← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

خلال جبال المصامدة، ومن لقيه خلال رحلته من الصحب والأتباع. ورحل ابن تومرت وصحبه بعد ذلك إلى قرية إيجليز أوجبل إيجليز من بلاد هرغة، بلده وموطن قومه وعشيرته، ونزل في مكان منيع لا يصل إليه أحد إلا من طريق لا يسلكها إلا الراكب بعد الراكب، وتدافع عنها أقل عصبة من الناس (١)، وهنالك انهال إليه المصامدة من كل فج، وكثر صحبه وأتباعه، وهو يدعوهم إلى التوحيد، وإلى قتال المجسمين المرابطين، وعكف على تدريس العلم. وكان يعني بالأخص بأن يشرح لأنصاره وتلاميذه نظرية المهدي المنتظر والإمام المعصوم، وما ورد فيها من الأحاديث والأقوال المأثورة، ويبث الخاصة من دعاته بين رؤساء القبائل يمهدون لتلك الدعوة ويبشرون بها. ولما شعر ابن تومرت بأن دعايته قد أتت ثمرتها، وأضحى الميدان ممهداً للعمل، اعتزم أن يعلن إمامته (٢). وفي اليوم الخامس عشر من رمضان سنة ٥١٥ هـ (ديسمبر سنة ١١٢١ م) قام ابن تومرت خطيباً في أصحابه وأعلن إليهم أنه المهدي المنتظر (٣) في خطبة قصيرة ينقل إلينا نصها ابن القطان في " نظم الجمان " فيما يلي: " الحمد لله الفعال لما يريد، القاضي بما يشاء، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وصلى الله على سيدنا رسول الله، المبشر بالإمام المهدي، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلا، كما ملئت جوراً وظلماً، يبعثه الله إذا نُسخ الحق بالباطل وأزيل العدل بالجور. مكانه المغرب الأقصى منبته وزمانه آخر الزمان، واسمه اسم النبي ﵊، ونسبه نسب النبي صلى الله تعالى وملائكته الكرام المقربون عليه وسلم، وقد ظهر جور الأمراء، وامتلأت الأرض بالفساد، وهذا آخر الزمان، والإسم الاسم والنسب النسب، والفعل الفعل ". (٤) وعلى أثر ذلك، وفي ظل شجرة خروب وارفة، هرع إلى المهدي عشرة من أصحابه الملازمين له، وبايعوه على أنه المهدي المنتظر والإمام المعصوم، وهؤلاء العشرة الأوائل من أصحاب المهدي هم: تلميذه وألصق الناس به عبد المؤمن بن علي،

стр. 1332

وكان أول من بايعه، وأبو محمد عبد الله بن محسن الوانشريشي المسمى بالبشير، وعبد الله بن ملويات، وأبو حفص عمر بن يحيى الهنتاني، وأبو حفص عمر بن على أزناج (أصناك)، وسليمان بن مخلوف، وإبراهيم بن إسماعيل الخزرجي وأبو محمد عبد الواحد الحضرمي، وأبو عمران موسى بن تمارى، وأبو يحيى أبو بكر بن يكيت. وسمي هؤلاء العشرة بالمهاجرين الأولين وبالجماعة (١)، ثم بايعه من بعدهم خمسون رجلا، فسموا أهل خمسين، وهم الطبقة الثانية من أصحاب المهدي (٢). تم بايعه من بعدهم سبعون آخرون فسموا أهل سبعين، وهم الطبقة الثالثة. وكانت هذه الطبقات الثلاث تضم أخلص أنصار المهدي، وأقدرهم. وقسم ابن تومرت بعد ذلك بقية أصحابه وأنصاره، إلى طبقات تلي هذه، فالطبقة الرابعة تتكون من طلبة العلم، والطبقة الخامسة تتكون من الحفاظ، وهم صغار الطلبة، والطبقة السادسة تتكون من أهل الدار وهم أقارب المهدي وعشيرته وخاصة خدمه. وقد ذكر لنا ابن القطان نقلا عن ابن صاحب الصلاة أسماء هؤلاء الخدم الذين كانوا يلازمونه ليل نهار. والطبقة السابعة تتكون من أهل هرغة بلد المهدي وموطن قبيلته، والطبقة الثامنة تتكون من أهل تينملّل، والطبقة التاسعة من أهل جدميوه، والطبقة العاشرة من أهل جنفيسة، والطبقة الحادية عشرة من أهل هنتانة، والثانية عشر تتكون من الجند، والثالثة عشرة من الغزاة والرماة. ويقول ابن القطان إن الطبقة الثانية عشر كانت تتكون من أهل القبائل، والثالثة عشرة من الجند. ويضيف إلى ذلك طبقة أخرى، هي الرابعة عشرة، وهي طبقة " الفرات "، وهم الأحداث الصغار الأميون، ووضع المهدي فيما بعد نظاماً خاصاً لمهام هذه الطبقات ورُتَبها، وجعل لكل منها مهمة تختص بها، ورتبة لا تتعداها، سواء في السفر أو الحضر، وشرع القتل جزاء لمن خالف الأوامر؛ ومن تخلف عن الحضور أدب، فإن تمادى قتل،

стр. 1333

ومن لم يحفظ حزبه عزر بالسياط، وكل من لم يتأدب بما أدب به، ضرب بالسوط مرة أو مرتين، فإن تمادى في تصرفه وترك امتثال الأوامر قتل، ومن داهن على أخيه أو أبيه أو ابنه أو من يكرم عليه قتل. وشدد المهدي في تنفيذ شريعته وضبط الأمور بحزم، وكان هذا النظام هو أساس الدولة الموحدية المستقبلة (١). ولما كملت بيعة ابن تومرت على هذا النحو، لقبه أنصاره بالمهدي والإمام المعصوم، وكانوا من قبل يقتصرون على تلقيبه بالإمام. وسمي المهدي وأصحابه وأهل دعوته بالموحدين. ويقول لنا ابن خلدون، إنه اختار لهم هذه التسمية تعريضاً بلمتونة في أخذهم بالعدول عن التأويل وميلهم إلى التجسيم (٢). ووضع لهم في التوحيد كتاباً باللغة البربرية سماه " المرشدة " يحتوي على معرفة الله تعالى، والعلم بحقيقة القضاء والقدر، والإيمان بما يجب لله تعالى، وما يجب على المسلم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتضمن الأعشار والأحزاب والسور، وقال لهم إن من لا يحفظ هذا التوحيد، فليس بموحد، وإنما هو كافر لا تجوز إمامته، ولا تؤكل ذبيحته. قال صاحب روض القرطاس " فصار هذا التوحيد عند قبائل المصامدة كالقرآن العزيز، لأنه وجدهم قوماً جهلة لا يعرفون شيئاً من أمر الدين ولا من أمر الدنيا " (٣). ووضع لهم بالبربرية كتباً أخرى في العقيدة منها كتاب سمي " بالقواعد " وآخر سمي " بالأمانة "، ودونها كذلك بالعربية، وكان ابن تومرت أبرع أهل عصره في إتقان اللغتين العربية والبربرية. ثم وضع بالعربية فيما بعد، كتابه في العقيدة والعلم والإمامة الذي رواه عنه تلميذه وخليفته عبد المؤمن بن علي والذي يفتتحه بقوله " أعز ما يطلب " وهي عبارة أصبحت تعتبر عنواناً للكتاب ذاته (٤). وسوف نتحدث في فصل خاص عن محتويات هذا الكتاب، وعن عقائد المهدي وآرائه الدينية والسياسية بصفة عامة. ولبث المهدي بن تومرت يبث دعوته، ويعمل على توطيدها في نفوس أنصاره، بفصاحته وذلاقته، ورقيق وعظه، وأعوانه من المخلصين القادرين يجوبون جبال المصامدة، ويدعون إلى إمامته ومهديته، والناس يفدون عليه من كل صوب جموعاً غفيرة، يبايعونه بالإمامة، ويتبركون برؤيته، حتى

стр. 1334

استفحل أمره، وعلا صيته، وكثر جمعه، وأضحى يمثل بما تنطوي عليه حركته من القوى الأدبية والمادية الضخمة، خطراً داهماً على سلطان المرابطين. وإنه ليحق لنا أن نتساءل هنا، هل كان محمد بن تومرت يضمر منذ الساعة الأولى مشروعه في انتحال صفة المهدي توسلا إلى نيل السلطان، وأنه مذ عاد عقب دراسته بالمشرق إلى المغرب، كان يضطرم بهذه الأمنية الكبيرة، أم أنه حمل على مشروعه، بما رآه من نجاح دعوته، وتكاثر أتباعه، وشعوره بقوة ملأه؟ يلوح لنا أن ابن تومرت كان يضطرم بأطماعه منذ الساعة الأولى، وأنه كان في بداية أمره يتخذ الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ستاراً يتحسس به طريقه، حتى تسنح له فرصة العمل المثمر. يؤيد ذلك ما سبق أن نقلناه عن المراكشي من أن ابن تومرت، كان خلال محادثاته لتلاميذه وأنصاره، يعني بأن يشرح لهم بالأخص نظرية المهدي المنتظر، والإمام المعصوم، ويبعث رسله ودعاته لإذاعتها بين القبائل. وتؤيده كذلك رسالة أشار إليها ابن القطان، قال إنها وجهت من المهدي في آخر شهر رمضان سنة ٥١١ هـ إلى الفقيه القاضي علي بن أبي الحسن الجذامي وفيها يقول بعد البسملة: " أقول، وأنا محمد بن عبد الله بن تومرت، وأنا مهدي آخر الزمان " (١). وقد يؤيده أيضاً ما تردده تراجمه المختلفة من قصة لقائه بالإمام الغزالي، وما ينسب إلى الغزالي، حينما وقف منه على ما فعل المرابطون بكتبه، من دعائه بتمزيق دولتهم، وزوال ملكهم، وأن يكون ذلك على يده، أي على يد ابن تومرت، وما تردده هذه التراجم أيضاً من أن ابن تومرت، قد اطلع في بعض كتب الجفر والملاحم السرية على ما رود فيها بشأن قدره ومصيره، وأنه وقف منها على العلامات والشواهد الخاصة التي يتميز بها المهدي المنتظر، وهي علامات كانت كلها متوفرة فيه (٢).

стр. 1335

الفصل الثاني الصراع بين المرابطين والموحدين المرحلة الأولى علي بن يوسف يرسل جيشاً لمحاربة المهدي. تحصن المهدي بجبل إيجليز. نزول الموحدين للقاء المرابطين. هزيمة المرابطين وفرارهم. أمير المسلمين يرسل جيشاً آخر لمحاربة الموحدين. هزيمة المرابطين للمرة الثانية، ثم للمرة الثالثة. أثر هذا الظفر في توطيد أمر المهدي وتقوية شيعته. المهدي يوجه رسالة إلى المرابطين. غزوات المهدي للمرابطين ثم للقبائل الخارجة. افتتاحه لجبال ْدرن. انتقاله من جبل إيجليز إلى تينملل. رواية عن استيطان المهدي لتينملل، وفتكه بقبيلة هزميرة. استعداد المهدي لمرحلة جديدة من الصراع ضد المرابطين. تمييزه لأصحابه عن يد محمد البشير. قصة البشير ومعجزاته المزعومة. بعث المهدي قواته لغزو المرابطين. غزوها لكيك وأغمات. هزيمة المرابطين في الموقعتين. حشد المهدي لسائر قواته. يعهد بقيادتها إلى محمد البشير وعبد المؤمن بن علي. زحف الموحدين على مراكش. تفاصيل عن المعارك التمهيدية بين الموحدين والمرابطين. استعداد علي ابن يوسف للدفاع. اللقاء الأول بين المرابطين والموحدين تحت أسوار مراكش. هزيمة المرابطين والتجاؤهم إلى داخل المدينة. حصار الموحدين لمراكش. اجتماع الحشود المرابطية من سائر الأنحاء. نشوب معركة جديدة بين الفريقين في بقعة البحيرة. هزيمة الموحدين وتمزيق قواتهم. مصرع قائدهم البشير ومعظم زملائه. انسحاب عبد المؤمن في فلوله، وفتك القوات المرابطية بها. ارتداد الموحدين إلى تينملل. فداحة النكبة التي أصابت الجيش الموحدي. الخلاف حول تاريخ معركة البحيرة. مرض المهدي ووفاته. صفاته وخلاله وأحكامه. سفكه للدماء. خداعه واستغلاله لسذاجة الجماهير. تصدي ابن خلدون للدفاع عن صفته ونسبه وعن صحة دعوته. بواعث هذا الدفاع، وما يتسم به من سقم وتناقض. مثل الداعية المخاتل الساعي إلى انتزاع السلطان. حكومة المهدي التيوقراطية. الإتفاق على خلافة عبد المؤمن. قبر المهدي في تينملل. - ١ - كان واضحاً، أن محمد بن تومرت أو المهدي حسبما نسميه منذ الآن، كان مذ شعر بتوطيد أمره، وتضخم أنصاره وجموعه، يتأهب لمحاربة المرابطين. وهو قد أعلن ذلك لأنصاره " الموحدين " بالفعل مذ تمت بيعته وتسمى بالمهدي، وأخذ الموحدون في التأهب للحرب، بعد أن رتبهم المهدي، وجعل لكل عشرة منهم نقيباً. وسنرى فيما بعد كيف تنتظم الجيوش الموحدية وفق منهاج جديد، وتتخذ لها في الحروب خططاً مبتكرة، كانت من أهم أسباب ظفرها. وقد رأينا فيما تقدم، كيف اضطر أمير المسلمين علي بن يوسف أن يعبر

