← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

صورتي: منظر جبل طارق من البر الإسباني (من الجزيرة الخضراء). بقايا الحصن الأندلسي قائمة فوق سطح صخرة طارق.

стр. 1542

ابن المنخل الشلبي، وابن سيد الإشيبلي المعروف باللص وغيرهم. وكان أول من أنشد شعره بين يدي الخليفة، أبو عبد الله بن حبوس، وهو الذي يشبهه صاحب المعجب في طريقته بابن هانىء الأندلسي في تخير الألفاظ الرائعة، فأنشد قصيدة هذا مطلعها: بلغ الزمان بكم ما أملا ... وتعلمت أيامه أن تعدلا وبحسبه ان كان شيئاً قابلا ... وجد الهداية صورة فتشكلا وأنشد القرشي المعروف بالطليق قصيدة مطلعها: ما للعدي جنة أوقى من الهرب ... كيف المفر وخيل الله في الطلب لو بدلوا قد ما زلت بقادمه ... لأصبح الكل طياراً من الرعب وأنشد أبو الحسن عبيد الله بن صاحب الصلاة الباجي قصيدة هذا أولها: تلألأ من نور الخلافة بارق ... أضاءت به الآفاق والليل غاسق وأشرقت الدنيا به فكأنها ... من البشر في كل الجهات مشارق بسعدك يبري السيف ما عز قطعه ... وينفذ حد السهم ما هو راتق ولا زال أمر الله للدين هادياً ... وأنت لدين الكفر ماح وماحق وأنشد الوزير الكاتب الشاعر أبو عبد الله محمد بن غالب الرصافي البلنسي قصيدة طويلة في نيف وستين بيتاً هذا مطلعها: لو جئت نار الهدى من جانب الطور ... قبست ما شئت من علم ومن نور من كل زهراء لم ترفع ذؤابتها ... ليلا لسارٍ ولم تثبت لمغرور فيضية القدح من نور النبوة أو ... نور الهداية تجلو ظلمة الزور ومنها وصف مدينة الجبل: يا دار دار أمير المؤمنين بسفـ ... ـح الطود طود الهدى بوركت في الدور ذات العمادين من عز ومملكة ... على الأساسين من قدس وتطهير ما كان يأتيك الواني الكرامة عن ... قصر على مجمع البحرين مقصور وفي وصف الجبل: لله ما جبل المفتحين من جبل ... معظم القدر في الأجيال مذكور من شامخ القدر في سحنائه طلس ... له من القيم جيب غير مزرور

стр. 1543

معبراً بذراه عن ذري ملك ... مستمطر الكف والأكناف ممطور تمشي النجوم على أكليل مفرقه ... في الجو حائمة مثل الدنانير (١) بيد أنه قد ظهر في هذا اليوم، إلى جانب أكابر الشعراء، شاعر حَدَث، لم يبلغ العشرين من عمره، هو أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد العنسي، سليل بني سعيد أصحاب قلعة يحصب من أعمال غرناطة (٢)، وكان قد حضر إلى جبل طارق مع أبيه وإخوته وقومه ضمن وفد غرناطة، ومثل بين يدي الخليفة ضمن الشعراء. ولما جاء دوره، أنشد قصيدة لفتت الأنظار بروعتها، وكانت فاتحة مجده الشعري، وقد نقل إلينا ابن الخطيب منها الأبيات الآتية: تكلم فقد أصغى إلى قولك الدهر ... وما لسواك اليوم نهي ولا أمر ورُمْ كل ما قد شئته فهو كائن ... وحاول فلا برٌّ يفوت ولا بحر وحسبك هذا البحر فألاً فإنه ... يقبِّل تُرْباً داسه جيشُك الغَمْر وما صوته إلاّ سلام مردَّد ... عليك وعن بِشْرٍ بقربك يفترُّ بجيش لكي يلقي أمامك مَنْ غَدَا ... يُعاند أمراً لا يقوم له أمر أطلّ على أرض الجزيرة سعدُها ... وجدّد فيها ذلك الخبَرَ الخُبرُ فما طارقٌ إلا لذلك مُطرق ... ولابن نُصير لم يكن ذلك النصر هما مَهّداها لكي تَحُل بأرضها ... كما حلّ عند التِّم بالهالة البدرُ فوقعت هذه القصيدة من الخليفة أجمل موقع، وأثنى على ناظمها الفتى، وهنأ به والده عبد الملك. وحظى أبو جعفر هذا فيما بعد لدى السيد أبى سعيد والي غرناطة، فاستوزره حيناً إلى أن فسد ما بينهما، بسبب تنافسهما في حب الشاعرة الأندلسية الجميلة حفصة بنت الحاج الرّكوني، فقبض عليه، واتهم بالاشتراك في فتنة ابن مردنيش، وأعدم وذلك في سنة ٥٥٩ هـ (٣). ولبث عبد المؤمن في جبل طارق زهاء شهرين، وسماه " جبل الفتح " حسبما تقدم، واستمرت إقامة الوفود والاحتفال بها، وغمرها بالضيافات وقضاء

