← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

معركة عنيفة، دارت فيها الدائرة على القشتاليين، فهزموا شر هزيمة، ولجأوا إلى الفرار، وقد قتلت وأسرت منهم جموع غفيرة، واستنقذ المسلمون الأسرى والغنائم من أيدي القشتاليين، وكان ذلك في جمادى الأولى من سنة ٥٢٨ هـ (مارس سنة ١١٣٤) وقفل الأمير تاشفين في قواته ظافراً إلى قرطبة. ثم سار منها إلى غرناطة فاستقبل استقبالا فخماً، وأنشده الشعراء مهنئين، فمن ذلك قصيدة طويلة جاء فيها: أما وبيض الهند عنك خصوم ... فالروم تبذل ما ظباك تروم تمضي سيوفك في العدا ويردها ... عن نفسه حيث الكلام وخيم دار هجمت بيوتها بظباك فأبدأ ... على قمم الملوك هجوم (١) وفي شهر ذي الحجة من نفس العام (٥٢٨ هـ) خرج الأمير تاشفين أثر عيد النحر، بقوات غرناطة وقرطبة وقوات المجاهدين من الخيل والرجل، إلى الغزو، فسار نحو الغرب، وقد انضم إليه جيش إشبيلية " بفحص الريحانة " ثم سار إلى موضع تسميه الرواية " بالبكار " وهو طريق للعدو لا محيص منها. ولما رأى القشتاليون القوات المرابطية، وضعوا خطة لاجتذابها إلى هذا الموضع، وأقبل المرابطون بالفعل إليه، وندب القشتاليون نخبة من أنجادهم تبلغ نحو ألفين، فانقضت على المرابطين فجأة عند دخول الظلام، في هذا الموضع الحرج، واستطاعت أن تخترق صفوفهم في عدة مواضع، فدب الخلل بالجيش المرابطي، ونفرت الخيل وشردت واقتحمت الأخبية، وعلا الصياح بين المسلمين، وفروا من كل جانب، ووصلت سرية من النصارى إلى خيمة الأمير تاشفين، فأشار إليه بعض خاصته بأن يبادر بالفرار، فأبى، فأحدق به فرسان الأندلس وأنجاد المرابطين، وحالوا بينه وبين العدو، ووقعت بين الفريقين معركة عنيفة، والأمير تاشفين ثابت فوق فرسه، متشح بسيفه ودرعه، يشدد الضرب والطعان، قال المؤرخ " فلم ير أربط منه جأشاً ولا أشهم نفساً، في مطلع ذلك الهول "، واستطاع أحد الجند العبيد أن يقضي على قائد القشتاليين المهاجمين بطعنة نافذة، ثم انجلت الظلمة عن هزيمة النصارى، وقد اجتمعت من القتلى من الجانبين أكداس ضخمة. وفي صباح الغد سار الأمير تاشفين في قواته إلى حصن قشرش، وهو من

стр. 1297

حصون المسلمين ثم غادره عائداً إلى قرطبة (١). وقد وجه إليه كاتبه أبو بكر يحيى ابن الصيرفي بهذه المناسبة قصيدة ضافية، يهنئه فيها بالسلامة، ويحذره من خدع الحرب، ويسدي إليه بعض النصائح فيما يجب أن يكون عليه القتال. وهي طويلة في نحو ستين بيتاً، نقتطف منها الأبيات الآتية: يا أيها الملأ الذي يتقنع ... من منكم البطل الهمام الأورع ومن الذي غدر العدو به دجى ... فانفض كل وهو لا يتزعزع تمضي الفوارس والطعان يصدها ... عنه ويدمرها الوفاء فترجع والليل مرضج الترايك بينهم ... صبح على هام الكماة ملمع عن أربعين ثنت أعنتها دجى ... ألفان ألف حاسر ومقنع لولا رجال كالجبال تعرضت ... ما كان هذا السيل مما يودع فثبتّ والأقدام تزلق والردى ... حول السرادق في الأسنة تقرع لا يعظمن على الأمير فإنها ... خدع الحروب وكل حرب يخدع ولكل يوم حنكة وتمرس ... وتجارب في مثل نفسك تنجع يا شجع الأبطال ليلة أمسه ... اليوم أنت مع التجارب أشجع ومنها في نصائح الحرب: واحذر كمين الروم عند لقائها ... واخفض كمينك خلفها إذ تدفع لا تبقين النهر خلفك عندما ... تلقي العدو فنشره متوقع اجعل مناجزة العدو عشية ... ووراءك الصدف الذي هو أمنع وصدمه أول وهلة لا ترتدع ... بعد التقدم فالنكوص يضعضع وجاء في ختامها في مخاطبة تاشفين وتهنئته: يا تاشفين أقم لجيشك عذره ... بالليل والقدر الذي لا ينفع هجم العدو دجى فروّع مقبلا ... ومضى يهيم وهو منك مروع كم وقعة لك في ديارهم انثنت ... عنها أعزتها تذل وتخضع النعمة العظمى سلامتك التي ... فيها من الظفر الرضى والمَقْنع كادت تكون ولو إذاً لتزلزلت ... عنها البسيطة والجبال الخُشَّع وهوت بأندلس عقاب لم تدع ... فيها لذكر الله صوت يرفع

стр. 1298

لا ضَيّع الرحمن سعيك إنه ... سعي به الإسلام ليس يُضيّع نستودع الرحمن منك وديعة ... فهو الحفيظ لكل ما يستودع (١) وتشير الرواية القشتالية إلى هذه الموقعة (٢)، ولكنها كالرواية العربية لا توضح لنا مكان وقوعها توضيحاً كافياً، والظاهر مما تشير إليه أقوال صاحب البيان المغرب، من أن الأمير تاشفين، سار غداة المعركة في قواته إلى حصن " قشرش " أنها وقعت على مقربة من هذا المكان. وتقع قشرش أو قاصرش Caceres، جنوبي نهر التاجه وشمال شرقي بطليوس وغربي ترجالُه. أما تاريخ الموقعة، فتضعه الرواية العربية حسبما تقدم، في أواخر شهر ذي الحجة من سنة ٥٢٨ هـ (أوائل أكتوبر سنة ١١٣٤ م). ومما تجدر ملاحظته أن وقوعها جاء لنحو ثلاثة أشهر فقط من موقعة إفراغة، التي هزم فيها ألفونسو المحارب وفقد حياته، هذا في حين أنه يبدو من أقوال الرواية النصرانية، أنها وقعت قبل موقعة إفراغة. ومما يلفت النظر، ما يذكره لنا ابن القطان غير مرة من هجوم أسراب الجراد على بسائط الأندلس وإتلافها في هذين العامين الأخيرين. وقد ذكر لنا أنه في العام الذي وقعت فيه الغزوة السابقة - وهو يضع تاريخها في سنة ٢٢٩ هـ - " محت الجراد ما على الأرض من زرع وكلأ، وأمر الناس بالخروج إليها فساقوا منها خمسة آلاف عدل، وثلاثمائة وثلاثين عدلا، وما غاب عن العيون أكثر تركت في الموضع الذي قتلت فيه ولم تحمل ". ومما يذكر من أحداث هذه الفترة أيضاً، أنه في سنة ٥٢٩ هـ، وقع بقرطبة هياج شديد، وثارت العامة ضد اليهود على أثر ظهور قتيل مسلم في بعض أحيائهم، واقتحموا منازل اليهود، ونهبوها، وقتل خلال ذلك عدد منهم. ووقعت في نفس الوقت بعض اضطرابات بمدينة إشبيلية، من جراء ثورة العامة ضد قاضيها أبى بكر بن العربي، وكان يشتد في زجرهم، ومعاقبتهم بمختلف العقوبات الأليمة المبتكرة (٣).

стр. 1299

وفي نفس هذا العام، وقع حادث مروع بجامع قرطبة، هو مصرع قاضي قرطبة أحمد بن خلف التجيبي (أو أبو عبد الله بن الحاج وفقاً لابن القطان). وثب به أحدهم فطعنه بخنجره، وهو راكع حين صلاة الجمعة، فسقط مضرجاً بدمه، ووقع بالجامع هرج عظيم، وأخرج المرابطون منه أميرهم تاشفين في حراسة قوية، وقبض على القاتل وقتل لحينه في صحن الجامع، وتوفي القاضي في مساء نفس اليوم، وهو الخامس والعشرون من صفر سنة ٥٢٩ هـ (١). وتقص علينا الرواية النصرانية غزوة قام بها القشتاليون في سنة ١١٣٣ م ومعهم سيف الدولة المستنصر بن هود، في أراضي الأندلس، على غرار غزوة ألفونسو المحارب، وتقول لنا إن ألفونسو ريمونديس ملك قشتالة قسم جيشه لهذا الغرض إلى قسمين، بقصد تسهيل التموين والحركة، سار هو على رأس أحدهما، وقاد الآخر سيف الدولة، والدون ردريجو كونثالث دي لارا زعيم ليون. وعبر الجيشان جبال سييرَّا مورينا، (جبل الشارات)، واجتمعا على مقربة من قرطبة، وكان الفصل فصل الحصاد فأمر ملك قشتالة بانتساف حقول القمح والكروم والزيتون وغيرها، فساد الرعب بين المسلمين وهجروا السهول والقرى، إلى الحصون ومغائر الجبال، ووصل الجيش النصراني في زحفه إلى أحواز إشبيلية، وهو يحرق المزارع والقرى والقلاع المهجورة، ويدمر المساجد ويحرق المصاحف، ويقبض على الفقهاء ويعذبهم. وشمل هذا العيث المروع الذي كانت تقوم به سريات خفيفة من الفرسان النصارى، سائر المنطقة الواقعة ما بين قرطبة وإشبيلية، وامتلأت صفوف القشتاليين من الغنائم والأسرى والأقوات، ومن ثم سار ملك قشتالة إلى شريش، فخربها وهدمها، ثم سار إلى قادس. ولما رأى ذلك أمراء الأندلس، بعثوا إلى سيف الدولة يطلبون إليه أن يعمل ملك النصارى، على تحريرهم من نير المرابطين، فبعث إليهم بعد التفاهم مع ملك قشتالة يحثهم على انتزاع الحصون ومقاتلة المرابطين، وعندئذ يأتي هو وملك قشتالة لإنجادهم. بين أن الملك اعتزم أن يعود أدراجه على الأثر، وألا يغامر بالبقاء في أرض لا يأمن مغبتها، وارتد إلى منطقة طليطلة (٢).

стр. 1300

وتقدم إلينا الروايات الإسلامية أنباء هذه الغزوة في عبارات موجزة. ويضع ابن القطان حدوثها في سنة ٥٢٦ هـ (١١٣٢ م)، ويقول لنا إنه في هذه السنة خرج السليطين (ألفونسو ريمونديس) وابن هود إلى بلد المسلمين، فهبطوا إلى إشبيلية، وانبسطت خيلهم، واقتحمت ما وجدت، ثم هبطوا إلى شريش، فدخلوها وقتلوا كل من فيها، وبالغوا في النكاية بالمسلمين، ثم رجعوا إلى بلادهم. ويقول لنا ابن عذارى نقلا عن ابن حمادة، إن العدو وصل إلى حومة شريش والبحيرة، ولم يلقه أحد من المسلمين. ويضع تاريخ هذه الغزوة في سنة ٥٢٧ هـ، (١١٣٣ م) متفقاً بذلك مع الرواية النصرانية (١). ولكن الرواية العربية من جهة أخرى تشير إلى غزوات ثلاث أخيرة قام بها الأمير تاشفين. وبالرغم من أنها تذكر لنا التاريخ والمكان في كل غزوة، فإنها لا تقدم لنا عنها تفاصيل شافية. وقد وقعت الأولى في سنة ٥٣٠ هـ (١١٣٥ م)، وفيها التقى الأمير تاشفين بالقشتاليين في مكان يعرف " بفحص عطية " فهزمهم، وقتل منهم جموعاً غفيرة. وفي العام التالي أعني سنة ٥٣١ هـ (١١٣٦ م)، غزا الأمير تاشفين أرض قشتالة، واقتحم مدينة كَرَكى على مقربة من قلعة رباح فلم يجد بها أحداً. وقد أورد لنا ابن الخطيب بهذه المناسبة أبياتاً نظمها الكاتب الكبير أبو عبد الله ابن أبى الخصال يمتدح فيها الأمير تاشفين، ويشير إلى موقعة كركى، وفيها يقول: الله أعطاك فتحاً غير مشترك ... ورد عزمك عن فوت إلى درك أرسل عنان جواد أنت راكبه ... واضمم يديك ودعه في يد الملك قد كان بعدك للأعداء مملكة ... حتى استدرت عليهم كورة الفلك فما تركت كميا غير منفغر ... ولا تركت نجيعاً غير منسفك فصحبتهم جنود الله باطشة ... والصبح من عبرات الفجر في مُسُك (٢) ووقعت الغزوة الثالثة في سنة ٥٣٢ هـ (١١٣٧ م)، وكانت لمدينة " أشكونية " (أو أشكلونة Escalona وفقاً لصاحب نظم الجمان) وقد كانت حسبما يقول لنا صاحب الروض المعطار من أعمال كورة تدمير أي مرسية (٣). وهذا

