ضرب، من فقهاء وعلماء وكتاب وشعراء، وحشد الخلفاء الموحدون إلى جانبهم أقطاب البيان والتفكير الأندلسيين، واتخذوا منهم وزراء وكتاباً وأطباء، وخدم علماء وفلاسفة عظام، مثل ابن طُفيل، وابن زهر، وابن رشد، في بلاط الخليفة الموحدي.
وهكذا استقام الأمر بالأندلس في ظل الحكم الموحدي مدى نصف قرن
آخر، وشغل الموحدون داخل إمبراطوريتهم العظمية بالمغرب، بتوطيد سلطانهم،
وقمع نزعات العصيان المحلية، وشغلوا بالأخص بمكافحة بني غانية، والقضاء
على ثورتهم وحركاتهم المخربة بإفريقية، وهي ثورة اقتضت منهم أفدح الجهود،
وكادت في بعض الأحيان أن تقضى على سلطانهم في إفريقية. ثم كان عهد الخليفة الناصر ابن المنصور، وكانت حملته المشئومة إلى الأندلس، وكانت نكبة العقاب الساحقة (٦٠٩ هـ)، وما ترتب عليها من انهيار سلطان الموحدين في شبه الجزيرة؛ عندئذ تغيرت الأمور، وتجهمت الحوادث، ولم يقتصر الأمر عندئذ على استطالة الممالك النصرانية، وضغطها على مختلف نواحي الأندلس، وتحفزها لافتتاح قواعدها الكبرى، ولكن حدث في نفس الوقت أن أخذت بوادر الثورة تتحرك داخل الأندلس، تغذيها العوامل القومية القديمة، ضد حكم وهنت دعائمه.
وكان موطن هذه الثورة الجديدة، شرقي الأندلس، وكان على رأسها زعيمان ينتمي كلاهما إلى بيت من البيوت الثائرة القديمة، أولهما زيان بن مردنيش، والثاني أبو عبد الله محمد بن يوسف بن هود؛ وبينما انحصرت حركة زيان ببلنسية، إذا بدعوة ابن هود تجتاح مرسية وألمرية وغرناطة ومالقة، وكانت حركة ابن هود تمثل فكرة الأندلس القومية أصدق تمثيل، وترى إلى تحرير الأندلس من نير الموحدين، والنصارى معاً، ولكن موارده وقواته، لم تكن تسمح له بأن يضطلع بمثل تلك المهمة الفادحة. ومن جهة أخرى، فقد نهض النصارى لانتهاز الفرصة السانحة، وانتزاع قواعد الأندلس الكبرى، خلال تلك الغمار المضطرمة، فقام ألفونسو التاسع ملك ليون بانتزاع قواعدها الغربية، ماردة وبطليوس وغيرها (٦٢٧ هـ) ثم قام فرناندو الثالث بانتزاع قرطبة عاصمة الخلافة القديمة (شوال سنة ٦٣٣ هـ - يونيه ١٢٣٦ م) - وذلك في الوقت الذي تخلى فيه ابن هود عن إنجادها، وشغل بالعمل لتوطيد سلطانه في جنوبي الأندلس. وكان لسقوط قرطبة أعمق وقع في تلك الأندلس المفككة المنهوكة القوى، ولكنه كان أمراً محتوماً لا سبيل إلى اتقائه.
стр. 1192
ولم يمض قليل على ذلك، حتى توفي ابن هود في أوائل سنة ٦٣٥ هـ، وهو في إبان قوته وطموحه، وانهارت بوفاته أماني ومشاريع كثيرة، وفي العام التالي استطاع خايمي الأول أو الفاتح ملك أراجون، أن يستولي على بلنسية عاصمة الشرق (صفر سنة ٦٣٦ هـ - سبتمبر ١٢٣٨ م) وكان قد استولى قبل ذلك في سنة ٦٢٨ هـ على الجزائر الشرقية. وفي الوقت الذي أخذ يتوالى فيه سقوط القواعد الشرقية والوسطى، في أيدي النصارى، كان محمد بن الأحمر من جانبه، يعمل بكل ما وسع لبسط سلطانه على القواعد الجنوبية. وهكذا أضحت الأندلس مرة أخرى مسرحاً لغمار متوالية من الحوادث والفتن التي تمزق أوصالها، وتجعلها فريسة هينة لعدوها الخالد - إسبانيا النصرانية - ينتزع قواعدها وأراضيها تباعاً، ولا تجد وسيلة ناجعة لدفع هذا العدوان الجارف، بعد أن انهار سلطان الموحدين وقواهم بالأندلس، وبعد أن فقدت الأندلس منعتها ومواردها العسكرية القديمة، في ظل حكم الدولة الغالبة.
ولم تفق الأندلس من تلك المحنة الطاحنة، إلا وقد فقدت قواعدها الكبرى شرقاً وغرباً - قرطبة، وبلنسية، ومرسية، وشاطبة، ودانيه، وجيان، وإشبيلية وبطليوس، وماردة، وشلب، وغيرها وغيرها - وأضحت أنقاضاً متناثرة، تجتمع أشلاؤها الدامية في الجنوب، فيما وراء نهر الوادي الكبير، ولاح من خلال ذلك كله، أن ساعة الأندلس الأخيرة قد دنت، وأنه لم يبق على اسبانيا النصرانية إلا أن تجتني بقية تراثها الممزق، وأن تختتم هذه السلسلة من معارك " الإسترداد " " La Reconquista " العظيمة بضربة أخيرة، تكون هي القاضية على حياة اسبانيا المسلمة، لولا أن شاء القدر أن تلتئم هذه الأنقاض المتناثرة من تراث الأندلس الكبرى، وأن تبعث من بينها قوة فتية جديدة، تتمثل في قيام مملكة غرناطة، آخر دول الإسلام في الأندلس.
تلك هي الخطوط العريضة لصورة العصر، الذي نحاول أن نضطلع باستعراض أحداثه، وشرح ظروفه وخواصه، - عصر المرابطين والموحدين.
стр. 1193
الكِتاب الأول
الدولة المُرابطية في أوج سُلطانها
стр. 1194
الفصْل الأوّل
يوسف بن تاشفين خواص إمارته ولامع خلاله
يوسف بن تاشفين وبداية زعامته. أبو بكر بن عمر اللمتوني. المرابطون ينشرون الإسلام في غانة ومالي. يوسف يتسمى بأمير المسلمين. ظروف تسميته بهذا اللقب. اعترافه بطاعة الخليفة العباسي. رواية ابن خلدون. ما يؤيد هذه الرواية. رواية ابن العربي عن رحلته. فتوى الإمام الغزالي عن موقف أمراء الطوائف وعن حق يوسف في استصدار المرسوم الخلافي. كتاب الإمام الغزالي ليوسف. كتاب أبى بكر الطرطوشي. اخيار يوسف لولده على لولاية العهد. المرسوم الصادر بذلك. كتاب البيعة والتولية. خلال يوسف ومناقبه. بساطته المؤثرة. براعته العسكرية. عدله وإيثاره للفقهاء. موقفه من الضرائب والمكوس. سيادة الأمن والرخاء في عهده. وزيره عبد الرحمن بن أسباط. كاتبه ابن القصيرة. مرض يوسف ووفاته. تحقيقه لوحدة المغرب والأندلس. الدولة المرابطية الكبرى.
- ١ -
كان مما اقتضاه سياق الكلام عن تاريخ دول الطوائف، أن نتحدث عن نشأة الدولة المرابطية وقيامها في المغرب، والتجاء أمراء الطوائف، حينما لاح خطر اسبانيا النصرانية قوياً على الأراضي والقواعد الإسلامية في شبه الجزيرة، وحينما جاء سقوط طليطلة في شهر صفر سنة ٤٧٨ هـ (مايو سنة ١٠٨٥ م) نذيراً بتفاقم هذا الخطر، - التجائهم إلى إخوانهم فيما وراء البحر، إلى المرابطين، يطلبون منهم الإنجاد والغوث، ثم عن عبور بطل المرابطين يوسف بن تاشفين في جيوشه الجرارة المتوثبة إلى الأندلس، وخوض الجيوش الإسلامية المتحدة - المرابطية والأندلسية - لمعركة الزلاّقة ضد الجيوش النصرانية المتحدة، في رجب سنة ٤٧٩ هـ (أكتوبر سنة ١٠٨٦ م)، وإحرازها لانتصارها الباهر الذي قمع عدوان اسبانيا النصرانية إلى حين، وأخيراً عن انقلاب المرابطين من منقذين إلى فاتحين، واستيلائهم على إمارات الطوائف تباعاً، وضم الأندلس إلى الدولة المرابطية الكبرى.
وقد تتبعنا خلال ذلك كله حياة زعيم المرابطين يوسف بن تاشفين، منذ
стр. 1195
نشأته، حتى فوزه بإنشاء الدولة المرابطية في المغرب، وما تلا ذلك من عبوره إلى شبه الجزيرة غير مرة، وفوزه بملك الأندلس، ثم وفاته في مستهل شهر المحرم سنة ٥٠٠ هـ (٢ سبتمبر سنة ١١٠٦ م) بعد حياة حافلة بعظائم الحوادث، وجلائل الأعمال.
ولسنا نجد بعد أن استعرضنا ذلك كله، بتفاصيله الشاملة في كتابنا " دول الطوائف "، مجالا لتكرار الكلام في هذه الموضوعات. بيد أنه لا يسعنا، ونحن نزمع الكلام هنا عن عصر المرابطين في المغرب والأندلس، إلا أن نرتد بأبصارنا إلى بعض ما تقدم من المواطن، وأن نستزيدها فيما أوجزنا فيه منها، حتى ينتظم السياق، وتكمل وحدة الموضوع.
وأول ما يعرض لنا في ذلك، هو العود إلى بعض مواطن، في حياة البطل المغربي العظيم، يوسف بن تاشفين زعيم المرابطين، ونبدأ في ذلك بصفته وألقابه الملوكية، وهو ما تناولناه فيما تقدم بطريقة عابرة.
كانت رياسة المرابطين الزمنية، حينما أنشأ الفقيه عبد الله بن يايسن الجزولي، طائفة المرابطين في أول أمرها، لزميله وصديقه يحيى بن إبراهيم الكدالي، ولما توفي هذا الرئيس ندب عبد الله بن ياسين مكانه للرياسة الأمير يحيى بن عمر بن تلاكاكين اللمتوني ليتولى شئون الحرب والجهاد. وكانت هذه أول مرحلة في رياسة لمتونة الزمنية لطائفة المرابطين. ولما توفي الأمير يحيى في سنة ٤٤٧ هـ، عين مكانه للقيادة أخوه أبو بكر بن عمر. ولما وضع المرابطون خططهم لافتتاح بلاد السوس في سنة ٤٤٨ هـ، ندب الأمير أبو بكر ابن عمه يوسف بن تاشفين ليكون قائداً لمقدمة الجيش المرابطي. وهذه هي أول مناسبة تاريخية، يذكر فيها اسم البطل المرابطي، ولم يكن له يومئذ من الرياسة، سوى صفة القيادة لجناح من أجنحة الجيش المرابطي. وهنا ظهرت براعته العسكرية، فيما اضطلع به المرابطون يومئذ من الفتوحات المتوالية في أنحاء المغرب، وهي التي فصلنا أطوارها فيما تقدم. ولما توفي عبد الله بن ياسين قتيلا في بعض المعارك التي نشبت في أراضي برغواطة في سنة ٤٥١ هـ (١٠٥٩ م)، استأثر الأمير أبو بكر اللمتوني بزعامة المرابطين الروحية والزمنية معاً، وتحققت بذلك رياسة لمتونة، وبدأت الدولة المرابطية اللمتونية، وقوام سلطانها، ما تم يومئذ من فتوح المغرب.
стр. 1196
ولما وقع الخلاف بين لمتونة ومسّوفة وغيرها من القبائل المرابطية، في بلاد القبلة قاعدتهم بالصحراء، واعتزم أبو بكر أن يسير بنفسه لتلافي الأمر، عهد بشئون المغرب إلى ابن عمه يوسف بن تاشفين (٤٥٣ هـ)، وقسمت الجيوش المرابطية عندئذ إلى قسمين، تولى يوسف إمرة أحدهما ليتم به إخضاع المغرب، وسار أبو بكر إلى الصحراء في القسم الآخر. وقد أشرنا من قبل إلى خاتمة أبى بكر، وكيف أنه حينما عاد بعد إتمام مهمته في الصحراء إلى المغرب ولقي يوسف (سنة ٤٦٥ هـ)، ورأى من عظمة سلطانه وقوته، ما أدرك معه أن كل أمل قد غاض في استرداد إمارته على المغرب، قد ارتد ثانية إلى الصحراء، وهنالك اخترق مشارف الصحراء الكبرى، ودخل منطقة النيجر الوسطى، ولبث حيناً يقوم بغزوات متوالية في قلب مملكة السودان، وعاصمتها يومئذ مدينة غانة، وفي مملكة مالي، وهو يعمل على نشر الإسلام بين تلك القبائل السود، التي كانت يومئذ تدين بالنصرانية، والتي تضع الرواية تاريخ إسلامها في سنة ٤٦٩ هـ (١٠٧٦ م) (١). واستمر يتابع الجهاد والغزو حتى توفي قتيلا في بعض المعارك في سنة ٤٨٠ هـ (١٠٨٧ م). أما يوسف فقد عني من جانبه بإتمام فتوح المغرب واستطاع أن يخضع معظم نواحيه، وأنشأ مدينة مرّاكُش (٤٦٢ هـ - ١٠٦٩ م) لتكون قاعدة لملكه، وعاصمة للأقطار المغربية المترامية التي تم له افتتاحها (٢).