стр. 1336

البحر إلى الأندلس في أوائل سنة ٥١٥ هـ، حينما سمع بأمر الفتنة التي حدثت بقرطبة، وكيف أنه لم يمكث عندئذ طويلا بالأندلس، ولم يضطلع بأية أعمال أو غزوات جديدة، لما بلغه من تفاقم حركة ابن تومرت في بلاد السوس، وكان قبل ذلك بأشهر قلائل فقط قد سرحه، عقب المناظرة التي وقعت بينه وبين الفقهاء، واكتفى بإبعاده عن حاضرته مراكش، فسار ابن تومرت إلى بلاد السوس، وهنالك كشف عن حقيقة نياته ومشاريعه البعيدة المدى. ولما عاد أمير المسلمين إلى مراكش حاول أن يستدرك ما فاته، وأن يدبر أمر القبض على ابن تومرت، ولكن الأمر كان أخطر من ذلك وأعظم، ولم يكن أمامه سوى محاربة الرجل، الذي تحول في فترة قصيرة من فقيه متواضع يدعو إلى تغيير المنكر، إلى داعية سياسي خطر، يتشح بثوب الإمامة المهدية، ويجمع تحت لوائه قوى جرارة. فبعث لقتاله والي السوس أبا بكر بن محمد اللمتوني، وقيل إبراهيم بن تيعشت في جيش من الأجناد والحشم، فقصد إلى السوس الأقصى، وكان المهدي قد صعد عندئذ إلى جبل إيجليز من شعب جبال المصامدة، وتحصن فيه مع أنصاره، وكان لهذا الجبل طريق واحد ضيق وعر لا يستطيع أن يسلكه سوى فارس واحد، وتصعب مهاجمته على أية قوة محاربة، فلما قدم المرابطون نزلوا في شرقي الجبل بمكان وعر، فخرج المهدي من معقله، وعقد مجلساً لأصحابه ووعظهم، وقال لهم: أنظروا إلى أعدائكم، واعلموا أن كل ما جاءوا به من خيل وعدة، إنما هو هدية من الله تعالى لكم، على غربتكم وفقركم، فأعطاكم وأغناكم. ثم جهز لقتالهم جيشاً من أنصاره من أهل هرغة وهنتانة وتينملل، وزوده بالأعلام البيض، وندب لقيادته محمداً البشير الوانشريشي أحد أصحابه العشرة، فنزل الموحدون من الجبل، وما كاد اللقاء يقع بين الجيشين حتى هزم المرابطون وركنوا إلى الفرار، واستولى الموحدون على أسلابهم من الخيل والسلاح، وطاردوهم حتى مدينة مراكش، ووقع هذا النصر الأول لجيوش المهدي، في شهر شعبان سنة ٥١٦ هـ (أغسطس سنة ١١٢٣ م) (١). وكان لهذا النصر أثر بالغ في ذيوع أمر المهدي، وتضاعف صيته، وتضخم

стр. 1337

شيعته، وكان له بالأخص أثره في تقوية الروح المعنوية لدى جموع الموحدين. وبادر علي بن يوسف فجهز جيشاً آخر، أضخم عدة وعدداً، وسيره تحت إمرة الأمير أبى إبراهيم إسحاق، وكان الموحدون قد كثر جمعهم، وقويت نفوسهم، وتزودوا بما غنموه من المرابطين من الخيل والسلاح. فلما التقى الجمعان للمرة الثانية سرى إلى الحشم والجند المرابطين رعب مفاجىء، وانهزموا أمام الموحدين دون قتال، وقتل منهم عدد وافر، واستولى الموحدون على محلتهم، وسائر عُددهم، وكان لهذه الهزيمة الثانية أسوأ وقع في نفس علي بن يوسف، فجهز على الأثر جيشاً عظيماً ثالثاً، وعهد بقيادته إلى الأمير سير بن مزدلي اللمتوني، فلم يكن في قتال الموحدين أسعد حظاً من سابقيه، فأصيب كذلك بهزيمة شديدة وقتلت من جنده جملة وافرة، وكانت نكبة جديدة للمرابطين. وبدا عندئذ، لعليّ بن يوسف على ضوء هذه الهزائم المتوالية لجيوشه، أن المسألة ليست فتنة محلية، وأن المهدي لم يكن ثائراً عادياً، بل إن الأمر أجل من من ذلك وأخطر، وأن محاربة الموحدين أضحت بالنسبة للدولة المرابطية، معركة حياة أو موت. وشعر المهدي من جهة أخرى أنه أضحى من حيث توطد أمره، ووفرة حشوده، وروح شيعته المعنوية، التي أذكاها الظفر، ندًّا قوياً للمرابطين، وأنه يسير قدماً في هزيمتهم وتحطيم دولتهم، وأنه لن يمضي سوى القليل، حتى ينزعهم سلطانهم، ويقيم دولته الموحدية الجديدة على أنقاض دولتهم، وكان من أثر هذه الثقة بالظفر النهائي، أن وجه المهدي إلى المرابطين، رسالة يدعوهم فيها إلى طاعته، وينذرهم فيها بسحقهم إذا لم يستجيبوا. وإليك نص هذه الرسالة التي يوردها لنا صاحب الحلل الموشية: " إلى القوم الذين استزلهم الشيطان، وغضب عليهم الرحمن، الفئة الباغية، والشرذمة الطاغية، لمتونة، أما بعد، قد أمرناكم بما نأمر به أنفسنا من تقوى الله العظيم ولزوم طاعته، وأن الدنيا مخلوقة للفناء، والجنة لمن اتقى، والعذاب لمن عصى، وقد وجبت لنا عليكم حقوق بوجوب السنة، فإن أديتموها كنتم في عافية، وإلا فنستعين بالله على قتالكم حتى نمحو آثاركم، ونكدر دياركم، ويرجع العامر خالياً، والجديد بالياً، وكتابنا هذا إليكم إعذار وإنذار، وقد أعذر من أنذر، والسلام عليكم، سلام السنة، لا سلام الرضى " (١).

стр. 1338

وقعت هذه المرحلة الأولى من الصراع بين الموحدين والمرابطين في سنة ٥١٦ هـ (١١٢٢ م) وربما كذلك في سنة ٥١٧ هـ. وقد ذكر لنا أبو بكر الصنهاجي المكنى بالبيذق، وقد كان حسبما يقرر لنا من حشم المهدي وخاصته، في روايته في باب غزوات المهدي، أو المعصوم كما يسميه، أن هذه الغزوات الأولى بلغت تسع غزوات متوالية كانت كلها ضد المرابطين، إلا واحدة منها، وهي الغزوة السابعة، فقد كانت لقبيلة هسكورة، وكان من أبرز الوقائع في مقاتلة المرابطين واقعتان، الأولى نشبت بين المرابطين أو الحشم حسبما ينعتهم ابن القطان، وبين الموحدين في بلدة تادرارت، وكانت معركة عنيفة هزم فيها الموحدون، وفني معظمهم أو قتلوا جميعاً حسبما يروى ابن القطان. ونشبت الموقعة الثانية في آنسا، وكانت الدائرة في هذه المعركة على الموحدين، فقتلت منهم جملة كبيرة. أما غزوة هَسْكورة، فلأنها كانت من القبائل المتخلفة عن بيعة المهدي، والاعتراف بطاعته، وفي هذه الغزوة اشترك المهدي بنفسه في القتال، وأصيب بجراح، وأسرع أنصاره بحمله وإنقاذه (١). والواقع أن المهدي لم يقتصر في بداية أمره على مقارعة المرابطين أو لمتونة، ولكنه شغل في نفس الوقت بمحاربة القبائل المجاورة المتخلفة عن بيعته وطاعته، مثل هسكورة، ورَجراجة، وهزرجة، وغجرامة، وكثير من بطون المصامدة، وكان بعض هذه القبائل مثل هزرجة وهسكورة من حلفاء لمتونة، فكان المهدي يشتد في قتالهم ويرغمهم على الطاعة قبيلة بعد أخرى، حتى دانت له سائر القبائل الخارجة، من المصامدة ومن غيرهم (٢)، وجاز المهدي بعد ذلك إلى جبال دَرَن، فاحتوى على سائر بلادها ومحلاتها من بلدة تامبوت إلى ماغوصة إلى جنفيسة، تم جاز إلى تادرارت حيث وقعت هزيمة الموحدين الأولى، فأغار عليها الموحدون وقتلوا أهلها قتلا ذريعاً. وأنفق المهدي في تلك الحروب والغزوات المحلية زهاء ثلاثة أعوام، من سنة ٥١٦ إلى سنة ٥١٨ هـ (١١٢٢ - ١١٢٤ م)، وبذلك استطاع أن يبسط سلطانه المطلق على منطقة السوس كلها. وفي سنة ٥١٨ هـ، غادر المهدي جبل إيجليز بعد أن أقام فيه ثلاثة أعوام،

стр. 1339

خريطة: المغرب البلاد ومنازل القبائل عند بداية الدولة الموحدية.

стр. 1340

وسار في صحبه إلى تينملّل، وهي محلة صغيرة من عمل هرغة تقع فوق ربوة عالية في سفح جبل دَرَن من شعب جبال الأطلس على قيد نحو مائة كيلومتر من جنوب غربي مراكش، فقسم أرضها وديارها على أصحابه، وابتنى بها حصناً في قمة الجبل يشرف عليها من عل، وابتنى كذلك داراً ومسجداً، وأدار حول وهداتها سوراً. وكان اختيار المهدي لهذه البلدة يرجع بالأخص إلى حصانة موقعها الفائق، وكان الوصول إليها من الغرب من طريق ضيق لا يتسع إلا لفارس واحد، ومن الشرق كذلك من طريق في بطن الجبل تحت راكبها حافات وفوقه حافات، والسير فيها خطر شاق. وهكذا استقر المهدي في تينملّل، وجعلها مقر رياسته، ومركز جهاده، وبذلك أضحى على مسافة قليلة من العاصمة المرابطية الكبرى (١). ويقدم إلينا اليسع بن أبى اليسع عن استيطان المهدي لتينملل رواية، خلاصتها أن أهلها بعثوا إليه بطاعة قبيلتهم هزميرة الجبل، وأن سكناه لديهم أصلح له، وأقرب إلى بث دعوته، فسار إليهم، ونزل بتينملل، فأكرمه أهلها أيما إكرام، وأكدوا له خضوعهم وطاعتهم، وبايعوه، فرأى المهدي من كثرتهم وحصانة بلدهم ما راق لديه، وكان يخرج إلى الشريعة في خارجها، ويجلس على حجر مربع أمام المحراب، ويعظ الناس، فلاحظ أن قبيلة هزميرة يحضرون دائماً متقلدين سلاحهم. فسألهم يوماً لم تمسكون سلاحكم، وإخوانكم الموحدون لا يمسكونه؟ فتركوا حمل السلاح مدة. وكان المهدي قد توجس من كثرتهم وقوتهم، ونظر في أمرهم. فجاءوا ذات يوم إلى سماع الوعظ دون سلاح. وكان الموحدون بالعكس قد تقلدوا سلاحهم، فانقضوا عليهم، وأوسعوهم قتلا، فقتلوا منهم في ذلك اليوم وفقاً لرواية اليسع نحو خمسة عشر ألف، وسبيت نساؤهم، ونهبت أموالهم، وقسمت أراضيهم بين الموحدين. ثم ابتنى المهدي سوراً حول تينملل، وأقام في قمة الجبل حصناً يكشف ما وراءه. وأخذ يبعث بقواته إلى الأماكن المجاورة من أراضي قبيلة تينملل أو هزميرة فيغيرون عليها، ويقتلون أهلها، ويسبون ويغنمون. ووقعت هذه الحوادث كلها، حسبما يخبرنا ابن القطان في سنة ٥١٨ هـ (٢) (١١٢٤ م)