стр. 1301

ما لا يمكن قبوله لأن ولاية تدمير كانت كلها من الأراضي الإسلامية. بيد أن الرواية النصرانية تلقي بعض الضوء على أخبار هذه الغزوة ومكانها، فتقول لنا إن الأمير تاشفين، قام قبيل عبوره إلى العدوة باجتياح أراضي بلدتي وبذة، وألاركون، وهما من أعمال مقاطعة قونقة الواقعة على الحدود، ثم دخل قونقة وأخضعها. وكان أهلها قد أعلنوا الخروج والثورة وذلك في سنة ١١٣٧ م (١)، وتقول الرواية الإسلامية إن تاشفين دخل أشكلونة (ألاركون؟) عنوة، وقتل كل من كان بها وسبى نساءها، واحتوى على أسلابها. ومنها عدة من النواقيس العظيمة، ودخل قرطبة وبين يديه الأسلاب والغنائم، فكان يوماً مشهوداً. ثم تضيف الرواية إلى ذلك قولها إن الأمير تاشفين حمل من سبى هذه الغزوة عند عبوره إلى العدوة في نفس العام ستة آلاف سبية (٢). وأخيراً، فإن تاشفين قبيل مغادرته للأندلس، وحين خروجه من قرطبة قاصداً إلى العدوة، بلغه قيام النصارى بغزو منطقة جيان، فاستعد للسير إلى لقائهم. وكان القشتاليون قد خرجوا في حشود عظيمة، وساروا نحو الوادي الكبير، واقتربوا من بيّاسة وأبَّدة، وعاثوا في تلك المنطقة، واستعدوا لعبور النهر، ولكن الأمطار هطلت بشدة، واستمرت على هطلها عشرين يوماً حتى فاض النهر، وعجزت الخيل المغيرة عن عبوره، ووضع القشتاليون بعض المعادي فوق الماء، وحاولوا عبور النهر، فانكسر بعضها وغرق من كان فيها، وتبعهم قائد جيان فأوقع بجماعة منهم، وانصرف النصارى بعد أن هاجموا حصن شبيوطة من عمل أبدة وعجزوا عن اقتحامه. أما تاشفين فإنه لبث يترقب السير إلى الشمال، مدى أسابيع، والأمطار تهطل والسيول تغمر الطرق والبسائط وتعوقه عن السير. فلما بلغه انصراف النصارى، ارتد من فوره صوب طريق العودة، وجاز البحر عائداً إلى حضرة مراكش، وكان ذلك في سنة ٥٣٢ هـ (٣). - ٢ - ومما هو جدير بالذكر أن الأمير تاشفين، كان حينما ولاه أبوه شئون الأندلس عقب وفاة عمه أبى الطاهر تميم، قد اتخذ مقره في غرناطة، التي جعلتها الدولة

стр. 1302

المرابطية مركز الإدارة العامة لشئون الأندلس، وكان الحاكم العام المرابطي يعتبر أحياناً في نفس الوقت والياً لغرناطة، وكان من بين معاونيه يومئذ الكاتب والشاعر والمؤرخ البارع، أبو بكر يحيى بن محمد بن يوسف الأنصاري، المشهور بابن الصيرفي صاحب كتاب " الأنوار الجلية في تاريخ الدولة المرابطية ". تولى له منصب الكتابة، فحظى لديه وكانت له فيه مدائح جمة (١). بيد أنه لم تمض بضعة أعوام على تولي تاشفين لمنصبه، حتى صدر إليه مرسوم أبيه أمير المسلمين من مراكش في العشرين من رجب سنة ٥٢٦ هـ (٢)، بتعيينه والياً لقرطبة وبأن يجعل قرطبة " دار سكناه ومقر مثواه "، وأن يستخلف على غرناطة عند مغادرتها، أبا محمد الزبير بن عمر، ليقوم بالولاية على شئونها. وقد كان الزبير هذا من زعماء لمتونة المرموقين، ويشيد ابن الخطيب بذكره ويصفه " بندرة الزمان كرماً وبسالة، وحزماً وأصالة " (٣). ويوصي أمير المسلمين ولده في هذا المرسوم الذي دبجه قلم الوزير الكاتب أبى عبد الله بن أبى الخصال بقوله: " وعلى مقرر ما درك من العمل، فازدد من التيقظ باتساع ذرعك، وامتداد مسعاك، واستعن بالله في إعلانك وإسرارك، وخذ من أوقات ليلك الأوقات المباركة، واجعل لنظرك حظاً من سهرك، ولفكرك مستمنحاً من يديك، على مستظهر عين المشورة في مواطن الاشتباه، فإن الله سبحانه يقول لرسوله: " وشاورهم في الأمر " (٤). ويستفاد مما تقدم أن علي بن يوسف قرر أن ينقل مركز حكم الأندلس، من غرناطة إلى قرطبة لأسباب رآها، وهي أسباب ربما كانت سياسية وعسكرية في نفس الوقت. ودخل تاشفين قرطبة والياً في شعبان من هذه السنة (٥٢٦ هـ)، وعزل واليها السابق عبد الله بن قنونة، وسير إلى إشبيلية فاعتقل بها لأسباب لم توضحها الرواية، وذلك بالرغم من قرابته لأمير المسلمين (٥).

стр. 1303

وقد استوفينا فيما تقدم، ما وقفنا عليه من تفاصيل الغزوات والحروب التي قام بها الأمير تاشفين خلال وجوده في شبه الجزيرة. أما عن أعماله الإدارية وأسلوبه في الحكم، فلم نتلق الكثير. وقد لخص لنا ابن الصيرفي مؤرخ الدولة المرابطية، سيرته في ذلك في عبارات موجزة خلاصتها، أن الأمير تاشفين عنى منذ ولايته لشئون الأندلس بإصلاح الحصون، وسد الثغور، وإذكاء العيون على العدو، وتنظيم الجيش، واقتناء الخيل والسلاح، وتكوين فرق الرماة، وتوسيع الأرزاق على الجند، واستنهاض هممهم، كما عني بالغزو ومباشرة الحرب، فقام بعدة غزوات توجت بالظفر على العدو، وافتتح فيها عديد الحصون. وأما عن أسلوبه في الحكم، فإنه سار في حكم الأندلس وتمهيد أحوالها بالحزم، والتزم العدل في معاملة الرعية، وكذلك في معاملة الجند، فملك قلوب الجميع بعدله ورفقه، " ولم يكن منه إلا الجد، ولم تُنل عنده الحظوة إلا بالغناء والنجدة " (١). وهذه أقوال يؤيدها صاحب البيان المغرب، ويجملها في قوله: " وساس (أي تاشفين) أهل الأندلس سياسة طار بها ذكره، من الاستقامة، واتباع ناموس الشريعة " (٢). وتنوه الرواية في نفس الوقت بصفات تاشفين الشخصية، فتقول لنا إنه " كان بطلا شجاعاً حسن الركبة والهيئة لولا بخل أخل به، وأنه كان يسلك طريق ناموس الشريعة، ويميل إلى طريقة المستقيمين، وقراءة كتب المريدين. وقيل إنه لم يشرب قط مسكراً، ولا استمع إلى قينة، ولا اشتغل بلذة صيد، ولا غير ْذلك مما يلهو به الملوك من ساير اللهو " (٣). وينوه ابن الصيرفي بورعه وتقواه، وصيامه وقيامه (٤). - ٣ - لبث الأمير تاشفين والياً على الأندلس، وقائداً عاماً للجيوش المرابطية بها

стр. 1304

حتى سنة ٥٣٢ هـ (١١٣٧ م) وقيل بل حتى سنة ٥٣١ هـ (١). وهو إلى جانب مهامه الإدارية يضطلع بالغزوات المستمرة في أراضي النصارى حسبما فصلناه من قبل. ثم وصلته أوامر أبيه أمير المسلمين بالعودة إلى المغرب، فعبر البحر إلى العدوة في أوائل جمادى الأولى من هذا العام (٥٣٢ هـ)، ودخل مراكش في أول رجب، وفي ركبه عدد كبير من سبى غزوة أشكونية حسبما تقدم، فاستقبله أبوه أعظم استقبال، وسعد بلقائه أو " فرح به " على قول المؤرخ. وكان مما يتصل بذلك ما يرويه لنا ابن عذارى، من أن أمير المسلمين علياً، كان قد مرض في العام السابق (٥٣٠ هـ)، واشتد به المرض، حتى كثرت الإشاعات، وساءت الظنون، وسرى القلق إلى بلاد الأندلس، فلما تلقى تاشفين خطاب والده بالعود، أسرع بالاستجابة والقفول (٢). وفي العام التالي، أعني في سنة ٥٣٣ هـ (١١٣٨ م) أصدر أمير المسلمين علي بن يوسف مرسوم ولاية عهده لولده الأمير تاشفين، عقب وفاة ولده الأكبر وولي عهده سير. وأخذ له البيعة بذلك وفقاً للقاعدة التي وضعها مؤسس الدولة المرابطية يوسف بن تاشفين، باختيار أمير المسلمين لولي عهده في حياته من بين أبنائه، وعقد البيعة له. ولاختيار تاشفين لولاية العهد قصة فصلتها الرواية، وهي أنه في سنة ٥٢٢ هـ اختار أمير المسلمين علي بن يوسف ولده الأمير سيراً لولاية عهده من بعده (٣)، وجعل له الأمر في بقية حياته، واختار في نفس الوقت ولده الأمير تاشفين لولاية الأندلس، وولاه مدينة غرناطة وألمرية، ثم قرطبة بالإضافة إلى ما في يده. وأبدى تاشفين في أداء مهام منصبه مقدرة وهمة مشكورة، وظهر بالأخص في ميدان الجهاد ضد النصارى، وذاع صيته في شبه الجزيرة وفي العدوة، فكبر ذلك على أخيه سير ولي العهد، وخاطب سير أباه في ذلك، وأعرب عن قلقه وامتعاضه لما ناله أخوه من بعد الصيت وحسن الذكر، وأنه قد غطى بذلك على اسمه، ونال إعجاب أهل المملكة، وأنه لم يبق له معه اسم ولا ذكر، فحاول أمير المسلمين أن يرضي ولده وولي عهده سير، باستدعاء أخيه تاشفين من الأندلس، ولما وصل تاشفين إلى مراكش، نظمه أبوه في حاشية أخيه " وصار من جملة من يتصرف بأمر أخيه، ويقف ببابه كأحد حجابه ". وكان علي بن يوسف متأثراً

стр. 1305

في هذا التصرف بنفوذ حظيته قمر أم ولده سير، وكان عظيم الإيثار والإرضاء لها، وهي التي حملته على عزل تاشفين وإخماله إرضاء لأخيه. ولكن شاء القدر أن يتوفى سير فجأة وفي حادث مروع مشين معاً وذلك في أوائل سنة ٥٣٣ هـ. وتلتزم الرواية الإيجاز والتحفظ في شأن هذا الحادث، ويقول لنا ابن عذارى، إن سيراً كان يركن إلى الراحة والبطالة، ويصطحب أهل الفكاهة والمجون، وأنه اقتحم ليلا على أخيه تاشفين في داره، فضربه حتى مات، وقيل غير ذلك. والظاهر، وهو ما تصرح به بعض الروايات، أن الأمر يتعلق بمحاولة مشينة، فإن ابن القطان يقول لنا، إن علي بن يوسف كان قد فتن بولده سير، وقدمه ولي عهده، ولم يكن أهلا لشىء، فعكف على البطالة، ودخل متسوراً على أخيه عمر يريد زوجته، فجرح جراحة عجلت منيته، فجزع عليه أبواه. وكان مصرع سير على هذا النحو في آخر صفر سنة ٥٣٣ هـ (١). وعندئذ تدخلت قمر مرة أخرى لتحمل عليّ بن يوسف على تقديم ولده الأصغر إسحاق لولاية العهد، وكانت قد تبنته وعنيت بتربيته عند موت أمه. ولكن علياً اعتذر بصغر سنه وبأنه لم يبلغ الحلم، وأنه سوف يستدعي الناس إلى الجامع لأخذ رأيهم في ذلك. واستدعى علي الناس وأكابر المرابطين، وعرض عليهم الأمر، فهتفوا جميعاً باسم تاشفين، فنزل علي عند هذه الرغبة، وعقد البيعة بولاية العهد لولده تاشفين وذلك في الثامن من شهر ربيع الآخر، ونقش اسمه في السكة، وقلده النظر في الأمور السلطانية، وكتب إلى سائر بلاد العدوة والأندلس ببيعته، فوصلت البيعات من كل جهة مؤيدة للبيعة، ومؤرخة بشهر رجب سنة ٥٣٣ هـ (١١٣٨ م) (٢). على أن استدعاء الأمير تاشفين من الأندلس إلى العدوة، ثم أخذ البيعة له على هذا النحو، لم يكن يرجع فقط إلى ما تقدم من العوامل والظروف، وإنما كان راجعاً بالأخص إلى ما وقع في تلك الأثناء بالمغرب، من تطورات وأحداث عظيمة، ترتبت على ظهور المهدي محمد بن تومرت، ودعوته الدينية الجديدة، وما تلاها من قيام دولة الموحدين في تينملّل، واضطرام الصراع المرير بينها وبين المرابطين. وهو ما سنعني بذكره وتفصيله في موضع آخر.