وهنا يتشح يوسف بن تاشفين بثوب الملك السياسي والإمارة الفعلية. وقد كان مذ ندب لقيادة الجيش المرابطي، وتوالت على يديه فتوح المغرب، يتشح بثوب الرياسة والإمارة القَبَلي. وهنا تختلف الرواية في أصل ألقابه الملوكية، وأوضاعها. والتاريخ يعرف يوسف بن تاشفين " بأمير المسلمين، وناصرالدين ".
فمتى كان اتخاذه لهذا اللقب؟ وفي أي ظروف وقع ذلك؟
стр. 1197
هنالك روايتان في ذلك. الأولى خلاصتها أن يوسف بن تاشفين لما كثرت فتوحه، وترامت أطراف مملكته، وكان يقتصر عندئذ على التسمى " بالأمير " اجتمعت إليه أشياخ لمتونة، وأعيان دولته، وقالوا له أنت خليفة الله في أرضه، وأن حقه يسمو على لقب الإمارة، واقترحوا عليه أن يتسمى " بأمير المؤمنين " فأبى واعتذر بأن هذا اللقب إنما يتسمى به خلفاء بني العباس، سلالة النبي، وأصحاب الحرمين، وأنه يعتبر في المغرب رجلهم والقائم بدعوتهم، ولكنه استجاب إليهم في التسمي " بأمير المسلمين " و " ناصر الدين " وكان ذلك في سنة ٤٦٦ هـ، وخُطب له بذلك في المنابر، وخوطب في العُدوتين، وخرج بذلك كتابه إلى النواحي، وهذا نصه بعد الديباجة:
" أما بعد حمد الله، أهل الحمد والشكر، ميسر اليسر، وواهب النصر، والصلاة على محمد المبعوث بنور الفرقان والذكر، وإنا كتبنا إليكم من حضرتنا بمراكش حرسها الله في نصف محرم سنة ستة وستين وأربعمائة، وأنه لما منّ الله علينا بالفتح الجسيم، وأسبغ علينا من أنعمه الظاهرة والباطنة، وهدانا وهداكم إلى شريعة نبينا محمد المصطفي الكريم، صلى الله عليه أفضل السلام، وأتم التسليم، رأينا أن نخصص أنفسنا بهذا الاسم، لنمتاز به على سائر أمراء القبائل، وهو أمير المسلمين وناصر الدين، فمن خطب الخطبة العلية السامية، فليخطبها بهذا الاسم إن شاء الله تعالى، والله ولي العدل، بمنه وكرمه، والسلام " (١).
ولكن هذه الرواية تعارضها رواية أخرى ربما كانت أكثر قبولا. ذلك أنه يوجد لدينا أكثر من نص يؤيد القول، بأن تلقب يوسف بن تاشفين بهذا اللقب، وقع عقب انتصاره في موقعة الزلاّقة، وهذا ما يوضحه لنا صاحب " روض القرطاس " إذ يقول، إن يوسف كان يُدعى أولا بالأمير، فلما فتح الأندلس وصنع غزاة الزلاّقة، وأذل الله تعالى بها ملك الروم، بايعه في ذلك اليوم أي عقب النصر، ملوك الأندلس وأمراؤها الذين شهدوا معه تلك الغزاة، وكانوا ثلاثة عشر ملكاً، وسلموا عليه " بأمير المسلمين ". وخرجت كتبه مصدرة عنه بذلك إلى
стр. 1198
العُدوة وبلاد الأندلس، فقرئت على المنابر، وفيها يخبرهم بما فتح الله عليه من النصر والظفر والفتح العظيم. ثم يزيد على ذلك بأن يوسف هو أول من تسمى بأمير المسلمين من ملوك المغرب (١). وهذه الرواية يؤيدها ابن الخطيب في الإحاطة إذ يقول لنا بإيجاز في ترجمة يوسف: " تسمى بأمير المسلمين لما احتل الأندلس، وأوقع بالروم وكان قبل يدعى الأمير يوسف " (٢). ونحن نرجح هذه الرواية الأخيرة لأنها أكثر اتفاقاً مع منطق الحوادث ودلالتها.
أما اعتراف يوسف بن تاشفين بطاعة الخليفة العباسي، فمسألة تتفق عليها معظم الروايات. ويقول ابن الأثير، وهو من أقدم مصادرنا في ذلك، إن يوسف بعد أن تم له افتتاح ممالك الطوائف، والاستيلاء على الأندلس، وعاد إلى حضرة ملكه مراكش، جمع الفقهاء وأحسن إليهم، فذكروا له أنه ينبغي أن تكون ولايته صادرة من الخليفة لتجب طاعته على الكافة، وأنه يجب أن يأتيه منه تقليد بحكمه للبلاد، ويُرجع ابن الأثير هذا النصح إلى علماء الأندلس خاصة، ويقول لنا إن يوسف أرسل على أثر ذلك إلى الخليفة المقتدي بأمر الله، فوافته الخلع والأعلام والتقليد، ولُقب بأمير المسلمين وناصر الدين. ومعنى ذلك أن يوسف تسمى بهذه الألقاب الملوكية، أو أنها خلعت عليه فقط حينما أتاه المرسوم أو التقليد العباسي بذلك. وفي ذلك تختلف رواية ابن الأثير عن باقي الروايات (٣).
ومن جهة أخرى فإن ذلك لابد أن يكون قد وقع قبل سنة ٤٨٧ هـ (١٠٩٤ م) وهي السنة التي توفي فيها الخليفة المقتدي بأمر الله. ويبدو من كلام صاحب " روض القرطاس " وابن الخطيب ما يؤيد ذلك، وأن صدور هذا التقليد العباسي ليوسف قد وقع عقب انتصار الزلاّقة (٤٧٩ هـ)، وأن يوسف قد ضرب السّكة عقب ذلك، وأصدر الدينار المرابطي الجديد وفي أحد وجهيه " لا إله إلا الله، محمد رسول الله " وتحت ذلك " أمير المسلمين يوسف بن تاشفين "، ونقش في مداره: " ومن يتبع غير الإسلام ديناً، فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين " وكتب في الوجه الآخر " الإمام عبد الله أمير المؤمنين العباسي " (٤).
стр. 1199
على أن ابن خلدون يقول لنا بالعكس إن يوسف قد كتب في شأن تقليده إلى الخليفة المستظهر بالله، ولد المقتدي بالله وخلفه، وأنه بعث إليه في ذلك الغرض سفارة على رأسها عبد الله بن محمد بن العربي المعافري الإشبيلي وولده القاضي أبو بكر وهو الحافظ الشهير فيما بعد " فتلطفا في القول، وأحسنا في الإبلاغ، وطلبا إلى الخليفة أن يعقد ليوسف على المغرب والأندلس " فصدر له عهده بذلك، وعاد السفيران يحملان التقليد بولاية يوسف على ما تحت نظره من الأقطار والأقاليم، وأذيعت محتويات هذا التقليد بين الناس. وكذلك كتب الإمام الغزالي، والقاضي الطرطوشي إلى يوسف يحضانه على العدل والتمسك بالخير، ويفتيانه في شأن ملوك الطوائف (١).
ولقد وقفنا نحن على ما يؤيد هذه الرواية الأخيرة - رواية ابن خلدون - تأييداً قاطعاً، وحصلنا على نص الرواية التي سجلها ابن العربي عن مهمته، وعن لقائه بالإمام الغزالي في بغداد، وما استصدره من الفتوى الخاصة بموقف يوسف من أمراء الطوائف، ومن الخلافة، كما حصلنا على النص الكامل للخطاب الذي كتبه الإمام الغزالي عن هذا الموضوع، إلى يوسف بن تاشفين، وحمله الفقيه ابن العربي معه عند عوده إلى الأندلس.
ونحن نعرف أولا أن الفقيه ابن العربي وولده أبا بكر، قد رحلا إلى المشرق في مهمتهما المذكورة في مستهل ربيع الأول سنة ٤٨٥ هـ، وإن كانت رحلتهما قد اتخذت يومئذ طابع السفر لطلب العلم (٢). وكان يوسف قد اشترك بعد الزلاّقة، مع أمراء الطوائف في حصار حصن لييط Alédo في سنة ٤٨١ هـ (١٠٨٨ م) وشهد عندئذ من تمردهم، ونفاقهم، وجنوحهم إلى ممالأة النصارى، ما أحفظه عليهم. ثم جاز جوازه الثالث إلى الأندلس في سنة ٤٨٣ هـ (١٠٩٠م)، وكان عندئذ قد اعتزم أمره في افتتاح ممالك الطوائف، وأخذ يستولي عليها تباعاً، وكان يهمه إلى جانب الحصول على المرسوم الخلافي، أن يحصل على سند شرعي يبرر تصرفه نحو أولئك الأمراء. فلما وصل الفقيه أبو محمد العربي وولده أبو بكر إلى بغداد، لقى الإمام أبا حامد الغزالي، قطب فقهاء المشرق يومئذ، وشرح له
стр. 1200
أحوال الأندلس، وخلال أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، وما اضطلع به من أعمال الجهاد وإعزاز الدين، وما كان عليه ملوك الطوائف من تفرق وتخاذل، واستعداء للنصارى، وكيف تخلف بعضهم عن مشاركته في الجهاد مجاملة للمشركين.
فلما قام بحصار النصارى، عقب جوازه الثاني، في حصن لييط، تخلف بعض رؤساء الشرق عن معاونته، وقالوا إن طاعته ليست بواجبة لأنه ليس إماماً شرعياً من قريش. ووقف يوسف على رسالة وجهت من بعضهم إلى العدو، يشجعه على المقاومة والصمود، وكان جواب يوسف لأولئك الزعماء المتمردين، أنه خادم أمير المؤمنين المستظهر، وأن الخطبة تجري باسمه على أكثر من ألفي منبر، وتضرب السكة باسمه. وطلب الفقيه ابن العربي إلى الإمام الغزالي أن يزوده فيما تقدم بفتوى تبين حكم الشرع فيه، وأن يزوده بكتاب إلى أمير المسلمين. فأما الفتوى فقد جاء فيها " أن يوسف كان على حق في إظهار شعار الإمامة للخليفة المستظهر (١)، وأن هذا هو الواجب على كل ملك، استولى على قطر من أقطار المسلمين، وإذا نادى الملك المشمول بشعار الخلافة العباسية، وجبت طاعته على كل الرعايا والرؤساء، ومخالفته مخالفة للإمام، وكل من تمرد واستعصى، فحكمه حكم الباغي، ومن حق الأمير أن يرده بالسيف، وأن يقاتل الفئة المتمردة على طاعته، لاسيما وقد استنجدوا بالنصارى، وهم أعداء الله، في مقاتلة المسلمين، وهم أولياء الله، وأن يستمر في قتالهم حتى يعودوا إلى طاعة الأمير العادل، المتمسك بطاعة الخلافة العباسية، ومتى تركوا المخالفة، وجب الكف عنهم، وذلك عن المسلمين منهم دون النصارى. وأما ما يظفر به من أموالهم فمردود عليهم وعلى ورثتهم، وما يؤخذ من نسائهم وذراريهم في القتال مهدورة لا ضمان فيها، وحكمهم بالجملة في البغي على الأمير المتمسك بطاعة الخلافة، المستولى على المنابر والبلاد بقوة الشوكة، وحكم الباغي على نايب الإمام، فإنه وإن تأخر عنه صريح التقليد لاعتراض العوايق المانعة، من وصول المنشور بالتقليد، فهو نايب بحكم قرينة الحال، إذ يجب على إمام المصر أن يأذن لكل مسلم عادل، استولى
стр. 1201
على قطر من أقطار الأرض، أن يخطب له، وينادي بشعاره، ويحمل الخلق على العدل والنصفة، ولا ينبغي أن يظن بالإمام توقف في الرضا بذلك والإذن فيه، وأن توقف في كتبه المنشور، فالكتب قد يعوق عن انشايها، وإيصالها المعاذير. وأما الإذن والرضى بعدما ظهر حال الأمر في العدل والسياسة، وابتغاء المصلحة للتفويض والتعيين، فلا رخصة في تركه، وقد ظهر حال هذا الأمير بالاستفاضة ظهوراً لا يشك فيه. وإن لم يكن عن إيصال الكتب وانشايه عايق، وكانت هذه الفتنة لا تنطفي، إلا بأن يصل إليهم صريح الإذن والتقليد بمنشور، مقرون بما جرت العادة بمثله في تقليد الأمراء، فيجب على حضرة الخلافة بذل ذلك، فإن الإمام الحق عاقلة الإسلام، ولا يحل له أن يترك في أقطار الأرض فتنة ثايرة، إلا ويسعى في إطفائها بكل ممكن ".