стр. 1341

وأخذ المهدي بعد ذلك يتأهب للمرحلة التالية، وربما الحاسمة، في صراعه مع المرابطين. وكان قد اعتاد أن يسميهم " بالمجسمين ". وترجع هذه التسمية إلى حديث نقله إلينا أبو بكر الصنهاجي في كلامه عن الغزوة التاسعة، وذلك أن المهدي سأل أنصاره الموحدين في هذه الغزوة، وكان مشاركاً فيها، عما يقوله المرابطون عنهم، فقالوا إنهم لقبونا بالخوارج، فقال المهدي " سبقونا بالقبيح " لو كان خيراً أحجموا عنه، لقبوهم أنتم، فإن الله ذكر في كتابه: " فمن اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه " قولوا لهم أنتم أيضاً " المجسمون ". ومن ذلك الحين يطلق الموحدون على خصومهم المرابطين لقب المجسمين، ويشير إليهم المهدي في سائر كتاباته بهذا اللقب (١). ورأى المهدي، استعداداً لهذا الصراع، أن يستوثق من ولاء أنصاره، فأمر أن ينادي في الجيش بدعوة الناس كافة، وندب أبا محمد البشير لتمييز الناس، فكان يخرج قوماً عن يمينه ويسميهم أهل الجنة، ويخرج آخرين عن يساره ويسميهم أهل النار، وهم الذين يشك في ولائهم، وفي اعتقادهم أن ابن تومرت هو المهدي المعلوم. ويقول لنا ابن القطان، إن البشير كان يطلق أهل اليسار، وهم يعلمون أن ليس لهم إلا القتل فلا يفر منهم أحد، وكان إذا اجتمع منهم كثير قتلهم قراباتهم، وقتل الأب ابنه، والابن أباه والأخ أخاه، ولم تقل لنا الرواية، ماذا كان مقياس الولاء أو المروق في هذا التمييز، ولكن المفروض أنه انتهى بسحق المنافقين والمثبطين من صفوف الموحدين (٢). ولمحمد البشير هذا، وهو كما نذكر من أصحاب المهدي العشرة، قصة ذكرها لنا ابن القطان نقلا عن اليسع في أخبار سنة ٥١٩ هـ، وهي التي وقع فيها التمييز. وذلك أن البشير كان منذ البداية يتظاهر بالبله، ويلتزم الصمت والعزلة، وتأخذه سنات من النوم، ففي ذات يوم خرج المهدي إلى الناس، وقال لهم، أتعرفون البشير، فقالوا ومن هو؟ فقال لهم هو الونشريشي، وأنتم تعلمون أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، وتعرفون أنه لايثبت على آية، ولكن الله قد جعله مبشراً لكم، مطلعاً على أسراركم، وهو من آيات الله تعالى في هذا الأمر. وكان المهدي

стр. 1342

قد عنى سراً بتحفيظ القرآن للبشير، فاستعرضه أمامهم، وقرأه عليهم في أربعة أيام، وركب أمامهم حصاناً فأتقن ركوبه، ثم قال لهم المهدي، إن البشير هذا مطلع على الأنفس محدث، وأنه يوجد إلى جانب الموحدين، أقوام منافقون، وقف البشير على دخيلتهم، وأنه لابد من النظر في أمورهم حتى يتم العدل (١). وفي العامين التاليين، وقعت بين الموحدين والمرابطين بضعة معارك، يصعب استجلاء تفاصيلها. وكان علي بن يوسف قد بعث جيشاً ليحاول اقتحام تينملل معقل المهدي ففشل وهزم. وكانت خطة المهدي، أن يلتزم الدفاع في معاقله الجبلية الوعرة، وألا يهبط إلى السهل، ليحمل أعداءه المهاجمين أن يصعدوا إليه إذا شاءوا قتاله (٢)، وكانت هذه الخطة تكبد المرابطين مشقات جمة، وكان الفشل مصيرهم دائماً كلما حاولوا القيام بدور الهجوم. وفي سنة ٥٢٠ هـ بدأ المهدي في تنفيذ خطته من الاضطلاع بالهجوم، وغزو لمتونة على نطاق واسع، فبعث جيشاً ضخماً من الموحدين بقيادة أبى محمد البشير، فغزا بهم أراضي كيك شمالي تينملل وغربي أغمات، فبعث علي بن يوسف لردهم جيشاً كبيراً حسن الأهبة، بقيادة أخيه الأمير أبى الطاهر تميم، فالتقى الجمعان على مقربة من جبل كيك، فوقعت الهزيمة على المرابطين، وجد الموحدون في مطاردتهم حتى جبل وريكة قبلي أغمات، فلقيتهم هناك قوات مرابطية جديدة بقيادة أبى بكر بن علي بن يوسف، وقيل بقيادة يطي اللمتوني، وجموع غفيرة من أهل أغمات وغيرهم، فانهزم المرابطون مرة أخرى، ووصل الموحدون في زحفهم إلى أسوار مراكش، ثم ارتد قائدهم البشير بقواته عائداً إلى الجبل، وأمر علي بن يوسف أن تسد جميع الطرق الصاعدة التي ينزل منها الموحدون من الجبال إلى السهل، حتى يعرقل بذلك نزولهم، ويتقي حرب المفاجأة التي درجوا عليها (٣). وكان خلال الأعوام الثلاثة التي قضاها المهدي بجبل إيجليز قد عهد بحراسة طرق الجبل إلى الفلاكي الأندلسي، وهو مغامر وقاطع طريق من أهل إشبيلية، كان قد ذاع صيته، وتاب ودخل خدمة الأمير، فقام بمهمته خير قيام، وأقام

стр. 1343

سلسلة من الحصون سد بها ثغرات الجبل، ثم كان له بعد ذلك شأن سوف نعود إليه. وكانت الحركة التالية أعظم المعارك التي اضطرمت بين الموحدين والمرابطين، وفيها وضع المهدي خطته لافتتاح مراكش والقضاء على الدولة المرابطية في عقر دارها. وكان المهدي قد بلغ عندئذ ذروة سلطانه ونفوذه بين قبائل المصامدة. ونفذت طاعته إلى أعماق تلك الهضاب، وبلغت جموعه أعظم حد من الكثرة والتوثب والظمأ إلى القتال، وكانت الانتصارات المتوالية التي أحرزتها جموع المهدي على المرابطين، تذكي من عزمه وثقته في بلوغ النصر النهائي. وعندئذ وجه المهدي رسالة بخطه قرئت على الموحدين في سائر النواحي، ووجهت بالأخص إلى جزولة ولمطة وهنكيسة ودرعة وصنهاجة القبلة وهسكورة القبلة. وسائر القبائل المجاورة، وفيها يستدعيهم ويأمرهم بالقدوم عليه، وكان المهدي إلى جانب تسميته للمرابطين بالملثمين والمجسمين، والحشم، قد أسبغ عليهم عندئذ اسماً جديداً هو " الزراجنة " وذلك تشبيهاً لهم بطائر يقال له الزرجان، وهو طائر أسود البطن أبيض الريش، لأنهم أي المرابطين " بيض الثياب وسود القلوب " (١). وهرعت الجموع إلى المهدي من كل صوب، وهي في غاية الاستعداد والأهبة، واجتمع منها جيش عظيم قوامه نحو أربعين ألف مقاتل، منهم أربعمائة فارس فقط، والباقي من الرجالة، وقدم المهدي على هذا الجيش أبا محمد البشير أعظم قواده، وعبد المؤمن بن علي. وجعل عبد المؤمن إمام الصلاة، ولم يصحب المهدي جيشه الجرار في هذه الغزوة لمرضه، ونزل الموحدون من سفوح الجبال إلى السهول يقصدون إلى مدينة مراكش. وهنا تضطرب الرواية أولا في تحديد تاريخ هذا الزحف الموحدي على العاصمة المرابطية، وثانياً في ترتيب الوقائع. فأما من حيث التاريخ فإن اليسع يضع تاريخ هذا الزحف في سنة ٥٢١ هـ (١١٢٧ م)، ولكن ابن القطان يعارضه، ويقول إنه في سنة ٥٢٤ هـ وهي السنة التي توفي فيها المهدي، وأن هذا هو قول سائر المؤرخين. ويقدم إلينا ابن القطان تفاصيل بعض المعارك الأولى التي وقعت قبيل نشوب المعركة العامة تحت أسوار مراكش، فيقول إن معركة وقعت بين الموحدين وبين المرابطين بقيادة أبي بكر بن يندوج بكيك هزم فيها المرابطون، واستولى الموحدون على سائر سلاحهم ومتاعهم. ثم تلتها معركة ثانية، وكان المرابطون في جيش ضخم

стр. 1344

بقيادة بكو بن علي بن يوسف، ومعه يطي بن اسماعيل، وكان الموحدون بقيادة محمد البشير، ووقعت المعركة في الجروبة، فانهزم المرابطون، وسقطت محلاتهم ومتاعهم ودوابهم وسائر أسلابهم في أيدي الموحدين؛ ثم وقعت معركة ثالثة أمام أغمات، وكان المرابطون قد جمعوا أشتات قواتهم واستعدوا للقاء الموحدين من جديد، وانضمت إليهم حشود عظيمة من أهل أغمات. وكانت القوات الموحدية عندئذ بقيادة عبد المؤمن بن علي وأبى حفص عمر بن أصناج، وأبى عمران موسى بن تماري. فنشبت بين الفريقين معركة هائلة، هزم فيها المرابطون، وقتل منهم ومن أهل أغمات جموع غفيرة، واستولى الموحدون على سائر محلاتهم وعتادهم وسلاحهم (١). ثم زحف الموحدون على مراكش، ورابطوا تجاه باب الشريعة، وكان علي بن يوسف قد حشد في تلك الأثناء قواته، واستعد للقاء الموحدين أعظم استعداد، وبلغ الجيش المرابطي يومئذ زهاء مائة ألف مقاتل ما بين فارس وراجل، وكان تحت إمرة الزبير بن علي بن يوسف. والتقى الجمعان في ظاهر مراكش، فكتب عبد المؤمن تنفيذاً لتوصية المهدي، إلى علي بن يوسف يدعوه إلى ما يدعوا إليه المهدي، من قمع البدع، وإحياء السنة، والمبادرة إلى بيعة المهدي، فرد عليه أمير المسلمين يحذره عاقبة مفارقة الجماعة، ويذكره الله في سفك الدماء وإثارة الفتنة (٢)، فلم يلتفت عبد المؤمن لتحذيره، ونشبت بين الفريقين معركة هائلة، هزم فيها المرابطون، وقتلت منهم جموع غفيرة، وهرعت فلولهم مرتدة إلى المدينة، فازدحموا على الأبواب في الدخول، ومات منها في الزحام خلق كثير، وفر علي بن يوسف إلى داخل المدينة من باب المخزن، وأغلقت المدينة أبوابها فاحتاط بها الموحدون وضربوا حولها الحصار. واستمر حصار الموحدين لمراكش زهاء أربعين يوماً. وكان ما يزال بداخل المدينة جموع ضخمة من القوات المرابطية ومنها زهاء أربعين ألف فارس، وأعداد لا تحصى من الرجالة، وكان المرابطون يخرجون من وقت لآخر لقتال الموحدين، وتنشب بين الفريقين تحت الأسوار معارك طاحنة، يفنى فيها الكثير من الجانبين، وكان من أعنف ما وقع من هذه المعارك، معركة هزم فيها المرابطون قبالة باب دُكّالة، وهلك منهم عدد جم خلال الزحام الهائل، الذي وقع عند دخولهم من هذا

стр. 1345

خريطة: أسوار مراكش وأبوابها في عهْد المرابطين.