стр. 1306

الفصل السادِس شرق الأندلس ولاية بلنسية ومرسية. يحيى بن غانية. ندبه لحماية الشرق. أصله ونشأته. ولايته لشرقي الأندلس. مسيره في القوات المرابطية لإنجاد حصن أرنية. تقدمه نحو طليطلة. ما تقوله الرواية النصرانية عن انصراف المرابطين. الغزوات في غربي الأندلس. أخبار الجزائر الشرقية، ولاتها بعد الفتح المرابطي. وانور بن أبي بكر. محمد بن علي بن غانية. استقلاله بحكم الجزائر، وقيام دولة بني غانية بها. - ١ - كان شرقي الأندلس في عهد المرابطين، يشتمل بعد سقوط سرقسطة، على ولايتي بلنسية ومرسية، وكان يتبع بلنسية سائر الأراضي والقواعد الممتدة شمالا من شاطبة حتى الثغر الأعلى، ومن البحر غرباً حتى قونقة، ويتبع مرسية سائر الأراضي والقواعد الواقعة على ضفتي نهر شقورة، والممتدد جنوباً حتى ولاية ألمرية. وقد سبق أن أتينا على ذكر ولاة بلنسية ومرسية، منذ الفتح المرابطي حتى سقوط سرقسطة. وكان والي مرسية قبيل سقوط سرقسطة، الأمير أبو إسحق إبراهيم ابن يوسف بن تاشفين، أخو أمير المسلمين علي بن يوسف، وكان والي بلنسية أخوه الآخر الأمير أبو الطاهر تميم. وقد فصلنا في حديثنا عن سقوط سرقسطة، الدور الذي قام به الأمير تميم في حوادث الحصار، والدور الذي قام به أخوه إبراهيم في موقعة كتُندة المشئومة (٥١٤ هـ) وهو يومئذ والي إشبيلية. وخلف الأمير إبراهيم في ولاية مرسية، أبو محمد يدّر بن ورقا، أو حسبما يسميه صاحب البيان المغرب محمد ين يوسف يدِّر، والظاهر أنه تولى في نفس الوقت ولاية بلنسية. ولما شعر يدِّر باشتداد وطأة الغزوات النصرانية، في شرقي الأندلس، طلب إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، أن يوجه إليه يحيى بن غانية لمعاونته، فاستجاب أمير المسلمين إلى طلبه، وبعث إليه بابن غانية، وكان ذلك في سنة ٥١٥ هـ (١١٢١ م). ويقول لنا صاحب البيان المغرب إن ابن غانية،

стр. 1307

وفد عندئذ إلى شرقي الأندلس والياً لمرسية (١). ولكن الظاهر أنه قدم إليه بصفة قائد للجيوش المرابطية، وأنه لم يتشح بثوب الولاية إلا فيما بعد، حينما توفي يدِّر في سنة ٥٣٤ هـ (٢). وهو الأمير أبو زكريا يحيى بن علي بن غانية الصحراوي، الذي لعب فيما بعد في حوادث الأندلس في أواخر العهد المرابطي، أعظم دور، واضطلعت أسرته - بنو غانية - فيما بعد، في الجزائر الشرقية، وفي إفريقية، ضد الموحدين، بأخطر صراع. وقد سُمِّي بنو غانية، باسم أمهم غانية، وهي لمتونية من قرابة يوسف بن تاشفين، وربما كانت تسميتها بهذا الإسم دلالة على أصلها الإقليمي، أو بعبارة أخرى نسبة إلى بلاد غانة، وهي التي افتتحها المرابطون عند مطلع نهضتهم في مشارف الصحراء الكبرى. وتلقيب الولد باسم الأم دون الأب، من الأمور الذائعة في أسر لمتونة، خصوصاً متى كانت الأم تمتاز بصفاتها وخلالها العالية. ولدينا من ذلك أمثلة أخرى، مثل الأمير محمد بن عائشة، ولد يوسف ابن تاشفين، والقائد محمد بن فاطمة. وكان والد يحيى، علي بن يوسف، من زعماء قبيلة مسُّوفة أحد بطون صنهاجة. وربى يحيى وأخوه محمد، الذي ولي حكم الجزائر الشرقية فيما بعد، في بلاط مراكش، في عهد يوسف وولده علي، ثم عبر إلى الأندلس وهو فتى، وعاش في كنف الأمير أبى عبد الله محمد بن الحاج اللمتوني، والي قرطبة في أواخر عهد يوسف، وتزوج أمه غانية بعد وفاة أبيه على، فندبه لحكم مدينة إستجّة، فكانت أول ولاية أسندت إليه. ولما تولى علي بن يوسف الأمر بعد أبيه، عزل ابن الحاج عن ولاية قرطبة، لانضمامه إلى الخوارج عليه، المناصرين لابن أخيه يحيى بن أبى بكر والي فاس، وقد ذكرنا خبر خروجه في بداية حكم علي وفشل ثورته، فانفصل عندئذ يحيى بن غانية عن ابن الحاج وجماعته. ثم عفا عليٌّ عن ابن الحاج وغيره من القادة الموالين ليحيى، وعيّن ابن الحاج لولاية المغرب مكان أخيه أبى الطاهر تميم بن يوسف، الذي وُلِّي حكم الأندلس، ثم نُدب ابن الحاج بعد ذلك لولاية بلنسية، ومنها سار إلى سرقسطة، وقد فصلنا أخباره وغزواته فيما تقدم. ولسنا نجد في الأعوام التالية، أثراً لأخبار يحيى بن غانية، بين مختلف

стр. 1308

الولاة، والظاهر أنه كان عندئذ ينتظم في قيادة الجيش، لما ظهر من فائق شجاعته وبراعته. ثم كان ندبه لولاية مرسية، أو لمعاونة واليها يدِّر في سنة ٥١٥ هـ (١١٢١ م) حسبما تقدم. ومن ذلك الحين يلمع اسم يحيى في حوادث شبه الجزيرة لمعاناً شديداً، فهو يقوم بقيادة الجيوش المرابطية في شرقي الأندلس بكفاية وبراعة، وهو يكرر الغزو لأراضي النصارى في أراجون وقطلونية، وقد كان له فيما يبدو دور ملحوظ في مقاومة قوات ألفونسو المحارب حينما اخترق شرقي الأندلس، في غزوته التي قام بها استجابة للنصارى المعاهدين (سنة ٥١٩ هـ) ومر فيها بأراضي بلنسية، واجتاز إلى جزيرة شُقْر، وقاتل أهلها أياماً، ثم تحول إلى دانية، واتجه بعد ذلك صوب شاطبة ومرسية. وقاومه المسلمون أينما حل. ولما توفي يدّر والي بلنسية ومرسية في سنة ٥٢٤ هـ، كما تقدم، ولّى يحيى علي شرقي الأندلس (١)، بيد أنه كان أكثر انشغالا بشئون الحرب والقيادة، وكان ينيب عنه في حكم بلنسية ومرسية أخاه لأمه، المنصور بن محمد بن الحاج. ولما حاصر ألفونسو المحارب إفراغة، هرع يحيى في قواته لإنجادها، مع من هرع إليها من ولاة الأندلس الآخرين. وقاد يحيى قوات الإنجاد في المعركة التي نشبت تحت أسوار إفراغة بشجاعته، براعته المأثورتين، فكانت الهزيمة الساحقة على النصارى في رمضان سنة ٥٢٨ هـ (يوليه سنة ١١٣٤ م) حسبما فصلنا ذلك في موضعه (٢). ولبث يحيى بن غانية، بعد موقعة إفراغة، والياً على شرقي الأندلس بضعة أعوام أخرى. وتقص علينا الرواية الإسلامية قصة غزوة أخرى، في الأراضي النصرانية، اشترك فيها ابن غانية. وخلاصتها أن القشتاليين ضربوا الحصار بقوات كثيفة، حول حصن " أرنبة " أو أرلبة (٣) الواقع شرقي طليطلة، على الحدود بين ولاية قونقة وقشتالة، وكان من أمنع الحصون الإسلامية في تلك المنطقة، وضيق النصارى على حامية الحصن، وقطعوا عنها الأقوات، فنهض والي قرطبة الأمير عبد الله بن أبى بكر، واستمد الأمير تاشفين، واستمد في نفس الوقت يحيى بن غانية والي مرسية وبلنسية، وهرعت القوات المرابطية، من قرطبة ومرسية ومن

стр. 1309

إشبيلية، واجتمعت تحت قيادة ابن غانية، وسارت مسرعة لإنجاد الحصن وإمداده بالمؤن. واستعد القشتاليون للقاء المسلمين بقوات جديدة. ويضع صاحب البيان المغرب تاريخ هذا الحصار في سنة ٥٢٥ هـ (١١٣٠ م) (١). ولكن الرواية النصرانية، تضعه بعد ذلك بعدة أعوام في سنة ١١٣٧ م. وليس هنالك في الرواية الإسلامية، ما يدل على أن موقعة حدثت في هذا الموطن بين المسلمين والنصارى. وكذلك فإن الرواية النصرانية، تقول لنا إن هذا اللقاء بين المسلمين والنصارى في أراضي طليطلة، انتهى إلى خاتمة تتسم بالفروسة. وذلك أن الجيش المرابطي، وقد كان وفقاً لأقوال هذه الرواية، يتكون من ثلاثين ألف فارس، سار من طريق طليطلة. وكان ملك قشتالة ألفونسو السابع (ألفونسو ريمونديس) قد عهد بحماية طليطلة إلى حامية قوية تشرف عليها زوجه الملكة برنجيلا، فلما وصل الجيش المرابطي إلى ظاهر أسوار طليطلة، خرجت الملكة برنجيلا إلى شرفة " القصر " العالي المطل على نهر التاجُه، وبدت للقادة المسلمين مع وصائفها، وقد ازدانت بأفخر الثياب والحلي، وبعثت إلى ابن غانية رسولها، يؤنبه بلسانها لأنه قدم لمهاجمة بلد تدافع عنه امرأة، في حين أن الإمبراطور ينتظرهم في جيشه عند حصن أرنبة (أوريخا)، فدهش ابن غانية وزملاؤه القواد المسلمون، واخذوا بذلك المنظر، ولم يسعهم إلا أن ينحنوا قبالة الملكة المطلة عليهم، تكريماً لها وتعظيماً، ثم استأنفوا سيرهم، دون أن يقوموا بأية محاولة. أما حامية حصن " أرنبة " فقد اضطرت في النهاية إلى التسليم (أكتوبر سنة ١١٣٧ م) ولكن سمح لها أن تخرج بالأمان وأن تسير إلى قلعة رباح (٢). وهكذا يبدو مما تقدم، أنه لم تقع في شرقي الأندلس، في الفترة التي تلت سقوط سرقسطة، وموقعة كتُندة، حوادث خاصة بهذه المنطقة، سوى الغزوات المحلية العارضة، والتي لم تقدم إلينا الرواية عنها تفاصيل شافية، وقد كان شرقي الأندلس، يردد صدى الحوادث العامة في شبه الجزيرة ويشترك فيها، كما تشترك باقي الولايات الأندلسية، وقد كانت الجيوش المرابطية كلها، سواء في شرقي الأندلس أو غربه، تعمل دائماً في حركات موحدة شاملة. أما عن أخبار الغزوات في الناحية الأخرى من الأندلس، فإن الرواية

стр. 1310

الإسلامية تقدم إلينا بعض التفاصيل الموجزة، عن بعض الأحداث التي وقعت عقب مغادرة تاشفين بن علي لشبه الجزيرة. ومن ذلك أن الزبير بن عمر والي قرطبة، خرج في قواته غازياً لأرض النصارى، وافتتح حصن مورة (سنة ٥٣٣ هـ). وفي نفس العام ردت قوات شنترين ويابرة عسكراً من النصارى (البرتغاليين) حاول غزو الأراضي الإسلامية، وقتلت وأسرت منه جملة وافرة، واحتوت على أسلابه. وفي أواخر هذا العام غزا ألفونسو ريمونديس ملك قشتالة أرض الأندلس، وحاصر حصن إربلية، فسارت قوات الأندلس من مختلف الأنحاء لرده وإنجاد الحصن، ولكنها تخلفت في الطريق، ثم عادت من حيث أتت، واضطر الحصن، بعد أن أرهق الحصار أهله إلى التسليم (١). - ٢ - تحدثنا فيما تقدم من أخبار أمير المسلمين علي بن يوسف، عما وقع في أوائل عهده من استرداده للجزائر الشرقية (جزائر البليار) من البيزيين والجنويين في أواخر سنة ٥٠٩ (١١١٦ م). ولما كانت الجزائر الشرقية، تلحق دائماً بشرقي الأندلس، فإنه يجدر بنا أن نتناول هنا، طرفاً من أخبارها في تلك الفترة. وقد ذكرنا عندئذ، أن أمير المسلمين عين لولاية الجزائر عقب استردادها، وانور بن أبي بكر اللمتوني (٢) بيد أنه يبدو من بعض الرسائل السلطانية المرابطية التي بين أيدينا، أنه قد سبقت ولاية وانور ولاية قصيرة الأمد للقائد أبى السداد والي دانية. ففي رسالة صادرة عن علي بن يوسف من حضرة مراكش، في الحادي والعشرين من ربيع الأول سنة ٥١٠ هـ، أعني عقب استرداد الجزائر ببضعة أشهر، يشير أمير المسلمين إلى موت القائد أبى السداد والي ميورقة، ويسند ما كان تحت نظره إلى واليها الجديد، ويسدي إليه النصح بأن يحسن السيرة في أهل الجزيرة، وأن يسلك طريق الرفق والعدل والحق، وأن يستعمل الحزم في ضبط أحوالها، وأن يسعى في استرجاع من خرج من أهلها، وأن يستنيب من يرضاه في النظر على الأسطول والتخلص بثغر دانية، وأن يبذل جهده في