هذا هو نص فتوى الإمام الغزالي لابن العربي عن حكم الشرع في موقف ملوك الطوائف، حسبما شرحه ابن العربي للإمام، وعن حق يوسف في الحصول على المرسوم الخلافي بولايته على ما فتحه من الأقطار بسيفه. وقد عاد الإمام الغزالي بعد ذلك، فكتب إلى يوسف كتاباً يعرض فيه بالتفصيل إلى قصة ملوك الطوائف، حسبما رواها له ابن العربي، وإلى ما كانت عليه الأندلس في ظل حكمهم من التخاذل والذل، والصغار والهوان، وإلى استطالة النصارى عليها، لما كان يسودها من تفرق الكلمة واختلاف الرأي، حتى انتهى النصارى بأن رتبوا الجزية على المسلمين. ثم يشير إلى صريخ الطوائف إلى يوسف، وإلى جوازه البحر للجهاد، وإلى ما وفقه الله من دحض شوكة النصارى، وأنه حينما طلب يوسف إلى ملوك الطوائف أن يرفعوا المظالم عن المسلمين، عادوا فجنحوا إلى ممالأة النصارى، فسأله المسلمون عندئذ إنزالهم عن البلاد، فاستجاب لرغبتهم، ورفع المظالم وقطع الفساد، وينوه بما أبداه يوسف من العمل بأحكام الله، ومن إيثار العلماء والاستماع لرأيهم فيما يفتون إليه من الأحكام، ثم يشير بعد ذلك إلى ما أصدره من فتوى في شأن ملوك الطوائف، وإلى ما كان ابن العربي بصدده من السعى إلى استصدار المرسوم الخلافي بولاية يوسف على جميع بلاد المغرب، وتمكين طاعته، وإلى ما كان يبثه ابن العربي من دعاية واسعة للإشادة بحكم يوسف وخلاله، سواء في العراق أو في المشاهد الكريمة بأرض الحجاز. ولم يثبت الغزالي بخطابه تاريخاً معيناً، ولكن يبدو من نصه أنه كتبه قبل " مسيره إلى سفر
стр. 1202
الحجاز ". ونحن نعرف من حياة الغزالي أن ذلك كان في سنة ٤٨٨ هـ (١).
وكذلك حصل ابن العربي من العلامة أبى بكر الطرطوشي، حين مروره على ثغر الإسكندرية، وهو في طريق العودة، على خطاب آخر برسم أمير المسلمين يوسف. ويسدي الطرطوشي في كتابه النصح إلى يوسف بأن يحكم بالحق وفقاً لكتاب الله، وأن يكون شفيقاً على رعيته شفقة الرجل على أهله، وأن يعمل لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويجري الطرطوشي في إسداء نصحه على طريقته في إيراد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأقاصيص الخلفاء والصحابة (٢).
وتوفي الفقيه ابن العربي في ثغر الإسكندرية في فاتحة سنة ٤٩٣ هـ (٣)، وعاد ابنه أبو بكر دونه إلى الأندلس في نفس العام، وهو يحمل الرسالتين - رسالة الغزالي ورسالة الطرطوشي - وكذلك مرسوم الخليفة المستظهر إلى عاهل المرابطين.
وهكذا يبدو أنه مما لا مراء فيه، أن مؤسس الدولة المرابطية الكبرى، كان ينضوي من الناحية السياسية تحت لواء الخلافة العباسية وأنه كان يُدعى حتى قبل صدور هذا التقليد في الخطبة ليوسف بعد الدعاء للخليفة العباسي، في سائر نواحي المغرب والأندلس. وسنرى فيما بعد كيف أن هذه الرعاية الأدبية العباسية للدولة المرابطية، تمتد إلى ما بعد عهد يوسف، وأن الخليفة العباسي يسبغ في مراسلاته على عاهل المرابطين بعض الألقاب الخاصة.
- ٢ -
عرفنا فيما سبق كيف آلت إمارة المغرب إلى يوسف بن تاشفين، مذ عهد إليه بشئونه ابن عمه الأمير أبو بكر اللمتوني في سنة ٤٥٣ هـ (١٠٦١ م)، وكيف ارتد هذا الأمير إلى الصحراء وهنالك توفي، وخلصت إمارة المغرب نهائياً ليوسف، وقامت الدولة المرابطية الكبرى، بالمغرب والأندلس، في ظل عاهلها الكبير.
стр. 1203
وأراد يوسف في أواخر حياته، وبعد أن تم له افتتاح الأندلس، أن يؤثل ملكه، وأن يطمئن لمصاير دولته العظيمة، وذلك باختيار ولي عهده. وكان ليوسف من البنين خمسة هم، أبو بكر سير، وعلي، وتميم، والمعز، وإبراهيم، ومن البنات ثلاث هن كوتة ورقية وتميمة (١). وكان أبو بكر أكبر بنيه وولي عهده فيما يظهر، وقد استخلفه أبوه على المغرب حينما عبر البحر لأول مرة إلى الأندلس، في شهر ربيع الأول سنة ٤٧٩ هـ، استجابة لصريخ الطوائف. ولما انتهت معركة الزلاّقة بظفر المسلمين الباهر، وارتدت الجيوش المرابطية إلى إشبيلية في طريقها إلى العودة، تلقي يوسف نبأ وفاة ولده أبى بكر، وكان قد تركه مريضاً في سبتة، ويقول لنا صاحب القرطاس، إن هذا النبأ المحزن. وصل إلى يوسف في يوم النصر ذاته (٢). وكان هذا الحادث سبباً في تعجيل يوسف بالعودة، بل يقال لنا أيضاً إنه كان سبباً في إحباط خطط يوسف، وتركه كل فكرة في مطاردة الجيوش النصرانية المنهزمة (٣).
وفي سنة ٤٩٥ هـ (١١٠١ م)، قرر يوسف أمره في ولاية عهده، ووقع اختياره في ذلك على ولده أبى الحسن علي، ولم يكن علي أكبر أولاده، إذ كان أكبرهم عندئذ، أبو الطاهر تميم، ولكنه آثر علياً لما آنسه فيه من الورع والنباهة والحزم، وأصدر مرسومه بولايته لعهده في نفس العام، وإليك نص هذا المرسوم بعد الديباجة، وهو من إنشاء الوزير الفقيه أبى محمد بن عبد الغفور، وقد كان من أعلام البلاغة في هذا العصر:
" أما بعد فإن أمير المسلمين، وناصر الدين، أبا يعقوب يوسف بن تاشفين، لما استرعاه الله على كثير من عباده المؤمنين، خاف أن يسأله الله غدا عما استرعاه، كيف تركه هملا لم يستنب فيه سواه. وقد أمر الله بالوصية فيما دون هذه العظيمة، وجعلها من أوكد الأشياء الكريمة، كيف في هذه الأمور العائدة بمصلحة الخاصة والجمهور. وأن أمير المسلمين بما لزمه من هذه الوظيفة، وخصه الله بها من
стр. 1204
النظر في هذه الأمور الدينية الشريفة، قد أعز الله رماحه وأحدّ سلاحه، فوجد ابنه الأمير الأجل، أبا الحسن أكثرها ارتياحاً إلى المعالي واهتزازاً، وأكرمها سجية وأنفسها اعتزازاً، فاستنابه فيما استرعى، ودعاه لما كان إليه دعى، بعد استشارة أهل الرأي على القرب والنأي، فرضوه لما رضيه، واصطفوه لما اصطفاه، ورأوه أهلا أن يسترعي فيما استرعاه، فأحضره مشترطاً عليه الشروط الجامعة بينها وبين المشروط، فقبل ورضى، وأجاب حين دعى، بعد استخارة الله الذي بيده الخيرة، والاستعانة بحول الله الذي من آمن به شكره. وبعد ذلك مواعظ ووصية، بلغت من النصيحة مرامي قصية، يقول في خاتمة شروطها، وتوثيق ربوطها، كتب شهادته على النائب والمستنيب، من رضى إمامتهما على البعيد والقريب، وعلم علماً يقيناً بما وصاه في هذا الترتيب، وذلك في عام خمسة وتسعين وأربعمائة " (١).
وكان من الشروط التي اشترطها يوسف على ولده وولي عهده علي، فيما يختص بالدفاع عن الأندلس، هو ألاّ يعين في مناصب الحكام والقضاة في الولايات والحصون والمدن إلا المرابطين من قبيلة لمتونة، وأن ينشىء بها جيشاً مرابطياً ثابتاً، قوامه سبعة عشر ألف فارس، توزع على مختلف القواعد، فيرابط منها بإشبيلية سبعة آلاف، وبقرطبة ألف، وبغرناطة ألف، وفي شرقي الأندلس أربعة آلاف، وتوزع الأربعة آلاف الباقية على الثغور والحصون المتاخمة لأراضي العدو.
هذا ويحسن أن يعهد إلى الأندلسيين بحراسة الحدود النصرانية، فهم أكثر خبرة بأحوال النصارى، وأكثر دربة على قتالهم من المرابطين. وفي سنة ٤٩٦ هـ، (١١٠٢ م) (٢) جاز يوسف بن تاشفين إلى الأندلس جوازه الرابع والأخير، ومعه ولداه أبو الحسن على وأبو الطاهر تميم (٣). وكان يوسف يقصد بهذا الجواز النظر في شئون الأندلس ومصالحها، وكان يقصد بالأخص أن ينظم البيعة لولده على الذي اختاره لولاية عهده. ويقول لنا صاحب روض القرطاس، إن علياً لم يكن مع والده في هذا الجواز، وإنه بالعكس كان يقيم عندئذ في سبتة التي ولد بها
стр. 1205
ونشأ (١). ونحن نرجح الرواية الأولى بحضور على مع والده إذ كان هو المقصود بتنظيم البيعة، ومن المعقول أن يكون حاضراً في حفل تنظيمها. وفي أواخر سنة ٤٩٦ هـ، كان يوسف بقرطبة، عاصمة الخلافة، وكانت يومئذ قاعدة للحكم المرابطي في الأندلس، وجمع يوسف أعيان قبيلة لمتونة، وأشياخ المرابطين والفقهاء، وأخذ البيعة عليهم جميعاً لولده علي، وصدر كتاب التولية والبيعة عن يوسف لولده، مدبّجاً بقلم وزيره وكاتبه أبى بكر بن القصيرة علم البلاغة، وإمام النثر والترسل يومئذ، وإليك نص الكتاب المذكور:
" هذا كتاب تولية عظيم جسيم، وتوصية حميم كريم، صدرت على الرضا قواعده، وأكدت بيد التقوى معاقده، وسددت إلى الحسنى مقاصده، وأبعدت عن الهوادة والهوى مصادره وموارده، أنفذه أمير المسلمين، وناصر الدين، أبو يعقوب يوسف بن تاشفين أدام الله أمره، وأعز نصره، وأطال فيما يرضيه منه، ويرضى به عنه عمره، غير محاب ولا تارك في النصيحة لله ولرسوله والمسلمين، موضع ارتياب لمرتاب، للأمير الأجل أبى الحسن عليّ ابنه، المتقبل هممه وشيمه، المتأثل حلمه وتحلمه، الناشىء في حجر تقويمه وتأديبه، المتصرف بين يدي تخريجه وتدريبه، أدام الله عزه وتوفيقه، ونهج إلى كل صالح من الأعمال طريقه، وقد تهمم، بمن تحت عصاه من المسلمين، وهدى في انتقاء من يخلفه هدو المتقين، ولم ير أن يتركهم بعد سدى غير مدينين، واعتام في النصاب الرفيع، واختار واستنصح أولي الرأي والدين، واستشار فلم يوقع بعد طول تأمل وتراخي مدة، وتمثل اختياره في اختيار من فاوضه في ذلك من أولي التقوى والحنكة، واستشارة [الأعلية] ولا صار بدونهم الارتياد والاجتهاد إلا إليه، ولا التقى رواد الرأي والتشاور إلا لديه، فولاه عن استحكام بصيرة، وبعد طول مشورة، عهده، وأفضى إليه الأمر والنهي والقبض والبسط بعده، وجعله خليفته الساد في رعاية مسده، وأوطأ عقبه جماهير الرجال، وناط به مهمات الأمور والأعمال، وعهد إليه أن يتقي الله ما استطاع، ولا يعدل عن سمت العدل وحكم الكتاب والسنة، في أحد عصا أو أطاع، ولا ينام عن حماة الحدب والخوف بالإضطجاع، ولا يتلين دون معلن بشكوى، ولا يتصام عن مستصرخ لدى بلوى، وأن ينتظم أقصى البلاد وأدناها في سلك تدبيره، ولا يكون بين
стр. 1206
القريب والبعيد في إحصائه وتقديره. ثم دعا أدام الله تأييده لمبايعته، أدام الله عزه، من حضر و .. من المسلمين، فلبوا مسرعين وأتوا مهطعين، وأعطوا صفقة إيمانهم متبرعين متطوعين، وبايعوه على السمع والطاعة، والتزام سنن الجماعة, وبذل النصيحة جهد الاستطاعة، ومناصفة من ناصفه، ومحاربة من حاربه, ومكايدة من كايده، ومعاندة من عانده، لا يدخرون في ذلك على حال المنشط مقدرة، ولا يحجون في حالتي الرضا والسخط إلى معذرة، ثم أمر بمخاطبة ساير أهل البلاد لتبايعه، كل طائفة منهم في بلدها، وتعطيه كما أعطاه من حضر, صفقة يدها، حتى ينتظم في التزام طاعته القريب والبعيد، ويجتمع على الاعتصام بحبل دعوته الغايب والشهيد، وتطمين من أعلام الناس وخيارهم نفوس قلقة، وتنام عيون لم تزل مخافة أقذائها مورقة، ويشمل الناس كافة السرور والاستبشار، وتتمكن لديهم الدعة، ويمهد القرار، وتنشأ لهم في الصلاح آمال، ويستقبلهم جد صالح وإقبال، والله يبارك بيعة رضوان، وصفقة رجحان، ودعوة يمن وإيمان، إنه على ما يشاء قدير، لا إله إلا هو نعم المولى ونعم النصير. شهد على إشهاد أمير المسلمين بكل ما ذكر عنهم فوق هذا من بيعته .. حمله عنه ممن التزم البيعة المنصوصة قبل، وأعطى صفقته طائفاً متبرعاً، وبالله التوفيق، وكتب بحضرة قرطبة في ذي الحجة سنة ست وتسعين وأربعمائة " (١).