стр. 1544

الحوائج، عشرين يوماً، حتى ختام عيد الأضحى لسنة ٥٥٥ هـ، وعندئذ أذن للوفود بالانصراف، فانصرف الناس إلى مواطنهم. وكان عبد المؤمن خلال ذلك يدرس شئون الأندلس مع الأشياخ والقادة، وينظر في المظالم ويقضي فيها، ويبذل لمختلف الوفود وعوده ببذل كل معونة لحماية الأندلس ومجاهدة أعدائها، وقد خصص لإنجادها بالفعل جيشاً مختلطاً من الموحدين والأندلسيين قوامه ثمانية عشر ألف فارس، وجعل على قيادة الموحدين ابن الشرقي وعلى قيادة الأندلسيين ابن صناديد (١)، وأعاد تعيين ولده السيد أبى يعقوب والياً لإشبيلية، وندب لمعاونته جماعة من أشياخ الموحدين ذوي المكانة والرأي، وولده السيد أبى سعيد والياً لغرناطة، وندب لولاية قرطبة الشيخ أبا حفص عمر اينتي، أو عمر ابن يحيى الهنتاني (٢). ولما فرغ من تنظيم شئون الأندلس على هذا النحو، عبر البحر إلى سبتة، عائداً إلى المغرب، وذلك في فاتحة سنة ٥٥٦ هـ (فبراير سنة ١١٦١ م) وسار توًّا إلى حاضرته مراكش. وكانت هذه الفترة القصيرة التي قضاها عبد المؤمن في جبل طارق، أو جبل الفتح، من مواسم الأندلس وأيامها المشهودة، بما تخللها من روعة السلطان، وعظائم الأمور. - ٤ - على أثر مغادرة الخليفة لجيل طارق، عائداً إلى المغرب، غادره السيد أبو سعيد إلى غرناطة، والسيد أبو يعقوب إلى إشبيلية. وكان الموقف ما يزال في منطقة إشبيلية على خطورته، وأهل قَرْمونة على تمردهم بزعامة عبد الله بن شراحيل، ومحالفتهم لابن هَمْشك، ومحاصرتهم للحامية الموحدية بقصبتها، فجهز السيد أبو يعقوب لمحاربتهم حملة من الموحدين بقيادة الشيخ أبى محمد عبد الله بن أبى حفص بن علي. وسار الموحدون بقيادة ابن أبى حفص من قلعة جابر شمالا إلى قرمونة، ومعه أبو العلاء بن عزون في قوة من الجند الأندلسيين، وضربوا الحصار حول قرمونة. وكان ابراهيم ابن همشك، خلال ذلك قد غادر قرمونة إلى جيان ولم يعبأ بأمرها. وضيق الموحدون على قرمونة، وأرهقوها بالغارات المتوالية، حتى استطاعوا التفاهم سراً مع رجل من أهلها، على أن يفتح لهم باب البرج الأكبر، فتم ذلك، ودخل الموحدون

