الواقع على شاطىء المحيط قرب مصب نهر وادي يانه، وامتنع به. وكان الخليفة عبد المؤمن قد ندب ولده السيد أبا يعقوب يوسف لولاية إشبيلية، تحقيقاً لرغبة أشياخها حينما وفدوا عليه بمراكش في سنة ٥٥١ هـ، وذلك بالرغم من صغر سنه، وبعث معه الوزير ابن عطية حسبما تقدم. فلما فرغ ابن عطية من تحقيق مهمته بألمرية، عاد إلى إشبيلية، ثم خرج منها مع السيد أبى يعقوب في حملة موحدية سارت لغزو طبيرة، فامتنع بها الوهيبي، واضطر الموحدون إلى حصارها براً وبحراً، وأقاموا على حصارها زهاء شهرين، ثم رأى ابن عطية مفاوضة الوهيبي، وقنع منه بذكر الخليفة في الخطبة، على أن يبقى محتفظاً بطبيرة.
واستولى الموحدون في هذه الغزوة على بلاد أبى محمد سيدراي بن وزير، وهي شلب وميرتلة، وباجة وأحوازها، تخلى عنها ابن وزير طوعاً (١)، وعبر البحر إلى المغرب. ولسنا نعرف سبباً لهذا التخلي، إلا أن يكون ما يذكره ابن عذارى من أنه حينما كان السيد أبو يعقوب في جيشه تحت أسوار طبيرة، وفد عليه أشياخ بلاد ابن وزير، ومدحه شاعرهم الأديب أبو بكر بن المنخل بقصيدة طويلة، والظاهر أن أولئك الأشياخ قد طلبوا إلى السيد أبى يعقوب إقالة ابن وزير، وتعيين حاكم موحدي لبلادهم، ومن ثم فقد عين لولاية شلب وبلاد الغرب حاكم موحدي هو يعقوب بن جبون الهزرجي، وبعض الحفاظ الموحدين.
ويضع ابن عذارى تاريخ هذه الحوادث في النصف الأول من سنة ٥٥٢ هـ، وهو ما يحمل على الاعتقاد بأن الوزير ابن عطية قد قام بمهمته في ألمرية بعد أن اشترك في حوادث الغرب المتقدمة، وليس من الممكن أن يكون اشتراكه فيها بعد عوده من ألمرية إلى إشبيلية، إذ سقطت ألمرية كما رأينا في أيدي الموحدين في أواخر سنة ٥٥٢ هـ (٢).
- ٥ -
ولم يمض قليل على ذلك حتى وقع بمراكش حادث محزن، هو نكبة الوزير أبى جعفر بن عطية، وأخيه الكاتب أبى عقيل بن عطية.
وقد سبق أن أشرنا إلى نشأة أبى جعفر، وظهوره خلال المعركة التي
стр. 1507
اضطرمت بين الموحدين وبين الماسي، برسالته التي كتبها بتكليف الشيخ أبى حفص الهنتاني إلى الخليفة، وصفاً لهذه المعركة، وما كان من حظوته لدى الخليفة بسببها، وتوليه الوزارة، وتوطد سلطانه ونفوذه، حتى غدا من أقرب أعوان الخليفة، وآثرهم لديه، وأكثرهم فوزاً بثقته. وكان أبو جعفر في الواقع من أقدر وزراء الدولة المؤمنية، وأوفرهم كفاية، وأبرعهم خلالا، وكان رضي النفس قريب المنال، خدوماً يعمل على قضاء الحوائج، فأحبه الناس، وقدروا مروءته، ومكانته.
وكان يبدو أن ابن عطية، ما يزال متمتعاً برفيع مكانته ونفوذه، حينما بعثه الخليفة إلى الأندلس ليكون إلى جانب ولده السيد أبى يعقوب، وليعالج قضية ألمرية.
بيد أنه كان ثمة طائفة من تيارات خفية تعمل ضده، وتسعى إلى تقويض نفوذه، والقضاء عليه، وكان ابتعاده عن مراكش فرصة سانحة لخصومه، يحكمون فيها تدبير خطتهم ودسائسهم. وفي خلال ذلك استوزر عبد المؤمن، عبد السلام ابن محمد الكومي، من قرابته وأبناء قبيلته كومية (١)، فتزعم خصوم ابن عطية، واشتد في مطاردته، والحملة عليه والتشهير به، وتتبع عوراته وسقطاته " وأغرى صنايعه، وشحن عليه حاشيته " حسبما يقول لنا ابن الخطيب " فبروا وراشوا وانقلبوا ". وكان في مقدمة ما نسب إلى أبى جعفر، ممالأته اللمتونيين، وإسرافه في اصطناعهم، وتوليتهم الأعمال والوظائف، وفوق ذلك، فقد كانت زوجه لمتونية، أبوها يحيى الحمار من أمرائهم، وأمها ابنة زينب بنت علي بن يوسف (٢)، فكانت هذه الظروف، تثير من حوله الريب، وتدمغه في نظر المتعصبين من أشياخ الموحدين. وكان يعمل لإهلاكه إلى جانب الوزير عبد السلام الكومي، رجل ممن شملتهم حمايته ورعايته، فكفر بشكر الصنيعة، هو القاضي مروان بن عبد العزيز، أمير بلنسية السابق، وكان ابن عطية قد سعى في إطلاق سراحه من سجنه الطويل بميورقة، واستغل في ذلك نفوذه لدى واليها إسحق بن محمد بن غانية، فعبر البحر إلى بجاية، ثم إلى مراكش، فأسعفه ابن عطية، وعاونه على الانتظام في
стр. 1508
مجلس الخليفة (١). بيد أنه ما لبث أن انقلب عليه، وكفر بصنيعته، وأخذ يحرض عليه، ومن ذلك أبيات نظمها ضده وخرجت بمجلس عبد المؤمن يقول فيها:
قل للإمام أطال الله مدته ... قولا تبين لذي لب حقائقه
ان الزراجين قوم قد وَتْرتَهُم ... وطالب الثأر لم تؤمن بوائقه
وللوزير إلى آرائهم ميل ... لذاك ما كثرت فيهم علائقه
فبادر الحزم في إطفاء نارهم ... فربما عاق عن أمر عوائقه
هم العدو ومن والاهم كُهُم ... فاحذر عدوك واحذر من يصادقه
الله يعلم أني ناصح لكم ... والحق أبلج لا تخفى طرايقه (٢)
والظاهر أن هذه الأبيات، قد تركت أثرها في نفس الخليفة، وقد كانت مستعدة بما أوحى إليه من مختلف المصادر للتنكيل بأبى جعفر. وكان أبو جعفر قد ترامت إليه وهو في شبه الجزيرة، أنباء مقلقة عما يدور حوله من دسائس، وما يرمى به من التهم، فعجل بالعودة، ليرد هجوم خصومه، ولكن الخليفة، كان عندئذ قد اعتزم أمره، فما كاد يصل إلى مراكش، حتى أمر عبد المؤمن بالقبض عليه واعتقاله، ثم اقتيد بعد أيام قلائل إلى الجامع مهاناً حاسر الرأس كسير الفؤاد، واستحضر الناس على طبقاتهم ليعلنوا ما يعلمونه من أمر الوزير المنكوب، ومنهم أشياخ الموحدين والطلبة، ووفود الأندلس، وطلب إليهم ابن عمر باسم الخليفة أن يقول كل منهم ما يعلمه عن ابن عطية من سوء، وما إذا كان قد أعطاه شيئاً أو صانعه، وكان الوزير عبد السلام الكومي، قد رتب أعوانه وصنائعه لهذا اليوم. فأجاب كل من الحضور بما اقتضاه هواه. ولم يرتفع لسان بالدفاع عن ابن عطية سوى ابن وزير صاحب شلب وباجة السابق، حيث أكد أنه لم يعط ابن عطية يوماً شيئاً إلا رده إليه مضاعفاً، وأنه لو عين الخليفة للوساطة بينه وبين رعاياه، عبداً حبشياً، لكان من واجبهم أن يعظموه وأن يهادوه. فلما انتهى المجلس أعيد ابن عطية إلى سجنه، وسجن معه أخوه الكاتب أبو عقيل بن عطية، ولبث الأخوان في المطبق بضعة أشهر، وأبو جعفر، يتوسل إلى الخليفة
стр. 1509
لالتماس عفوه برسائل وقصائد تذيب الجماد إشفاقاً وتأثراً، ومنها الأبيات الآتية:
فعفواً أمير المؤمنين فمن لنا ... بحمل قلوب هدها الخفقان
عطفاً علينا أمير المؤمنين فقد ... بان العزاء لفرط البث والحزن
قد أغرقتنا ذنوب كلها لجج ... وعطفة منكم أنجى من السفن
وصادفتنا سهام كلها غرض ... لها ورحمتكم أوفى من الجنن
هيهات للخطب أن تسطو حوادثه ... بمن أجارته رحماكم من المحن
أنتم بذلتم حياة الخلق كلهم ... من دون منٍّ عليهم لا، ولا ثمن
ونحن من بعض من أحيت مكارمكم ... تلك الحياتين من نفس ومن بدن
وصبية كفراخ الورق من صغر ... لم يألفوا النوح في فرع ولا فنن
قد أوجدتهم أياد منك سابقة ... والكل لولاك لم يوجد ولم يكن
ولكن عبد المؤمن لم يتأثر لضراعة وزيره، ولم تجد الرحمة إلى قلبه سبيلا.
وقيل في سبب قسوة عبد المؤمن على وزيره، أنه أفضى إليه بسر خطير فأفشاه.
ويوضح لنا المراكشي ماهية هذا السر، فيقول لنا إن يحيى بن أبى بكر الصحراوي أو ابن الصحراوية فارس المرابطين، الذي فصلنا أخباره فيما تقدم، كان قد استأمن إلى عبد المؤمن، فأمنه وأكرم وفادته، وحظى لديه، وجعله قائداً على من بقي من لمتونة، وكانت زوجة ابن عطية، زينب بنت أبى بكر أخت يحيى المذكور، وحدث أن ترامت إلى عبد المؤمن أشياء وأقوال نسبت إلى يحيى الصحراوي غضب منها، ونقمها عليه، وقرر أن ينكل به، وصدر عنه في بعض مجالسه، ما يفصح عن هذا العزم، فكان من ابن عطية أن قال لزوجته أخت يحيى أن تحذر أخاها، وأن يتمارض إذا دعى إلى مجلس الخليفة، وأن يلوذ بالفرار إذا استطاع إلى ميورقة، ففعلت زينب ما طلب إليها، وتمارض يحيى، وزاره بعض صحبه في مرضه، فأفضى إلى بعضهم. بما بلغه من الوزير، وما نصح به، فنقل هذا الصديق ما سمعه إلى بعض ولد عبد المؤمن. ووقف عبد المؤمن على ذلك، فكان هذا هو أعظم سبب في نكبة ابن عطية (١). ولما توجه عبد المؤمن بعد ذلك، في أوائل سنة ٥٥٣ هـ إلى تينملل لزيارة قبر المهدي،
стр. 1510
حمل معه أبا جعفر وأخاه أبا عقيل يرسفان في أغلالهما. قال ابن الخطيب: " وصدرت عن أبى جعفر في هذه الحركة من لطايف الأدب، نظماً ونثراً، في سبيل التوسل بتربة المهدي، أمامهم، عجائب لم تجد، مع نفوذ قدر الله فيه ". ولما غادر عبد المؤمن تينملل، عائداً إلى مراكش، حمل الأخوين معه، فلما وصل إلى موضع يقال له تغمرت، على مقربة من الملاحة، أصدر أمره بإعدامهما واستصفاء أموالهما، فأعدما على الأثر، وكان إعدامهما في التاسع والعشرين من شهر صفر سنة ٥٥٣ هـ (أول أبريل سنة ١١٥٨ م)، وكان أبو جعفر عند مصرعه فتى في نحو السادسة والعشرين من عمره، إذ كان مولده بمراكش وفقاً لابن الخطيب سنة ٥٢٧ هـ (١).
وهكذا زهق الوزير الكاتب الشاعر ابن عطية، ضحية نزعة دموية من الخليفة، أثارتها الأهواء والوشاية، ودون ما خطير جريرة واضحة يسجلها لنا التاريخ، وأضاف عبد المؤمن بذلك صفحة دموية جديدة إلى صفحاته العديدة السابقة. ومما يدل على أن عبد المؤمن كان متسرعاً في قراره إزاء وزيره المنكود، ما يقصه علينا صاحب البيان المغرب من أن عبد المؤمن ندم أشد الندم على مقتل وزيره، وذرف عليه الدموع. وإنه لما يؤسف له، أن يضطر المؤرخ إلى أن يحصى مثل هذه النزوات الدموية المتوالية، في سيرة رجل عظيم مثل عبد المؤمن أقامت عبقريته دولة من أعظم الدول الإسلامية في المغرب والأندلس، وامتازت بطائفة من أبدع الخلال التي تزدان بها البطولة، ولكنا ربما استطعنا أن نلتمس في روح العصر، وروح الصراع الذي كانت تضطلع به الدولة الموحدية الفتية، كثيراً من العوامل الملطفة، لما تثيره هذه الصفحات القاتمة من سحب على سيرة الرجل العظيم.