- ٣ -
وقد سبق أن عرضنا من قبل في كتاب " دول الطوائف " إلى لمحة من خلال يوسف وصفاته (٢)، ونود هنا أن نبسط القول في ذلك.
إن شخصية البطل المرابطي العظيم تنطوي على كثير من الصفات اللامعة، التي جعلت من حياته المديدة الحافلة، نموذجاً مثالياً لهذا النوع من البطولة الساذجة الرائعة معاً. والواقع أن أروع ما في صفاته، تلك الهالة الوضاءة من البساطة المؤثرة، التي لبثت شعار حياته كلها، والتي لم تتأثر بتطورات الأحداث السياسية التي
стр. 1207
خاضها، والفتوح العظيمة التي حققها، والتي جعلت من الدولة المرابطية الكبرى، في ظله، أعظم دولة قامت في المغرب الإسلامي، من حيث المدى الإقليمي، ومن حيث القوى والموارد الزاخرة، إذ كانت تمتد من تونس شرقاً إلى المحيط الأطلنطي غرباً، ومن ضفاف نهر الإيبرو والتاجُه في شبه الجزيرة الإسبانية شمالا، إلى قلب الصحراء الإفريقية الكبرى جنوباً. فقد لبث البطل المرابطي، عاهل هذه الدولة الشامخة، على حالته الأولى، مذ كان زعيماً محلياً من زعماء الصحراء، بدوياً متقشفاً يرتدي الصوف الخشن، ولا يلبس غيره قط، ويقتصر في طعامه على الشعير ولحوم الإبل وألبانها، لا يأكل سواها قط (١)، ولم يتأثر طول حياته، بأية نزعة من ترف القصور، ولا عيشها الناعم ولا مغرياتها المفسدة، بالرغم من هذا الملك الباذخ، وهذه الدنيا العريضة التي كانت تحت أقدامه. ويكفي أن نتأمل مدى لحظة عابرة، ما كانت عليه قصور الطوائف الأندلسية من الفخامة والبذخ الطائل، وما كان يغرق فيه أمراؤها الأصاغر من العيش الرخو الوثير المترف، تتألق ثيابهم الفخمة بالذهب والجوهر، وتحيط بهم أكواب الشراب وأسراب الغلمان والجواري والفتيات - يكفي أن نتأمل ذلك، لنرتفع بحياة البطل المرابطي، إلى ذرى الإكبار والإجلال والإعجاب.
وقد كانت هذه البساطة المؤثرة التي طبعت حياة يوسف بن تاشفين، تقترن في نفس الوقت بطائفة من الصفات المعنوية النبيلة، التي تجعل من صاحبها عماداً حقيقياً للملك، وتتوطد بها أسس الدولة العظيمة. فقد كان يوسف يتمتع بكثير من الذكاء والفطنة، والعزم والشجاعة والحزم، والكرم والجود، وكان فضلا عن ذلك كثير التقى والورع. وإلى ذلك يشير ابن الصيرفي مؤرخ الدولة المرابطية بقوله: " كان ﵀ خائفاً لربه، كتوماً لسره، كثير الدعاء والاستخارة، مقبلا على الصلاة، مديماً للاستغفار " (٢). ويلحق بذلك شغف يوسف بالجهاد، فقد كان بطلا مجاهداً حقاً، وقد أنفق من عمره أعواماً طويلة في الجهاد في سبيل الله، مذ ندبه ابن عمه الأمير أبو بكر اللمتوني لقيادة المرابطين. وقد تجلت هذه النزعة للجهاد فيما بعد بصورة رائعة، في استجابته لصريخ الطوائف، وفي موقعة الزلاّقة العظيمة، وفيما خاضته الجيوش المرابطية، في مختلف
стр. 1208
أنحاء الأندلس، ولاسيما في الولايات الشرقية في بلنسية وسرقسطة من معارك عديدة، ضد الجيوش النصرانية، ولم يكن غريباً في مثل الظروف التي كانت تجوزها اسبانيا المسلمة يومئذ، من تخاذل أمراء الطوائف وتنابذهم، وتراميهم على أعتاب الملوك النصارى، وإشفاق البطل المرابطي، أن ينتهي الأمر باستيلاء النصارى على الأندلس، أن ينفذ يوسف مشروعه في القضاء على ممالك الطوائف، ووضع الأندلس تحت حماية جيوشه القوية المظفرة، ولم يكن في ذلك ما يصدع من نزعة الجهاد، التي كانت من أبرز صفات يوسف، والتي لبثت الجيوش المرابطية تضطرم بها من بعده عصراً.
وكان يوسف بن تاشفين جندياً عظيماً، وقائداً من أعظم قواد العصور الوسطى، وقد أبدى في سائر فتوحه المتوالية لأقطار المغرب، كفاية عسكرية واضحة، ولم يكن ظفره المستمر راجعاً إلى كثرة جيوشه ومقدرتها، بقدر رجوعه إلى براعته في تنسيق الخطط، وتنظيم القيادة، وانتهاز الفرص السانحة. وأشد ما تبدو هذه البراعة في حوادث موقعة الزلاّقة وتطوراتها، فإن النصر الباهر الذي أحرزته الجيوش المرابطية والأندلسية، في هذه الموقعة، يرجع بالأخص إلى شجاعة يوسف وثباته، وبراعة خططه، وقد كان من حسن طالع يوسف، أنه استطاع أن يعتمد في حروبه ومشاريعه العسكرية، على معاونة طائفة من أقدر القواد وأشجعهم، مثل سير بن أبى بكر، وداود بن عائشة، والأمير مزدلي، ومحمد بن الحاج وغيرهم ممن سبق ذكرهم في مختلف المواطن والحوادث.
وإلى جانب براعته العسكرية، كان يوسف يمتاز بمقدرة إدارية فائقة، وكان هذا الزعيم الصحراوي الموهوب، يحكم الإمبراطورية المرابطية الضخمة، بحزم وكفاية تدعو إلى الإعجاب، وكان إلى جانب ورعه وتقواه، صارماً شديد الوطأة، حريصاً على استتاب النظام والأمن، دائباً على تفقد بلاده وشئون رعيته. ويلخص لنا ابن الصيرفي طريقة يوسف وصرامته في قمع المعارضين والخوارج على القانون في قوله: " أكثر عقابه لمن تجرأ أو تعرض لانتقامه الاعتقال الطويل، والقيد الثقيل، والضرب المبرح، إلا من انتزى أو شق العصا، فالسيف أحسم لانتشار الداء " (١). ويبدو من ذلك أن يوسف لم يكن يلجأ إلى تطبيق عقوبة
стр. 1209
الإعدام إلا في حالة العصيان أو الثورة، وأنه فيما عدا ذلك فإن أقصى عقوبة تطبق في الجرائم العادية، هي " الاعتقال الطويل، والقيد الثقيل "، وهو ما تعبر عنه القوانين الجنائية الحديثة، بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة.
وقد نوهت معظم الروايات بحب يوسف للعدل وإيثاره، والعمل على توطيده، كما نوهت باحترامه لأحكام الشرع، والحرص على تطبيقها، وتعظيمه للعلماء والفقهاء، والرجوع إليهم والأخذ بآرائهم وفتاويهم. وهو ما يجمله ابن الصيرفي في قوله: " يواصل الفقهاء، ويعظم العلماء، ويصرف الأمور إليهم، ويأخذ فيها بآرائهم، ويقضي على نفسه، وغيره بفتياهم، ويحض على العدل، ويصدع بالحق، ويعضد الشرع " (١). وقد رأينا فيما تقدم في غير موطن، كيف كان يوسف يلجأ إلى رأى الفقهاء في أخطر الأمور، ومن ذلك استشارته إياهم، أولا في مسألة العبور إلى الأندلس، واستجابة صريخ الطوائف، وثانياً في خلع ملوك الطوائف، وانتزاع ممالكهم، ولم يكتف يوسف في ذلك بفتاوى فقهاء المغرب والأندلس، بل لجأ في نفس الوقت الى فقهاء المشرق، وحصل على آراء أعلام مثل أبى حامد الغزالي، وأبى بكر الطرطوشي (٢). ومما يروى في ذلك أن الإمام الغزالي كان يعجب بورع يوسف وجميل صفاته، وميله إلى أهل العلم، حتى أنه اعتزم الرحلة إلى المغرب وزيارة هذا الأمير الأمثل. ولكنه لما وصل إلى الإسكندرية وأخذ في التأهب للسير إلى المغرب، ورد إليه الخبر بوفاة أمير المسلمين، فارتد عن عزمه وعاد من حيث أتى (٣). وكان من أبرز مظاهر تمسك يوسف بأحكام الشرع، وآراء الفقهاء، موقفه من الضرائب والمغارم التي يسوغ للأمير فرضها على رعيته، فهو قد ألغى الضرائب والمكوس، التي لم يجز الدين فرضها، واكتفى بفرض ما يجيزه الشرع من ذلك، مثل الزكاة والأعشار وأخماس الغنائم، وجزية أهل الذمة. وقد كان لهذه السياسة الضريبية الرفيقة، بالأخص في الأندلس، أطيب الأثر، إذ كان ملوك الطوائف يرهقون رعيتهم بالفروض،
стр. 1210
والمغارم الفادحة، تغذية لقصورهم الفخمة، وبذخهم الطائل، وقد كان تماديهم في ذلك، من الأسباب التي التُمست لخلعهم والقضاء على سلطانهم. بيد أن يوسف كان يلجأ في بعض الأحيان إلى فرض الإتاوات على رعاياه، مساهمة منهم في نفقات الجهاد المستمر، الذي كان يضطلع به، وقد كان يلجأ في جواز ذلك أيضاً إلى فتاوى الفقهاء. ومن ذلك ما وقع له مع قاضي ألرية، أبى عبد الله محمد بن يحيى المعروف بابن الفراء، فإنه قرر بعد موافقة الفقهاء، أن يطالب أهل المغرب والأندلس بمعونة مالية للمساهمة في أعمال الجهاد. وكتب إلى قاضي ألمرية المذكور يأمره بتحصيل هذه الإتاوة وإرسالها، فأبى القاضي، وكتب إلى يوسف يطعن في شرعية هذه الإتاوة، وفي رأي الفقهاء الذين أجازوها، ويطالب يوسف، إن كانت خزائنه ناضبة حقاً، بأن يمثل في المسجد الجامع بحضرة أهل العلم، وأن يحلف علناً بأنه ليس لديه في بيت مال المسلمين درهم ينفقه عليهم، أسوة بما فعل عمر بن الخطاب، حين أراد فرض مثل هذه الإتاوة، وعندئذ يجوز له تحصيلها (١).
ومن جهة أخرى فإن يوسف لم يكن يحجم في بعض الأحيان، عن تحصيل الأموال بطرق استثنائية كفرض المغارم على اليهود والنصارى من آن لآخر، لظروف وأسباب خاصة. وقد ذكر لنا صاحب الحلل الموشية طرفاً من ذلك (٢).
وكان المغرب يتمتع في ظل يوسف بكثير من الإستقرار والأمن والرخاء، بعد الفتن والحروب المضطرمة، التي لبثت قبل الفتح المرابطي، زهاء نصف قرن، تمزق أوصاله، وتودى بأمنه وسلامه. ولما تم استيلاء المرابطين على الأندلس، وشعرت الأمة الأندلسية أنها أصبحت في مأمن من عدوان اسبانيا النصرانية، أتيح لها أيضاً أن تتمتع بشىء من الاستقرار والسكينة، وذلك بالرغم مما كانت تشعر به من شدة وطأة الحكم المرابطي، وجفاء أساليبه، وخشونة حكامها الجدد من زعماء البربر، وبعدهم عن تلك الكياسة التي كان يمتاز بها الأمراء والحكام من مواطنيهم. وعلى أي حال فقد عرفت الأندلس في الأعوام الأخيرة من حياة يوسف، وقبل أن يشتد عليها ضغط النير المرابطي، وتستيقظ مشاعرها الوطنية الدفينة، فترة طيبة من الهدوء والاستقرار، يصفها لنا المؤرخ فيما يلي: " أقامت بلاد الأندلس في مدته (أي مدة يوسف) سعيدة حميدة في رفاهة عيش،
стр. 1211
وعلى أحسن حال، لم تزل موفورة محفوظة، إلى حين وفاته " (١).