стр. 1545

قرمونة بغتة، وذلك في المحرم سنة ٥٥٧ هـ (ديسمبر سنة ١١٦١ م) (١)، وقُبض على عبد الله بن شراحيل، وأخذ مكبولا إلى إشبيلية مع نفر من أتباعه، وصلبوا هنالك في الميدان العام تحت قصر ابن عباد. وهكذا عادت قرمونة إلى سلطان الموحدين بعد أن لبثت على خروجها نحو عامين منذ اقتحمها ابن همشك في ربيع الأول سنة ٥٥٥ هـ. وفي نفس الوقت وصل إلى إشبيلية، جيش موحدي جديد، بقيادة يوسف ابن سليمان، فاطمئنت الخواطر، وساد الهدوء في إشبيلية ومنطقة الغرب كلها، وسارت منه قوة تحمل العتاد والأقوات إلى قرطبة لشد أزرها، وتقوية وسائل دفاعها (٢). وكان ابراهيم بن همشك، حينما شعر بأن الجبهة الموحدية في إشبيلية وقرطبة، قد عززت، وأضحى من العسير مهاجمتها، قد اتجه وجهة أخرى ودبر خطة لمهاجمة غرناطة، وقد كانت أقرب إلى قواعده في جيان وهي التي عينه صهره ابن مردنيش لولايتها. ومن جهة أخرى فقد استطاع ابن همشك، أن يتفاهم سراً مع جماعة من يهود غرناطة، الذين أسلموا رغم إرادتهم، ومع حليفهم المسمى ابن دهري، وأن يتفق معهم على أن يسهلوا له دخول المدينة في ليلة معينة. وكانت غرناطة في الواقع دون دفاع قوي، وقد غادرها واليها السيد أبو سعيد إلى المغرب حسبما تقدم، ولم تبق بها سوى الحامية الموحدية. فسار إليها ابن همشك في بعض قواته، وفي ليلة من ليالي جمادى الأولى سنة ٥٥٥ هـ، تمت الخيانة المدبرة، وكسر اليهود بإيعاز ابن دهري، باب الربض بغرناطة، وتنادوا بالصياح " يا للأصحاب "، فدخل ابن همشك وأصحابه المدينة، وفر أنصار الموحدين إلى القصبة، وكانت تموج بمن فيها من جند الموحدين. ولما رأى ابن همشك حصانة القصبة، وقوة الحامية الموحدية، بعث إلى صهره محمد بن سعد ابن مردنيش، وكان يومئذ بمرسية، يطلب إليه الإنجاد ويطمعه في أخذ غرناطة، فحشد ابن مردنيش قوة من جنده، وانضمت إليهم فرقة من الجند النصارى بقيادة ألبار ردريجس الأصلع أو الأقرع حسبما تسميه الرواية العربية، وهو حفيد القائد

