← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

مدينة فاس (٥٣٣ هـ)، وتلفت من جرائه طائفة كبيرة من الدروب التجارية، وهلكت فيه أموال جليلة، وافتقر كثير من الناس (١). وكان منها أيضاً، أنه في سنة ٥٣٥ هـ، هاجرت جموع عظيمة من أهل المغرب، من مختلف نواحيه، إلى الأندلس. وهذا ما يذكره لنا ابن عذارى نقلا عن ابن حمادة. والظاهر أن ذلك كان راجعاً إلى توالي ظفر الموحدين على المرابطين، وتوجس أنصار المرابطين وأوليائهم مما قد يؤول إليه الأمر من انهيار سلطان المرابطين بالمغرب (٢). وعلي بن يوسف هو الذي وسع مدينة مراكش، وعمرها، ونظم خططها، حتى غدت أضعاف ما كانت عليه عند إنشائها، وأنشأ بها الجامع، والقصر المرابطي، ونظم سقايتها، وأدار أسوارها، حتى غدت في عصره حاضرة عظيمة (٣). وتنوه الرواية بخلال علي بن يوسف، وتصفه بأنه كان ملكاً عظيماً، عالي الهمة، رفيع القدر، فسيح المعرفة عظيم السياسة (٤)، وكان فوق ذلك ورعاً متعبداً، يحب العلماء ويؤثر مجالسهم (٥). بيد أنه لم يكن في ذلك صنو أبيه العظيم في الاقتصار على الاسترشاد بآرائهم دون خنوع واستسلام، بل كان يخضع لأهوائهم، ويترك لهم الكلمة العليا. وقد رأينا ما كان في استسلامه لهم، من الحجر على حرية الفكر، ومطاردة كتب الغزالي وإحراقها، لما كانت تتسم به من إيثار لعلم الأصول، وقد كان هذا من أكابر أخطائه، ومن دلائل استسلامه لأهوائهم وتعصبهم. وكان البلاط المرابطي في عهد علي بن يوسف، يزدان سواء في المغرب أو الأندلس بعدة من أكابر الكتاب، وأعلام البلاغة في ذلك العصر. وكان في مقدمة هؤلاء أبو بكر بن القصيرة المتوفى سنة ٥٠٨ هـ، وقد كتب عن يوسف ابن تاشفين، ثم عن ابنه علي، وأبو القاسم ابن الجد المعروف بالأحدب، وأبو بكر بن عبد العزيز البطليوسي، المعروف بابن القبطُرنة، وأخواه أبو الحسن

стр. 1402

وأبو محمد، وأبو عبد الله بن أبى الخصال وأخوه أبو مروان، وأبو محمد عبد المجيد بن عبدون وزير بني الأفطس السابق (١). وأبو جعفر أحمد بن محمد ابن عطية القضاعي، وقد خدم تاشفين بن علي من بعد أبيه، ثم انتقل فيما بعد إلى خدمة عبد المؤمن حسبما يجىء (٢). وكان أنبههم وآثرهم لدى علي بن يوسف، أبو عبد الله بن أبى الخصال المتوفى سنة ٥٤٠ هـ. وقد كان من أعظم علماء العصر وكتابه وبلغائه. وكان اجتماع هذه الجمهرة من أعلام البلاغة في البلاط المرابطي، أثر من آثار قصور الطوائف، التي امتازت بحشد أقطاب الكتاب والأدباء من وزرائها، وأغدقت عليهم حمايتها ورعايتها. وكان على قد استوزر في أواخر عهده، إسحق بن ينتان بن عمر بن ينتان، وكان فتى حدثاً لم يجاوز الثامنة عشرة من عمره، ولكنه كان يتوقد ذكاء وفطنة وعزماً، فأعجب به علي، وولاه خطة المظالم والشكايات، فأبدى في منصبه براعة وكياسة، فانتفع به الناس وأحبوه، وكان حسبما تصفه الرواية " مثل كاهن يأتي بعجائب الأخبار " (٣). هذا، وأما عن شخصه، فإن الرواية تصف علي بن يوسف، بأنه كان أبيض اللون، مشرباً بحمرة، حسن القد، صبوح الوجه، أفلج، أقنى، أكحل العينين، سبط الشعر (٤). وكان لعلي من الولد الذكور، أحد عشر، ولكنه لم يترك من أولاده الأحياء بعده سوى ولي عهده وخلفه تاشفين. أما ولده الأكبر سير، فكان قد توفي قبل وفاته بمدة طويلة، وكذلك توفي أولاده الآخرون قبل وفاته، ومنهم ولده أبو بكر، وقد كان والياً بالأندلس. وفي رواية أنه قد غُرِّب بأمر أبيه إلى الصحراء حينما اعترض على تعيين أخيه تاشفين لولاية الأندلس، وفي أخرى أنه أصيب إصابة أقعدته، فحُمل على أعناق الرجال حتى الجزيرة، ولكنه سجن هناك حتى توفي، واشتد ألم أبيه على فقده.

стр. 1403

- ٤ - وكانت دولة المرابطين في تلك الأعوام الأخيرة من حكم علي بن يوسف، قد اضطربت أحوالها واهتزت أسسها، وفقدت كثيراً من قواعدها وأراضيها، وسادت الفوضى في كل ناحية، وساءت الأحوال الاقتصادية من توالي الحرب، وعزت الأقوات والموارد، وارتفعت كلفة العيش، وعانى الناس مشقات وشدائد. وما كاد علي بن يوسف يختفي من الميدان، حتى وقع ما هو أخطر، من تصدع الجبهة المرابطية وتفرق كلمتها. وذلك أن الخصومة قد اضطرمت بين قبيلتي لمتونة ومسّوفة وهما دعامتا العصبة المرابطية، وخرج عدة من زعماء مسّوفة على حكومة مراكش، ورأوا، أن يلوذوا بحماية الموحدين، فسار منهم يحيى ابن تاكفت، وبرّاز بن محمد، ويحيى بن إسحاق المعروف بأنجمار. حاكم تلمسان السابق، في صحبهم وأتباعهم، إلى محلة الموحدين، وقدموا طاعتهم إلى عبد المؤمن، وكانت هذه ضربة جديدة لتاشفين بن علي، فاشتد الاضطراب في الجبهة المرابطية، ووغرت صدور اللمتونيين على مسوفة، وأخذ يتربص بعضهم ببعض، ويقتل بعضهم بعضاً. وكان ممن انشق على تاشفين في تلك الفترة، بني ومانّو من بطون زناتة، وقدّم أشياخهم طاعتهم إلى عبد المؤمن، فبعثهم مع بعض قواته إلى بلادهم، فأعلنوا طاعتهم جميعاً للموحدين. ولما علم تاشفين بخروج بني ومانّو، وجه إليهم عسكراً على رأسه الرّبرتير، فسارع الموحدون إلى إنجادهم، وتحصن بني ومانّو ببعض التلال، فصعد إليهم المرابطون، يحاولون اقتحام مراكزهم، ولكنهم ردوا المرابطين على أعقابهم. وعلى أثر ذلك سار جيش موحدي بقيادة ابن وانودين، وابن زجّو، وابن يومور، إلى بلاد بني عبد الواد وبني يلومي وهم من أنصار المرابطين، وعاث في تلك المنطقة، واستاق كثيراً من الغنائم، ولكن فاجأته حين العودة قوة من المرابطين من زناتة واستولت على معسكر الغنائم، وقتلت كل حراسه وهم من بني ومانّو وعددهم ستمائة رجل، وتحصن الموحدون بجبل هنالك، وسار عسكر المرابطين إلى موضع يسمى منداس بلد بني يلومي من بطون زناتة، فاجتمع إليه بني يلومي، وعدة أخرى من البطون. ولما علم عبد المؤمن بما حدث، سار بقواته من أحواز تلمسان إلى أرض يلومي، وكان الأمير تاشفين قد قدم في نفس الوقت إلى تلمسان، وحشد فيها

стр. 1404

عسكراً، وأرسله على عجل إلى محلة المرابطين في منداس، وكذلك انضم إليهم الرّبرتير في قواته، واجتمعت بذلك للمرابطين حشود ضخمة. فلما شعر عبد المؤمن بتفوق خصومه، لجأ إلى خطة حربية جديدة مبتكرة، هي خطة المربع الموحدي الذي اشتهر فيما بعد، وأضحى عماد خطط الدفاع الموحدية في الميدان المكشوف، وقد وصف لنا ابن اليسع خلاصة هذه الخطة، نقلا عن بعض الموحدين فيما يلي: " أن تُصنع دارة مربعة في البسيط يجعل فيها من جهاتها الأربع صف من الرجال بأيديهم القنا الطوال، والطوارق المانعة، ومن ورائهم أصحاب الدروق والحراب صفاً ثانياً، ومن ورائهم أصحاب المخالي فيها الحجارة صفاً ثالثاً، ومن وراء هؤلاء الرماة صفاً رابعاً. وفي وسط المربعة، ترابط قوى الفرسان ". يقول ابن اليسع " فكانت خيل المرابطين إذا دفعت إليهم، إلى الموحدين، لا تجد إلا الرماح الطوال الشارعة، والحراب والحجارة والسهام ياسرة. فحين ماتوا من الدفع وتدبر، وأخرج خيل الموحدين من طرق تركوها، وفرج أعدوها، فتصيب من أصابت، فإذا كرت عليهم دخلوا في غاب القنا " (١). وهكذا فإنه حينما نشب القتال بين المرابطين والموحدين في منداس، ظهرت آثار الخطة الدفاعية الموحدية واضحة في عجز المرابطين على تفوقهم في العدد والعدة، عن النيل من خصومهم. وبالعكس فقد أثخن الموحدون في خصومهم، وردوهم الكرة بعد الكرة بخسائر فادحة، واستمر القتال على أشده ثلاثة أيام. وفي اليوم الرابع أحرز الموحدون على خصومهم. نصراً باهراَّ، واحتووا على محلتهم، ومحلات حلفائهم من بني يلومي وغيرهم، واستولوا على غنائم فادحة، تقدرها الرواية بثلاثين ألفاً من الغنم، واثني عشر ألفاً من البقر. بيد أنه حينما ارتد عبد المؤمن بغنائمه صوب الصخرتين من أحواز تلمسان، اعترضه الربرتير في قواته، وهاجمه بشدة واسترد معظم الغنائم، وقتل من كومية قبيلة عبد المؤمن نحو أربعمائة رجل. ثم سار في قواته وغنائمه إلى تلمسان، فانضم هناك إلى قوات الأمير تاشفين (٢). وفي خلال ذلك الصراع المرير الذي استغرق قوى المرابطين، وصل إلى

стр. 1405

مياه سبتة أسطول نورماني ضخم قوامه مائة وخمسون سفينة، وأغار أولئك النورمان (المجوس) على سبتة، محاولين اقتحامها، فخرجت إليهم سفن المرابطين بقيادة أمير البحر ابن ميمون، ووقعت بين الفريقين معركة بحرية عنيفة، غرقت فيها من الجانبين سفن عديدة، وقتل من الفريقين خلق كثير. وكان ذلك في سنة ٥٣٨ هـ (١). ودل ذلك الحادث على أن القوات البحرية المرابطية، كانت ما تزال، بالرغم مما حدث في داخل المغرب، يقظة ساهرة، على حراسة الشواطىء والثغور المغربية المرابطية. ووقع بعد ذلك بقليل حادث كان له في مركز المرابطين أسوأ الأثر هو مصرع الرّبرتير قائد " الروم ". وتختلف الرواية في شرح هذا الحادث وفي تفاصيله. ويقدم إلينا البيذق رواية خلاصتها، أن عبد المؤمن وجه حشود جزولة لقتال الربرتير، وكانوا بموضع يسمى " بكيرس "، فسار الربرتير في قواته للقائهم، وكانت جزولة تحتمي وراء خندق، فاستطاعوا أن يردوا الربرتير، فولى عنهم مهزوماً، وكتب إلى عبد المؤمن كتاباً يسدي فيه النصح، ويقول إن جزولة، قد غدروا بإخوانهم، وهم بلا ريب سوف يغدرون بك، وعندئذ عمد عبد المؤمن إلى تجريدهم من خيلهم وسلاحهم، ثم قتلهم جميعاً إلا الصبيان الصغار، واستولى على غنائمهم. فلما علم الربرتير بذلك قرر أن يسير لمهاجمة الموحدين، واستخلاص الغنائم منهم، فلم يعترض تاشفين على رغبته، ولكنه لم يسر معه، والتقى الربرتير بالموحدين في موضع يسمى " تاكوط آن تيفسرت " ونشبت بينه وبين الموحدين معركة عنيفة هلك فيها هو ومعظم جنده، ولم يسلم من عسكره حسبما يحدثنا البيذق سوى ستة، ثلاثة من الروم، وثلاثة من المرابطين، يذكر لنا البيذق أسماءهم. وكان ذلك في سنة ٥٣٩ هـ (١١٤٤ م) (٢). ويذكر لنا ابن عذارى من جهة أخرى مصرع الربرتير في جملة موجزة يقول فيها " في سنة تسع وثلاثين خرج قائد الروم بعسكره، ومعه عسكر لمتونة والحشم، فهزمهم الموحدون، وقتل القائد المذكور". وهذا ما ورد في الأوراق المخطوطة التي بين أيدينا من البيان المغرب. ولكن ابن عذارى يحاول فيما بعد، أن ينقل تفاصيل مصرع الربرتير عن ابن صاحب الصلاة، وذلك في القسم

