتى لقد فكر قادة الجيش النصراني في رفع الحصار، لولا أن شجعهم أسقف وشقة وزملاؤه، ووضعوا تحت تصرفهم ذخائر عدة من الكنائس يجلبون بثمنها الأقوات (٢). أما في داخل سرقسطة، فقد كانت الأقوات تنضب يوماً بعد يوم، خصوصاً وأن أهل المدينة المحصورة لم يتمكنوا من جني محاصيلهم لتبكير النصارى في فرض الحصار، وكان من العسير عليهم أن يتلقوا أية مؤن من الخارج، لإحكام الحصار حول المدينة، من ناحية النهر وناحية البر. ومضت الأشهر تباعاً والحال تشتد شيئاً فشيئاً، حتى " فنيت الأقوات، وفنى أكثر الناس جوعاً " (٣). ووقع خلال ذلك حادث زاد في وجوم أهل المدينة، وارتباك تدابير الدفاع، هو وفاة واليها عبد الله بن مزدلي، في أوائل جمادى الآخرة (سبتمبر ١١١٨ م). والظاهر أنه لم يخلفه في الرياسة أحد من أهل المدينة، فترك الأمر فوضى وأخذت الخاتمة المروعة تدنو شيئاً فشيئاً. وهنا وقبل أن نتحدث عن خاتمة سرقسطة الإسلامية، يحق لنا أن نتساءل أولا، ما الذي حدث خلال الحصار من الحوادث والوقائع؟ وهل نشبت بين المسلمين والنصارى عندئذ بعض المعارك؟ ثم ماذا كان موقف المرابطين، وهل حاولوا إنقاذ المدينة المحصورة؟ وفي أي الظروف؟ فأما ما وقع خلال هذه المرحلة الأخيرة من الحصار من الحوادث والوقائع، فإن معظم الروايات الإسلامية تلتزم الصمت إزاء ذلك. بيد أنها في موطن واحد

стр. 1254

تذكر لنا ما يؤيد هذه الحقيقة الهامة، وهي أن جيشاً مرابطياً بقيادة الأمير أبى الطاهر تميم - وقد كان عندئذ حسبما تقدم والياً لشرقي الأندلس - وصل في أواخر أيام الحصار (نحو منتصف شهر شعبان الموافق شهر ديسمبر) إلى مقربة من سرقسطة، وذلك فيما يرجح بقصد محاولة إنقاذها، فخرج إلى الأمير تميم زعيمان من زعماء المدينة، هما الفقيه علي بن مسعود بن إسحق بن إبراهيم بن عصام الخولاني وهو من أكابر علماء سرقسطة وحفاظها وأدبائها، وكان متولياً قضاء ميورقة، والخطيب أبو زيد بن منتيال، وحدثاه باسم أهلها بمحضر أبى الغمر الشايب بن غرون، عن أهبات النصارى، ووجوب مناجزة العدو، ولكن الأمير تميماً " جبن عن ذلك " وكان انتقاله بالجيوش عن سرقسطة، حسبما يقول ابن الأبار صاحب هذه الرواية، سبباً في نجاح النصارى في الاستيلاء على المدينة (١). بيد أن إحدى الروايات النصرانية، تقول لنا بالعكس إنه قد وقعت في يوم ٦ ديسمبر سنة ١١١٨ معركة عنيفة بين قوات ألفونسو المحارب، وجيش قوي من المرابطين انتهت بظفر النصارى، ولم تمض على ذلك أيام قلائل حتى سلمت المدينة، وذلك بعد أن انتهت المهلة الممنوحة للمحصورين (٢). على أنه توجد وثيقة مخطوطة هامة تؤيد ما جاء في الرواية الأولى وتؤكده، وهذه الوثيقة هي عبارة عن رسالة مؤثرة، بل مبكية، كتبها قاضي سرقسطة ثابت ابن عبد الله، وجماعة من أهلها إلى الأمير تميم يتضرعون إليه، في عبارات مؤثرة، ولكن أبيه حازمة باسم الدين والوطن، أن يتقدم لإنجاد سرقسطة وإنقاذ أهلها، وألاّ ينكص على عقبيه أمام النصارى، وقد استهلت هذه الرسالة بالتاريخ الذي كتبت فيه، وهو يوم الثلاثاء السابع عشر من شعبان (٥١٢ هـ)، أعني لستة أشهر ونصف من بدء الحصار، وقبل تسليم المدينة بثمانية عشر يوماً فقط، وفيها يصف الكاتب ما عاناه أهل سرقسطة من أهوال الحصار والجوع، ثم يشير إلى مقدم الأمير، تميم بعساكره، ويلومه على إحجامه عن لقاء النصارى في قوله:

стр. 1255

" وما كان إلا أن وصلت وصل الله برك بتقواه، على مقربة من هذه الحضرة، ونحن نأمل منك بحول الله أسباب النصرة، بتلك العساكر التي أقر العيون بهاؤها، وسر النفوس زهاؤها، فسرعان ما انثنيت وما انتهيت، وارعويت، وما أدنيت، خايباً عن اللقاء، ناكصاً على عقبيك عن الأعداء، فما أوليتنا غَنَاء، بل زدتنا بلاء وعلى الداء داء، بل أدواء، وتناهت بنا الحال جهداً والتواءً، بل أذللت الإسلام والمسلمين، واجترأت فضيحة الدنيا والدين. فيالله وياللإسلام، لقد اهتضم حرمه وحماه أشد الاهتضام، إذ أحجمت أنصاره عن إعزازه أقبح الإحجام، ونكصت عن لقاء عدوه وهو في فئة قليلة، ولمة رذيلة، وطايفة قليلة ". ثم يشير الكاتب بعد ذلك إلى أهمية سرقسطة الدفاعية وعواقب سقوطها الوخيمة على مركز المرابطين في شبه الجزيرة في قوله: " فما هذا الجبن والفزع، وما هذا الهلع والجزع، بل ما هذا العار. والضيع، أتحسبون يا معشر المرابطين، وإخواننا في ذات الله المؤمنين، إن سبق على سرقسطة القدر، بما يتوقع منه المكروه والحذر، أنكم تبلغون بعدها ريقاً، وتجدون في ساير بلاد الأندلس عصمها الله، مسلكاً من النجاة أو طريقاً - كلا والله ليسومنّكم الكفار عنها جلاء وفراراً، وليخرجنّكم منها داراً فداراً، فسرقسطة حرسها الله هي السد الذي إن فتق، فتقت بعده أسداد، والبلد الذي إن استبيح لأعداء الله، استبيحت له أقطار وبلاد، فالآن أيها الأمير الأجل، هذه أبواب الجنة قد فتحت، وأعلام الفتح قد طلعت، فالمنية ولا الدنية، والنار ولا العار، فأين النفوس الأبية، وأين الأنفة والحمية، وأين الهمم المرابطية، فلتقدح عن زنادها، بانتضاء حدها، وامتضاء جدها، واجتهادها، وملاقاة أعداء الله وجهادها، فإن حزب الله هم الغالبون ". ويتوجه الكاتب في ختام رسالته، بالضراعة إلى الأمير أن يقبل على سرقسطة، وألا يتأخر قبل وقوع الكارثة فيقول: " ولن يسعك عند الله، ولا عند مؤمن، عذر في التأخر والارعواء من مناجزة الكفار والأعداء. وكتابنا هذا أيها الأمير الأجل، اعتذار تقوم لنا به الحجة في جميع البلاد، وعند ساير العباد، في إسلامكم إيانا إلى أهل الكفر والإلحاد، ونحن مؤمنون، بل موقنون إجابتك إلى نصرتنا، وإعدادك إلى الدفاع عن