стр. 1546

الشهير ألبارهانيس. وسار هذا الجيش إلى غرناطة لإمداد ابن همشك. وكان ابن همشك قد نزل بالقلعة الحمراء القائمة فوق تل السبيكة في مواجهة القصبة، وشرع في منازلتها، وضربها بالمجانيق. وكان ابن همشك جباراً قاسياً، فظاً غليظاً في حربه، فكان يعذب من يقع في يديه من الموحدين بأروع نكال، ويلقيهم في أفواه المجانيق، ويقذفهم من الشواهق، ويحرقهم بالنار، ولكن الموحدين صمدوا بالقصبة، وكانت لديهم مؤن وافرة، وبعثوا إلى الخليفة في طلب الإنجاد، وكذلك إلى الموحدين في إشبيلية. وكان الخليفة عبد المؤمن، قد خرج كعادته من مراكش إلى سلا، لتنظيم شئون الجهاد، فبلغته حوادث غرناطة، وهو في طريقه، فلما وصل إلى سلا بعث ولده السيد أبا سعيد فيمن معه على جناح السرعة، وعبر السيد البحر إلى مالقة، وبعث منها يستدعى الشيخ أبا محمد بن عبد الله ابن أبى حفص القائم على ولاية إشبيلية ليوافيه عند غرناطة، بجيش إشبيلية. واجتمعت القوات الموحدية، في فحص غرناطة (١)، وتقدمت حتى الموضع المسمى " بمرج الرقاد " على قيد أربعة أميال من غرناطة (٢)، وعندئذ خرج لقتالها ابن همشك في قواته وقوات مرسية من الأندلسيين والنصارى، وكانت تبلغ ألفي فارس. وليس في رواية ابن صاحب الصلاة ما يدل على أن ابن مردنيش قد اشترك في الموقعة التي تلت، ولكن ابن الخطيب يقول لنا إن ابن مردنيش قد مثل بنفسه في الموقعة، وكانت محلته قائمة فوق الربوة العالية المتصلة بربض البيّازين، وهي التي عرفت فيما بعد بكدية ابن مردنيش (٣). واضطرم القتال في الحال بين الفريقين، وسرعان ما ظهر تفوق ابن همشك وحلفائه النصارى، فاختل نظام القوات الموحدية ودارت عليها الدائرة، وكثر القتل فيهم، وغرق منهم في سواقي المرج ومياهه عدد جم، وكان بين القتلى الشيخ أبو محمد عبد الله ابن أبى حفص والي إشبيلية، وعدة من أشياخ الموحدين، وأكابر الأندلسيين. وفر السيد أبو سعيد في نفر من صحبه إلى مالقة. وكانت نكبة موحدية بالغة الخطورة. وارتد ابن همشك في قواته المظفرة إلى القلعة الحمراء، ومعه جملة من أسرى الموحدين أفحش في تعذيبهم، والتنكيل بهم، وإزهاقهم بمرأى

стр. 1547

من إخوانهم المحصورين، وقد استمروا على حالهم من الاعتصام بالقصبة. ووصلت أنباء هذه النكبة إلى عبد المؤمن، وهو ما يزال بسلا، وكانت الجيوش قد توافدت عليه في تلك الأثناء، فجهز جيشاً منتخباً من أنجاد الفرسان والجند، يضم زهاء عشرين ألف مقاتل، وجمهرة من أشياخ الموحدين (١) تحت إمرة ولده السيد أبى يعقوب يوسف، ومعه الشيخ أبو يعقوب يوسف ابن سليمان، زعيم أشياخ الموحدين، ومستشار عبد المؤمن الأثير في العظائم والخطوب، وهو الذي يصفه ابن الخطيب " بزعيم وقته وداهية زمانه ". وعبر هذا الجيش الموحدي البحر إلى الجزيرة الخضراء، ثم سار إلى مالقة حيث انضم إليه السيد أبو سعيد فيمن معه، وزود بالعلوفات والمؤن الكافية، وخرج الموحدون بعد ذلك من مالقة، وساروا إلى غرناطة. وكان ابن مردنيش قد وقف على تلك الأهبة الموحدية الضخمة، فسارت قواته، ومعه فرقة من حلفائه النصارى لإنجاد صهره ابن همشك، ونزل فوق الجبل المتصل بقصبة غرناطة على الضفة الأخرى لنهر حدرُّه، وبقي ابن همشك بقواته بالقصبة الحمراء فوق جبل السبيكة، ومعه حلفاؤه النصارى تحت إمرة قائدهم ألبار ردريجس الأصلع حفيد ألبارهانس، ومعه ابن كونت أورقلة (أرخل) وهم يبلغون نحو ثمانية آلاف مقاتل، وكان نهر حدرُّه يفصل بين محلة ابن همشك ومحلة صهره ابن مردنيش. واستمر الموحدون في سيرهم حتى وصلوا إلى قرية دلر على مقربة من غرناطة، ثم صعدوا إلى الجبل المطل على وادي شَنيل، قبالة جبل السبيكة والحمراء. وفي يوم الخميس السابع والعشرين من شهر رجب سنة ٥٥٧ هـ (١٢ يوليه سنة ١١٦٢ م) جمع يوسف بن سليمان قائد الجيش الموحدي أشياخ الموحدين، وأشياخ الأجناد، من مختلف القبائل، ووعظهم وذكرهم بأن الجنة مثوى المجاهدين، وحثهم على التفاني في سبيل الله. وفي مساء هذا اليوم ركب الموحدون خيولهم، وساروا فوق الجبل وأمامهم المشاة والطلائع من المصامدة، وعلى ناصية ضفة شنيل المحاذية للسبيكة، وكانت ليلة منيرة صافية الأديم، وعند الفجر وصلوا إلى مقربة من محلات ابن همشك وحلفائه النصارى فوق جبل السبيكة، وفي الحال انقض الموحدون على أعدائهم على غرة، قبل أن يتم استعدادهم، بل وقبل أن يركب معظمهم خيولهم، واضطرمت بين الفريقين