стр. 1406

الثالث من كتابه، بيد أن ما نقله في ذلك قد سقط من نسخة " تامجروت " وهي التي تغدو مرجعنا منذ الآن فصاعداً (١). ويقدم إلينا ابن خلدون عن مصرع الربرتير رواية ثالثة يقول فيها، إن تاشفين بعث الربرتير في عسكر ضخم فأغار على بني سندم وزناتة الذين كانوا في بسيطهم، وعاد بالغنائم، فاعترضه الموحدون، ونشبت بين الفريقين معركة قتل فيها الربرتير وجنده (٢). ولما رأى الجند النصارى مصرع عميدهم، ورأوا أنهم لا يستطيعون بعد أن يعملوا لتدعيم إمبراطورية أصبحت وشيكة الانهيار، تفرقوا تباعاً، وغادر الكثير منهم المغرب إلى اسبانيا ومعهم أسرهم وقساوستهم، وساروا إلى طليطلة ملتجئين إلى حماية القيصر ألفونسو ريمونديس (ألفونسو السابع) ملك قشتالة، فأحسن استقبالهم، وأنزلهم بدياره، وحمد لهم تمسكهم خلال الحوادث والخطوب بدينهم وولائهم لمذهبهم (٣). وعلى أي حال فقد كان مصرع الربرتير وتبدد جنده، ضربة جديدة أصابت الجيش المرابطي، وكان تاشفين في تلك الأثناء قد كتب إلى الأقطار يستدعي الحشود من كل ناحية، فقدم إليه عسكر سجلماسة، وعسكر بجاية بقيادة طاهر ابن كباب الصنهاجي من بني حماد أصحاب إفريقية، ووصل من الأندلس عسكر آخر بقيادة الأمير إبراهيم بن تاشفين، وكان قد قدم إلى أبيه قبل ذلك على أثر موت جده على وزاره بجهة كراندة، فبعثه والده إلى قرطبة لإتمام دراسته بها، ثم استدعاه بعد ذلك فوصل في عسكره إلى تلمسان في أواخر سنة ٥٣٨ هـ، فولاه أبوه في الحال عهده، واجتمعت الجيوش المذكورة في ظاهر تلمسان، وميزوا، وبرزوا في نظام متقن وهيئة كاملة، وعجب الناس من كثرتهم، وحسن نظامهم، وجمال هيئتهم، بيد أنها كانت آخر حشود يحتفل بها المرابطون (٤). - ٥ - ولما قتل الربرتير وبدد جيشه، غادر الموحدون " تيفسرت " وساروا إلى

стр. 1407

شمال غربي تلمسان ونزلوا " بالصخرتين " القريبة منها، وكان تاشفين قد أقام محلته في " سطفسيف " القريبة، وكانت المعارك والمناوشات تنشب كل يوم تقريباً بين الفريقين، واستمر ذلك مدة شهرين. ولما وصلت حشود الأقطار إلى تاشفين، خرجت منها حشود بجاية، واشتبكت مع الموحدين في معركة عنيفة في ظاهر " الصخرتين "، فهزمت وقتل منها عدد جم، وبعث قائدها سراً إلى عبد المؤمن، يعده بالتوحيد، وأنه متى افتتح المغرب، فإنه إذا ورد المشرق وجده مفتوحاً كذلك. وعندئذ أدرك تاشفين دقة مركزه، فقرر أن يترك محلته في تلمسان، وغادرها في قواته إلى وهران الواقعة على البحر في شمالها الشرقي. وبعث ابنه وولي عهده إبراهيم إلى مراكش في جماعة من أشياخ لمتونة ومعه كاتبه أحمد بن عطية. وكان تاشفين قد ابتنى في وهران حصناً منيعاً على البحر كي يحتمي به عند الحاجة، ودبر مع قائد أسطوله محمد بن ميمون، أن يوافيه إلى وهران بجناح من الأسطول فقدم ابن ميمون من ألمرية في عدة من السفن، وأرسى قريباً من المعسكر المرابطي ينتظر تطور الحوادث. وكان ذلك في شهر شعبان سنة ٥٣٩ هـ (يناير ١١٤٥ م). وكان المرابطون قبل أن يغادروا محلتهم في سطفسيف إلى وهران قد دبروا كميناً لجيش موحدي يقوده ابن زجّو، ففتكوا به وقتلوا ابن زجّو. فكان ذلك عاملا جديداً في إذكاء سخط الموحدين. وما كاد المرابطون يتحركون نحو الشمال، حتى سار في أثرهم عبد المؤمن في قواته، وبعث في مقدمته الشيخ أبا حفص عمر ابن يحيى الهنتاني (عمر اينتي)، وحشود بني ومانّو من زناتة، فنفذوا إلى بلاد بني يلومي، وبني عبد الواد، وبني ورسيفين، وبني توجين، وكلهم من أنصار لمتونة، وأثخنوا فيهم حتى أذعنوا إلى الطاعة، وسار زعماؤهم إلى عبد المؤمن، وقدموا طاعتهم إليه، فتلقاهم بالقبول، وضمهم إلى قواته (١). وأشرف الموحدون على وهران، وعسكروا فوق الجبل المطل عليها. وكان كل شىء ينذر حينئذ بوقوع المعركة الحاسمة. وكان المرابطون يرقبون تحركات الموحدين في وجوم وتوجس وقد غادر عدة من قوادهم المعسكر المرابطي وتركوا تاشفين لمصيره. وشعر الموحدون من جانبهم أن الفرصة المنشودة قد حلت، ففي ذات صباح أطلقوا من فوق الجبال صيحتهم الحربية بصوت واحد

стр. 1408

ارتجت له المحلة المرابطية، وأمر تاشفين جنده بأن يلزموا أماكنهم خيفة الكمين. وعند الظهر سار الموحدون إلى عين الماء التي يشرب منها أهل وهران، فسقوا دوابهم دفعة واحدة، ثم قاد الشيخ أبو حفص قواته، واقتحم المحلة المرابطية، حتى أشرف على مكان خباء تاشفين، وكان موقعه بإزاء الحصن المطل على البحر، فوقع الاضطراب في المعسكر المرابطي، وبارد تاشفين وخاصته ومنهم ابن مزدلي، وبشير الرومي، وصندل الفتى، إلى الالتجاء إلى الحصن، ووقع القتل بين المرابطين، وجمع الموحدون الخشب، وأضرموا النار حول الحصن، وما كاد الظلام يرخي سدوله، حتى كانت ألسنة اللهب قد تعالت، فخشي تاشفين الهلاك، وخرج من الحصن فوق فرسه " ريحانة " يطلب النجاة ويرجو أن تصل إليه بعض قطع أسطوله لتحمله إلى الأندلس، وكان معه صحبه الثلاثة، فسقط صندل في النار واحترق، واستطاع ابن مزدلي أن يجوز إلى أسوار المدينة، ولكنه فقد رشده ومات بعد ثلاثة أيام. وسار تاشفين وبشير إلى مرتفعات الجبل، فقيض لبشير النجاة، ولكن تاشفين، تردت به فرسه تحت جنح الظلام، فسقطت في هوة سحيقة فهلكت الفرس، وهلك تاشفين. وفي الصباح عثر الموحدون على جثة تاشفين في تلك الحافة فصلبوا الجثة، واحتزوا رأسه، وبعث بها عبد المؤمن إلى تينملل، فعلقت في الشجرة التي بإزاء مسجد المهدي. وكان مصرع تاشفين في ليلة السابع والعشرين من رمضان سنة ٥٣٩ هـ (٢٢ فبراير ١١٤٥ م) (١)، وذلك بعد أن قضى في مدافعة الموحدين زهاء خمسة أعوام متوالية، لم يأو فيها إلى مكان. ولم ينعم بهدنة، ولم يتصل بأهل ولا ولد (٢). وقد أورد لنا ابن الأبار عن مصرع تاشفين رواية أخرى عن أبى علي بن الأشيرى، وقد كان داخل تلمسان حين نزل الموحدون على مقربة منها في سنة ٥٣٩ هـ، وكان تاشفين عندئذ في ظاهرها في محلاته وجموعه. وخلاصة هذه الرواية، أن تاشفين بعد أن وجه ابنه إبراهيم ولي عهده إلى مراكش خوفاً عليه في شعبان من تلك السنة، وسير معه كاتبه أبو جعفر بن عطية، سار إلى وهران، ولجأ إلى حصن شرع في بنيانه، فقصده الموحدون، وأضرموا النار حوله،

стр. 1409

فلما رأى ذلك ودع أصحابه ليلا، واقتحم والنار محتدمة بباب الحصن، فوُجد من الغد ميتاً لا أثر فيه لضربة ولا طعنة، ويقال إن فرسه صرعه. وتتفق هذه الرواية مع الروايات الأخرى في أن مصرع تاشفين وقع في ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان سنة ٥٣٩ هـ (١). وأورد لنا المراكشي رواية ثالثة خلاصتها أن تاشفين لما ذهب إلى تلمسان لم يرضه موقف أهلها، فغادرها إلى وهران، فحاصره الموحدون بها، فلما اشتد عليه الحصار، خرج راكباً فرساً شهباء وعليه سلاحه، فاقتحم البحر حتى هلك، ويقال إنهم أخرجوه من البحر وصلبوه ثم أحرقوه (٢). هذا ويصف لنا ابن الخطيب مصرع تاشفين بن علي في تلك العبارات الشعرية: " واستقبل تاشفين مدافعة جيش أمير الموحدين، أبى محمد عبد المؤمن بن علي خليفة مهديهم، ومقاومة أمر قضى الله ظهوره، والدفاع عن ملك بلغ مداه وتمت أيامه، كتاب الله عليه، فالتأث سعده، وفل جده ولم تقم له قائمة، إلى أن هزم، وتبدد عسكره، ولجأ إلى وهران، فأحاط به الجيش، وأخذه الحصار، قالوا فكان في تدبيره أن يلحق ببعض السواحل، وقد تقدم به وصول ابن ميمون قائد أسطوله لرفعه إلى الأندلس، فخرج ليلا في نفر من خاصته فرقهم الليل، وأضلهم الروع، وبددتهم الأوعار، فمنهم من قتل، ومنهم من لحق بالقطائع البحرية، وتردى بتاشفين فرسه من بعض الحافات، ووجد ميتاً في الغد، وذلك ليلة سبع وعشرين لرمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وصلبه الموحدون، واستولوا على الأمر بعده، والبقاء لله تعالى " (٣). وعلى أثر مصرع تاشفين، اقتحم الشيخ أبو حفص بقواته وهران، وأثخن في المرابطين حتى فنى معظهم، والتجأت منهم جماعة إلى الحصن، فحاصرهم الموحدون وقطعوا عنهم الماء حتى أذعنوا إلى التسليم بعد ثلاثة أيام. ومع ذلك فقد قتلهم الموحدون جميعاً كباراً وصغاراً، وكان ذلك في يوم عيد الفطر من سنة ٥٣٩ هـ. وكانت مذابح وهران هذه، من أفظع المظاهر التي تميزت بها سياسة الموحدين الدموية.

стр. 1410

ولما وصل خبر مصرع تاشفين إلى تلمسان، مع فلّ لمتونة، أسرع من كان بها وبضاحيتها القريبة تاجررت من لمتونة، فغادروها هائمين على وجوههم يقصدون إلى فاس وغيرها من الأماكن التي مازالت تحت حكم المرابطين. وكان في مقدمة من غادرها الأمير يحيى بن أبى بكر بن علي المعروف بالصحراوي وهو ابن أخى تاشفين، وكان قد وفد إليها قبل ذلك بقليل في بعض قواته لإنجاد تاشفين. فلما وقعت الكارثة أسرع في فلوله إلى فاس، وامتنع بها، وأخذ ينظم الدفاع عنها. ولم يبق بتلمسان سوى العامة وأهل الحضر، وبادر جماعة من أعيانها في نحو ستين رجلا إلى لقاء عبد المؤمن يلتمسون منه الأمان، فلقيهم يصلاتن (يصلاصن) الزناتي في قوة من الموحدين في وادي تافنا القريب، فقتلهم عن آخرهم، وطار نبأ مصرعهم إلى تلمسان. فسرى إلى أهلها الرعب والروع، وسادت بها الفوضى. ودخل عبد المؤمن وجنده الموحدون تاجررت في غداة عيد الفطر، فقتلوا أهلها، واقتسموا دورها. ثم غادروها إلى تلمسان. وكان يسودها الوجوم والفزع. فلما اقترب الموحدون منها خرج الأعيان والطلبة، يسعون إلى لقاء عبد المؤمن والتماس العفو منه، فأقبل يصلاتن وجنده وجردوهم من ثيابهم، وقتلوا جماعة منهم، تحت نظر الخليفة، والشيخ أبى إبراهيم أحد الصحب العشرة، ثم دخل عبد المؤمن المدينة، وقتل الموحدون كثيراً من أهلها (١). ويؤيد هذه الرواية ويعززها صاحب الحلل الموشية. فيقول لنا إن عبد المؤمن دخل تلمسان عنوة وقتل أهلها وسبى حريمها، ودخل كل واحد من الموحدين من الموضع الذي يليه، فأخذوا منها من الأموال ما لا يحصى، وقد بلغ فيها عدد القتلى، وفقاً لابن اليسع مائة ألف أو تزيد. وفي رواية أخرى أن عبد المؤمن استباح أهل تاجررت وقتلهم لما كان معظمهم من حشم اللمتونيين، وعفا عن أهل تلمسان. وفي رواية ثالثة أن عبد المؤمن لم يدخل تلمسان فوراً، ولكنها امتنعت عليه، واضطر إلى محاصرتها، وأنه لبث وقتاً على حصارها، وأخبار الفتوح والبيعات ترد عليه، وأنه ترك على حصارها إبراهيم بن جامع وغادرها إلى فاس (٢). بيد أنه يبدو أن الرواية

стр. 1411

الأولى هي الرواية الراجحة، وأنه ليس من المعقول أن تصمد تلمسان في مثل هذه الظروف، أمام جيش مظفر مثل جيش عبد المؤمن، يندفع في فتوحه كالسيل يحمل من يصادره. هذا، وربما كان فيما يقول ابن صاحب الصلاة، مؤرخ الموحدين، ما يرفع هذا التناقض بين الروايتين، فهو يقول لنا إنه لما استقر عبد المؤمن بتلمسان بعد استشهاد من استشهد، امتنعت عليه قصبتها بمن فيها، فوضع عليها الحصار، ولما رحل إلى فاس ترك عسكراً ليتابع حصارها (١). ومن ثم فقد لبث عبد المؤمن، وفقاً للرواية الأولى في تلمسان سبعة أشهر، ليستريح وليرقب شئون الفتوح في تلك المنطقة. ومن المعروف مما تقدم أن عبد المؤمن كان من أهل تاجرا (تاجررت) وبها كان مسقط رأسه، وأن أمه تنتمى إلى قبيلة كومية، وموطنها يقع في نفس المنطقة جنوب تاجرا. وإذاً فقد كان من الطبيعي أن يتمهل عبد المؤمن قليلا في تلك الربوع، التي نشأ فيها وترعرع، ولما تم تنظيم الشئون، ندب عبد المؤمن للولاية على تلمسان، سليمان بن محمد بن وانودين الهنتاني، ثم غادرها في قواته في ربيع الثاني سنة ٥٤٠ هـ (أكتوبر ١١٤٥ م)، قاصداً إلى مدينة فاس.