стр. 1311

استمالة الناس، وتهدئة روعهم ولاسيما بعد الذي " أحدثه السفيه المعتوه ابن أبي السداد من إيحاشهم وترويعهم " (١). ويستفاد من هذه الرسالة أن القائد ابن أبي السداد، وقد كان والياً لثغر دانية، حسبما تقدم ذكره، قد وُلي على ميورقة عقب استردادها في أواخر سنة ٥٠٩ هـ، وأنه توفي بعد قليل من ولايته، وأنه لم يحسن السيرة مع أهل الجزائر خلال ولايته القصيرة. وعلى أثر وفاته، قام أمير المسلمين علي بن يوسف باختيار خلف له. وبالرغم من أن اسم الوالي الجديد لم يرد في الرسالة، ولا في ديباجتها، فإنه يبدو من المرجح أنه لم يكن سوى وانور بن أبى بكر، وهو أول وال حقيقي، وليها عقب الاسترداد. أما إغفال أبى السداد في رواية ابن خلدون وغيره، فالظاهر أنه يرجع إلى قصر ولايته، التي لم تتجاوز بضعة أشهر. ولبث وانور بن أبى بكر والياً على الجزائر زهاء عشرة أعوام. وكان ظلوماً صارماً، فعصف بأهل الجزائر واشتد في إرهاقهم. وكان من أهم أسباب سخطهم عليه " أنه أراد أن يرغمهم على ترك ثغر ميورقة، وإنشاء مدينة أخرى داخل الجزيرة "، تكون بعيدة عن البحر. وأخيراً اضطرمت الجزيرة بالثورة وغلب الثوار على وانور. وقضبوا عليه ووضعوه في الأصفاد، وبعثوا إلى أمير المسلمين يشرحون أحوالهم وظلاماتهم، فاستجاب على إلى صريخهم، وعين والياً جديداً للجزائر، هو محمد بن علي بن غانية المسّوفي، أخى يحيى بن غانية الأصغر، وكان عندئذ يتولى النظر على بعض أعمال قرطبة، فقدم إلى الجزائر في سنة ٥٢٠ هـ (١١٢٦ م)، وأقر أهلها على ما فعلوه بواليهم السابق وانور، وبعثه مصفداً إلى مراكش لينظر هنالك في أمره (٢). وقد شاء القدر أن يكون تعيين محمد بن غانية لولاية الجزائر الشرقية، ممهداً لتطور أحوالها، ودخولها في عهد جديد من تاريخها، وقيام دولة جديدة مستقلة بها هي دولة بني غانية. ذلك أن محمد بن غانية ضبط الجزائر، وحكمها بقوة وحزم، وطالت أيامه بها، حتى توفي أمير المسلمين علي بن يوسف

стр. 1312

(٥٣٧ هـ)، واضطربت أحوال الدولة المرابطية في المغرب، وقامت الثورة في أنحاء الأندلس على المرابطين، وولى أخوه يحيى بن غانية قرطبة وما إليها من قبل تاشفين بن علي بن يوسف في سنة ٥٣٨ هـ، وأخذ يخوض من ذلك التاريخ مع الثوار ومع النصارى، حروب ووقائع مستمرة، إلى أن توفي بغرناطة في سنة ٥٤٣ هـ. وفي خلال ذلك كان محمد بن غانية، يعمل في مركزه النائي على توطيد سلطانه بالجزائر والاستقلال بها لنفسه ولعقبه. ومع ذلك فقد لبث على ولائه للدولة المرابطية وزعامة لمتونة، واستمر يدعو في الخطبة لأمير المسلمين، ولبني العباس. وكان خلال اضطرام الفتنة بالأندلس يستقبل اللاجئين من فلول المرابطين بالجزائر، ويشملهم بحمايته ورعايته. وليست لدينا تفاصيل شافية عن حوادث الجزائر في تلك الفترة. ويبدو أنها كانت تجوز عندئذ فترة استقرار وسلام، بعيدة عما تجيش به شبه الجزيرة من الحوادث والخطوب. وكان محمد بن غانية حينما شعر بتوطيد سلطانه، وتمكن استقلاله بحكم الجزائر، قد اختار لولاية عهده ولده الأكبر عبد الله. وهنا تختلف الرواية، فقيل إن عبد الله خلف أباه بعد وفاته على حكم الجزائر، ثم خلفه بعد وفاته أخوه الأصغر إسحاق. وقيل إن إسحاق حقد على أخيه عبد الله حينما عين لولاية العهد، ودبر مؤامرة قتل فيها أخوه وأبوه، وتولى هو على أثرها حكم الجزائر، وذلك في سنة ٥٥٠ هـ (١١٥٥ م) (١). ونحن نقف في تتبع أحداث الجزائر الشرقية عند هذا الحد، لنستأنفه في فرصة أخرى في موضعه المناسب.

стр. 1313

الكتابُ الثاني المهْدي محمّد بن تومَرت والصِّراع بين المرابطين والموحّدين وقيام الدّولة الموحّدية بالمغرِب

стр. 1314

الفصل الأوّل محمد بن تومرت نشأته وظهوره حركة ابن تومرت وخصائصها المحلية. أول ظهور لابن تومرت في مراكش. أصله ومولده. معنى كلمة " تومرت ". نسبته البربرية. انتسابه إلى آل البيت. ما يحيط بهذه النسبة من الريب. نشأته. رحلته في طلب العلم إلى الأندلس، ثم المشرق. قصة لقائه بالإمام الغزالي. سقم هذه القصة وبطلانها. ما ينقضها من الناحية الزمنية. ما يطبعها من ألوان الأسطورة. نفي البحث الحديث لصحتها. تأثر ابن تومرت بتعاليم الأشعرية وبآراء الغزالي. عوده بعد إتمام دراسته إلى المغرب. دعوته إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نزوله بالمهدية. سفره إلى بجاية. ما وقع بها من هرج من جراء دعايته لإزالة المنكر. المناظرة بينه وبين طلبتها. مغادرته لبجاية، ونزوله بملالة. لقاؤه بعبد المؤمن بن علي وما يقال في ذلك من روايات وأساطير. مسيره إلى وانشريش ثم إلى فاس ومكناسة. نظرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. تفسيرها وفقاً لابن حزم. تعليق العلامة جولدسيهر على النظرية. نزول ابن تومرت بمراكش. استمراره في حملته دون هوادة. مظاهر الخلل والفساد في العاصمة المرابطية. تعرضه لأخت الأمير وما وقع بسبب ذلك من الهرج. أمير المسلمين يأمر بمناظرته. قبول ابن تومرت. ما وقع في هذه المناظرة. الأصول والفروع. تحريض الفقهاء للأمير على قتل ابن تومرت. اقتصاره على اعتقاله ثم نفيه من مراكش. مسيره إلى أغمات ثم إلى السوس. تجوله في بلاد المصامدة. نزوله بجبل إيجليز في هرغة. عكوفه على ربث دعوته والتبشير بنظرية المهدي. إعلانه لإمامته وأنه هو المهدي. مبايعة أصحابه له بهذه الصفة. أصحاب المهدي ومراتبهم. تلقيبه بالمهدي والإمام المعصوم. ملخص شريعته. وضعه لكتب الدعوة لأصحابه. ما يدل على أن ابن تومرت كان يضمر مشروعه ويعمل له. ننتقل الآن إلى ناحية أخرى من تاريخ الدولة المرابطية، وهي ناحية طارئة عليها، وقد شاء القدر بأن تحول وجهة سيرها من التقدم والتوطد، إلى الإدبار والانحلال المفاجىء، فبينما هي في أوج قوتها ورسوخها، إذا بها تجد نفسها فجأة أمام فورة دينية صغيرة، يضطلع بها فقيه متواضع، وتضطرم بسرعة مدهشة، حتى تغمر كل شىء فيها، وتستغرق كل قواها ومواردها، ثم تنتهي بعد صراع قصير الأمد، بالقضاء عليها: تلك هي ثورة المهدي ابن تومرت. إن التاريخ الإسلامي، قلما يقدم إلينا حركة أكثر تواضعاً في بدايتها، وأبعد مدى في نتائجها، من تلك الحركة التي قام بها محمد بن تومرت السوسي، المتشح بثوب المهدي، والتي أسفرت عن قيام دولة من أعظم الدول الإسلامية،

стр. 1315

وأضخمها رقعة، وأعظمها قوة وسلطاناً، هي الدولة الموحدية الكبرى. ولقد كانت حركة ابن تومَرت هي الثانية من نوعها في المغرب الإسلامي، وكانت الأولى هي حركة الشيعة، التي أسفرت عن قيام الدولة الفاطمية في إفريقية (تونس)، والتي كان زعيمها الروحي وأول خلفائها عبيد الله يتشح كذلك بثوب المهدي المنتظر. وبالرغم من أن الدولة الفاطمية قد انتقلت بعد ذلك إلى مصر، فإن نشاطها وفتوحاتها، وسلطانها الروحي والسياسي، قد استمرت بالمغرب ردحاً من الزمن، على يد ولاتها من القبائل البربرية، التي كانت هي المادة الآدمية التي استندت إليها في قيامها وتوطدها بالمغرب. بيد أن حركة المهدي ابن تومرت هي حركة مغربية مستقلة، لم تنبعث كما هو الشأن في قيام الدولة الفاطمية، من الدعوة الشيعية المشرقية، وإن كانت مع ذلك تستند إلى نظرية المهدي المنتظر، وهي بذلك تمتاز بتخصصها القوي وصبغتها المحلية البربرية العميقة، كما تمتاز بأساسها الديني الواضح، الذي انبعثت منه، قبل أن تتطور بسرعة إلى حركة سياسية، يتزعمها الإمام المعصوم والمهدي المنتظر، وهي تتجه في خصومتها المذهبية إلى الصراع المحلي المحض، وتستمد لمقوماتها العوامل الدينية المحلية، التي اختص بها المغرب منذ عصور. ثم هي فوق ذلك تمثل معركة قومية داخلية، تضطرم بين فريقين من القبائل البربرية، تستظل كل منهما بشعارها الديني الخاص. فقد رأينا كيف قام المرابطون في البداية للجهاد في سبيل الله، وإحياء السنة ومحاربة البدع والضلالات، والانحراف عن أحكام الإسلام، وقد كان يومئذ يسود كثيراً من القبائل البربرية، ثم رأينا كيف استقرت رياسة الدولة المرابطية في قبيلة لمتونة، وحليفاتها كدالة ومسُّوفه وغيرها من بطون صنهاجة. وكذلك فإن حركة ابن تومرت، قامت في البداية على شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبدأت رياسته السياسية في وطنه بالسوس الأقصى، وفي قبيلته هَرْغة، وغيرها من بطون مَصْمودة، وإذن فقد كانت المعركة بين المرابطين والموحدين، تصطبغ في نفس الوقت بالصبغتين الدينية والقومية. - ١ - في أواخر سنة ٥١٤ هـ (١١٢٠ م) وقعت بمدينة مراكش أول بادرة مؤذنة ببداية الثورة الدينية التي اضطلع بها محمد بن تومرت ضد الدولة المرابطية.