стр. 1346

الباب، وفرت منهم جموع لم يستطيعوا الدخول، حتى وصلوا إلى وادي أم الربيع، فلما عادوا بعد ذلك إلى المدينة أمر علي بن يوسف بحلق لحاهم، ومثل بهم ليكونوا عبرة لغيرهم (١). وفي تلك الأثناء كان علي بن يوسف قد استنفر سائر أمراء لمتونة وولاتها وقادتها، لموافاته بحشودهم، فقدمت إليه الأمداد من سائر النواحي، ووافاه بالأخص جيش ضخم حسن الأهبة، قام بحشده والى سجلماسة وانودين بن سير. وخرج علي ابن يوسف في قواته من المدينة، وانضمت إليه الأمداد الزاخرة، وتولى قيادة الجيوش المرابطية الشيخ أبو محمد وانودين بن سير. وكان الموحدون منذ بدء الحصار، قد ضربوا محلتهم خارج المدينة تجاه باب الدباغين وباب إيلان أمام بستان كبير، والبستان في اللغة المحلية يسمى بالبحيرة، ومن ثم فقد سميت المعركة التي تلت بموقعة البحيرة (٢). ففي ظاهر تلك البقعة وقعت بين المرابطين والموحدين أعظم معركة نشبت في ذلك الصراع المروع، وكان المرابطون يتفوقون على الموحدين بكثرتهم تفوقاً ظاهراً، وكان الموحدون من جهة أخرى، قد أرهقتهم المعارك المتوالية التي اضطروا إلى خوضها خلال الحصار. وبدأ القتال بمعركة محلية نشبت بين جيش سجلماسة وحرس الأمير النصراني، وبين قوة من الموحدين، فهزم الموحدون في هذه الجولة الأولى، وكان لهذا النصر أثره في إذكاء روح المرابطين المعنوية، والتدليل على أن الموحدين ليسوا من المنعة كما بدوا في المعارك الأولى. ثم نشبت بين الفريقين معركة عامة، قاتل فيها الموحدون بشجاعة فائقة، ولكن المرابطين فضلا عن كثرتهم، كانت تحدوهم عندئذ، روح مضطرمة من التوثب والظمأ إلى الانتقام، فقاتلوا بشدة رائعة، حتى رجحت كفتهم وأصيب الموحدون بهزيمة شنيعة، وقتلت منهم جموع غفيرة يقدرها ابن القطان بأربعين ألفاً، ويقول إنه لم يسلم من الموحدين إلا أربعمائة بين فارس وراجل (٣)، بل قيل بأن الجيش الموحدي، قد فني عن آخره ولم تبق منه سوى فلول يسيرة (٤)، وسقط

стр. 1347

في الميدان أبو محمد البشير أعظم قادة الموحدين، وسقط معه معظم الرؤساء والقادة ومن هؤلاء غير البشير، أربعة من أصحاب المهدي العشرة، سليمان بن مخلوف الحضرمي، وأبو عمران موسى بن تمارى الكدميوي، وأبو يحيى بن يكيت، وأبو عبد الله محمد بن سليمان. ومما هو جدير بالذكر أن البشير لم يعثر له بأثر، ولم توجد جثته، فذاع بين المتعصبين من المصامدة أنه رفع إلى السماء (١). ولكن الحقيقة هي أن عبد المؤمن بادر بدفنه في مكان سقوطه. ولم ينقذ البقية اليسيرة الباقية من الموحدين سوى دخول الليل وهطل الأمطار، فارتد قائدهم عبد المؤمن، وهو جريح قد أصيب في فخذه، في فلوله تحت جنح الظلام، متجهاً صوب أغمات، فطارده المرابطون، حتى أرض هيلانة، وهناك وقعت بينهما معركة أخرى، قاتل فيها الموحدون بشجاعة اليأس، ولكنهم هزموا مرة أخرى، وقتل منهم عدد جم يقدره ابن القطان بنحو اثني عشر ألفاً، وكان الموحدون قد عادوا فجمعوا أشتات قواتهم، وأوعبوا في الحشد. وارتد المرابطون بعد ذلك إلى مراكش، وسارت فلول الموحدين إلى تينملل. ويضع ابن القطان تاريخ هذه الهزيمة الساحقة للموحدين في يوم السبت الثاني من جمادى الأولى سنة ٥٢٤ هـ (١١ أبريل سنة ١١٣٠ م. وكان المهدي ابن تومرت عندئذ مريضاً، فلما وقف على أخبار النكبة التي أصابت جيشه، سأل هل " عبد المؤمن في الحياة "، ولما أجيب بالإيجاب، قال " الحمد لله قد بقي أمركم ". ويقول لنا أبو بكر الصنهاجي إنه هو الذي تولى إبلاغ المهدي نبأ نجاة عبد المؤمن، وينقل لنا عبارات المهدي بألفاظها (٢). وهكذا أحرز المرابطون نصرهم الساحق على الموحدين، بعد أن منوا قبل ذلك بسلسلة من الهزائم المتوالية، ويذكر لنا ابن صاحب الصلاة أن هزائم المرابطين بلغت قبل موقعة البحيرة نحو أربعين هزيمة، وأن المهدي اشترك في أربع من هذه الغزوات الظافرة، كما يذكر لنا أن الموحدين في موقعة البحيرة " قتلوا أجمعين، ولم ينج منهم إلا نفر يسير ". وعذا القول من مؤرخ الموحدين، يدلنا على فداحة النكبة التي نزلت بجيوش المهدي، في تلك الموقعة الهائلة. ولكن سوف نرى أن إحراز المرابطين لهذا النصر لم ينجهم من قدرهم المحتوم، وأن ما وضعه المهدي

стр. 1348

من الأمل والثقة في طالع تلميذه وزعيم أصحابه، عبد المؤمن بن علي، كان ينم عن تنبؤ صادق وفراسة دقيقة (١). وقد سبق أن أشرنا إلى ما هنالك من خلاف حول تاريخ موقعة البحيرة، فإن اليسع يضع تاريخها في سنة ٥٢١ هـ، ويضعه ابن القطان في سنة ٥٢٤، ويضع ابن خلدون تاريخها في سنة ٥٢٢، ويقول لنا ان وقوعها كان لأربعة أشهر قبل وفاة المهدي، وهو يتفق بعد ذلك مع نفسه فيقول لنا إن المهدي توفي في نفس العام أي في سنة ٥٢٢ هـ (٢). ولكنه لما كان من المتفق عليه أن هزيمة الموحدين وقعت قبيل وفاة المهدي بأشهر قلائل، فإن هذه الرواية لا يمكن الأخذ بها، إذ أن المعول عليه أيضاً، هو أن المهدي توفي في سنة ٥٢٤ هـ. ولدينا إلى جانب رواية ابن القطان رواية موحدية قاطعة، تضع تاريخ المعركة في سنة ٥٢٤ هـ، هي رواية أبى بكر الصنهاجي أحد أصحاب المهدي الذين شهدوا الموقعة (٣). ويأخذ بهذه الرواية ابن الأثير (٤) وصاحب روض القرطاس (٥)، والزركشي (٦). وأما عن وفاة المهدي، فإن المتفق عليه، أنه كان مريضاً وقت موقعة البحيرة، وأن مرضه اشتد بعد وقوع الهزيمة، ولم يعش طويلا أو لم يعش بعد ذلك سوى أيام قلائل. وليس أدل على ذلك من أن الموحدين يسمون العام الذي توفي فيه المهدي وهو عام ٥٢٤ هـ بعام البحيرة (٧). ويصف لنا أبو بكر الصنهاجي، وقد كان شاهد عيان، تصرفات المهدي الأخيرة، فيقول لنا إنه استدعى الموحدين، فحشروا كلهم، ثم وعظ الناس حتى أضحى النهار، ثم دخل الدار فغاب ساعة، ثم خرج حاسر الرأس، وقال للناس إنني مسافر عنكم سفراً بعيداً، فضج الناس بالبكاء وودعوه، ثم دخل داره، ولم يره أحد بعد ذلك.

стр. 1349

والمعول عليه أن المهدي توفي في شهر رمضان سنة ٥٢٤ هـ (أغسطس سنة ١١٣٠ م)، ويقول لنا أبو بكر الصنهاجي إنه توفي يوم الأربعاء أو يوم الخميس الخامس والعشرين من رمضان سنة ٥٢٤ هـ (١)، وتؤيد هذه الرواية رواية موحدية أخرى، هي رواية عبد الملك بن صاحب الصلاة مؤرخ الدولة الموحدية، مع خلاف يسير في يوم الوفاة، وهي أن المهدي توفي يوم الأربعاء الثالث عشر من رمضان سنة ٥٢٤ هـ (٢)، وقال ابن القطان، ويتابعه صاحب الحلل الموشية إنه توفي يوم الاثنين الرابع عشر من رمضان سنة ٥٢٤ هـ (٣). وكان عمر المهدي عند وفاته، على قول ابن القطان، نحواً من خمسين سنة (٤)، وعلى قول ابن الأثير إحدى وخمسين سنة أو خمساً وخمسين سنة (٥) مما يرد تاريخ مولده في الحالة الأولى إلى سنة ٤٧٤ هـ، وفي الثانية إلى سنة ٤٧٣ هـ، وفي الثالثة إلى سنة ٤٦٩ هـ، وقد سبق أن أشرنا إلى هذا الخلاف في تاريخ مولد المهدي. وكان المهدي ابن تومرت من أعظم الدعاة الدينيين، وأغزرهم علماً، وأشدهم دهاء، وأقواهم نفساً، وأشدهم تأثيراً في النفوس. وكان إلى جانب ذكائه ودهائه، يتمتع بمنطق قوي، ومحاجة قاطعة، وذلاقة مؤثرة. وكان خطيباً مفوهاً، فصيحاً في العربية والبربرية معاً، يستميل الجموع برائع بيانه ووعظه. وكان متمكناً من علوم القرآن والسنة ومن الأصولين، أصول الفقه وأصول الدين، شديد التقشف والزهد والورع، لم يلبس قط سوى ثياب الصوف من قميص وسراويل وجبة، وقد يرتدي الثياب المرقعة، ولا يقبل على شىء من متاع الدنيا، حتى قيل إنه كان يقتات من غزل أخت له في كل يوم، رغيفاً بقليل من سمن أو زيت، ولم يتحول عن ذلك حينما سما شأنه وأقبلت عليه الدنيا (٦). وكان

стр. 1350

ظهوره في ذلك المجتمع البربري الساذج، الذي اختاره مسرحاً لدعوته، والذي كان يخيم عليه الجهل المطبق، وتعصف به الخرافات والأساطير، يتسم بصفات الزعامة الخارقة أو النبوة، ومن ثم فقد ألفى ابن تومرت الطريق ممهداً ليعلن دعوته، وليتشح بثوب المهدي المنتظر، وينتحل صفة الإمام المعصوم، وقد كان ابن تومرت من بين دعاة المهدية، أوفرهم عزماً وبراعة، وأشدهم تأثيراً وسحراً. وكان يدعو الناس إلى عبادة الله تعالى، ويخبرهم بأنه تعالى قد فرض عليهم الصلوات الخمس في يومهم وليلتهم، وفرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم، ويأمرهم بقراءة القرآن وحفظه، ولزوم الأحزاب التي ألفها لهم بعد صلاة الصبح، وبعد المغرب، وأمر المؤذنين، إذا طلع الفجر، أن ينادوا " أصبح ولله الحمد " إشعاراً بلزوم الطاعة وحضور الجماعة، وللغدو لكل ما يؤمرون به، وفرض عقوبة المخالفين. ولكن ابن تومرت إلى جانب هذه الصفات الخلابة، كان يتسم بطائفة من الصفات المثيرة، فقد كان شديد التعصب، صارم النفس، سفاكاً للدماء، غير متورع فيها ولا متحوط، يهون عليه سفك دم عالم من الناس في سبيل رأيه وبلوغ مقصده، لا تأخذه شفقة ولا رحمة في دماء خصومه، ويستحل سبي نسائهم وأولادهم ونهب أموالهم (١)، ويسبغ على هذا السفك المروع، صفة الشرعية، لما يزعمه من مخالفة خصومه لأحكام الكتاب والسنة، أو لمبدأ التوحيد الذي اتخذه شعاره. وقد رأينا فيما تقدم من مراحل صراعه مع خصومه أمثلة عديدة من هذا الإسراف المغرق في سفك الدماء، وربما كان فيما ذكر عن المهدي من أنه " كان حصوراً لا يأتي النساء " (٢) ما يفسر بعض عوامل هذه القسوة المروعة، وهذا الظمأ إلى سفك الدماء. ويلاحظ العلامة جولدسيهر بهذه المناسبة أن ابن تومرت كان يبث في أذهان أنصاره بتدرج غير محسوس، فكرة محاربة المرابطين، وأنه حينما كان في بداية أمره، يقتصر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتبع ما يقضي به الدين من العمل على حقن الدماء، ولكنه منذ اتشح بصفة المهدي، أخذ يشهر الحرب،

стр. 1351

ويدعو إلى سفك الدماء، ويقول إن المحاربين الذين يسقطون في هذه المعارك، إنما هم شهداء في سبيل الله (١). كذلك تنوه الرواية بما جبل عليه ابن تومرت من الخداع والكيد والمكر، وكيف أنه لجأ إلى هذه الصفات في استهواء الجماهير وخداعها، واستغلال جهلها، وسذاجتها، حتى ذاعت دعوته، وتمكن أمره (٢). ومن الغريب الذي يلفت النظر في هذا الشأن موقف العلامة الفيلسوف ابن خلدون من ابن تومرت ودعوته، فهو يدافع عن المهدي، وعن صحة دعوته وصدق إمامته، في نبذة طويلة يقول فيها: " ويلحق بهذه المقالات الفاسدة، والمذاهب الفائلة، ما يتناوله ضعفة الرأي من فقهاء المغرب من القدح في الإمام المهدي صاحب دولة الموحدين، ونسبته إلى الشعوذة، والتلبيس فيما أتاه من القيام بالتوحيد الحق، والنعي على أهل البغي قبله، وتكذيبهم لجميع مدعياته في ذلك، حتى فيما يزعم الموحدون أتباعه من انتسابه في أهل البيت، وإنما حمل الفقهاء على تكذيبه، ما كمن في نفوسهم من حسده على شأنه، فإنهم لما رأوا من أنفسهم مناهضته في العلم والفتيا وفي الدين بزعمهم، ثم امتاز عنهم بأنه متبوع الرأي، مسموع القول، موطأ العقب، نفسوا عليه ذلك، وغضوا منه بالقدح في مذاهبه، والتكذيب لمدعياته، وأيضاً فكانوا يؤنسون من ملوك لمتونة، أعدائه تجلة وكرامة لم تكن لهم من غيرهم، لما كانوا عليه من السذاجة، وانتحال الديانة، فكان لحملة العلم بدولتهم مكان من الوجاهة، والانتصاب للشورى كل في بلده، وعلى قدره في قومه، فأصبحوا بذلك شيعة لهم، وحرباً لعدوهم، ونقموا على المهدي، ما جاء به من خلافهم، والتثريب عليم، والمناصبة لهم، تشيعاً للمتونة، وتعصباً لدولتهم ". ثم يقول دفاعاً عن المهدي: " وما ظنك برجل نقم على أهل الدولة ما نقم من أحوالهم، وخالف اجتهاده فقهاءهم، فنادى في قومه ودعا إلى جهادهم بنفسه، فاقتلع الدولة من أصولها، وجعل عاليها سافلها، أعظم ما كانت قوة، وأشد شوكة، وأعز أنصاراً وحامية، وتساقطت في ذلك من أتباعه نفوس لا يحصيها إلا خالقها، قد بايعوه على الموت، ووقوه بأنفسهم من الهلكة، فتقربوا إلى الله تعالى بإتلاف مهجهم في إظهار تلك الدعوة،