стр. 1412

الفصل الخامِسُ نهاية الدولة المرابطية في المغرب الدولة المرابطية في طور الاحتضار. ولاية الأمير أبى إسحاق إبراهيم والخلاف حولها. مسير عبد المؤمن إلى وجدة ودخولها في الطاعة. مسيره إلى أجرسيف واقتحامها. زحفه على فاس ونزوله بالمقرمدة. خروج المرابطين بقيادة الصحراوي، واشتباكهم مع الموحدين. مسير عبد المؤمن إلى وادي سبو ونزوله في عقبة البقر. احتلاله لجبل العرض. إرساله حملة لمحاصرة مكناسة. خروج المرابطين منها وفتكهم بالموحدين. مسير عبد المؤمن بنفسه إلى مكناسة. محاصرة الموحدين لفاس. قطعهم للنهر وإغراق مياهه للوادي. اتصال الجياني المشرف على المدينة بالموحدين. غدره بالصحراوي وفتحه باب المدينة. دخول الموحدين فاس وفرار الصحراوي. قدوم عبد المؤمن من مكناسة ودخوله فاس. قتله لأشياخ المرابطين وهدمه لأسوار المدينة. مسيره إلى مكناسة ثم إلى سلا. سقوط مكناسة في أيدي الموحدين. مسير عبد المؤمن إلى وادي أم الربيع وخضوع صنهاجة ودكالة. وفود ابن ميمون قائد الأسطول المرابطي ودخوله في الطاعة. وفود رسل أهل سبتة. مسير عبد المؤمن في قواته إلى مراكش. نزوله فوق جبل إيجليز. محاصرة الموحدين لمراكش. حالة المرابطين داخل المدينة. خروجهم لقتال الموحدين. هزيمة المرابطين وارتدادهم إلى الداخل. وفود أشياخ القبائل على عبد المؤمن. وفود الأندلس إليه. توحيد إسحاق بن ينتان. امتداد الحصار وصمود المدينة. استعمال الموحدين للسلالم واقتحامهم الأسوار. دخول الموحدين مراكش ومقاومة أهلها اليائسة. اقتحام القصبة والقبض على الأمير إبراهيم وآله وخاصته. استباحة الموحدين لمراكش، وقتلهم الذريع لأهلها. مقتل إبراهيم بن تاشفين وأمراء وأشياخ لمتونة. دخول عبد المؤمن المدينة ثم عوده إلى محلته. منع الدخول والخروج من المدينة. اعتبارها مدينة رجسة وتطهيرها وهدم جوامعها. جمع السبي والأسلاب، وصف مراكش في هذا العهد. دخول الموحدين قصبة تلمسان. وفود وفد إشبيلية على عبد المؤمن. - ١ - لم يكن ثمة شك، بعد أن انهار سلطان المرابطين، في المغرب الأوسط، وفي المغرب الشمالي، على هذا النحو الجارف، وبسط الموحدون الظافرون سلطانهم، على سائر القواعد الجنوبية، فيما خلا مراكش، وسائر الثغور الشمالية، فيما خلا الركن الشمالي الغربي - لم يكن ثمة شك في أن الدولة المرابطية، كانت تسير إلى نهايتها المحتومة بسرعة مذهلة. وكان تبدد قوى الدولة المرابطية، واستنفاد مواردها، خلال هذه المعركة

стр. 1413

الطويلة التي استمرت منذ قيام محمد بن تومرت المهدي، زهاء عشرين عاماً، وتوالى الهزائم على الجيوش المرابطية، معركة بعد أخرى، وتمزق صفوفها، وفناء عديدها، وهبوط روحها المعنوي، من جراء هذا الإدبار المستمر - كان ذلك كله مما يؤذن بأنه مهما كانت المقاومة المريرة اليائسة، التي يمكن أن تبذل في المرحلة الأخيرة، من ذلك الصراع الرهيب، فإنها لن تغني شيئاً، ولن تحول دون وقوع الكارثة المرتقبة، التي أخذت طوالعها تبدو قوية في الأفق، ولاسيما بعد مصرع الأمير تاشفين بن علي، وتبدد جيوشه الضخمة على هذا النحو الشامل. والواقع أن الدولة المرابطية لم تعد بعد هذه الضربة القاضية، سوى شبح هزيل. ففي مراكش، كان يمثل الفصل الأخير من مأساة الدولة المحتضرة، وذلك حينما بويع في مراكش، على أثر مصرع تاشفين، لولده الأمير أبى إسحاق إبراهيم، وكان أبوه قد ولاه ولاية عهده، منذ وفوده عليه في تلمسان في أواخر سنة ٥٣٨ هـ حسبما تقدم، ثم وجهه إلى مراكش، وذلك قبيل وفاته بنحو شهر. على أن هذه البيعة التي تمت في أدق الظروف التي كانت تواجهها الدولة المرابطية، لم تقع دون خلاف. فإن إسحاق بن علي عم الأمير إبراهيم، خرج عليه ودعا لنفسه بالإمارة، ووقع الجدل والتطاحن بين الفريقين داخل العاصمة المرابطية، وكان الموحدون في ذلك الوقت نفسه يقتربون من فاس، والوفود والحشود، تترى من كل صوب على عاهلهم عبد المؤمن، فتزيد جموعه، وتعزز قواه، ويصف لنا البيذق، مؤرخ الحملة ومرافقها، مسير عبد المؤمن، فيقول لنا إنه نزل على وجدات (وجدة) فأخذها، ووحد أهلها (١). هذا في حين أن صاحب البيان المغرب يذكر لنا أن الموحدين استولوا على وجدة قبل ذلك بعامين (٥٣٨ هـ) (٢). وسار عبد المؤمن بعد ذلك إلى أجرسيف، وهي تقع في منتصف المسافة بين تلمسان وفاس، فنزل عليها، ولقي الموحدون بعض المقاومة من بعض زعماء تلك الناحية، فجرد عليهم عبد المؤمن بعض قواته، فمزقت جموعهم وقتلتهم، ودخل أجرسيف، ثم غادرها إلى فاس، ونزل بالمقرمدة التي تقع على مقربة من جنوب شرقي فاس، وكان يحيى بن أبي بكر الصحراوي، قد قدم

стр. 1414

إليها في جموعه من تلمسان كما تقدم، وأخذ ينظم خطط الدفاع عنها. وكان عبد المؤمن يتوق إلى الوقوف على مدى استعداد المدينة للدفاع، ومبلغ القوى المدافعة عنها. ذلك أنه بالرغم من وفرة جموعه التي تتألف حسبما تقول الرواية، من ثمانين ساقة على عدد القبائل والوفود، كان يريد التحوط للمفاجآت، ويرمي إلى الاستيلاء على فاس، بأقل التضحيات الممكنة. فبعث ألفاً من المشاة نصفهم من صنهاجة، والنصف الآخر من هسكورة، بقيادة أبي بكر بن الجبر، فعبر بهم نهر سَبو، وصعد إلى جبل زالاغ الذي يشرف على فاس من الشمال، وأوقد الموحدون النيران ليلا فوق الجبل، فلما رأى أهل فاس نيران الموحدين على مقربة من مدينتهم، اضطربوا وماجوا، وخرج الصحراوي في قواته لقتال الموحدين، وفي صباح الغد نشب القتال بين الفريقين، وقدر الموحدون قوة أعدائهم بنحو ألف وخمسمائة، ما بين لمتونة وأهل فاس، وفي العصر ارتد الصحراوي بقواته إلى داخل المدينة. وفي الليلة التالية، عاد الموحدون إلى إيقاد النيران، ولكن الصحراوي لم يخرج إلى القتال في تلك المرة. وفي صباح اليوم التالي، سار عبد المؤمن في قواته إلى وادي نهر سبو، ونزل في موضع يسمى " عقبة البقر " فملأت حشوده السهل الوعر، هذا والصحراوي وأهل فاس، يشهدون هذه الجموع الجرارة من فوق الأسوار، فيملأهم منظرها رهبة وروعاً. وفي اليوم التالي، تحرك عبد المؤمن في قسم منتخب من جيشه، إلى موضع يعرف " بمنزل الحاج " وخرج الصحراوي في خيله إلى جبل العرض، الواقع في شمال غربي المدينة، يفصله عن الموحدين واد يسمى " بسد رواغ ". ولم يقع في ذلك اليوم قتال بين الفريقين. وارتد الموحدون إلى السهل الشاسع، وبقي عبد المؤمن في " منزل الحاج " على قدم الأهبة، في ثلاثة آلاف وخمسمائة من رجاله. وارتد الصحراوي بخيله ثانية إلى المدينة. وفي صباح اليوم التالي، غادر عبد المؤمن في قواته السهل، واحتل جبل العرض، مشرفاً منه على المدينة. وقطع الموحدون الأشجار، وعملوا منها حول محلتهم حاجزاً من الخشب، ثم بنوا حائطاً من وراء الحاجز حماية لأنفسهم، ولدوابهم، واستعدوا لحصار طويل. وبعث عبد المؤمن قسماً من جيشه لمحاصرة مكناسة، الواقعة على قيد ستين كيلومتراً غربي فاس، وكان في مكناسة نحو

стр. 1415

ثلاثة آلاف فارس من قوى لمتونة من الحشم والروم وغيرهم، هذا عدا من انضم إليهم من رجال القبائل القريبة الموالية. فخرجت هذه القوة من مكناسة بقيادة يدِّر بن ولجوط اللمتوني واستطاعت أن ترد الموحدين، وأن تثخن فيهم، وتفنى معظمهم، فعول عبد المؤمن عندئذ أن يسير بنفسه إلى مكناسة، وخرج ليلا في قسم منتخب من جيشه، وعهد بحصار فاس إلى أبى بكر بن الجبر، وأبى إبراهيم، وأبى حفص عمر بن يحيى الهنتاني. ولما وصل إلى مكناسة، ضرب حولها الحصار المرهق، ولبث ينتظر الحوادث. واستمر حصار الموحدين لفاس زهاء سبعة أشهر أو تسعة حسبما يروي البيذق (١)، وفي داخلها يحيى بن أبى بكر بن علي الصحراوي في قواته، ومعه أهل فاس صامدون وراء الأسوار، يخرجون إلى قتال الموحدين من آن لآخر، ثم يعتصمون بمدينتهم. وأخيراً لجأ الموحدون إلى عملية استراتيجية بارعة. ذلك أنهم قطعوا مجرى النهر الذي يدخل إلى المدينة، وأقاموا عليه سداً منيعاً من الحطب والخشب والتراب، فسالت مياه النهر في الوادي، وتعالت حتى صارت بحراً تتلاطم أمواجه، وانهارت بعض أقسام السور من ضغط الماء المتزايد، وسقط معها باب السلسلة (٢). فبادر الصحراوي وجموعه إلى إصلاح ما تهدم من السور، واجتمع المدافعون فوق الأسوار، ونشبت بينهم وبين الموحدين معارك عديدة. وقد كان حرياً أن يطول حصار فاس، لولا أن عجل بنهايته ما حدث داخل المدينة ذاتها. ذلك أنه حدث بين يحيى بن علي، وبين أبى محمد عبد الله بن خيّار الجياني المشرف على المدينة، خلاف من جراء اشتداد يحيى في مطالبة الجياني بالأموال، بطريقة أرهقته، وحملته على أن يتصل سراً بقائد الموحدين أبى بكر ابن الجبر، وأن يعده بفتح أبواب المدينة، وكانت لديه مفاتيحها. وساعدت الظروف الجياني على تحقيق مشروعه. ذلك أن يحيى الصحراوي، أعرس بامرأة من قومه. فبعث إليه الجياني بهدايا جليلة من الطعام والشراب، وشغل الصحراوي في تلك الليلة بعرسه وطعامه وشرابه (٣). وفي صباح اليوم التالي، أوفى الجياني

стр. 1416

بوعده، وفتح " باب الفتوح "، فتدفق منه الموحدون إلى داخل المدينة، وخرج الجياني فانضم إليهم. ولما شعر الصحراوي بوقوع الكارثة، بادر بالفرار مع نفر من صحبه، واخترق الوادي دون أن يلوى على شىء، حتى وصل إلى طنجة. وكان دخول الموحدين مدينة فاس، حسبما يروى ابن صاحب الصلاة، في صباح اليوم الثاني عشر من شهر ذي القعدة سنة ٥٤٠ هـ (٢٦ أبريل سنة ١١٤٦ م) (١). وظاهر مما يرويه البيذق وابن عذارى، أن عبد المؤمن لم يكن حاضراً، وقت دخول الموحدين فاس، وأنه كان عندئذ على حصار مكناسة (٢)، وهذا ما يقرره ابن صاحب الصلاة وابن خلدون بطريقة واضحة (٣). ولكن صاحب الحلل الموشية من جهة أخرى، يذكر أن الجياني اتصل بعبد المؤمن ذاته، وأدخله المدينة من باب الفتوح (٤). بيد أنه من الواضح أن الرواية الأولى، وهي التي يؤيدها البيذق مرافق الحملة، وابن صاحب الصلاة مؤرخ الموحدين، هي الرواية الراجحة. ولما علم عبد المؤمن، وهو بمكناسة، بسقوط فاس، قدم إليها بسرعة ودخلها، وولي عليها أبا إسحاق بن جامع (٥) ومشرفها الجياني، وأمر بقتل كل من قبض عليهم من أشياخ المرابطين، إلا عمر بن ينتان وزير علي ابن يوسف السابق، وهو الذي تعرض لحماية المهدي ابن تومرت، وصرف علي ابن يوسف عن إيذائه، حسبما تقدم في موضعه، وكان المهدي نفسه قد نهي عن قتله وقتل ذريته، فاكتفى عبد المؤمن باعتقاله (٦). وأمر عبد المؤمن بهدم أسوار فاس، فهدم معظمها، وصرح عبد المؤمن بأن الموحدين لا يحتاجون إلى أسوار، وإنما الأسوار هي سيوفهم، وبقيت فاس بلا أسوار عصراً، حتى قام بتشييدها من جديد، حفيده الخليفة