стр. 1256

حضرتنا، وأنك لا تتأخر عن تلبية نداينا، ودعاينا إلى استنقاذنا من أيدي أعداينا. . فأقبل بعسكرك على مقربة من سرقسطة، عصمها الله، ليخرج الجميع عنها، ويبرأ إلى العدو وقمه الله منها، ولا تتأخر كيفما كان طرفة عين، فالأمر أضيق، والحال أزهق، فعدِّ بنا عن المطل والتسويف، قبل وقوع المكروه والمخوف، وإلا فأنتم المطالبون عند الله بدماينا وأموالنا، والمسئولون عن صبيتنا وأطفالنا، لإحجامكم عن أعداينا، وتثبطكم عن إجابة نداينا، وهذه حال نعيذك أيها الأمير الأجل عنها، فإنها تحملك من العار ما لم تحمله أحداً، وتورثك وجميع المرابطين الخزى أبدا. . ومهمى تأخرتم عن نصرتنا، فالله ولي الثار لنا منكم، ورب الانتقام، وقد بريتم بإسلامنا للأعداء، من نصر الإسلام، وعند الله لنا لطف خفي، ومن رحمته ينزل الصنع الخفي، ويغنينا الله عنكم، وهو الحميد المغني " (١). كتبت هذه الرسالة المؤثرة قبيل سقوط سرقسطة بفترة يسيرة، وإنه لتبدو من تلك الفقرات التي نقلناها منها، حقيقة لا شك فيها، وهي أن جيشاً مرابطياً بقيادة الأمير أبى الطاهر تميم، قدم إلى سرقسطة قبيل سقوطها لاستنقاذها من أيدي النصارى، وعسكر على مقربة منها، وتقول إحدى الروايات النصرانية، إن هذا الجيش قد وصل إلى حصن سانتا ماريا الواقع على بعد ثمانية عشر كيلومتراً من سرقسطة (٢) ولكن ما الذي فعل هذا الجيش بالضبط؟ وهل بذل أية محاولة جدية لاستنقاذ سرقسطة والدخول مع النصارى في معركة حاسمة؟ إنه مع استثناء الرواية النصرانية التي أشرنا إليها من قبل، والتي تقول بأن معركة عنيفة وقعت بين

стр. 1257

المرابطين والنصارى، هزم فيها المرابطون، ثم سلمت المدينة على أثر ذلك، يبدو مما جاء في هذه الرسالة، أن الجيش المرابطي التزم الجمود والإحجام، ولم يبذل أية محاولة لإنقاذ المدينة، ثم ارتد بعد ذلك على أعقابه، وهذا ما يؤيده رواية ابن الأبار التي سبقت الإشارة إليها. ثم يؤيده أيضاً مع اختلاف في تصوير الوقائع، ما ورد في روض القرطاس، من أنه بعد سقوط سرقسطة، وصل من العدوة جيش من عشرة آلاف فارس، بعثه أمير المسلمين على لاستنقاذها، فوجدها قد فرغ منها وملكها العدو، ونفذ حكم الله فيها (١). - ٤ - وإنه ليحق لنا أن نتساءل بعد ذلك عن البواعث التي حملت قائد الجيش المرابطي الأمير أبا الطاهر تميم، على اتخاذ هذا الموقف السلبي، في مثل هذه الآونة العصيبة من حياة المدينة المسلمة العظيمة، وحملت الجيش المرابطي على الإحجام عن لقاء العدو في محاولة يائسة لإنقاذها. فأما من الناحية العسكرية، فإنه يمكن أن يقال إن ذلك قد يرجع إلى تفوق النصارى في الكثرة على الجيش المرابطي، تفوقاً خشي معه الأمير تميم أن يدخل في معركة غير مأمونة العواقب. وتميمٌ لم يكن من أكابر القادة المرابطين، وإنما كان يقود الجيش بصفته الأميرية، ولم يكن انتصاره، في موقعة أقليش راجعاً إلى مقدرته وصفاته الخاصة، وإنما كان راجعاً بالأخص إلى شجاعة قائديه المجربين محمد بن عائشة، ومحمد بن فاطمة، ولولاهما لما اشتبك في المعركة ولآثر الارتداد. وكان الجيش المرابطي قد فقد إلى ذلك الحين معظم قادته العظام، أمثال سير بن أبي بكر، ومزدلي، وعبد الله بن فاطمة، ومحمد بن الحاج، ويمكن أن يقال أيضاً إن موقع سرقسطة بعيداً عن مراكز تموين الجيش المرابطي وإمداده في بلنسية ومرسية وقرطبة، لم يكن مما يشجع على القيام بأية محاولة عسكرية خطيرة. على أن هذه الأعذار العسكرية وأمثالها، لم تكن تكفي لتبرير موقف الجيش المرابطي، وإحجامه عن القيام بعمل إنقاذ مشرف، واتقائه بذلك صدع هيبته في أنحاء شبه الجزيرة، ولوم التاريخ والأجيال. وإنما قد ترجع البواعث الحقيقة لتقاعس المرابطين عن المغامرة بإنقاذ سرقسطة، إلى أنهم كانوا يشعرون بأن الاحتفاظ بهذه المنطقة النائية من شبه الجزيرة - منطقة الثغر الأعلى - كان يلقي

