← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

يقول البيذق بعد إيراد ما تقدم " تم الاعتراف بحمد الله وعونه .. فهدّأ الله البلاد للموحدين، وأعانهم على الحق ونصرهم، وأقاموا الدين، ولم يتفرقوا فيه. وتمهدت الدنيا، وأزال الله ما كان فيها من التخليط. وهذا كان سبب الاعتراف "، ثم يضع تاريخ هذه الحوادث الدموية في سنة ٥٤٤ هـ (١١٤٩ م) (١). وإنه لمما يلفت النظر في هذا الحادث الدموي، أولا وقبل كل شىء، أنه وفقاً لأقوال البيذق، من عمل عبد المؤمن وتدبيره، وأنه يدمغ جهود عبد المؤمن وسياسته في توطيد الدولة الموحدية، بطابع بغيض. بيد أننا نشعر من جهة أخرى، أن هذا العمل وما تقدمه من تصرفات دموية عديدة، خلال هذا الصراع الديني والسياسي العظيم، لا يمكن أن تنسب إلى عبد المؤمن دون تحفظ. ذلك أن عبد المؤمن إذا كان باعتباره خليفة الموحدين وقائدهم الأعلى، مسئولا عن هذه الأعمال المثيرة أمام التاريخ، فإنه يجب أن نذكر أيضاً أن عبد المؤمن، لم يكن بالرغم من رفيع مركزه، وسلطانه الظاهر، مطلق التصرف في كل ما يقوله أو يفعله، وأنه كان بالعكس مرغماً على أن يخضع في كثير من المواطن لضغط الأشياخ والقادة. فقد رأينا مثلا، كيف أنه حينما قُتل أخوه إبراهيم بيد بعض أكابر الموحدين، غلب على أمره، ومنع بتدخل أصحاب المهدي، من أن يقتص لمقتله من قاتله، ثم رأيناه بعد ذلك يُغلب على أمره مرة أخرى، حينما دخل الموحدون مراكش، وقُبض على إبراهيم بن تاشفين، وأتى به إلى عبد المؤمن فرقّ لحداثة سنه، وأراد أن يعفو عنه وأن يفره من القتل، فاعترض عليه بعض الأشياخ، وأخذ إبراهيم وقتل رغماً عن إرادته. ففي هذه الحوادث وأمثالها ما يدلى بوضوح بأن عبد المؤمن، لم يكن مطلق الحرية في سائر تصرفاته. وإنّا لنرتاب في أن يكون أمثال مذبحة الإعتراف، معبرة عن خلق عبد المؤمن وميوله الحقيقية، ونعتقد أنه لابد أن يكون وراءها، ووراء أمثالها من التصرفات الدموية المثيرة، ضغط الأشياخ والصحب، وقد كانوا في تلك المرحلة، هم أصحاب التوجيه الحقيقي، يزاولونه أحياناً بصورة ظاهرة، وغالباً من وراء حجاب. - ٣ - بعد أن تم لعبد المؤمن سحق الثورة الكبرى، في أراضي برغواطة ودكالة، وبعد أن تم له تمييز القبائل، وقتل المارقين على النحو المتقدم، اعتزم أن يقوم

стр. 1437

بجولته الثانية لسحق ما تبقى من مواطن الثورة والمقاومة، وليتم افتتاح المغرب بافتتاح إفريقية. وكان قد قام في تلك الأثناء بتامسنا، عقب حرب برغواطة بقليل، ثائر جديد يدعى بابن تمركيد، فبايعه كثير من أهل برغواطة، وغيرها من القبائل، ولبث حيناً يتحدى الموحدين، ويشتبك معهم في معارك متوالية، إلى أن يهزم أخيراً، وقتل، وقتل معه كثير من أنصاره، وحمل رأسه إلى مراكش (سنة ٥٤٤ هـ). وخرج عبد المؤمن في قواته من مراكش سنة ٥٤٥ هـ، مستخلفاً عليها أبا حفص عمر بن يحيى الهنتاني، وسار إلى مدينة سلا، وأمر بأن تنشأ قصبة وقصر فوق اللسان الممتد في البحر أمام سلا، وبأن ينشأ سرب يستمد الماء من عين غبولة القريبة لإمداد المحلة الموحدية، فتم ذلك، وجرى الماء، وغرست الحدائق والرياض، وأذن الخليفة للناس في التعمير والسكنى، فكان ذلك منشأ مدينة رِباط الفتح، التي غدت من ذلك الحين مركزاً لتجمع الجيوش الموحدية الغازية. ولبث الخليفة بسلا خمسة أشهر. وفي خلال ذلك، وفدت عليه وفود عديدة من الأندلس بلغت زهاء خمسمائة من الفقهاء والقضاة والزعماء والقادة، فاستقبلهم الوزير أبو إبراهيم والوزير أبو حفص، والكاتب الوزير أبو جعفر بن عطية، وأشياخ الموحدين. فأكرمت وفادتهم وأنزلوا خير منزل. ثم أخذوا لمقابلة الخليفة، وكان دخولهم عليه في غرة شهر المحرم سنة ٥٤٦ هـ، وكان أول من تقدم بين يديه وفد قرطبة، فشرح قاضيها أبو القاسم ابن الحاج للخليفة، ما تعانيه قرطبة، من تهديد النصارى وضغطهم، وتلاه الكاتب أبو بكر بن الجد بخطبة بليغة، ثم تعاقبت الوفود في السلام والتهنئة، فشمل الخليفة الجميع بعطفه، وأجزل لهم الصلات كل على قدر مكانته، ثم أمرهم بالانصراف إلى بلادهم (١). ولا ريب أن تعاقب الوفود الأندلسية على المغرب على هذا النحو، كان له أثره في خطط عبد المؤمن المستقبلة، نحو افتتاح الأندلس، وتنظيم شئونها. وغادر عبد المؤمن سلا في أوائل سنة ٥٤٦ هـ، وسار إلى المعمورة، وهو يعتزم افتتاح بجاية وإفريقية. وكانت ثمة بواعث عديدة لها خطرها، قد حملته على

стр. 1438

اتخاذ هذا القرار، منها اضطراب الأمور في إفريقية واختلاف أمرائها، واستطالة العرب عليها؛ وعيثهم في أراضيها، حتى أنهم حاصروا مدينة القيروان. وأهم من ذلك كله ما حدث من اعتداء الفرنج الصقليين على الثغور الإفريقية، وافتتاحهم لمدينة المهدية (سنة ٥٤٣ هـ)، وسيطرتهم على الشاطىء الإفريقي من طرابلس حتى مياه تونس. كل ذلك حمل عبد المؤمن على أن يضع خطته لافتتاح إفريقية (١). بيد أنه لم يسر في ذلك الاتجاه تواً، بل سار إلى سبتة متظاهراً بقصد الجواز إلى الأندلس برسم الجهاد. وهنالك استدعى وجوه الأندلس وفقهاءها وقوادها، فوفدوا إليه، فحدثهم في مسائلهم، وألقى عليهم توصياته ثم صرفهم، وغادر سبتة متجهاً في الظاهر إلى طريق مراكش، ولكنه سلك طريقاً أخرى غير مطروقة، وأمر في نفس الوقت بمنع السفر في الطرق المسلوكة، في المغرب الأوسط، من سلا إلى مكناسة، ومن مكناسة إلى فاس ومن تلمسان إلى فاس. ثم اتجه نحو الشرق، مبالغاً في إخفاء وجهته، وسار مسرعاً صوب بجاية، واستولى في طريقه على جزائر بني مزغنة (وهي التي صارت مدينة الجزائر فيما بعد)، ففر منها عاملها القائم بن يحيى إلى بجاية، ونبأ أباه يحيى بن العزيز بالله الصنهاجي، سليل بني حماد، بمقدم الموحدين. وكان بالجزائر في نفس الوقت، الحسن بن علي الصنهاجي صاحب المهدية، وابن عم صاحب بجاية، وكان الفرنج الصقليون قد استولوا على المهدية في أوائل سنة ٥٤٣ هـ (١١٤٨ م) حسبما تقدم، فخرج منها ملتجئاً إلى ابن عمه يحيى، فأنزله بالجزائر منزلا سيئاً، فلما دخلها الموحدون، بادر إلى عبد المؤمن فبايعه، وصحبه مستظلا برعايته. ويجدر بنا أن نذكر هنا كلمة عن مدينة بجاية هذه، وهي التي سوف يتردد ذكرها منذ الآن فصاعداً، في مواطن ومناسبات تاريخية كثيرة. وكان إنشاؤها نتيجة لما حدث من الشقاق، بين بني زيري أمراء إفريقية. وذلك أنه قام خلاف بين تميم بن المعز بن باديس أمير إفريقية، وبين ابن عمه الناصر ابن علناس، ففارقه الناصر، وخرج في أصحابه، ودله بعضهم على موضع بجاية، وقد كان به منازل قليلة للبربر، وبين له مزاياه من المنعة، والمرسى الذي يمكن أن يغدو مركزاً هاماً لرسو السفن، وترويج التجارة، فأمر باختطاط مدينة بهذا الموقع، وهو في حماية جبل شاهق، وكان ذلك في حدود سنة

стр. 1439

٤٥٧ هـ (١٠٦٥ م) (١). وفي رواية أخرى أن بناء بجاية جاء نتيجة لتوغل العرب في إفريقية وعيثهم فيها، وأنهم لما قاموا بتخريب القيروان، ومعظم مدن إفريقية، فر منهم صاحب القيروان، وخرج لنصرته ابن عمه المنصور بن حماد، فهزمه العرب هزيمة شديدة، ففر إلى قاعدته بالقلعة، ولكن العرب جدوا في أثره، وطاردوه، فبحث عن موضع يختط فيه لنفسه محلة جديدة لا يلحقه فيها شر العرب، فدله بعض أصحابه على موقع بجاية، وكان مرسى قديماً، فاختطها فيه، ونقل إليها مركز حكمه، واتخذها دار ملكه (٢). ومن ذلك الحين سارت بجاية في طريق التقدم، وغدت من أغنى وأزهر الثغور الإفريقية. وكان بنو حماد هؤلاء أصحاب بجاية والقلعة، وما يليها من ثغور المغرب الأوسط، بونة وقسنطينة والجزائر، هم فرع من بني زيري بن مناد ملوك إفريقية الصنهاجيين، الذين بسطوا عليها سيادتهم مذ غادرها بنو عبيد الفاطميون إلى مصر، في أواخر القرن الرابع الهجري، وكانوا يستظلون في البداية بسلطان الخلافة الفاطمية، ثم أعلنوا استقلالهم، وضخم ملكهم بإفريقية. وفي أوائل القرن الخامس خرج حماد بن يوسف بن زيري على ابن أخيه باديس بن المنصور ابن يوسف، واستقل بالمناطق الغربية، أعني الزاب والمغرب الأوسط، وكان والياً عليها من قبل ابن أخيه، وأسس بها إمارة جديدة عرفت بمملكة بني حماد. ولما توفي حماد في سنة ٤١٩ هـ، تعاقب بنوه من بعده في الملك، وكان مركزهم في البداية بالقلعة، وهي محلة في غاية المناعة والحصانة، اختطها منشىء دولتهم حماد في بقعة حصينة، تقع جنوبي بجاية على مقربة من بلدة أشير، وقد كانت وفقاً لقول الإدريسي من أكبر البلاد في تلك المنطقة وأكثرها خلقاً، وأغزرها خيراً، وأوسعها أموالا، وأحسنها قصوراً ومساكن، وأعمها فواكه وخصباً، وهي في سند جبل سامي العلو، صعب الارتقاء، وقد استدار سورها بجميع الجبل، ويسمى تاقربست. ويقول لنا ياقوت في وصفها، من جهة أخرى، " وليس لهذه القلعة منظر ولا رواء حسن، إنما اختطها حماد للتحصن والامتناع " (٣).

стр. 1440

ثم انتقل بنو حماد، بعد ذلك إلى بجاية منذ اختطها وأنشأها الناصر بن علناس بن حماد وذلك في سنة ٤٥٧ هـ، وجعلوها قاعدة ملكهم. وكانت مملكة بني حماد، حينما زحف الموحدون على بجاية في حالة اضطراب وتفكك، وكان ملكها يحيى ابن العزيز بالله أميراً ضعيفاً يعشق اللهو والصيد. وكان وزيره القائد أبو محمد ميمون بن علي بن حمدون هو حاكمها الحقيقي، فلما وصل الموحدون إلى بجاية ضربوا حولها الحصار. واتصل ابن حمدون سراً بعبد المؤمن، وفتح له أبواب المدينة، فدخلها الموحدون (١). وفي الوثائق الموحدية ما يؤيد هذه الرواية. ففي الرسالة، التي وجهها عبد المؤمن بعد فتح بجاية إلى أهالي قسنطينة يدعوهم إلى التوحيد، ما يفيد بأن القائد ابن حمدون كان ضالعاً في السر مع الموحدين، وأنه عقب فتح بجاية انضم إليهم، وخدمهم هو وأخوه الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي بن حمدون (٢). بيد أن هناك رواية أخرى تقول إن ابن حمدون بالعكس خرج في قوات بجاية، وهي تزيد على العشرين ألف فارس، واشتبك في ظاهرها مع الموحدين في معركة هزم فيها، ودخل الموحدون المدينة على أثرها (٣). وزحفت في نفس الوقت قوة موحدية بقيادة عبد الله ولد الخليفة عبد المؤمن، على القلعة - قلعة بني حماد الشهيرة - وقد كانت من أعظم وأمنع قلاع المغرب، وكانت معقل بني حماد الأعظم، ومهد ملكهم الأول، فاستولت عليها، وقتلت بها عدة ألوف من الصنهاجيين. ولما دخل الموحدون بجاية فر عنها صاحبها يحيى بن العزيز بالله إلى بونة، وفر أخواه الحارث وعبد الله إلى صقلية حيث استظلا بحماية الفرنج. ثم سار يحيى من بونة إلى قسنطينة، فامتنع بها مع أهله وقرابته، وهنالك حاصره الموحدون، فلما ضاق بالحصار ذرعاً، أرسل أخاه وشيوخ صنهاجة وقسنطينة، إلى عبد المؤمن يعلنون خضوعه، وإذعانه إلى التسليم ويطلبون الأمان فأجابهم عبد المؤمن إلى ما طلبوه. ولما غادر عبد المؤمن بجاية سار معه يحيى في أهله وولده إلى مراكش، وهنالك عاش في كنف الخليفة في عزة وسعة من الرزق، ولبثوا بمراكش حتى انقرض بيتهم. وكان استيلاء

стр. 1441

خريطة: إفريقية مواقع غزوات الخليفة عبد المؤمن لافتتاح بجاية سنة ٥٤٧ هـ وافتتاح المهدية سنة ٥٥٥ هـ.