وكان يوسف فضلا عن حسن اختياره لقادته، يحسن اختيار معاونيه من الكتاب والوزراء. وكان كاتبه قبل أن يجوز جوازه الأول إلى الأندلس، أديباً أندلسياً من أهل ألمرية هو عبد الرحمن بن أسباط، أو أسبط. وكان قد نشأ أديباً مغموراً يشتغل في باب الديوان بألمرية أيام بني صمادح. وفي سنة ٤٧٢ هـ عبر البحر إلى العدوة، ولحق بمراكش يبحث وراء طالعه، واتصل بحاشية الأميرة الحرة زينب زوجة يوسف، فأسند إليه منصب الكتابة. ولما توفيت الأميرة أقره يوسف لكتابته، فظهر في هذا المنصب، ونال حظوة وجاهاً عريضاً، " وكان رجلا حصيفاً سكوناً عاقلا " وكان يوسف يثق في مقدرته وحصافته، وحسن معرفته بشئون الأندلس. وقد لعب عبد الرحمن بن أسباط دوراً هاماً في تدخل يوسف في أحوال الأندلس، واستجابته لصريخ الطوائف، وهو الذي أشار عليه، حينما قرر الجواز إلى شبه الجزيرة، بأن يطالب ابن عباد بثغر الجزيرة ليكون مركزاً أميناً لجواز جيوشه وعودتها إلى العدوة (٢). ومما هو جدير بالذكر أن يوسف بن تاشفين كان لا يعرف العربية، وكان ابن أسباط يجيد اللغة البربرية التي يتحدث بها يوسف (٣) وكان هذا من أسباب حظوته. ولما توفي ابن أسباط في سنة ٤٨٧ هـ، تولى الكتابة ليوسف من بعده، كاتب من أعظم كتاب الأندلس يومئذ، هو محمد بن سليمان بن القصيرة العروف بأبى بكر بن القصيرة، وهو الذي يصفه ابن الصيرفي بقوله: " الوزير الكاتب الناظم الناثر القائم بعمود الكتابة، والحامل للواء البلاغة، الذي لا يشق غباره، ولا تخمد أنواره، اجتمع له براعة النثر، وجزالة النظم " (٤)، وهو الذي كتب عن يوسف حين مثوله بقرطبة في سنة ٤٩٦ هـ، كتابه بتولية ولده علي ولاية عهده حسبما تقدم. ولما توفي يوسف استمر أبو بكر في الكتابة لولده علي حتى وفاته في سنة ٥٠٨ هـ (١١١٤ م)، وفي استخدام يوسف لهذين الكاتبين الأندلسيين البليغين، بالرغم من عدم معرفته بالعربية، ما يدل، على حصافته، وبعد نظره، وإدراكه لأهمية الأساليب العالية في الترسل، وقد
стр. 1212
كان ثمة بين يوسف وبين الخلافة العباسية، وبينه وبين أكابر فقهاء المشرق مراسلات كثيرة. ومن جهة أخرى فقد كانت المراسيم المرابطية، تصدر في أحيان كثيرة باللغتين البربرية والعربية، لتقف عليها الكثرة الغالبة من الرعايا، وهي المتكلمة بالعربية، ومما زاد في أهمية منصب الكتابة في الدولة المرابطية، وشغله بأعلام الكتاب البلغاء، فتح الأندلس، وخضوعها للحكم المرابطي، ووجوب مخاطبتها بنفس الأساليب العربية العالية التي كانت سائدة فيها.
وأما عن شخص يوسف، فإن الرواية تصفه بأنه كان معتدل القامة، أسمر اللون، نحيف الجسم، خفيف العارضين، رقيق الصوت (١).
- ٤ -
في سنة ٤٩٨ هـ، مرض أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، واستمر يعاني من مرضه حتى اشتدت به العلة في العام التالي، ومازالت حالته تسوء شيئاً فشيئاً، حتى حم القضاء، وتوفي في يوم الإثنين مستهل شهر المحرم سنة ٥٠٠ هـ (٢ سبتمبر سنة ١١٠٦ م)، بقصره بمراكش، عن مائة عام كاملة، وبعد أن وصلت الدولة المرابطية الكبرى على يديه إلى ذروة عظمتها وقوتها.
فكان لوفاته وقع عظيم في المغرب والأندلس، ورثاه جماعة من شعراء العصر، منهم أبو بكر بن سوار، وقد أنشد على قبره مرثية مؤثرة جاء فيها:
ملك الملوك وما تركت لعامل ... عملا من التقوى يشارك فيه
يا يوسف ما أنت إلا يوسف ... والكل يعقوب بما تطويه
اسمع أمير المؤمنين وناصر الـ ... ـدين الذي بنفوسنا نفديه
جوزيت خيراً عن رعيتك التي ... لم ترض فيها غير ما يرضيه
وصل الجهاد إلى الجهاد موفقاً ... حتم القضاء بكل ما تقضيه
ويجىء ما دبرته كمجيئه ... فكأن كل مغيّب تدريه
متواضعاً لله مظهر دينه ... في كل ما يبديه ويخفيه (٢)
وقد ترك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين عند وفاته إمبراطورية من أعظم الإمبراطوريات التي حكمها الإسلام، تشتمل على قطرين من أعظم وأهم الأقطار
стр. 1213
الإسلامية في العصور الوسطى، هما المغرب والأندلس، وتمتد فيما بين تونس شرقاً، والمحيط الأطلنطي غرباً، وفيما بين نهر التاجُه في قلب اسبانيا شمالا، وبلاد السودان ونهر النيجر جنوباً. ويكفي لكي نقدر روعة المعجزة العسكرية والسياسية، التي حققتها عبقرية يوسف، أن نرتد نصف قرن فقط إلى ما قبل وفاته، وأن نلقي نظرة عابرة على ما كان عليه المغرب والأندلس يومئذ. فقد كان المغرب عندئذ فريسة لأشنع ضروب التفرق والفوضى، تتقاسم أقطاره وقواعده التالدة، عدة كبيرة من الزعامات القَبَلية، وتقوم فيه إمارات عديدة، متخاصمة متنابذة، وتجتاح الحروب الأهلية الصغيرة مروجه وبواديه، ويسود الفقر والاختلال والفوضى سائر نواحيه. وقد كان قيام المرابطين في جنوبي المغرب، وانتظامهم إلى قوة مصلحة غازية، في هذه الآونة، وسيرهم لافتتاح أقطار المغرب وقواعده، وظفرهم بالتغلب على إماراته وقواعده المتفرقة، وضمها تحت لوائهم في وحدة متماسكة ودولة موحدة، كان ذلك في الواقع عمل إنقاذ قومي من أعظم ما وقع في تاريخ المغرب. وقد اضطلع يوسف بن تاشفين في ذلك كله حسبما رأينا بأوفر نصيب. وكان له في تحقيقه أعظم الفضل. ولما قامت الدولة المرابطية الكبرى، تتوسطها عاصمتها العظيمة مراكش، وتوطدت دعائم الحكم المرابطي، ساد في المغرب نوع من النظام والأمن، لم يكن له به عهد منذ بعيد، وعم الرخاء، واستطاع الناس أن ينعموا بكثير من الاستقرار والهدوء.
ووقعت نفس المعجزة في الأندلس، فبعد أن لبثت زهاء نصف قرن، تعاني في ظل أمراء الطوائف، وفي ظل دولهم الضعيفة المتنابذة، مصائب التفرق، والحروب الأهلية المتوالية، وبعد أن استطال عليها النصارى ومالوا على دول الطوائف، فأذلوها واستباحوا حماها، واستصفوا أموالها، وبدأوا بانتزاع قواعدها، وبعد أن لاح لأهل الأندلس أن الآخرة قد دنت، وأنه لن يمضي سوى القليل، حتى تقضي اسبانيا النصرانية على دول الطوائف كلها، وتنتزع سائر قواعدها وأراضيها، وتسقط الأندلس كلها في يد العدو الخالد، وينطفيء نور الإسلام من تلك الديار العزيزة، بعد ذلك كله جاء جواز يوسف بن تاشفين وجيوشه المرابطية إلى الأندلس، نذير الإنقاذ، وانقشاع الخطر الداهم، وكُتبت لإسبانيا المسلمة حياة جديدة. ثم كان افتتاح المرابطين لدول الطوائف، وبسط سيادتهم على الأندلس، فرُدت إليها وحدتها الإقليمية القديمة، وبالرغم مما اقترن
стр. 1214
بهذا الفتح المرابطي من مظاهر العنف والقسوة، وبالرغم مما كان ينطوي عليه بالنسبة للأمة الأندلسية من معاني الافتئات والاغتصاب، وسيطرة القبائل البربرية على حريات الأندلس ومصايرها، فإنه كان أيضاً عمل إنقاذ لاشك فيه، وكانت سيطرة المرابطين على اسبانيا المسلمة في تلك الفترة العصيبة من حياتها، هي أوكد ضمان بصونها، والذود عنها، وحمايتها من عدوان اسبانيا النصرانية.
وهكذا استطاع يوسف في مدى نصف قرن أن يحقق وحدة المغرب، وأن يحقق وحدة الأندلس معاً، وأخيراً أن يحقق الوحدة بين الدولتين الإسلاميتين العظيمتين في ظل الدولة المرابطية الكبرى.
ولما توفي يوسف كانت هذه الدولة المرابطية الكبرى تمثل بشطريها - المغرب والأندلس - وفقاً لقول المؤرخ " مُلكاً مؤسساً، وجنداً مجنداً، وسلطاناً قاهراً ومالا وافراً " (١).
بيد أن هذه الدولة العظيمة بالرغم مما كان يبدو من توطدها وقوتها ورخائها، كانت تحمل في ثنيتها بعض عوامل الوهن الخفية، التي تسترها المظاهر الخادعة، وهي كانت تدين بوحدتها وقوتها قبل كل شىء إلى عبقرية مؤسسها العظيم. فلما اختفى يوسف من الميدان، فقدت الدولة المرابطية أعظم قادتها وحماتها: فقدت تلك اليد الموجهة المرشدة، التي كانت تقودها دائماً نحو التوطد والظفر، وتلك العقلية الراجحة، التي كانت تستشف الحوادث البعيدة من خلال الحجب، وتعمل على تداركها، وتوجيهها إلى الغاية المرغوبة.
стр. 1215
الفصْل الثاني
أمير المسلمين علي بن يوسف وأحداث عصره
علي بن يوسف يخلف أباه. الثورة في فاس وإخفاقها. على يعبر إلى الأندلس. أعماله وعوده. أمره إلى أخيه تميم باستئناف الغزو. خروج تميم في قواته إلى قشتالة. مسيره إلى حصن أقليش واقتحامه إياه. أهبة ألفونسو السادس لرد الغزاة. مسير القشتاليين إلى أقليش. موقف الجيش المرابطي. عدد الجيشين المتحاربين. التحامهما في معركة عنيفة. مصرع الإنفانت سانشو وهزيمة القشتاليين. خسائر النصارى والمسلمين. إتمام الاستيلاء على أقليش. الروايات النصرانية عن الموقعة. عبور على إلى الأندلس. غزوه لأراضي قشتالة، استيلاؤه على طلبيرة. محاصرته لطليطلة. رفع الحصار وعوده إلى قرطبة ثم إلى مراكش. غزو الأمير سير اللمتوني لأراضي البرتغال. استيلاؤه على يابرة وأشبونة وشنترين. غزو مزدلي والى قرطبة لأراضي قشتالة. استيلاؤه على حصن أرجنة ومحاصرته لطليطلة. القتال بين القشتاليين والمرابطين. رفع الحصار وعود المرابطين. وفاة مزدلي وولاية ولده محمد لقرطبة. غزو القشتاليين لولاية قرطبة. خروج المرابطين لردهم. هزيمة المرابطين ومصرع محمد بن مزدلي وأكابر لمتونة. هزيمة مرابطية أخرى. وفاة الأمير سير والى إشبيلية. التعريف بسير ومزدلي. من أسباب نشاط الغزو المرابطي. أحوال سرقسطة. استيلاء المرابطين عليها. إنتهاء ملك بني هود. ابن الحاج والي سرقسطة. الحرب بين المرابطين وبين عماد الدولة بن هود. غزو ابن الحاج وابن عائشة لإمارة برشلونة. هزيمة المرابطين ومصرع ابن الحاج. أحوال الجزائر الشرقية. افتتاح النصارى لها. أهبة علي لإنقاذها. مسير الأسطول المرابطي إلى الجزائر. استيلاء المرابطين عليها. إحراق كتاب الإحياء في قرطبة. نفوذ الفقهاء وأثرهم في هذا الحادث. عبور على إلى الأندلس للمرة الثالثة. غزوه لأراضي البرتغال واقتحامه لمدينة قلمرية. عوده إلى المغرب. عبوره إلى الأندلس للمرة الرابعة. الثورة في قرطبة. مختلف الروايات في شأنها. مغزى هذه الثورة وأسبابها. موقف علي منها. النقاش بينه وبين ابن رشد. تسوية الحادث وعودة علي.