стр. 1548

موقعة عنيفة هائلة، وأبلى الموحدون في قتال ابن همشك وحلفائه النصارى أعظم البلاء، وقتلوا منهم جموعاً غفيرة، ولم يأت الصباح، حتى مزق الوحدون أعداءهم تمزيقاً وشتتوا في كل ناحية، وقتل معظم قادتهم، وفي مقدمتهم ألبار ردريجس الأصلع وزميله ولد كونت أورقلة، ورفعت رأس الأصلع بعد أيام بمدينة قرطبة على باب القنطرة، وقتل كذلك معظم القادة الأندلسيين، ومنهم ابن عبيد صهر ابن مردنيش. وكان مما حز في نفس ابن مردنيش، وانفطر له فؤاده، أنه لم يستطع، وهو بقواته على الضفة الأخرى من نهر حدرُّه، أن يبادر لإنجاد صهره ابن همشك، فلبث يرقب تمزيق قواته جامداً، حتى تم الظفر للموحدين، وتمت الهزيمة الساحقة على ابن همشك. وتعرف هذه الموقعة بموقعة السبيكة. ودخل الموحدون غرناطة ظافرين، في ظهر ذلك اليوم - يوم الجمعة الثامن والعشرين من رجب سنة ٥٥٧ هـ (١٣ يوليه ١١٦٢ م)، وخرج الموحدون المحصورون من القصبة، وقتلوا سائر خصومهم والمتحالفين مع أعدائهم من أهل غرناطة، وارتد ابن مردنيش وابن همشك كل بقواته، وسار الأول صوب مرسية، وسار الثاني في فلوله صوب جيان، والموحدون في أثره. وكان من أثر هذا النصر الموحدي، أن سارعت سائر النواحي في منطقة غرناطة، إلى إعلان الطاعة والتوحيد. وعنى السيد أبو يعقوب يوسف والقائد يوسف بن سليمان بالنظر في شئون غرناطة، وإصلاح قصبتها وأسوارها، وإثابة من كان من الموحدين المحصورين والإنعام عليهم. واستقرت الأمور بها، وسادتها السكينة والهدوء (١). وسار الموحدون في أثر ابن همشك إلى قاعدته جيان، ولكنه لم يقف بها، بل ترك أمر الدفاع عنها إلى وزيره أبى جعفر الوقَشي، فامتنع بها، وحاصرها الموحدون حيناً دون جدوى، وعاثوا فيما حولها من الأراضي، وانتسفوا زروعها، ودمروا قراها، حتى أصبحت خراباً مطلقاً، ثم غادروها عائدين إلى قواعدهم (٢). وبعث السيد أبو يعقوب يوسف، والقائد ابن سليمان بأنباء النصر يوم الوقيعة، إلى الخليفة عبد المؤمن، وكان ما يزال برباط الفتح قبالة سلا،