стр. 1316

ففي ذات يوم جمعة، من هذه السنة، دخل إلى المسجد الجامع رجل صغير القد، متواضع الهيئة، وجلس على مقربة من المحراب بإزاء الموضع المخصص لجلوس أمير المسلمين، فلما اعترض على ذلك بعض سدنة الجامع، تلا الآية " إن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ". ولما حضر أمير المسلمين علي بن يوسف، نهض سائر الحضور، إلا ذلك الرجل، فلما انتهت الصلاة بادر الرجل بالسلام على عليّ، وقال له فيما قال " غير المنكر في بلدك، فأنت المسئول عن رعيتك " وبكى. فلم يجبه أمير المسلمين بشىء. ولما عاد إلى القصر سأل عنه، فقيل له إنه قريب العهد بالوصول، وهو يؤلف الناس ويقول لهم إن السنة قد ذهبت، فأمر علي بن يوسف، وزيره عمر بن ينتان أن يكشف عن أمره ومقصده، فإن كانت له حاجة ينظر في قضائها، فقال الرجل ليس لي حاجة، وما قصدي إلا تغيير المنكر (١). كان هذا الرجل هو محمد بن تومرت، وكان قد آب من رحلته إلى المشرق، ونزل بمراكش، بعد أن طاف ببعض مدن المغرب الشمالية، وهو يدعو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأصل هذا الرجل من قبيلة هَرْغة إحدى بطون مصمودة الكبرى، من قوم بها يعرفون " بايسرغينن " وهم الشرفاء في لغة المصامدة. وقد ولد بضيعة، تقع في جنوبي السوس الأقصى، تسمى " بإيجلي ان وارغن " (٢). وقد اختلف في تاريخ مولده. وتضعه الرواية فيما بين سنتي ٤٧١، و ٤٩١ هـ، ويقول لنا ابن الأثير إنه توفي في سنة ٥٢٤ هـ عن إحدى وخمسين عاماً أو خمسة وخمسين عاماً، مما يجعل تاريخ مولده في سنة ٤٦٩ هـ، أو ٤٧٣ هـ، ويضع ابن خلكان تاريخ مولده في العاشر من محرم سنة ٤٨٥ هـ، وابن الخطيب في سنة ٤٨٦ هـ، وابن سعيد في سنة ٤٩١ هـ، ويضعه الغرناطي في سنة ٤٧١، وهو أقدم تاريخ ينسب إليه مولد ابن تومرت (٣). وأما عن نسبته فإن الرواية أشد تبايناً واختلافاً. ومن المتفق عليه أنه أبو عبد الله محمد بن عبد الله، ووالداه من أهل السوس، وكان أبوه رجلا فقيراً، وأمه من قوم يعرفون ببني يوسف من مسكالة من عمل السوس، وبنو يوسف هم أخواله، ومولده

стр. 1317

بموضع يسمى " نومكران "، وهو موضع لا ماء فيه، وإنما يشرب أهله من ماء المطر. وهنالك كانت دار أسرته (١). وكان يقال لوالده تومَرت وأمغار، ومعناه في لغة المصامدة، الضياء الذي يوقد في المسجد، ومن ثم فقد عرفه التاريخ باسمه الذائع، وهو محمد بن تومرت، كما عرفه بلقبه الديني وهو المهدي، ويفسر لنا مؤرخه " البيذق " معنى كلمة " تومرت " التي لصقت بأبيه، فيقول لنا، إن اسم أبيه عبد الله، شهر في صغره إلى كبره " بتومرت بن وجلّيد ". وذلك أنه لما ولد فرحت به أمه وسرت، فقالت باللسان المغربي " آتومَرت آينُو أيَّسك آييوي "، ومعناه: يا فرحتى بك يا بني. وكانت إذا سئلت عن ابنها وهو صغير، تقول باللسان المغربي " يك تومرت "، ومعناه صار فرحاً وسروراً، فغلب عليه اسم تومرت، وترك دعاؤه باسم عبد الله الذي سمي به أولا (٢). ومن المحقق الذي لا يقبل ذرة من الجدل، أن ابن تومرت بربري الجنس ينتسب إلى هَرْغة ومصمودة، ومع ذلك فإنه نظراً لانتحاله صفة المهدي والإمام المعصوم، لم يعدم رواية تنسبه لآل البيت، إذ لابد، وفقاً لأسطورة المهدي المنتظر، أن يكون المهدي منهم. ومن ثم فإننا نجد إلى جانب نسبة ابن تومرت البربرية المحضة، نسبة أخرى ترجعه إلى آل البيت. أما نسبته البربرية فهي أنه محمد بن تومرت بن نيطاوس بن ساولا بن سفيون بن أنكليدس بن خالد. أو أنه محمد بن عبد الله بن وجلّيد بن يامصال بن حمزة بن عيسى. وهذه النسبة الثانية تمد بعد ذلك على يد بعض الرواة إلى آل البيت على النحو الآتي: ابن عبيد الله ابن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن فاطمة بنت رسول الله (٣). وأما نسبته العربية العلوية فهي أنه محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن هود بن خالد ابن تمام بن عدنان بن صفوان بن سفيان بن جابر بن يحيى بن عطاء بن رباح بن ياسر ابن العباس بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب. ويؤيد هذه النسبة ابن رشيق في شجرة أنساب الخلفاء والأمراء، وابن القطان، وابن صاحب الصلاة، مؤرخا

стр. 1318

الدولة الموحدية (١)، ويقول لنا المراكشي، إنه رأى بخط المهدي نسبته المتصلة بالحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (٢). بيد أنه يوجد إلى جانب ذلك من المؤرخين، من ينكر هذه النسبة على ابن تومرت ويعتبره دعيًّا فيها. ومن هؤلاء ابن مطروح القيسي، وهو يصف ابن تومرت بأنه " رجل من هرغة من قبائل المصامدة يعرف بمحمد بن تومرت الهرغي ". وقال بعضهم إنه من قبيلة جنفيسة (٣). ونحن لا نرى في هذه النسبة العربية النبوية التي يدعيها ابن تومرت لنفسه، والتي يؤيدها بعض المؤرخين من أولياء الموحدين وكتاب دولتهم، إلا نحلة باطلة، وثوباً مستعاراً، أراد به ابن تومرت أن يدعم به صفة المهدي التي انتحلها شعاراً ْلإمامته ورياسته الدينية والسياسية، ومما يلفت النظر أن كثيراً من القبائل والأسر البربرية التي تشق طريقها إلى السلطان، تحاول دائماً أن تنتحل الأنساب العربية، كما هو الشأن في بني حمّود الذين يرجعون نسبتهم إلى آل البيت، وفي قبيلة صَنهاجة ْوهي الأم الكبرى للمتونة، صاحبة الرياسة في الدولة المرابطية، فإنها تزعم أنها تنتمي في الأصل إلى العرب اليمانية (٤). وليست لدينا أية تفاصيل شافية عن نشأة ابن تومَرت وحداثته. وكل ما يقال لنا من ذلك أنه نشأ في بيت نسك وعبادة، وشب قارئاً محباً للعلم، وكان يسمى في حداثته " أسافور"، ومعناه الضياء لكثرة ما كان يسرج القناديل بالمساجد التي يلازمها (٥). ولكن الرواية تتبع سيرة حياته منذ سنة ٥٠٠ هـ (١١٠٦ م)، ففي تلك السنة، أو السنة التالية (٥٠١ هـ) حسبما ينقل إلينا ابن القطان، عن الشيخ يحيى ابن وسنا من أهل خمسين أصحاب المهدي - غادر ابن تومرت وطنه بالسوس في ْطلب العلم، وعبر البحر إلى الأندلس، ودرس في قرطبة حيناً، ثم جاز من ثغر ألمرية إلى المشرق (٦)، ومر في طريقه على المهدية، وأخذ بها على الإمام المازري، ثم قصد إلى الإسكندرية ودرس بها على الإمام أبى بكر الطرطوشي، وقضى

стр. 1319

بعد ذلك فريضة الحج، ثم سافر إلى بغداد، وهنالك درس الفقه والأصول على أبى بكر الشاشي الملقب بفخر الإسلام، ودرس الحديث على المبارك بن عبد الجبار وغيره (١). وفي بعض الروايات أن ابن تومرت لقي الإمام أبا حامد الغزالي ودرس عليه في بغداد، وقيل بل لقيه بالشام أيام تزهده (٢). ونحن نقف قليلا عند هذه الرواية، التي يرددها كثير من مؤرخي المشرق والمغرب، إذ متى وأين كان هذا اللقاء، وفي أي الظروف؟ لقد خرج ابن تومرت من وطنه في طلب العلم في سنة ٥٠٠ أو ٥٠١ هـ، وقضى فترة في الأندلس، وفي المهدية، وفي الإسكندرية، ثم سافر لقضاء فريضة الحج، وقصد على أثر ذلك إلى بغداد، وإذن فيكون من المرجح أنه لم يصل إليها قبل سنة ٥٠٤ و ٥٠٥ هـ. وقد كان الإمام الغزالي ببغداد يضطلع بالتدريس في المدرسة النظامية بين سنتي ٤٨٤ و ٤٨٨ هـ (١٠٩١ - ١٠٩٥ م). وفي سنة ٤٨٨ هـ غادر العاصمة العباسية، في رحلته التأملية الشهيرة التي استطالت حتى سنة ٤٩٩ هـ، والتي زار فيها دمشق وبيت المقدس والإسكندرية ومكة والمدينة. وإذن فيكون من المستحيل مادياً، أن يكون ابن تومرت الذي غادر وطنه لأول مرة في سنة ٥٠٠ هـ، قد استطاع أن يلتقى بالغزالي في بغداد أو غيرها من المدن التي زارها في خلال رحلته، ثم إنه ليس من المحتمل أن يكون هذا اللقاء قد وقع عند عودة الغزالي إلى بغداد. ذلك أنه لم يمكث بها سوى فترة يسيرة، ثم رحل منها إلى نيسابور حيث قام بالتدريس فيها استجابة لدعوة السلطان ملك شاه، ثم غادرها بعد قليل إلى مسقط رأسه طوس، وانقطع بها للعبادة والتأليف حتى توفي في جمادى الثانية سنة ٥٠٥ هـ (ديسمبر سنة ١١١٢ م). ويتضح من ذلك جلياً بطلان قصة اللقاء بين ابن تومرت والإمام الغزالي من الناحية التاريخية. وفضلا عن ذلك فإنه يوجد دليل مادي آخر على بطلان هذه القصة أو الأسطورة. ذلك أنها تقرن بواقعة أخرى خلاصتها أن ابن تومرت حينما لقي الإمام الغزالي، وأخبره بما وقع من إحراق المرابطين لكتابه " إحياء علوم الدين " بالمغرب والأندلس، تغير وجهه، ورفع يده إلى الدعاء، والطلبة يؤمنون، فقال " اللهم مزق ملكهم كما مزقوه، وأذهب دولتهم كما أحرقوه "،

стр. 1320

وأن ابن تومرت، رجا الإمام عندئذ أن يدعو الله أن يكون ذلك على يده، فاستجاب الإمام، ودعا الله بذلك (١). وينقض هذه الواقعة من أساسها، أن قرار المرابطين بحرق كتاب " الإحياء " قد صدر لأول مرة في سنة ٥٠٣ هـ في أوائل عهد علي بن يوسف، وذلك حسبما يخبرنا ابن القطان، أعني بعد أن غادر الغزالي بغداد إلى نيسابور لآخر مرة، وقبيل وفاته بنحو عام. فأين إذن ومتى كان لقاء ابن تومرت به؟ وكيف نستطيع إزاء هذه المفارقات الزمنية، أن نصدق تلك القصة التي نسجت حول حرق كتاب الإحياء؟ هي أسطورة إذن، نسجت كما نسجت نسبة ابن تومرت إلى آل البيت، لتغدو هالة تحيط بشخصه وسيرته، وتذكي عناصر الخفاء القدسية، حول شخصه وإمامته. وقد اختير الإمام الغزالي لبطولتها بالذات لتبوئه يومئذ أسمى مكانة من العلم والدين والورع في العالم الإسلامي، ولشهرته الذائعة في المغرب، وصلاته المعروفة بعاهل المرابطين يوسف بن تاشفين، وتأثيره الشرعي لديه، وتأييده لدولته. ويبدو لون الأسطورة في هذه القصة التاريخية بنوع خاص، فيما تزعمه الرواية من أن الإمام الغزالي، حين رؤيته لابن تومرت، شهد من صفاته وشمائله، وتبين فيه من العلامات والآثار، ما يدل على أمره ومستقبله، وأنه كان يقول لجلسائه " لابد لهذا البربري من دولة، أما إنه يثور بالمغرب الأقصى، ويظهر أمره، ويعلو سلطانه، ويتسع ملكه، فإن ذلك ظاهر عليه في صفاته، وباين عنه في شمائله ". ثم تزيد الرواية على ذلك، أن بعض الصحب نقل ذلك إلى ابن تومرت، وأخبره أن ذلك عند الشيخ في كتاب، فلم يزل ابن تومرت يجتهد في خدمة الشيخ ويتقرب إليه، حتى اطلع على الأخبار التي كانت فيه، فلما تحقق من ذلك اعتزم الرحيل إلى المغرب ليتابع قدره، ويبحث عن مصيره (٢). ولم يقف أمر هذه الأسطورة التي تجمع بين الغزالي وابن تومرت عند هذا الحد، بل لقد كان من آثارها أنه يوجد كتاب منسوب للغزالي عنوانه " سر العالمين، وكشف ما في الدارين " أو بعنوان أقصر " السر المكنون " وقد جاء في