стр. 1258

عليهم مسئوليات عظيمة، لوقوعها بين أعداء أقوياء يتربصون بها باستمرار، وأن سرقسطة لم تكن بظروفها وروح شعبها كثيرة الولاء لحكمهم، ومن ثم فإن المرابطين لم يعنوا فيما يبدو، بأن يتجشموا في سبيل إنقاذها تضحيات عسكرية عظيمة. وهكذا تركت سرقسطة لمصيرها، واضطرت بعد أن عانت من أهوال الحصار، وعصف الجوع والحرمان والمرض، أشنع الخطوب والمحن، وبعد أن يئس أهلها من إجابة صريخهم، وتلقي الإنجاد من أي مكان، أن يخاطبوا ألفونسو (ابن رذمير) أن يمنح أهلها هدنة مؤقتة (لم تعين لنا الرواية مدتها)، فإذا لم يأتهم الإنجاد المنشود، سلمت إليه المدينة، وتعاهد الفريقان على ذلك، ثم مضى هذا الأجل دون أن يتلقى المحصورون أية معونة، فاضطرت المدينة إلى التسليم (١). وتلخص الرواية العربية الوحيدة - وهي رواية ابن الكردبوس - شروط هذا التسليم فيما يلي: أن تسلم سرقسطة إلى ملك أراجون (ابن رذمير)، ومن أحب المقام بها من أهلها فله ذلك، على أن يؤدي جزية خاصة، ومن أحب أن يرحل إلى حيث شاء من بلاد المسلمين، رحل وله الأمان التام، وعلى أن يسكن الروم (الأرجونيون والفرنج) المدينة، والمسلمون ربض الدباغين، وعلى أن كل أسير يفلت للروم من المدينة ويحصل عند الإسلام، فلا سبيل لمالكه إليه ولا اعتراض له عليه. وقد كان ربض الدباغين من أحياء سرقسطة المتطرفة، ويقع على ضفة النهر اليمني، حسبما يبدو ذلك من أقوال ابن عذارى التي تقدم ذكرها. وكانت سياسة الملوك النصارى، فيما يتعلق بمن يبقى من السكان المسلمين في المدن المفتوحة، هو أن يسمح لهم بالبقاء في منازلهم داخل المدينة لمدة سنة أو نحوها، ثم يلزمون بعد ذلك بالانتقال إلى الأرباض، وهي الأحياء المتطرفة أو الضواحي، وقد منح سكان سرقسطة وفقاً للرواية النصرانية هذا الامتياز بالبقاء في أحيائهم داخل المدينة مدى عام، ينتقلون بعده إلى ربض الدباغين، وغيره من الأرباض الخارجية، وهذا هو ما اتبع فيما بعد في عهود تطيلة وطرطوشة وغيرهما من قواعد الثغر المفتوحة. ويضيف ابن الكردبوس إلى ما تقدم، أنه ما كاد ملك النصارى يستقر بالمدينة، حتى غادرتها كثرة أهلها المسلمين، وأنه لما شهد جموعهم الزاخرة ركب بنفسه إليهم، وأمرهم أن يبرزوا جميع ما لديهم، فأبرز الفارون أموالا لا تحصى، ولكنه

стр. 1259

بعد أن رآها سمح لهم بالاحتفاظ بها، وتركهم يسيرون إلى حيث شاءوا في أمان، ووجه معهم من رجاله من يشيعهم إلى داخل أعماله، ولم يأخذ منهم سوى مثقال واحد عن كل أحد من الرجال والنساء والأطفال (١). وتضح الرواية الإسلامية تاريخ تسليم سرقسطة في يوم الأربعاء الثالث من شهر رمضان سنة ٥١٢ هـ، وهو يوافق ١٨ ديسمبر سنة ١١١٨ م (٢)، وتضع الرواية النصرانية هذا التاريخ في يوم ١١ ديسمبر، أو في ١٨ ديسمبر (٣). ودخل ألفونسو الأرجوني وحلفاؤه المدينة، بعد أن قطع لأهلها المسلمين العهود المذكورة، وسمح لهم مدى فترة قصيرة باستبقاء قاضيهم ابن حفصيل، وبالإحتكام إلى شريعتهم. ولكن مسجد سرقسطة الجامع، حول منذ السادس من يناير سنة ١١١٩ م إلى كنيسة سلمها ألفونسو المحارب إلى الرهبان البرنارديين، وسميت كنيسة لاسيو La Seo أي الكنيسة العظمى. وفي رواية أخرى أن مسجد سرقسطة الجامع لم يحول إلى كنيسة إلا بعد ذلك بثلاثة أعوام في أكتوبر سنة ١١٢١ م، وأنه حول عندئذ إلى كنيسة سميت باسم " سان سالبادور " San Salvador (٤) ، وجعلت سرقسطة عاصمة مملكة أراجون، وجعل منها مركز لأسقفية، ومنح سكانها النصارى امتيازات الأشراف، وعن الكونت جاستون دي بيارن " سيدا " للمدينة المفتوحة في ظل ألفونسو، وأقطع الحي الذي كان يقطنه النصارى المعاهدون، وعهد إليه بالإشراف على توزيع الغنائم على الجند الفاتحين، وكوفيء سائر الفرسان الذين عاونوا في الفتح (٥). وهكذا سقطت سرقسطة، بعد أن حكمها المسلمون منذ الفتح أكثر من أربعة قرون، وبعد أن لعبت في تاريخ الثغر الأعلى الأندلسي، أعظم دور، سواء من الناحية العسكرية أو السياسية أو الحضارية. ولما سقطت الحاضرة الإسلامية، ودخلها النصارى، غادرها معظم أعيانها