стр. 1549

فسر بها أيما سرور، وصدرت أوامره فيما يتعلق بشئون الأندلس بتحقيق أمرين، الأول أن يجعل من غرناطة وقصبتها مركز دفاع قوي، وأن تشحن بالعتاد ُوالأقوات، والثاني أن ينقل مركز الحكم الموحدي بالأندلس من إشبيلية إلى قرطبة، وأرسلت لتحقيق الأمر الأول، من شواطىء العدوة إلى ثغر المنكب عدة سفن مشحونة بالاقوات والسلاح، ونقلت حمولتها إلى غرناطة، وزودت قصبتها من ذلك بكميات كبيرة، وندب لتنظيم شئون الدفاع عن المدينة إلى جانب الموحدين، عدة من الزعماء الأندلسيين الموثوق بهم من أهلها، وكان القصد من ذلك أن تغدو غرناطة مركز الدفاع الرئيسي في جنوبي الأندلس، أو تغدو " سنام " الأندلس حسبما يقول ابن صاحب الصلاة. وأما فيما يتعلق بنقل مركز الحكم إلى قرطبة، فقد بعث عبد المؤمن إلى ولده السيد أبى يعقوب يوسف، والشيخ أبى يعقوب سليمان " الأمر العزيز " باستيطان قرطبة، وأن تكون مقر الأمير، ومقر الحكم بالأندلس، إذ هي " مُوَسّطة الأندلس " كما تغدو مستقر الجيوش الموحدية. ووصل بهذا الأمر أبو اسحق برّاز بن محمد اللمتوني. وعلى أثر ذلك سار السيدان أبو يعقوب يوسف، وأبو سعيد، والدا الخليفة، ومعهما القائد يوسف بن سليمان، إلى قرطبة فوصلوا إليها في الخامس عشر من شهر شوال سنة ٥٥٧ هـ، وخرج أهل قرطبة لاستقبالهم في جموع حاشدة حافلة، واستدعى إليها من إشبيلية عدة من أشياخها وأعيانها وكتابها، ومنهم أبو القاسم بن عساكر، وأبو بكر الخطار، ويذكر لنا ابن صاحب الصلاة، أنه كان من بين أولئك الكتاب المدعوين إلى العمل. وطُلب كذلك أن تُنقل من إشبيلية إلى قرطبة سائر الدواوين والأموال، التي جمعت من القواعد المنزوعة من الثوار. وهكذا غدت قرطبة، بعد إشبيلية قاعدة الحكم الموحدي بالأندلس، واستردت قرطبة بذلك رياستها وأهميتها وحيويتها القديمة، ورتبت بها الإدارات، واستعمل الكتاب والأشياخ في مختلف الأعمال، واختار أبو اسحق لحكم إشبيلية بعض أصحابه، وقام هو على النظر في شئون المخازن (الشئون المالية) في قرطبة وسائر البلاد الخاضعة للموحدين، ولم يزل قائماً بهذه المهمة حتى توفي في سنة ٥٥٩ هـ (١). واستقر السيدان أبو يعقوب وأبو سعيد حيناً بقرطبة، ومعهما القائد الشيخ