стр. 1352

والتعصب لتلك الكلمة حتى علت على الكلم، ودالت بالعدوتين من الدول، وهو بحالة من التقشف والحصر، والصبر على المكاره، والتقلل من الدنيا، حتى قبضه الله، وليس على شىء من الحظ والمتاع في دنياه .. فليت شعري، ما الذي قصد بذلك إن لم يكن وجه الله، وهو لم يحصل له حظ من الدنيا في عاجله. ومع هذا فلو كان قصده غير صالح لما تم أمره، وانفسحت دعوته، سنة الله التي قد خلت في عباده " (١). وابن خلدون يقدم إلينا هذا الدفاع عن المهدي في معرض كلامه عن أخطاء المؤرخين وأوهامهم ودعاويهم المغرضة. وهو يقدم إلينا منها نماذج، يصاحبه التوفيق في بعضها ويخطئه في البعض الآخر. ونحن نرى أن التوفيق قد أخطأه في هذا الدفاع عن المهدي ابن تومرت، وعن صدق دعوته. وقد استعرضنا فيما تقدم من حديثنا عن حياة المهدي، ما يحملنا على الشك أولا، في صدق انتسابه إلى آل البيت، وثانياً في انتحاله دعوة المهدية، وهي دعوة نشك أيضاً في صدقها من الناحية الدينية والتاريخية. ونحن نعتقد أن مفكراً عظيماً، ومؤرخاً فيلسوفاً، وضعي العقلية، كابن خلدون، لا يمكن أن يؤمن بصدق هذه الدعوة، وإنما حمل ابن خلدون على الدفاع عن المهدي ودعوته، بواعث خاصة، أولها أن بني خلدون - أسرة المؤرخ - كانت مذ غادرت الأندلس في أوائل القرن السابع الهجري - قد نزلت بتونس، وعاشت في رعاية بني حفص ملوك الدولة الحفصية الموحدية التي أسسها الأمير أبو يحيى زكريا بن عبد الواحد بن أبى حفص عمر الموحدي، وتولى أجداد المؤرخ في ظلهم مناصب النفوذ والثقة، وبدأ هو حياته العامة في ظلهم، وعاش في كنفهم ردحاً من الزمن، وأهدى أول نسخة من مقدمته وتاريخه للسلطان أبى العباس الحفصي (سنة ٧٨٤ هـ)، فلم يكن من المعقول أن يجاهر المؤرخ في مقدمته، بالطعن في إمامة المهدي ودعوته، وهي التي كانت أساساً لقيام الدولة الموحدية. وثانياً أنه ليس من المنطق السليم، أن يكون نجاح دعوة المهدي ابن تومرت، وما ترتب عليه من قيام الدولة الموحدية، دليلا على صدق هذه الدعوة، لأن النجاح السياسي والعسكري لداعية أو متغلب لم يكن قط في ذاته دليلا على صدق إمامة أو دعوة دينية، وثالثاً أن إنكار صدق دعوة المهدي ابن تومرت لم يكن قاصراً على الفقهاء المرابطين، الذين يعلل ابن خلدون طعنهم في هذه الدعوة بما كان يجيش في صدورهم من حقد على رجل يتفوق عليهم

стр. 1353

بعلمه، ويغض بهذا التفوق من مكانتهم ونفوذهم القديم لدى الدولة اللمتونية، بل شمل هذا الإنكار كثيراً من المؤرخين. ولا يكتفي ابن خلدون بالدفاع عن صحة دعوة المهدي، بل يقرن ذلك بالدفاع عن نسبه في آل البيت، وهو هنا في تدليله أضعف منطقاً، حينما يقول أنه لا دليل يعضد إنكار هذه النسبة، والناس مصدقون في أنسابهم. وهو إذ يشعر هنا بضعف منطقه، يقول لنا إن ظهور المهدي لم يكن يتوقف على نسبته، وإنما قام أمره بعصبيته القبلية في هرغة ومصمودة، وأن هذا النسب الفاطمي، كان أمراً خفياً عنده وعند عشيرته يتناقلونه بينهم (١). ويذكرنا موقف ابن خلدون في الدفاع عن دعوة المهدي ابن تومرت ونسبه، بموقفه عن نسب بني عبيد الخلفاء الفاطميين، فهو يتصدى لتأييده وإثباته، ويعتبر الطعن فيه من " الأخبار الواهية " التي عنى بتفنيدها في مقدمته، وأن هذا الطعن يرجع بالأخص إلى الأحاديث التي لفقت لبني العباس خصوم الفاطميين تزلفاً إليهم، ويعتمد هنا على نفس النظرية التي لجأ إليها في الدفاع عن دعوة المهدي، وهو أن ظهور الفاطميين، وقيام الدولة الفاطمية المترامية الأطراف، واتصال أمرها نحواً من مائتين وسبعين عاماً، كل ذلك لا يمكن أن يتم لدعيّ (٢). وهي طريقة معكوسة في التدليل، ونظرية واضحة الضعف والسقم، إذ كان على بن خلدون أن يقدم لنا الأدلة المباشرة، على صحة نسب الفاطميين لآل البيت، كما قدم خصومهم الأدلة على بطلان هذه النسبة. وقد تناول كاتب مشرقي من كتاب النصف الأول من القرن الثامن الهجري هو الحسن بن عبد الله العباسي في كتابه " آثار الأول وترتيب الدول " مَثَل ابن تومرت وقصة ظهوره، في معرض الكلام عن الزهاد، والمغالطين باسم الزهد، والدعاة الذين يعمدون إلى الطعن في أحوال الملك، وإثارة الجماهير، وخطر تركهم، وأنه " ينبغي للملك أن ينظر في حالة هذه الطائفة، ويميز محقهم من مبطلهم، ويفرق بين الزاهد والمتزهد، وفيهم أصناف من أهل الغلط في طريق الزهد والمغالطة لأغراض أخر، منهم صنف يغلب عليهم محبة الرياسة والإمرة، ويتفق إعراض الملك عنهم وانقباضه لمخالفة طبعه لطباعهم "، وأن ذلك مما يحملهم على الطعن

стр. 1354

على أحوال المَلِك، وإهماله لضوابط الشريعة، ثم يجمعون حولهم الجموع، ويقصون عليهم من الأمور، " ما يحركون به عزائمهم لتغيير المنكر، ونصرة الحق، فإن أهمل الملك أمرهم عظم وتفاقم، وكان منهم خطر عظيم ". ويعتبر هذا الكاتب مَثَل ابن تومرت، هو أقرب ما جرى في هذا المعنى، معنى الداعية المتزهد المخادع الذي يبطن انتزاع الرياسة، وأنه تذرع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعه طائفة يسيرة، حتى اشتهر أمره، ولم يعن الملك بشأنه، ولم يدر بخلده أنه قد يغدو خطراً على ملكه، حتى كثرت جموعه واشتدت شوكته، وانتهى بالاستيلاء على البلاد وقيادة الجيوش (١). وقد نجح المهدي في إقامة نوع من الحكومة الثيوقراطية (الدينية)، وكان الجماعة أو أصحابه العشرة الأوائل هم أعضاء وزارته، يبحث معهم جلائل الأمور، وعندئذ يخلو بهم ولا يحضر معه أحد سواهم. فإذا جرى البحث في أمور أقل أهمية، حضر الخمسون من الصحب في هيئة جمعية استشارية، وإذا جرى البحث في الشئون العادية حضر معهم السبعون. ومن جهة أخرى فقد ذكر لنا اليسع أسماء سبعة رجال، قال إنهم كانوا للمهدي رجال مشورته، وهم أبو سليمان من هرغة، وأبو الحسن، وأبو وزغيغ بن ياموهل بن ياوجان، وأبو دايور يغور ميوركن، من أهل تينملل؛ وقطران بن ماغليفة، وأبو محمد سكانة، وأبو عمران موسى بن واحمدين من أهل هنتانة (٢). واتخذ المهدي شعاراً لجيوشه علماً أبيض كتب على أحد وجهيه، " الواحد الله. محمد رسول الله. المهدي خليفة الله "، وكتب على الوجه الثاني " وما من إله إلا الله. وما توفيقي إلا بالله. وأفوض أمري إلى الله " (٣). وأما عن شخصه، فقد كان المهدي، حسبما تصفه الرواية، رجلا ربعة حسن التكوين، مفلج الثنايا، عظيم الهامة، أسمر مشوب بحمرة، غائر العينين، حديد البصر، أقنى، خفيف العارضين، له شامة سوداء في كفه الأيمن (٤).

стр. 1355

صورة: تينملل: محراب جامع المهدي ابن تومرت. صورة: تينملل: إحدى واجهات جامع المهدي وأمامها لفيف من قبيلة جندافة.

стр. 1356

ولما توفي المهدي، كتم أصحابه الأقربون موته حيناً تختلف الرواية في مداه. ويذهب ابن القطان، ويتابعه صاحب روض القرطاس، إلى أن هذا الكتمان استمر زهاء ثلاثة أعوام حتى سنة ٥٢٧ هـ (١)، وهي رواية تحمل طابع المبالغة. وعلى أي حال، فقد كتمت وفاة المهدي حتى اتفق أصحابه على اختيار من يخلفه منهم، وقد كان هذا الخليفة الأول لدولة الموحدين هو عبد المؤمن بن علي، تلميذ المهدي وأحب أصحابه إليه، وكان أول ما عمله أن قام بمواراة المهدي في مثواه الأخير. ويقول لنا ابن القطان، وهو من أوثق مؤرخي الموحدين، إن المهدي دفن بتينملل دون تخصيص للمكان، ويقول لنا ابن خلدون إن عبد المؤمن قام بدفن المهدي في مسجده الملاصق لداره (٢)، الكائن بتينملل. وقد أتيح لنا أن نزور تينملل، وأن نشهد مسجد المهدي. وتينملل اليوم محلة صغيرة (مدشر) تقع على سفح التل المنحدر إلى الوادي، وتظللها من الوراء البعيد آكام الأطلس العالية، ومن بينها قمة " طبوتقال " الشهيرة التي يزيد ارتفاعها على أربعة آلاف متر، وبها مساكن قليلة، ولا يعدو سكانها مائة من الأنفس، ولكنها مازالت تشتهر بكونها بلد المهدي ابن تومرت، وأما المسجد فهو قائم في سفح الجبل، وهو اليوم طلل دارس لا تقام فيه الشعائر، ولكن جدرانه وعقوده مازالت قائمة، وله محراب جميل. ولم نجد به ضريح المهدي حسبما تشير إلى ذلك الرواية التاريخية. بيد أنه توجد على قيد نحو ستين متراً من المسجد، بقعة صغيرة تظللها الأشجار، وتقع فوق ربوة منحدرة، فهذه البقعة تعينها الرواية المتواترة، وهي رواية قبيلة جندافة، التي تقطن هذه الناحية منذ أجيال، بأنها تضم رفات المهدي وبها قبره، وإن لم يك ثمة ما يدل على وجود قبر بها، ولا تميزها سوى بضعة أحجار زرقاء ظاهرة الرؤوس، يقال إنها شواهد القبر. وربما كانت هذه الرواية المتواترة في تعيين قبر المهدي، تتفق مع ما يقوله لنا ابن خلكان، من أن المهدي " قد دفن بالجبل، وان قبره هناك مشهور يزار " (٣). وعلى أي حال فإن المتفق عليه هو أن المهدي يثوى ثواءه الأخير بتينملل مبعث دعوته، ومهد دولته، وذلك سواء داخل مسجده أو في بقعة قريبة منه.