стр. 1511
الفصل الثالث
الثورة في شرقي الأندلس وظهور محمد بن سعد بن مردنيش
خواص الثورة في شرقي الأندلس. بلنسية مركز الثورة في الشرق. فرار واليها عبد الله بن غانية. اختيار القاضي ابن عبد العزيز لولايتها. القتال بين المرابطين أهل بلنسية. استيلاء ابن عبد العزيز على شاطبة. استيلاء ابن عياض على مرسية. تمرد الجند. فرار ابن عبد العزيز وسقوطه في يد ابن غانية. ولاية ابن عياض لبلنسية وعبد الله بن سعد لمرسية. مصير ابن عبد العزيز ووفاته. حوادث مرسية. تدخل ابن هود في شئونها. قيام القاضي ابن أبى جعفر بولايتها. مسيره لإنجاد ابن حمدين ومصرعه. تطور شئون الرياسة في مرسية. تقديم أبى عبد الرحمن بن طاهر لولايتها. السعي إلى خلعه. دخول ابن عياض مرسية. اعتزال ابن طاهر وعبوره إلى المغرب. دعوة ابن عياض لرياسة ابن هود في بلنسية ومرسية. مقدم ابن هود إلى مرسية. خروجه وابن عياض لمقاتلة النصارى. مقتل ابن هود وعبد الله ابن سعد. موقعة البسيط. ظروفها وبواعثها حسبما تصورها الرواية النصرانية. سيف الدولة بن هود. شخصيته وأعماله. خضوعه لتوجيه ملك قشتالة. أدبه وشعره. ابن عياض يدعو لنفسه في بلنسية. نائبه محمد بن سعد بمرسية. القائد عبد الله الثغري. نجاحه في انتزاع مرسية. استرداد ابن عياض لمرسية ومصرع الثغري. إمارة ابن عياض بمرسية وبلنسية. مصرعه والخلاف حول ذلك. محمد بن سعد ابن مردنيش يخلفه في بلنسية ثم في مرسية. محمد بن سعد وحقيقة أصله. ولعه بمصادقة النصارى والتشبه بهم. يبسط سلطانه على شرقي الأندلس. سياسته نحو الممالك النصرانية. عقده لمعاهدات صلح مع أمير برشلونة وجمهوريتي بيزة وجنوة. إقدامه وشجاعته. حليفه ابن همشك. أصله ونشأته. أعماله وظهوره. تغلبه على مدينة شقورة. محالفته ومصاهرته لمحمد بن سعد. استيلاء النصارى على قواعد الثغر الأعلى. موقف ابن مردنيش من ذلك الحادث. استيلاء النصارى على ألمرية وقلعة رباح. استيلاء ابن همشك على شقورة. بيعة ابن مردنيش ببلنسية ومرسية استيلاؤه على بسطة ووادي آش. مواجهته للموحدين في أواسط الأندلس.
لم تكن تلك الثورات التي نشبت ضد المرابطين في أواسط الأندلس وفي غربيها، سوى جانب فقط من الثورة العامة، التي اضطرمت بها الأندلس من أقصاها إلى أقصاها. ذلك أن ريح الثورة قد اجتاحت في الوقت نفسه شرقي الأندلس كله، من بلنسية إلى ألمرية، وكانت الثورة في شرقي الأندلس، أعرق مثلا، وأعمق جذوراً. وأشد مراساً منها في الغرب، وكانت تُسيرها منذ البداية فكرة قومية عميقة، هي الفكرة الأندلسية الخالصة، فكانت تضطرم ضد
стр. 1512
المرابطين والموحدين معاً، بنفس العنف والإصرار، وكانت العوامل الجغرافية والعسكرية، تشد من أزرها، وتضاعف مقدرتها على المقاومة، فقد كانت قواعدها الرئيسية، بعيدة عن متناول الجيوش الموحدية، وكان اتصالها بالبحر يمدها بوسائل وموارد خاصة، وكان وقوعها على مقربة من الممالك النصرانية، يفتح لها باب الاتصال المستمر بالملوك النصارى، ومحالفتهم، والاستنصار بهم، وكانت هذه الوسيلة بالرغم مما يحيط بها من ملابسات ذميمة، تعتبر في تلك الآونة من الخطط المشروعة، في مقاومة الغزاة المحتلين، مرابطين كانوا أو موحدين.
وثمة عامل آخر، في استفحال الثورة وصمودها في شرقي الأندلس، هو انحصار زعامتها، وتركيزها مدى أعوام طويلة، في شخصية واحدة قوية، كانت تجتمع حولها خيوط المقاومة، وكان يحدوها إيمان عميق بالفكرة الأندلسية، تتحطم عليه سائر الاعتبارات الدينية: تلك هي شخصية محمد بن سعد بن مردنيش، أعظم ثوار الأندلس ضد الموحدين، وأشدهم مراساً، وأعنفهم كفاحاً.
- ١ -
وكانت بلنسية تحتل في شرقي الأندلس، نفس المكانة، التي تحتلها قرطبة في الوسط، وإشبيلية في الغرب، باعتبارها قاعدة لسلطان المرابطين، ومركزهم الدفاعي في هذا القطاع من الأندلس. وكان للمرابطين عناية خاصة بتأمين ثغر بلنسية، لموقعه الدقيق على مقربة من الثغر، والممالك النصرانية، يولونه الصفوة من القرابة والخاصة، فكان ضمن ولاتها الأمير مزدلي بن تيولتكان، محررها من الغزاة النصارى، والأمير أبو الطاهر تميم بن يوسف، ومحمد بن يوسف ابن يدِّر، والأمير أبو زكريا يحيى بن غانية. وكان على ولايتها حينما اضطرمت الثورة في غربي الأندلس، وفي قرطبة، أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي أخى يحيى بن غانية، وقاضيها يومئذ أبو عبد الملك مروان بن عبد الله بن مروان ابن عبد العزيز، وكان قد ولاه منصب القضاء الأمير تاشفين بن علي في ذي الحجة سنة ٥٣٨ هـ.
فلما نشبت الثورة في قرطبة، بعد نشوبها في الغرب، ونادى ابن حَمْدين بخلع نير المرابطين، طافت ريح الثورة بقواعد شرقي الأندلس، وهاجت الخواطر في بلنسية وغيرها، واجتمع واليها عبد الله بن محمد بن غانية، وقاضيها
стр. 1513
أبو عبد الملك مروان بن عبد العزيز، وتفاهما، بالرغم مما كان بينهما من المنافسة الباطنية، على الائتلاف والتعاون على حفظ النظام وضبط المدينة، واجتمع الناس في المسجد الجامع في أواسط رمضان سنة ٥٣٩ هـ، فخطب فيهم مروان، وذكرهم بجهاد اللمتونيين ضد النصارى، ونصرهم لقضية الأندلس، وتحريرهم لبلنسية من أيدي القشتاليين، وحثهم على التمسك بدعوتهم والوفاء لهم. وتكلم الوالي بمثل ذلك، وذكرهم بأيام عمه يحيى بن غانية، وبما انعقد بينهم وبينه من التعاطف والمودة. بيد أن هذا التفاهم الظاهر بين زعيمي المدينة، لم يكن سوى ستار لما يضطرم في الأنفس الثائرة، وسرعان ما توجس الوالي عبد الله ابن غانية من نيات زميله وحليفه القاضي، ومما قد يجيش به الشعب نحوه ونحو اللمتونيين من المقاصد الخطرة، فبعث أهله وأمواله خفية إلى شاطبة، ثم لحق بهم في صحبه في اليوم التالي، واستطاع، بالرغم مما وقع بينه وبين جند بلنسية من مناوشة، أن يلوذ بالفرار، وأن يصل إلى شاطبة. فلما استقر بها، أخذت سرياته اللمتونية تغير على أحواز بلنسية، وتثخن فيها، وتعتدي على الأموال والأنفس، فتقدم الجند والعرب وأعيان المدينة إلى ابن عبد العزيز، بأن يتولى أمرهم، فأبى، وقال لهم اختاروا لولايتكم من ترون من شيوخكم، فوقع الاختيار على بعض زعماء لمتونة، ممن بقي منهم بالمدينة، وأراد هذا الزعيم الجديد أن يقبض على ابن عبد العزيز، فلم يستطع، ثم تولاه الخوف والروع، ففر إلى شاطبة، ومعه بقية أشياخ لمتونة، ووقع إجماع الناس على اختيار القاضي ابن عبد العزيز للولاية، فاستتر منهم، فسعى إلى الانفراد به، أبو محمد عبد الله ابن عياض قائد الثغر، وعبد الله بن مردنيش، وأقنعاه بقبول الإمارة، فقبلها مكرهاً وبويع له في اليوم الثالث من شوال من نفس السنة، وولي عبد الله بن عياض الثغر وما والاه، واستمر المرابطون خلال ذلك في غاراتهم وعيثهم في أحواز المدينة، فحشد ابن عبد العزيز جنود الثغر وسار إلى شاطبة، فخرج المرابطون من قصبتها إلى المدينة، وعاثوا فيها وسبوا النساء، والتقى جند بلنسية بالمرابطين، ونشبت بين الفريقين موقعة هزم فيها المرابطون، فعادوا إلى الامتناع بالقصبة، وقدم عسكر من مرسية بقيادة قاضيها ابن أبى جعفر محمد بن عبد الله لإنجاد ابن عبد العزيز، وتعاونا على حصار شاطبة، وكلاهما يضمر في نفسه أن يفوز بها، ثم وصل ابن عياض في جند الثغر، وأدرك عبد الله بن محمد بن غانية، الوالي
стр. 1514
السابق، أنه لا طاقة له بهذه القوى، ففر من شاطبة في نفر من خاصته، واستطاع أن يلحق بألمرية، وهنالك لقى محمد بن ميمون قائد الأسطول في تلك المنطقة وكان قد بقى على طاعة المرابطين، فجهزه إلى ميورقة، حيث كان أبوه محمد ابن غانية يتولى أمر الجزائر، فاستقر إلى جانبه، وكان من أمر بني غانية، ودولتهم بالجزائر الشرقية أيام الموحدين، ما سوف نذكره في موضعه (١).
واستولى ابن عبد العزيز على شاطبة صلحاً، وحصنها وعين لها قائداً، وانضمت إليه لَقَنت وما يجاورها، فاتسعت إمارته، وضخم أمره، ثم عاد إلى بلنسية حيث جددت له البيعة، وذلك في شهر صفر سنة ٥٤٠ هـ. وانصرف ابن أبى جعفر إلى مرسية، ثم خرج منها بعد ذلك لإنجاد ابن أضحى في غرناطة، وقتل حسبما تقدم، في المعركة التي نشبت بينه وبين المرابطين.
ولكن ابن عبد العزيز لم يلبث أن آنس متاعب جمة من تمرد الجند، وعجز الجباية، وقصوره عن الوفاء بأجور الجند، وما تتطلبه المصالح العامة، فخاطب الجند ابن عياض، يستعجلونه في الوصول إليهم للاضطلاع بزمام الأمور، وكان عندئذ بمرسية، بعد استيلائه عليها، من واليها السابق أبى عبد الرحمن بن طاهر، وذلك في جمادى الأولى سنة ٥٤٠ هـ (١١٤٥ م). وفي أثناء ذلك، أحاط الجند بقصر الإمارة فشعر ابن عبد العزيز بالخطر، وغادر القصر خفية، وتدلى من سور بلنسية ليلا، وسار حتى لحق بألمرية، وهنالك قبض عليه ابن ميمون أمير البحر، ودفعه إلى عدوه السابق عبد الله بن غانية، وكان ما يزال بألمرية، فاحتمله معه عبد الله مصفداً إلى ميورقة.
وعلى أثر اختفاء ابن عبد العزيز، قدّم الجند للرياسة عبد الله بن محمد بن سعد بن مردنيش صهر ابن عياض نائباً عنه، وأسكنوه قصر بلنسية. وفي آخر جمادى الأولى، قدم ابن عياض إلى المدينة، وقد وصلته بيعة أهلها، وهو في طريقه إليها، فأقام بها حيناً ينظم شئونها ويحصن ثغورها. ثم عاد إلى مرسية، وترك صهره عبد الله بن سعد بن مردنيش أميراً عليها من قبله، وهو عم محمد ابن سعد بن مردنيش زعيم الشرق فيما بعد، ويعرف بصاحب البسيط، لأنه استشهد، في موقعة البسيط مع ابن هود حسبما نذكر بعد (٢).
стр. 1515
وأما ابن عبد العزيز، فقد لبث يرسف في سجنه بميورقة لدى بني غانية نحو عشرة أعوام، وهو يعاني أمر ضروب العذاب والمهانة، حتى قيض الله له الخلاص في النهاية، بواسطة الوزير أبى جعفر بن عطية، وكان والي ميورقة يومئذ إسحق بن محمد بن غانية، وليها بعد مقتل أبيه محمد وأخيه عبد الله، وجنح إلى مهادنة الموحدين، فأطلق سراحه، وبعث به إلى ثغر بجاية، وذلك في سنة ٥٤٨ هـ فسار إلى مراكش، وهنالك عاونه ابن عطية على أن ينتظم في مجلس الخليفة العلمى، بيد أنه لم يرع لابن عطية، شكر الصنيعة، ونظم في حقه أبياته المشهورة في التحريض عليه، ومطلعها:
قل للإمام أطال الله مدته ... قولا تبين لذي لب حقائقه
فكانت هذه الأبيات حسبما نذكر بعد، من أقوى الأسباب في نكبة ابن عطية، وظل ابن عبد العزيز مقيماً بمراكش في خمول ونسيان حتى توفي سنة ٥٧٨ هـ (١١٨٢ م) في الثالثة والسبعين من عمره (١).
- ٢ -
ونود قبل أن نمضي في تتبع مصاير الثورة في بلنسية وتطوراتها، أن نتناول ما وقع من الأحداث في مرسية، وباقي أعمال الشرق.
ْكانت مرسية ثاني قواعد الشرق بعد بلنسية، وكانت تحتل في النصف الجنوبي من شرقي الأندلس، نفس المركز الدفاعي، الذي تحتله بلنسية في النصف الشمالي، ومن ثم فإنا نجد في فترات الثورة، واضطراب الأحداث السياسية والعسكرية، دائماً صلة وثيقة بين ما يقع في هاتين القاعدتين من أحداث وتطورات، وقد كان هذا شأنهما أيام الطوائف، ثم كان شأنهما حينما اجتاحت ريح الثورة ضد المرابطين سائر قواعد الأندلس في الغرب والشرق معاً.