لما توفي أمير المسلمين، يوسف بن تاشفين، في يوم الاثنين مستهل شهر المحرم سنة خمسمائة (٢ سبتمبر سنة ١١٠٦ م)، بقصره بمراكش، خلفه في نفس يوم وفاته ولده أبو الحسن علي، وكان قد اختاره كما تقدم لولاية عهده، منذ سنة ٤٩٥ هـ، وأصدر له عهد التولية بقرطبة في شهر ذي الحجة سنة ٤٩٦ هـ، مؤثراً إياه بذلك على ولده الأكبر أبى الطاهر تميم. وعقدت البيعة لعلي في نفس اليوم، قبل أن يُواري جثمان العاهل الراحل، وكان أول من بايعه بمحضر من أشياخ لمتونة وباقي قبائل صنهاجة، والأكابر والقادة، أخوه تميم معلناً بذلك طاعته
стр. 1216
لأخيه، واحترامه لإرادة أبيه، ثم بايعه من بعده سائر من حضر من الأشياخ والأكابر، وكتب علي في نفس الوقت إلى سائر قواعد المغرب والأندلس وبلاد القبلة بالصحراء، يعلمهم بموت أبيه، واستخلافه إياه من بعده، ويأمرهم بأخذ البيعة له (١). وكان علي وقت تبوئه الملك، فتى في نحو الثالثة والعشرين من عمره، وكان مولده بثغر سبتة سنة ٤٧٧ هـ (١٠٨٤ م)، عقب سقوطه في أيدي المرابطين بأشهر قلائل، وأمه أم ولد رومية اسمها قمر، وتسمى أيضاً " فاض الحسن ". وقد أنفق على فيما يبدو حداثته في سبتة (٢). ولما توفي الأمير أبو بكر أكبر أولاد يوسف وولي عهده بسبتة في سنة ٤٧٩ هـ عقب نصر الزلاّقة، وأخذ يوسف يبحث عن خلفه بين أولاده، اتجهت نيته لاختيار ولده علي، لما آنسه فيه منذ صغره من ذكاء ونجابة، وكان يصطحبه في كثير من المهام، ولاسيما عند جوازه الأخير إلى الأندلس، حينما عبر إليها ليتفقد أحوالها، وليعقد بها بيعة العهد لعلي.
وكان يوسف قبيل وفاته بقليل، قد أوصى ولده علياً بثلاثة أمور، أولها ألاّ يفعل شيئاً لإثارة أهل جبل دَرَن، ومن وراءه من المصامدة وأهل القبلة، والثاني أن يهادن بني هود أمراء سرقسطة، وأن يتركهم حائلا بينه وبين النصارى، والثالث أن يعطف على من أحسن من أهل قرطبة، وأن يتجاوز عمن أساء منهم (٣)، هذا فضلا عما اشترطه عليه حين خصه بولاية عهده، من الأمور المتعلقة بشئون الأندلس الدفاعية، وهو ما سبق أن أشرنا إليه فيما تقدم.
وكان علي بن يوسف أميراً وافر الهمة والذكاء والعزم، وكانت تحدوه رغبة صادقة، في أن يسير على نهج أبيه في الحكم، وفي متابعة الجهاد، وهو قد سار بالفعل وفق هذا المنهج، وحقق في ظله طائفة من جلائل الأعمال، وهو ما يجمله المؤرخ في قوله: " فاقتفى أثر أبيه، وسلك سبيله في عضد الحق، وإنصاف المظلوم، وأمن الخايف، وقمع المظالم، وسد الثغور، ونكاية العدو، فلم يعدم التوفيق في أعماله، والتسديد في حسن أفعاله " (٤).
стр. 1217
ولأول ولايته وقعت ثورة محلية لم تكن على شىء من الخطورة، ولكنها كانت أول بادرة في الانتقاض والخروج. وذلك أنه حينما كتب إلى القواعد والثغور بأخذ البيعة له، أتته البيعة من سائر البلاد إلا من مدينة فاس، عاصمة المغرب القديمة، وقد كان واليها عند وفاة يوسف، حفيده يحيى بن الأمير أبى بكر أخى علي المتوفى، فرفض أداء البيعة لعمه علي، وأعلن الخلاف، ووافقه على ذلك جماعة من قواد لمتونة، فبادر علي بالسير في بعض قواته إلى فاس، فخشى يحيى البادرة على نفسه، خصوصاً بعد أن تخلى عنه أنصاره، وفر من المدينة، ودخلها علي بن يوسف، وذلك في الثاني من ربيع الآخر سنة ٥٠١ هـ، وأخمدت هذه الثورة الصغيرة في مهدها. وسار يحيى صوب تلمسان ملتجئاً إلى واليها الأمير مزدلي، فلقيه بالطريق، وكان قادماً ليقدم بيعته إلى علي، فاستجار به ووعده مزدلي، بأن يسعى لدى علي في العفو عنه، واختفى يحيى في أحواز فاس حتى لقى مزدلي الأمير وقدم إليه بيعته، وشفع لديه في ابن أخيه، فعفى عنه علي، وخيره بين الإقامة في ميورقة أو في الصحراء، فاختار يحيى الصحراء، ثم سار منها إلى الحجاز فقضى فريضة الحج، وعاد إلى المغرب، واستأذن عمه علياً في سكنى مراكش، فأذن له. ولكن بدت منه عندئذ بعض بوادر مريبة، فخشى علي من نياته، وأمر بالقبض عليه ونفيه إلى الجزيرة الخضراء، فاعتقل بها حتى توفي (١).
ولم يكد على يفرغ من قمع الثورة في فاس، حتى أزمع الجواز إلى الأندلس لتفقد أحوالها، وتنظيم شئونها، فخرج من مراكش في جيش من المرابطين ومصمودة، وعبر البحر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء في منتصف سنة ٥٠٠ هـ (أوائل سنة ١١٠٧ م)، وهناك بادر إليه زعماء الأندلس ورؤساؤها، وقضاتها، وفقهاؤها وأدباؤها وشعراؤها، فقدموا إليه بيعتهم وطاعتهم، وأنشده الشعراء قصائدهم، فعنى بالنظر في مطالبهم، وغمر الجميع بعطفه وصلاته (٢).
وعمد علي في الوقت نفسه إلى إجراء طائفة من التغييرات الإدارية الهامة، فعزل أخاه أبا الطاهر تميما عن ولاية المغرب، وعينه لولاية غرناطة بالأندلس، وجعله قائداً أعلى للجيوش المرابطية فيما وراء البحر. وعين لولاية قرطبة أبا عبد الله
стр. 1218
محمداً بن أبى بكر اللمتوني، وعين لولاية المغرب أبا عبد الله محمداً بن الحاج، فلبث والياً على فاس وسائر أنحاء المغرب زهاء ستة أشهر. ثم عينه علي لولاية بلنسية وشرقي الأندلس، ومن بلنسية، سار ابن الحاج في القوات المرابطية إلى سرقسطة ودخلها في سنة ٥٠٢ هـ (١١٠٩ م) حسبما نفصل بعد (١).
ولما عاد علي إلى المغرب، كتب في أوائل سنة ٥٠١ هـ إلى أخيه تميم والي غرناطة، وقائد الجيوش المرابطية بالأندلس، أن يستأنف الجهاد، وأن يغزو أرض النصارى. وقد كانت غرناطة يومئذ قاعدة الحكم المرابطي في الأندلس بعد قرطبة.
والظاهر أن هذا الاختيار كان يرجع لأسباب استراتيجية تتعلق بموقع غرناطة، وإنما كتب علي لأخيه ولم يعبر إلى الأندلس، حسبما يبدو من أقوال صاحبي الحلل الموشية وروض القرطاس. فإنه يبدو من الرواية الأولى (٢)، أن علياً لم يعبر عبوره الثاني إلى الأندلس إلا في سنة ٥٠٣ هـ (١١١٠ م). وتمر الرواية الثانية على مسألة جواز على بالصمت. ويؤيد ذلك بنوع خاص رسالة كتب بها الأمير تميم إلى أخيه علي عقب الموقعة التي نشبت بينه وبين النصارى، وهي رسالة سوف نتحدث عنها فيما بعد.
ولم يصدر علي أمره باستئناف الغزو والجهاد عفواً، فقد كان ثمة ما يبرره ويستدعيه. ذلك أنه لما مرض أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في سنة ٤٩٨ هـ، وذاع أمر مرضه في الأندلس، ونقلت عن الأحوال في المغرب والأندلس إلى قشتالة أقوال وصور زائفة، اعتقد ألفونسو السادس ملك قشتالة الشيخ أن الفرصة قد سنحت ليستأنف غزواته في أراضي المسلمين، فبعث حملة من نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة مقاتل، سارت نحو أحواز إشبيلية، وعاثت فيها، واستولت على كثير من الغنائم والسبي، فخرج الأمير سير بن أبى بكر والي إشبيلية في قواته لرد الغزاة، ولحقت به عساكر غرناطة بقيادة أبى عبد الله بن الحاج واليها يومئذ، وطارد المسلمون القشتاليين، وردوهم على أعقابهم، وقتلوا منهم نحو ألف وخمسمائة (٣)، ولما تولى علي بن يوسف الملك بعد ذلك بقليل، لم ينس أمر هذا
стр. 1219
العدوان وما يدل عليه من تحفز النصارى، فرأى أن يبادرهم بالغزو، وأن يهاجمهم في قلب أراضيهم.
وصدع تميم بأمر أخيه، وجهز جيشاً حسن الأهبة، وخرج من غرناطة في العشر الأخيرة من شهر رمضان سنة ٥٠١ هـ (أوائل مايو سنة ١١٠٨ م) وسار في قواته شمالا صوب جيّان، وكانت الجنود والإمداد تهرع إليه في طريقه.
ولبث في جيان أياماً قلائل، حتى وافته حشود قرطبة بقيادة واليها أبى عبد الله محمد بن أبى رنق، ثم سار إلى بيّاسة شمال شرقي جيان. واتجه منها شمالا صوب أراضي قشتالة، وانضمت إليه في الطريق حشود مرسية بقيادة واليها أبى عبد الله محمد بن عائشة، وحشود بلنسية بقيادة واليها محمد بن فاطمة. واخترقت القوات المرابطية أراضي قشتالة وعاثت فيها. ثم اتجهت صوب بلدة أقليش الحصينة، وهي التي وقع الاختيار على مهاجمتها، فوصلت إلى ظاهرها في يوم الأربعاء الرابع عشر من شوال (٢٧ مايو).
وقد كانت أقليش في ذلك العصر من أمنع معاقل كورة شنتبرية، وهل محلة حصينة، تقع في شمال جبال طليطلة، وجنوب غربي وبذة، أنشأها الفتح بن موسى بن ذى النون في أواخر القرن الثالث الهجري أيام الأمير عبد الله (١) واتخذها مستقراً ومعقلا، وغدت دار بني ذى النون، حتى ظهروا أيام المنصور ابن أبى عامر، وحكموها أيام اضطراب الخلافة، ثم انتقلوا منها إلى حكم طليطلة على يد إسماعيل بن ذى النون في أوائل المائة الخامسة. ولما سقطت طليطلة في أيدي القشتاليين في صفر سنة ٤٧٨ هـ (١٠٨٥ م) وانتهى سلطان بني ذى النون في تلك المنطقة، كانت أقليش ضمن القواعد والحصون العديدة، التي استولى عليها القشتاليون نتيجة لافتتاح مملكة طليطلة.
وما كادت القوات المرابطية تصل إلى أقليش حتى طوقتها، وهاجمتها بعنف، ولم يستطع النصارى المدافعون عنها، أن يثبتوا طويلا أمام شدة المهاجمين، فسقطت في أيديهم في اليوم التالي وهو يوم الخميس ١٥ شوال (٢٨ مايو)، وفي الحال
стр. 1220
دخلتها القوات المرابطية، وقوضت صروحها، وهدمت كنائسها، ودكت هياكلها، وهرع المسلمون الذين كانوا بها - وكان ما يزال منهم بقية كبيرة فضلت التدجّن والبقاء تحت حكم النصارى - والتجأوا إلى معسكر الجيش المرابطي، لائذين بحمايته، وشرحوا لإخوانهم في الدين أحوال المدينة، وظروف المدافعين عنها (١).
والتجأ المدافعون من النصارى إلى قصبة أقليش الحصينة، وامتنعوا بها في انتظار الغوث والإنجاد من مواطنيهم. والواقع أنه مذ تحركت الجيوش المرابطية، ونفذت إلى أراضي قشتالة، كان الملك الشيخ ألفونسو السادس ملك قشتالة وقادته، يبذلون أقصى جهودهم في إعداد العدة لرد الغزاة. وكان ألفونسو السادس قد هدمه الإعياء والمرض، ولم يستطع لضعفه أن يسير بنفسه لملاقاة الغزاة وإنقاذ القلعة، فجهز حملة قوية بقيادة كبير قواده ألبر هانس - وهو أشهر قواد قشتالة في ذلك العصر، وقد خاض من قبل وقائع كثيرة ضد المسلمين، ولاسيما في منطقة بلنسية - وزميله غرسيه أردونيث مؤدب ولي العهد سانشو، وهو أيضاً من أكابر القادة، ومعهما عدة أخرى من قادة منطقة طليطلة من قلعة النسور، وقلعة النهر أو قلعة عبد السلام ( Alcala de Henares) وغيرهما. بيد أن أهم شخصية مثلت في تلك الحملة كانت شخصية الأمير الصبي (الإنفانت) سانشو ولد ألفونسو السادس وولي عهده، وهو الذي رزق به من " زائدة " حظيته أو زوجته المسلمة المتنصرة، التي كانت زوجة للفتح بن المعتمد بن عباد، والتي فصلنا قصتها في موضعها من كتاب " دول الطوائف " (٢)، وكان يومئذ صبياً في الحادية عشرة من عمره. وكان مستشارو الملك - أو زوجته زائدة - قد نصحوا بإرساله على رأس الجيش لكي يثير منظره الفتى حماسة الجند، فنزل عند رأيهم، وبعثه مع مؤدبه غرسيه أردونيث كونت دي قبره. ويشير صاحب روض القرطاس إلى تلك الواقعة، ويفسرها بتفسير طريف يقول فيه " فأشارت عليه زوجته (أي ألفونسو) أن يوجه ولده عوضاً عنه فيكون مقابلا لتميم، لأن تميم ابن ملك المسلمين، وشانجُه
стр. 1221
(سانشو) ابن ملك الروم، فسمع منها، فبعث ولده شانجه في جيوش كثيرة من زعماء الروم وأنجادهم " (١).