стр. 1442

الموحدين على بجاية في شهر ذي القعدة سنة ٥٤٧ هـ (يناير سنة ١١٥٣ م) (١). وكانت بجاية في ذلك الوقت، حسبما يصفها لنا الإدريسي، الذي زارها قبل ذلك بنحو عشرين عاماً، قاعدة المغرب الأوسط، وميناؤها عامرة بالسفن الواردة والصادرة، والبضائع تتدفق إليها براً وبحراً، وأهلها تجار مياسير، وبها من الصناعات والصناع ما ليس بكثير من البلاد، ولأهلها معاملات مع تجار المغرب الأقصى، وتجار الصحراء، وتجار المشرق، وبها تحل الشدود وتباع البضائع بالأموال الوفيرة، ولها بواد ومزارع، والحنطة والشعير يوجدان بها بكثرة، وكذلك سائر الفواكه، وبها دار صناعة لإنشاء الأساطيل والمراكب والسفن الحربية، يمدها الخشب الكثير الموجود في جبالها وأوديتها، والزفت البالغ الجودة والقطران الموجود في أقاليمها، وبها أيضاً معدن الحديد الطيب، وهي مركز هام للمواصلات إلى بلاد إفريقية. وهذا كله فضلا عن حصانتها الطبيعية، سواء من ناحية البر أو البحر (٢). وكانت جموع من العرب من بطون أثبج وزغبة ورياح وغيرها، تحتل المنطقة الشاسعة، الواقعة جنوبي بجاية، وتعيش في ظل بني حماد، وتحت حمايتهم. فلما استولى الموحدون على مملكة بني حماد، شعر أولئك العرب بما يهددهم من فقد أوطانهم وأرزاقهم، فاحتشدوا لمقاومة الموحدين، وأخذوا يغيرون على مؤخراتهم، ويزعجون محلاتهم، فاعتزم عبد المؤمن أن يطهر هذه المناطق من عيثهم، وسار في قواته إلى سطيف، وجهز لقتالهم حملتين، الأولى بقيادة صهره وزوج ابنته عبد الله بن وانودين، والثانية بقيادة يصلاسن بن المعز، ولكن ثار بين القائدين خلاف، تعدى فيه يصلاسن على زميله صهر الخليفة وأهانه. ثم تركه وحده في مواجهة العرب. فانتهز العرب هذه الفرصة وهاجموا قوات عبد الله بن وانودين وهزموه وأسروه ثم قتلوه. فاستشاط عبد المؤمن لذلك غضباً، وحشد كافة الموحدين لمقاتلة العرب. فلما شعر العرب بشدة وطأة الموحدين، افترقت كلمتهم، وأذعن بعض زعمائهم إلى التوحيد، وشدد عبد المؤمن

стр. 1443

في قتال من تبقى منهم، ونشبت بين الفريقين معركة شديدة، دامت يوماً وليلة، وهزم العرب في نهايتها شر هزيمة، ومزقت جموعهم، وقتل وأسر منهم عدد جم. وكان في مقدمة القتلى ألمع زعمائهم هلال بن عامر. واستولى الموحدون على غنائمهم من العتاد والدواب، وكانت وفيرة هائلة. ثم طاردوهم مدى ثلاثة أيام أو أربعة في مختلف الأنحاء، حتى قضوا على معظم فلولهم. وحدثت هذه الموقعة الحاسمة في شهر ربيع الأول سنة ٥٤٨ هـ (يونيه ١١٥٣ م) (١). وبينما كان عبد المؤمن في بجاية، إذ اجتمعت حشود غفيرة من صنهاجة يقودها زعيم يدعى أبو قصبة من بني زالدوي، وانضمت إليها كذلك جموع كثيرة من كتامة ولواتة وغيرهما، وسارت هذه الجموع لقتال الموحدين، فبعث عبد المؤمن لردهم حملة قوية بقيادة أبى سعيد يخلف، وهو من أصحاب خمسين، فالتقوا في عرض الجبل شرقي بجاية، فانهزمت صنهاجة وحلفاؤها، وقتل معظمهم، وأخذت أسلابهم ونساؤهم (٢). ويقول لنا البيذق إن الذي قام بمدافعة صنهاجة هو عبد المؤمن نفسه، وقد كان في قلة من جنده وحشمه، ولكنه خرج ليردهم بنفسه، واشترك في قتالهم، مع أنه لم يمتشق السيف منذ موقعة البحيرة عام ٥٢٤ هـ (٣). وغادر عبد المؤمن بجاية، بعد أن نظم شئونها، وندب لولايتها ولده أبا محمد عبد الله، وسار في جيشه الظافر، أولا إلى تلمسان، ثم سار إلى فاس، ومكناسة، ثم إلى سلا، ووزع الغنائم والسبي على هذه البلاد. ثم غادر سلا إلى مراكش، وفي ركبه عدة من زعماء العرب - أو سلاطينهم حسبما يصفهم البيذق - الذين خضعوا في تلك الحركة. ولما وصلوا إلى مراكش، زودهم بالأموال ورد إليهم نساءهم وأولادهم، وصرفهم إلى بلادهم. - ٤ - وصل عبد المؤمن إلى مراكش ليواجه آثار مؤامرة دبرت في غيبته، وكادت أن تصدع صرح حكومته، لو لم تخمد في مهدها.

стр. 1444

وكان بطلا هذه المؤامرة أخوا المهدي ابن تومرت، أبو موسى عيسى، وأبو محمد عبد العزيز، وكانا مذ ظفر عبد المؤمن بخلافة المهدي واجتناء تراثه، يرقبان الفرص لبث الاضطراب والشغب، ويظاهرهما كثير من أهل هرغة، قبيلة المهدي، وكان عبد المؤمن بالرغم من وقوفه على ما يضمره الأخوان له من البغض والكيد، وما جنحا إليه من الانحراف، ومخالطة أهل السوء، يغضي عن سلوكهما، ويجزل لهما الصلات والنفقة، براً بذكرى المهدي وقرابتهما الوثيقة له، ويكتفي بإسداء النصح إليهما. فلما سار المهدي إلى غزاته لافتتاح إفريقية، شعر الأخوان بأن الفرصة قد سنحت لتدبير الإنقلاب المنشود، وكانا يقيمان بفاس، ويلتف حولهما نفر من الناقمين. فسارا في صحبهما من فاس إلى مراكش، وهنالك استطاعا تحريك بعض الجموع، واضطرمت بالمدينة فتنة، قتل خلالها والى المدينة عمر بن تَفْراجين حين خروجه في الفجر إلى الجامع، وكاد يستطير شررها. وعلم عبد المؤمن بما حدث وهو في سلا (أواخر سنة ٥٤٥ هـ)، فبعث الوزير ابن عطية على عجل ليستدرك الأمر، فوصل إلى مراكش بعد يومين، واستطاع في الحال أن يخمد الفتنة، وأن يقبض على زعيميها عيسى وعبد العزيز. ويقول لنا البيذق إن الخليفة، أمر بقتل المخالفين من هرغة وأهل تينملّل، ولكنه أبقى على حياة أخوي المهدي وبعثهما إلى فاس حيث اعتقلا هناك تحت إشراف واليها الجيّاني (١). ولكن صاحب البيان المغرب يقول لنا إنهما قتلا وصلبا ضمن من قتلوا وصلبوا من الخوارج، فقتل عيسى قرب باب الدباغين، وقتل عبد العزيز بباب أغمات (٢). ويؤيد هذه الرواية ما ورد في خطاب الخليفة الرسمي عن الحادث من الإشارة غير مرة إلى مصرع المخالفين، وفتك العامة بهم وصلبهم خارج المدينة (٣). وما كاد عبد المؤمن يصل إلى مراكش حتى قام بحركة تطهير شاملة، قُبض خلالها على كثير من الخوارج وأهل التخليط، حسبما تصفهم الرواية، من سائر القبائل، وألقوا إلى ظلام السجن. ثم أصدر الخليفة أمره بأن يتولى الموحدون المخلصون، من كل قبيلة، قتل المارقين من قبيلتهم بأنفسهم. فامتثل الموحدون

стр. 1445

لما أمروا به، وتولوا الإجهاز بأيديهم، كل جماعة على أبناء قبيلتها، وكان الخليفة أثناء هذه المذبحة الجديدة، يجلس في البرج القائم في أعلى قصره، قصر الحجر، ليشهد التنفيذ بنفسه. ويقول المؤرخ معلقاً على ذلك " فطرقت للموحدين في هذا الوقت وحشة من الخجل والوجل، ودهشة من قبيح ما ظهر من الغادرين المذكورين، من نكوث العهد، في السهل والجبل، فتراموا على خليفتهم راغبين في العفو وإزالة الكدر، وجلب ما تعودوه من الخلوص والظفر، فقبل منهم ما أملوا، وتعطف عليهم على عادته بما سألوا ". وبعث الخليفة بهذه المناسبة، إلى مختلف البلدان، رسالة من إنشاء الوزير ابن عطية، تفيض بلاغة وبياناً، يفصل فيها ما حدث، ويوضح موقفه ويلتمس الأعذار لتبريره (١). وكان من الحوادث البارزة في هذه الحركة الدموية مصرع القائد يصلاسن، ابن المعز الهرغي. وكان يصلاسن أو يصليتن حسبما يسمى في رواية أخرى من زعماء قبيلة هرغة، ومن أهل الدار، أعني من أقرباء المهدي (٢). وقد رأينا فيما تقدم كيف اختلف مع زميله القائد عبد الله بن وانودين صهر الخليفة، وتركه في قواته ليواجه وحده العرب، وكيف كان ذلك سبباً في هزيمته ومصرعه. وكان عبد المؤمن يتوق إلى معاقبة يصلاسن على سوء تصرفه. ومن جهة أخرى، فإنه يبدو أن يصلاسن كان ضالعاً مع خصوم عبد المؤمن، ومؤيداً لحركة أخوي المهدي. فلما عاد عبد المؤمن إلى مراكش، كان يصلاسن في سبتة، فأرسل الخليفة إلى واليها عبد الله بن سليمان بأن يدبر حيلة للقبض على يصلاسن وإرساله، فدعا عبد الله يصلاسن إلى نزهة بحرية في إحدى السفن، في مياه سبتة، فلما توسط البحر، انقض عليه وكبله بالحديد، ونبأ عبد المؤمن بما تم، فأمره بإعدام يصلاسن وصلبه بعد الإشهاد عليه بالذنب، فقام عبد الله بما أمر به (٣). وفي رواية روض القرطاس، أن عبد الله أرسل يصلاسن مكبولا إلى مراكش، وأنه أعدم بها وصلب على بابها تنفيذاً لأمر الخليفة (٤). واضطرمت الثورة في نفس الوقت بأرض السوس، وارتدت قبيلة جزولة

стр. 1446

عن الطاعة، وبعثوا إلى يحيى بن أبى بكر الصحراوي، فوفد عليهم مع زعيم آخر من خصوم الموحدين يدعى الحاج بن مركونة، وارتدت كذلك قبيلة لمطة وتزعم ثورتها محمد بن آمرجال، ثم ارتدت قبيلة إيت ييغز، وساروا إلى تازاجورت واقتحموها، وقتلوا حاكمها الموحدي، وامازير بن حواء الهنتاني، فاهتم عبد المؤمن لهذه الحوادث، وسير الشيخ أبا حفص في حملة قوية لإخماد الثورة، فخرج إلى السوس، وقاتل بني ييغز، ففروا إلى حيث كان الصحراوي، ثم سار إلى سيروان، حيث هزم بني واوزجيت، وقسمهم إلى قسمين: قسم ضمه إلى أهل تينملل وقسم ضمه إلى هنتانة، ثم عاد إلى مراكش حيث أمر الخليفة بحشد قوات جديدة، وخرجت هذه القوات بقيادة أبى حفص، وأربعة آخرين من أكابر القادة الموحدين، هم وسنار، وعبد الله بن أبى بكر بن ونكي، وعبد الله بن فاطمة، وعمر بن ميمون، وسارت كل قوة منها إلى منطقة من المناطق الثائرة، وهوجمت قبائل لمطة، وهشتوكة، وتاسريرت وآهوكار وغيرها من القبائل الثائرة، وهزمت جميعاً، وأذعن بعضها إلى التوحيد، وأخذت غنائمها وسبيها إلى مراكش، وبلغ نصيب الخليفة من تلك الغنائم، ثمانمائة ناقة (١)، ووقعت هذه الحوادث، فيما يرجح في أوائل سنة ٥٤٩ هـ (سنة ١١٥٤ م). ولما تم إخضاع القبائل الثائرة والمرتدة على هذا النحو، غادر عبد المؤمن مراكش إلى تينملّل، وهناك زار قبر المهدي، وفرق في أهلها أموالا كثيرة وأمر ببناء مسجدها، وتوسيع خططها (٢).