стр. 1357

الفصل الثالث عقيدة المهدي ابن تومرت وتعاليمه الدينية والسياسية تراث المهدي الفكري والديني. كتاب أعز ما يطلب ومحتوياته. فاتحته. طريق العلم. تحصيل الفقه. التواتر. رأي ابن تومرت في أصول الشريعة. حملته على الاجتهاد. تمسكه بالتفسير الظاهري. نظرية الإمام المعصوم هي السبب. معارضة الغزالي لهذه النظرية. ابن تومرت لم يتأثر بتعاليم الغزالي. تعليق العلامة جولدسيهر على ذلك. فكرة التوحيد عند ابن تومرت. نظريته في الإمامة. كيف يعرض لنا وجوب الإيمان بها. نظرية المهدي المنتظر. اعتمادها على الأحاديث الموضوعة. كيف يعرضها لنا ابن تومرت. وجوب طاعة المهدي باعتبارها طاعة الله ورسوله. قواعد علوم الدين والدنيا. تكفير من يشك في أمر المهدي. حملة ابن تومرت على المرابطين. العلامات التي ينسبها لهم. ما أحدثوه من المناكر. تحريم طاعتهم ووجوب جهادهم. نعته لهم بالمجسمين. حملته على اللثام. مظاهر الفساد أيام المرابطين. الطائفة التي تقوم آخر الزمان وتقاتل على الحق. استعارة فكرة التوحيد من المعتزلة. مناقضة فكرة التجسيم للتوحيد. حديث الصلاة والطهارة والغلول. تحريم الخمر. كتاب الجهاد تصنيف الخليفة أبي يعقوب يوسف. كتاب موطأ المهدي ومحتوياته. انتشار كتب المهدي بين البربر لكتابتها بالبربرية. نقف الآن قليلا في تتبع ذلك الصراع المرير، الذي اضطرم بين المرابطين والموحدين، لنستعرض طرفاً من عقائد المهدي وآرائه ومبادئه الدينية والسياسية. لقد انتهى إلينا لحسن الطالع من تراث المهدي، الفكري والديني، ما يلقي الضياء على تلك المبادىء والآراء، التي اتخذها سنداً لدعوته الدينية، والتي جعل منها عقيدة جديدة، يمكن أن توصف بالعقيدة الموحدية. ويجتمع تراث المهدي الفكري والديني في كتابين، أولهما يضم مبادئه، ونظرياته في الأصول، وفي الإمامة، وفي التوحيد والعلم، وهو أهم الكتابين، وقد عرف بكتاب (أعز ما يطلب) لاستهلاله بتلك العبارة، والثاني كتاب " الموطأ " أو " موطأ الإمام المهدي "، وقد وضعه المهدي في العبادات والمعاملات والحدود، أو بعبارة أخرى في علم الفروع، على مثل موطأ الإمام مالك. وقد وُصف الكتاب الأول في أصل نسخته المخطوطة بأنه " سفر فيه جميع

стр. 1358

تعاليق الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، ﵁، مما أملاه سيدنا الإمام الخليفة أمير المؤمنين أبو محمد عبد المؤمن بن علي أدام الله تأييدهم، وأعز نصرهم ومكن سعودهم ". ومعنى ذلك أن الكتاب لم يصل إلينا من المهدي مباشرة، وأن الذي نقل إلينا تعاليم المهدي وآراءه ودونها، هو تلميذه عبد المؤمن بن علي أول خلفاء الموحدين. ويضم هذا الكتاب فصولا وأبواباً عديدة، ويشتمل على الكلام عن الجهل والشك والظن، والأصل والفرع والتواتر، وعن الصلاة، وكون الشريعة لا تثبت بالعقل، وعن العموم والخصوص، وعن العلم، وعن العقيدة ووجود الباري سبحانه، وعن التنزيهات والتسبيحات، ثم الكلام عن الإمامة وعلامات المهدي، وعن طوائف المبطلين من الملثمين والمجسمين وعلاماتهم، وعن الطائفة التي تقاتل عن الحق وتقوم بأمر الله، وعن علاماتها وخواصها، وعن التوحيد وثبوته، وما يتعلق بذلك من الإيمان بالله ورسوله، وعن تحريم الخمر وما ورد في ذلك، ويختتم الكتاب بفصل عن الجهاد، وهو منسوب للخليفة أبى يعقوب يوسف ولد الخليفة عبد المؤمن. - ١ - يفتتح المهدي كتابه بهذه الفقرة الرنانة التي أضحى مستهلها عنواناً لكتابه وهي: " أعز ما يطلب، وأفضل ما يكتسب، وأنفس ما يدخر، وأحسن ما يعمل، العلم الذي جعله الله سبب الهداية إلى كل خير، هو أعز المطالب، وأفضل المكاسب، وأنفس الذخائر، وأحسن الأعمال ". وأول ما يلفت النظر في أسلوب الكتاب جزالته، فالمهدي رغم أصوله ونشأته البربرية، يقدم الينا آراءه في أسلوب قوي، وبيان عربي متين، ولكنه إلى جانب ذلك مولع بالتصنيف والتقسيم، يكثر من ذلك في كل باب وفصل، وهذه النبذة التي يبدأ بها المهدي كتابه، والتي يحدثنا فيها عن فضل العلم وطرقه، تعتبر نموذجاً لما يتبعه في سائر الفصول من التصنيف والتقسيم المستمر لعناصر موضوعاته وآرائه: " والذي يستعين به طالب العلم على فتح ما انغلق، وكشف ما التبس، إخلاص النية، واغتنام الفوائد، والحرص على الزيادة، والرغبة إلى الله في

стр. 1359

الهداية والتوفيق. والعلم نور في القلب تتميز به الحقائق والخصائص، والجهل ظلام في القلب تلتبس به الحقائق والخصائص. وطرق العلم منحصرة في ثلاثة: الحس، والعقل، والسمع. فالحس على ثلاثة أقسام: متصل ومنفصل، وما يجده الإنسان في نفسه. والعقل على ثلاثة أقسام: واجب وجائز ومستحيل. والسمع على ثلاثة أقسام: الكتاب والسنة والإجماع. والكلام الآن في الطريق الذي هو السمع فيما علق عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، رضى [الله عنه] في ذلك، أول هذا الأمر برباط هرغة ببلد السوس سنة خمس عشرة وخمسمائة، أن تحصيل الفقه في السُّنة بخمسة أوجه: "أحدها كيفية الأخذ والنقل عن الرسول ﷺ . والثاني معرفة السند. والثالث معرفة ما يتعلق بالمتن. والرابع معرفة الصحيح والسقيم. والخامس معرفة الإستنباط والتأويل". ثم يتحدث عن الأخذ عن الرسول، وعن النقل، وتسمية التواتر والآحاد، ويقسم ذلك إلى أقسام وفروع عديدة (١). ويحدثنا خلال ذلك عن مناظرته للفقهاء المرابطين بأغمات، وما تلاه عليهم من إيضاح ما عجزوا عن الإجابة عنه، من تبيان أصول الحق والباطل، وفي رأيه أن هذه الأصول تنحصر في أربعة: هي العلم والجهل والشك والظن، وهو يفيض في شرح نظريته، وبيان الأدلة عليها، ثم يتحدث عن كل أصل من الأصول الأربعة، ويقول لنا إن الجهل والشك والظن هي من أصول الضلال، ويدلل على أقواله بالآيات القرآنية. ثم يفيض بعد ذلك في التحدث عن التواتر والأخبار المتواترة وأصولها وفروعها، ويقسمها إلى أقسام عديدة متفرعة، ويشرح دور الأصل والفرع في الإثبات في حديث طويل متعدد الأقسام والفروع. وهو يعتبر " التواتر " علماً ويفيض في بيان أقسامه وخصائصه، والدور الذي يؤديه كمصدر من مصادر العلم، وطريقة التمييز بين ما يثبت بالتواتر، وما يثبت بالآحاد. وهو يرى أن أفضل التواتر ما كان صادراً عن أهل المدينة، لأن " الإسلام والشرائع والرسول والصحابة، إنما كانوا في المدينة " ولهذا " صار عمل أهل المدينة حجة على غيرهم " (٢)، ويحاول أن يدعم شروحه بما أثر عن الرسول والصحابة، من أقول وأعمال. ويحدثنا المهدي بعد ذلك عن " الصلاة " وعن معناها، وبيان فضلها، وحكمتها وتفاصيلها، وبيان أحكامها، وذلك في حديث طويل جداً، يتخلله

стр. 1360

كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية يحاول بها أن يدعم أقواله وآراءه (١). على أن هذه الشروح الجدلية، مهما دلت عليه من مقدرة في العرض، والسفسطائية، ليست هي أهم ما يعرض لنا ابن تومرت من نظرياته الدينية، وإنما تبدو أهمية تعاليمه ونظرياته في عدة مسائل خاصة، هي التي تعتبر قوام مذهبه الديني. وأول هذه المسائل هو رأى ابن تومرت في أصول الشريعة، وهو يرى قبل كل شىء " أن الشريعة لا تثبت بالعقل من وجوه، منها أن العقل ليس فيه إلا الإمكان والتجويز وهما شك، والشك ضد اليقين، ومحال أخذ الشىء من ضده "، و " منها ان الله مالك الأشياء يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه ما يشاء، فليس للعقول تحكم ولا مدخل فيما حكم به المولى ". وهو يقصد بإشارته هذه الرد على بعض من لا خلاق لهم " فيما ذهبوا إليه من أن الشريعة لا حكمة فيها، وأنها ليست على سنن العقل جارية، طعناً منهم في الدين، وجهلا بحكمة الله تعالى ". وهو يحمل في نفس الوقت على من " ذهبوا إلى الاستنباط من عقولهم، وتحسين الأشياء على مادتهم، وجعلوا أقيسة في الشرع عدولا منهم عن الحق، وذلك كله فاسد " (٢)، وعنده أن أصول الشريعة تنحصر في عشرة وهي: أمر الله ونهيه، وخبره بمعنى الأمر، وخبره بمعنى النهي، وأمر الرسول ونهيه، وخبره بمعنى الأمر، وخبره بمعنى النهي، وفعله، وإقراره ". وتنحصر الفروع في خمسة: " وهي الواجب والمندوب والمحظور والمكروه والمباح ". وهو لا يخص الإجماع والقياس بالذكر، باعتبارهما من أصول الشريعة، ولكنه يقول إنهما داخلان فيما تقدم، ماثلين فيه، ثم يفيض في شرح ذلك على طريقته من تصنيف القياس إلى أقسام وفروع لا نهاية لها. ومما هو جدير بالذكر أنه يعتبر " قياس الوجود "، إنما هو" قياس المجسمة " وهم في نظره المرابطون، ويعتبره من ضروب القياس الفاسد (٣)، ثم يعود إلى القياس في موضع آخر، فيقول إنه " لا فرق بين القياس العقلي والشرعي في الإضطراد إذا حقق كل معناه، فإن القياس العقلي هو المساواة فيما يجب ويجوز ويستحيل. والقياس الشرعي هو المساواة في الوجوب أو التحليل

стр. 1361

أو التحريم، فهذه الثلاث هي المعتبرة في القياس الشرعي، وهي مضطردة في جميع الشرع، فمتى خرج عن هذه الثلاث أو واحدة منها لم يصح قياس ولا يقاس بعضها على بعض لأنها متناقضة. ولا يصح القياس في المتناقضات، خلافاً لما ذهب إليه من لا معرفة عنده بالقياس، فقاسوا المتناقضات كالمحرمات على المباحات، ومزقوا الشرع كل ممزق (١). أما عن الاجتهاد كأصل من أصول الشريعة، فإن ابن تومرت يحمل عليه، ويقول مشيراً إلى إثبات النفي، إنه قلب للحقائق، وقلب الحقائق محال، ثم يقول " إن هذه القاعدة كثيرة الإلتباس، وعنها زل كثير من الناس، وبالجهل بها، وعدم التحقيق لها، قالوا كل مجتهد مصيب، فجعلوا هذه المقالة سلماً إلى هدم الشريعة، وإسناد الأحكام إلى غير مستندها، وعكس الحقائق عن موضوعها، وصيروا الحلال حراماً، والحرام حلالا، وجعلوا الشرع متناقضاً، واتبعوا قولة كل قائل، وإن تناقضت، واعتقدوا الحق في المجتهدات وإن تعارضت " (٢). ومعنى ذلك بقول آخر أن ابن تومرت كان يأخذ في تفسير الشريعة بالمذهب الظاهري، فيما يقول به من وجوب الاعتماد في استقاء الأحكام على القرآن والسنة دون غيرهما، وقد كان الإمام الفيلسوف ابن حزم القرطبي، يرى فوق ذلك أن يطبق المذهب الظاهري على العقائد، ويرى أنه يجب أن يؤخذ بمعنى الكلمة المكتوبة والحديث الثابت، ويعتبرهما حاسمين. ومن الغريب أن الظاهرية لم تنتظم في ظل الموحدين إلى مدرسة مذهبية إلا بعد المهدي بنحو ستين عاماً في عصر الخليفة يعقوب المنصور، ففي هذا الوقت فقط، اعترف بأن الظاهرية هي المدرسة الفقهية الرسمية. بيد أنها لم تكن مدرسة ناجحة، وقد أخفقت في حل كثير من المسائل (٣). وإنكار ابن تومرت لقيمة الاجتهاد كمصدر من مصادر الشريعة، ومعارضته لجهود المجتهدين. في تجديد الشريعة، والاستنباط في مجال الاجتهاد، من الأمور المنطقية، لأن ابن تومرت يتشح بثوب " الإمام المعصوم " الذي لا تبحث آراؤه، ولا ترد أحكامه. ويلاحظ العلامة جولدسيهر أن ابن تومرت يخالف بهذه النظرية سائر الآراء السنية التي تسلم بقيمة آراء المجتهدين في الإمامة وغيرها، ويفرض