وزحف الجيش القشتالي بسرعة لإنجاد قلعة أقليش. وفي تلك الأثناء، في عصر يوم الخميس ١٥ شوال (٢٨ مايو) كانت الأنباء قد ترامت عن قرب مقدمه إلى العسكر المرابطي. وهنا تختلف الرواية في تصوير موقف الجيش المرابطي، وموقف قائده الأعلى الأمير أبى الطاهر تميم. ذلك أن صاحب روض القرطاس يقول لنا إن تميماً حين علم باقتراب القشتاليين، أراد الارتداد والإحجام عن لقائهم، فنصحه محمد بن عائشة ومحمد بن فاطمة وغيرهما من قواد لمتونة بالبقاء وملاقاة العدو، وهونوا عليه الأمر، خصوصاً وأن القادمين لا يزيد عددهم عن ثلاثة آلاف فارس. فنزل تميم عند النصح، فلما وافى القشتاليون عند مغيب الشمس، ورأى تميم وفرة حشودهم، أراد الفرار والإحجام عن لقائهم، ولكنه لم يجد سبيلا إلى ذلك، وصمم قواد لمتونة على لقاء العدو ومناجزته (٢). بيد أن تميماً يصور لنا الموقف في رسالته التي يصف فيها الموقعة والتي سبقت الإشارة إليها تصويراً آخر. فيقول لنا إنه حين مقدم القشتاليين، استدنى إليه" القائدين المجربين، ذوي النصيحة والآراء الصحيحة، أبا عبد الله محمد بن عائشة، وأبا عبد الله محمد بن فاطمة وأنهم بعد المشاورة، اجتمعوا على كلمة الله متعاقدين، وخضعوا إلى حكمه مستسلمين " ثم يقول: " ونهضنا بجملتنا، من محلتنا والصبر يفرغ علينا لامه، والنصر يبلغ إلينا سلامه، وتوجهنا إلى الله نقتفي سبيله، ونبتغي دليله " فكان اللقاء، وكانت الموقعة.
ولم تقدم إلينا الروايات بيانات كافية عن عدد الجيشين المتحاربين. بيد أنه يستفاد من أقوالها عن الجيش المرابطي، الذي كان يتكون من حشود غرناطة وقرطبة وشرقي الأندلس ومن انضم إليه من المتطوعة المجاهدين خلال مسيره، أنه كان يضم عدة آلاف من الفرسان، إذ كانت حامية غرناطة تتكون من ألف فارس، ومثلها حامية قرطبة، وكانت الحامية المرابطية بشرقي الأندلس تتكون من أربعة آلاف فارس. أما الجيش القشتالي القادم للنجدة، فمن المرجح أنه كان متفوقاً على المرابطين في الكثرة، يدل على ذلك إحجام تميم في البداية عن لقائه، وتوجسه
стр. 1222
من تفوقه العددي. هذا عدا من كان من القشتاليين بالقصبة وهم حسبما تصفهم الرواية " جمع عظيم من الروم " (١). ومن جهة أخرى، فإنه لدينا عن عدد الجيش القشتالي روايتان إسلاميتان، الأولى تقدره بعشرة آلاف فارس، وهذه هي رواية ابن القطان وقد كتب بعد الموقعة بقرن ونصف، في أواخر عهد الموحدين (٢)، والثانية تقدره بسبعة آلاف فارس، وهي رواية ابن عذارى، وهو يقول لنا مشيراً إلى مقدم القشتاليين لإنجاد قلعة أقليش، " وفي خلال ذلك وصل إليه (حصن إقليش)، ولد ألفونسو شانجُه من زوج المأمون بن (عباد) التي كانت تنصرت بنحو سبعة آلاف فارس " (٣).
وفي فجر يوم الجمعة ١٦ شوال سنة ٥٠١ هـ، الموافق ٢٩ مايو سنة ١١٠٨ م، بدت طلائع المعركة، وتقدم المرابطون قليلا في اتجاه أقليش للقاء القشتاليين.
وأقبل القشتاليون يقودهم ألبر هانس وغرسيه أردونيث كونت دي قبره وكونتات طليطلة، وبينهم الأمير الفتى الإنفانت سانشو فوق فرسه، وقد ارتدى حلة الفرسان. وبدأ الهجوم ووقعت الصدمة الأولى حسبما ينبئنا تميم في رسالته ضد قوات قرطبة، وقائدها ابن أبى رنق، فارتد إلى الوراء. وعندئذ تقدمت قوات مرسية وبلنسية، وتقدم تميم في قواته إلى قلب المعركة، ونشب بين الفريقين قتال بالغ العنف، يصفه لنا تميم في رسالته عن الموقعة في عبارات حماسية مضطرمة.
ومما جاء فيها: " فعند ذلك اختلطت الخيل، بل سال السيل، وأظلم الليل، واعتنقت الفرسان، واندقت الخرصان، ودجا ليل القتام، وضاق مجال الجيش اللهام، واختلط الحسام بالأجسام، والأرماح بالأشباح، ودارت رحى الحرب تغر بنكالها. وثارت ثائرة الطعن والضرب تفتك بأبطالها ". وتجمع الروايات الإسلامية والنصرانية معاً، على أن الموقعة كانت مضطرمة رائعة، وأن الفريقين المتحاربين، قاتل كلاهما بمنتهى العنف والشدة. وبينما القتال على أشده إذ وقع
стр. 1223
حادث كان حاسماً في مصير المعركة. ذلك أن الأمير الصبي سانشو ابن ملك قشتالة، ازدلف إلى قلب المعمعة إلى جانب مؤدبه غرسية أردونيث أو الكونت دي قبره، فلم يلبث أن أحاطت بهما ثلة من الفرسان المسلمين، وتوالت عليهما الطعان، فسقط الفتى من فوق جواده، وقد أصابته طعنة قاتلة، وسقط فوقه الكونت دي قبره مدافعاً عنه (١)، فدب الهرج إلى صفوف القشتاليين وكثر القتل بينهم، ولجأ الكثيرون منهم إلى الفرار، وسقط معظم القادة والكونتات قتلى، وارتد ألبا رهانيس في فلول القشتاليين صوب طليطلة، وحاول الكونتات السبعة الذين كانوا يؤلفون حاشية الأمير القتيل، الفرار إلى حصن بلنشون القريب، فلحقت بهم جماعة من المسلمين المدجنين وقتلتهم عن آخرهم، وعرف مكان مصرعهم فيما بعد " بالكونتات السبعة ". وهكذا تمت الهزيمة الساحقة على الجيش القشتالي، وأحرز المسلمون نصرهم الباهر، في ذلك اليوم المشهود.
هكذا كانت أدوار موقعة أقليش الشهيرة، التي أعادت بروعتها، وانتصار المرابطين الساحق فيها، ذكريات موقعة الزلاّقة. وتعرف الموقعة في الرواية النصرانية " بموقعة الكونتات السبعة " نسبة إلى الكونتات السبعة الذين كانوا حاشية لولي عهد قشتالة. وتقدر بعض الروايات الإسلامية خسائر القشتاليين فيها بنيف وثلاثة وعشرين ألفاً (٢). وتجاريها في ذلك بعض الروايات النصرانية، فتقدر خسائر القشتاليين بعشرين ألفاً (٣). بيد أنه يبدو مما سبق أن ذكرناه عن عدد الجيشين المتحاربين، ومما ذكره الأمير تميم في رسالته عن الموقعة، أن خسائر النصارى لم تكن بهذه النسبة المغرقة، وإن كان مما لا ريب فيه أنها كانت فادحة. ويقول لنا الأمير تميم في رسالته إنه أمر عقب الموقعة بجمع رؤوس القتلى من النصارى، فجمعت الدانية منها، وتركت النائية، فبلغ ما جمع منها أكثر من ثلاثة آلاف رأس، ميزت منها رؤوس غرسية أردونيث (أردونش) أو الكونت دي قبره، وقواد طليطلة، وكدست، وأذن من فوقها المؤذنون وفقاً للتقليد المأثور. واستولى
стр. 1224
المرابطون في نفس الوقت على مقادير هائلة من الأسلاب والغنائم، من المال والخيل والبغال والسلاح والدروع وغيرهما.
وأما عن خسائر المسلمين في الموقعة، فإنه يبدو أنها كانت أيضاً ذات شأن، وإن لم يكن لدينا من أقوال الرواية الإسلامية أرقام معينة. وكل ما ذكر عن ذلك عبارة أوردها صاحب روض القرطاس في ختام كلامه عن المعركة يقول فيها: " واستشهد جماعة من المسلمين ﵏ " وقول ابن القطان: " واستشهد في هذه الوقيعة الإمام الجزولي وكان رجل صدق، وجماعة من الأعيان والعربان " (١). على أننا نستنتج ذلك من إحجام المرابطين، عن مطاردة فلول الجيش القشتالي مطاردة شاملة والتوغل في أرض النصارى.
وغادر الأمير تميم في قواته ميدان المعركة عائداً إلى غرناطة، مكللا بغار الظفر، وكتب إلى أخيه أمير المسلمين على بالفتح، رسالته التي سبق ذكرها.
وترك قوات مرسية وبلنسية تحت إمرة قائديها لحصار قلعة أقليش، فلبثا على حصارها فترة، ولما رأيا مناعتها تظاهرا بالانسحاب، وارتدا في قواتهما قليلا ورتبا الكمائن، فخرج النصارى من القلعة، فانقض عليهم المسلمون، وأمعنوا فيهم قتلا وأسراً، واحتلوا القصبة، وبذلك تم استيلاؤهم على أقليش، وترتب على ظفر المسلمين باحتلال هذه القلعة المنيعة، أن سقطت في أيديهم عدة من البلاد والحصون المجاورة، مثل وبذة وقونقة وأقونية وكونسويجرا، وغيرها (٢).
وتعنى الروايات النصرانية بذكر معركة أقليش عناية خاصة، وهي لا تخرج في مجملها عما تقدمه إلينا الروايات الإسلامية من التفاصيل، ولاسيما ما أورده الأمير تميم في خطابه الرسمي عن الموقعة. بيد أن الروايات النصرانية تفيض بنوع
стр. 1225
خاص في تفاصيل مصرع الإنفانت سانشو، ومصرع مؤدبه غرسية أردونيث، فتذكر لنا كيف سقط الأمير عن جواده الجريح، وكيف حجبه الكونت غرسية بدرعه وجسمه، وأخذ يدافع عنه وهو مسجى، حتى قتل بدوره، وتشيد بفروسية الكونت، ورائع صفاته. ثم تصف لنا كيف وقع النبأ المحزن على الملك الشيخ ألفونسو السادس وقع الصاعقة، وكيف استسلم إلى التأوه والنواح بمحضر من سادته. والواقع أن الملك الشيخ لم يستطع احتمال تلك الصدمة الأليمة طويلا، إذ توفي بعد ذلك بنحو عام في ٣٠ يونيه سنة ١١٠٩ م.
ثم تنحرف الرواية النصرانية بعد ذلك إلى منحدر الأسطورة، فتزعم أن الملك ألفونسو أراد أن ينتقم لمصرع ولده، فسار إلى قرطبة وحاصرها، وفيها علي بن يوسف " أمير المؤمنين "، وأن النصارى أسروا ذات ليلة جماعة من المسلمين حاولوا مهاجمتهم، وتبين أن رئيسهم عبد الله، وهو من أشراف قرطبة، هو الذي قتل ابن عبّاد حمو الملك ألفونسو، ووالد زوجته ماريا، التي كانت تسمى زائدة، وأنه أمر بتقطيع أشلاء عبد الله هذا وحرقها، وأحرق معه عدداً من الأشراف المسلمين، وأنه أخيراً استطاع أن يرغم علياً أمير المؤمنين على طلب الصلح، وأداء ضريبة فادحة لقشتالة (١).
وكانت موقعة أقليش، بعد الزلاّقة (٤٧٩ هـ)، واستيلاء المرابطين على بلنسية، (٤٩٥ هـ)، أعظم نصر أحرزه المرابطون على قوات قشتالة، وهو نصر كان من أثره توطيد سلطان المرابطين في المناطق الوسطى والشرقية في شبه الجزيرة، وفي إعلاء سمعتهم العسكرية والدفاعية.
- ٢ -
ونستطيع أن نقول أيضاً إن حملة أقليش كانت فاتحة لبرنامج منظم من الغزوات المرابطية لأراضي النصارى. ذلك أنه لم يمض سوى عام وشهرين على موقعة أقليش، حتى عبر أمير المسلمين علي بن يوسف البحر إلى الأندلس للمرة الثانية في جيوشه الجرارة، وكان عبوره من سبتة، في الخامس عشر من محرم سنة ٥٠٣ هـ (أغسطس ١١٠٩ م). وكان عبوره في تلك المرة بقصد الجهاد خاصة، أو حسبما يقول لنا صاحب الحلل الموشية " برسم الجهاد، ونصر الملة، وإعزاز الكلمة ".