стр. 1417

يعقوب المنصور، ثم ولده الناصر، وذلك في سنة ٦٠٠ هـ (١٢٠٣ م) (١). ولم يمكث عبد المؤمن في فاس سوى أربعة أيام قام فيها بتنظيم شئون المدينة المفتوحة، ثم غادرها في جموع الموحدين إلى مكناسة، وهنالك عهد بمتابعة حصارها لقائده أبى زكريا بن يومور. ثم غادرها إلى سلا. وضيق الموحدون على مكناسة، وبنوا حولها سوراً، وحفروا أمامه خندقاً، وتركوا فيهما ثغرات لمهاجمة المدينة، ومقاتلة المدافعين عنها، فلم تلبث أن سقطت في أيديهم. وعين عبد المؤمن ابن يومور والياً لها. ويبدو من رواية البيذق أن عبد المؤمن حضر سقوط مكناسة. ثم يقول لنا إنه غادرها إلى تادلا، وهنالك ميز جنوده، وانضمت إليه هسكورة وصنهاجة، ثم سار في قواته إلى وادي أم الربيع، واخترقه شرقاً حتى ثغر أزمّور، وهنالك حملت إليه صنهاجة المؤن، واستدعى أشياخ دُكّالة جيرانهم في الجنوب، فوفدوا عليهم وأعلنوا خضوعهم الأول. ثم هبط بعد ذلك إلى مراكش (٢). هكذا يصف لنا البيذق مسير عبد المؤمن إلى مراكش. ولكن سائر الروايات الأخرى تجمع على أن عبد المؤمن، حينما غادر مكناسة، سار منها أولا إلى سلا، وافتتحها بعد مقاومة قصيرة، وذلك في اليوم السابع من شهر ذي الحجة سنة ٥٤٠ هـ. واستولى كذلك على قصبة الرِّباط التي كان قد بناها الأمير تاشفين، وعين والياً لسلا عبد الواحد الشرقي، وبعد أن مكث بها أربعة أيام غادرها إلى مراكش (٣). وكان عبد المؤمن حين وجوده تحت أسوار فاس (سنة ٥٤٠ هـ)، قد وفد عليه قائد الأسطول الأندلسي المرابطي على بن عيسى بن ميمون، وقدم طاعته، ثم عاد إلى الأندلس، وأقام الخطبة للموحدين بجامع قادس، وهي مركز قيادة الأسطول في تلك المنطقة. ثم وفدت على عبد المؤمن خلال مسيره إلى سلا، رسل أهل سبتة يحملون إليه بيعتهم. فتقبلها منهم، وندب للولاية على سبتة يوسف بن مخلوف التينمللي من مشيخة هنتانه (٤).

стр. 1418

وكان عبد المؤمن قد بعث في نفس الوقت قبل مسيره إلى مراكش حملة بقيادة أبى حفص عمر بن يحيى الهنتاني لغزو قبائل برغواطة، النازلة على الشاطىء شمالي أزمّور وجنوبها، فاقتحم ديارهم، واستاق غنائمهم، ثم ارتد أدراجه، فالتقى بعبد المؤمن، وهو في طريقه إلى مراكش، فقسم الغنائم على الموحدين، ثم تابع سيره إلى العاصمة المرابطية. ولما وصل جيش الموحدين إلى ظاهر مراكش، خرج إليه جمع كبير من طلائع لمتونة، فلما رأوا كثرة الموحدين، سرى إليهم الرعب وبادروا إلى الفرار نحو أسوار المدينة، فأدركهم الموحدون وقتلوا عدداً كبيراً منهم. وعلم عبد المؤمن كذلك أن قوات كبيرة من قبيلة لمطة، قد وفدت على المدينة نصرة للمدافعين عنها، فطاردهم الموحدون، وأثخنوا فيهم، وانتزعوا منهم آلافاً من الدواب وغيرها من الغنائم (١). - ٢ - وكان نزول الموحدين على مراكش في فاتحة شهر المحرم سنة ٥٤١ هـ (١٣ يونيه سنة ١١٤٦ م). وفي الحال احتل عبد المؤمن بقواته جبل إيجليز الواقع غربها، وضرب فوقه قبته الحمراء، وبني الموحدون حولها محلة أو مدينة كبيرة يتوسطها مسجد وصومعة عالية، تشرف على مراكش، ونزلت فيها القبائل، كل قبيلة في الموضع الذي حدد لها (٢). وكان إقامة هذه المدينة دليلا على ما كان يتوقعه الموحدون من طول المدافعة والحصار. وضرب الموحدون الحصار حول العاصمة المرابطية. وكانت مراكش تموج بجموع المدافعين عنها، من بقايا الجيوش المرابطية الكبرى، من مختلف الحشود والقبائل. وكان منهم قوة من النصارى المرتزقة، هي بقية الحرس الملكي القديم. بيد أن هذه الجموع الحاشدة، كانت تنقصها القيادة الحازمة، وكانت تعاني من هبوط قواها المعنوية، وكان على عرش مراكش في تلك الآونة الدقيقة، صبي حَدَث لم يجاوز السادسة عشرة من عمره، هو أبو إسحاق إبراهيم بن تاشفين بن علي. وكان يقود هذه المعركة الأخيرة نفر من أشياخ لمتونة، مثل سير بن الحاج،

стр. 1419

وإسحاق بن ينتان، ومحمد بن حواء، ومحمد بن يانجالا وغيرهم، وكان الشعور عاماً بأن مصير الدولة المرابطية أضحى أمراً مقضياً، وأنها لم تكن سوى معركة يأس، تمليها غريزة الاحتفاظ بالنفس، والتعلق بأوهى الاحتمالات والآمال. وهكذا فإن الموحدين، ما كادت تستقر حشودهم حول العاصمة المرابطية، حتى اعتزم المرابطون أن يخرجوا لقتالهم. وخرجت قوة مرابطية قوامها نحو خمسة آلاف وخمسمائة فارس، وحشود لا تحصى من المشاة، يقودها إسحاق ابن ينتان، ومحمد بن حواء، ومحمد بن يانجالا، وسارت إلى محلة الموحدين. ويقول لنا البيذق إن القتال الذي نشب بين الفريقين، استمر أربعة أيام. وفي اليوم الخامس، رتب عبد المؤمن من جنده عدداً من الكمائن المستورة، وخرج المرابطون إلى القتال كالعادة، فلقيهم الموحدون في حشود قليلة، واغتر المرابطون بتفوقهم، بيد أنه ما كاد يتعالى النهار، حتى خرجت الكمائن الموحدية من أماكنها، وحملت على المرابطين بشدة، فانهزموا في الحال، وارتدوا على أعقابهم نحو الأسوار، والقتل مثخن فيهم، حتى وصلوا إلى باب دُكّالة، أو باب الشريعة على قول البيذق، فقتل منهم عدد جم، واستولى الموحدون على نحو ثلاثة آلاف من خيلهم وامتنعت فلولهم بداخل المدينة (١). وفي خلال ذلك كانت الوفود والحشود، تترى على جيش عبد المؤمن، ويفد عليه أشياخ القبائل وزعماؤها موحدين معلنين لطاعتهم. وكان ممن وفد عليه في تلك الفترة بعض زعماء الأندلس الثائرين على سلطان المرابطين، مثل أبى الغمر بن غرون الثائر بشريش، وابن حَمْدين الثائر بقرطبة. وأرسل عدد آخر من زعماء الأندلس الذين شعروا بانهيار سلطان المرابطين، كذلك رسلهم إلى عبد المؤمن (٢). ولم تقع بعد هزيمة المرابطين الكبيرة في ظاهر باب دُكّالة، بين الفريقين معارك ذات شأن، اللهم إلا ما يقصه علينا البيذق، من خروج ابن ينتان لقتال الموحدين من آن لآخر. ثم ما وقع بعد ذلك من إرسال الموحدين زعيم بني ينتان الذي كان قد " وحّد " إليه أعني إلى إسحاق بن ينتان، وتقدم إسحاق بطاعته وتوحيده، وخروجه من المدينة مع أنصاره، وانضمامه إلى الموحدين (٣).

стр. 1420

واستطال حصار مراكش أكثر من تسعة أشهر، وشدد الموحدون في تطويق المدينة، وقطع علائقها مع الخارج، حتى أضحى من المتعذر، أن يدخلها داخل أو يخرج منها خارج. كل ذلك والمدينة صامدة في وجوه المحاصرين. والظاهر أن الموحدين لم يقوموا خلال تلك الفترة بهجمات شديدة على المدينة، وأنهم كانوا يكتفون بالمحاولات الجزئية. والظاهر أيضاً أنه لم تنجح كذلك، أية محاولة من هذه المحاولات، في اقتحام أية ناحية من المدينة، أو ثلم أية ناحية من الأسوار. وفي خلال ذلك كان أهل المدينة يعانون ويلات الحصار، وتنضب الموارد والمؤن تباعاً، حتى نفدت الحبوب والمواد الغذائية، وفنيت الدواب، وخلت المخازن السلطانية من مخزونها، وتساقطت الألوف العديدة من الجوع. وتقدر الرواية عدد من هلك جوعاً من أهل مراكش في تلك المحنة بنيف ومائة وعشرين ألفاً، وعجز الجند عن الحركة والدفاع، وأضحت النهاية المحتومة على الأبواب. ولما شعر عبد المؤمن بأن الضيق بلغ ذروته بالمحصورين، وأن المدينة أصبحت عاجزة عن كل دفاع، اعتزم أن يضرب الضربة الأخيرة. وكان قد مضى على الحصار عندئذ تسعة أشهر وثمانية عشر يوماً. وتختلف الرواية فيما اقترن بتلك الخطوة الأخيرة. ويقول لنا البيذق وهو من شهود الحصار، إن الخليفة أمر باستعمال السلالم لصعود الأسوار، وقسمها على القبائل، وأن الموحدين دخلوا المدينة على أثر ذلك. بيد أن صاحب الحلل الموشية يقدم لنا عن ابن اليسع الذي عاش قريباً من العصر، رواية أخرى مفادها أن جيش الروم أو النصارى المرتزقة الذين كانوا داخل المدينة، اتصلوا بعبد المؤمن واستأمنوه، فمنحهم الأمان، واتفقوا معه على أن يُدخلوه المدينة من " باب أغمات " الواقع في جنوبها الشرقي، وعندئذ أمر عبد المؤمن بعمل السلالم. وفي يوم السبت الثامن عشر من شوال سنة ٥٤١ هـ (٢٤ مارس ١١٤٧ م) دفع الموحدون السلالم إلى الأسوار، وخُصت القبائل كل قبيلة بباب معين، وأقبل أهل مراكش يبذلون آخر محاولة للدفاع. وكانت بالطبع محاولة يائسة. فاقتحم الموحدون المدينة، ودخلوها من كل صوب، فدخلت هنتانة، وأهل تينملل من باب دُكّالة، في شمالها الغربي، ودخلت صنهاجة وعبيد المخزن من باب الدباغين في شرقها، ودخلت هسكورة مع القبائل الأخرى من باب يينتان. ولم يأت الظهر حتى استولى الموحدون على مراكش. ولجأ الأمير إبراهيم ابن تاشفين وجماعة من الخاصة والأعيان، إلى القصبة الداخلية المعروفة " بقصر

стр. 1421

الحجر " وهي قلعة منيعة، فاستمر القتال حتى الزوال، وكثر القتل في المدافعين وأهل المدينة، واقتحم الموحدون القصبة، وقبضوا على الأمير إبراهيم ومن معه من الأمراء والكبراء، والأهل والولد، وأخذوهم إلى محلة عبد المؤمن، فوق تل إيجليز، لتقرير مصيرهم (١). وهكذا اقتحم الموحدون مراكش، ودخلوها بالسيف على النحو الذي تصفه لنا الرواية المعاصرة، ويضيف مؤرخ معاصر آخر هو ابن الأشيري إلى ذلك قوله، إن أهل مراكش بعد هزيمة باب دكالة، أيقنوا بالهلاك، وأن المحلة الموحدية انتقلت إلى دار الفتح وسط البحيرة (أي البستان)، في صدر شوال سنة ٥٤١ هـ، فلم تزل هناك، وأمر المدينة في كل يوم يزداد ضعفاً، وأحوالها ترق، إلى أن كان يوم السبت السابع عشر من شوال، ففتحت مراكش ودخلها الموحدون (٢). بيد أن ابن خلدون يقدم إلينا رواية أخرى خلاصتها، أنه لما أجهد الحصار أهل مراكش، وفتك بهم الجوع، برزوا إلى قتال الموحدين، فوقعت عليهم الهزيمة، وتتبعهم الموحدون بالقتل، واقتحموا عليهم المدينة. ومعنى ذلك أن مراكش سقطت على أثر معركة، نشبت خارج الأسوار، بين المرابطين والموحدين (٣). ويبدو من مختلف التفاصيل، أن مراكش لم تسقط في أيدي الموحدين إلا بعد دفاع مرير، بذل فيه المرابطون وأهل المدينة جهوداً رائعة، بالرغم مما كان يحيط بهم من الظروف الأليمة، وقتل فيه من المرابطين والمدنيين، حسبما يقول لنا ابن اليسع نيف وسبعون ألف رجل (٤). ومن المواقف الرائعة الجديرة بالإعجاب، ما قصه علينا البيذق من أن فانّو بنت عمر بن يينتان، وهي فتاة بارعة الحسن، وافرة الجرأة، كانت تقاتل الموحدين أمام القصر (القصبة) في ثياب فارس. وكان الموحدون، حسبما يقص علينا البيذق يتعجبون من قتالها، ومن شدة ما أعطاها الله من الشجاعة، ولم يعرفها الموحدون حتى قتلت وتبين أنها امرأة في ثياب رجل (٥).