стр. 1260

وأكابرها المسلمين، من الحكام والعلماء والقضاة وغيرهم، على نحو ما وقع عند سقوط طليطلة. ويقول لنا ابن الكردبوس، إن من غادرها من أهلها عند دخول النصارى بلغ خمسين ألفاً، بيد أنه يبدو هذا العدد مبالغ فيه. ولما رأى ملك أراجون كثرة المهاجرين من المسلمين فيما بعد، وخشى أن ينهار عمران المدينة، أصدر أمره بمنع هجرة المسلمين إلا بإذن خاص، وكان المهاجرون يقصدون بالأخص بلنسية، وقواعد شرقي الأندلس. وكان سقوط سرقسطة، بعد سقوط طليطلة، ضربة جديدة قاصمة للأندلس، وكان نذيراً بسقوط باقي قواعد الثغر الأعلى في يد مملكة أرجوان، التي لم تكن منذ ربع قرن تشغل سوى رقعة صغيرة في شمالي مملكة سرقسطة، ثم أخذت تنمو بسرعة على حساب المملكة الإسلامية، ثم كان نذيراً في نفس الوقت بتصدع الجبهة الدفاعية في شمالي شرقي الأندلس، وهي التي كانت سرقسطة معقدها المنيع، ومن ذلك الحين تواجه منطقة بلنسية، خطر العدوان النصراني المباشر من الشمال، كما كانت تواجهه من الغرب. وأخطر من ذلك كله ما أصاب هيبة المرابطين العسكرية بسبب هذه الضربة من تصدع وانهيار، وقد كانت هذه الهيبة، منذ الزلاّقة ثم أقليش في أوج قوتها، ثم أخذت منذ أقليش تخبو شيئاً فشيئاً، حتى جاء سقوط سرقسطة فأصابها بأول ضربة حقيقية، هزت من أركانها في أنحاء شبه الجزيرة، ومن ذلك الحين تضطرم اسبانيا النصرانية ضد المرابطين بروح مضاعف من التحدي والعدوان والثقة بالنفس. - ٥ - وما كاد ألفونسو المحارب يستقر في سرقسطة وينظم شئونها، حتى اعتزم أن يتابع ظفره بافتتاح ما بقي من قواعد الثغر الأعلى ومعاقله، وكانت تطيلة قد سقطت في يده قبيل سقوط سرقسطة بنحو عامين في سنة ١١١٧ م (٥١١ هـ)، فسار في قواته نحو طرسونة الواقعة جنوب غربي تطيلة واستولى عليها، وأعاد بها مركز الأسقفية القديمة، ثم سار منها إلى برجه (١) الواقعة في جنوب تطيلة، واستولى عليها، وافتتح عدة أخرى من الحصون والبلاد الواقعة في تلك المنطقة، ومنها ألاجون، ومالن، ومجايون وأبيلا وغيرها، وتمت هذه الفتوح كلها في سنة ١١٢٠ م