стр. 1362

على أتباعه وجوب الاعتقاد في الإمام المعصوم، والإمام المعلوم، وذلك وفقاً لرأي الشيعة. فهم يعتبرون، حسبما يصوغ لنا رأيهم الشهرستاني " بأن الإمامة ليست قضية مصلحية، تناط باختيار العامة، وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن من أركان الدين، لا يجوز للرسول إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله. ويجمعهم أي الشيعة القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر " (١). وكذلك يلاحظ جولدسيهر بهذه المناسبة أن ابن تومرت بموقفه من الاجتهاد، يعارض الإمام الغزالي، الذي يعلق أهمية كبيرة على مبادىء الاجتهاد. ومن جهة أخرى، فإن الغزالي يعارض نظرية الإمام المعصوم في غير كتاب من كتبه. وقد أشار إلى ذلك في إحدى رسائله، وهي " المنقذ من الضلال ". وفيها يحيل إلى ما سبق أن كتبه في ذلك من مختلف الفصول، ثم يحمل على فكرة " المعصوم " ويسخر منها في عبارة موجزة (٢). ثم إن الخلاف بين ابن تومرت والغزالي لا يقف عند هذا الحد. والواقع أنه ليس من الحقيقة في شىء، أن يقال إن ابن تومرت قد تأثر بتعاليم الغزالي سواء من تتلمذه المزعوم عليه بالمشرق، أو بدراسة كتبه ونظرياته. وإليك ما يقوله لنا العلامة جولدسيهر في ذلك: " إن المستخلص من قراءة كتب الغزالي أن ابن تومرت لم يسترشد سواء في تعاليمه أو أعماله بتعاليم الغزالي، بل هناك ما هو أكثر، وهو أن التعصب الذي أبداه ابن تومرت نحو مسائل العقيدة، يدل على أنه لم يتأثر بنفوذ الغزالي الشخصي. ذلك أن طريقة " الأستاذ " الرفيقة الموفقة، وميوله المشبعة بالتوقير للإيمان التقليدي، هي أبعد مما نجده في تصرفات الثوري " المصمودي ". ولو أن الغزالي عاش مدة أطول ليتتبع حياة ابن تومرت، وطُلب إليه أن يصدر في شأنه فتوى، لأصدر فتواه بنقض عمل تلميذه المزعوم، وأنه لا يوجد أجدر بلوم الغزالي، من ذلك التقديم المغصوب " للتأويل " بين الطبقات الدنيا لشعب يتسم بالبداوة " (٣).

стр. 1363

ثم يحدثنا ابن تومرت بعد ذلك عن " العموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمفسر، والناسخ والمنسوخ، والحقيقة والمجاز، والكناية والتعريض والتصريح، والأسماء اللغوية التي غلب عليها العرف وخصصها، والأسماء المنقولة من اللغة إلى عرف الشرع "، وهو يتناول هذه الأشياء على ضوء الدين، ويمثل لها بمختلف الآيات القرآنية. ثم يعود فيحدثنا من جديد عن العلم وفضله وتقاسيمه في فصل خاص، ينحو فيه منحاه المأثور في التصنيف والتقسيم. - ٢ - بعد ذلك ينتقل بنا ابن تومرت إلى مسألة العقيدة، ويحدثنا عن التوحيد، وعن دلائل وجود الباري سبحانه، وتنزيهه عن التشبيه. وإذا كان التوحيد في الأصل ركناً من أركان الإسلام الأساسية، فإنه يعتبر هنا وبنوع خاص أساساً لمذهب ابن تومرت الديني والسياسي معاً، وهو يتحول على يد المهدي من صفته الدينية إلى فكرة سياسية، هي التي أضحت أساس الدولة الموحدية، ودعامة سلطانها الأولى. ويلاحظ العلامة جولدسيهر بهذه المناسبة، أن فكرة التوحيد لم يبق معناها فيما بعد، هو الاعتراف بوحدانية الله، ولكن غدا معناها الخضوع لحكومة الموحدين (١)، ويستشهد على ذلك بما ذكره ابن صاحب الصلاة في تاريخه من خضوع الزعيم الأندلسي إبراهيم بن همشك لحكومة الموحدين في سنة ٥٦٤ هـ ووصفه ذلك الخضوع في قوله: " توحيد ابن همشك "، والتعبير عن رغبته في الاستسلام برغبته في " التوحيد والتوبة " (٢) ويقدم إلينا ابن تومرت بعد ذلك صيغة التوحيد وصيغ التسبيح التي وضعها لأتباعه، وهي صيغ تردد مضمون عبارات التوحيد والتقديس التي عرفت منذ الأجيال (٣). على أن أهم ما يتضمنه كتاب ابن تومرت، هو كلامه عن الإمامة وعن الإمام المعصوم، وعن المهدي وعلاماته، وعن قيام الطائفة التي تقوم في آخر الزمان لتقاتل في سبيل الحق. ويمكننا أن نعتبر هذا الفصل لب الكتاب، ولب مذهب

стр. 1364

ابن تومرت كله، ولب دعوته السياسية كلها، فإن الإمامة الدينية، هي الشعار السياسي الذي انتحله ابن تومرت، دعامة لزعامته وسلطانه. ونظرية المهدي المنتظر، هي الثوب الروحي الذي اتشح به، لتأييد شرعية إمامته وقدسيتها. ونحن نعرف أن الإمامة هي شعار الدعوة الشيعية، الديني والسياسي، وأنها تخص بها آل البيت دون سواهم، وعلى كر العصور. ولكن ابن تومرت، في تمسكه بنظرية الإمامة، يبدو مستقلا، بعيداً عن الدعوة الشيعية، وممثلا لدعوة خاصة، وإن كان في نفس الوقت يحرص على أن ينتسب إلى آل البيت، حتى تتوفر فيه شرعية الإمامة، وإليك كيف يعرض لنا ابن تومرت نظرية الإمامة وخصائصها حين يقول: " هذا باب في العلم، وهو وجوب اعتقاد الإمامة على الكافة، وهي ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الشريعة، ولا يصح قيام الحق في الدنيا إلا بوجوب اعتقاد الإمامة في كل زمان من الأزمان إلى أن تقوم الساعة. ما من زمان إلا وفيه إمام لله قائم بالحق في أرضه من عاد إلى نوح، ومن بعده إلى ابراهيم .. ولا يكون الإمام إلا معصوماً من الباطل ليهدم الباطل، لأن الباطل لا يهدم الباطل، وأن يكون معصوماً من الضلال، لأن الضلال لا يهدم الضلال .. وأن يكون معصوماً من الجور لأن الجائر لا يهدم الجور بل يثبته، وأن يكون معصوماً من البدع، لأن المبتدع لا يهدم الكذب بل يثبته، وأن يكون معصوماً من العمل بالجهل، لأن الجاهل لا يهدم الجهل، وأن يكون معصوماً من الباطل لأن المبطل، لا يهدم الباطل، كما لا تدفع النجاسة بالنجاسة، وكما لا تدفع الظلمة بالظلمة، كذلك لا يدفع الفساد بالفساد، ولا يدفع الباطل بالباطل، وإنما يدفع بضده الذي هو الحق، لا يدفع الشىء إلا بضده، ولا تدفع الظلمة إلا بالنور، ولا يدفع الضلال إلا بالهدى، ولا يدفع الجور إلا بالعدل، ولا تدفع المعصية إلا بالطاعة، ولا يدفع الاختلاف إلا بالاتفاق، ولا يصح الاتفاق إلا باستناد الأمور إلى أولي الأمر، وهو الإمام المعصوم من الباطل والظلم " (١). ثم يعود ابن تومرت فيؤكد أهمية الإمامة كركن جوهري من أركان الدين، ووجوب اعتقادها والخضوع لها في قوله: " والإمامة هي عمدة الدين وعموده على الإطلاق في سائر الأزمان، وهو دين السلف الصالح، والأمم السالفة إلى إبراهيم وما قبله، فاعتقادها دين، والعمل بها

стр. 1365

دين، والتزامها دين، ومعناها الإتباع والاقتداء، والسمع والطاعة، والتسليم، وامتثال الأمر، واجتناب النهي، والأخذ بسنة الإمام في القليل والكثير " (١). وإنه لا يمكن أن تكون ثمة تأكيدات أخطر من هذه وأشد فعلا، وأبعد أثراً في النفوس، لتأكيد الزعامة الدينية والسياسية، والانضواء تحت لوائها، والإذعان لسلطانها. وقد كان المهدي يخاطب بأسلوبه القوي المنذر، مجتمعاً يسوده الجهل، وتسيطر عليه الخرافة، فكانت أقواله وتعاليمه تنساب إلى هذا المجتمع الساذج، كقرآن جديد. كيف لا وهو يؤكد بأنه " لا يكذب بهذا، إلا كافر أو جاحد أو منافق أو زائغ أو مبتدع أو مارق أو فاجر أو فاسق، أو رذل أو نذل، لا يؤمن بالله واليوم الآخر " (٢). - ٣ - ثم إن هذه الإمامة المطلقة الواجبة الطاعة في كل زمان ومكان، لابد أن تتوج بصفة خاصة تؤكد من شرعيتها وتزيد في قدسيتها، وتجعلها أقرب إلى مراتب النبوة، وتلك هي صفة المهدي المنتظر. وهي أسطورة من أقدم الأساطير الدينية في الإسلام. ويرجعها البعض إلى عصر النبي ذاته. وهنالك طائفة من " الأحاديث " تشير إلى هذه الأسطورة. وهنالك أيضاً طائفة من الأقوال المأثورة تنسب لجماعة من أكابر الصحابة. ولكن هذه الأحاديث والأقوال، موضع كثير من الجدل والريب، وهي على الأغلب من خلق الشيعة الذين استغلوا هذه الأسطورة على كر العصور، واتخذوها سبيلا إلى تحقيق السلطان السياسي. وخلاصة هذه الأحاديث والأقوال، " إنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من آل البيت، يؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويعيد مجد الإسلام ودولته، ويسمى بالمهدي " أو على حد عبارتهم المأثورة، وهي أن المهدي يخرج في آخر الزمان " فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً ". وقد كان قيام الدولة الفاطمية الشيعية بإفريقية ثم بمصر، في أوائل القرن الرابع الهجري، أعظم وأروع استغلال لهذه الأسطورة. وهذا الثوب القدسي - ثوب المهدي المنتظر - هو الذي اعتزم محمد بن تومرت أن يتشح به، وأن يتوج به إمامته وسلطانه السياسي. ومن ثم فإنا نراه، بعد أن يحدثنا عن أهمية الإمامة. وكونها ركن الدين الركين، يعرض

стр. 1366

لنا نظرية المهدي بقوة وحماسة. وهو يستهل كلامه بوصف مثير لأحوال العصر الذي تلا عصر النبوة والخلفاء الأربعة، وما ساد فيه من ضروب التفرق والهوى والفتن، وهو العصر الذي " يذهب فيه العلماء، ويظهر الجهال، ويذهب الصالحون، وتبقى الحثالة، ويذهب الأمناء وتبقى الخونة، وتذهب الأئمة، وتظهر المبتدعة، ويذهب الصادقون، ويظهر الدجالون، ويذهب أهل الحقائق، ويظهر أهل التبديل والتغيير والتلبيس والتدليس، حتى انعكست الأمور، وانقلبت الحقائق وعطلت الأحكام، وفسدت العلوم، وأهملت الأعمال، وماتت السنن، وذهب الحق، وارتفع العدل، وأظلمت الدنيا بالجهل والباطل، واسودت بالكفر والفسوق والعصيان، وتغيرت بالبدع والأهواء، وامتلأت بالجور والظلم والهرج والفتن ". ثم جاء المهدي في زمان الغربة، في الوقت الذي عكست فيه الأمور، وقلبت الحقائق، وبدّلت الأحكام " وخصصه الله بما أودع فيه من معاني الهداية، ووعده قلب الأمور عن عاداتها، وهدمها بهدم قواعدها، ونقلها إلى الحق بإذن الله، حتى تنتظم الأمور على سنن الهدى، وتستقيم على منهاج التقوى، وينهدم الباطل من قواعده، وتنهدم بانهدامه فروعه، ويثبت الحق من أصله، وتثبت بثبوته فروعه، ويظهر العلم من معادنه، ويشرق نوره في الدنيا بظهوره، حتى يملأها عدلا، كما ملئت قبله جوراً، بوعد ربه كما وعد، وبفضله كما سبق، هذا ما وعد الله للمهدي، وعد الحق الذي لا يخلفه " (١). وهذا المهدي، الذي تستحيل على يده شئون العالم، من الفساد الشامل، والظلم المطبق، إلى الصلاح والعدل الشامل، " لا ند له في الورى " ولن يجد " من يعانده، ولا من ينازعه، ولا من يخالفه، ولا من يضاده "، ومن ثم فإن ابن تومرت يؤكد لأتباعه وأنصاره وجوب طاعة المهدي، والإيمان برسالته، والإذعان لمشيئته، والاستسلام لحكمه، وذلك بصورة مطلقة يعرضها لنا على النحو الآتي: " فالعلم به واجب، والسمع والطاعة له واجب، واتباعه والاقتداء بأفعاله واجب، والإيمان به والتصديق به واجب على الكافة، والتسليم له واجب، والرضى بحكمه واجب، والانقياد لكل ما قضى واجب، والرجوع إلى علمه واجب، واتباع سبيله واجب، والاستمساك بأمره حتم، ورفع الأمور إليه بالكلية لازم ".