стр. 1447

الفصْل السّابع فتح المهدية وإجلاء الفرنج عن إفريقية غزوات الفرنج النورمانيين لثغور إفريقية. استيلاؤهم على طرابلس والمهدية. فرار الحسن الصنهاجي أمير المهدية وآله. انتهاء مملكة بني زيري. استيلاء الفرنج على سوسة وصفاقس. التجاء الحسن إلى عبد المؤمن. إحجام عبد المؤمن حين غزوه لبجاية عن مهاجمة الفرنج. استيلاء الفرنج على بونة. وفاة الملك رجار النورماني. بداية الثورة في إفريقية ضد الفرنج. الثورة في جزيرة جربة وصفاقس وطرابلس وقابس. انتزاع الموحدين لبونة. فشل الثورة في المهدية وزويلة. استغاثة أهل إفريقية بعبد المؤمن. تأهبه للجهاد ضد الفرنج. مسير عبد المؤمن في قواته إلى رباط الفتح. تكامل الحشود وتضخمها. مسير عبد المؤمن إلى إفريقية ومعه الحسن الصنهاجي. مسير الأسطول في البحر إلى شاطىء إفريقية. استيلاء عبد المؤمن على تونس. شروط الأمان الممنوح لها. عبد المؤمن يهاجم المهدية ثم يحاصرها. دخول صفاقس وطرابلس وجبال نفوسة في الطاعة. افتتاح الموحدين لقابس. معركة بحرية بين الموحدين والفرنج. تسليم المهدية بالأمان. إتمام تحرير إفريقية من نير الفرنج. المناوشات بين عبد المؤمن وبين العرب. أصل أولئك العرب الأفارقة. نزوحهم إلى مصر. قصة نزوحهم إلى إفريقية. عبورهم إلى الغرب ونزولهم به. محاولة استمالة المعز بن باديس لهم وعيثهم بأراضيه. الحرب بينهم وبين البربر. هزيمة المعز وفراره إلى القيروان. حصار العرب للقيروان. دخولهم إياها وتخريبهم لها. تخريبهم لتونس ونهبها. نزولهم في المهدية. قطعهم السبل وبسطهم لحكم الإرهاب في إفريقية. سيطرتهم على طرابلس وقابس وبلاد الزاب. تحولهم إلى عنصر خطر بغيض. اعتداؤهم على قابس، واستنقاذ عبد المؤمن لها. تفكير عبد المؤمن في حشد طوائفهم في عسكره. تظاهرهم بالقبول وغدرهم. محاصرة الموحدين لهم وفتكهم بهم. عبد المؤمن يرد حريمهم ويستميلهم بصلاته. عبور عبد المؤمن إلى الأندلس. لما افتتح الموحدون بجاية معقل إفريقية (١) من الغرب، في أواخر سنة ٥٤٧ هـ، وقضى عبد المؤمن على سائر الثورات والمؤامرات التي دبرت ضده سنة ٥٤٩ هـ، وقصد على أثر ذلك إلى تينملّل، وزار قبر المهدي، كانت الظروف تتهيأ لمرحلة جديدة من الفتح الإفريقي. وكانت الحوادث في إفريقية، قد تطورت خلال هذه الأعوام الأخيرة تطوراً سيئاً، واستفحل عدوان الفرنج النورمانيين أصحاب صقلية، على الثغور التونسية، والشواطىء المجاورة. وكان الفرنج

стр. 1448

النورمان قد استولوا على جزيرة جِربة الواقعة في مدخل خليج قابس منذ سنة ٥٢٩ هـ (١١٣٥ م)، بعد أن قاومهم أهلها مقاومة عنيفة، ثم حاولوا الاستيلاء على ثغر طرابلس في سنة ٥٣٧ هـ (١١٤٢ م)، فهاجموه بأسطول قوي، ولكنهم فشلوا وردهم أهله المسلمون بخسارة فادحة، وكانت طرابلس وقتئذ تابعة لمملكة إفريقية (تونس)، ولكنها لم تكن تدين بالطاعة لملكها الأمير الحسن بن على بن يحيى الصنهاجي. ثم عاد رُجّار (روجر) ملك صقلية، فجهز إلى طرابلس أسطولا ضخماً، واستطاع الفرنج هذه المرة الاستيلاء عليها (٥٤١ هـ - ١١٤٦ م) وولوا عليها رجلا من بني مطروح. وفي العام التالي (٥٤٢ هـ) أعلن يوسف صاحب قابس المتغلب عليها طاعته للفرنج، فبعث الأمير الحسن جيشاً لقتاله، فنازل قابس وحاصرها، وثار أهل البلد بيوسف، فأسر وعذب وقتل، وفر إخوته وأولاده إلى صقلية، واستغاثوا بملكها رجار الثاني. وكانت الهدنة معقودة بين رجار وبين الحسن لمدة سنتين، ولكن رجار علم ما تعانيه إفريقية والمغرب في هذه الفترة، من شدة الغلاء والقحط، ولم يرد أن تفوته هذه الفرصة السانحة لمهاجمة إفريقية، وانتزاع ما يمكن انتزاعه منها. فسير إلى مياه إفريقية أسطولا ضخماً قوامه مائتي وخمسين سفينة مشحونة بالرجال والسلاح والأقوات، بقيادة أمير البحر جرجي الأنطاكي، وكان قبل التحاقه بخدمة ملك صقلية، أميراً لأسطول إفريقية الإسلامي، ومن ثم كان علمه بأسرار هذه الشواطىء، واستولى الأسطول في طريقه على جزيرة قوصرة (بنتلاريا) الواقعة بين صقلية، وبين الشاطىء التونسي، ثم سار نحو الجنوب الغربي، وقصد إلى ثغر المهدية، وهي قاعدة مملكة بني زيري الصنهاجيين. وكان ذلك في اليوم الثاني من صفر سنة ٥٤٣ هـ (يونيه ١١٤٨ م). وكان أمير البحر جرجي يرجو مفاجأة المدينة، بالوصول إليها في وقت السحر، ولكن الرياح عاكسته، ولم يصل إلا في الضحى، فرآه أهل المدينة، وازعج الأمير الحسن الصنهاجي من قدوم الفرنج، وبعث إليه جرجي يخاطبه باللين، ويقول إنه مازال يحترم الهدنة المعقودة بينه وبين الملك رجار، ولكنه يطالب بثأر صاحب قابس وردها إلى ولده، ويطلب أن تنضم إليه قوة من جند الحسن، فجمع الحسن فقهاء المدينة وأعيانها، وشاورهم في الأمر، وبين لهم حرج الموقف، وتخوفه من قيام الفرنج بحصار المدينة، وقطع الأقوات عنها، ثم اقتحامها عنوة، والفتك بأهلها، ونصح بمغادرة الناس

стр. 1449

للمدينة، قبل أن يفوت الوقت، ثم بادر هو بالخروج منها ومعه الأهل والولد، ومن صحبه من الفقهاء والأعيان، وقد حمل معه كل ما يستطاع من المال والذخائر، وتبعه معظم الناس، فخرجوا بأهلهم وأولادهم، ومعهم ما خف حمله من أموالهم ومتاعهم. ولم يكد يأتي العصر حتى كان معظم أهل المهدية قد غادروها، وأقبل الفرنج وعلى رأسهم جرجي ودخلوا المدينة دون ممانعة، ودخل جرجي القصر، وكان ما يزال غاصاً بنفيس المتاع والرياش والذخائر، وبه عدة من جواري الحسن، فاحتاط الفرنج على ما فيه، ونُهبت المدينة مدى ساعتين، ثم نودي بالأمان، فظهر من استخفى من أهل المدينة، واستدعى جرجي العرب القريبين فأحسن إليهم، وفرق فيهم أموالا جزيلة، وبعث طائفة من جند المهدية، في أثر من خرج من أهلها، ومعهم الأمان لهم، ومعهم كذلك دواب يعودون عليها، فعاد معظمهم. أما الحسن، فسار في أهله وولده، وكانوا إثنا عشر ولداً غير الإناث، والخاصة، وقصد إلى أمير من أمراء العرب يدعى محرز، وكان أبو الحسن قد آثره وأحسن إليه، فأكرم محرز وفادته، فأقام لديه شهوراً. ثم بعث إلى ابن عمه يحيى بن العزيز بالله صاحب بجاية، يستأذنه في الوفود عليه والانضواء تحت لوائه، والسفر من لديه إلى الخليفة عبد المؤمن، فأذن له يحيى، ولكنه ما كاد يصل إلى بلاده، حتى سيره إلى جزائر بني مزغنة، أو بني مزغنان (وهي الجزائر الحالية) وأنزله بها هو وأولاده في حالة اعتقال، وضيق عليه. وهكذا انتهت باستيلاء الفرنج على المهدية، وعزل الحسن، مملكة بني زيري ابن مناد الصنهاجيين، بعد أن لبثت في إفريقية مذ رحل المعز لدين الله عنها إلى مصر، في سنة ٣٦١ هـ، وتولى زيري بن مناد حكمها، حتى سقوط المهدية في سنة ٥٤٣ هـ، مائة وثمانين سنة، ولم تمض أيام قلائل على استيلاء الفرنج على المهدية حتى سير أمير البحر جرجي حملة بحرية إلى سوسة، وكان واليها الأمير علي بن الحسن، فغادرها، وخرج عنها أهلها، ودخلها الفرنج دون قتال في الثاني عشر من شهر صفر. وسير جرجي بعد ذلك حملة أخرى إلى صفاقس، فاستولت عليها بعد مقاومة عنيفة من أهلها ومن حلفائهم العرب، وذلك في الثالث والعشرين من صفر. ثم نودي بالأمان، فعاد الناس إلى سوسة وصفاقس، وافتدوا حريمهم وأولادهم، وأحسن الفرنج معاملتهم. ثم وصلت بعد ذلك كتب الملك رُجّار بمنح الأمان لسائر أهل إفريقية. وهكذا استولى الفرنج النورمانيون على شاطىء

стр. 1450

إفريقية من ثغر طرابلس حتى خليج تونس (١). ولما سار الخليفة عبد المؤمن في جيوشه من سلا في أوائل سنة ٥٤٦ هـ، متجهاً إلى بجاية بغية فتحها، واستولى في طريقه على جزائر بني مزغنة، خرج إليه منها الحسن بن علي الصنهاجي، وكان معتقلا بها كما تقدم، وبايع عبد المؤمن بالطاعة، ملتجئاً إليه ومستظلا برعايته، فأكرم عبد المؤمن مثواه، وصاهره بأن تزوج ابنة من بناته، واصطحبه معه إلى مراكش. وبالرغم من تقدم الفرنج والنورمانيين على هذا النحو، في امتلاك ثغور إفريقية، فإن الظروف التي كانت تحيط بالموحدين يومئذ، لم تكن تسمح لعبد المؤمن، بأن يدخل في صراع مع الفرنج، وهو مازال يعمل على توطيد أركان الدولة الجديدة، ومطاردة أعدائها في الداخل، ومن ثم فإنه بعد أن افتتح بجاية، وقضى على شغب العرب المحالفين لبني حماد، عاد إلى سلا ثم إلى مراكش، ليواجه أحداثاً جديدة في الداخل. ولكن الفرنج الصقليين لم يقفوا عند حد. ذلك أنه لم تمض بضعة أعوام على افتتاحهم للمهدية، وباقي ثغور إفريقية (تونس) الشرقية، حتى سار من صقلية أسطول فرنجي جديد بقيادة أمير البحر فيليب المهدوي، وقصد إلى مدينة بونة، الواقعة شرقي بجاية، في منتصف المسافة بينها وبين تونس، فحاصرها واستعان على أخذها بالعرب، وذلك في شهر رجب سنة ٥٤٨ هـ (أكتوبر ١١٥٣ م). وبالرغم من أن فيليب قد سبى أهل بونة، واستصفى أموالها، فإنه أغضى عن جماعة الفقهاء والعلماء، فتركهم يخرجون بأهلهم وأموالهم، فترتب على ذلك أن اتهمه بعض خصومه بأنه نصراني مارق، وأنه يبطن الإسلام هو وفتيانه، فقبض عليه الملك رُجّار، وحكم عليه بالموت حرقاً. وتوفي رُجّار بعد ذلك بقليل (فبراير ١١٥٤ م) وخلفه في الملك ولده، وليم، وهو المسمى في الرواية العربية غليالم. ولم يكن وليم يتمتع بكثير من مقدرة أبيه وحزمه فلم تلبث أن اضطربت شئون المملكة، وثارت عليه بعض النواحي، وكان لذلك أثره في تطور الحوادث في إفريقية. ذلك أن أهل الثغور الإسلامية المفتوحة ما كادوا يشعرون باضطراب الأحوال في صقلية، حتى بادروا بإعلان الخلاف، ونبذ طاعة الفرنج، وكان أول من ثار منهم أهل جزيرة جربة، ثم تلتها مدينة صفاقس، وكان واليها عمر بن

стр. 1451

أبى الحسن الفرياني، قد وُلي عليها من قبل رُجار، وأخذ أبوه الشيخ أبو الحسن إلى صقلية رهينة بحسن طاعته، ولكن أبا الحسن أوعز إلى ولده بأن ينتهز أول فرصة لتحطيم نير الفرنج، ولا يبالي في ذلك بمصيره. فأعلن عمر الخلاف، ودعا أهل المدينة إلى قتل الفرنج وسائر النصارى، ففتكوا بهم، وقتلوهم عن آخرهم، وكان ذلك في أوائل سنة ٥٥١ هـ (أوائل ١١٥٦ م). واضطرمت الثورة ضد الفرنج في نفس الوقت في طرابلس بقيادة شيخها أبى يحيى بن مطروح، وكان زعيماً شهماً حازماً، وأسرت الحامية النصرانية (أوائل سنة ٥٥٣ هـ)، وكذلك اضطرمت الثورة ضد الفرنج، في قابس، وسارت قوة موحدية من بجاية إلى مدينة بونة، وانتزعتها من الفرنج، ولم يبق بيد الفرنج من ثغور إفريقية سوى سوسة والمهدية. وحرض عمر بن أبى الحسن والي صفاقس، أهل بلدة زويلة الواقعة على مقربة من المهدية، أن يقتلوا النصارى ففعلوا، وعاونهم العرب على قطع المؤن والأقوات عن المهدية. ولما علم الملك وليم بذلك، حاول أن يدفع الفقيه أبى الحسن إلى نصح ولده، وبعث يتهدد عمراً بالويل، إذا لم يعدل عن سلوكه، فلم تنجح المحاولة، وأمر وليم بأبى الحسن فصلب أو شنق وهو يتلو القرآن (١). واجتمع أهل زويلة وصفاقس ومن معهم من الأعراب، وحاصروا المهدية، وضيقوا عليها، فبعث وليم إلى المهدية عدداً من السفن المشحونة بالرجال والأقوات، واستمال الفرنج الأعراب بالمال والأعطية، فانسحبوا من المعركة وانحصر القتال بين الفرنج وأهل صفاقس وزويلة، واستطاع أهل صفاقس الانسحاب بطريق البحر، ووقع عبء القتال كله على أهل زويلة، فارتدوا إلى بلدهم، وقاتلوا تحت أسوارها حتى فنى معظمهم، ولم ينج منهم إلا القليل، ودخل الفرنج زويلة فقتلوا من وجدوا بها من النساء والأطفال، ونهبوا الأموال، واستقر الفرنج بالمهدية، على أهبة للصراع المرتقب (٢). ووفد على عبد المؤمن، وهو يومئذ بمراكش، وفود من زويلة، وغيرها من الثغور المنكوبة يستغيثون به، ويستصرخونه لرد عادية الفرنج عنهم وعن أرض الإسلام، فأكرم وفادتهم ووعدهم خيراً. وكان الحسن بن علي الصنهاجي أمير المهدية السابق، ما فتىء منذ نزوله في كنف عبد المؤمن، يحرضه