стр. 1261

(٥١٣ هـ) (١). ثم عبر ألفونسو جبال سييرا مولينا التي تفصل بين أراجون وقشتالة، وزحف على قلعة أيوب وكانت من أمنع ما بقي من معاقل الثغر الأعلى، فاستولى عليها كذلك. وكانت أنباء هذه المحن المتوالية، التي نزلت بمسلمي الثغر الأعلى، وتوالى سقوط قواعده في أيدي النصارى، قد وصلت إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، فاهتم لها، وكتب إلى أخيه الأمير أبى إسحق ابراهيم بن يوسف، والي إشبيلية منذ وفاة واليها السابق القائد محمد بن فاطمة في سنة ٥١١ هـ، بتجهيز الجيوش، والمبادرة إلى السير لقتال ملك أراجون (ابن رذمير)، ووضع حد لعدوانه، وكتب في نفس الوقت إلى القادة والرؤساء بالأندلس أن ينهضوا بقواتهم مع أخيه، وأن يكونوا تحت إمرته. فحشد إبراهيم قواته، ووافته قوات قرطبة بقيادة واليها ابن زيادة، وقوات غرناطة بقيادة واليها الأمير محمد بن تينغمر اللمتوني، وقوات مرسية بقيادة أبى يعقوب ينتان بن علي، وجماعة أخر من الرؤساء والقادة، وعدد كبير من المتطوعة. وسار الأمير إبراهيم في هذه القوات الجرارة صوب الشمال. وكان ألفونسو قد انتهى وفقاً لبعض الروايات من افتتاح قلعة أيوب، وسار منها لافتتاح دروقة قرينتها في المنعة والأهمية، والواقعة في جنوبها. وفي رواية أخرى أنه لم يكن قد انتهى بعد من افتتاح قلعة أيوب، حينما اقتربت منه الجيوش المرابطية. وكان ألفونسو حينما علم بتحرك المرابطين وسيرهم إلى قشتالة قد استقدم سائر قواته، واجتمع له وفقاً لأقوال الرواية الإسلامية زهاء اثنى عشر ألف فارس، غير المشاه والرماة وهم جموع غفيرة لا تحصى. ووقع اللقاء بين المسلمين والنصارى في ظاهر بلدة صغيرة تسمى كَتُندة أو قَتُندة على مقربة من دورقة، وذلك في الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول - وعلى قول آخر ربيع الثاني - سنة ٥١٤ هـ (يونيه أو يوليه سنة ١١٢٠ م). ونشبت بين الفريقين معركة عنيفة، كانت الدائرة فيها على المسلمين، فهزموا هزيمة شديدة، أو " هزيمة منكرة " على قول ابن الأثير وكثر القتل فيهم، وسقط منهم في ميدان القتال، وفقاً لأقوال الرواية الإسلامية نحو عشرين ألفاً من المتطوعة، وتنوه الرواية الإسلامية بنوع خاص بمن استشهد في الموقعة من العلماء والفقهاء، وفي

стр. 1262

مقدمتهم العلامة أبو علي الصدفي، وأبو عبد الله بن الفراء قاضي ألمرية، وارتد الأمير إبراهيم بن يوسف في فلول الجيش المرابطي إلى بلنسية (١). وكانت نكبة جديدة ساحقة لاسبانيا المسلمة، ولهيبة المرابطين العسكرية. ومما هو جدير بالذكر أن الأمير إبراهيم هذا الذي قاد المرابطين في تلك الموقعة، هو الذي ألّف الفتح بن خاقان باسمه كتابه " قلائد العقيان " وأهداه إليه في مقدمته، في عبارات فخمة رنانة (٢). وعلى أثر الموقعة استولى ألفونسو على قلعة دروقة، وأنشأ على مقربة منها، عند منابع نهر " خلوكا " محلّة جديدة محصنة، سميت قلعة " مونريال "، لتكون حاجزاً لصد الجيوش الإسلامية، التي تنساب من طرق مرسية وبلنسية، ولتكون في نفس الوقت منزلا لجمعية دينية جديدة من الفرسان، أسست لحماية الدين.