стр. 1422

ولم يكتف الموحدون، بما أوقعوا من الفتك الذريع بالمرابطين وأهل المدينة، ولكنهم أعلنوا استباحة مراكش فيما يصفه ابن الخطيب " بالمحنة العظمى ". وذلك أنهم قرروا استباحة دماء كل من اشتملت عليه من الذكور البالغين. واستمر ْبها القتل الذريع ثلاثة أيام أخرى، ولم ينج من أهلها إلا من استطاع الاختفاء في سرب أو غيره. وطورد اللمتونيون بالأخص أشد مطاردة، واستئصلوا أينما وجدوا. ثم أعلن عبد المؤمن بعد ذلك عفوه عن أهل المدينة المفتوحة. قال ابن الخطيب " فظهر من جميع الخلق بها، ما يناهز السبعين رجلا، وبيعوا بيع أسارى المشركين، هم وذراريهم، وعفي عنهم " (١). وقال صاحب البيان المغرب، إن مراكش أبيحت لقتل من وجد فيها من اللمتونيين مدى ثلاثة أيام، ثم عفا عنهم عبد المؤمن، واشتراهم من الموحدين، وأعتقهم وأطلقهم. واستولى عبد المؤمن على ذخائر تاشفين وجميع أمراء لمتونة، مما لا يحيط به حصر ولا وصف ولا بيان. ولم يكن مصير الأمير الصبي إبراهيم آخر ملوك الدولة المرابطية، وزملائه من أشياخ لمتونة، بأقل روعة. ذلك أنهم اقتيدوا حسبما قدمنا، إلى قبة عبد المؤمن فوق تل إيجليز. وكان إبراهيم قد قبض عليه مع الآخرين في القصبة. وقيل إنه وجد مختفياً في إحدى غرف القصر في كومة من الفحم (٢). فلما أخذ إلى عبد المؤمن، أشفق عليه ورثا لمحنته وصغر سنه، ومال إلى العفو عنه والإبقاء عليه. ويقص علينا البيذق وهو شاهد عيان، أن الأمير الفتى كان يتضرع إلى عبد المؤمن، ويقول له يا أمير المؤمنين ما لي في الرأي شىء، فيقول له وصيفه طلحة " أصمت عنا، هل رأيت ملكاً يتضرع لملك مثله ". وفي رواية أخرى أن سير بن الحاج أحد أشياخ المرابطين، لما رأى تضرع إبراهيم لعبد المؤمن، تفل في وجهه وقال له " أترغب إلى أبيك ومشفق عليك، اصبر صبر الرجال ". وعلى أي حال فقد تأثر عبد المؤمن لضراعة الأمير الفتى، وقال لأبى الحسن بن واجّاج (وهو من أهل خمسين)، وكان قد قتل بيده عدة من أمراء وأشياخ لمتونة عقب إحضارهم إلى تل إيجليز " أترك هؤلاء الصبيان، ما الذي تعمل بهم "، فصاح به أبو الحسن " ارتد علينا عبد المؤمن، يريد أن يربي علينا فراخ السبوعة "، فغضب الخليفة، وغادر

стр. 1423

مكانه وتبعه الموحدون إلا أبا الحسن، والشيخ أبا حفص، فاقتاد أبو الحسن الأمير إبراهيم وقتله، ثم جذبوا طلحة، وصيفه ليقتلوه، فلما اقترب من أبى الحسن، استل خنجراً كان يحتفظ به، وطعن أبا الحسن فقتله، وقتله الموحدون على الأثر، ويضيف البيذق إلى ذلك أن أبا الحسن كان قد أوثق زهاء ألف رجل من أبناء دُكّالة ليقتلهم، فلما قُتل أطلق سراحهم، وعفى عنهم (١). وهكذا زهق أبو إسحاق إبراهيم بن تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين، صبياً في السادسة عشر من عمره، بعد أن حكم حكمه الإسمي المنكود مدى عامين، وزهق ضحية بريئة للحوادث، دون أن يضطلع منها بشىء، أو يعقد أو يحل منها أمراً ذا خطر، وقد كان حرياً برجل عظيم مثل عبد المؤمن أن يحقن دم هذا الأمير الصغير، لو أنه استعمل الصرامة والحزم مع أولئك الأتباع الظمئين إلى الدماء. وبموت إبراهيم اختتم ثبت ملوك لمتونة، وانهار عرش بني يوسف ابن تاشفين، بعد أن لبث منذ تأسيس مراكش في سنة ٤٦٢ هـ، ثمانين عاماً، ترفرف أعلامه الظافرة على أنحاء المغرب، وخمسين عاماً ترفرف فوق جنبات الدولة المرابطية الكبرى بالمغرب والأندلس. ويصف لنا البيذق بعد ذلك مصير أبى بكر بن تيزميت خادم علي بن يوسف، وكيف أمر الخليفة بقتله، لأنه هو الذي قبض على المهدي أيام وجوده بمراكش وحمله إلى السجن، وكيف غرر أبو بكر بالموحدين، وزعم أن لديه بمنزله آنية ملأى بالذهب، يريد أن يسلمها للموحدين، فبعث معه الخليفة باثني عشر رجلا ليتسلموا الذهب فأغلق الدار عليهم وقتلهم، وهم يشتغلون بالحفر بحثاً عن الآنية المزعومة، فأخذ إلى الخليفة وأمر به فقتل (٢). وكان عبد المؤمن قد دخل مراكش على أثر افتتاحها، ثم عاد منها في الحال إلى محلته، ورتب الأمناء على أبوابها. وبقيت مراكش بعد ذلك ثلاثة أيام لا يدخلها ولا يخرج منها أحد. ذلك أن الموحدين، كانوا يرون، في غلوائهم الدينية، أن مراكش هي مدينة المجسمين وأهل اللثام، الذين لعنهم المهدي، وأفتى بشركهم وتكفيرهم، فهي إذن مدينة نجسة، لا تصلح لنزول الموحدين الأطهار. وقال أشياخ الموحدين فوق ذلك إن المهدي امتنع عن سكنى مراكش،

стр. 1424

لتشريق مساجدها عن القبلة المستقيمة، والتشريق والتحريف، لغير المسلمين من اليهود وغيرهم. فأشار الفقهاء الموحدون عندئذ بتطهير المدينة، تمهيداً لسكناها، ونصحوا بهدم جوامعها القائمة، بسبب تشريقها وتحريفها عن القبلة. وهكذا هُدم جامع علي بن يوسف هدماً جزئياً، وهدمت الجوامع الأخرى. وتولى الأمناء جمع السبي والأسلاب من الحلي والسلاح والمتاع وغيرها، وحملت كلها إلى المخازن، وبيع النساء في اليوم الرابع، بعد أن تم تطهير المدينة وجمعت أسلابها على هذا النحو، ودخل عبد المؤمن مراكش، وقسم أرزاقها ودورها على الموحدين، فسكنوها بضع أسابيع (١). ومما له مغزى بارز، ما يقصه علينا المراكشي، من أن عبد المؤمن حين دخوله مراكش، بحث عن قبر أمير المسلمين يوسف بن تاشفين أشد البحث، فأخفاه الله عنه وستره، وكان ذلك حسبما يروي المؤرخ، دليلا على رعاية الله وعادته الحسنى مع الصالحين المصلحين (٢). ويقدم إلينا الإدريسي الذي تجول في أنحاء المغرب وقواعده في أواخر عهد المرابطين (حوالي سنة ٥٣٠ هـ) وصفاً لمدينة مراكش عقب سقوطها في أيدي الموحدين، يقول فيه، إنها أي مراكش كانت دار إمارة لمتونة ومدار ملكهم، وكان بها قصور لكثير من الأمراء والقواد وخدام الدولة، وأزقتها واسعة، ورحابها فسيحة، ومبانيها سامية، وأسواقها مختلفة، وسلعها نافقة، وكان بها جامع بناه أميرها يوسف بن تاشفين، فلما كان في هذا الوقت، وتغلب عليها المصامدة، وصار الملك لهم، تركوا ذلك الجامع معطّلا مغلق الأبواب، ولا يرون الصلاة فيه، وبنوا لأنفسهم مسجداً جامعاً يصلون فيه، برهد أن نهبوا الأموال وسفكوا الدماء، وأباحوا الحُرم، كل ذلك بمذهب لهم يرون ذلك فيه حلالا. وشُرب أهل مراكش من الآبار، ومياهها كلها عذبة، وآبارهم قريبة معينة. وكان علي بن يوسف قد جلب إلى مراكش ماء من عين بينها وبين المدينة أميال، ولم يستتم ذلك،

стр. 1425

فلما تغلب المصامدة على الملك، تمموا جلب ذلك الماء إلى داخل المدينة، وصنعوا به سقايات بقرب دار الحجر، وهي الحظيرة التي فيها القصر منفرداً متحيزاً بذاته، والمدينة بخارج هذا القصر، وطولها أشف من ميل، وعرضها قرب ذلك، وعلى ثلاثة أميال من مراكش نهر لها يسمى تانسيفت، وليس بالكبير لكنه دائم الجري (١). وفي نفس الوقت الذي افتتحت فيه مراكش، دخل الموحدون قصبة تِلِمسان، وذلك في الخامس عشر من شوال سنة ٥٤١ هـ، أعني قبل سقوط مراكش بثلاثة أيام. ووفد على عبد المؤمن عندئذ من أشياخ الموحدين، يحيى بن إسحاق المسّوفي المعروف بأنجمار أمير تلمسان السابق، وكان قد دخل في طاعة الموحدين، فشمله عبد المؤمن برعايته، واحتُرمت داره وزوجته زينب بنت علي بن يوسف، وسائر أصحابه وأسرهم (٢). وحدث خلال وجود عبد المؤمن بمراكش أن قدم عليه من الأندلس وفد إشبيلية وعلى رأسه القاضي أبو بكر بن العربي المعافري، بعد مقتل ولده عبد الله في حوادث إشبيلية، والخطيب أبو عمر بن الحجاج، وأبو بكر بن الجد الكاتب، وأبو الحسن الزهري، وأبو الحسن ابن صاحب الصلاة، وغيرهم من زعماء إشبيلية ووجوهها، فاستقبلهم عبد المؤمن، وألقى القاضي أبو بكر وبعض زملائه بين يديه خطباً بليغة، ورفعوا إليه بيعة أهل إشبيلية مكتوبة بخطوطهم، فاستحسن عبد المؤمن موقفهم، وقبل طاعتهم، وأغدق عليهم الجوائز والصلات، وكان ذلك في أوائل سنة ٥٤٢ هـ. ولما عاد الوفد إلى الأندلس، توفي القاضي ابن العربي، خلال الطريق، ودفن بفاس في جمادى الآخرة من نفس السنة. وكان مقدم هذا الوفد البارز، وهو يمثل أعظم حواضر الأندلس، من الدلالات الواضحة، على تحول ولاء الأندلس بسرعة، إلى جانب الموحدين. وكان له أثره فيما بعد، في إيثار الموحدين لإشبيلية، واتخاذها حاضرة الأندلس في عهدهم (٣).

стр. 1426

الفصل السادِس الدولة الموحدية في سبيل التوطد اختتام الغزوة الموحدية الكبرى. اضطرام الثورة في بلاد السوس. زعيمها الهادي أو الماسي. اتساع نطاقها وخلع القبائل لطاعة الموحدين. مسير الموحدين لقمع الثورة بقيادة الشيخ أبى حفص عمر. لقاء الموحدين وقوات الماسي في وادي ماسة. هزيمة الماسي ومصرعه وتمزيق جموعه. الجندي الكاتب أبو جعفر بن عطية ورسالته عن الموقعة. إعجاب أبى حفص بها. إعجاب الخليفة واستدعاؤه لابن عطية، وتقليده خطة الكتابة. مطاردة أبى حفص للقبائل الخارجة وتمزيقها. غزوه لأراضي برغواطة. نزول يحيى الصحراوي في سبتة. غدره بابن ميمون وقتله. دور القاضي عياض في حوادث سبتة. انتقاض أهل سبتة ومقتل واليها الموحدي. مسير الصحرأوى من سبتة إلى سلا ثم إلى أراضي برغواطة. اجتماع برغواطة ودكالة ورجراجة وحاحة حوله. عبد المؤمن يرسل إلى برغواطة حملة جديدة بقيادة يصلاسن. مسير يصلاسن إلى سلا واقتحامها وخضوعها. ثم إلى بني وراغل وإخضاعهم. مسيره إلى طنجة واقتحامها، ثم إلى سبتة. مبادرة أهل سبتة إلى الخضوع والعفو عنها. عبد المؤمن يجهز الحشود لمقاتلة برغواطة والصحراوي. خروجه في قواته من مراكش ومسيره صوب دكالة، ثم أزمور. مهاجمته لحشود الثوار وتمزيقهم. فرارهم نحو البحر وغرق الكثير منهم. فرار يحيى الصحراوي وصحبه إلى السوس ثم إلى الصحراء. استيلاء عبد المؤمن على أسلاب برغواطة ودكالة. إذعان برغواطة إلى التوحيد. عودة عبد المؤمن إلى مراكش. نزعة الموحدين إلى القمع الدموي. حادث الاعتراف وقتل المارقين والمعاندين. الجرائد الدموية لمختلف القبائل وعدد القتلى من كل منها. تأملات حول موقف عبد المؤمن من هذا السفك المروع. إخماد ثورة أخرى في برغواطة. مسير عبد المؤمن في قواته إلى سلا. إنشاؤه لقصبة رباط الفتح. استقباله لوفود الأندلس. اعتزامه فتح بجاية وبواعث هذا القرار. مسيره صوب بجاية من طريق ملتوية. استيلاؤه على جزائر بني مزغنة. بنو حماد أصحاب بجاية والقلعة. قلعة بني حماد وموقعها. انتقالهم إلى بجاية. استيلاء عبد المؤمن على بجاية وما يقال في ذلك. استيلاء عبد الله بن عبد المؤمن على القلعة. سقوط بونة وقسنطينة في أيدي الموحدين. مسير يحيى بن عبد العزيز صاحب بجاية صحبة عبد المؤمن إلى مراكش. وصف بجاية في هذا العهد. الصدام بين الموحدين والعرب في هذه المنطقة. هزيمة العرب وتمزيق حشودهم. ثورة صنهاجة قرب بجاية وإخمادها. مسير عبد المؤمن إلى تلمسان ثم إلى فاس ومكناسة وسلا فمراكش. مؤامرة أخوى المهدي بمراكش. إخمادها وإعدام المتآمرين. قيام عبد المؤمن بحركة تطهير جديدة. عبد المؤمن يدبر مصرع القائد يصلاسن. ثورة جديدة في السوس. مسير أبى حفص لإخمادها. سحق القبائل الثائرة وأخذ غنائمها وتوحيد بعضها. مسير عبد المؤمن من مراكش إلى تينملل. - ١ - وهكذا اختتمت تلك الغزوة الكبرى، التي اضطلع بها عبد المؤمن بن علي، مذ خرج في حشوده الموحدية الجرارة، من تينملل في سنة ٥٣٥ هـ (١١٤٠ م)،