стр. 1452

على استنقاذ إفريقية، وتحريرها من نير الفرنج، وكان عبد المؤمن نفسه، يرقب تقدم الفرنج في هذا الركن من شمال إفريقية، بكثير من التوجس، ويخشى أن يتفاقم عدوانهم بالتوغل في أرجاء أخرى من شمالي المغرب. ومن ثم فإنه ما كاد ينتهي من تنظيم الشئون الداخلية، حتى أمر باتخاذ الأهبة للجهاد، وأن تجمع الأقوات، وتحفر الآبار في الطرق، وبعث كاتبه عبد الملك بن عيّاش، بالكتب إلى سائر قبائل الموحدين، يستنفرهم للجهاد، وادخار المؤن، وكتب إلى أهل الثغور البحرية بإنشاء السفن والأجفان. وكان عبد المؤمن، بعد أن نكب وزيره وكاتبه أبا جعفر بن عطية، وأمر بقتله (صفر سنة ٥٥٣ هـ) حسبما نفصل في موضعه، قد استوزر مكانه عبد السلام بن محمد الكومي، وعين لكتابته عبد الملك بن عيّاش القرطبي. وفي فاتحة شوال سنة ٥٥٣ هـ (نوفمبر ١١٥٨ م)، غادر عبد المؤمن حضرة مراكش، وسار إلى رباط الفتح، قبالة ثغر سلا، مستخلفاً على مراكش الشيخ أبا حفص عمر بن يحيى الهنتاني ومعه ولده أبو الحسن علي، وعلى فاس أبا يعقوب يوسف بن سليمان. وتوافدت عليه العساكر من كل صوب. فلما تكامل ورود الجيوش الموحدية، تحرك عبد المؤمن من سلا في العاشر من شهر صفر سنة ٥٥٤ هـ (فبراير ١١٥٩ م) ومعه الحسن بن علي الصنهاجي أمير إفريقية السابق (١). وتقدر الرواية هذا الجيش الموحدي الكبير بمائة ألف مقاتل ومعهم مثل هذا العدد من الأتباع والسوقة (٢). وفي رواية أخرى أنه كان يضم خمسة وسبعين ألف فارس، وخمسمائة ألف من الرجالة، وكان يضم عدا طوائف الموحدين ومختلف القبائل من زناتة والأغزاز والرماة وغيرها، جموعاً كبيرة من قبائل العرب. وكان ينقسم إلى أربعة جيوش، لكل عسكر يوم يختص به، مسيره في كل مرحلة من السحر إلى وقت الغداة. وتنزل الجيوش مريحة إلى يوم آخر (٣). واخترق هذا الجيش الجرار هضاب المغرب، متجهاً نحو إفريقية، واخترق بلاد الزاب من جنوبها، وهو يفتتح المعاقل الممتنعة، ويؤمن من استأمن. ثم اتجه نحو الشمال فوصل إلى أحواز مدينة تونس في الرابع والعشرين من جمادى الثانية، ومعنى ذلك أنه قطع هذه المسافة الشاسعة، وهي تبلغ نحو ألف

стр. 1453

وثلاثمائة ميل في نحو أربعة أشهر ونصف، وقد كانت يومئذ " مسيرة سبعين يوماً للفارس المجد ". وسار الأسطول الموحدي في نفس الوقت قبالة شاطىء البحر المتوسط بقيادة أبى عبد الله بن ميمون، وكان مكوناً من سبعين سفينة حربية، من الشواني والطرائد والشلندرات. ولما وصل الموحدون إلى المدينة، بعث عبد المؤمن إلى أهلها يطلب الطاعة، فرفض أهل المدينة، وعلى رأسهم حاكمها أحمد بن خراسان، فبدأ الموحدون مهاجمة المدينة، وعاقت الرياح الأسطول عن دخولها من ناحية البحر، فلما دخل الليل، أقبل سبعة عشر رجلا من أعيانها يطلبون الأمان لأهلها، فمنحهم عبد المؤمن الأمان المطلوب لأنفسهم، وارتضى الأمان لأهل المدينة في أنفسهم وأهلهم فقط، على أن يقاسمهم الموحدون أملاكهم وأموالهم بحق النصف، وأن يخرج حاكم البلد وأهله منها، فاستقر الرأي على ذلك، ودخل الموحدون المدينة، ورصدت الأملاك والأموال، وأقيم عليها الأمناء لتحصيل ما يستحق منها للموحدين، وأقام بها عبد المؤمن ثلاثة أيام، وعرض الإسلام على من بها من النصارى واليهود، وأمر بقتل كل ممتنع عن اعتناقه، ثم غادر عبد المؤمن تونس في قواته، وسار جنوباً إلى المهدية، والأسطول يلاحقه في البحر، فوصل إليها في الثامن عشر من شهر رجب سنة ٥٥٤ هـ (٥ أغسطس ١١٥٩ م). وكان الفرنج بالمهدية على أهبة للدفاع، وكانت حاميتها تتكون من ثلاثة آلاف مقاتل، وكانت المدينة فوق ذلك تموج بطوائف الأشراف والفرسان الفرنج (١)، وقد أخلى الفرنج ضاحيتها الشمالية زويلة، فدخلها عبد المؤمن، واحتلها الجند الموحدون والسوقة، وانضمت إليهم جموع غفيرة من العرب وصنهاجة. وأخذ الموحدون في منازلة المدينة، ولكنهم لم يستطيغوا خلال ثلاثة أيام من الهجوم المستمر، أن ينالوا منها شيئاً، وكانت بمناعة موقعها الطبيعي، والبحر يكاد يحيط بها إلا من لسان متصل بالبر، وبأسوارها الحصينة العالية، ترد كل محاولة، وكان الفرنج يخرجون منها بين آن وآخر لمقاتلة الموحدين، فينالون منهم، ثم يعودون بسرعة إلى الاعتصام بالمدينة. وعندئذ أدرك عبد المؤمن أنه لا سبيل إلى اقتحام المدينة، وأنه لابد من أخذها بالحصار والمطاولة، وأمر بجمع الغلال والأقوات، فجمعت حتى صارت بين العسكر كالجبال. واستمر

стр. 1454

الحصار زهاء ستة أشهر. وفي أثناء ذلك أعلنت مدينة صفاقس، ومدينة طرابلس، وجبال نفوسة، وقصور إفريقية، كلها الطاعة لعبد المؤمن، وجاء والي صفاقس عمر بن الحسين مع جماعة من الأشياخ فقدموا طاعتهم، وعين لهم عبد المؤمن حافظاً من الموحدين، وترك الشئون المخزنية لعمر، وكذلك جاء وفد من أعيان طرابلس وعلى رأسه واليها أبو يحيى بن مطروح، وبايعوا عبد المؤمن بالطاعة فأقر عبد المؤمن أبا يحيى على ولايته، واستمر في رياسته عصراً وسار جيش موحدي بقيادة السيد عبد الله بن عبد المؤمن، وقيل بقيادة الوزير محمد بن عبد السلام الكومي إلى مدينة قابس، فافتتحها بالرغم من خروج قاضيها وأعيانها لطلب الأمان، ونهبت أموالها، وأبيد من كان حولها من طوائف العرب. وفر واليها مدافع بن رشيد بن مدافع في أهله وصحبه. ثم عاد بعد فترة من التشريد، فاستجار بعبد المؤمن فعفا عنه، وأسكنه بقابس حتى توفي وكان مدافع عالماً حافظاً وأديباً شاعراً (١). وجاء وفد من أعيان قفصة، وعلى رأسهم واليها يحيى بن تميم بن المعز، ليقدموا طاعتهم إلى عبد المؤمن، فتقبلها منهم، ومدح عبد المؤمن شاعرهم الفقيه أبو عبد الله محمد بن أبى العباس التيفاشي، بقصيدة مطلعها: ما هَزّ عطفيه بين البيض والأسل ... مثلُ الخليفة عبد المؤمن بن علي ويقال إن عبد المؤمن لما سمع هذا البيت، أشار على الشاعر بأن يقتصر عليه، وأمر له بصلة قدرها ألف دينار (٢). ولم تمض بضعة أسابيع على بدء الحصار، حتى قدم أسطول فرنجي كبير، مكون من مائة وخمسين سفينة، مشحونة بالأقوات والمقاتلة لإمداد الفرنج. وكان هذا الأسطول قد عاد من جزيرة يابسة، إحدى الجزائر الشرقية بعدما أثخن فيها، وسبى أهلها، فلما قرب من صقلية، بعثه الملك وليم لإنجاد حامية المهدية، فلما اقتربوا من الخليج، خرج إليهم الأسطول المغربي بقيادة أبى عبد الله ابن ميمون، ونشبت بين الأسطولين معركة بحرية عظيمة انتهت بهزيمة الفرنج، واستيلاء المسلمين على عدة من سفنهم. ويقال إن عبد المؤمن كان خلال المعركة

стр. 1455

يمرغ وجهه في الأرض باكياً، وهو يدعو للمسلمين بالنصر فحقق الله دعاءه (١) واستمر الحصار على أشده بضعة أشهر أخرى، حتى آخر شهر ذي الحجة من سنة ٥٥٤ هـ وقد نضبت الأقوات، وأخذ الضيق يرهق المحصورين، فلما رأى الفرنج ما رأوا من ضخامة جيوش عبد المؤمن وأساطيله، وأنه لا أمل لهم في النجاة من مصيرهم المحتوم، خرج منهم عشرة فرسان، وقابلوا عبد المؤمن وسألوه الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم وأموالهم، وأن يتركهم أحراراً يخرجون من المدينة، ويذهبون إلى ديارهم، فأجابهم عبد المؤمن إلى ما طلبوه، وجهز لهم السفن ليعبروا البحر فيها. وكان تصرفاً مقروناً بالحكمة، لأن صاحب صقلية الملك وليم، كان قد أنذر بقتل المسلمين في بلاده وانتزاع أموالهم، وسبى حريمهم، إذا أقدم الموحدون على قتل الفرنج في المهدية. ومع ذلك فقد غرق كثير من السفن التي كانت تحمل الفرنج إلى صقلية من جراء العواصف وثورة الموج. ودخل عبد المؤمن ثغر المهدية في صبيحة يوم عاشوراء من نفس المحرم سنة ٥٥٥ هـ (٢١ يناير سنة ١١٦٠ م) وقد سماها عبد المؤمن سنة الأخماس. وأقام بالمهدية عشرين يوماً يرتب شئونها، ويصلح أسوارها، ويشحنها بالذخائر والأقوات. ثم ندب لولايتها أبا عبد الله محمد بن فرج الكومي، وجعل معه صاحبها القديم الحسن بن علي الصنهاجي، وأقطعه بها إقطاعاً حسناً. وهكذا استطاع عبد المؤمن، أن يقضي على عدوان الفرنج الصقليين على ثغور إفريقية، بعد أن كاد يستقر ويتأثل، وأن يحررها من نير النصرانية، وأن يردها إلى صولة الإسلام، بعد أن خرجت عنها اثني عشر عاماً، مذ سقطت في أيدي الفرنج في سنة ٥٤٣ هـ (١١٤٨ م) (٢). وفي فاتحة صفر سنة ٥٥٥ هـ، غادر عبد المؤمن ثغر المهدية، وسار في قواته عائداً إلى المغرب. بيد أنه قبل أن يغادر أراضي إفريقية، وقعت بينه وبين العرب بعض مناوشات ومعارك. وكان أولئك العرب ومعظمهم من بطون هلال وسليم من مضر، قد نزحوا إلى إفريقية منذ أوائل القرن الخامس الهجري. وكانت أحياء بني سليم بالحجاز على مقربة من المدينة، وأحياء بني هلال في جبل غزوان عند الطائف، ومنهم جشم