وقد رأينا كيف نشبت الثورة في بلنسية في الوقت الذي اضطرمت فيه بقرطبة، وقام القاضي ابن حمدين بدعوته، ففي هذه الآونة بالذات تضطرم الثورة أيضاً في مرسية، ويختار أهلها لرياستهم زعيماً منهم، يدعى أبو محمد بن الحاج اللورقي، ودعا اللورقي لابن حمدين، ولكنه لم يلبث في رياسته سوى بضعة أسابيع، خلال شهري رمضان وشوال سنة ٥٣٩ هـ، ثم رغب في التخلي عن منصبه لما آنسه من صعاب ومتاعب لا قبل له بها. وكان سيف الدولة بن هود، قد غادر عندئذ
стр. 1516
مقره على مقربة من طليطلة، وأخذ يترقب فرص الحوادث هنا وهنالك. فلما نمى إليه ما وقع في مرسية، بعث إليها قائداً من قواده يدعى بعبد الله بن فتوح الثغري، فأخرج منها ابن الحاج ودعا لابن هود، ولكنه لم يلبث أن أخرج منها بدوره، وقدم الفقيه القاضي أبو جعفر محمد بن عبد الله بن أبى جعفر الخشني، وذلك في آخر شوال من السنة المذكورة، فلبث في منصبه حتى أوائل سنة ٥٤٠ هـ (١١٤٥ م)، وكان يتبرم بالإمارة ويقول: إنها " ليست تصلح لي، ولست بأهل لها، ولكني أريد أن أمسك الناس بعضهم عن بعض حتى يجىء من يكون لها أهلا ". ولما سار القاضي مروان بن عبد العزيز أمير بلنسية إلى شاطبة لمقاتلة من امتنع بها من اللمتونيين، سار الفقيه ابن أبى جعفر في بعض قواته لمعاونته "، ثم سار من مرسية في قواته مرة أخرى لمعاونة القاضي ابن أضحى زعيم الثورة في غرناطة على قتال الملثمين ويقال إن قوات أبى جعفر، بلغت في هذه الحملة اثنى عشر ألفاً من خيل ورجل، فخرج الملثمون إلى لقائه في جموع كثيفة، ونشبت بين الفريقين في ظاهر غرناطة، موقعة عنيفة، هزم فيها ابن أبى جعفر وقتل، وذلك حسبما فصلنا من قبل في أخبار الثورة في غرناطة. ونقل إلينا ابن الأبار عن ابن صاحب الصلاة رواية أخرى، خلاصتها، أن عبد الله الثغري كان قائداً بمدينة كونكة، فلما سمع بقيام ابن حمدين بقرطبة، سار إليه والتحق بخدمته، وفي خلال ذلك جاءت الأنباء من مرسية بقيام ابن الحاج ثم تبرمه من الرياسة، فبعث ابن حمدين إليهم الثغري والياً، فقدّم الفقيه ابن أبى جعفر قاضياً، وذلك في منتصف شهر شوال سنة ٥٣٩ هـ، فأبدى شغفاً شديداً بالظهور والتعلق بالرياسة، وحشد الناس لقتال المرابطين في أوريولة، وغدر بهم عند نزولهم بالأمان، وقتلهم، فذاع صيته. ثم داخل أهل مرسية في أن يؤمروه، وأن يُقدم للقضاء أبو العباس ابن الخلال، ولقيادة الخيل عبد الله الثغري، فوافقوه على ذلك. ولما عقدت له البيعة، نبذ طاعة ابن حمدين، ودعا لنفسه وتلقب بالأمير الناصر لدين الله، ثم قبض على الثغري وعلى صهريه، ابني مسلوقة، وعين لقيادة الخيل زعنون أحد وجوه الجند، ثم سار إلى شاطبة لنصرة ابن عبد العزيز في مقاتلة المرابطين بها، فثارت العامة خلال غيبته بمرسية، وأطلقوا سراح الثغري وصهريه. فسار إلى مرسية على عجل، وأخمد الهياج، وفر الثغري إلى كونكة. وعاد ابن أبى جعفر إلى متابعة القتال في شاطبة. ثم عاد بعد هزيمة الملثمين، وفرار أميرهم عبد الله بن غانية إلى
стр. 1517
مرسية، وذلك في صفر سنة ٥٤٠ هـ. ثم غادرها مرة أخرى في قواته إلى غرناطة لإنجاد ابن أضحى وقتل حسبما تقدم في الموقعة التي نشبت بينه وبين المرابطين (١).
ولما عادت فلول عسكر مرسية بعد مقتل أميرها، أجمع أهل مرسية على تقديم أبى عبد الرحمن بن طاهر للرياسة، وذلك في أواخر شهر ربيع الأول سنة ٥٤٠ هـ، فانتقل إلى القصر، ودعا لابن هود ثم لنفسه. وأبو عبد الرحمن هذا، هو محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن طاهر القيسي، سليل بني طاهر أمراء مرسية أيام الطوائف. وقد سبق أن تحدثنا في أخبار مملكة مرسية عن أصلهم وعراقة بيتهم، في الوجاهة والسراوة والعلم. وكان جده أبو عبد الرحمن بن طاهر أمير مرسية، من أعظم علماء عصر الطوائف وكتابه، وقد أشاد بذكره وروعة أدبه ابن بسام صاحب الذخيرة (٢)، وكان هو أي أبو عبد الرحمن بن طاهر الحفيد، صنو جده في العلم والأدب والبراعة في الترسل.
تولى أبو عبد الرحمن بن طاهر الإمارة، وقدم أخاه أبا بكر على الخيل. وكان ابن حمدين حينما اضطربت الأحوال في مرسية، قد وجه إليها قوة وبقيادة ابن عمه المعروف بالقلفلي، ومعه أبو محمد بن الحاج وغيره من أعيان مرسية اللاجئين إلى قرطبة، فردت هذه القوة كسابقتها. وهكذا بدأ ابن طاهر إمارته، في جو مكفهر، والدسائس تضطرم من حوله. ولم تمض أيام قلائل على رياسته، حتى خاطب بعض أهل مرسية، أبا محمد عبد الرحمن بن عِياض قائد جند الثغر في بلنسية في القدوم إليهم وتقلد الرياسة، فبادر بالسير إلى مرسية، وتلقاه في طريقه والى أوريولة، وهو القائد زعنون الذي تقدم ذكره، وسلمه إياها، ثم سار إلى مرسية، ومعه عدة من وجوه أهل مرسية، الذين خرجوا إلى لقائه والسير في ركابه، كل ذلك وابن طاهر يعمل هادئاً في قصره، ولا يدرى بما يدور حوله من الأحداث. ثم دخل ابن عياض مرسية، وقد برز الناس إلى لقائه، وابن طاهر، مستمر على سكوته وعلى حسن ظنه، ودخل ابن عياض القصر، لا يدفعه عند أحد، فلم يشعر ابن طاهر، إلا وقد نُزع من رياسته، فانتقل إلى داره، وعف ابن عياض عن دمه، توقيراً له، وإشفاقاً لضعفه. وتم هذا الإنقلاب في العاشر من جمادى الأولى سنة ٥٤٠ هـ (أكتوبر سنة ١١٤٥ م).
стр. 1518
ولم تمض أيام قلائل على ذلك حتى طورت الحوادث في بلنسية، وخلع مروان ابن عبد العزيز من الإمارة، واستدعى الجند ابن عياض لتولي الرياسة مكانه، فسار ابن عياض إلى بلنسية في آخر سهر جمادى، وقد فر عنها ابن عبد العزيز مخلوعاً، وبويع بالإمارة، ودعا لابن هود، وأقام بها حيناً ينظم شئونها، ثم غادرها إلى مرسية، بعد أن أقر عليها صهره عبد الله بن سعد بن مردنيش عنه في رياستها حسبما تقدم من قبل.
أما ابن طاهر، فإنه لزم داره، وعاش في عزلة وهو يشهد تطور الحوادث في مرسية، وفي شرقي الأندلس، في ظل زعيمه وأميره فيما بعد محمد بن سعد ابن مردنيش، ويشهد صراعه المرير مع الموحدين، وهو يزداد، توجساً وحذراً، كلما تطورت الحوادث، وكلما تقدمت به السن، إلى أن توفي ابن مردنيش في سنة ٥٦٧ هـ، فعندئذ دخل في طاعة الموحدين، وعبر البحر إلى المغرب، وتوفي بمراكش في سنة ٥٧٤ هـ (١).
وقد أشرنا فيما تقدم، إلى ما كان من مقدم سيف الدولة بن هود إلى قرطبة، بدعوة أهلها، ثم تحولهم إلى خصومته، وقتلهم وزيره ابن الشماخ وطائفة من أصحابه، ومغادرته عندئذ قرطبة إلى جيان، وكان قد ثار بها قاضيها ابن جزى واستقل بحكمها، فتغلب عليه وانتزعها منه. ثم سار إلى غرناطة بدعوة أهلها، وخاض هناك بعض الوقائع إلى جانب القاضي ابن أضحى، ولكنه لم يوفق إلى الاستقرار بها، فغادرها في أواخر سنة ٥٣٩ هـ عائداً إلى جيان. وسرعان ما ألفى في حوادث مرسية فرصة جديدة للتدخل والمغامرة، فبعث إليها أولا قائده عبد الله الثغري، فتغلب عليها، ولكنه أخرج منها بعد أيام قلائل، ثم توالت الحوادث على النحو الذي فصلناه من قبل، واستولى ابن عياض قائد جنود الثغر على مرسية، ثم على بلنسية، ودعا لابن هود في كلتا الحاضرتين. فبعث إليه ابن هود بولده أبى بكر، فخرج للقائه واحتفي به، واصطحبه معه إلى بلنسية، ثم سار ابن هود نفسه إلى مرسية، ودخلها ونزل بقصرها، فعجل ابن عياض في اللحاق به، وأعلن طاعته، والامتثال لأوامره، ونزل بالقصر الصغير، فعهد إليه ابن هود بالأمور كلها، وأسبغ عليه لقب الرئيس مكتفياً بلقب الإمارة ومظاهرها، وكان ذلك في أواخر رجب سنة ٥٤٠ هـ (أوائل سنة ١١٤٦ م).
стр. 1519
وكان ابن عِياض جندياً عظيماً، وفارساً ذا نجدة، ورئيساً وافر العزم، وكان فوق ذلك رجلا صالحاً ورعاً، رقيق الحس والعاطفة، وكان النصارى يقدرون فروسيته وشدة مراسه، ويعدونه وحده بمائة فارس (١). وكان يقظاً لحركات النصارى في شرقي الأندلس، فلم تمض أيام قلائل، على مقدم ابن هود، حتى جاءت الأنباء باعتداء النصارى على أحواز شاطبة، ومبادرة عبد الله ابن سعد بعسكر بلنسية لقتالهم. فأسرع ابن عياض وابن هود في قواتهما لنجدته.
والتقى المسلمون والنصارى في موضع يسمى " باللج " في ظاهر بلدة البسيط (٢) على مقربة من جنجالة، في يوم الجمعة العشرين من شهر شعبان سنة ٥٤٠ هـ (فبراير سنة ١١٤٦ م) فوقعت الهزيمة على المسلمين، وقتل في الموقعة عبد الله ابن سعد بن مردنيش، وسيف الدولة ابن هود، ونجا ابن عياض. وكانت ضربة شديدة للمسلمين في شرقي الأندلس (٣).
هكذا تصور لنا الرواية الإسلامية موقعة البسيط. بيد أنه يوجد ثمة شىء من الغموض في تلك الرواية الموجزة. ذلك أننا نعرف أن سيف الدولة بن هود، هو حليف النصارى، وصنيعة عاهلهم القيصر ألفونسو السابع أو ألفونسو ريمونديس وهم الذين دفعوه إلى خوض غمار الحوادث في الأندلس، وأمدوه بعونهم، فكيف انقلب إلى محاربتهم بين عشية وضحاها؟ والجواب على ذلك نجده في الرواية النصرانية المعاصرة، وهي المسماة " رواية ألفونسو السابع " فهي تقول لنا إن سيف الدولة، بعد أن فشلت محاولته في قرطبة بعث إلى ألفونسو السابع ملك قشتالة، يخبره بأن أراضي أبدة، وبياسة وقلاعها، وهي من أملاكه التي تغلب عليها، قد ثارت عليه ورفضت أداء الضرائب المطلوبة، فندب ألفونسو أربعة من الأشراف القشتاليين هم الكونتات مانريكي، وأرمنجود، وبانسيو، ومارتن فرنانديث، وأمرهم بأن يقوموا بإخضاع أراضي أبدة، وبياسة، وجيان وغيرها، لطاعته وطاعة سيف الدولة، فسار الكونتات في قواتهم، وأغاروا على تلك الجهات وأثخنوا فيها، وافتتحوا جيان وأبدة وبياسة، ونكلوا بسكانها المسلمين، وعندئذ استغاث المسلمون بسيف الدولة، وأعلنوا بطاعته، فاستجاب لدعوتهم، وسار
стр. 1520
إليهم في جيش ضخم، وطلب إلى الكونتات النصارى أن يرفعوا أيديهم عن المسلمين، وأن يكفوا عن غزواتهم المخربة التي قاموا بها في الأراضي الإسلامية، بالتحالف مع القاضي الطموح عبد الله الطغرائي والي قونقة، فيما بين شاطبة وأبدة، وأخيراً أن يسلموا إليه الغنائم والأسرى. فرفض الكونتات مطالب سيف الدولة، وأجابوا بأنهم لم يفعلوا إلا ما أمر به عاهلهم، وما طلبه سيف الدولة ذاته.