стр. 1427

واستمر زهاء سبعة أعوام يثخن في أنحاء المغرب، من الجنوب إلى الشمال، ثم إلى الشرق ثم إلى الجنوب، ويوقع بالجيوش المرابطية مرة بعد أخرى، ويستولي تباعاً على قواعد المغرب - اختتمت تلك الغزوة الكبرى باستيلاء الموحدين على حضرة مراكش، والقضاء على الدولة المرابطية في المغرب. على أن تحقيق هذه الغاية الجوهرية، لم يكن نهاية الصراع الذي كان على الموحدين أن يضطلعوا به، لتوطيد دولتهم، والقضاء بصورة نهائية، على كل مقاومة لدعوتهم الدينية، وسلطانهم السياسي، وذلك أولا في المغرب، حيث قامت دعوتهم، وانتظمت دولتهم. ثم كان عليهم بعد ذلك، أن يتابعوا فتوحهم، فيما وراء البحر، في الأندلس حيث كانت الدولة المرابطية، مازالت تحتفظ ببقية سلطانها، في شبه الجزيرة، وفي بعض قواعد الأندلس، وتحتفظ في نفس الوقت ببقية من قواتها العسكرية، ونفر من أكابر قادتها وزعمائها. وفي الوقت الذي لاح فيه أن الموحدين، بفتح مراكش، قد وصلوا إلى ذروة سلطانهم، اضطرمت أول ثورة خطيرة ضد دعوتهم الدينية وسلطانهم السياسي، وكان ذلك في بلاد جزولة، غربي بلاد السوس، حيث قام ثائر يدعى محمد بن عبد الله بن هود وتسمى بالهادي. وأصل هذا الرجل من سلا، وكان قصّاراً، فلما ذاعت الدعوة الموحدية، واستولى الموحدون على سلا، ادعى الهداية، وسمى نفسه بالهادي، ثم سار جنوباً إلى أرض جزولة ونزل برباط ماسة، وذلك في شوال سنة ٥٤١ هـ، ومن ثم اشتهر كذلك باسم الماسي (١)، فتبعه كثير من الناس من مختلف القبائل، وذاعت دعوته بسرعة مدهشة، وسرعان ما استولى على بلاد تامسنا، وبلاد المصامدة، وانضمت إليه عدة من القبائل التي كانت تدين بالتوحيد مثل حاحة، ورجراجة، وهزميرة وهسكورة ودكالة، وخلعت معظم القواعد التي توحدت الطاعة، حتى لم يبق تحت سلطان عبد المؤمن وطاعته، في وسط المغرب وجنوبه، سوى فاس ومراكش. وكان استفحال الثورة، واتساع نطاقها على هذا النحو، دليلا على أن الدعوة الموحدية، لم تكن قد تمكنت بعد في نفوس معتنقيها، وأنهم لم يدينوا بها إلا تحت سلطان الضغط

стр. 1428

والإرهاب المادي. والواقع أن وسائل الموحدين في نشر دعوتهم لم تكن حسبما رأينا مما فصلناه من قبل، رفيقة ولا إنسانية، بل كانت قائمة على الخضوع الأعمى للدعوة والإرهاب المطلق، وسفك الدم السريع. ومن ثم كان ارتداد القبائل الموالية، بمثل السرعة التي توحدت بها، وانضمامها إلى راية الدعيّ الجديد. وشعر عبد المؤمن وأشياخ الموحدين، أن الأمر سوف يخرج من أيديهم، إذا لم تسحق ثورة الماسي بسرعة. فبعث عبد المؤمن لقتاله حملة بقيادة ابن يكيت ويحيى المسّوفي المعروف بأنجمار، فلقيهم الماسي في قواته وهزمهم وأثخن فيهم فعندئذ جهز عبد المؤمن لقتاله حملة ضخمة مختارة، تضم طائفة من الروم، أي النصارى المرتزقة، والرماة وغيرهم، من المقاتلة المدربين، وعلى رأسها الشيخ أبو حفص عمر الهنتاني وعدة من أشياخ الموحدين. وكان بين الجند الرماة فتى يمتُّ إلى الأدب بصلة، هو أبو جعفر أحمد بن عطية القضاعي، وهو من أهل مراكش، ولكنه يرجع إلى أهل الأندلس، وأصله القديم من طرطوشة ثم من دانية (١)، وقد كان ضمن كتاب علي بن يوسف، ثم كتب عن ابنه تاشفين ثم عن حفيده إبراهيم، وكان على حداثة سنه من أحظى كتاب الدولة اللمتونية. فلما سقطت مراكش أخفى نفسه، ودخل في غمر الناس، وانضم إلى كتائب الموحدين، لا يعلم بحقيقته أحد. وكانت الحملة الموحدية تضم نحو ستة آلاف فارس ومثلهم من الرجالة. وكان جيش الماسي يضم نحو الستين ألفاً، ليس فيهم من الفرسان سوى سبعمائة. وسار الموحدون صوب تامسنا بوادي ماسه، والتقوا بقوات الماسي، وذلك في السادس عشر من شهر ذي الحجة سنة ٥٤٢ هـ (٧ مايو ١١٤٨ م)، ونشبت بين الفريقين معركة شديدة، قاتل فيها جند الماسي بشجاعة، ولكنهم هزموا في النهاية، وقتل الماسي، قتله الشيخ أبو حفص بيده، ومُزق جنده شر ممزق، وحمل الموحدون جثته فوق بغل، حيث صلبت على باب الشريعة بمراكش. وكان نصراً باهراً، انهارت على أثره ثورة الماسي وانفضت جموعه (٢). وحدث على أثر انتهاء المعركة بظفر الموحدين، أن بحث الشيخ أبو حفص

стр. 1429

عن كاتب بارع يقوم بإعلام الخليفة بما أتاه الله من نصره، في رسالة قوية بليغة، فأرشد إلى فتى من الجند الرماة، يجيد الشعر والترسل، فاستحضره، وكان هو أبو جعفر بن عطية، فعهد إليه بأن يكتب عنه إلى الخلافة رسالة يصف فيها المعركة، فنزل أبو جعفر عند رغبته مرغماً، وكتب رسالته الشهيرة، في نصر الموحدين في ذلك اليوم، فجاءت قطعة من البلاغة المتدفقة، والبيان الرائع، وهي الرسالة التي رفعت إسمه وقدره، لدى الخليفة، وبين سائر الموحدين، وكانت سبيله إلى الوزارة، وإلى النفوذ والسلطان. وقد أورد لنا ابن الخطيب نص هذه الرسالة. وإنه ليكفي أن ننقل منها هاتين الفقرتين. جاء في الديباجة ما يأتي: " كتبنا هذا من وادي ماسة، بعدما تزحزح من أمر الله الكريم، ونصر الله المعلوم، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، فتح بمسرى الأنوار إشارقاً، وأحدق بنفوس المؤمنين إحداقاً، ونبه للأماني القائمة جفوناً وأحداقاً، واستغرق غاية الشكر استغراقاً، فلا تطيق الألسنة كنه وصفه إدراكاً ولا لحاقاً، جمع أشتات الطب والأدب، وتقلب في النعم أكرم منقلب، وملأ دلاء الأمل إلى عقد الكرب. فتح تفتّح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب وتقدمت بشارتنا به جملة، حين لم تعط الحال بشرحه مهلة. كان أولئك الضالون المرتدون، قد بطروا عدواناً وظلماً، واقتطعوا الكفر معنى وإسماً، وأملى الله لهم ليزدادوا إثماً ". ومنها في وصف مصرع أنصار الماسي: " فامتلأت تلك الجهات بأجسادهم، وأذنت الآجال بانقراض آمالهم، وأخذهم الله بكفرهم وفسادهم، فلم يُعاين منهم إلا من خر صريعاً، وسقى الأرض نجيعاً، ولقى من وقع الهنديات أمراً فظيعاً، ودعت الضرورة باقيهم إلى الترامي في الوادي، فمن كان يؤمل الفرار ويرتجيه، ويسبح طامعاً في الخروج إلى ما ينجيه، اختطفته الأسنة اختطافاً، وأذاقته موتاً زعافاً، ومن لج في الترامي على لججه، ورام البقاء في ثجه، قضى عليه شرقه، وألوى فرقته غرقه " (١).

стр. 1430

يقول لنا ابن الخطيب، إن الشيخ أبا حفص حين قرئت عليه رسالة هذا الجندي الأديب، اشتد إعجابه بها، وأحسن إلى كاتبها، واعتقد أنه ذخر يتحف به عبد المؤمن، وأنها لما قرئت بعد ذلك على الخليفة بمحضر من أكابر الدولة عظُم مقدارها، ومقدار منشيها، وبعث في طلبه معززاً مكرماً. ولما وفد ابن عطية على عبد المؤمن، بالغ في إكرامه، وقلده خطة الكتابة، وأسند إليه وزارته، ثم فوض إليه فيما بعد النظر في أموره كلها، فنهض بأعباء منصبه خير نهوض. ولكن القدر كان يتربص به، وكان يدخر له تلك الخاتمة المؤسية، التي سنقص سيرتها فيما بعد. وعلى أثر هزيمة الماسي ومصرعه، وانهيار حركته، خرج الشيخ أبو حفص في قواته لمطاردة القبائل الخارجة، فسار أولا إلى هسكورة، وأثخن فيها، ومزق شملها، وسبى أهلها، واستاق غنائمها. ثم سار إلى أرض نفيس، ثم أرض هيلانة، فمزق جموعهم، وفرض عليهم الخضوع والطاعة. وسار بعد ذلك إلى سجلماسة فاستولى عليها، وأمّن أهلها. وعاد إلى مراكش فاستراح بها قليلا، ثم خرج غازياً إلى أرض برغواطة، وكانوا مازالوا على دعوة الماسي، فنشب بينهم وبينه قتال مرير، ومعارك متوالية، استمرت حيناً، وهزم الموحدون في نهايتها. واستمرت برغواطة ومن يجاورها من القبائل في ثورتهم وخروجهم فترة أخرى. وكان يحيى بن أبى بكر بن علي الصحراوي، أو ابن الصحراوية، حينما فر من فاس، عند سقوطها في أيدي الموحدين، قد غادرها إلى سبتة ليحاول أن يجعل منها قاعدة للمقاومة، وجمع أشتات الفلول المرابطية. وهنا تختلف الرواية في شأن ما تلا من الحوادث التي وقعت في سبتة. ذلك أن البيذق قدم إلينا رواية خلاصتها أن الصحراوي حينما نزل بسبتة، حاصره بها على بن عيسى بن ميمون قائد الأسطول الأندلسي في منطقة قادس، وهو الذي انحاز إلى الموحدين حسبما تقدم، فتودد إليه الصحراوي، وأوهمه أنه يريد أن يبايع الموحدين، وأن يكون توحيده على يديه، وفي اليوم التالي نزل ابن ميمون من سفينته إلى البر، فاستقبله الصحراوي ثم هاجمه فجأة وطعنه برمحه فأرداه، وصلب جثته في برج المدينة، ثم غادر الصحراوي على أثر ذلك سبتة إلى طنجة (١).