стр. 1456

والأثبج وزغبة ورياح وربيعة وعدي. وكانوا يزحفون أحياناً إلى أطراف العراق والشام، ويقطعون الطرق، ويفسدون السابلة، وأحياناً كان بنو سليم يعتدون على الحاج أيام موسمهم بمكة، وأيام الزيارة بالمدينة. واستمرت البعوث والكتائب تجهز لمعاقبتهم، وحماية الحاج من شرهم، ولكن دون جدوى. ولما ظهر القرامطة بالبحرين في أوائل القرن الرابع الهجري لحق بهم بنو سليم، وبنو هلال، وكثير من بطون ربيعة بن عامر. ولما تغلب القرامطة على الشام، وأخذوا يهددون مصر، وظفر الخليفة العزيز بالله بهزيمتهم وردهم، استبقى أشياعهم من العرب من بني هلال وسليم بمصر، وأنزلهم بالصعيد وفي الصحراء الشرقية، فأقاموا هنالك، ولكنهم لم ينقطعوا عن عيثهم وفسادهم. وهنا تأتي قصة نزوحهم إلى إفريقية. وكان المعز لدين الله الفاطمي، حينما انتقل من إفريقية إلى مصر في سنة ٣٦١ هـ، قد استخلف على إفريقية يوسف بن زيري بن مناد الصنهاجي ليحكم باسم الخلافة الفاطمية وتحت سيادتها. ثم تطورت الظروف وعمل آل زيري على تدعيم استقلالهم، حتى فسد الأمر بينهم وبين الخلافة الفاطمية، فخلعوا طاعتها الإسمية، وأعلن المعز بن باديس الصنهاجي انضواءه تحت لواء الخلافة العباسية (سنة ٤٣٧ هـ)، فعز ذلك على الخلافة الفاطمية، وغضب الخليفة المستنصر بالله، وأخذ البلاط الفاطمي يبحث عما يمكن فعله لمقابلة هذا الإجراء، الذي اعتبر خروجاً على الخلافة الفاطمية، واعتداء على حقوقها الشرعية. وكان العرب من بني سليم وهلال الذين أنزلوا بالصعيد قد تكاثروا، وتفاقم عيثهم وشرهم، فأشار الوزير أبو محمد الحسن بن علي اليازوري، على الخليفة المستنصر باستمالة أشياخهم، وتقليدهم أعمال إفريقية وشئونها، ليكونوا هنالك أولياء للدعوة الشيعية، وليعملوا على نصرتها إزاء آل زيري المنتزين عليها، فإن نجحت الفكرة وبقى أولئك على ولائهم، كان ذلك كسباً للخلافة الفاطمية وتقوية لجانبها، هذا فضلا عن انقطاع عيثهم بنواحي مصر، وإن كان الأمر بالعكس فهم وشأنهم. فوافق المستنصر على ذلك الرأي، وبعث وزيره إلى العرب في سنة ٥٤١ هـ، فسار إلى أحيائهم، وبذل العطاء الوفير لأشياخهم، وفرق في عامتهم بعيراً وديناراً لكل منهم، وأباح لهم عبور النيل، وقال لهم قد أعطيناكم مُلك المغرب، ومُلك المعز بن باديس.

стр. 1457

فثارت أطماع أولئك العرب، وأغراهم ما سوف ينالونه في إفريقية من أسباب الثراء والسلطان، وجازت النيل من بطون سليم وهلال جموع غفيرة وساروا إلى برقة، ونزلوا بها، واقتحموا أمصارها، واستباحوها، واستولوا على أسلابها، وبعثوا إلى إخوانهم في شرقي النيل يرغبونهم في اللحاق بهم، فجازت منهم جموع أخرى بعد أن أعطوا دينارين لكل رأس، واقتسموا الأراضي المفتوحة، فحصل لبني سليم الشرق، ولهلال الغرب، وأقامت طوائف من سليم وأحلافها برواحة وناصرة وعمرة من أرض برقة. وسارت قبائل دياب وزغبة وجميع بطون هلال إلى إفريقية، وهم " كالجراد المنتشر لا يمرون على شىء إلا أتوا عليه " حتى وصلوا إلى إفريقية وذلك في سنة ٤٤٣ هـ. وكان أول من وصل إليها من أشياخهم أمير رياح موسى بن يحيى الصنبري، وكان المعز بن باديس حينما رأى تقاطر العرب نحو أراضيه، قد فكر في استمالتهم ومحالفتهم، فاستدعى موسى إليه وقربه وأصهر إليه، وحثه على استدعاء العرب، وذلك لكي يقوي جانبه بمؤازرتهم، فاستنصرهم وجلبهم. ولكنهم عاثوا في البلاد أيما عيث، ونادوا بشعار الخلافة الفاطمية، واشتدوا على أحياء صنهاجة، فغضب المعز، وقبض على أخى موسى، وخرج بقواته إلى ظاهر القيروان، واستعان بابن عمه حماد بن بلُكّين صاحب القلعة، فبعث إليه بالأمداد، والتفت حوله زناتة والبربر، وصمد في حشوده الجرارة للعرب، وكانوا وفقاً لأقوال الرواية في ثلاثين ألفاً، وفي مقدمتهم رياح وزغبة وعدى. فلما التقى الفريقان انخذل العرب من أنصار المعز، وخانته زناتة، فكانت عليه الهزيمة ففر في فلوله الباقية إلى القيروان، ونهب العرب جميع محلته، وقتلوا من حشوده أكثر من ثلاثة آلاف. ثم حاصر العرب مدينة القيروان، وطال حصارها، وخرب العرب أحوازها، وعاثوا فيها أيما عيث، وطوقت زغبة ورياح المدينة، ففر منها الأعيان والقرابة من آل زيري، وفر كثير من أهلها إلى تونس. وملك العرب في نفس الوقت قسنطينة وسائر أعمالها، واقتسموا بلاد إفريقية، وذلك في سنة ٤٤٦ هـ، فكان لزغبة طرابلس وأحوازها، ولمرداس من رياح باجة وما إليها، ثم اقتسموها مرة أخرى، فكان لهلال من تونس إلى الغرب، وبطونهم رياح وزغبة وجشم وقرة والأثبج وسفيان. وغلب عائد بن أبى الغيث من شيوخهم على تونس، ونهبها، وملك أبو مسعود

стр. 1458

سوسة صلحاً. ورأى المعز بن باديس ملكه يتصرم، فحاول التقرب من العرب، وصاهر ببناته الثلاث ثلاثة من أمرائهم، هم فارس بن أبى الغيث وأخوه عائد، والفضل بن أبى علي المرادي، ولكن ذلك لم يحقق له ما أمل، فسار إلى القيروان وسار العرب في أثره، فخشى أمرهم، وانحرف نحو الشاطىء ودخل العرب مدينة القيروان وخربوها ونهبوها، وعاثوا فيها أيما عيث واستباحوا سائر حريمها، واستصفوا سائر أموال المعز وآله، وفر عنها أهلها في سائر الأنحاء. وسار العرب بعد ذلك إلى المهدية، فنزلوها، وضيقوا على أهلها، وكثر فسادهم وعيثهم وتصدت زناتة بعد صنهاجة لمقاومتهم، فغلبوا عليها، واستولوا على سائر الضواحى والأعمال في تلك المنطقة. واضطرب أمر إفريقية. وساد بها الذعر والفزع، وانهارت أركان الأمن، وفسدت السابلة، وبسط العرب عليها حكم عصابات مروع، وغلبوا على صنهاجة وزناتة ومغرواة وغيرها، وسيطروا على نواحي طرابلس، وقابس والزاب، ومعظم أعمال إفريقية (١). ثم وقع التهادن والصلح بينهم وبين صنهاجة وبقية القبائل البربرية، وتفرقوا في الضواحى والبوادي، فتكاثروا في تلك الجهات، وتأثل نفوذهم وسلطانهم بمضي الزمن، وأضحوا عاملا يحسب حسابه في ميزان القوى، في إفريقية، وفي بلاد الزاب، والمغرب الأوسط. بيد أنهم لبثوا دائماً عنصراً من عناصر الاضطراب والفوضى، يتنقلون بين مختلف الأحزاب والمعسكرات، ويتدخلون في مختلف الحروب التي تنشب على مقربة من ديارهم، لا تحدوهم في ذلك أية مثل سياسية أو دينية، ولا هم لهم إلا اجتناء الكسب والمغانم، من أي جانب وبأي الوسائل، وقد رأينا ما وقع بينهم وبين الموحدين من معارك، على أثر افتتاح عبد المؤمن لبجاية. وقد كانوا أولياء لأمرائها من بني حماد، يعيشون في كنفهم وتحت حمايتهم. تلك هي قصة نزوح العرب إلى إفريقية وقصة تخريبهم لها. وقد نوه سائر الكتاب والمؤرخين المعاصرين والمتأخرين بتلك الروح العدوانية المخربة، وتلك الخواص الذميمة التي سادت طوائف العرب النازحين، وجعلت منهم عنصراً خطراً، تتوق سائر السلطات وسائر العناصر الأخرى من السكان إلى سحقه

стр. 1459

وإبادته، وإنقاذ العباد من شره وعدوانه (١). وسوف نرى فيما بعد أي دور خطير يلعبه أولئك العرب في حوادث إفريقية أيام نزول بني غانية بها. وكان عبد المؤمن حينما تم له فتح المهدية، وإجلاء الفرنج من إفريقية، يتجه بكل جوارحه نحو شئون الأندلس. وكان يعتقد أنه يستطيع أن يستعين بطوائف المرتزقة من أولئك الأعراب، في حملات الجهاد التي يزمع تسييرها إلى شبه الجزيرة، وكانت طائفة من بني سليم قد اعتدت على مدينة قابس، على أثر افتتاح الموحدين لها، فبعث إليهم عبد المؤمن يعاتبهم ويستدنيهم، ووجه إليهم في ذلك شعراً من نظم القاضي ابن عمران. بيد أنهم تمادوا في عدوانهم، وتغلبوا على قابس، فبعث عبد المؤمن عسكراً لقتالهم، وهو بالمهدية، فهزمهم، واستنقذ قابس من أيديهم (٢). وفكر عبد المؤمن قبل عودته إلى المغرب، أن يدعو العرب إلى الانتظام في عسكره، فجمع زعماء العرب من بني رياح وغيرهم، وحثهم على نصرة الإسلام بالأندلس، وطلب إليهم أن يجهزوا لهذه الغاية عشرة آلاف فارس، من أهل النجدة والشجاعة، ليجاهدوا في سبيل الله، إلى جانب الجيوش الموحدية، فتظاهروا بالموافقة والطاعة، وأقسموا على ذلك، وساروا معه حتى جبل زغوان. وكان من بين زعمائهم، زعيم يدعى يوسف بن مالك، فاتصل بعبد المؤمن بالليل، وأخبره بأن العرب لا يريدون المسير إلى الأندلس، وأنهم يعتقدون أنه يريد بذلك أن يخرجهم من بلادهم، وقد تحقق صدق ذلك في الليلة التالية، إذ هرب العرب تحت جنح الظلام إلى عشائرهم، ولم يبق سوى يوسف هذا، فسماه عبد المؤمن يوسف الصادق، وسار عبد المؤمن في قواته حتى وصل إلى مقربة من قسنطينة، ونزل هناك في وادي مخصب يقال له وادي النساء، بعيداً عن أطراف العمران، واستمر هنالك عشرين يوماً، والسكينة ترفرف على جيوشه، وقد انصرف العرب إلى أحيائهم التي يحتلونها. فلما علم عبد المؤمن باجتماعهم ثانية في أحيائهم بعث إليهم جيشاً من ثلاثين ألف مقاتل، بقيادة ولديه أبى محمد وأبى عبد الله،

стр. 1460

فسار الموحدون في هدوء، وانعطفوا إلى الصحراء، وراء أحياء العرب، حتى لا يفلتوا بالتوغل فيها، وكان العرب قد احتشدوا جنوبي القيروان عند جبل القرن، تحت إمرة بعض المشاهير من مقدميهم، مثل أبى محفوظ محرز بن زياد، ومسعود بن زمام، وجبارة بن كامل بن سرحان وغيرهم، فلما دهمهم الموحدون اضطربوا واختل نظامهم، وفر مسعود وجبارة ومن معهما من العشائر، وثبت محرز بن زياد ومن معه، واشتبكوا مع الموحدين في معركة عنيفة، وذلك في منتصف شهر ربيع الآخر من سنة ٥٥٥ هـ، فقتل محرز، وانهزمت جموع العرب، وسقط متاعهم وحريمهم وولدهم في أيدي الموحدين، فأمر عبد المؤمن بالتحفظ عليهم ورعايتهم، حتى أقبلت وفود رياح والأثبج، في طلب حريمهم، فردهن إليهم، وفرق فيهم الصلات، واستمالهم بحسن صنيعه، وانتهى بأن جهز منهم قوة لتشترك في الجهاد في الأندلس (١). وسوف نرى فيما بعد أي دور هام يلعبه أولئك العرب، في حوادث المغرب والأندلس، وكيف تعمد السياسة الموحدية إلى استمالتهم والاستعانة بهم، ولاسيما في عهد الخليفة أبى يعقوب يوسف ولد عبد المؤمن وخليفته. وفي شهر ذي القعدة سنة ٥٥٥ هـ (نوفمبر سنة ١١٦٠ م) عبر الخليفة عبد المؤمن البحر إلى الأندلس، وكان عبوره إليها حادثاً هاماً من أشهر حوادث العصر، وكانت له نتائج بعيدة المدى. بيد أنه يجب قبل أن نتحدث عن عبور الخليفة الموحدي إلى شبه الجزيرة، أن نستعرض ما تقدمه من الحوادث المتعلقة بموقف الموحدين من شئون الأندلس.

стр. 1461

الكِتابُ الثالِث ثورة القوى الوطنيّة بالأندلسْ وتغلّب الموحّدين على شبه الجزيرة .