وطال الجدل بين الفريقين، وعندئذ قرر سيف الدولة أن يلجأ إلى السيف، وسار الكونتات النصارى وحليفهم القاضي الطغرائي، بعد أن امتنعت عليهم شاطبة غرباً، وسارت قوات بلنسية ومرسية وسيف الدولة لقتالهم في نفس الوقت. والتقى المسلمون والنصارى في سهل البسيط على مقربة من جنجالة، فهزم المسلمون شر هزيمة، وقتل عبد الله بن سعد قائد جند بلنسية وأسر سيف الدولة، وقتله بعض الجند النصارى دون معرفة لشخصه، وارتد ابن عياض في فلول الجيش إلى بلنسية. ولما علم ألفونسو السابع بمصرع صديقه القديم سيف الدولة أسف كل الأسف وأعلن أنه برىء من دمه (١).
وكان أحمد بن يوسف بن هود، المتلقب بسيف الدولة، وبالمستنصر، شخصية غامضة. وبالرغم من أنه كان سليل أسرة بني هود أصحاب الثغر الأعلى، وحماته والمتفانين في الذود عنه ضد النصارى، فإنه لم يكن يتمتع بشىء من خلال أسرته الملوكية العريقة. وقد رأينا كيف تخلى عن روطة، آخر قواعد مملكة سرقسطة القديمة، لملك قشتالة، ألفونسو ريمونديس، وآثر أن يعيش في أراضيه وتحت كنفه، وأن يغدو آلة لخططه ودسائسه ضد المسلمين، يحقق بها إذا استطاع بعض مآربه في الضرب والتفريق بين أبناء الأمة الأندلسية، واقتطاع ما يمكن اقتطاعه من أراضيها. ولم يكن اشتراك سيف الدولة في حوادث الثورة ضد المرابطين، وتدخله في شئون الرياسة بالقواعد الثائرة، مثل قرطبة وغرناطة وجيان ومرسية، محاولة اختيارية يشق بها طريقه إلى الرياسة، ولكنه كان يقوم بها بوحي ملك قشتالة، ومعاونته الفعلية بالمال والجند، لانتهاز الفرص السانحة، خلال هذا الاضطراب العام، الذي كان يسود الأمة الأندلسية، ولم تكن دعوات
стр. 1521
الزعماء الثائرين له ليقدم عليهم، أو ليستظلوا بصفته الملوكية السابقة، إلا سراباً وخديعة لمواطنيهم، بتنصيب شخصية لا تخلص لقضيتهم. ولقد كان من رحمة القدر بذكرى هذا الأمير المنكود - صنيعة القشتاليين وخديمهم - أن قتل في غمرة الدفاع عن أمته ودينه، ضد حلفائه القدماء، في ظروف طارئة، لم تكن من تدبيره، وإنما استدرج إليها فكانت فيها خاتمته.
بيد أن سيف الدولة كان يتمتع بخلة العلم والتأدب شيمة آبائه وأجداده، وكان شاعراً ينظم الشعر الجيد، وقد أورد لنا ابن الأبار شيئاً من نظمه فمن ذلك قوله:
يا باكياً عمر الطلول بدمعه ... أسفاً على ذاك الدم المطلول
أودت بلبك لوعة صديت لها ... صفحات ذاك الخاطر المصقول
وقوله من قصيدة طويلة:
خطرت خطرة الغرام على القـ ... ـلب وحسب الفتى لها يستكين
أذكرتني بلجاء وُرْقٌ تجـ ... ـاوبن بنجد حديثهن شجون
أطربتني أصواتهن على الأيـ ... ـكة قد يطرب الحزين الحزين
يامَةَ القوم والمنا يضع المر ... ء إذا ما استقل يوماً قطين
إن تكوني قد استقر بك الربـ ... ـع فقلبي مع الرفاق رهين
أو تكوني سلوت عنا فلا واللـ ... ـه تسْلُك الظباء العين
أين للشمس أن تنال محيا ... ك وتعزي لمعطفيك الغصون
غرر لحن من دجى الشعر بيض ... ما تجلت عن مثلهن الدجون (١).
* * *
وعلى أثر مقتل ابن هود، أعلن ابن عياض الدعوة لنفسه ببلنسية، وكان قد ترك في مرسية محمد بن سعد بن مردنيش نائباً عنه بها، وكان قد عهد في نفس الوقت إلى عبد الله الثغري الذي شهدناه من قبل، يشترك في حوادث مرسية باسم ابن هود، بأن يكون سفيره لدى الإمبراطور ألفونسو ريمونديس ليعقد معه السلم والتحالف ضد أمير برشلونة، فعاد من سفارته هذه، وزعم أن الإمبراطور قد منحه إمارة مرسية، واستعان على دخولها بطائفة من الخوارج
стр. 1522
المشايعين له، فنجح في محاولته، وفر محمد بن سعد بن مردنيش نائب ابن عياض بمرسية، ولحق بثغر لقنت، وذلك في أوائل شهر ذي الحجة سنة ٥٤٠ هـ، (مايو سنة ١١٤٦ م). ولم تمض بضعة أشهر على ذلك، حتى زحف ابن عياض على مرسية لاستخلاصها من الثغري، وقتل الثغري في العركة التي نشبت بينهما، وذلك في السابع من رجب سنة ٥٤١ هـ (ديسمبر ١١٤٦ م). ويقدم إلينا الضبي تفاصيل مصرع الثغري، فيقول إنه لما نجح ابن عياض في دخول مرسية، وقع القتال بينه وبين ابن عياض في شوارع المدينة حتى هزم الثغري، وركن إلى الفرار، وخرج من الباب المسمى باب الفارقة، فألقى عليه من فوق السور حجر أصاب رأس جواده، فوثب الجواد جامحاً براكبه نحو مجرى النهر، وهنالك قتله رجل ممن كانوا يرابطون في هذا المكان.
وهكذا استعاد ابن عياض إمارته على مرسية، وأضحى يبسط سلطانه على سائر قواعد الشرق من بلنسية شمالا حتى أحواز قرطاجنة، جنوباً. واستمر في إمارته على تلك المنطقة بلا منازع مدى عام وتسعة أشهر وعشرين يوماً، إلى أن لقي مصرعه في اليوم الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ٥٤٢ هـ (٢١ أغسطس ١١٤٧ م). ويقول لنا ابن الأبار. إنه توفي قتيلا من جراء سهم أصابه في بعض حروبه مع القشتاليين (١). ويقول الضبي إنه قتل بالعكس خلال معركة نشبت بينه وبين بني جميل على مقربة من بلِّش وحمل جثمانه إلى بلنسية ودفن بها. وقام على مواراته صهره ونائبه في بلنسية محمد بن سعد بن مردنيش، وأعلن للناس أن ابن عياض قد أولاه عهده بالإمارة من بعده، فبايعوه على ذلك. ويقول المراكشي إن ابن عياض حين حضرته الوفاة، أشار إلى من اجتمع إليه من الأعيان والجند بتقديم محمد بن سعد للرياسة، وأبى أن يوصى برياسة ولده لأنه كان يشرب الخمر ويغفل الصلاة. وقيل أيضاً إن أهل بلنسية بايعوا ابن سعد، ونصبوه أميراً عليهم دون عهد سابق. وأما في مرسية فقد اختار أهلها للإمارة عليهم نائب ابن عياض أبا الحسن علي بن عبيد، ولكنه لم يمكث في الإمارة سوى فترة يسيرة حتى أواخر جمادى الأولى، ثم تخلى عنها لابن سعد أمير بلنسية. وهكذا نجح محمد بن سعد بن مردنيش في اجتناء تراث ابن عياض بأكمله، وخلفه في إمارة شرق الأندلس كله، وكان ذلك في جمادى الأولى سنة ٥٤٢ هـ (أكتوبر ١١٤٧ م)
стр. 1523
وبقيام ابن مردنيش، في إمارة شرقي الأندلس، تتهيأ الظروف لصفحة جديدة من الصراع بين الأندلس الثائرة وبين الموحدين، وهو صراع عنيف يضطرم زهاء عشرين عاماً، وتخوضه منطقة الشرق كلها، بسائر مواردها وقواتها، تحت زعامة قوية موحدة، ويقتضي لمدافعته معظم جهود الموحدين في شبه الجزيرة، ثم لا تهدأ ثائرته وتطوى صفحته، إلا باختفاء مثير ضرامه من الميدان.
- ٣ -
إن ابن مردنيش، الذي حمل لواء هذا الصراع الشهير ضد الموحدين، ولبث طيلة اضطرامه صامداً، كالصخرة الصلدة، لا تفتر له همة، ولا يهادن، ولا تلين قنانه، حتى طواه الموت، هو شخصية من أغرب شخصيات التاريخ الأندلسي، تمثل كل خلال العصر، ورذائله في نفس الوقت، ولو لم يبالغ ابن مردنيش في مداخلة النصارى، وربط قضيته بعونهم، لكان في وسعنا أن نعتبره بطل الوطنية الأندلسية، وحامل لوائها ضد الموحدين.
وهو أبو عبد الله محمد بن سعد بن محمد بن سعد الجذامي بن مرْدنَيش.
أصله من الثغر الأعلى، وولد في قلعة من قلاع طرطوشة المنيعة تسمى بُنُشْكُلَة، Peniscola (١) وذلك في سنة ٥١٨ هـ (٢) وإذن فقد كان حينما تولى إمارة شرقي الأندلس، فتى في نحو الرابعة والعشرين من عمره. وقد كان أبوه سعد بن محمد ابن مردنيش والياً لإفراغة أيام المرابطين، حينما حاصرها ألفونسو المحارب ملك أراجون في أواخر سنة ٥٢٧ هـ (يونيه سنة ١١٣٣ م)، وأبدى في مدافعة النصارى بسالة رائعة، واضطر المحاصرين أن يرفعوا الحصار غير مرة، إلى أن وفدت الأمداد المرابطية، ومعها الأمير يحيى بن غانية، وكان ما كان من انتصار المسلمين الباهر على النصارى وذلك حسبما فصلناه من قبل في موضعه، وعمه عبد الله بن محمد بن سعد بن مردنيش صهر ابن عياض، ونائبه في بلنسية، وهو الذي سبقت الإشارة إليه فيما تقدم غير مرة.
وقد لفت محمد بن سعد أنظار الباحثين باسمه ولقبه، وصفاته الغريبة الفذة، وتساءل بعضهم عن حقيقة أصله ونسبه، فهو وفقاً لاسمه المدون جذامى، أو
стр. 1524
تجيبي وفقاً للبعض الآخر (١)، أو بعبارة أخرى عربي الأرومة. بيد أن في لقبه، وهو ابن مردنيش وفي صفاته وسلوكه أيضاً، ما يحمل على الريب في هذه النسبة. وأغلب الظن أنه ينتمي إلى المولدين أو بعبارة أخرى أنه إسباني الأصل، دخل أجداده في الإسلام، فأصبح من ذلك العنصر المسلم الدخيل، الذي كان يؤلف شطراً له خطره من الأمة الأندلسية، والذي لعب في تاريخها أعظم دور، ولاسيما في أيام الفتن والثورات القومية. ويرى البحث الحديث. أن مردنيش، هو تحريف للاسم الإسباني " مرتنيث " Martinez أو Martinizi أي (ابن مرتين)، وربما تحريف لاسم Mardonius وهو سليل البيزنطيين القدماء في منطقة قرطاجنّة (٢). ومن جهة أخرى فإن صفات ابن مردنيش وسلوكه حسبما تصورها لنا الرواية العربية، تؤيد هذا الظن في انتمائه إلى عنصر المولدين. فقد كان شغوفاً بالتشبه بالنصارى (القشتاليين) في الزي والملابس والسلاح واللجم والسروج، وكان يجيد اللغة القشتالية، ويؤثر التحدث بها، وكان يدعو إلى جيشه كثيراً من النصارى المرتزقة، من القشتاليين والقطلان والبشكنس، يبتني لهم الأحياء والمعسكرات، ويزودها بأسباب الرفاهية والحانات، وكان يغدق عليهم الصلات الوفيرة من المال والإقطاعات، وذهب في ذلك إلى حد أنه أقطع أحد أكابر فرسان البشكنس، وهو المسمى بيدرو دي أثاجرا مدينة شنتمرية ابن رزين مع سائر مرافقها وأراضيها، وقد أنشأ بها هذا الفارس مركزاً لأسقفية (٣). وقد كان من جراء هذا الإغداق الفياض على النصارى أن اشتط ابن سعد في فرض المغارم والرسوم المختلفة على رعاياه المسلمين (٤). وكان النصارى يسمونه الملك لوبي (لب) Rey Lope أو Lobo أعني " الذئب ". وفي بعض الروايات النصرانية أن هذا الاسم الأخير أطلقه عليه النصارى لما أثر من إقدامه وشجاعته (٥).
стр. 1525
وأضحى محمد بن سعد بن مردنيش بتغلبه على بلنسية، ومرسية، سيد المنطقة الشرقية كلها، وامتد سلطانه من أحواز طرطوشة شمالا حتى قرطاجنة ولورَقة جنوباً. ولما كان من الواضح أنه لا يستطيع أن ينصرف إلى توطيد سلطانه في تلك المنطقة الشاسعة إلا إذا أمن جانب النصارى، وهم جيرانه من الشمال والغرب واستطاع بذلك أن ينصرف إلى مقارعة الموحدين، الذين جازت جيوشهم الأولى إلى شبه الجزيرة، فقد رأى أن تكون مسالمة الممالك النصرانية، شعاره الذي لا يحيد عنه، وأن يعقد معها التحالف كلما سنحت بذلك الفرص ودعت الضرورات.