стр. 1431

بيد أن هنالك رواية أوضح تفصيلا، هي رواية صاحب روض القرطاس، وابن خلدون، وهي رواية تدور حول الدور الخطير الذي قام به القاضي عِياض ابن موسى اليحصبي قاضي سبتة، في حوادث سبتة عندئذ. وكان القاضي عِياض من أعظم فقهاء العصر وعلمائه، وكان قد وُلّي قضاء سبتة شاباً، فاشتهر بنزاهته وغزارة علمه، فنقل إلى قضاء غرناطة (سنة ٥٣١ هـ)، ثم أعيد بعد ذلك إلى قضاء سبتة (٥٣٩ هـ). فلما ظهر أمر الموحدين، بادر إلى الدخول في طاعتهم، وسار إلى لقاء الخليفة عبد المؤمن، وهو بسلا في أواخر سنة ٥٤٠ هـ، فأكرمه عبد المؤمن وأجزل صلته، فعاد إلى سبتة واستمر في منصبه (١). بيد أنه لأسباب غير واضحة، تغير ضد الموحدين فجأة، ولم يلبث وفقاً للرواية المتقدمة، أن حرض أهل المدينة على الانتقاض والثورة، فثاروا بواليها الموحدي يوسف بن مخلوف التينمللي، وقتلوه ومن معه من الموحدين. ثم عبر القاضي عياض البحر إلى الأندلس، ولقى يحيى بن غانية المسّوفي، والى الأندلس المرابطي، وطلب منه والياً لسبتة، فبعث معه يحيى بن أبى بكر الصحراوي، وكان وفقاً لنفس الرواية قد عبر البحر إلى الأندلس، وانضم إلى ابن غانية. فقام الصحراوي بأمر سبتة، ثم كتبت إليه برغواطة تستنصر به على قتال عبد المؤمن، فغادر سبتة، وسار في صحبه إليهم، فبايعوه واجتمعوا تحت رايته (٢). بيد أن البيذق، بعد ذكر ما تقدم من اغتيال الصحراوي لابن ميمون، يقدم إلينا عن خطط الصحراوي ومسيره إلى الجنوب، تفاصيل أخرى، خلاصتها أن الصحراوي لما غادر سبتة، سار منها إلى طنجة، وهنالك ألفي واليها يحيى بن تايشا المرابطي، ممتنعاً بأسوارها القوية، وعلى أهبة حسنة للدفاع، فغادرها إلى سلا، وكان بها الخياط والد الثائر الماسي، وكانت قد خرجت فيمن خرج على طاعة الموحدين. ولكن الخياط لم يكن من أنصار لمتونة، فساء التفاهم بينه وبين الصحراوي، ولم يلبث أن وثب به الصحراوي وقتله، ووقعت هذه الحوادث كلها في أوائل سنة ٥٤٣ هـ (١١٤٨ م) (٣). وكان يحيى الصحراوي جندياً عظيماً، وفارساً وافر الجرأة (٤). وكان يعتزم

стр. 1432

أن ينزل إلى ميدان تضطرم فيه ثورة ضد الموحدين. وكانت المنطقة الساحلية الممتدة من سلا جنوباً، حتى أراضي برغواطة، ودُكالة، قد غدت كلها بعد هزيمة الموحدين أمام برغواطة، منطقة لمقاومة الدعوة الموحدية، ومحاولة تحطيمها، فإلى هذا الميدان نزل الصحراوي في صحبه القلائل، واجتمعت برغواطة ودكالة حول رايته، ثم قدمت إليه حشود رَجراجة وحاحة، وانضمت إليه، واجتمع من هؤلاء وهؤلاء، قوة يخشى بأسها. فلما علم عبد المؤمن باجتماع هذه الحشود الضحمة الخصيمة وتأهبها لمقارعته، بعث لقتال الثوار حملة بقيادة يصلاسن، أحد خاصته. فسار يصلاسن أولا إلى تادلا، ومنها إلى سلا لمعاقبة أهلها على نكثهم، فاقتحمها، وغلب على قصبتها بالسيف، فعاد أهلها إلى الخضوع والطاعة، وعهد بولايتها إلى موسى بن زيري الهنتاني. ثم سار إلى أرض بني ورياغل، فيما بين سلا ومكناسة، وكانوا من الناكثين، فأخضعهم واستاق غنائمهم إلى مكناسة، فقسمت بين الموحدين، ثم اتجه شمالا صوب طنجة، وكانت ما تزال من معاقل لمتونة، فاقتحمها، وقتل واليها المرابطي يحيى بن تايشا. وسار منها بعد ذلك شرقاً إلى سبتة وحاصرها، ولكنه لم يدخلها، وعاد بقواته إلى مكناسة (١). وهنا لابد لنا أن نتساءل عن سر هذا الإغضاء عن معاقبة المدينة الثائرة أعني سبتة. والجواب على ذلك هو أن القاضي عِياض، حسبما يروي لنا البيذق، بادر فبعث إلى القائد الموحدي ببيعته وبيعة أهل سبتة للموحدين، وبذلك أنقذت المدينة (٢). وفي رواية أخرى، أنه لما قدم الموحدون إلى سبتة، وشددوا في حصارها، سعى إليهم القاضي عياض، وتلطف في الاعتذار إليهم عما حدث، وفي استدرار عطفهم وصفحهم، فعفوا عنه، وملكوا البلدة، ولقى القاضي من القائد الموحدي يصلاسن بن المعز، كل عطف وإكرام، وأن القاضي عياض، سار بعد ذلك إلى مراكش (سنة ٥٤٣ هـ)، ليستعطف الخليفة ويلتمس صفحه، فعفا عنه عبد المؤمن، وأمره بلزوم مجلسه، وأغدق عليه عطفه. ثم مرض القاضي غير بعيد، وتوفي بمراكش في ليلة التاسع من جمادى الآخرة سنة ٥٤٤ هـ ودفن بها (١١٤٩ م) (٣). وأخيراً يقول لنا

стр. 1433

صاحب القرطاس " إن أهل سبتة حينما رأوا ما نزل بالناكثين من صنوف الويل، بادروا بإعلان بيعتهم وطاعتهم، وحمل البيعة إلى عبد المؤمن أشياخ المدينة وطلبتها فتقبلها منهم، وعفا عنهم، وعن القاضي عياض، ولكنه أمره بمغادرة سبتة والإقامة بمراكش، فصدع بالأمر وسار إلى مراكش، وهنالك توفي بعد قليل في جمادى الأخرى سنة ٥٤٤ هـ، وأمر عبد المؤمن كذلك بهدم أسوار سبتة فهدمت (١)، وأسندت ولايتها إلى حاكم موحدي هو عبد الله بن سليمان مع طائفة من الحفاظ، وعاد إليها الهدوء والسكينة. واعتزم عبد المؤمن أن يخرج بنفسه ليقضي على الخارجين عليه في منطقة برغواطة ودُكالة، التي غدت بعد حلول الصحراوي بها مركزاً للمقاومة المرابطية. فأرسل الكتب إلى سائر الأنحاء، وجاءت إليه حشود تترى من كل مكان، وكان في مقدمتهم يوسف بن وانودين، وقد وافاه بعساكر النواحي الشرقية، ولكنه توفي خلال الطريق بفاس، فخلفه في القيادة تاشفين بن ماخوخ وآخرون من الزعماء، ووفدت حشود المناطق الغربية وعلى رأسها عبد الله بن خيّار الجيّاني، الذي عرفناه من قبل مشرفاً على فاس، وقد لعب دوره في تسليمها إلى الموحدين، ثم حشود زناتة، بقيادة عبد الله بن شريف وثلاثة آخرين من الزعماء، وحشود غُمارة بقيادة عبد الله بن سليمان، وحشود صنهاجة بقيادة أبى بكر ابن الجبر وأبى يدِّر بن ومصال، وحشود جَراوة بقيادة عبد الله بن داود، واجتمعت هذه الحشود كلها تحت راية عبد المؤمن، فخرج من مراكش في عسكر جرار، وسار شمالا نحو أراضي دُكالة. وكانت حشود برغواطة ودكالة ويحيى الصحراوي قد اجتمعت عندئذ على مقربة من ساحل المحيط جنوبي ثغر أزمّور، وفي بعض الروايات أن هذه الجيوش التي اجتمعت لقتال عبد المؤمن بلغت زهاء عشرين ألف فارس ومائتي ألف راجل، وهو تقدير يحمل طابع المبالغة. ويقدم إلينا ابن خلدون تقديراً أكثر اعتدالا، فيقول إنهم كانوا في نحو ستين ألفاً من الرجالة وسبعمائة من الفرسان (٢). بيد أنها كانت خالية من فرق الرماة، التي امتازت بها الجيوش الموحدية. والظاهر أيضاً مما تذكره الرواية المذكورة أن عبد المؤمن لجأ إلى خطة لم يحسب حسابها خصومه، وفاجأهم بالهجوم، فاختل

стр. 1434

نظامهم، وتبدد شملهم، واضطروا إلى مغادرة مراكزهم الحصينة نحو البحر، فغرقت منهم جموع غفيرة، وتمت عليهم الهزيمة الساحقة (١)، ومزقت بالأخص حشود دكالة، وفر زعماؤها ومعهم يحيى الصحراوي إلى السوس، فسار في أثرهم يصلاسن حتى أراضي رجراجة، ومزق جموعها حتى أذعنت إلى التوحيد، وفر يحيى إلى الصحراء. وفي رواية أخرى أنه بعث إلى عبد المؤمن يستأمنه فأمنه وبايعه وحسنت طاعته (٢). واستولى عبد المؤمن على أسلاب برغواطة ودكالة، وسبى نساءهم وأولادهم وبيعوا رقيقاً. وأذعنت برغواطة إلى التوحيد، واسترد الموحدون منها ما سبق أن غنموه من أبى حفص حين هزيمته من السلاح والعتاد، وكذلك رُد إليه ولده وجاريته، وانتشر الموحدون في تلك المنطقة، وأخمدوا عدة ثورات محلية صغيرة. ووقعت هذه الحوادث حسبما يقص علينا البيذق في سنة ٥٤٣ هـ (١١٤٨ م) (٣)، وعاد عبد المؤمن إلى مراكش ظافراً بعد أن قضى في تلك الغزوة ستة أشهر. - ٢ - وهكذا هدأت الثورة ضد الموحدين في مختلف النواحي، وأرغمت معظم القبائل والقواعد الثائرة، بقوة السيف، والسيف وحده، على العودة إلى الخضوع والطاعة. ولكن ما بثته هذه الثورات المضطرمة، من أقوام كان معظمهم قد آمن بدعوة المهدي، وانضوى تحت لوائها، في نفوس الموحدين من المرارة والسخط، كان نذيراً بفورة دموية جديدة. ولقد رأينا فيما تقدم، من مراحل الصراع بين الموحدين والمرابطين، كيف كان هذا الصراع يتميز في كثير من المواطن، بألوانه الدموية المثيرة، وكيف كان الموحدون يتبعون نحو المهزومين والعزّل من خصومهم، خطة التقتيل الشامل، وسفك الدماء دون تحفظ، وهي خطة كانت حسبما رأينا شعار المهدي ابن تومرت في محاربة خصومه. والظاهر أن هذه النزعة الدموية استمرت في الموحدين أجيالا، حتى بعد أن توطدت دولتهم بمدة طويلة، فإن المراكشي مثلا، وهو من مؤرخي الموحدين،

стр. 1435

ينوه في كتابه بما جبل عليه المصامدة، وهم عماد الجيوش الموحدية، من ميل إلى سفك الدماء، وكيف أنه وهو في بلاد السوس (في أوائل القرن السابع) مهد المصامدة، قد شهد من ذلك العجب (١). والآن نقف أمام صفحة دموية جديدة كتبها الخليفة عبد المؤمن وصحبه الموحدون، عقب انتصارهم على القبائل الثائرة، وهي صفحة يقدم إلينا البيذق تفاصيلها الرهيبة فيما يسميه " الاعتراف " أعني الاعتراف بطاعة التوحيد. وذلك أن الخليفة عبد المؤمن، عقب عوده ظافراً إلى مراكش، عقد للموحدين مجلساً، ووعظهم وكتب لهم الجرائد بالوعظ والاعتراف، ووزعها على أشياخ الموحدين، وأمرهم باستعمال السيف في تنفيذها. ومؤدي ذلك أنه عهد إلى أشياخ مختلف القبائل وزعمائها، كل بجريدة أو قائمة، تحتوي على مئات من أسماء المارقين، والمشكوك في ولائهم، أو من يصفهم البيذق " بأهل التخليط والمعاندين " ووجوب قتلهم، وتطهير القبائل والبطون منهم، ونحن نكتفي بأن ننقل مما يورده لنا البيذق من الأسماء والتفاصيل الكثيرة، أسماء القبائل، وعدد من أعدم منها، على الوجه الآتي: أعدم من قبيلة هزميرة خمسمائة، وأعدم من رجراجة ثمانمائة، وأعدم من حاحة ثمانمائة، وأعدم من أهل السوس ستمائة من أهل إيجلي، وستمائة من أهل إينجيست، وأعدم من أهل جزولة مائتان في تاعجيزت وثلاثمائة في هشتوكة، وأعدم من هسكورة ثمانمائة، وهوجمت بقية بطونهم حتى بلغ عدد القتلى ألفين وخمسمائة، وأعدم من أهل تادلا خمسمائة في محلة نظير، ثم هوجم منهم أهل تيفسيرت وقتلوا، وأخذت غنائمهم ونساؤهم، وقتل من صنهاجة وجراوة ألف في موضع يسمى بالعمري، وقتل من زناتة ستة آلاف بأرض فازاز، وقتل من صاربوه وبني ماكود اثنا عشر ألفاً، وقتل من غمارة في تطاوين ثمانمائة، وقتل في مكناسة مائتان، وفي فاس ثمانين، وقتل في تامسنا ستمائة من أهل برغواطة، وقتل من دكالة ستمائة، ومن هيلانة ثمانمائة، ومن وريكة وهزرجة مائتان وخمسون، ومن لجاعة مائة وخمسون، ومن درعة ستمائة. ونجا أهل سجلماسة بدعاء عابد فيهم استجاب الله دعاءه (٢).