стр. 1462

الفصل الأوّل الثورة في الأندلس وانهيار سلطان المرابطين صدى حوادث المغرب في الأندلس. اضطرام الفكرة القومية الأندلسية. قام الثورة في غربي الأندلس. ابن قسي وأتباعه المريدون. دعوته ومزاعمه. ظهور أمره وفراره إلى ميرتلة. معاونة ابن القابلة. تحرج مركز المرابطين في الغرب. ابن قسي يدير خطة الاستيلاء على ميرتلة. مداهمة ابن القابلة لحصن ميرتلة وانتزاعه. نزول ابن قسي فيه. قيام الثورة في يابرة وشلب. ابن المنذر المتغلب على شلب. تسليم المرابطين بباجة، ومغادرتهم لها. استيلاء ابن المنذر عليها. مبايعة ابن وزير صاحب يابرة، وابن المنذر لابن قسي. ابن قسي يرسل سفارة إلى عبد المؤمن. خروج ابن المنذر في قوات المريدين واستيلاؤه على ولبة ولبلة. مسيره إلى إشبيلية وانتزاعه بعض ضواحيها. لقاؤه بالمرابطين. هزيمته وفراره. مسير ابن غانية أمير المرابطين إلى لبلة. وقوع الثورة بقرطبة وعود ابن غانية إلى إشبيلية. محاولة المريدين الزحف على قرطبة وفشلها. الخلاف بين ابن قسي وابن وزير. استيلاء ابن وزير على شلب وميرتلة. فرار ابن قسي إلى المغرب والتجاؤه إلى عبد المؤمن. إقناعه للخليفة بالتدخل في حوادث الأندلس. ابن غانية أمير المرابطين بالأندلس وموقفه. قيام الثورة في قرطبة. زعيمها القاضي ابن حمدين. مبايعته بالإمارة وتسميه بأمير المسلمين. استدعاء فريق من أهل قرطبة لسيف الدولة ابن هود. مقدمه إلى قرطبة ودخوله إياها. فرار ابن حمدين. الثورة ضد ابن هود وفراره. عودة ابن حمدين إلى حكم قرطبة. زحف ابن غانية على قرطبة، اللقاء بينه وبين ابن حمدين. هزيمة ابن حمدين وفراره. دخول ابن غانية قرطبة. تغلب ابن حمدين على حصن أندوجر وأحوازه. مسير ابن غانية لقتاله. التجاء ابن حمدين إلى ملك قشتالة. مسير ابن حمدين وحلفاؤه النصارى إلى قرطبة. دخولهم المدينة وعيثهم فيها. امتناع ابن غانية بقصبتها. ذيوع الأخبار بمقدم الموحدين إلى شبه الجزيرة. التهادن بين قشتالة وابن غانية. ولاية ابن غانية لقرطبة. ما يروى في ذلك عن قيصر قشتالة. خروج ابن حمدين من قرطبة. عبوره إلى المغرب ومقابلته لعبد المؤمن. عوده إلى الأندلس والتجاؤه إلى صاحب مالقة. الثورة في غرناطة. زعيمها القاضي ابن أضحى. استغاثته بابن حمدين. دعوة أهل غرناطة لسيف الدولة بن هود. تحالف ابن أضحى وابن هود ضد المرابطين. لقاء ابن هود والمرابطين خارج غرناطة. تحصن المرابطين بالقصبة. وفاة ابن أضحى وقيام ولده محمد. تعاونه مع ابن هود ضد المرابطين. مقدم عسكر مرسية لقتال المرابطين، هزيمتهم ومقتل زعيمهم. مغادرة ابن هود لغرناطة والتجاؤه إلى جيان. رواية ابن الأبار عن مراحل الصراع في غرناطة بين المرابطين وخصومهم. الثورة في مالقة. ظاهرة تزعم القضاة للثورة ضد المرابطين وتعليلها. أبو الحكم بن حسون زعيم الثورة في مالقة. تغلبه على المرابطين. انتزاعه للرياسة. استعانته بالمرتزقة النصارى. تدبير مؤامرة لإسقاطه. نجاح المؤامرة وانتحار ابن حسون. ثورة ابن ملحان في

стр. 1463

وادي آش. ثورة ابن جزى في جيان. ثورة أخيل بن إدريس في رندة. ثورة ابن عزون في شريش. عبوره إلى المغرب ولقاؤه لعبد المؤمن. إنضمامه إلى الموحدين عند عبورهم. رواية أخرى عن ابن عزون وبيعته لعبد المؤمن. قيام ابن ميمون في قادس. عبوره إلى المغرب وانضمامه إلى عبد المؤمن. ثورة ابن الحجام في بطليوس. دخوله في طاعة الموحدين. كان من الطبيعي أن تحدث حوادث المغرب صداها القوي فيما وراء البحر، ْفي شبه الجزيرة الإسبانية، حيث كانت الدولة المرابطية تبسط سلطانها على مختلف القواعد الأندلسية. وقد اتخذ هذا الصدى منذ البداية، صورة ثورة عامة ضد المرابطين، اجتاحت الأندلس بسرعة من غربها إلى شرقها. بيد أنه يجب أن أن نلاحظ بادىء ذي بدء، أن هذه الثورة الجارفة ضد سلطان المرابطين لم تكن فقط نتيجة لحوادث المغرب، وظهور أمر الموحدين، وتضعضع قوى الدولة المرابطية، وعجز المرابطين عن حماية الأندلس من غزوات النصارى المخربة، وإن كانت هذه الحوادث، قد بثت إليها قوة واضطراماً جديدين. وإنما كانت عوامل الثورة الأندلسية، ضد الحكم المرابطي، تكمن منذ بعيد، بل هي ترجع حسبما أشرنا في مقدمة هذا الكتاب، إلى أعقاب الفتح المرابطي ذاته، حيث كانت الفكرة القومية تجيش بأذهان فريق كبير من أبناء الأمة الأندلسية، وكان هذا الفريق، يرى في المرابطين، بعد أن تبددت آثار المديح والإعجاب الأولى، التي تلت نصر الزلاقة، وبعد أن انقلب الإخوة المنقذون إلى فاتحين متغلبين، أجانب غاصبين، يستظلون بفكرة الجهاد، ليبسطوا سلطانهم على الأمة الأندلسية. وبالرغم من أن فكرة الجهاد الأولى، التي اضطلع بها المرابطون في الأندلس، في أوائل عهد علي بن يوسف، والتي أسفرت عند ظفرهم ضد الجيوش النصرانية، في عدة وقائع، مثل موقعة أقليش (٥٠١ هـ)، وما تلاها من الغزوات المظفرة، حتى موقعة إفراغة (٥٢٨ هـ)، كانت تغالب هذه الفكرة القومية، وتضفي على حكم المرابطين رونقاً ومجداً، فإن الأمة الأندلسية لم تنس الحقائق الواقعة، ولم تنس أنها قد فقدت استقلالها وحرياتها، في ظل الحكم المرابطي، خصوصاً بعد أن أخذت وطأة هذا الحكم تشتد شيئاً فشيئاً. وكانت ثورة قرطبة على حكومتها المرابطية في سنة ٥١٥ هـ (١١٢١ م)، أول تعبير مادي لهذا الشعور القومي، وأول نفثة لهذا السخط المكبوت ضد عسف الحكم المرابطي. وقد رأينا كيف أدرك أمير المسلمين علي بن يوسف يومئذ خطورة

стр. 1464

الموقف وتذرع إزاءه بالإغضاء والتسامح. ويرى الأستاذ كوديرا، أنه كان من أسباب سخط أهل الأندلس على المرابطين أيضاً، مبالغة الدولة المرابطية في العطف على النصارى، وإيثار علي بن يوسف ومن بعده ولده تاشفين لهم، وإدماجهم في الجيوش المرابطية، وإعطائهم مراكز التفوق والقيادة (١). بيد أن هذا السبب، يعتبر في نظرنا ثانوياً، إزاء العامل القومي، لأن الأندلسيين أنفسهم، كانوا أيام الطوائف، يستظهرون بالنصارى على قتال بعضم بعضاً، وسوف نرى أنهم يلجأون إلى مثل هذه الوسيلة في ثورتهم ضد المرابطين، ثم الموحدين. وعلى أي حال، فإن بذور الثورة الأندلسية ضد المرابطين، لبثت حيناً تنمو وتختمر، حتى أخذت الدولة المرابطية، في أواخر عهد علي بن يوسف، ثم ولده تاشفين من بعده، تترنح تباعاً تحت ضربات الموحدين، ولاح عندئذ أن الفرصة قد سنحت لتقوم الأندلس بدورها الفعال في تحطيم الدولة المرابطية، والتخلص من نيرها. بيد أنه كان من الواضح، أن تحقيق مثل هذه الغاية، كان يرتبط أشد الارتباط بمسألة الإنضواء تحت لواء الدولة الجديدة التي غلبت على الدولة المرابطية، ونعني دولة الموحدرن، وأن هذا الانضواء، كانت تمليه ضرورات الموقف، وبواعث المصلحة القومية ذاتها. ذلك أن الأندلس بالرغم مما كانت تجيش به ضد المرابطين من عوامل السخط والانتقاض، لم تنس أن جيوشهم كانت عماد الدفاع عنها ضد إسبانيا النصرانية، وأن مثل هذا الدفاع، لا يمكن أن يتحقق، بعد انهيار سلطان المرابطين، إلا بقيام سلطان الدولة الجديدة، وتدفق جيوشها على شبه الجزيرة، لتقوم بنفس المهمة الدفاعية، التي كانت تقوم بها الجيوش المرابطية من قبل. وقد ظهرت أعراض الثورة في الأندلس ضد المرابطين، أولا في الطرف الغربي لولاية الغرب الأندلسي، وهي أبعد المناطق عن سلطان الحكومة المركزية. ولنلاحظ أولا أن هذه الأعراض الثورية، قد ظهرت في الأندلس، في نفس الوقت الذي بدا فيه انهيار الدولة المرابطية في المغرب أمراً محققاً، وذلك حين جد الموحدون في مطاردة الجيوش المرابطية بقيادة الأمير تاشفين بن علي شمالا، ثم حين انتهت موقعة وهران بمصرع تاشفين وتبدد جيوشه، وذلك في رمضان سنة ٥٣٩ هـ (١١٤٥ م).

стр. 1465

- ١ - في تلك الآونة ظهر أول الزعماء الثائرين بالأندلس في منطقة شِلْب في جنوبي البرتغال، واضطرمت أول ثورة فعلية ضد المرابطين. أما الزعيم الثائر فهو أبو القاسم أحمد بن الحسين بن قَسِيّ. وأما الثورة فهي ثورة أتباعه المريدين. وكان ابن قَسِيّ مُوَلداً، يرجع إلى أصل نصراني. وقد نشأ في أحواز شلب، واشتغل في بداية أمره مشرفاً بشلب (١)، ثم اعتنق طرائق الصوفية، وتبحر فيها حتى غدا من شيوخها، وألف فيها طائفة من الكتب، منها كتاب " خلع النعلين ". ثم تزهد، أو تظاهر بالزهد وباع أمواله، وتصدق بثمنها، وتجول في البلاد، ولقي بألمرية قطب الصوفية يومئذ أبا العباس بن أحمد بن محمد الصنهاجي الأندلسي المعروف بابن العريف، ودرس عليه، ثم عاد إلى وطنه، واستقر بقرية جلة من أحواز شلب، وابتنى بها رابطة كان يجتمع فيها بصحبه، وانكب على قراءة كتب الغزالي، والتف حوله كثير من الصحب والأنصار، ينكبون على قراءة الكتب الصوفية والباطنية، ورسائل إخوان الصفا وغيرها، وينهمكون في مزاولة شعائر الطريقة ورسومها، حتى ذاع أمرهم بالأخص بمنطقة شلب وميرتلة ولبلة، وغيرها من أعمال غرب الأندلس، وسموا بطائفة " المريدين " (٢). وكان ابن قسيّ في الواقع يتخذ الصوفية قناعاً لمشاريع يضمرها، ويدعو إلى الثورة في الباطن، ثم لم يلبث أن ادعى الولاية والهداية، وتسمى بالمهدي وبالإمام، وكثرت مخاريقه وشعوذته، وزعم القدرة على الخوارق، ومن ذلك أنه حج في ليلة واحدة، وأنه يناجي بما يشاء، وينفق من الكون، فذاع أمره، وتقاطرت إليه الوفود، من أهل البيوتات والأجناد. وكان من صحبه جماعة ممن ظهروا فيما بعد، في ميدان الحوادث، مثل أبى محمد سيدراي بن وزير، وابن عفان، وكلاهما من زعماء يابُرة، ومحمد بن المنذر من أهل شلب، ومحمد بن عمر، وعبد الله بن أبى حبيب، وغيرهم من زعماء ولاية الغرب. ولما شعر أن السلطات فطنت لأمره، وهمت بمطاردته، وقُبض على جماعة من أصحابه، وأخذوا إلى إشبيلية، سار هو إلى جهة ميرتلة، واختفى هناك بقرية الجوزة عند قوم يعرفون ببني السنة. وكان

стр. 1466

من أصحابه المقربين، رجل وافر الدهاء والجرأة، يدعى محمد بن يحيى الشلطيشي، ويعرف بابن القابلة، وكان يسميه بالمصطفى لاختصاصه به، واطلاعه على أموره ومشاريعه، ويعتمد عليه في تنفيذ خططه. فأوعز إليه من مقره السري، أن يسير في صحبه المريدين إلى قلعة ميرتلة، وأن يدهموها وفق خطة وضعها لهم، وكان ذلك في أوائل سنة ٥٣٩ هـ. وكانت حال المرابطين، ولاسيما في هذا الإقليم النائي، إقليم الغرب، قد اضطربت وغلب عليهم الضعف والوهن بما أصاب دولتهم في المغرب من الاختلال والانهيار، وبما افتقدوه من أمداد كانت تشد أزرهم وقت الحاجة، وزادت الجفوة بينهم وبين أهل الأندلس، لما اشتد من ضغطهم، وعيث جندهم بسبب الحاجة، وقد استطال عليهم الناس، وأخذوا في التعدي عليهم وإرهاقهم. وشعر الثوار في هذه الظروف التي هبطت فيها قوى المرابطين المادية والمعنوية، بأن مشاريعهم سوف يحالفها النجاح، وكان هذا شعور ابن قسي حينما دبر مع معاونه ابن القابلة خطة الاستيلاء على ميرتلة. فجمع ابن القابلة نحو سبعين رجلا من أولئك المريدين المتعصبين، وسار إلى ميرتلة، ودهم حصنها في جوف الليل، واستولى عليه، وذلك ليلة الخميس الثاني عشر من صفر سنة ٥٣٩ هـ، وضبط ابن القابلة القلعة، وأعلن بها عدوة ابن قسي. وحاول المرابطون في تلك الجهة استعادتها من المريدين، فلم يفلحوا فتركوها، وانقلبوا إلى تخريب تلك المنطقة. وفي غرة ربيع الأول وصل ابن قسيّ إلى ميرتلة في جمع حاشد من المريدين، شعارهم التهليل والتكبير، فصعد إلى قصبتها، واستقر بقصرها، وتسمى بالإمام، وبعث إلى أعيان ولاية الغرب وزعمائها، يدعوهم إلى الانضمام إليه، وإلى الثورة ضد المرابطين. فاستجاب له كثير من أهل تلك الأنحاء، وقام أهل يابُرة بزعامة عميدهم سيدراي بن وزير، ونزعوا سلطان المرابطين، وحذا حذوهم أهل شلب، بقيادة زعيمها محمد بن عمر بن المنذر. وكان ابن المنذر هذا ينتمي إلى بيت قديم من بيوتات المولدين بشلب، وكان من علمائها ونبهائها، وقد درس في إشبيلية، وبرع في الفقه والأدب، ووُلي خطة الشورى ببلده، ثم تزهد على مثل ابن قسيّ، واستقر برابطة على شاطىء البحر تعرف برابطة الريحانة، واعتنق دعوة ابن قسي وتوثقت صلاتهما. ولما قام بشلب اقتداء بابن قسي في ميرتلة، سار إلى حصن مرجيق في شرقي شلب، وانتزعه من المرابطين