стр. 1321

أوله ما يأتي: " أول من استنسخه، وقرأه عليّ بالمدرسة النظامية سراً من الناس في النوبة الثانية بعد رجوعي من السفر، رجل من أرض المغرب يقال له محمد ابن تومرت من أهل سلمية، توسمت فيه الملك " (١). وليس أشد إمعاناً من ذلك كله في عالم الأسطورة. ومن ثم فإنا نجد كثيراً من المؤرخين والمفكرين يرفضون هذه الأسطورة والأخذ بها، فابن الأثير ينفيها بصراحة ويقول لنا " والصحيح أن ابن تومرت لم يجتمع به (أي الغزالي) " (٢). ويبدي ابن خلدون ريبه فيها، ويحملها على محمل الزعم، وكذلك يعاملها ابن الخطيب (٣). وكذلك فإن البحث الحديث ينكرها وينفيها. ومن أصحاب هذا الرأي المستشرق الألماني ميللر (٤)، والعلامة المستشرق إجناس جولدسيهر. ويستعرض جولدسيهر بنوع خاص ما في هذه القصة من مفارقات ومتناقضات تاريخية ثم يقول: " ويبدو من ذلك كله أنه يحق لنا أن نلغي من ترجمة ابن تومرت قصة الغزالي، فهي غير مقبولة إطلاقاً، سواء من حيث ترتيب الحوادث الزمنية، أو من حيث منطق الحوادث نفسها. وكل ما هنالك أننا نرى فيها تحقيقاً لحاجة الناس، بأن يجدوا سبباً موجباً، غير الصفات الشخصية، لارتفاع رجل، وصل في لمعة نور خارقة إلى السلطان، وإلى سحق الدولة القائمة " (٥). على أن ذلك كله لا يعني أن ابن تومرت لم يتأثر في تعاليمه الدينية بآراء الغزالي ونظرياته. ومن المسلم به أن ابن تومرت، قد تأثر خلال درسته بالمشرق بالنظريات المشرقية في علوم الكلام والأصول والسنة. ويقول لنا ابن خلدون، إنه تأثر بتعاليم الأشعرية، وأخذ عنهم، واستحسن طريقتهم في الانتصار للعقائد السلفية والدفاع عنها، وفي تأويل المتشابه من القرآن والحديث (٦)، وهي

стр. 1322

مسائل سوف نعود إليها حينما نتحدث عن تعاليم المهدي الدينية. وأما فيما يتعلق بتأثير الغزالي، فإن هذا التأثير يظهر في آراء ابن تومرت ومشاريعه الدينية، وخصوصاً فيما أبداه ابن تومرت من المعارضة للتقاليد الدينية الكائنة بالمغرب، وإن هذه المعارضة كانت تعكس في صور كثيرة، ما كان قائماً من نظرية الغزالي الكلامية، وبعض النظريات الأخرى في المشرق. على أن هذا التأثر بتعاليم الغزالي، لم يصل في رأي جولدسيهر إلى الأعماق، ولم يكن كبيراً، ويلاحظ جولدسيهر بالأخص أن المهدي، بالرغم مما يوصف به في تراجمه من الورع والزهد، لم يبد قط ميلا إلى المعارف الصوفية، وإلى ذلك الجهد النفسي الذي يسمح للإنسان بالحياة في ضمير الحقائق الدينية، وهو الغرض الأساسي في بحوث الغزالي الدينية. هذا إلى ما كان بينهما من خلاف في المناهج، وفي علم الشريعة، وفي بعض النقط الكلامية الأخرى (١). - ٢ - ولما أتم محمد بن تومرت بغيته من الدراسة بالمشرق، اعتزم العودة إلى المغرب، وكان قد قطع في دراسته وبحوثه مرحلة بعيدة المدى، حتى غدا على قول ابن خلدون: " بحراً متفجراً من العلم، وشهاباً وارياً من الدين ". وركب ابن تومرت البحر من الإسكندرية في أواخر سنة ٥١١ هـ (١١١٧ م) , ويقال إنه أخرج منفياً من الإسكندرية، لما ترتب من شغب على نشاطه في مطاردة المنكر. بيد أنه استمر في دعوته إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو على ظهر السفينة التي أقلته، فألزم ركابها بإقامة الصلاة وقراءة القرآن، واشتد في ذلك حتى قيل إن ركاب السفينة ألقوه إلى البحر، فلبث أكثر من نصف يوم يسبح إلى جانبها دون أن يصيبه شىء، فلما رأوا ذلك أنزلوا إليه من رفعه من الماء، وقد عظم في نفوسهم، وبالغوا في إكرامه (٢). ولما وصل إلى المهدية، نزل بمسجد من مساجدها، وليس معه سوى ركوة ماء وعصا، فتسامع به الناس، وأقبل الطلاب يقرأون عليه مختلف العلوم، وكان إذا شاهد منكراً من آلات الملاهي، أو أواني الخمر، بادر إلى إزالته وكسرها، وأصابه

стр. 1323

بسبب ذلك بعض الأذى. ووصل خبره إلى الأمير يحيى بن تميم بن المعز بن باديس ملك إفريقية، فاستدعاه مع جماعة من الفقهاء، فلما رأى سمته، واستمع إلى مناقشاته أعجب به وأكرمه سأله الدعاء (١). ثم غادر المهدية إلى بجاية، وجرى فيها على نفس أسلوبه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان يقوم بدعوته بلا كلل، حتى وقعت ذات يوم بسبب تشدده في إزالة المنكر، ضجة وشعب، وكان والي البلدة العزيز بن المنصور بن حماد الصنهاجي، رجلا فظاً قاسياً، فسخط عليه هو وخاصته، وأراد البطش به. ويفصل لنا ابن القطان بعض ما فعله ابن تومرت لإزالة المنكر ببجاية، وبعض ما كان بها من المناكر والبدع، فيقول إن ابن تومرت لما دخل بجاية لقى بها الصبيان في زي النساء بالضفائر والأخراس والزينة، وشواشي الخز، وألفى الأرذال قد فتنوا بذلك، وانهمكوا فيه، فشدد في مطاردته، وفي إزالة هذا الزي المنكر. ثم إنه حضر عيداً فرأى فيه من اختلاط الرجال بالنساء والصبيان المتزينين المتكحلين صوراً مثيرة، فزجرهم، ونغص عليهم اجتماعهم، فوقع الهرج، وسرى الشر، وسُلب النساء حليهن. وسأل العزيز عن ذلك، فعرف بأنه لا سبب لهذا الهرج سوى الفقيه السوسي، وذلك حسبما كان يعرف ابن تومرت مذ كان بالمشرق. فأمر بجمع الطلبة لمناظرته، فاجتمعوا في دار أحدهم على طعام وشراب، واستدعى ابن تومرت للحضور، فأبى، فقصد إليه الكاتب عمر بن فلفول، فلاطفه وتضرع إليه حتى قبل المناظرة، واجتمع بالطلبة، وسألوه فأجابهم عن كل ما سألوا؛ وسألهم فما استطاعوا الإجابة عن شىء. وتضرع إليه ابن فلفول عندئذ بأن يترك ما هو بسبيله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢). وخشى ابن تومرت العاقبة، فغادر بجاية إلى ناحية قريبة منها تسمى ملالة، ونزل في كنف أصحابها وهم من أعيان صنهاجة، فآووه وأكرموه، وطلب إليهم والى بجاية تسليمه إليه، فأبوا، ولبث بينهم حيناً يدرس العلم، وكان إذا فرغ يجلس على صخرة بقارعة الطريق قريباً من ملالة. وفي ذات يوم وفد إليه كهل وفتى حسن التكوين، رائع الجمال، ولم يكن هذا الفتى الوسيم سوى عبد المؤمن بن علي بن عَلْوي، الذي شاء القدر أن يغدو فيما بعد أعظم أصحاب المهدي، وأعظم قادته، وخليفة

стр. 1324

تراثه ودولته. وكان قد قدم مع عمه من بلده القريب من تلمسان، في طريقه إلى المشرق، ليطلب العلم، ويقضي فريضة الحج، فسأله ابن تومرت عن شخصه وعن أحواله، ولما وقف على مقصده، قال له إن العلم والشرف والذكر التي يطلبها موجودة، وإنها تنال بصحبته، ودعاه إلى معاونته فيما هو قائم به، من إماتة المنكر، وإحياء العلم، وإخماد البدع. ويقدم إلينا ابن القطان عن لقاء عبد المؤمن بابن تومرت رواية أخرى، خلاصتها أن ابن تومرت حينما خرج من بجاية، واتخذ مقره في رابطة ملالة، وأقبل عليه طلبة العلم، كان ممن وفد عليه منهم الفقيه عبد الواحد بن عمر التونسي، وتعلق به ولازمه حيناً، وكان التونسي من فقهاء رباط تلمسان، فلما توفي، اتفق أصحابه وتلاميذه على استدعاء ابن تومرت ليقوم بالتدريس مكانه، فوجهوا إليه عبد المؤمن، وكان من تلاميذ التونسي المذكور (١). وأعجب عبد المؤمن كذلك بشخصية ابن تومرت وغزير علمه، وعول على البقاء إلى جانبه. وهنا تدخل الأسطورة مرة أخرى، فيقال إن ابن تومرت قد اطلع على كتاب في الجفر من علوم آل البيت، ورأى فيه صفة رجل يظهر بالمغرب الأقصى، من ذرية الرسول، وان إستقامة أمره، وتوطد مركزه، يكون على يد رجل من أصحابه، هجاء اسمه كاسم عبد المؤمن، ويجاوز وقته المائة الخامسة، وأنه، أي ابن تومرت، كان يبحث عن هذا الرجل أينما حل، فلما رأى عبد المؤمن وسمع اسمه " أدرك أنه هو الشخص المبتغى " (٢). وقيل إن ابن تومرت التقى بعبد المؤمن بموضع يعرف بفنزارة من بلاد متيجة، وأن عبد المؤمن كان عندئذ يشتغل بتعليم صبيان القرية المذكورة (٣). وبقى عبد المؤمن إلى جانب ابن تومرت، وانقطع إليه واختص به، ودرس عليه حيناً بملالة، تم غادرا ملالة معاً، وذهبا إلى وانشريش، وهنالك انضم إليهما رجل من قبيلة هرغة، أي قبيلة ابن تومرت، هو أبو محمد البشير. وقصد ابن تومرت وصحبه بعد ذلك إلى تلمسان، وقد تسامع الناس بخبره، وذاع صيته، فاستدعاه قاضيها، وهو ابن صاحب الصلاة، وأنبه على مسلكه، ومخالفته لعقائد أهل قطره، وطلب إليه العدول عن دعوته، فأعرض

стр. 1325

عنه ابن تومرت، وسار مع صحبه إلى فاس، ثم إلى مكناسة. وهنالك اشتد في مطاردة المنكر، فاعتدى عليه الغوغاء بالضرب والأذى، فغادرها إلى مراكش (١). ونظرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي اتخذها ابن تومرت شعاراً له، هي فكرة يختص بها الإسلام، وهي مشتقة مما ورد في القرآن من قوله: " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر "، وقوله: " كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر "، ومما ورد في الحديث مما شُهد بصحته قوله: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان "، وقوله: " لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف، وعلى أحدكم السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة ". وأساس هذه الفكرة الإسلامية، هو التضامن الاجتماعي، والمسئولية العامة عن حماية المجتمع من المنكر والرذائل التي ينهي عنها الدين. وقد تناول الإمام الفيلسوف ابن حزم القرطبي هذه النظرية في كتابه الجامع " الفِصَلْ " وشرح لنا أصولها ومغزاها، وذكر لنا فيما يتعلق بتطبيق هذا الشعار في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بأنه قد ذهبت طوائف من أهل السنة والمعتزلة والخوارج والزيدية، إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك. فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع، ولاييئسون من الظفر، ففرض عليهم ذلك، وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر، كانوا في سعة من ترك التغيير باليد. ويزيد ابن حزم على ذلك، أنه يجب إن وقع شىء من الجور وإن قل، أن يكلم الإمام في ذلك ويمنع منه، فإن امتنع وراجع الحق وأذعن للقود من البشرة أو من الأعضاء، ولإقامة حد الزنا والقذف والخمر، فلا سبيل إلى خلعه، وهو إمام كما كان لا يحل خلعه، فإن امتنع من إنفاذ شىء من هذه الواجبات عليه ولم يراجع، وجب خلعه وإقامة غيره ممن يقوم بالحق لقوله تعالى: " وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " (٢). ويعلق الإمام الغزالي أهمية كبيرة على تلك الفكرة، ويصف الأمر بالمعروف