ومن ثم فقد عقد لأول ولايته مع أمير برشلونة الكونت رامون برنجير الرابع صلحاً لمدة أربعة أعوام، وعقد معاهدة صلح أخرى مع ملك قشتالة الإمبراطور ألفونسو السابع (ألفونسو ريمونديس). وكان يؤدي لكل منهما في السنة جزية قدرها خمسون ألف مثقال من الذهب. ولم تقف هذه السياسة في مصانعة النصارى ومصادقتهم، عند حدود شبه الجزيرة، بل شملت الدول النصرانية في خارجها.
ففي العام الثاني من حكمه، أعني في سنة ٥٤٣ هـ (١١٤٩ م) عقد ابن مردنيش مع جمهورية بيزة معاهدة صلح مدتها عشرة أعوام، ثم عاقد معاهدة أخرى مع جمهورية جنوة، يتعهد فيها بأن يؤدي إليها إتاوة قدرها عشرة آلاف دينار مرابطية خلال عامين، وأن يبني للرعايا الجنويين الذين يقطنون في بلنسية ودانية فندقاً يزاولون فيه تجارتهم، وأن يمنحهم حماماً مجانياً في كل أسبوع، وتعهدت جمهورية جنوة من جانبها بأن لا تحدث أضراراً لأحد من رعايا الملك لوبو في طرطوشة وألمرية. وكان ابن مردنيش فضلا عما تقدم يراسل كثيراً من الملوك النصارى في مختلف أنحاء القارة، ويبعث إليهم بالهدايا القيمة. ومن ذلك أنه أرسل إلى هنري الثاني ملك انجلترا، هدية قيمة من الذهب والحرير والخيل والجمال، وبعث إليه ملك انجلترا هدية جليلة (١).
وظهر ابن مردنيش منذ البداية بفائق عزمه وشجاعته وإقدامه، كما ظهر بوافر شهامته وجوده. ويقول لنا ابن الخطيب إنه " كان له يومان في الأسبوع، يوم الاثنين والخميس، يشرب مع ندمائه، ويجود على قواده وخاصته وأجناده، ويذبح الأبقار في المواسم، ويفرق لحومها على الأجناد، ويتخلل ذلك لهو كثير،
стр. 1526
حتى ملك القلوب من الجند، وعاملوه بغاية النصح، وربما وهب المال في مجالس أنسه " (١).
وينوه المقري بشجاعة ابن مردنيش، ويقول إنه كان من أبطال عصره، وأنه كان يدفع في المواكب ويشقها شقاً، يميناً وشمالا، منشداً:
أكرُّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها (٢).
وجمعت الأقدار بين ابن مردنيش وزعيم يشبهه في كثير من صفاته وميوله، وكان له أكبر عضد في مضاعفة صولته، وتوطيد سلطانه، وهو إبراهيم ابن محمد بن مفرج بن همشك، وهو مثل ابن مردنيش شخصية تتميز بصفاتها الخاصة، وهو من أصل نصراني صريح، فجده مفرج أو همشك نصراني نزح إلى سرقسطة، وأسلم على يد أحد ملوك بني هود في أواخر أيامهم، وكان مقطوع إحدى الأذنين، فكان النصارى إذا رأوه في القتال عرفوه وقالوا " هامشك "، ويقول لنا ابن الخطيب أن معنى هذه العبارة في لغتهم " ترى المقطوع الأذن " (٣) وأصل العبارة في القشتالية هو ا He Mochico وبالتفصيل He aqui el Mocho pequeno, El desorejado menor. ومعناها مقطوع الذيل الصغير، ومقطوع الأذن (٤). ولما سقطت سرقسطة في أيدي النصارى، وغادرها بنو هود، تحول إبراهيم بن همشك إلى قشتالة، وخدم ملكها حيناً، ثم ترك خدمة النصارى، ونزح إلى الأندلس، وخدم اللمتونيين بعد أن أعلن توبته، وشفع فيه بعض الأكابر. ولما ندب يحيى بن غانية لولاية قرطبة من قبل تاشفين بن علي بن يوسف في سنة ٥٣٨ هـ (١١٤٣ م) التحق بخدمته.
ولما ثار القاضي ابن حمدين بقرطبة في العالم التالي، وتسمى بأمير المسلمين، وكان ابن غانية يومئذ في منطقة الغرب يطارد ثوارها، بعثه ابن غانية رسولا إلى قرطبة لمحاولة عقد الصلح بينه وبين ابن حمدين. ولكن الحوادث اتخذت يومئذ في قرطبة وجهة أخرى، ثم اتسع نطاق الثورة بالأندلس، وتوالت الإنقلابات في قواعد الشرق، فاتصل ابن همشك بابن عياض، وقد تغلب يومئذ على بلنسية، ولم يمض وقت طويل على ذلك حتى سنحت لابن همشك فرصة لاحتلال حصن شقوبش،
стр. 1527
ثم تغلب بعد ذلك على مدينة شقورة (١) الواقعة على مقربة من شمال شرقي أبدة، فقوى أمره، وفي رواية أخرى أنه تغلب على شقورة فيما بعد حينما ندبه لذلك ابن مَرْدَنيش، ولما آلت بلنسية ومرسية إلى محمد بن سعد اتصل به، وعقد معه ابن سعد صهراً على ابنته، فتوثقت بينهما العلائق، وغدا ابن همشك من أعظم أعوان ابن سعد وقادته، وكان ابن همشك في الواقع من أقدر قواد العصر، وأوفرهم جرأة وشجاعة وإقداماً، وقد خاض ضد الموحدين فيما بعد، عدة من الحروب والوقائع الهامة (٢).
- ٤ -
ليست لدينا تفاصيل شافية عن حوادث شرقي الأندلس في الأعوام الأولى لحكم ابن مردنيش، بيد أنه وقع عقب تولى ابن مردنيش حكم بلنسية ومرسية بقليل، حادثان خطيران، الأول في شمال شرقي الأندلس، والثاني في جنوبي شرقها.
أما الحادث الأول، فهو استيلاء النصارى على ما بقي بأيدي المسلمين من قواعد الثغر الأعلى. ونحن نعرف أن النصارى، منذ استولوا على سرقسطة في سنة ٥١٢ هـ (١١١٨ م) لبثوا يتربصون الفرص لانتزاع القواعد القليلة الباقية في هذا الركن النائي من الأندلس. وقد صدتهم هزيمة إفراغة المروعة (٥٢٨ هـ) عن مشاريعهم حيناً. فلما انفجر بركان الثورة في الأندلس ضد المرابطين، وشغلت الحاميات المرابطية في كل قاعدة، بالذود عن نفسها، وشغل الزعماء الثائرون كل بتوطيد سلطانه، شعر النصارى في الثغر الأعلى، بأن الفرصة قد سنحت لتحقيق مشروعهم. وكانت القواعد الباقية، داخل الثغر الأعلى تنحصر في لاردة وإفراغة ومكننسة (مكناسة) ثم في ثغر طرطوشة الواقع عند مصب نهر إيبرو (إبرة)، وكانت جميعها تقع على حدود إمارة برشلونة. وكانت طرطوشة أولى القواعد التي سقطت عندئذ في أيدي النصارى. وكانت قد غدت في أواخر عهدها الإسلامي مثوى للمجاهدين والمغامرين من رواد الحملات البحرية، التي تثخن في شواطىء الأمم النصرانية المجاورة، فدعا البابا أوجين الثالث إلى حملة صليبية لفتحها، واجتمعت قوات النصارى من الأرجونيين والقطلان والبيزيين والجنويين وفرسان المعبد بقيادة الكونت رامون برنجير أمير برشلونة، وضربت
стр. 1528
الحصار حول طرطوشة من البر والبحر، ودافع المسلمون عن المدينة بمنتهى البسالة، وصمدوا للحصار أربعين يوماً، مؤملين أن ترد إليهم أمداد من بلنسية أو غيرها، فلما يئسوا من كل عون، اضطروا إلى تسليم المدينة صلحاً في آخر. سنة ١١٤٨ م (١٦ شعبان سنة ٥٤٣ هـ). مشترطين الاحتفاظ بأملاكهم ومساجدهم. بيد أنهم لم يستطيعوا الاحتفاظ بمساجدهم أكثر من ثلاثين أو أربعين عاماً، وهاجمت القوات النصرانية المتحالفة وعلى رأسها الكونت رامون برنجير مدينة لاردة بعد ذلك بقليل وكان طبيعياً ألا تصمد طويلا بعد سقوط طرطوشة، فسقطت في أيدي المهاجمين وذلك في ٢٤ أكتوبر سنة ١١٤٩ م (٥٤٤ هـ) وعبر واليها المرابطي ابن هلال البحر ملتجئاً إلى أمير ميورقة محمد بن غانية، وسقطت معها في نفس الوقت، بل وفي نفس اليوم حسبما تروى التواريخ القطلانية، مدينتا إفراغة ومكناسة، ويقول لنا ابن الخطيب إن القشتاليين استولوا في نفس الوقت على حصن أقليش وحصن سرانية (سنة ٥٤٣ هـ) (١).
سقطت هذه القواعد الإسلامية الشمالية الأخيرة في أيدي النصارى، وانتهت بذلك سيادة المسلمين في الثغر الأعلى. وقد كانت هذه القواعد، تابعة من قبل لمملكة سرقسطة، فلما سقطت سرقسطة في أيدي الأرجونيين، أصبحت تابعة لولاية بلنسية، كما كانت منذ بداية العهد المرابطي، وإذن فقد كانت هذه القواعد خاضعة لسيادة ابن مردنيش، من الناحية الإسمية على الأقل. بيد أن ابن مردنيش لم يكن في وسعه أن يحميها أو أن ينجدها، وكان ارتباطه برباط الصداقة والمهادنة مع الكونت برنجير أمير برشلونة، يحول دون أية محاولة لإنقاذها، تفسد علائقه مع الممالك النصرانية، ومن جهة أخرى فقد كان الدفاع عن هذه القواعد النائية الواقعة في قلب الأراضي النصرانية عملا غير ميسور. ومن ثم فإن ابن مردنيش لم يحرك ساكناً، إزاء هذا الحدث المؤلم، وإن كان قد لبث يعتبر نفسه حامياً للرعايا المسلمين، في تلك القواعد المنزوعة، يدل على ذلك أنه حينما عقد معاهدة الصداقة مع جمهورية جنوة، قد اشترط فيها أن تتعهد جنوة بألا توقع أية أضرار برعايا الملك لوبو في طرطوشة وألمرية، وقد كانت جنوة ضمن البلاد التي اشتركت في افتتاح طرطوشة.
стр. 1529
وأما الحادث الثاني فقد وقع في نفس الوقت، الذي ظفر فيه ابن مردنيش بولاية بلنسية ومرسية، وهو استيلاء النصارى على ثغر ألمرية. وكانت ألمرية في الواقع شجى في عيون الدول النصرانية القريبة مثل قطلونية وجنوة وبيزة، بما كانت تقوم به الحملات البحرية الخارجة منها في شواطىء هذه الدول من ضروب العيث والتخريب. ففي غمرة الإضطراب العام، الذي شمل الأندلس عقب انهيار سلطان المرابطين، رأت الدول النصرانية، وعلى رأسها البابا، أن تقوم بانتزاع هذا الثغر الغني الحصين من أيدي المسلمين، وبادر ألفونسو السابع ملك قشتالة بانتهاز الفرصة السانحة، ونظمت حملة برية وبحرية مشتركة من قوات قشتالة، وقطلونية، ونافار، وجنوة، وبيزة، وبعض حشود فرنسية من وراء البرنيه، وسارت هذه الحملة الصليبية المشتركة إلى ألمرية، وحاصرتها من البر والبحر بقوات كثيفة، واستمر الحصار ثلاثة أشهر، حتى نضبت موارد المدينة، واضطر المسلمون في النهاية إلى تسليمها للنصارى، وذلك في العشرين من جمادى الأولى سنة ٥٤٢ هـ (١٧ أكتوبر سنة ١١٤٧ م) (١). وقد كان سقوط هذا الثغر الأندلسي الهام في أيدي النصارى حادثاً جللا، بيد أن أصداءه المحزنة قد تبددت خلال المحنة العامة التي كانت تعانيها الأندلس يومئذ، من تفرق كلمتها وتبدد قواها ومواردها، وكان استرداده من أهم ما عنى به الموحدون، مذ ثبتت أقدامهم في شبه الجزيرة.
وكان ألفونسو السابع ملك قشتالة قد استولى في نفس الوقت على معقل من أهم معاقل الأندلس الوسطى، وهو قلعة رباح، وذلك في أواخر سنة ٥٤١ هـ (١١٤٧ م)، وذلك قبل استيلائه على ثغر ألمرية بأشهر قلائل. وقد أحدث القشتاليون باستيلائهم على هذا المعقل المنيع ثغرة خطيرة في خطوط الدفاع الأندلسية، وسنرى فيما بعد أي دور خطير تلعبه هذه القلعة الشهيرة في حوادث الصراع بين الموحدين والنصارى.
في ذلك الحين كان ابن مَرْدَنيش يعمل على توطيد سلطانه، وقد كان حريصاً على ألا ينتقص من أطرافه معتد خارجي أو داخلي، حتى لقد بلغه خلال سيره إلى بلنسية ليتولى سلطانه بها، أن النصارى هاجموا حصن " حلال " فكر إليه،
стр. 1530
واسترده من أيديهم، ثم عاد إلى بلنسية فتلقى بها البيعة (١). ولما سار إلى مرسية ليستخلصها من يد نائبها ابن عبيد، بعث قائده ابن همشك إلى مدينة شقورة، وقد كان يعتبرها من متعلقات بلنسية، لينتزعها من صاحبها ابن سوار، فاستولى ابن همشك عليها (٢)، ثم عاد إلى مرسية لمعاونة ابن مردنيش على السيطرة على مرسية وتلقى بيعتها.
فلما تم له الأمر غادرها إلى بلنسية، وترك ابن همشك نائباً عليها. وكان ابن مردنيش، قد عين أخاه أبا الحجاج يوسف بن سعد، منذ البداية نائباً له ببلنسية.