стр. 1263

الفصل الرابع الصراع بين ألفونسو المحارب وبين المرابطين النصارى المعاهدون. موقفهم من الحكومة الإسلامية. تحفزهم للإيقاع بالمسلمين. نصارى غرناطة. هدم كنيستهم في قولجر. اتصالهم بألفونسو المحارب وتحريضه على غزو الأندلس. خروج أفونسو إلى الغزو. اختراقه أراضي الثغر إلى بلنسية. مسيره إلى جزيرة شقر فدانية فشاطبة. اختراقه لأراضي مرسية حتى بسطة ثم وادي آش. تأهب المرابطين لرد النصارى وإحاطتهم بغرناطة. وصف ابن الصيرفي لأحوال المدينة. انضمام المعاهدين للجيش الأرجوني. مسير ألفونسو نحو الشمال. ملاحقة الجيوش المرابطية له. نشوب المعركة في فحص الرنيسول بين المسلمين والنصارى. مسير ألفونسو إلى الجنوب حتى شلوبانية. عوده صوب غرناطة فوادي آش. المناوشات المستمرة بينه وبين المرابطين. اتجاهه نحو مرسية فبلنسية. انحلال قواته وعوده إلى بلاده. ما تدل عليه غزوة ألفونسو المحارب. ضعف الدفاع عن الأندلس. خطر النصارى المعاهدين. معاقبتهم بالتغريب وفقاً لفتوى ابن رشد. التعتيب والأسوار بالأندلس. نشاط الغزو النصراني بالثغر الأعلى. عودة ألفونسو المحارب إلى غزو أراضي بلنسية. موقعة القلاعة. رواية ابن القطان. الوثاثق الرسمية المرابطية عن الموقعة. كتاب أمير المسلمين لأهل بلنسية. ألفونسو يشغل بالحرب في قشتالة وفرنسا. نشاط المرابطين في غزو أراضي الثغر. تحفز ألفونسو لافتتاح قواعد الثغر الباقية. زحفه عل مكناسة واستيلاؤه عليها. زحفه على مدينة إفراغة. مبادرة المرابطين إلى مدافعته. محاصرته لإفراغه وتصميمه على أخذها. وصول الجيوش المرابطية بقيادة ابن غانية. نشوب المعركة الحاسمة بين الفريقين تحت أسوار إفراغة. الهزيمة الساحقة على النصارى. موت ألفونسو المحارب وما يقال حوله. أهمية النصر المرابطي وآثاره. ألفونسو المحارب وخلاله. تأملات حول موقف المرابطين بعد نصر إفراغة. بنو هود يستقرون في روطة. عماد الدولة بن هود. ولده سيف الدولة. انضواؤه تحت حماية ملك قشتالة. نزوله له عن قاعدة روطة. بعض الروايات الخاصة بذلك. نهاية رياسة بني هود. ١ - غزوة ألفونسو الكبرى للأندلس لم تمض بضعة أعوام على سقوط سرقسطة، حتى وقعت بالأندلس حادثة عدوان لم يسبق لها مثيل في تاريخ الغزوات النصرانية، من حيث اتساع نطاقها، وخطورة العوامل الموجهة لها، ونعني بذلك الغزوة الكبرى التي قام بها ألفونسو المحارب ملك أراجون في قلب الأندلس، بناء على تحريض النصارى المعاهدين. ولقد تحدثنا من قبل، في كتابنا " دول الطوائف " عن أحوال النصارى المعاهدين، وظروف حياتهم في ظل الحكومات الإسلامية المتعاقبة، منذ عصر الإمارة والخلافة، ثم في ظل دول الطوائف، وأشرنا إلى ما كانت تتمتع به