стр. 1326

بأنه " هو القطب الأعظم في الدين ". ومن الطبيعي أن يكون الحاكم أو رئيس الدولة (الإمام)، هو المسئول الأول عن تنفيذ هذا المبدأ الأخلاقي، وأن يبذل ما في وسعه في قمع ما يخالف الشرع من الأعمال والذنوب، بيده، أي بواسطة مأموريه، ثم بلسانه أي بالوعظ والحث على التزام أحكام الشرع. وقد كان منصب الحسبة في مختلف الدول الإسلامية في العصور الوسطى، مظهراً من مظاهر العمل على محاربة بعض أنواع المنكر، بيد أن هذه المطاردة للمنكر لم تكن وقفاً على الدولة، أو ممثليها الرسميين، وإنما كان حق الحسبة يمتد إلى كل مسلم، فلكل مسلم أن يعمل أو أن ينبه على الأقل لإزالة كل منكر يراه، أو مخافة لأحكام الشرع. وهذا المبدأ ما يزال مسلماً به في عصرنا في سائر المجتمعات الإسلامية، وإن كان الشرع يقصر استعماله على التنبيه أو تبليغ السلطات المختصة. يقول العلامة جولدسيهر معلقاً على هذا المبدأ: " كان أولئك الذين يحاولون تغيير المنكر، وتغيير وجه الأمور، رجال متحمسون مخلصون، ولكنه كان أيضاً ذريعة لمغامرين أذكياء يحاولون الوصول إلى السلطان بطريقة سهلة فيسبغون الصبغة الدينية على حركة ثورية، وقد كان مبدأ الأمر بالمعروف، شعار الحركات لقلب أسر حاكمة، ورفع آخرين إلى مكانها، وهو يبدأ بنقد الأسرة الحاكمة، ثم يتلو ذلك شهر السيف، وإثارة الجموع. فإذا نجح ذلك، تم الوصول إلى الغاية المنشودة ". " وقد كان هذا الشعار كلمة تجمُّع لثورات أسر في المشرق، وكذلك في إفريقية الشمالية، التي كانت دائماً مهاداً خصبة لأولئك الذين يريدون إقامة صرح سياسي فوق أسس دينية. ولم تكن بين هذه ثمة حركة، لا في أوائلها، ولا في تقدمها، تضارع في اتساع نطاقها، تلك الثورة التي أدت في أعوام قلائل، إلى طرد المرابطين، وتأسيس الإمبراطورية الموحدية القوية في اسبانيا وشمال إفريقية ". وبالرغم من أن جولدسيهر يرى بصفة عامة أن ابن تومرت لم يتأثر بتعاليم الغزالي، فإنه في هذا الموطن يقول لنا إن ابن تومرت ربما تأثر في نظرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنفوذ الغزالي، لأنه يعلق على هذه النظرية أهمية قصوى، ويصفها كما تقدم " بالقطب الأعظم للدين " (١).

стр. 1327

ونزل ابن تومرت بالحاضرة المرابطية، وكان ذلك في سنة ٥١٤ هـ (١١٢٠ م) وعكف على طريقته في مطاردة المنكر وإزالته، كلما استطاع إلى ذلك سبيلا، والتقى في المسجد الجامع بأمير المسلمين علي بن يوسف، وجرى بينهما ما سبقت الإشارة إليه من الأحاديث. واستمر ابن تومرت في حملته الدينية الأخلاقية دون هوادة. وقد كانت مراكش وغيرها من المدن المغربية، تبدي أيام المرابطين كثيراً من مظاهر التسامح الديني، أو بعبارة أخرى كثيراً من مظاهر الاستهتار والفساد، فقد كانت الخمر تباع علناً وفي الأسواق، وكان النبيذ يشرب دون تحفظ، وكانت الخنازير تمرح في أحياء المسلمين، وكان القصف ذائعاً بسائر صنوفه، ومظاهر التدين ضعيفة باهتة، هذا إلى ما كان يسود الإدارة من تفكك، والقضاء من انحلال واغتصاب لأموال اليتامى، وغير ذلك من ضروب الفساد (١)، وهو ما يلخصه المراكشي في قوله مشيراً إلى عهد علي بن يوسف بن تاشفين " واختلت حال أمير المسلمين بعد الخمسمائة، اختلالا شديداً، فظهرت في بلاده مناكر كثيرة، وذلك لاستيلاء أكابر المرابطين على البلاد، ودعواهم الاستبداد .. واستولى النساء على الأحوال، وأسندت إليهن الأمور، وصارت كل امرأة من لمتونة ومسّوفة، مشتملة على كل مفسد وشرير وقاطع سبيل، وصاحب خمر وماخور، وأمير المسلمين في ذلك كله يتزايد تغافله، ويقوي ضعفه " (٢). ووقع ذات يوم حادث زاد في لفت الأنظار لابن تومرت ولدعوته. وذلك أن الصورة أخت أمير المسلمين خرجت في موكبها، ومعها عدد من الجواري الحسان، وهن جميعاً سافرات على عادة المرابطين، من سفور النساء، واتخاذ الرجال اللثام. ورأى ابن تومرت هذا الموكب، وأنكر على النساء سفورهن، وأمرهن بستر وجوههن، وضرب هو وأصحابه دوابهن، فسقطت الأميرة عن دابتها، ووقع الاضطراب والهرج، ورفع الأمر إلى أمير المسلمين علي بن يوسف، ففاوض الفقهاء في شأن هذا الداعية المضطرم. وكانت المعلومات التي جمعت عنه منذ حادثة المسجد، هو أنه حديث العهد بالوصول إلى مراكش، وأنه يؤلف الناس، ويقول لهم إن السنة قد ذهبت. وكان علي بن يوسف قد أمر وزيره ينتان بن عمر أن يكشف عن مذهبه، وعن أحواله ومطلبه، فإن كانت له

стр. 1328

حاجة ينظر في قضائها، وكان جواب ابن تومرت حسبما أشرنا من قبل، أن لا حاجة له إلا تغيير المنكر (١). ورأى أمير المسلمين أن يناظر الفقهاء هذا الرجل. وكان الفقهاء المرابطون يحقدون على ابن تومرت لاعتناقه مذهب الأشعرية، وما يملي به من تأويل المتشابه، ولحملته عليهم، وإنكاره لجمودهم إزاء مذهب السلف، وإقراره كما جاء، وذهابه إلى حد تكفيرهم، فأغروا الأمير باستدعائه للمناظرة معهم (٢)، وقبل ابن تومرت هذا التحدي، وأبدى في مناظرته للفقهاء المرابطين تفوقاً ظاهراً. وقد ورد ذكر هذه المناظرة في كتاب " أعز ما يطلب "، الذي دونه الخليفة عبد المؤمن بن علي عن إملاء ابن تومرت، وملخص ذلك أن المهدي، أو " الإمام المعصوم، المهدي المعلوم " كما يوصف، طلب إلى مناظريه أن يختاروا من ينوب عنهم لمناظرته، فقدموا من اختاروه، وكان مما سألهم المهدي، أن قال لهم طرق العلم هل هي منحصرة أم لا، فأجاب مقدمهم المذكور، نعم هي منحصرة في الكتاب والسنة والمعاني التي نبهت عليها، فقال المهدي، إنما السؤال عن طرق العلم هل هي منحصرة أم لا، فلم تذكر إلا واحداً منها، ومن شرط الجواب أن يكون مطابقاً للسؤال، فلم يفهم مناظره قوله، وعجز عن الجواب. ثم سألهم المهدي عن أصول الحق والباطل ما هي، فعاد مناظره إلى جوابه الأول، فلما رأى المهدي عجزهم عن فهم السؤال، وعجزهم عن الجواب، شرع يبين لهم أصول الحق والباطل، فقال إنها أربعة وهي " العلم والجهل، والشك والظن "، ثم أخذ يشرح ماهية كل منها في كلام طويل، ثم يستعرض الكتاب بعد ذلك آراء المهدي مفصلة عن " الجهل " و " الشك "، و" الظن "، ثم عن " الأصل والحقيقة " ويقسمها إلى أقسام عديدة، وكل قسم منها إلى فصول مختلفة (٣). وكان جل من حضر ذلك المجلس من الفقهاء المرابطين، من علماء الفروع، وليست لهم معرفة بعلم الأصول. ونقول بهذه المناسبة إن علم الأصول أو أصول الدين، يقوم على دراسة الشريعة واشتقاقها من الكتاب والسنة، ودراسة النصوص الشرعية، والأدلة العقلية، وتفاصيل العقائد، وأصول الفقه

стр. 1329

أى مصادر الشريعة، ومعرفة النبوة والرسالة، وكل ما يتعلق بذلك. وأما علم الفروع، فإنه يقتصر على دراسة فرائض العبادات والمعاملات وأحكامها، والحدود والأقضية، أو بعبارة أخرى، على دراسة الجانب العملي والدنيوي من الشريعة. وقد كانت الدراسات المفضلة في ظل المرابطين هي علم الفروع. ويقول لنا المراكشي، خلال حديثه عن نفوذ الفقهاء أيام علي بن يوسف، إنه لم يكن يحظى عنده إلا من أتقن علم الفروع أعني فروع مذهب مالك، ثم يستطرد قائلا: " فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب، وعمل بمقتضاها، ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتى نُسي النظر في كتاب الله، وحديث رسول الله ﷺ ، فلم يكن أحد من مشاهير ذلك الزمان يعتني بهما كل الاعتناء " (١). وقد كان أخص ما تمتاز به هذه المناظرة الدينية، هو أن ابن تومرت أبدى في مناقشته تمسكه بأصول الشريعة، إزاء الفقهاء المرابطين، وهم أقطاب علم الفروع، وأراد أن يبين جهلهم بمناهج الشريعة الحقيقية، فجعل المناقشة تجري على الأصول لا الفروع، وأبدى في عرضه لأصول الشريعة، أنه يرجع خاصة إلى القرآن والحديث، ولا يرجع قط قول مستخرج، ولا يعتبر الإجتهاد مرجعاً من مراجع الشريعة (٢). ولم يكن بين الفقهاء المرابطين من استطاع أن يقدر براعة ابن تومرت، وتبحره في علوم الدين، سوى فقيه أندلسي هو مالك بن وهيب قاضي مراكش، وقد كان من أكابر العلماء والأدباء، وكان متمكناً من علوم الدين والفلسفة، ولكنه كان لا يظهر من علمه إلا ما يروج في ذلك الزمان (٣). فبين لأمير المسلمين خطورة هذا الرجل، وخطورة دعوته وتعاليمه، وقال له إن هذا رجل، لا يبغي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنه يبغي تضليل العامة، وإثارة الفتنة، والوصول إلى السلطان، وأشار عليه بقتله، وأشار البعض الآخر على أمير المسلمين، باعتقال الرجل وسجنه، وعبر عن ذلك أحدهم بقوله للأمير: " ألقه في الكبول لئلا يسمعك الطبول ". وخالفهم في ذلك الوزير ينتان بن عمر، وقال

стр. 1330

لعلي بن يوسف إن هذا وهن في حق الملك، ونوه بضعف الرجل وضآلة شأنه. فأمر علي بن يوسف وزيره أن يعتقله لديه أياماً حتى يرى فيه رأيه. ولم تمض أيام على ذلك، حتى جاءت الأنباء بوقوع الفتنة في قرطبة، وأخذ علي بن يوسف في التأهب للعبور إلى الأندلس. فطلب إلى وزيره أن يأتيه بابن تومرت، وحضر بين يديه، وقال له علي بلغني عنك ما صنعت ببجاية وغيرها فتورع الناس عن قتلك، فعرفني بحقيقة غرضك، فقال ابن تومرت غرضي تغيير المنكر، ورفع المغارم، وألا تولي من قبيلتك أحد، وان تتركوا اللثام لأنه من شأن النساء، ولا تجوز به صلاة، فزجره أمير المسلمين، وأمر بإخراجه من مراكش. وكان ذلك في أوائل سنة ٥١٥ هـ (١). - ٣ - غادر محمد بن تومرت وصحبه مدينة مراكش إلى أغمات، وفي بعض الروايات أنه بالعكس استمر حيناً يقيم في خيمة بين مقابر المدينة، وينهال عليه الناس والطلاب، وهو يبث فيهم الدعوة ضد المرابطين، ويرميهم بالتجسيم والكفر، ثم انتهى بأن أعلن بطلان بيعة علي بن يوسف وخلع طاعته عن أعناق أصحابه وتابعيه (٢)، ولكنه اضطر أن يغادر مكانه حينما بلغه أن القوم يضمرون اعتقاله وقتله (٣). ولما حل ابن تومرت بأغمات استمر فيها على طريقته من مطاردة المنكر والحملة على المرابطين، واتخذ لصلاته ودعايته مسجداً خارج أغمات، فأمر صاحب المدينة بإخراجه وإبعاده (٤). فعندئذ قصد ابن تومرت وصحبه إلى بلاد السوس، ولحق بجبال المصامدة، وذهب أولا إلى مسفيوة، ثم إلى هنتانة، ثم إلى إيكلين، ومر في خلال ذلك بكثير من المحلات البربرية، وهو يتوقف أوقاتاً في بعضها، ويبني المساجد، وينضم إليه الصحب والأتباع. وقد فصل لنا أبو بكر الصنهاجي صاحب ابن تومرت، برنامج رحلته منذ خروجه من أغمات، ومسيره