стр. 1367

وليس ذلك فقط، فإن طاعة المهدي، والاستسلام إليه، إن هي إلا طاعة الله ورسوله ذاتها، " فإن سنة المهدي هي سنة الله ورسوله، وأمره أمر الله ورسوله، وطاعته طاعة الله ورسوله، والانقياد له الانقياد إلى الله ورسوله، وموافقته موافقة الله ورسوله، وتعظيم حرماته تعظيم حرمات الله ورسوله. هو أعلمهم بالله، وأقربهم إلى الله، به قامت السموات والأرض، وبه كشفت الظلمات، وبه تدفع الأباطيل، وبه تظهر المعارف، وبموافقته تُنال السعادة، وبطاعته تنال البركات " (١). ْأما أولئك الذين تسول لهم أنفسهم مخالفة المهدي، ومعارضته أو الشك في أمره، فويل لهم. ولم ينس ابن تومرت أن يتوعد هؤلاء بشر النكال. ذلك أن من ناوأ المهدي " فقد تقمع في الردى، وليس له التطرق إلى النجاة ". ثم إن " أمر المهدي حتم، ومن خالفه يقتل، لا دفع له في هذا لدافع، ولا حيلة فيه لزائغ، ثبت بثبوت نصوص الكتاب، وقواطع الشرع، وبيان العلم، ودام ما دامت السموات والأرض بإذن الله الواحد القهار " (٢). ويتحدث ابن تومرت بعد ذلك في فصل قصير عن " القواعد التي بني عليها علوم الدين والدنيا " يتناول فيه أموراً شتى، ومما جاء فيه: " أن القيام بأمر الله واجب، وأن الفساد يجب دفعه على الكافة، ولا يجوز التمادي فيه، وإن من منع فريضة واحدة كمن منع الفرائض كلها، وان التمادي على ذرة من الباطل، كالتمادي على الباطل كله، وأن الهوى لا يجوز إيثاره عن الحق، وان الدنيا لا يجوز إيثارها على الآخرة، وان الحق لا يجوز تلبيسه بالباطل، وأن العلم ارتفع، وأن الجهل عم، وأن الحق ارتفع، وأن الباطل عم، وأن الهدى ارتفع، وأن ْالضلال عم، وأن العدل ارتفع، وأن الجور عم، وأن الرؤساء الجهال استولوا على الدنيا، وأن الملوك الصم البكم استولوا على الدنيا، وأن الدجالين استولوا على الدنيا " ويختتم ابن تومرت هذا الفصل، بالعود إلى الكلام عن المهدي في فقرة يلخص فيها كل ما تقدم، ويؤكده بقوة، وذلك على النحو الآتي: " إن الباطل لا يرفعه إلا المهدي، وان الحق لا يقوم به إلا المهدي، وان المهدي معلوم في العرب والعجم، والبدو والحضر، وان العلم به ثابت في كل

стр. 1368

مكان، وفي كل ديوان، وأن ما علم بضرورة الإستفاضة قبل ظهوره، يعلم بضرورة المشاهدة بعد ظهوره، وأن الإيمان بالمهدي واجب، وأن من شك فيه كافر، وأنه معصوم فيما دعا إليه من الحق، لا يجوز عليه الخطأ فيه، وأنه لا يكابر، ولا يضاد، ولا يدافع، ولا يعاند، ولا يخالف ولا ينازع، وأنه فرد في زمانه، صادق في قوله، وأنه يقطع الجبابرة والدجاجلة، وأنه يفتح الدنيا شرقها وغربها، وأنه يملؤها بالعدل، كما ملئت بالجور وأن أمره قائم إلى أن تقوم الساعة " (١). - ٤ - لم ينس ابن تومرت في الوقت الذي يعرض فيه دعوته، ويشيد بنظريته الإمام المعصوم والمهدي المنتظر، وهي التي اتخذها دعامة لزعامته الدينية، وسلطانه السياسي، أن ينظم حملته ضد أصحاب الأمر القائم، ضد أولئك المرابطين، الذين كان يرمي إلى تحطيم دولتهم، والاستيلاء على تراثهم. ومن ثم فإنه يخصهم في كتابه بفصل، يشهر فيه عليهم الخصومة والبغض، ويحاول أن يسبغ على حملته لون القداسة، وأن يردها إلى أصول دينية، وهو ينعتهم " بالمبطلين، والملثمين، والمجسمين ". ويقول لنا إن لهم علامات خاصة يعرضها لنا في قوله: " جميع علاماتهم ظاهرة، منها ما ظهر قبل مجيئهم من كادم، ومنها ما ظهر بعد أخذهم البلاد، ومنها ما ظهر من أحوالهم وأفعالهم. فالذي ظهر منها قبل مجيئهم خمس، إحداهن أنهم الحفاة، والثانية أنهم العراة، والثالثة أنهم العالة، والرابعة أنهم رعاء الشاء والبهم، والخامسة أنهم جاهلون بأمر الله. والذي ظهر منها بعد أخذهم البلاد سبع، إحداهن أنهم في آخر الزمان، والثانية أنهم ملوك، والثالثة أنهم يتطاولون في البنيان، والرابعة أنهم يلدون مع الإماء ويستكثرون من الجواري، والخامسة أنهم صم، والسادسة أنهم بكم، يعني أنهم صم عن ْالحق لا يستمعون إليه، بكم عن الحق لا يقولون به، ولا يأمرون به، وكل ذلك راجع إلى الجهل والعدول عن الحق، والسابعة أنهم ما هم أهلا للأمانة في القيام بأمر الله. والذي ظهر من أحوالهم وأفعالهم ثمان، إحداهن أنهم في أيديهم سياط كأذناب البقر، والثانية أنهم يعذبون الناس ويضربونهم بها، والثالثة أن نساءهم رؤوسهن كأسنمة النجب، يعني أنهن يجمعن شعورهن فوق رؤوسهن حتى تكون شعورهن على تلك الصفة، والرابعة أنهم كاسيات عاريات، والخامسة أنهن مائلات يعني

стр. 1369

عن الحق والرشاد والسادسة أنهن مميلات يعني لغيرهن، والسابعة أنهم يغدون في سخط، والثامنة أنهم يروحون في لعنة. هذه علاماتهم، وجملة علاماتهم عشرون أخبر الرسول بجميعها قبل وجودهم، فظهرت كلها على وفق ما أخبر به " (١). ويحاول ابن تومرت أن يثبت صحة هذه العلامات بإيراد " أحاديث " تنسب روايتها إلى عمر بن الخطاب وإلى أبي هريرة، وفيها ذكر للعلامات المتقدمة، وأنها من علامات الساعة، و" أحاديث " أخرى يدمغ فيها الرسول أصحاب هذه العلامات، بالنار والسخط والغضب واللعنة، ويذكر فيها صفة نسائهن على النحو الذي تقدم ذكره (٢). ويتناول ابن تومرت بعد ذلك مثالب المرابطين، وتحريم طاعتهم، والحض على جهادهم، في عدة أبواب رتبت كما يأتي: (١) باب فيما أحدثوه من المناكير والمغارم، وتقلبهم في السحت والحرام يأكلون فيه ويشربون، وفيه يغدون وفيه يروحون، وتجسيمهم وكفرهم أكبر. (٢) باب في تحريم معونتهم على ظلمهم، وتصديقهم على كذبهم. (٣) باب في معرفة أتباعهم الذين أعانوهم على ظلمهم، وصدقوهم على كذبهم، وبيان أفعالهم. (٤) باب في وجوب مخالفتهم وتحريم الاقتداء بهم، والتشبه بهم، وتكثير سوادهم وحبهم. (٥) باب في وجوب بغضهم ومعاداتهم على باطلهم وظلمهم. (٦) باب في تحريم طاعتهم واتباع أفعالهم. (٧) باب في وجوب جهادهم على الكفر والتجسيم وإنكار الحق، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم. (٨) باب في وجوب جهاد من ضيّع السنة ومنع الفرائض. (٩) باب في وجوب جهادهم على ارتكاب المناكر والفجور وتماديهم على ما لا يؤمرون به. (١٠) باب في وجوب جهادهم على العناد والفساد في الأرض (٣). وهو خلال ذلك يحاول أن يؤيد أقواله وأحكامه بمختلف الأحاديث والآيات القرآنية. وهو ينعي على المرابطين بنوع خاص - وهو ينعتهم هنا بالمجسمين الكفار - مسألة اللثام، وتشبههم في ذلك بالنساء، في تغطية الوجوه بالتلثيم والتنقيب، وتشبه نسائهم بالرجال في السفور، وعدم التلثيم والتنقيب، وتحريم ذلك، ولعن

стр. 1370

من يرتكبه، وفقاً لحديث تنسب روايته لابن عباس، ونصه: " لعن رسول الله ﷺ المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء، شملتهم اللعنة جميعاً " (١). على أنه من الإجحاف البيّن أن تُنعى هذه المسألة بالذات - مسألة اللثام - على المرابطين، وتعتبر في حقهم جرماً يستوجب اللعن. ذلك أنها ليست سوى مسألة تقليد قومي وقَبَلي لا شأن له بالدين. وقد قيلت في أصل اللثام وسببه أشياء كثيرة، منها ما سبق أن أشرنا إليه من قبل، وهو أن أهل لمتونة - وهي قبيلة المرابطين - كانوا يتخذون في أعراسهم نوعاً خاصاً من الحجاب، ومنها أنه حدث ذات مرة في بعض حروبهم أن نساءهم كن يقاتلن معهم محجبات، حتى يحسبن بذلك في عداد الرجال، ومنها أنهم كانوا يلجأون إلى اللثام تخفياً من طلبة ثأر الدم، وأخيراً أن اللثام كان من ضرورات الحماية من لفح العواصف والرمال والحر والبرد. وما تزال عادة اللثام قائمة حتى اليوم بين بعض قبائل موريتانيا والسودان وغيرها، ويقال إن الحكمة في ذلك هو أن الرجال الأشراف لا يكشفون عن أنفسهم. وأما عن سفور النساء، فقد قيل إنه لكي يظهر انحطاطهن عن الرجال (٢). وأما حملة ابن تومرت على المرابطين بسبب ما أحدثوه من " المناكر والمغارم " فإن لها ما يبررها. وقد سبق أن أشرنا إلى ما كان يسود العاصمة المرابطية، (مراكش) وقواعد المغرب الأخرى، أيام المرابطين، من مظاهر الاستهتار والفساد، ومن ذلك ذيوع الخمر والقصف علناً في الأسواق، وغير ذلك من مظاهر الخروج على الدين. وهذا ما يردده المراكشي في قوله مشيراً إلى على بن يوسف: " وكان رجلا صالحاً، إلا أنه كان ضعيفاً مستضعفاً، ظهرت في آخر زمانه مناكر كثيرة، وفواحش شنيعة، من استيلاء النساء على الأحوال واستبدادهن بالأمور، وكان كل شرير أو قاطع طريق، ينتسب إلى امرأة قد جعلها ملجأ له، وزراً على ما تقدم " (٣). ومما هو جدير بالذكر أن أمثال هذه المناكر، لم تلبث أن ظهرت في دولة الموحدين، بعد ذهاب المهدي بفترة قصيرة. ومن ذلك أن
следующие страницы →