стр. 1467

وقتلهم. ولما علم المرابطون بباجة بما وقع، طلبوا من أهلها الأمان، وغادروها إلى إشبيلية. وعلى أثر خروجهم منها سار إليها ابن المنذر، ومعه فرقة من جند يابُرة أمده بها ابن وزير بقيادة أخيه أحمد، وخاله عبد الله بن الصميل، واستولى عليها. ثم سار ابن المنذر وابن وزير إلى ابن قسي، فسلما عليه بالإمارة، وبايعاه بالطاعة (ربيع الأول سنة ٥٣٩ هـ)، فأقر ابن وزير على حكم باجة وأحوازها، وابن المنذر على حكم شلب وأحوازها. والظاهر أن ابن قسي حاول في تلك الفترة بالذات، أن يتصل بالموحدين لأول مرة. وكان لانتصار الموحدين في موقعة وهران ومصرع تاشفين بن علي سنة ٥٣٩، أعمق وقع في الأندلس، وأكبر حافز للعناصر الثائرة، على أن تمضي قدماً في ثورتها. وهنا بعث ابن قسي سفيراً إلى عبد المؤمن عاهل الموحدين، وهو قائم على حصار تلمسان، في أواخر سنة ٥٣٩، وتلقب في رسالته بالمهدي، فأنكر ذلك عبد المؤمن ولم يجاوبه (١)، لما لمسه من تعاليه في الخطاب عليه. وفي خلال ذلك وقعت بولاية الغرب حوادث هامة. وكان ابن المنذر، حين ولاه ابن قسي إمارة شلب، قد حشد قواته وقوات أكشونبة وسائر صحبه المريدين، ثم سار إلى ابن قسي بميرتُلة، وجدد له البيعة والعزم على نصرته ونشر دعوته، فجدد له ابن قسي عهده على ما بيده من البلاد، وسماه العزيز بالله. وعندئذ خرج ابن المنذر في قواته، وعبر نهر وادي يانه، وسار إلى مدينة وِلْبة على مقربة من شرقيه، فاقتحمها واستولى عليها، ثم سار منها إلى مدينة لَبلة الواقعة في شمالها الشرقي، واستولى عليها بمعاونة يوسف بن أحمد البطروجي، أحد أقطاب الثوار المريدين في تلك الناحية، وأخرج من كان في قلعتها من المرابطين. وهنا شعر ابن المنذر بتضاعف قواته، وتملكه الغرور، واعتزم أن يسير إلى مدينة إشبيلية، وقد شجعه ما نمى إليه من أنها كانت حينئذ دون أمير يتولى أمرها. فخرج في قواته من لَبْلة، وسار إلى حصن القصر وطُلياطة من مشارف إشبيلية الغربية، واستولى عليها، ثم تقدم حتى الحصن الزاهر ودخله. بيد أنه حينما وصل إلى طُريانة ضاحية إشبيلية الغربية، التقى بقوة من المرابطين. وكان أمير الأندلس المرابطي أبو زكريا يحيى بن غانية، حينما وقف على حركات الثوار في غرب الأندلس، وسيرهم من لَبلة صوب إشبيلية، قد غادر قرطبة في قواته، وسار

стр. 1468

إلى إشبيلية فوصل إليها, في الوقت الذي كان فيه ابن المنذر يعيث في نواحيها، فبعث لقتاله قوة عبرت نهر الوادي الكبير، والتقت بالمريدين في طريانة، فأوقعت بهم، وقتلت منهم عدداً جماً، وفر ابن المنذر في فله إلى لبلة، ثم لحق بشلب، وترك يوسف البطروجي للدفاع عن لبلة. وزحف ابن غانية على لبلة. وكان ذلك في قلب الشتاء وشدة قره، فلبث على منازلة لبلة نحو ثلاثة أشهر، وعندئذ بلغه قيام الثورة في قرطبة بزعامة القاضي ابن حَمْدين، فترك لبلة وعاد إلى إشبيلية، وقد عول على التريث وملازمة الحيطة والحذر، إلى أن يستبين سير الحوادث. ولما علم ابن قسيّ بما وقع من اضطرام الثورة في قرطبة، ألفى الميدان ممهداً للقيام بمغامرات جديدة. فأمر ابن المنذر أن يحشد قواته، وأن يسير ومعه ابن القابلة كاتب ابن قسي وصاحبه الأثير إلى قرطبة، ليحاول دخولها. وبعث إلى نفر من أنصاره بقرطبة ليعملوا على بث دعوته، وترغيب العامة في قبولها. فسار ابن المنذر وصاحبه في عسكر شلب ولبلة، إلى قرطبة. بيد أنهما حين اقتربا منها، علما بأن الحوادث قد تطورت، وأن أهل قرطبة استدعوا لرياستها سيف الدولة ابن هود، وطردوا ابن حمدين، فارتدا خائبين إلى الغرب، وفشلت محاولة ابن قسيّ في مهدها (١). وكان الجو قد فسد عندئذ بين ابن قسيّ، وحليفه السابق سيدراي بن وزير صاحب باجة. وكان ابن قسي، قد دبر القبض عليه حينما وفد عليه بميرتلة أثناء غيبة المنذر وخلعه، ثم أطلق سراحه ورده إلى ولايته. ولما عاد ابن المنذر خائباً من حملة قرطبة، حاول ابن قسي أن يتفاهم مع سيدراي، ولكن سيدراي ارتاب في مقصده، وأبى الاستجابة له، فبعث ابن قسي، ابن المنذر لمحاربته، فهزمه ابن وزير وقبض عليه، ثم زحف على شلب وانتزعها (٢)، وانتهى بالاستيلاء على ميرتلة، وأعلن خلع ابن قسي والدعوة لابن حمدين صاحب قرطبة، وذلك في شعبان سنة ٥٤٠ هـ (٣). فبادر ابن قسي إلى الفرار، وعبر البحر إلى المغرب، وسار إلى مقابلة الخليفة عبد المؤمن، وتقدم إليه تائباً متبرئاً من دعاويه السابقة

стр. 1469

في الولاية والهداية، فتقبل عبد المؤمن اعتذاره، وأكرم وفادته. وهنا تختلف الرواية اختلافاً بيناً في الزمان والمكان، اللذين التقى فيهما ابن قسي بالخليفة الموحدي. فيقول ابن الأبار، ويتابعه ابن الخطيب، إن ابن قسي لقى عبد المؤمن في سلا في ربيع الآخر سنة ٥٤٠ هـ، ثم انصرف في المحرم سنة ٥٤١ هـ (١). هذا مع أن ابن الأبار يذكر لنا في موضع آخر أن تغلب سيدراي على ابن قسي واستيلاءه على ميرتلة كان في شعبان سنة ٥٤٠ هـ. ولابد أن عبور ابن قسي كان عقب خلعه وفقده لإمارته. ويقول لنا ابن خلدون إن ابن قسي عبر إلى المغرب في سنة ٥٤٠ هـ، ثم يذكر لنا في موضع آخر أنه قدم إلى المغرب، عقب افتتاح مراكش، وقد كان افتتاح مراكش حسبما تقدم في شوال سنة ٥٤١ هـ (٢). ويزيد ابن خلدون على ذلك أن ابن قسي نزل عند عبوره بسبتة، وأن واليها ابن مخلوف هو الذي جهزه إلى عبد المؤمن. وربما كانت رواية ابن خلدون الأولى أكثر الروايات تمشياً مع سير الحوادث. وعلى أي حال، فقد كان لمقدم ابن قسي نتائج عملية. ذلك أنه استطاع أن يحمل الخليفة الموحدي على المبادرة بالتدخل في حوادث الأندلس، وتجهيز حملة موحدية بقيادة برّاز بن محمد المسّوفي، لقتال المرابطين والثوار فيما وراء البحر، تلتها بعد ذلك حملات أخرى حسبما نفصل بعد. - ٢ - كانت غرناطة في البداية مقر الحكومة المرابطية العامة بالأندلس، ثم رأى أمير المسلمين علي بن يوسف أن ينقل مركز الحكم إلى قرطبة، وذلك حينما أصدر مرسومه في سنة ٥٢٦ هـ بتعيين ولده الأمير تاشفين، متولي شئون الأندلس، والياً لقرطبة، وأن يجعلها مقر الحكم. ثم استُدعي تاشفين إلى المغرب في سنة ٥٣٢ هـ وعين لولاية العهد. ولما توفي علي بن يوسف سنة ٥٣٧ هـ، وخلفه ولده تاشفين في الملك اختار الأمير يحيى بن غانية الصحراوي والياً لقرطبة، ومشرفاً على شئون الأندلس، وقائداً عاماً للجيش المرابطي، وذلك في سنة ٥٣٨ هـ (١١٤٣ م). وقد تحدثنا فيما تقدم عن أصل ابن غانية ونشأته، وأعماله في شرقي الأندلس. ولما تجهمت الحوادث للدولة اللمتونية بالمغرب، وتقوضت دعامتها تحت ضربات

стр. 1470

عبد المؤمن، ودوت أصداء النكبة في جنبات الأندلس، أخذ ابن غانية يواجه عواصف الثورة هنا وهنالك. ولما تفاقمت حوادث الغرب، وزحف المريدون أتباع ابن قسي على إشبيلية، سار ابن غانية في قواته لردهم، مستخلفاً على قرطبة أبا عمر اللمتوني، فهزمهم في طريانة، ثم طاردهم حتى لبلة، وأخذ في منازلتها، وهنا بلغته أنباء الثورة في قرطبة، فارتد أدراجه إلى إشبيلية، ولبث بها حيناً يدبر أمره، ويستعد لمواجهة الحوادث. ذلك أنه لم تمض بضعة أشهر على قيام الثورة في الغرب، وسقوط قواعده في أيدي الثوار، حتى اضطرمت قرطبة بثورة مماثلة. وكان زعيم الثورة قاضي المدينة، ابن حَمْدين، وهو أبو جعفر حمدين بن محمد بن علي بن حمدين، وكان بيتهم من أقدم البيوتات العربية. دخل جدهم الأندلس مع الطالعة البلجية، واستقروا في باغة، وبها ازدهر بيتهم، وكان ابن حمدين قد وُلي قضاء قرطبة في شعبان سنة ٥٢٩ هـ، على أثر مقتل قاضيها أبى عبد الله بن الحاج، وهو يصلي بالمسجد الجامع في صفر من تلك السنة. ثم صُرف ابن حمدين عن القضاء في سنة ٥٣٢ هـ، وولى مكانه أبو القاسم بن رشد فوليه نحو عامين، ثم أعفاه الأمير علي بن يوسف من منصبه دون أن يعين خلفاً له، ووقع بعد ذلك بقرطبة هياج اعتدى فيه العامة على المرابطين، فخرج إليهم ابن حمدين، وتمكن من تسكين ثورتهم، فظهر يومئذ بوافر حكمته وشهامته، وبقيت قرطبة دون قاض مدى عام. ثم أذن علي بن يوسف لأهلها أن يختاروا لهم قاضياً، فأجمعوا على اختيار ابن حمدين، فولى القضاء للمرة الثانية في سنة ٥٣٦ هـ، واستمر في منصبه حتى أواخر سنة ٥٣٩ هـ. وكانت حوادث المغرب من جهة، وحوادث الثورة في الغرب، قد أخذت تحدث أثرها، وأخذت بذور الثورة تختمر من جديد في أذهان الشعب القرطبي، وقد عرفناه فيما تقدم من مراحل التاريخ الأندلسي شعباً سريع التقلب، سريع الهياج. فما كاد الحاكم المرابطي، الأمير يحيى بن غانية، يبتعد في قواته صوب إشبيلية لحمايتها من عيث المريدين، حتى اضطرمت قرطبة بالثورة، وثارت العامة بالوالي المرابطي الرئيس أبى عمر اللمتوني، وأعلنوا خلعه، وخلع دعوة المرابطين، ونادوا برياسة القاضي أبى جعفر بن حَمْدين، وبويع ابن حمدين بالإمارة في المسجد الجامع، وبايعه الخاصة والعامة، وذلك في الخامس من شهر رمضان سنة ٥٣٩ هـ. واستقر