ولسنا نعلم الكثير عن أعمال ابن مردنيش في الأعوام الأولى لولايته. وأول ْما تحدثنا عنه الرواية من ذلك هو استيلاؤه في سنة ٥٤٦ هـ (١١٥١ م) على مدينتي بسطة ووادي آش. وقد سبق أن ذكرنا ما كان من قيام ابن ملحان الطائي بوادي آش، وتغلبه عليها وعلى بسطة. وكان الموحدون قد عبروا إلى شبه الجزيرة قبل ذلك ببضعة أعوام، واستولوا على إشبيلية، في شهر شعبان سنة ٥٤١، وذلك بعد أن استولوا على شَريش، وقواعد الغرب، التي كانت أولى القواعد الثائرة ضد المرابطين، ثم استولوا على قرطبة سنة ٥٤٣ هـ، ثم على جيان وبياسة وأبدة.
وهكذا وصلت طلائع الموحدين إلى أواسط الأندلس، وأضحت تشرف من ناحية الشرق على أملاك ابن مردنيش. والظاهر أن ابن مردنيش كان يستعين في حملته ضد بسطة ووادي آش بجنود من القشتاليين أرسلها ألفونسو السابع لمعاونته (٣).
ولما رأى ابن ملحان أنه لا طاقة له بمقاومة الغزاة أعلن طاعته للموحدين، ثم غادر وادي آش في أهله وأمواله، وعبر البحر إلى المغرب حسبما ذكرنا من قبل في موضعه. وأضحى ابن مردنيش باستيلائه على بسطة ووادي آش يواجه القواعد الموحدية في جيان وبياسة وأبدة من الجنوب كما يواجهها من الشرق، وهكذا أخذت تجتمع عناصر ذلك الصراع المضطرم الذي لبث ابن مردنيش، ومن ورائه قوى الأندلس الشرقية كلها، يضطلع به ضد الموحدين أعواماً طوالا، والذي كان يمثل في كثير من نواحيه ثورة الأندلس القومية ضد غزاتها من رواء البحر، أعني المرابطين والموحدين.
стр. 1531
الفصل الرابع
أعوام عبد المؤمن الأخيرة وفاته وخلاله
ابن مردنيش ينتزع جيان ويحاصر قرطبة. خديعته ومسيره إلى إشبيلية. إخفاقه وارتداده. غزو ابن همشك لأراضي قرطبة. هزيمة الموحدين ومقتل قائدهم. مسير ابن همشك إلى قرمونة وتغلبه عليها. الوزير ابن عبد السلام الكومي. سوء مسلكه وطغيانه. مصرعه. تكسير الإمبراطورية الموحدية. كتب عبد المؤمن بالفتح. اهتمامه بشئون الأندلس. مشروعه لتحصين جبل طارق وإنشاء مدينته. بناء المدينة ووصفها وفقاً لرواية ابن صاحب الصلاة. عبور عبد المؤمن إلى جبل طارق. الاحتفال بافتتاح المدينة. وفود الأعيان والكبراء. مدائح الشعراء. عبد المؤمن ينظم شئون الأندلس. عبوره إلى المغرب وعوده إلى مراكش. استرداد الموحدين لقرمونة. مهاجمة ابن همشك لغرناطة ودخوله إياها. محاصرته للموحدين بالقصبة. مقدم الأمداد الموحدية. موقعة مرج الرقاد. هزيمة الموحدين وفرارهم. عبد المؤمن يرسل جيشاً إلى الأندلس. مسير ابن مردنيش لإمداد ابن همشك. موقعة السبيكة. هزيمة ابن همشك وحلفائه النصارى. استرداد الموحدين لغرناطة. ارتداد ابن همشك وابن مردنيش. تحصين الموحدين لغرناطة. نقل قاعدة الحكم الموحدي إلى قرطبة. إصلاح قرطبة وتنظيم شئونها. استعداد عبد المؤمن للجهاد بالأندلس. زيارته لتينملل. مسيره إلى رباط الفتح. اجتماع الجيوش الموحدية. بحث خطة الغزو بالأندلس. مرض عبد المؤمن. تنحيته لولده محمد عن ولاية العهد واختياره لولده يوسف. وفاة عبد المؤمن. عقد البيعة لولده يوسف. تولى أخيه أبى حفص الوزارة. روايات أخرى عن تولية يوسف. عبقرية عبد المؤمن. إنشاؤه للدولة الموحدية الكبرى. إنشاؤه للخلافة الزمنية. عبد المؤمن أعظم خلفاء الغرب الإسلامي. قائد من أعظم قواد عصره. نظام حركة الجيوش الموحدية. تنظيم عبد المؤمن لطبقات الموحدين. تنظيمه للجيوش الموحدية. طوائف العرب وتقلبها. نظم الحكم والإدارة الموحدية حسبما وردت في رسالة لعبد المؤمن. حبه للعلم والعلماء. عنايته بأمر الطلبة وتدريبهم. علمه وأدبه. الجراوى الشاعر. صرامة عبد المؤمن الدينية. تشدده في معاملة النصارى واليهود. قسوته وسفكه للدماء. قواده وكتابه ووزراؤه وقضاته. سياسته في فرض الضرائب والجبايات. مسحه لبلاد المغرب. أولاده. صفة شخصه.
- ١ -
لما تم لعبد المؤمن فتح المهدية في العاشر من المحرم سنة ٥٥٥ هـ، وإجلاء الفرنج الصقليين عن إفريقية، ثم القضاء عقب ذلك على طوائف العرب الذين تصدوا لمقاومته، كانت حوادث الأندلس، قد أخذت تشغل معظم تفكيره،
стр. 1532
وكانت حوادث شرقي الأندلس بالأخص، قد تطورت خلال ذلك، بصورة تدعو إلى القلق. ذلك أنه في الوقت الذي كانت جيوش عبد المؤمن، تعسكر فيه تحت أسوار المهدية، كان زعيم الشرق محمد بن سعد بن مَرْدَنيش، قد خرج من مدينة مرسية، بجيش مختلط من قواته، ومن حلفائه القشتاليين، وسار إلى مدينة جيّان، فلم يبد واليها الموحدي محمد بن علي الكومي أية مقاومة، وسلمها إليه، وانضوى تحت لوائه، وهو ما تعتبره الرواية الموحدية خيانة منه، ونكثاً لبيعته للموحدين. ثم سار ابن مردنيش من جيان إلى قرطبة، ونازلها بشدة، وعاث في ربوعها، وأتلف زروعها، فخرج إليه واليها أبو زيد عبد الرحمن ابن يكيت (أو يخيت) في قواته، واشتبك معه في معركة شديدة، ثم ارتد إلى المدينة، وامتنع بها، فضرب ابن مردنيش الحصار حول قرطبة، ولبث يرقب فرصة الاستيلاء عليها، ولكن ابن يكيت، وقاضي المدينة أخيل ابن إدريس لجآ إلى حيلة أو خدعة حربية، فكتبا على لسان سيدراي بن وزير إلى ابن مردنيش كتاباً، وبعثا به إلى ابن مردنيش، على يد رسول متنكر في صفة زيات من أهل الشرق، وفيه يحث ابن وزير، ابن مردنيش، بأن يسرع بالإقلاع من قرطبة، والسير إلى إشبيلية لأنها دون دفاع. فآمن ابن مردنيش بالخدعة وبادر في الحال بالسير إلى إشبيلية، وسبقه من قرطبة جاسوس موحدي إلى إشبيلية، فأخطر ولاة الأمر بما حدث، واعتقد هؤلاء في صحة ما نسب إلى ابن وزير، فقبض عليه واعتقل. ووصل ابن مردنيش بقواته إلى إشبيلية، ونزل بظاهرها بموضع يعرف بألفونت، ونازلها ببعض قواته حتى وصل إلى باب قرمونة في شمالها الشرقي، وأقام أمامها ثلاثة أيام، وقد شاع الاضطراب في المدينة، وتوجس الناس شراً، وأبدى واليها السيد أبو يعقوب منتهى الحزم واليقظة في الدفاع عن المدينة، بمعاونة الأشياخ والطلبة والحفاظ الموحدين، ومعهم طائفة من جند الأندلس بقيادة أبى العلاء بن عزون صاحب شريش، وكان أشياخ إشبيلية وأعيانها يسهرون طول الليل فوق الأسوار، ويحرصون كل الحرص على ثقاف أبواب المدينة. واتخذ الموحدون داخل المدينة اجراءات صارمة، فقتلوا عدداً ممن لحقت بهم ريبة الغدر، واعتقلوا الكثير من الناس. وأدرك ابن مردنيش أمام ذلك كله، أنه قد خدع بما جاء في الخطاب المزور، وأن إشبيلية ليست بغية هينة، فغادرها وارتد على عقبيه، دون أن يفوز بطائل.
стр. 1533
ووقعت هذه الأحداث التي نستقيها من رواية كاتب معاصر، وشاهد عيان، هو عبد الملك بن صاحب الصلاة، مؤرخ الدولة الموحدية (١)، في سنة ٥٥٤ هـ (١١٥٩ م).
بيد أنه لم تمض بضعة أشهر أخرى حتى عاد ابن مردنيش إلى مهاجمة الموحدين، فبعث جيشاً (في أوائل سنة ٥٥٥ هـ) تحت إمرة قائده وصهره إبراهيم بن هَمُشك، فسار إلى قرطبة واجتاح أراضيها، وانتسف زروعها، ونازلها وقتاً، ثم أقلع عنها، ورتب كمائنه على مقربة منها في قرية تسمى " أطابة "، فخرج الموحدون من قرطبة بقيادة واليها عبد الرحمن بن يكيت لاستطلاع الأحوال، فخرجت عليهم كمائن ابن همشك، وأثخنت فيهم، وقتل ابن يكيت فيمن قتل، وارتد الموحدون إلى المدينة فاعتصموا بها. وسار ابن همشك بعد ذلك في قواته إلى مدينة قَرْمونة، وهي حصن إشبيلية من الشمال الشرقي، فهاجمها، واستولى عليها بمعاونة زعيم من زعمائها يدعى عبد الله بن شراحيل وذلك في شهر ربيع الأول سنة ٥٥٥ هـ (مارس ١١٦٠ م). وامتنع الموحدون الذين بها بقصبتها. ولما وقف السيد أبو يعقوب والي إشبيلية على ذلك، وكان على أهبة السفر لملاقاة والده الخليفة، بادر فأرسل عسكراً إلى قرمونة لإنجاد حاميتها، وانتظر حيناً يرقب الحوادث (٢).
وفي خلال ذلك، وعقب إتمام فتح المهدية، وقع في المعسكر الموحدي حادث يتصل بصميم الشئون الموحدية الداخلية، وهو مصرع الوزير محمد ابن عبد السلام الكومي. ويبدو من أقوال ابن صاحب الصلاة، أن عبد المؤمن ندب هذا الوزير لخدمته في شهر شوال سنة ٥٥٣ هـ، عند خروجه إلى غزو إفريقية وافتتاح المهدية (٣). ولكنا قد رأينا مما تقدم، أن هذا الوزير قد لعب وفقاً لرواية ابن عذارى وابن الخطيب (٤)، دوراً كبيراً في مصرع الوزير
стр. 1534
ابن عطية، وأنه في الوقت الذي كان فيه ابن عطية، يقوم بمهمته في الأندلس، كان ابن عبد السلام، يتولى الوزارة، ويتزعم خصوم ابن عطية، في مطاردته، وتدبير الوسائل الكفيلة بسحقه، وأنه لما عاد ابن عطية من الأندلس مسرعاً لمناهضة سعي خصومه، انتهى الأمر باعتقاله، ثم إعدامه مع أخيه وذلك في شهر صفر سنة ٥٥٣ هـ. وإذن فمن المرجح أن يكون ابن عبد السلام، قد تولى الوزارة لعبد المؤمن قبل هذا التاريخ ببضعة أشهر. وعلى أي حال، فقد شاء القدر أن يلقي ابن عبد السلام نفس المصير الذي لقيه زميله ابن عطية. وذلك أنه لما خرج عبد المؤمن إلى غزوة المهدية، وعرج في طريقه على سلا، كان ابن عبد السلام في ركابه، فوجهه عبد المؤمن إلى الأندلس ليستطلع أحوالها بسرعة. فسار الوزير إلى إشبيلية، ثم إلى قرطبة وغرناطة، وتفقد أحوالها، وأبلغ إلى الأشياخ والطلبة ما كان لديه من الأوامر والتوجيهات ثم عاد إلى الخليفة، وكان ما يزال بمحلته في سلا، وأبلغه نتيجة مهمته. ثم تحرك عبد المؤمن إلى تلمسان، واستدعى معه واليها وهو ولده السيد أبو حفص، ثم سار إلى بجاية، واستدعى معه كذلك واليها، وهو ولده السيد أبو محمد عبد الله. وكان الوزير ابن عبد السلام، عندئذ في ذروة سلطانه ونفوذه يهيمن على سائر الشئون، ويراقب أحوال السادة أبناء الخليفة، وينقل أخبارهم إليه، وكان مما نقل إليه أنهم يشربون الخمر، ويعكفون على اللهو، ويأتون فعالا قبيحة، فتأثر الخليفة لذلك، وعهد إلى بعض أشياخ الموحدين بتحقيق هذا الأمر، فقاموا بالمهمة، وراقبوا السادة، وانتهوا إلى التحقق من بطلان التهم الموجهة إليهم، فأدرك عبد المؤمن عندئذ تحامل وزيره، وأسرها له. ولما حدث أثناء حصار المهدية من زحف الموحدين على قابس، كان ابن عبد السلام، على رأس الجيش المهاجم.