стр. 1226
وسار إلى غرناطة، وأقام بها مدى حين " ريثما تلاحقت حشوده وتأهبت متطوعته وجنوده ". وتقدر الرواية الجيوش المرابطية الغازية هذه المرة، بنيف ومائة ألف فارس وثلاثمائة ألف راجل. وهو تقدير يحمل طابع المبالغة. ولما تكاملت الحشود، سار علي في قوات ضخمة، صوب قرطبة، فأقام بها شهراً يضع خططه، ويستكمل أهباته. ثم غادر قرطبة على رأس قواته، وعبر جبال الشارات (سييرّا مورينا) ثم جبل طليطلة، وانقض المرابطون كالسيل على أراضي ولاية طليطلة، فعاثوا فيها وانتسفوا زروعها، وخربوا ديارها، وسبوا كثيراً من ْالسكان، واستولوا على كثير من القلاع والحصون، وهبت ريح من الرعب والروع على النصارى في تلك الأنحاء. وتقول لنا الرواية الإسلامية إن المرابطين ساروا أولا إلى مدينة طلبيرة الواقعة على نهر التاجُه غربي طليطلة، واقتحموها عنوة، وقتلوا معظم سكانها النصارى. واستنقذوا من كان بها من أسرى المسلمين، ولجأت جماعة من النصارى الذين بها إلى القصبة، ثم تسربوا منها ليلا إلى النهر ناجين بأنفسهم، فاستولى المرابطون على القصبة، وانتهبوا سائر ما في المدينة من السلاح والمتاع، وردوا كنيستها كما كانت جامعاً، وندب لها أمير المسلمين والياً من قبله، ورتب بها حامية قوية. ويضع ابن القطان تاريخ اقتحام المرابطين لطلبيرة في منتصف شهر المحرم سنة ٥٠٣ هـ، ولكن المرجح أنه وقع بعد ذلك بنحو شهر أو شهرين، إذ كان عبور أمير المسلمين إلى شبه الجزيرة حسبما تقدم في منتصف المحرم (١). وافتتح المرابطون من حصون أحواز طليطلة سبعة وعشرين، ثم استولوا على مجريط ووادي الحجارة، وقصدوا بعد ذلك إلى طليطلة فضربوا حولها الحصار. ولكن الرواية النصرانية تقدم إلينا تفصيلا آخر للغزوة المرابطية، فتقول لنا إن المرابطين بعد أن عاثوا في أراضي قشتالة الجنوبية، ساروا أولا إلى طليطلة، واقتحموا منيتها (ضاحيتها) الخضراء الواقعة على نهر التاجُه، وهي التي كانت من قبل جنة لبني ذى النون، ثم ضربوا الحصار حول عاصمة قشتالة، وكان يدافع عنها قائد قشتالة الأول ألبار هانيس في حامية قوية، ولم يلبث المرابطون على حصار طليطلة وفقاً للرواية الإسلامية سوى ثلاثة أيام. ثم غادروها بعد أن
стр. 1227
قطعوا ثمارها، وانتسفوا زروعها (١)، ولكن الرواية القشتالية تقول لنا بالعكس إن الحصار قد دام سبعة أيام، بذل المرابطون فيها جهوداً فادحة، وضربوا أسوارها بالمجانيق ضرباً شديداً، وحاولوا حرق بعض أبراجها، ولكن جهودهم ذهبت كلها سدى، واستطاع القشتاليون، اعتماداً على حصانة مدينتهم، وأسوارها المنيعة العالية، أن يردوا كل محاولات المرابطين، وفي اليوم السابع، خرج ألبار هانيس في قواته، واشتبك مع المرابطين في معركة شديدة، واضطر المرابطون على أثرها إلى رفع الحصار، ومغادرة المدينة بعد أن أحرقوا آلات الحصار (سنة ١١١٠ م). ثم تقول الرواية القشتالية إن المرابطين ساروا بعد ذلك إلى طلبيرة، فاقتحموها وقتلوا حاميتها، ثم ساروا من بعدها شمالا، واستولوا على مجريط ووادي الحجارة وقناليش وغيرها من قواعد هذه المنطقة. وهنا دب الوباء في الجيش المرابطي، فاضطر علي بن يوسف أن يغادر أراضي العدو، وأن يعود أدراجه إلى قرطبة. وعلى أي حال فإن الروايات المختلفة العربية والقشتالية تتفق على أن هذه الغزوة المرابطية لأراضي قشتالة، كانت من حيث ضخامة حشودها وأهباتها، واتساع نطاقها، بالغة الأثر في ردع القشتاليين ونذيرهم (٢).
وعاد علي بن يوسف على أثر ذلك إلى مراكش، ولكن الغزوات المرابطية استمرت على نشاطها وشدتها، في أنحاء شبه الجزيرة. ففي نفس الوقت الذي كانت فيه الجيوش المرابطية تحت أسوار طليطلة سار جيش مرابطي زاخر بقيادة الأمير سير بن أبى بكر والى إشبيلية صوب الغرب إلى أراضي البرتغال.
وكانت هذه المملكة النصرانية الجديدة الناشئة في كنف قشتالة، قد بدأت في ظل أميرها هنري البرجوني، صهر ملك قشتالة ألفونسو السادس وزوج ابنته غير الشرعية، تريسا، تنمو ويشتد ساعدها بسرعة، وكانت قاعدتها يومئذ
стр. 1228
قُلُمرية، ومن ثم فإن الرواية الإسلامية تعرف أميرها " بصاحب قُلُمرية ".
وكانت يومئذ تضم عدة من القواعد الإسلامية القديمة من قواعد ولاية الغرب.
فسار الأمير سير في قواته صوب بطليوس، ثم زحف على يابُرة وافتتحها على الفور، ثم قصد إلى أشبونة فاستولى عليها هي وضاحيتها شنترة، وسار بعد ذلك شمالا، واستولى على مدينة شنترين، الواقعة على نهر التاجُه، ويستفاد من الرسالة التي وجهها سير بفتح هذه المدينة إلى أمير المسلمين، وهو من إنشاء كاتبه الوزير أبى محمد عبد المجيد بن عبدون، أن المرابطين هاجموها أولا فاستعصت عليهم، فضربوا حولها الحصار حتى سلمت، وكان قد قتل من حاميتها عدد كبير، فسلم الباقون، وأسروا سائر من بها. وقد كانت شنترين، حسبما ورد في هذه الرسالة من أعظم قلاع الغرب وأكثرها موارد لوقوعها في بسيط وافر الخصب (١)، ووصل سير في زحفه نحو الشمال إلى مقربة من مدينة قلمرية عاصمة الإمارة. ولم تستطع القوات البرتغالية بقيادة الكونت هنري، دفعاً للقوات المرابطية الغازية. وكان افتتاح المرابطين لهذه القواعد الغربية في سنة ٥٠٤ هـ (١١١١ م) وتقول الرواية الإسلامية إن الأمير سير، افتتح في هذه الغزوة أيضاً مدينة بطليوس وبرتقال (٢). ولكن بطليوس كانت في أيدي المرابطين منذ انتزعوها من بني الأفطس في سنة ٤٨٨ هـ (١٠٩٤ م). وأما برتقال، وهي تعني في الجغرافية الأندلسية ثغر بورتو، فهي تقع في أقصى شمالي البرتغال، وفي شمال قُلُمرية، ومن ثم فإن المرابطين لم يصلوا في زحفهم إليها ولم يفتتحوها.
ومما هو جدير بالذكر أنه على أثر هذه الغزوة، وفد على مدينة إشبيلية المنصور بن عمر المتوكل بن الأفطس قادماً من أراضي قشتالة، وكان قد سار إليها في أمواله وذخائره، والتجأ إلى ملك قشتالة ألفونسو السادس، حينما غزا المرابطون مملكة بطليوس سنة ٤٨٨ هـ، وقتلوا أباه عمر المتوكل وأخويه. وقيل إنه اعتنق النصرانية يومئذ. ولما وصل إلى إشبيلية، أخذ إلى حضرة أمير المسلمين بمراكش فكانت له لديه منزلة ملحوظة.
ولم يمض قليل على ذلك حتى سارت حملة مرابطية جديدة صوب قشتالة،
стр. 1229
بقيادة الأمير أبى محمد مزدلي والي قرطبة (١)، وكان أمير المسلمين علي بن يوسف قد أسند إليه ولاية قرطبة وغرناطة منذ سنة ٥٠٥ هـ. وولى أخاه أبا الطاهر تميما والي غرناطة ولاية تلمسان بالمغرب. وعاث المرابطون في أراضي قشتالة، وخربوا ربوعها بالنار والسيف، واستولوا على حصن أرجنة أو أرلبة Oreja وقتلوا حاميته، وسبوا كثيراً من النساء والأطفال، ثم قصدوا إلى مدينة طليطلة عاصمة قشتالة، وضربوا حولها الحصار مرة أخرى (٥٠٧ هـ - ١١١٤ م). وكان ألبار هانيس قائد قشتالة الأكبر، عندئذ في منطقة قونقة، وكان قد استطاع انتزاع قونقة، من المرابطين (١١١١ م)، ولكنها لم تلبث في يد القشتاليين سوى فترة يسيرة. فلما ترامت إليه أنباء الغزوة المرابطية، وحصار المرابطين لطليطلة، هرع لمدافعتهم في جيش قوامه عشرة آلاف فارس. ونشبت بين القشتاليين والمرابطين تحت أسوار المدينة المحصورة، معارك عديدة، منى فيها كل من الفريقين بخسائر، وفقد القشتاليون وفقاً لأقوال الروايتين العربية والنصرانية سبعمائة قتيل، ولكنهم استطاعوا أن يحملوا المرابطين على رفع الحصار، بعد أن نجحوا في إحراق آلاتهم الثقيلة (٢). وتقول الرواية العربية إن ألبار هانيس حينما أقبل لنصرة مواطنيه، وسار مزدلي للقائه، فر أمامه ليلا ولم يجرأ على مقاتلته، وعاد مزدلي على أثر ذلك إلى قرطبة ظافراً، ثم تقص علينا خبر غزوة أخرى قام بها مزدلي في منطقة وادي الحجارة، وأن صاحبها " الزند غرسيس " حينما سار مزدلي لقتاله، لجأ إلى الفرار واحتوى مزدلي على محلته وسائر أثقاله وأمتعته (٣) وهي غزوة لم تشر إليها الرواية النصرانية. وتزيد الرواية العربية على ذلك أن الأمير مزدلي توفي في شوال سنة ٥٠٨ هـ (١١١٥ م) أعني في العام التالي لحصار طليطلة، وذلك أثناء غزوة قام ضد القشتاليين على مقربة من حصن مسطانية (٤) الواقع في طريق قرطبة. وكتب بنبأ وفاته إلى أمير المسلمين على بن تاشفين، فأمر بتولية ولده محمد بن مزدلي مكانه على قرطبة، وبتولية ولده عبد الله على غرناطة. ولم يمكث محمد في ولاية
стр. 1230
قرطبة سوى أشهر قلائل، ثم خرج في عسكره ليرد القوات القشتالية التي اقتربت من أراضي ولاية قرطبة، ونشب بين الفريقين قتال عنيف سقط فيه محمد بن مزدلي وعدد كبير من زعماء لمتونة منهم الأمير محمد بن الحاج، والأمير أبو إسحق ابن دانية، والأمير أبو بكر بن واسينو، وجملة وافرة من الحشم وأهل الأندلس، وذلك في مستهل صفر سنة ٥٠٩ هـ (٢٧ يونيه ١١١٥ م). ولما وصل خبر هذه النكبة إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، بادر فندب لولاية قرطبة ابن عمه الأمير أبا بكر يحيى بن تاشفين، فقدم إليها على عجل، وما كاد يستقر بها حتى حشد قواته، وسار في أثر القشتاليين صوب بياسة، ولحق به عبد الله بن مزدلي صاحب غرناطة في قواته ونشبت بين المرابطين والنصارى معركة جديدة، هزم فيها المرابطون مرة أخرى، وقتل منهم عدد جم، وذلك في اليوم الثامن والعشرين من جمادى الثانية سنة ٥٠٩ هـ (أواخر أكتوبر ١١١٥ م) (١).
وكان الأمير سير بن أبى بكر اللمتوني والي إشبيلية، والقائد العام للجيوش المرابطية في إسبانيا قد توفي قبيل وفاة الأمير مزدلي بقليل في جمادى الأول في سنة ٥٠٧ هـ (١١١٤ م)، فعين مكانه لولاية إشبيلية محمد بن فاطمة فلبث على ولايتها حتى توفي سنة ٥١٥ هـ (١١٢١ م). وهكذا فقد المرابطون في شبه الجزيرة بوفاة مزدلي، وسير بن أبى بكر، قائدين من أعظم قواد لمتونة وألمعهم.
وقد كان مزدلي، وهو مزدلي بن تيولتكان بن الحسن بن محمد بن ترقوت (تُرجوت)، من أركان الدولة اللمتونية والعصبة الصنهاجية، وكان من أقارب يوسف بن تاشفين لالتقائهما في ترقوت. ويصفه ابن الخطيب بأنه كان "بطلا ثبتاً، بهمة من البهم، بعيد الصيت، عظيم الجلد، أصيل الرأي، مستحكم الحنكة، طال عمره، وحمدت مواقفه، وبعدت غاراته، وعظمت في العدو وقائعه " (٢) وقد كان من أعظم أعمال مزدلي استرجاعه لمدينة بلنسية من أيدي جنود السيد الكمبيادور بعد وفاته وجنود قشتالة، وذلك في سنة ٤٩٥ هـ (١١٠٢ م). وكان