стр. 1264

طوائف المعاهدين، في ظل هذه الحكومات الإسلامية، من ضروب الرعاية والتسامح، والتمتع بمزاولة شعائرهم، وتقاليدهم، والاحتكام إلى قوانينهم وقضاتهم، والتحدث بلغتهم الخاصة، دون حيف أو ضغط متعمد يلحق بهم، ودون مطاردات دينية من أي نوع تعصف بأمنهم وسلامهم، وأنهم كانوا يؤلفون في مختلف القواعد الإسلامية، في مجتمعات متقدمة مزدهرة، ويشغلون في أحيان كثيرة في القصر وفي الحكومة، مناصب النفوذ والثقة، وإن كانت التواريخ النصرانية تؤثر مع ذلك كله أن تقدم إلينا مجتمع المعاهدين في صور قاتمة، وتزعم بأنهم كانوا ضحية الجور والإرهاق، يعانون من ضغط الحكومة الإسلامية المادي والأدبي، في صور وأوضاع شتى. وقد أشرنا في نفس الوقت إلى ما كان يتسم به أولئك النصارى المعاهدون من نكران الصنيعة، وعدم الولاء للحكومات الإسلامية، بالرغم مما كانت تحيطهم به من ضروب الرعاية والتسامح، وكيف أنهم لم يدخروا دائماً وسعاً في الكيد لها، والتآمر على سلامتها، ومداخلة أعدائها النصارى الإسبان، وتحريضهم عليها، ومعاونتهم على الإيقاع بها في كل فرصة سانحة، وضربنا لذلك عديد الأمثلة التاريخية، التي تسجل على النصارى المعاهدين أعمال الخيانة والغدر، والتآمر مع أعداء الأندلس المسلمة على القضاء عليها (١). ولما سقطت سرقسطة في أيدي النصارى، وتوالت انتصارات ألفونسو المحارب، وتوالت محن المسلمين في الثغر الأعلى، وظهر التخاذل على الجيوش المرابطية، أخذت طوائف المعاهدين في التحفز، ولاح لها أنها تستطيع أن تعمل عملا مثمراً لضرب الأندلس، بالتفاهم مع عاهل الثغر الأعلى، وإمداده بما وسعوا من ضروب الإمداد والعون. وكان أشد طوائف المعاهدين نشاطاً في تدبير هذه المؤامرة الكبرى، نصارى ولاية غرناطة، وكانوا من أكبر طوائف المعاهدين عدداً، وأغناهم مالا، وأكثرهم ازدهاراً ومقدرة ونفوذاً، وكانت لهم خارج غرناطة، تجاه باب إلبيرة، في طريق قرية قولجر، كنيسة عظيمة شامخة، فريدة في العمارة والطراز، فما استولى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين على غرناطة، خاطبه الفقهاء في

стр. 1265

هدمها لما يدلي به صرحها الشامخ من تطاول المعاهدين، فأمر بتحقيق رغبتهم، وخرج أهل غرناطة لهدم الكنيسة المذكورة، في آخر جمادى الآخرة سنة ٤٩٢ هـ، فصيرت في الحال ركاماً، وغدت قاعاً صفصفاً (١). ويحاول دوزي أن يصور هذا الحادث - هدم الكنيسة - في صورة اضطهاد عام أنزله المرابطون بالنصارى المعاهدين، ويقول لنا إن هذا الاضطهاد شمل هدم الكنائس بصفة عامة، وشمل أيضاً أشياء أخرى لا يستطيع أن يتكهن بها، لأن الرواية الإسلامية تلتزم الصمت إزاء ذلك، ومن ثم فإنه يحاول أن يصور لنا استدعاء النصارى المعاهدين لألفونسو المحارب في صورة الإستغاثة والانتقام لما نزل بهم من صنوف الاضطهاد المضني (٢). ويتابعه في هذا المعنى المستشرق الإسباني سيمونيت، فيقول لنا إن نصارى مملكة غرناطة، كان قد وقع عليهم اضطهاد شديد من جراء تعصب المرابطين، فهدمت كنائسهم، وطورد قساوستم وانتهكت رسومهم، وبعد أن صبروا على هذا الاضطهاد أعواماً، اعتزموا أن يطلبوا عون الملك ألفونسو المحارب، وكان قد اشتهر في أنحاء شبه الجزيرة بقوته وفتوحاته وانتصاراته ضد الكافرين (يريد المسلمين) (٣). ولكن سنرى أن هذا الاستدعاء لملك أراجون، وما اقترن به من صنوف الاستعداد والتحفز الخطر، لم يكن كما قدمنا، سوى مؤامرة كبرى دبرها النصارى المعاهدون لضرب الأندلس المسلمة في الصميم. ذلك أنه لما ترددت أصداء انتصارات ألفونسو المحارب، في جنبات الأندلس، وشعر المعاهدون بأن فرصة العمل قد سنحت، بعثوا إليه بكتبهم ورسلهم المتوالية، يلحون عليه في غزو الأندلس وافتتاح غرناطة. وقد كانت غرناطة حسبما تقدم قاعدة الحكم المرابطي في الأندلس، وكان لهذه الصفة فيما يبدو أثرها في قيام المعاهدين بها، بالدور الرئيسي في هذه المؤامرة. وبعث أولئك المعاهدون إلى ألفونسو زماماً يشتمل على أسماء اثنى عشر ألفاً من أنجاد مقاتليهم، على أهبة لمعاونته، وأنه يوجد غيرهم جموع غفيرة مستترة على قدم الأهبة، وبعثوا إليه في نفس الوقت بأوصاف غرناطة، وما تشتمل عليه من الثروات والمحاصيل الجمة،
следующие страницы →