فلما افتتحها الموحدون، استاثر الوزير بجمع الأسلاب والغنائم والأموال، واحتجز
وأخفى منها ما شاء. وفي أثناء غيبته تكلم أشياخ الموحدين في حقه، وشكوا من استعلائه عليهم، ورغبوا إلى الخليفة أن يكون ابنه أبا حفص، هو صلة الوصل بينه وبينهم، فاستجاب الخليفة إلى رغبتهم. ولما تم فتح المهدية، وتمزيق طوائف العرب في إفريقية، ارتد عبد المؤمن في قواته إلى تلمسان ومعه وزيره ابن عبد السلام. وهناك ارتفعت الشكوى للخليفة من عمال ابن عبد السلام، وظلمهم، وتعديهم على الرعية، ومن قرابته كومية، وتجرئهم على سلب
стр. 1535
الأموال، ومضاعفة الجباية، وغير ذلك من المظالم الفادحة بممالأة ابن عبد السلام، وتشجيعه، وحمايته، فأمر الخليفة بجمع المتظلمين وأشياخ الموحدين وطلبة الحضر والقاضي، لسماع أقوالهم، فأفاضوا في التظلم والشكوى، وكرروا اتهاماتهم، ونقلت أقوالهم إلى عبد المؤمن، فأبدى دهشته مما يحدث، ومن كثرة الأموال التي تجمع، وكونها لا تصل إليه، وقلة ما بيده منها، وعجزه عن أن يمد أجناده الموحدين بالعطاء المجزي، هذا مع أن لمتونة لم تكن تملك مثل إمبراطوريته الشاسعة، كانت بالنسبة لأجنادها أكثر بذلا وإنصافاً. وغادر الخليفة مجلسه مغضباً، وكان ابن عبد السلام حاضراً ذلك المجلس، فتوجس شراً، ولم يأت ظهر ذلك اليوم حتى تحققت مخاوفه، وقبض عليه في مجلسه، وسيق إلى المطبق. ولما غادر الخليفة تلمسان، أوعز بقتل ابن عبد السلام، فقدم إليه طعام مسموم توفي عقب تناوله، وكفّر بذلك عما أثم به في حق زميله الوزير ابن عطية، وكان ذلك فيما يرجح في أواسط سنة ٥٥٥ هـ (١١٦٠ م) (١).
وكان من الأعمال البارزة التي قام بها عبد المؤمن، عقب افتتاح المهدية، وتوطد سلطانه في سائر نواحي إفريقية والمغرب، البدء بتكسير الإمبراطورية الموحدية أعني مسحها من برقة إلى السوس الأقصى، ومن شاطىء البحر المتوسط إلى مشارف الصحراء، على أن يسقط من التكسير الثلث في الجبال والوهاد والأنهار والسبخات والطرق، وما بقى يفرض عليه الخراج، وأن تلزم كل قبيلة بأداء قسطها من الزرع والوِرْق أي المال، وكان عبد المؤمن هو أول من قام بمثل هذا الإجراء من ملوك المغرب (٢).
- ٢ -
وهكذا شعر عبد المؤمن بعد افتتاح المهدية، واستكمال سيادة الموحدين على سائر نواحي إفريقية، أن الأندلس تتطلب مزيداً من عنايته واهتمامه. ولم ينس أن الحركة التي قام بها ابن مردنيش بالاستيلاء على جيان، وتهديد قرطبة وإشبيلية، قد تتفاقم وتقضي على سيادة الموحدين الفتية في شبه الجزيرة. ومن ثم فقد حزم أمره على أن يعبر البحر إلى الأندلس، لينظر في شئونها، ولينظم وسائل الدفاع عنها.
стр. 1536
وكان عبد المؤمن عقب افتتاح المهدية، قد أرسل إلى الأندلس كتبه بالفتح، وفي مقدمتها كتابه إلى ولده السيد أبى يعقوب والى إشبيلية، وفيه يشرح حوادث الفتح، وما وقع من إجلاء النصارى، وما قام به العرب، من ضروب التمرد والمقاومة، ثم يقرنه بقصيدة يوردها لنا ابن صاحب الصلاة ومما جاء فيها:
ولما قضينا بالمشارق أمرنا ... وتم مراد الله في كل مطلب
وأشرقت الشمس المنيرة فوقنا ... وأصبح وجه الجو غير محجب
وطهر هذا الصقع من كل كافر ... وعاد به الإسلام بعد تغيب
وكسرت الصلبان في كل بيعة ... ونادى منادي الحق في كل مرقب
أشرنا بأعناق المطي إليكم ... فطار بها شأو السرور بمغرب
ووصل كتاب عبد المؤمن بالفتح إلى إشبيلية في صفر سنة ٥٥٥، ويقول لنا ابن صاحب الصلاة، إن السيد أبا يعقوب أمر أن يكتبه الناس والطلبة، وأن يحفظوه، وأن يتلى من فوق المنابر، وأمر كذلك بقرع الطبول، وإقامة المآدب للأجناد والناس كافة، واستمر قرع الطبول، والإطعام ثلاثين يوماً، والبشر يعم أنحاء المدينة، والشعراء ينشدون قصائدهم بالتهنئة، في مختلف المناسبات والمواطن (١).
ولم يكدر صفو هذا البشر الشامل، سوى ما وقع في هذه الآونة بالذات من منازلة ابن همشك لقرطبة، ومصرع واليها ابن يكيت، ومحاصرة قصبة قرمونة، ومن ثم فقد كان رد السيد أبى يعقوب على كتاب الفتح، يتضمن شرحاً لهذه الحوادث، وتضرعاً إلى والده الخليفة، بأن يعجل بالإنجاد والغوث.
وكانت خطة عبد المؤمن لتنظيم شئون الأندلس وإتمام فتحها، وإذكاء حركة الجهاد بها، تتضمن فضلا عن مضاعفة البعوث العسكرية إلى شبه الجزيرة، تحصين قاعدة جبل طارق، وإنشاء مدينة كبرى بها. ومن حسن الحظ أننا نجد أدق شرح وأوفى تفصيل لهذا المشروع الضخم، في رواية بن صاحب الصلاة، وقد كان فضلا عن اطلاعه على الكتب والوثائق المتعلقة بذلك، شاهد عيان وثيق الصلة ببلاط الخليفة، وبالسيد أبى يعقوب والى إشبيلية، والسيد أبى سعيد والي غرناطة، وهما اللذان عنيا بتنفيذ المشروع. وبالرغم من أنه يقرن روايته في معظم
стр. 1537
خريطة:
جبل طارق والمضيق
الأحيان، بكثير من عبارات الدعاء والتبجيل والملق، التي تفصح عن طبيعة علائقه بالبلاط الموحدي، فإنه يقدم إلينا في نفس الوقت كثيراً من المعلومات والتفاصيل النفيسة، التي لا توجد في أي مصدر آخر.
أرسل السيد أبو يعقوب رسالة بطلب الإنجاد إلى والده الخليفة، وإشبيلية تسودها ريح التوجس والقلق، فسرعان ما وصل رد الخليفة من معسكره المظفر، على مقربة من قسنطينة، بتاريخ ربيع الأول سنة ٥٥٥ هـ " يعرف فيه بصحيح الآيات، وما ثنى فيه من أعنة خيل الله لهذه الأصقاع، وحماية ذلك الجناب "، فاطمأن الموحدون لما وعد به الخليفة، من سريع العون وبالغه، واستبشروا بالنصر القريب، وقرىء كتاب الخليفة على المنابر، وساد البشر بين الناس.
ووصل في نفس الوقت كتاب آخر من الخليفة، مؤرخ في التاسع من ربيع الأول من نفس العام، ومتضمن " للأمر العزيز"، بإنشاء مدينة كبرى في جبل طارق، ذلك الجبل الذي يصفه ابن صاحب الصلاة " بالجبل الميمون القديم البركة، على جزيرة الأندلس السامق الشاهق، المفتتح منه دانيها وقاصيها، وطايعها وعاصيها "، ولتكون هذه المدينة منزلا للأمير عند إجازته بالعساكر، ومستقراً تتقدم منه " الرايات المظفرة، والأعلام المنشورة إلى بلاد الروم ". وكان الكتاب
стр. 1538
يتضمن أمراً مشدداً من الخليفة إلى ولده السيد أبى سعيد عثمان والي غرناطة، بأن يسير بنفسه من غرناطة مع صحبه وبعض عسكره إلى جبل طارق، وأن يجتمع فيه بالطلبة الوافدين من إشبيلية، وبالشيخ أبى حفص عمر، وأبى إسحق برّاز ابن محمد، والحاج يعيش المالقي، والقائد عبد الله بن جيار، وأن يدرس الجميع خطط المدينة الجديدة، وأين يكون موقعها من الجبل. فصدع السيد أبو سعيد بأمر الخليفة ونهض في صحبه إلى جبل طارق، للعمل على تنفيذ الخطة المطلوبة، وطُلب في الكتاب إلى السيد أبى يعقوب والى إشبيلية أن يحشد جميع العمال البنائين والجيارين والنجارين والعرفاء، من جميع بلاد الأندلس التي تحت نظر الموحدين، وأن يعجلوا بالسير إلى الجبل، لتنفيذ الأمر الكريم، فنهض السيد أبو يعقوب بما طلب إليه، وسار من إشبيلية العريف أحمد بن باسُه، ومعه حشد كبير من العمال من بنائين وغيرهم من مختلف الحرف إلى جبل طارق، ووصل إليه في نفس الوقت جمهرة من القواد والكتاب وأهل الحساب، لتنظيم النفقة على الأعمال المطلوبة، ورصدها، وتم ذلك كله في سرعة ونظام وحزم.
قال ابن صاحب الصلاة: " وابتدأوا البناء في الوضع الذي وقع الجميع عليه، والاتفاق من نواحيه، بسيف البحر، مما يلاصقه ويليه، وزادت الآمال بأهل الأندلس إلى ما تقدم إليهم من الأمل، وتحققوا اليمن والسعد والفتح في بنيان هذا الجبل، وكان من أشغال السيد الأعلى أبى يعقوب بإشبيلية في إزعاج الفعلة والرجال للبناء المذكور، وأحكم البناءون فيه بناء من القصور المشيدة والديار، واخترعوا في أسسها طيقاناً وحنايا، لتعتدل بها الأرض، مبنية بالحجر المنجور والجيار، بما هو عجيب في الآثار. . وهذا شريف البقعة كريم التربة، عظيم المنعة، باسق مع أعشار السماء، تكاد في المسامتة إلى الجوزاء، وكل ما استودع في أرضه من البطحة المنبسطة، من بعضه، مما زكى وفضل وجل، وأثمر عن قرب لغرسه وأكمل، واستقل من جميع الفواكه، كشجر التين والعنب والتفاح والكمثرى، والسفرجل والمشموم والاجاص والأترج والجوز وغير ذلك، على ضيق ضفته الممتدة كالجبل، المستمدة من الظل والوبل، وماؤه عذب زلال، مروق سلسال. وكان الحاج يعيش المهندس مدة إقامته للبناء على ما ذكرته فيه، فوضع في أعلاه رحى تطحن الأقوات بالريح، عاينها الثقات مدة البناء المذكور، فلما رجع إلى مراكش عند إكمال ما أمر به فسدت الرحى، لعدم الاهتبال بها،
стр. 1539
واتصل بهذا العمل من بناء الدور القصور، بناء السور والباب المسمى بباب الفتوح في الفرجة التي كان يدخل منها إلى الجبل، بين البحر المحدق به من كلا جانبيه، فجاء فرداً في المعاقل التي لا يتمكن لطامع فيه طمع، ولا يخطر على خاطر ساكنه جزع، من بر ولا بحر " (١).
واستمر العمل شهوراً بهمة مضاعفة، والسيد أبو يعقوب والي إشبيلية، يشرف على تنفيذ أوامر الخليفة، دون هوادة ولا كلل، والمهندسون والعرفاء، والعمال من كل ضرب، يبذلون أقصى جهدهم في إتمام المشروع، حتى كمل على أحسن وجه، وتم بناء المدينة الجديدة في شهر ذي القعدة سنة ٥٥٥ هـ (ديسمبر سنة ١١٦٠ م) وابتنى بها جامع، وقصر للخليفة، ودور لأبنائه وحاشيته، وغُرست الحدائق على طولها حذاء البحر، وجُلب إليها الماء العذب، وجدد الحصن والأسوار القديمة، وعنى بتحصين الصخرة، أكمل عناية، وسمي الجبل بأمر الخليفة جبل الفتح أو مدينة الفتح، وكانت المراسلات أثناء ذلك تتردد بين السيد أبى يعقوب ووالده الخليفة، بتحديد موعد عبوره، واستعداداً للاحتفال بهذا الحادث الجلل. وكان السيد أبو يعقوب يعتزم العبور إلى المغرب، وليعاين أثناء مسيره ما تم من الأعمال في جبل طارق، ولكنه ما كاد يركب السفينة التي أعدت بالنهر لعبوره، حتى وصلته أنباء استيلاء ابن همشك على قرمونة، وامتناع حاميتها الموحدية بالقصبة، فارتد من فوره إلى المدينة، وقد اضطربت بها الأحوال، ووجه فرقة من العسكر لإنجاد الحامية، ومقاتلة أهل قرمونة، وكان ذلك حسبما تقدم، في شهر ربيع الأول سنة ٥٥٥ هـ (مارس سنة ١١٦٠ م)، وهو الشهر الذي وصلت فيه رسالة الخليفة بإنشاء مدينة جبل طارق.
- ٣ -
وكان عبد المؤمن يرتقب إتمام المدينة الجديدة بجبل طارق، ليعبر إلى شبه الجزيرة، فلما كملت، وكان عندئذ في أحواز فاس، سار إلى سبتة في جموع ضخمة من الموحدين والعرب من بني رياح، وبني جشم، وبني عدى وغيرهم.