стр. 1436

يقول البيذق بعد إيراد ما تقدم " تم الاعتراف بحمد الله وعونه .. فهدّأ الله البلاد للموحدين، وأعانهم على الحق ونصرهم، وأقاموا الدين، ولم يتفرقوا فيه. وتمهدت الدنيا، وأزال الله ما كان فيها من التخليط. وهذا كان سبب الاعتراف "، ثم يضع تاريخ هذه الحوادث الدموية في سنة ٥٤٤ هـ (١١٤٩ م) (١). وإنه لمما يلفت النظر في هذا الحادث الدموي، أولا وقبل كل شىء، أنه وفقاً لأقوال البيذق، من عمل عبد المؤمن وتدبيره، وأنه يدمغ جهود عبد المؤمن وسياسته في توطيد الدولة الموحدية، بطابع بغيض. بيد أننا نشعر من جهة أخرى، أن هذا العمل وما تقدمه من تصرفات دموية عديدة، خلال هذا الصراع الديني والسياسي العظيم، لا يمكن أن تنسب إلى عبد المؤمن دون تحفظ. ذلك أن عبد المؤمن إذا كان باعتباره خليفة الموحدين وقائدهم الأعلى، مسئولا عن هذه الأعمال المثيرة أمام التاريخ، فإنه يجب أن نذكر أيضاً أن عبد المؤمن، لم يكن بالرغم من رفيع مركزه، وسلطانه الظاهر، مطلق التصرف في كل ما يقوله أو يفعله، وأنه كان بالعكس مرغماً على أن يخضع في كثير من المواطن لضغط الأشياخ والقادة. فقد رأينا مثلا، كيف أنه حينما قُتل أخوه إبراهيم بيد بعض أكابر الموحدين، غلب على أمره، ومنع بتدخل أصحاب المهدي، من أن يقتص لمقتله من قاتله، ثم رأيناه بعد ذلك يُغلب على أمره مرة أخرى، حينما دخل الموحدون مراكش، وقُبض على إبراهيم بن تاشفين، وأتى به إلى عبد المؤمن فرقّ لحداثة سنه، وأراد أن يعفو عنه وأن يفره من القتل، فاعترض عليه بعض الأشياخ، وأخذ إبراهيم وقتل رغماً عن إرادته. ففي هذه الحوادث وأمثالها ما يدلى بوضوح بأن عبد المؤمن، لم يكن مطلق الحرية في سائر تصرفاته. وإنّا لنرتاب في أن يكون أمثال مذبحة الإعتراف، معبرة عن خلق عبد المؤمن وميوله الحقيقية، ونعتقد أنه لابد أن يكون وراءها، ووراء أمثالها من التصرفات الدموية المثيرة، ضغط الأشياخ والصحب، وقد كانوا في تلك المرحلة، هم أصحاب التوجيه الحقيقي، يزاولونه أحياناً بصورة ظاهرة، وغالباً من وراء حجاب. - ٣ - بعد أن تم لعبد المؤمن سحق الثورة الكبرى، في أراضي برغواطة ودكالة، وبعد أن تم له تمييز القبائل، وقتل المارقين على النحو المتقدم، اعتزم أن يقوم

стр. 1437

بجولته الثانية لسحق ما تبقى من مواطن الثورة والمقاومة، وليتم افتتاح المغرب بافتتاح إفريقية. وكان قد قام في تلك الأثناء بتامسنا، عقب حرب برغواطة بقليل، ثائر جديد يدعى بابن تمركيد، فبايعه كثير من أهل برغواطة، وغيرها من القبائل، ولبث حيناً يتحدى الموحدين، ويشتبك معهم في معارك متوالية، إلى أن يهزم أخيراً، وقتل، وقتل معه كثير من أنصاره، وحمل رأسه إلى مراكش (سنة ٥٤٤ هـ). وخرج عبد المؤمن في قواته من مراكش سنة ٥٤٥ هـ، مستخلفاً عليها أبا حفص عمر بن يحيى الهنتاني، وسار إلى مدينة سلا، وأمر بأن تنشأ قصبة وقصر فوق اللسان الممتد في البحر أمام سلا، وبأن ينشأ سرب يستمد الماء من عين غبولة القريبة لإمداد المحلة الموحدية، فتم ذلك، وجرى الماء، وغرست الحدائق والرياض، وأذن الخليفة للناس في التعمير والسكنى، فكان ذلك منشأ مدينة رِباط الفتح، التي غدت من ذلك الحين مركزاً لتجمع الجيوش الموحدية الغازية. ولبث الخليفة بسلا خمسة أشهر. وفي خلال ذلك، وفدت عليه وفود عديدة من الأندلس بلغت زهاء خمسمائة من الفقهاء والقضاة والزعماء والقادة، فاستقبلهم الوزير أبو إبراهيم والوزير أبو حفص، والكاتب الوزير أبو جعفر بن عطية، وأشياخ الموحدين. فأكرمت وفادتهم وأنزلوا خير منزل. ثم أخذوا لمقابلة الخليفة، وكان دخولهم عليه في غرة شهر المحرم سنة ٥٤٦ هـ، وكان أول من تقدم بين يديه وفد قرطبة، فشرح قاضيها أبو القاسم ابن الحاج للخليفة، ما تعانيه قرطبة، من تهديد النصارى وضغطهم، وتلاه الكاتب أبو بكر بن الجد بخطبة بليغة، ثم تعاقبت الوفود في السلام والتهنئة، فشمل الخليفة الجميع بعطفه، وأجزل لهم الصلات كل على قدر مكانته، ثم أمرهم بالانصراف إلى بلادهم (١). ولا ريب أن تعاقب الوفود الأندلسية على المغرب على هذا النحو، كان له أثره في خطط عبد المؤمن المستقبلة، نحو افتتاح الأندلس، وتنظيم شئونها. وغادر عبد المؤمن سلا في أوائل سنة ٥٤٦ هـ، وسار إلى المعمورة، وهو يعتزم افتتاح بجاية وإفريقية. وكانت ثمة بواعث عديدة لها خطرها، قد حملته على

стр. 1438

اتخاذ هذا القرار، منها اضطراب الأمور في إفريقية واختلاف أمرائها، واستطالة العرب عليها؛ وعيثهم في أراضيها، حتى أنهم حاصروا مدينة القيروان. وأهم من ذلك كله ما حدث من اعتداء الفرنج الصقليين على الثغور الإفريقية، وافتتاحهم لمدينة المهدية (سنة ٥٤٣ هـ)، وسيطرتهم على الشاطىء الإفريقي من طرابلس حتى مياه تونس. كل ذلك حمل عبد المؤمن على أن يضع خطته لافتتاح إفريقية (١). بيد أنه لم يسر في ذلك الاتجاه تواً، بل سار إلى سبتة متظاهراً بقصد الجواز إلى الأندلس برسم الجهاد. وهنالك استدعى وجوه الأندلس وفقهاءها وقوادها، فوفدوا إليه، فحدثهم في مسائلهم، وألقى عليهم توصياته ثم صرفهم، وغادر سبتة متجهاً في الظاهر إلى طريق مراكش، ولكنه سلك طريقاً أخرى غير مطروقة، وأمر في نفس الوقت بمنع السفر في الطرق المسلوكة، في المغرب الأوسط، من سلا إلى مكناسة، ومن مكناسة إلى فاس ومن تلمسان إلى فاس. ثم اتجه نحو الشرق، مبالغاً في إخفاء وجهته، وسار مسرعاً صوب بجاية، واستولى في طريقه على جزائر بني مزغنة (وهي التي صارت مدينة الجزائر فيما بعد)، ففر منها عاملها القائم بن يحيى إلى بجاية، ونبأ أباه يحيى بن العزيز بالله الصنهاجي، سليل بني حماد، بمقدم الموحدين. وكان بالجزائر في نفس الوقت، الحسن بن علي الصنهاجي صاحب المهدية، وابن عم صاحب بجاية، وكان الفرنج الصقليون قد استولوا على المهدية في أوائل سنة ٥٤٣ هـ (١١٤٨ م) حسبما تقدم، فخرج منها ملتجئاً إلى ابن عمه يحيى، فأنزله بالجزائر منزلا سيئاً، فلما دخلها الموحدون، بادر إلى عبد المؤمن فبايعه، وصحبه مستظلا برعايته. ويجدر بنا أن نذكر هنا كلمة عن مدينة بجاية هذه، وهي التي سوف يتردد ذكرها منذ الآن فصاعداً، في مواطن ومناسبات تاريخية كثيرة. وكان إنشاؤها نتيجة لما حدث من الشقاق، بين بني زيري أمراء إفريقية. وذلك أنه قام خلاف بين تميم بن المعز بن باديس أمير إفريقية، وبين ابن عمه الناصر ابن علناس، ففارقه الناصر، وخرج في أصحابه، ودله بعضهم على موضع بجاية، وقد كان به منازل قليلة للبربر، وبين له مزاياه من المنعة، والمرسى الذي يمكن أن يغدو مركزاً هاماً لرسو السفن، وترويج التجارة، فأمر باختطاط مدينة بهذا الموقع، وهو في حماية جبل شاهق، وكان ذلك في حدود سنة

стр. 1439

٤٥٧ هـ (١٠٦٥ م) (١). وفي رواية أخرى أن بناء بجاية جاء نتيجة لتوغل العرب في إفريقية وعيثهم فيها، وأنهم لما قاموا بتخريب القيروان، ومعظم مدن إفريقية، فر منهم صاحب القيروان، وخرج لنصرته ابن عمه المنصور بن حماد، فهزمه العرب هزيمة شديدة، ففر إلى قاعدته بالقلعة، ولكن العرب جدوا في أثره، وطاردوه، فبحث عن موضع يختط فيه لنفسه محلة جديدة لا يلحقه فيها شر العرب، فدله بعض أصحابه على موقع بجاية، وكان مرسى قديماً، فاختطها فيه، ونقل إليها مركز حكمه، واتخذها دار ملكه (٢). ومن ذلك الحين سارت بجاية في طريق التقدم، وغدت من أغنى وأزهر الثغور الإفريقية. وكان بنو حماد هؤلاء أصحاب بجاية والقلعة، وما يليها من ثغور المغرب الأوسط، بونة وقسنطينة والجزائر، هم فرع من بني زيري بن مناد ملوك إفريقية الصنهاجيين، الذين بسطوا عليها سيادتهم مذ غادرها بنو عبيد الفاطميون إلى مصر، في أواخر القرن الرابع الهجري، وكانوا يستظلون في البداية بسلطان الخلافة الفاطمية، ثم أعلنوا استقلالهم، وضخم ملكهم بإفريقية. وفي أوائل القرن الخامس خرج حماد بن يوسف بن زيري على ابن أخيه باديس بن المنصور ابن يوسف، واستقل بالمناطق الغربية، أعني الزاب والمغرب الأوسط، وكان والياً عليها من قبل ابن أخيه، وأسس بها إمارة جديدة عرفت بمملكة بني حماد. ولما توفي حماد في سنة ٤١٩ هـ، تعاقب بنوه من بعده في الملك، وكان مركزهم في البداية بالقلعة، وهي محلة في غاية المناعة والحصانة، اختطها منشىء دولتهم حماد في بقعة حصينة، تقع جنوبي بجاية على مقربة من بلدة أشير، وقد كانت وفقاً لقول الإدريسي من أكبر البلاد في تلك المنطقة وأكثرها خلقاً، وأغزرها خيراً، وأوسعها أموالا، وأحسنها قصوراً ومساكن، وأعمها فواكه وخصباً، وهي في سند جبل سامي العلو، صعب الارتقاء، وقد استدار سورها بجميع الجبل، ويسمى تاقربست. ويقول لنا ياقوت في وصفها، من جهة أخرى، " وليس لهذه القلعة منظر ولا رواء حسن، إنما اختطها حماد للتحصن والامتناع " (٣).

стр. 1440

ثم انتقل بنو حماد، بعد ذلك إلى بجاية منذ اختطها وأنشأها الناصر بن علناس بن حماد وذلك في سنة ٤٥٧ هـ، وجعلوها قاعدة ملكهم. وكانت مملكة بني حماد، حينما زحف الموحدون على بجاية في حالة اضطراب وتفكك، وكان ملكها يحيى ابن العزيز بالله أميراً ضعيفاً يعشق اللهو والصيد. وكان وزيره القائد أبو محمد ميمون بن علي بن حمدون هو حاكمها الحقيقي، فلما وصل الموحدون إلى بجاية ضربوا حولها الحصار. واتصل ابن حمدون سراً بعبد المؤمن، وفتح له أبواب المدينة، فدخلها الموحدون (١). وفي الوثائق الموحدية ما يؤيد هذه الرواية. ففي الرسالة، التي وجهها عبد المؤمن بعد فتح بجاية إلى أهالي قسنطينة يدعوهم إلى التوحيد، ما يفيد بأن القائد ابن حمدون كان ضالعاً في السر مع الموحدين، وأنه عقب فتح بجاية انضم إليهم، وخدمهم هو وأخوه الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي بن حمدون (٢). بيد أن هناك رواية أخرى تقول إن ابن حمدون بالعكس خرج في قوات بجاية، وهي تزيد على العشرين ألف فارس، واشتبك في ظاهرها مع الموحدين في معركة هزم فيها، ودخل الموحدون المدينة على أثرها (٣). وزحفت في نفس الوقت قوة موحدية بقيادة عبد الله ولد الخليفة عبد المؤمن، على القلعة - قلعة بني حماد الشهيرة - وقد كانت من أعظم وأمنع قلاع المغرب، وكانت معقل بني حماد الأعظم، ومهد ملكهم الأول، فاستولت عليها، وقتلت بها عدة ألوف من الصنهاجيين. ولما دخل الموحدون بجاية فر عنها صاحبها يحيى بن العزيز بالله إلى بونة، وفر أخواه الحارث وعبد الله إلى صقلية حيث استظلا بحماية الفرنج. ثم سار يحيى من بونة إلى قسنطينة، فامتنع بها مع أهله وقرابته، وهنالك حاصره الموحدون، فلما ضاق بالحصار ذرعاً، أرسل أخاه وشيوخ صنهاجة وقسنطينة، إلى عبد المؤمن يعلنون خضوعه، وإذعانه إلى التسليم ويطلبون الأمان فأجابهم عبد المؤمن إلى ما طلبوه. ولما غادر عبد المؤمن بجاية سار معه يحيى في أهله وولده إلى مراكش، وهنالك عاش في كنف الخليفة في عزة وسعة من الرزق، ولبثوا بمراكش حتى انقرض بيتهم. وكان استيلاء
следующие страницы →