стр. 1331

خلال جبال المصامدة، ومن لقيه خلال رحلته من الصحب والأتباع. ورحل ابن تومرت وصحبه بعد ذلك إلى قرية إيجليز أوجبل إيجليز من بلاد هرغة، بلده وموطن قومه وعشيرته، ونزل في مكان منيع لا يصل إليه أحد إلا من طريق لا يسلكها إلا الراكب بعد الراكب، وتدافع عنها أقل عصبة من الناس (١)، وهنالك انهال إليه المصامدة من كل فج، وكثر صحبه وأتباعه، وهو يدعوهم إلى التوحيد، وإلى قتال المجسمين المرابطين، وعكف على تدريس العلم. وكان يعني بالأخص بأن يشرح لأنصاره وتلاميذه نظرية المهدي المنتظر والإمام المعصوم، وما ورد فيها من الأحاديث والأقوال المأثورة، ويبث الخاصة من دعاته بين رؤساء القبائل يمهدون لتلك الدعوة ويبشرون بها. ولما شعر ابن تومرت بأن دعايته قد أتت ثمرتها، وأضحى الميدان ممهداً للعمل، اعتزم أن يعلن إمامته (٢). وفي اليوم الخامس عشر من رمضان سنة ٥١٥ هـ (ديسمبر سنة ١١٢١ م) قام ابن تومرت خطيباً في أصحابه وأعلن إليهم أنه المهدي المنتظر (٣) في خطبة قصيرة ينقل إلينا نصها ابن القطان في " نظم الجمان " فيما يلي: " الحمد لله الفعال لما يريد، القاضي بما يشاء، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وصلى الله على سيدنا رسول الله، المبشر بالإمام المهدي، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلا، كما ملئت جوراً وظلماً، يبعثه الله إذا نُسخ الحق بالباطل وأزيل العدل بالجور. مكانه المغرب الأقصى منبته وزمانه آخر الزمان، واسمه اسم النبي ﵊، ونسبه نسب النبي صلى الله تعالى وملائكته الكرام المقربون عليه وسلم، وقد ظهر جور الأمراء، وامتلأت الأرض بالفساد، وهذا آخر الزمان، والإسم الاسم والنسب النسب، والفعل الفعل ". (٤) وعلى أثر ذلك، وفي ظل شجرة خروب وارفة، هرع إلى المهدي عشرة من أصحابه الملازمين له، وبايعوه على أنه المهدي المنتظر والإمام المعصوم، وهؤلاء العشرة الأوائل من أصحاب المهدي هم: تلميذه وألصق الناس به عبد المؤمن بن علي،

стр. 1332

وكان أول من بايعه، وأبو محمد عبد الله بن محسن الوانشريشي المسمى بالبشير، وعبد الله بن ملويات، وأبو حفص عمر بن يحيى الهنتاني، وأبو حفص عمر بن على أزناج (أصناك)، وسليمان بن مخلوف، وإبراهيم بن إسماعيل الخزرجي وأبو محمد عبد الواحد الحضرمي، وأبو عمران موسى بن تمارى، وأبو يحيى أبو بكر بن يكيت. وسمي هؤلاء العشرة بالمهاجرين الأولين وبالجماعة (١)، ثم بايعه من بعدهم خمسون رجلا، فسموا أهل خمسين، وهم الطبقة الثانية من أصحاب المهدي (٢). تم بايعه من بعدهم سبعون آخرون فسموا أهل سبعين، وهم الطبقة الثالثة. وكانت هذه الطبقات الثلاث تضم أخلص أنصار المهدي، وأقدرهم. وقسم ابن تومرت بعد ذلك بقية أصحابه وأنصاره، إلى طبقات تلي هذه، فالطبقة الرابعة تتكون من طلبة العلم، والطبقة الخامسة تتكون من الحفاظ، وهم صغار الطلبة، والطبقة السادسة تتكون من أهل الدار وهم أقارب المهدي وعشيرته وخاصة خدمه. وقد ذكر لنا ابن القطان نقلا عن ابن صاحب الصلاة أسماء هؤلاء الخدم الذين كانوا يلازمونه ليل نهار. والطبقة السابعة تتكون من أهل هرغة بلد المهدي وموطن قبيلته، والطبقة الثامنة تتكون من أهل تينملّل، والطبقة التاسعة من أهل جدميوه، والطبقة العاشرة من أهل جنفيسة، والطبقة الحادية عشرة من أهل هنتانة، والثانية عشر تتكون من الجند، والثالثة عشرة من الغزاة والرماة. ويقول ابن القطان إن الطبقة الثانية عشر كانت تتكون من أهل القبائل، والثالثة عشرة من الجند. ويضيف إلى ذلك طبقة أخرى، هي الرابعة عشرة، وهي طبقة " الفرات "، وهم الأحداث الصغار الأميون، ووضع المهدي فيما بعد نظاماً خاصاً لمهام هذه الطبقات ورُتَبها، وجعل لكل منها مهمة تختص بها، ورتبة لا تتعداها، سواء في السفر أو الحضر، وشرع القتل جزاء لمن خالف الأوامر؛ ومن تخلف عن الحضور أدب، فإن تمادى قتل،

стр. 1333

ومن لم يحفظ حزبه عزر بالسياط، وكل من لم يتأدب بما أدب به، ضرب بالسوط مرة أو مرتين، فإن تمادى في تصرفه وترك امتثال الأوامر قتل، ومن داهن على أخيه أو أبيه أو ابنه أو من يكرم عليه قتل. وشدد المهدي في تنفيذ شريعته وضبط الأمور بحزم، وكان هذا النظام هو أساس الدولة الموحدية المستقبلة (١). ولما كملت بيعة ابن تومرت على هذا النحو، لقبه أنصاره بالمهدي والإمام المعصوم، وكانوا من قبل يقتصرون على تلقيبه بالإمام. وسمي المهدي وأصحابه وأهل دعوته بالموحدين. ويقول لنا ابن خلدون، إنه اختار لهم هذه التسمية تعريضاً بلمتونة في أخذهم بالعدول عن التأويل وميلهم إلى التجسيم (٢). ووضع لهم في التوحيد كتاباً باللغة البربرية سماه " المرشدة " يحتوي على معرفة الله تعالى، والعلم بحقيقة القضاء والقدر، والإيمان بما يجب لله تعالى، وما يجب على المسلم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتضمن الأعشار والأحزاب والسور، وقال لهم إن من لا يحفظ هذا التوحيد، فليس بموحد، وإنما هو كافر لا تجوز إمامته، ولا تؤكل ذبيحته. قال صاحب روض القرطاس " فصار هذا التوحيد عند قبائل المصامدة كالقرآن العزيز، لأنه وجدهم قوماً جهلة لا يعرفون شيئاً من أمر الدين ولا من أمر الدنيا " (٣). ووضع لهم بالبربرية كتباً أخرى في العقيدة منها كتاب سمي " بالقواعد " وآخر سمي " بالأمانة "، ودونها كذلك بالعربية، وكان ابن تومرت أبرع أهل عصره في إتقان اللغتين العربية والبربرية. ثم وضع بالعربية فيما بعد، كتابه في العقيدة والعلم والإمامة الذي رواه عنه تلميذه وخليفته عبد المؤمن بن علي والذي يفتتحه بقوله " أعز ما يطلب " وهي عبارة أصبحت تعتبر عنواناً للكتاب ذاته (٤). وسوف نتحدث في فصل خاص عن محتويات هذا الكتاب، وعن عقائد المهدي وآرائه الدينية والسياسية بصفة عامة. ولبث المهدي بن تومرت يبث دعوته، ويعمل على توطيدها في نفوس أنصاره، بفصاحته وذلاقته، ورقيق وعظه، وأعوانه من المخلصين القادرين يجوبون جبال المصامدة، ويدعون إلى إمامته ومهديته، والناس يفدون عليه من كل صوب جموعاً غفيرة، يبايعونه بالإمامة، ويتبركون برؤيته، حتى

стр. 1334

استفحل أمره، وعلا صيته، وكثر جمعه، وأضحى يمثل بما تنطوي عليه حركته من القوى الأدبية والمادية الضخمة، خطراً داهماً على سلطان المرابطين. وإنه ليحق لنا أن نتساءل هنا، هل كان محمد بن تومرت يضمر منذ الساعة الأولى مشروعه في انتحال صفة المهدي توسلا إلى نيل السلطان، وأنه مذ عاد عقب دراسته بالمشرق إلى المغرب، كان يضطرم بهذه الأمنية الكبيرة، أم أنه حمل على مشروعه، بما رآه من نجاح دعوته، وتكاثر أتباعه، وشعوره بقوة ملأه؟ يلوح لنا أن ابن تومرت كان يضطرم بأطماعه منذ الساعة الأولى، وأنه كان في بداية أمره يتخذ الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ستاراً يتحسس به طريقه، حتى تسنح له فرصة العمل المثمر. يؤيد ذلك ما سبق أن نقلناه عن المراكشي من أن ابن تومرت، كان خلال محادثاته لتلاميذه وأنصاره، يعني بأن يشرح لهم بالأخص نظرية المهدي المنتظر، والإمام المعصوم، ويبعث رسله ودعاته لإذاعتها بين القبائل. وتؤيده كذلك رسالة أشار إليها ابن القطان، قال إنها وجهت من المهدي في آخر شهر رمضان سنة ٥١١ هـ إلى الفقيه القاضي علي بن أبي الحسن الجذامي وفيها يقول بعد البسملة: " أقول، وأنا محمد بن عبد الله بن تومرت، وأنا مهدي آخر الزمان " (١). وقد يؤيده أيضاً ما تردده تراجمه المختلفة من قصة لقائه بالإمام الغزالي، وما ينسب إلى الغزالي، حينما وقف منه على ما فعل المرابطون بكتبه، من دعائه بتمزيق دولتهم، وزوال ملكهم، وأن يكون ذلك على يده، أي على يد ابن تومرت، وما تردده هذه التراجم أيضاً من أن ابن تومرت، قد اطلع في بعض كتب الجفر والملاحم السرية على ما رود فيها بشأن قدره ومصيره، وأنه وقف منها على العلامات والشواهد الخاصة التي يتميز بها المهدي المنتظر، وهي علامات كانت كلها متوفرة فيه (٢).

стр. 1335

الفصل الثاني الصراع بين المرابطين والموحدين المرحلة الأولى علي بن يوسف يرسل جيشاً لمحاربة المهدي. تحصن المهدي بجبل إيجليز. نزول الموحدين للقاء المرابطين. هزيمة المرابطين وفرارهم. أمير المسلمين يرسل جيشاً آخر لمحاربة الموحدين. هزيمة المرابطين للمرة الثانية، ثم للمرة الثالثة. أثر هذا الظفر في توطيد أمر المهدي وتقوية شيعته. المهدي يوجه رسالة إلى المرابطين. غزوات المهدي للمرابطين ثم للقبائل الخارجة. افتتاحه لجبال ْدرن. انتقاله من جبل إيجليز إلى تينملل. رواية عن استيطان المهدي لتينملل، وفتكه بقبيلة هزميرة. استعداد المهدي لمرحلة جديدة من الصراع ضد المرابطين. تمييزه لأصحابه عن يد محمد البشير. قصة البشير ومعجزاته المزعومة. بعث المهدي قواته لغزو المرابطين. غزوها لكيك وأغمات. هزيمة المرابطين في الموقعتين. حشد المهدي لسائر قواته. يعهد بقيادتها إلى محمد البشير وعبد المؤمن بن علي. زحف الموحدين على مراكش. تفاصيل عن المعارك التمهيدية بين الموحدين والمرابطين. استعداد علي ابن يوسف للدفاع. اللقاء الأول بين المرابطين والموحدين تحت أسوار مراكش. هزيمة المرابطين والتجاؤهم إلى داخل المدينة. حصار الموحدين لمراكش. اجتماع الحشود المرابطية من سائر الأنحاء. نشوب معركة جديدة بين الفريقين في بقعة البحيرة. هزيمة الموحدين وتمزيق قواتهم. مصرع قائدهم البشير ومعظم زملائه. انسحاب عبد المؤمن في فلوله، وفتك القوات المرابطية بها. ارتداد الموحدين إلى تينملل. فداحة النكبة التي أصابت الجيش الموحدي. الخلاف حول تاريخ معركة البحيرة. مرض المهدي ووفاته. صفاته وخلاله وأحكامه. سفكه للدماء. خداعه واستغلاله لسذاجة الجماهير. تصدي ابن خلدون للدفاع عن صفته ونسبه وعن صحة دعوته. بواعث هذا الدفاع، وما يتسم به من سقم وتناقض. مثل الداعية المخاتل الساعي إلى انتزاع السلطان. حكومة المهدي التيوقراطية. الإتفاق على خلافة عبد المؤمن. قبر المهدي في تينملل. - ١ - كان واضحاً، أن محمد بن تومرت أو المهدي حسبما نسميه منذ الآن، كان مذ شعر بتوطيد أمره، وتضخم أنصاره وجموعه، يتأهب لمحاربة المرابطين. وهو قد أعلن ذلك لأنصاره " الموحدين " بالفعل مذ تمت بيعته وتسمى بالمهدي، وأخذ الموحدون في التأهب للحرب، بعد أن رتبهم المهدي، وجعل لكل عشرة منهم نقيباً. وسنرى فيما بعد كيف تنتظم الجيوش الموحدية وفق منهاج جديد، وتتخذ لها في الحروب خططاً مبتكرة، كانت من أهم أسباب ظفرها. وقد رأينا فيما تقدم، كيف اضطر أمير المسلمين علي بن يوسف أن يعبر
следующие страницы →