ويصف لنا ابن صاحب الصلاة مناظر احتشاد الناس على الشاطىء لرؤية موكب الخليفة، وجيشه في ذلك اليوم المشهود، في قوله: " وبرز إليه يوم إجازته
стр. 1540
البحر من الناس، النظارة على سيف البحر عالم لا يحصيهم إلا خالقهم. وكان يوماً مذكوراً مشهوداً، ظهر فيه من فخامة الملك والأمر، ما لم يتقدم في سالف الأزمان، ولا تخيل مرآه في الأذهان ".
وكان عبور عبد المؤمن إلى شبه الجزيرة، ونزوله في جبل طارق، في شهر ذي القعدة سنة ٥٥٥ هـ (يناير سنة ١١٦١ م). وكان في استقباله في الجبل، ولداه السيد أبو يعقوب والى إشبيلية، وقد غادرها مع وفد كبير من أشياخ الموحدين، ورؤساء الأندلس وقادتها وعلى رأسهم أبو العلاء بن عزون، وأعيان إشبيلية وشيوخها وقاضيها أبو بكر الغافقي، وكبير علمائها الحافظ أبو بكر ابن الجَدّ، وسائر من بها من الكبراء والشعراء؛ والسيد أبو سعيد والي غرناطة، مع من بها من أشياخ الموحدين والحفاظ، وأكابر غرناطة وعلماؤها، وكذلك أعيان قرطبة وعلماؤها، وأعيان غرب الأندلس وعلماؤها؛ وأعيان مالقة ورندة، وشريش، وعلى الجملة سائر أعيان الأندلس الموحدية وكبراؤها، وعلماؤها وأدباؤها وشعراؤها. وندب عبد المؤمن ولده ووزيره السيد أبا حفص لكي يتولى أمر الوفود، ويقودها إلى مجلسه للسلام وتجديد البيعة، فأدخلوا بترتيب معين، وأدوا التحية للخليفة الموحدي، وأكدوا له البيعة والطاعة، وكان القضاة يتقدمون الوفود. وتعاقب الخطباء بين يدي الخليفة، فخطب أبو الحسين ابن الإشبيلي وصاحبه أبو محمد بن جبل، وأبو محمد المالقي وغيرهم، وكانت خطبهم تدور كلها حول وجوب البيعة، وما يوجبه الشرع من العهود والرسوم، والوفاء بالطاعة لولي الأمر، ثم أذن لهم " بتقبيل اليد المباركة " (١).
وجاء بعد ذلك دور الشعر، فأمر عبد المؤمن باستدعاء الشعراء، ولم يكن يستدعيهم قبل ذلك اليوم، إنما كانوا يستأذنون فيؤذن لهم. وكان يوماً عظيماً من أيام الشعر والشعراء. وكان بين هذه الوفود الحاشدة، عدة من أقطاب الشعر بالمغرب والأندلس، ذكر لنا ابن صاحب الصلاة، وصاحب المعجب أسماءهم، فكان منهم شاعر المغرب أبو عبد الله محمد بن حبوس من أهل فاس، والوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن غالب البلنسي المعروف بالرُّصافي، نزيل مالقة، وأحمد بن عبد الملك بن سعيد العنسي، والقرشي القرطبي المعروف بالطليق، وأبو الحسن عبيد الله محمد بن صاحب الصلاة الباجي، وأبو بكر
стр. 1541
صورتي:
منظر جبل طارق من البر الإسباني (من الجزيرة الخضراء).
بقايا الحصن الأندلسي قائمة فوق سطح صخرة طارق.
стр. 1542
ابن المنخل الشلبي، وابن سيد الإشيبلي المعروف باللص وغيرهم.
وكان أول من أنشد شعره بين يدي الخليفة، أبو عبد الله بن حبوس، وهو الذي يشبهه صاحب المعجب في طريقته بابن هانىء الأندلسي في تخير الألفاظ الرائعة، فأنشد قصيدة هذا مطلعها:
بلغ الزمان بكم ما أملا ... وتعلمت أيامه أن تعدلا
وبحسبه ان كان شيئاً قابلا ... وجد الهداية صورة فتشكلا
وأنشد القرشي المعروف بالطليق قصيدة مطلعها:
ما للعدي جنة أوقى من الهرب ... كيف المفر وخيل الله في الطلب
لو بدلوا قد ما زلت بقادمه ... لأصبح الكل طياراً من الرعب
وأنشد أبو الحسن عبيد الله بن صاحب الصلاة الباجي قصيدة هذا أولها:
تلألأ من نور الخلافة بارق ... أضاءت به الآفاق والليل غاسق
وأشرقت الدنيا به فكأنها ... من البشر في كل الجهات مشارق
بسعدك يبري السيف ما عز قطعه ... وينفذ حد السهم ما هو راتق
ولا زال أمر الله للدين هادياً ... وأنت لدين الكفر ماح وماحق
وأنشد الوزير الكاتب الشاعر أبو عبد الله محمد بن غالب الرصافي البلنسي قصيدة طويلة في نيف وستين بيتاً هذا مطلعها:
لو جئت نار الهدى من جانب الطور ... قبست ما شئت من علم ومن نور
من كل زهراء لم ترفع ذؤابتها ... ليلا لسارٍ ولم تثبت لمغرور
فيضية القدح من نور النبوة أو ... نور الهداية تجلو ظلمة الزور
ومنها وصف مدينة الجبل:
يا دار دار أمير المؤمنين بسفـ ... ـح الطود طود الهدى بوركت في الدور
ذات العمادين من عز ومملكة ... على الأساسين من قدس وتطهير
ما كان يأتيك الواني الكرامة عن ... قصر على مجمع البحرين مقصور
وفي وصف الجبل:
لله ما جبل المفتحين من جبل ... معظم القدر في الأجيال مذكور
من شامخ القدر في سحنائه طلس ... له من القيم جيب غير مزرور
стр. 1543
معبراً بذراه عن ذري ملك ... مستمطر الكف والأكناف ممطور
تمشي النجوم على أكليل مفرقه ... في الجو حائمة مثل الدنانير (١)
بيد أنه قد ظهر في هذا اليوم، إلى جانب أكابر الشعراء، شاعر حَدَث، لم يبلغ العشرين من عمره، هو أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد العنسي، سليل بني سعيد أصحاب قلعة يحصب من أعمال غرناطة (٢)، وكان قد حضر إلى جبل طارق مع أبيه وإخوته وقومه ضمن وفد غرناطة، ومثل بين يدي الخليفة ضمن الشعراء. ولما جاء دوره، أنشد قصيدة لفتت الأنظار بروعتها، وكانت فاتحة مجده الشعري، وقد نقل إلينا ابن الخطيب منها الأبيات الآتية:
تكلم فقد أصغى إلى قولك الدهر ... وما لسواك اليوم نهي ولا أمر
ورُمْ كل ما قد شئته فهو كائن ... وحاول فلا برٌّ يفوت ولا بحر
وحسبك هذا البحر فألاً فإنه ... يقبِّل تُرْباً داسه جيشُك الغَمْر
وما صوته إلاّ سلام مردَّد ... عليك وعن بِشْرٍ بقربك يفترُّ
بجيش لكي يلقي أمامك مَنْ غَدَا ... يُعاند أمراً لا يقوم له أمر
أطلّ على أرض الجزيرة سعدُها ... وجدّد فيها ذلك الخبَرَ الخُبرُ
فما طارقٌ إلا لذلك مُطرق ... ولابن نُصير لم يكن ذلك النصر
هما مَهّداها لكي تَحُل بأرضها ... كما حلّ عند التِّم بالهالة البدرُ
فوقعت هذه القصيدة من الخليفة أجمل موقع، وأثنى على ناظمها الفتى، وهنأ به والده عبد الملك. وحظى أبو جعفر هذا فيما بعد لدى السيد أبى سعيد والي غرناطة، فاستوزره حيناً إلى أن فسد ما بينهما، بسبب تنافسهما في حب الشاعرة الأندلسية الجميلة حفصة بنت الحاج الرّكوني، فقبض عليه، واتهم بالاشتراك في فتنة ابن مردنيش، وأعدم وذلك في سنة ٥٥٩ هـ (٣).
ولبث عبد المؤمن في جبل طارق زهاء شهرين، وسماه " جبل الفتح " حسبما تقدم، واستمرت إقامة الوفود والاحتفال بها، وغمرها بالضيافات وقضاء
стр. 1544
الحوائج، عشرين يوماً، حتى ختام عيد الأضحى لسنة ٥٥٥ هـ، وعندئذ أذن للوفود بالانصراف، فانصرف الناس إلى مواطنهم. وكان عبد المؤمن خلال ذلك يدرس شئون الأندلس مع الأشياخ والقادة، وينظر في المظالم ويقضي فيها، ويبذل لمختلف الوفود وعوده ببذل كل معونة لحماية الأندلس ومجاهدة أعدائها، وقد خصص لإنجادها بالفعل جيشاً مختلطاً من الموحدين والأندلسيين قوامه ثمانية عشر ألف فارس، وجعل على قيادة الموحدين ابن الشرقي وعلى قيادة الأندلسيين ابن صناديد (١)، وأعاد تعيين ولده السيد أبى يعقوب والياً لإشبيلية، وندب لمعاونته جماعة من أشياخ الموحدين ذوي المكانة والرأي، وولده السيد أبى سعيد والياً لغرناطة، وندب لولاية قرطبة الشيخ أبا حفص عمر اينتي، أو عمر ابن يحيى الهنتاني (٢). ولما فرغ من تنظيم شئون الأندلس على هذا النحو، عبر البحر إلى سبتة، عائداً إلى المغرب، وذلك في فاتحة سنة ٥٥٦ هـ (فبراير سنة ١١٦١ م) وسار توًّا إلى حاضرته مراكش. وكانت هذه الفترة القصيرة التي قضاها عبد المؤمن في جبل طارق، أو جبل الفتح، من مواسم الأندلس وأيامها المشهودة، بما تخللها من روعة السلطان، وعظائم الأمور.
- ٤ -
على أثر مغادرة الخليفة لجيل طارق، عائداً إلى المغرب، غادره السيد أبو سعيد إلى غرناطة، والسيد أبو يعقوب إلى إشبيلية.
وكان الموقف ما يزال في منطقة إشبيلية على خطورته، وأهل قَرْمونة على تمردهم بزعامة عبد الله بن شراحيل، ومحالفتهم لابن هَمْشك، ومحاصرتهم للحامية الموحدية بقصبتها، فجهز السيد أبو يعقوب لمحاربتهم حملة من الموحدين بقيادة الشيخ أبى محمد عبد الله بن أبى حفص بن علي. وسار الموحدون بقيادة ابن أبى حفص من قلعة جابر شمالا إلى قرمونة، ومعه أبو العلاء بن عزون في قوة من الجند الأندلسيين، وضربوا الحصار حول قرمونة. وكان ابراهيم ابن همشك، خلال ذلك قد غادر قرمونة إلى جيان ولم يعبأ بأمرها. وضيق الموحدون على قرمونة، وأرهقوها بالغارات المتوالية، حتى استطاعوا التفاهم سراً مع رجل من أهلها، على أن يفتح لهم باب البرج الأكبر، فتم ذلك، ودخل الموحدون
стр. 1545
قرمونة بغتة، وذلك في المحرم سنة ٥٥٧ هـ (ديسمبر سنة ١١٦١ م) (١)، وقُبض على عبد الله بن شراحيل، وأخذ مكبولا إلى إشبيلية مع نفر من أتباعه، وصلبوا هنالك في الميدان العام تحت قصر ابن عباد.
وهكذا عادت قرمونة إلى سلطان الموحدين بعد أن لبثت على خروجها نحو عامين منذ اقتحمها ابن همشك في ربيع الأول سنة ٥٥٥ هـ.
وفي نفس الوقت وصل إلى إشبيلية، جيش موحدي جديد، بقيادة يوسف ابن سليمان، فاطمئنت الخواطر، وساد الهدوء في إشبيلية ومنطقة الغرب كلها، وسارت منه قوة تحمل العتاد والأقوات إلى قرطبة لشد أزرها، وتقوية وسائل دفاعها (٢).
وكان ابراهيم بن همشك، حينما شعر بأن الجبهة الموحدية في إشبيلية وقرطبة، قد عززت، وأضحى من العسير مهاجمتها، قد اتجه وجهة أخرى ودبر خطة لمهاجمة غرناطة، وقد كانت أقرب إلى قواعده في جيان وهي التي عينه صهره ابن مردنيش لولايتها. ومن جهة أخرى فقد استطاع ابن همشك، أن يتفاهم سراً مع جماعة من يهود غرناطة، الذين أسلموا رغم إرادتهم، ومع حليفهم المسمى ابن دهري، وأن يتفق معهم على أن يسهلوا له دخول المدينة في ليلة معينة. وكانت غرناطة في الواقع دون دفاع قوي، وقد غادرها واليها السيد أبو سعيد إلى المغرب حسبما تقدم، ولم تبق بها سوى الحامية الموحدية. فسار إليها ابن همشك في بعض قواته، وفي ليلة من ليالي جمادى الأولى سنة ٥٥٥ هـ، تمت الخيانة المدبرة، وكسر اليهود بإيعاز ابن دهري، باب الربض بغرناطة، وتنادوا بالصياح " يا للأصحاب "، فدخل ابن همشك وأصحابه المدينة، وفر أنصار الموحدين إلى القصبة، وكانت تموج بمن فيها من جند الموحدين. ولما رأى ابن همشك حصانة القصبة، وقوة الحامية الموحدية، بعث إلى صهره محمد بن سعد ابن مردنيش، وكان يومئذ بمرسية، يطلب إليه الإنجاد ويطمعه في أخذ غرناطة، فحشد ابن مردنيش قوة من جنده، وانضمت إليهم فرقة من الجند النصارى بقيادة ألبار ردريجس الأصلع أو الأقرع حسبما تسميه الرواية العربية، وهو حفيد القائد