стр. 1471

ابن حمدين بقصر الخلافة، وتسمى بأمير المسلمين وناصر الدين، ووفقاً لقول ابن الأبار بأمير المسلمين المنصور بالله، وفي بعض الروايات بأمير المؤمنين. ودعى له على منبر قرطبة ومعظم منابر القواعد الأندلسية. وكان ابن غانية قد سار عندئذ إلى لبلة ليجهز على المريدين الذين تحصنوا بها، فلما علم بما وقع في قرطبة، عاد أدراجه إلى إشبيلية. ولكنه ما كاد يستقر بها حتى ثار به أهلها، وناصبوه الحرب وجرح أثناء القتال الذي نشب بينه وبينهم، فارتد عندئذ في قواته إلى حصن مرجانة القريب (١). وفي تلك الأثناء تطورت الحوادث في قرطبة، وسعى فريق من شعبها القُلّب إلى الاتصال بأبى جعفر أحمد بن عبد الملك بن هود الملقب بسيف الدولة المستنصر بالله. وقد فصلنا فيما تقدم سيرة هذا الأمير، وكيف آل أمره إلى مغادرة روطة آخر قواعد بني هود في الثغر الأعلى، وتسليمها إلى ملك قشتالة ألفونسو ريمونديس مقابل أراض منحها إياه في منطقة طليطلة، وذلك في سنة ٥٣٤ هـ (١١٣٩ م). وقد لبث سيف الدولة، الذي تعرفه الرواية النصراية باسم "سفادولا" Zafadola مقيماً في أراضيه الجديدة، في كنف ملك قشتالة، بضعة أعوام، حتى قامت الثورة في قرطبة وفي غيرها من القواعد الشرقية. وكان فريق من أهل قرطبة يرى في هذا الأمير - آخر بني هود ملوك سرقسطة السابقين - خير ممثل للزعامة الأندلسية العريقة، ومن ثم فقد عملوا على استدعائه، ليتولى إمارة قرطبة. ولبى سيف الدولة هذه الدعوة، وجاء إلى قرطبة، فدخلها بممالأة فريق كبير من أهلها، فبادر ابن حمدين إلى الفرار، ولحق بحصن فرنجولش المنيع، الواقع شمال غربي قرطبة، في سطح جبل الشارات (سييرّامورينا). بيد أن هذا الإزعاج لم يطل أمره. ذلك أنه لم يمض أيام قلائل على قيام سيف الدولة بالأمر، حتى ثار القرطبيون مرة أخرى، وهاجموا القصر، وفتكوا بابن الشماخ وزير سيف الدولة، وعدة من أصحابه، ففر سيف الدولة ناجياً بنفسه، ولما يمض على وجوده في قرطبة اثنا عشر يوماً، وقصد إلى مدينة جيان، وكان قد ثار بها القاضي ابن جزى، فتغلب عليه وملكها منه، ثم خاض عدة حوادث أخرى نرجىء التحدث عنها، حتى نستوفي حوادث قرطبة (٢).

стр. 1472

وما كاد سيف الدولة يغادر قرطبة، حتى عاد إليها ابن حمدين من حصن فرنجولش واستأنف رياسته، واستطاع في الأشهر القلائل التي عاشتها حكومته، أن يدون الدواوين، وأن يجند الأجناد، وأن يرسم الخطط، وبعث إلى بعض زملائه الثوار في القواعد الأخرى في طلب الاعتراف برياسته، فاعترف بها بعضهم، ومن هؤلاء أبو الغمر بن عزون (١) صاحب شريش، وأبو جعفر بن أبى جعفر صاحب مرسية. واستمرت رياسة ابن حمدين الثانية أحد عشر شهراً. ولكن فريقاً من خصومه الناقمين على حكمه، كتبوا إلى يحيى بن غانية في القدوم عليهم، واستعادة سلطانه على المدينة. فسار ابن غانية من إشبيلية قاصداً إلى قرطبة، في جمادى الآخرة سنة ٥٤٠ هـ (١١٤٥ م). وبرز ابن حمدرن من قرطبة في قواته للقائه، فالتقيا بأحواز إستجة في جنوب غربي قرطبة، وكانت بينهما وقيعة، هزم فيها ابن حمدين، وفر إلى بطليوس، ملتجئاً إلى حماية صاحبها عبد الله بن الصميل من زعماء المريدين. ودخل ابن غانية قرطبة في الثاني عشر من شعبان من تلك السنة، ثم غادر ابن حمدين بطليوس، وسار إلى حصن أندوجر الواقع شرقي قرطبة وتحصن به، وبسط سلطانه على البلاد المجاورة، فتحرك ابن غانية إلى قتاله، وحاصره في أندوجر مدى شهر. وهنا لجأ ابن حمدين إلى تلك الوسيلة القديمة الذميمة، التي كانت عماد الطوائف في محاربة بعضهم بعضاً، وهي الاستنصار بعاهل قشتالة، القيصر ألفونسو ريمونديس. ويقول لنا ابن الخطيب إن ابن حمدين، " أطمع القيصر في قرطبة "، فاستجاب إلى دعوته، وتحرك وفقاً للرواية العربية إلى نصرته. ولكن الرواية النصرانية تقول لنا إن القيصر أرسل إلى معاونة ابن حمدين، الدوق فرناندو خوانس في بعض قواته (٢). ولما وصل القيصر إلى أندوجر، ولم يستطع ابن غانية، دفعاً للنصارى، انصرف في قواته إلى قرطبة، فسار النصارى في أثره، ومعهم حليفهم ابن حمدين في أصحابه، ودخل النصارى وابن حمدين قرطبة في العاشر من ذي الحجة سنة ٥٤٠ هـ (مايو ١١٤٥ م)، وامتنع ابن غانية في المدينة، يدافع النصارى في صبر وجلد. وعاث القشتاليون في شرقي قرطبة، واستباحوا المسجد الجامع، وأخذوا ما كان فيه من النواقيس التي كانت رؤوساً للثريات، ومزقوا المصاحف، ومنها فيما زعموا مصحف عثمان، ونزعوا المنار من الصومعة، وكان من الفضة

стр. 1473

الخالصة، وأحرقوا الأسواق. كل ذلك وابن غانية صامد يدفع النصارى عن القصبة بمنتهى الشدة والبسالة (١). وحدث عندئذ أن جاءت الأخبار بأن الموحدين قد عبروا البحر إلى إسبانيا، وأن أهل إشبيلية خلعوا طاعة المرابطين، فاهتم القيصر لهذه الأنباء، ورأى من الفطنة أن يهادن ابن غانية، وأن يتركه بقرطبة " سداً بينه وبين بلاده ". ْوهكذا تم التفاهم بين القيصر وابن غانية، وعقدت شروط الهدنة، وخرج ابن غانية من القصبة، واستحضر له القيصر أهل قرطبة بين يديه، وقال لهم " إني قد فعلت معكم من الخير ما لم يفعله من قبلي، وتركتكم رعية لي، وقد وليت عليكم يحيى بن غانية، فاسمعوا له وأطيعوا ". ويقص علينا ابن الخطيب الذي ننقل عنه هذه التفاصيل، أن القيصر مضى ْفي مخاطبة أهل قرطبة، فقال " ولا يربكم أن تكونوا تحت يدي ونظري، فعندي كتاب نبيكم إلى جدي ". حدث ابن أم العماد وأبو الحسن قال، حضرت، وأحضر حقاً من الذهب، فُتح وأخرج منه كتاب من رسول الله ﷺ إلى قيصر ملك الروم، وهو جده بزعمه. والكتاب بخط علي بن أبي طالب. قال أبو الحسن، قرأته من أوله إلى آخره كما جاء في حديث البخاري (٢). وهكذا استقر ابن غانية بقرطبة، وأخذ في تحصين القصبة، واشتد في معاملة أهلها، وأخذ يسومهم الخسف، لما أثموا به في حقه وغدروا به. وعهد بضبط المدينة، وتدبير شئونها لمولاه فلوج العلج، وكان حازماً شديد الوطأة، فمال على أهل المدينة، وأذلهم وانتزع كثيراً من أموالهم. واستمر ابن غانية على تهادنه مع القشتاليين نحو عام آخر، تطورت الحوادث خلاله بسرعة. أما ابن حمدين فقد غادر قرطبة مع النصارى، وسار إلى حصن فرنجولش، ولبث به فترة قصيرة، ثم عبر البحر إلى المغرب، وسار إلى مقابلة الخليفة عبد المؤمن أسوة بمن سار إلى لقائه، من زعماء الثورة في الأندلس، فلقيه تحت أسوار مراكش، وهو محاصر لها (أوائل سنة ٥٤١ هـ) حسبما تقدم ذكره، فأحسن الخليفة استقباله. ثم عاد إلى الأندلس فنزل بمالقة، في كنف زميله وحليفه ابن حسون الثائر بها، وحاول مرة أخرى أن يسترد سلطانه

стр. 1474

بقرطبة، فأخفق مسعاه، وارتد ثانية إلى مالقة، واستقر بها حتى توفي في رجب سنة ٥٤٦ هـ (نوفمبر ١١٥١ م) ودفن بمسجدها الجامع. ولما استولى الموحدون على مالقة، بعد ذلك بعشرين شهراً، نبشوا قبره، واستخرجوا جثمانه وصلبوه، وهو وفقاً للرواية، بحاله لم يتغير (١). - ٣ - كان من أصداء ثورة ابن حمدين في قرطبة أن قامت في نفس الوقت في غرناطة ثورة مماثلة، زعيمها القاضي أبو الحسن علي بن عمر بن أضحى. وكان أبو الحسن هذا من أهل ألمريّة، وبها ولد في سنة ٤٩٢ هـ، وولى قضاءها بعد قاضيها الزاهد ابن الفرّا. ولما قامت ثورة ابن حمدين بقرطبة، كان ابن أضحى بمدينة غرناطة، فبعث إليه ابن حمدين يدعوه إلى اتّباعه والدعوة له. فاستجاب ابن أضحى لدعوته، وآزره فريق كبير من أهل المدينة، وتعاونوا على إخراج الملثمين (المرابطين) منها، فاعتصموا بالقصبة، ونشب القتال بن الفريقين، وكان أمير غرناطة المرابطي يومئذ، هو علي بن أبي بكر المعروف بابن فنّو. وهو اسم أمه، أخت علي بن يوسف. ولما شعر ابن أضحى بتفوق المرابطين، استغاث بحليفه ابن حمدين صاحب قرطبة، وابن جزى قاضي جيان، فبعث إليه ابن حمدين بعض قواته بقيادة ابن أخيه علي بن أبى القاسم المعروف بابن أم العماد. ولكن حدث خلال ذلك، أن رأى فريق من أهل غرناطة، أن يلتجئوا إلى رئيس يولونه على أنفسهم، ويستطيع مغالبة اللمتونيين، واقترح البعض أن يكون هذا الرئيس هو سيف الدولة بن هود، لقدم بيته، وبعد صيته في الرياسة، وتغلبه على جيان وغيرها من القواعد، وأيدهم في ذلك ابن أضحى وأصحابه. وبعث أهل المدينة برغبتهم إلى ابن هود، فلباها، وقدم إلى غرناطة في عسكر " من أوباش النصارى وسقاط الجند ". فلما رأى ابن أم العماد تطور الأمور على هذا النحو، ارتدت قواته ثانية إلى قرطبة. وتعاهد ابن أضحى وابن هود على مدافعة اللمتونيين. وكان اللمتونيون حين مقدم ابن هود، قد أنسوا ضعف عسكره، وانحلال جنده، فبرزوا للقائه خارج غرناطة، ونشب بينهما قتال شديد، فهزم ابن هود، وقتل كثير من أصحابه، وكان ذلك في اليوم

стр. 1475

التاسع عشر من ذي الحجة سنة ٥٣٩ هـ. ولم يستطع ابن هود أن يدخل غرناطة إلا بشق الأنفس، فدخلها مع من بقي من رجاله، من فوق الأسوار، ومن أعلى التلال، ثم جاز إليها من باب مورور، بعد أن اشتبك في معركة أخرى مع قوة مرابطية ثانية، وفقد عدداً آخر من جنده (١). وفي رواية ابن الأبار أن ابن هود وابن أضحى لبثا على قتال المرابطين بالقصبة شهراً، وفي خلال ذلك جرح ولد ابن هود عماد الدولة وأسر ومات بالقصبة، فدفع المرابطون بنعشه إلى أبيه. ثم توفي القاضي ابن أضحى، فتقدم ولده محمد مكانه، واستمر في التعاون مع ابن هود في مدافعة اللمتونيين. وقدم في نفس الوقت عسكر من مرسية قوامه نحو ألفي فارس بقيادة قاضيها الثائر بها ابن أبى جعفر، فخرج إليه اللمتونيون، فهزموه وقتلوه ومعظم عسكره، واستباحوا البلد - غرناطة - استباحة قهر وغلبة، وفر معظم الناس عن منازلهم، ثم ارتدوا إلى القصبة واعتصموا بها. فلما رأى ابن هود تفاقم الأمور على هذا النحو، وأنه لا طاقة له بمقاومة اللمتونيين، غادر غرناطة، وفر إلى قاعدته جيان، وكان قد ترك بها ابن عمه نائباً عنه. وقد أورد لنا ابن الأبار، في ترتيب هذه الحوادث، رواية أخرى خلاصتها، أن ابن أضحى لما قام بثورته، دعا أولا لابن حمدين وذلك في رمضان سنة ٥٣٩ هـ، فامتنع الملثمون بالقصبة، إلى أن وصل من جيان مع بعض قواد الثغر مدد لابن أضحى، وانضم إليه جمع وافر من أهل غرناطة، فخرج إليهم الملثمون، وهزموهم شر هزيمة، ثم عادوا إلى القصبة. ودامت الحرب بين الفريقين مدة داخل غرناطة وخارجها، إلى أن قدم ابن أبى جعفر القائم بمرسية في عسكر قيل إنه كان يبلغ اثني عشر الفاً بين خيل ورجل، فخرج إليهم الملثمون مرة أخرى وهزموهم، وقتلوا ابن أبى جعفر، ثم عادوا إلى الاعتصام بالقصبة مرة أخرى. وهنا قدم ابن هود في قواته ودخل غرناطة من باب مورور، فاستقبله ابن أضحى وأنزله، واستسقى ابن هود، فأمر له بقدح من الماء المسموم.، فصاحت به العامة محذرة، فخجل ابن أضحى، وتناول القدح وشرب منه، لكي يدفع مظنة الاتهام، فمات من ليلته، وانتقل ابن هود إلى القلعة الحمراء، والقتال متصل بين الملثمين. وأهل غرناطة، حتى كان ذات يوم تمكن الملثمون فيه من
следующие страницы →