стр. 1550

أبو يعقوب. وقامت هذه الحكومة الجديدة لعاصمة الخلافة القديمة، بتنظيم شئونها المختلفة، وتعمير قصورها ودورها المهدمة، وإصلاح حصونها وأسوارها، وتأمين أهلها، فساد الهدوء والطمأنينة في أرجائها، بعد أن لبثت أعواماً طويلة، مسرحاً للفتن المخربة، والفورات المزعجة، وعاد إليها الكثير من أهلها الذين غادروها، مستبشرين بالعهد الجديد. ثم انصرف الشيخ أبو يعقوب عائداً إلى العدوة، واستمر السيدان من بعده فترة يسيرة، حتى فاتحة المحرم من سنة ٥٥٨ هـ، وعندئذ وردت دعوة الخليفة إلى ولده السيد أبى يعقوب يوسف بالمثول إلى حضرته، فبادر بالسير إلى إشبيلية، ولم يقم بها سوى أيام قلائل، ثم غادرها إلى العدوة، ولحق بأبيه الخليفة، وبقى السيد أبو سعيد بقرطبة، قائماً على شئونها، متعهداً لمصالحها، وأضيف إليه النظر على إشبيلية، وكان يعاونه القائد القدير أبو إسحق براز ابن محمد المسوفي، وندب للنيابة على إشبيلية أبو داود بلول ابن جلداسن، وتولى شئون المخزن بها محمد بن المعلم، واستمر الأمر على ذلك فترة يسيرة أخرى. - ٥ - في خلال ذلك كانت حوادث المغرب تنذر بتطورات خطيرة. وكان عبد المؤمن حينما تلقي نبأ انتصار الموحدين في موقعة السبيكة، وهو بعدوة سلا (الرباط) قد اعتزم أن يعد العدة لاستئناف الجهاد بالأندلس، في البر والبحر على أوسع نطاق ممكن، فأمر بكتب الكتب إلى سائر الجهات والقبائل، لاستنفار الناس، وحثهم على الجهاد في سبيل الله، وأمر بإنشاء الأساطيل (القطائع)، فأنشىء منها مائتا قطعة، وقيل أربعمائة، أعد منها في مرسى المعمورة على شاطىء وادي سبو، شمالي ثغر سلا، مائة وعشرون قطعة، وأعد الباقي في مختلف ثغور العدوة والأندلس، وأمر بإعداد الوفير من العتاد والمؤن والعلوفات، وكان قد أعد منها خلال سنة ٥٥٧ هـ، أكداس هائلة في وادي سبو، في حمى الجبال المشرفة عليه، وجلبت الخيل من سائر أنحاء إفريقية والمغرب، وجلبت كذلك مقادير وفيرة من السهام والرماح الطوال، والدروع، والبيضات، والتروس، والبنود، والكسى، ووزع ذلك كله على طوائف الموحدين والعرب الموالين من سائر القبائل (١)؛ وأذكى هذا العزم على الجهاد في الأندلس، وأكده ما وقع

стр. 1551

في أواخر سنة ٥٥٧، من غزو نصارى مدينة شنترين بالبرتغال لمدينة باجة، واستباحتها، واحتلالها في ٢٢ شهر ذي الحجة هذا العام (أول ديسمبر ١١٦٢ م)، ومكثهم بها نحو أربعة أشهر، قبل أن يغادروها، بعد أن دمروا ربوعها، وخربوا أسوارها (١). وأقام عبد المؤمن بمراكش فترة يسيرة، حتى أول عام ش ٥٥٨ هـ، وهو يتابع بعناية تلك الاستعدادات الضخمة للجهاد في الأندلس. ثم خرج من حاضرته ليزور قبر المهدي في تينملل، وكان الفصل شتاء، والبرد قارساً، والأمطار والثلوج تنهمر بشدة، حتى غمرت سائر السهول والربى، ومع ذلك فقد شق الخليفة طريقه إلى تينملل بعزم، وجاز المياه والثلوج الغامرة، ولم يبال بما أصابه من البلل، وتبعه أشياخ الموحدين بصعوبة، ثم أدى زيارته المأثورة لقبر المهدي، وعاد إلى حاضرته، ليستأنف الاستعداد للجهاد. وفي اليوم الخامس عشر من ربيع الأول سنة ٥٥٨ هـ (١٩ فبراير سنة ١١٦٣ م) خرج عبد المؤمن من مراكش، وسار إلى رباط الفتح، تتقدمه الجيوش الموحدية الجرارة، في تؤدة وهوادة، فلما وصل إلى رباط الفتح، كانت البقاع المجاورة فيما بين سلا والمعمورة، قد ضاقت بهذه الجيوش الضخمة التي يقدرها المؤرخ المعاصر بأكثر من مائة ألف فارس، ومائة ألف راجل (٢). وتقدرها بعض الروايات الأخرى بأكثر من ثلاثمائة ألف فارس، من الموحدين والمرتزقة العرب والبربر. ومن المتطوعة ثمانون ألف فارس ومائة ألف راجل (٣)، وزعت عليهم جميعاً الأعطية والصلات السخية. وما كاد الخليفة يستقر في محلته، حتى استدعى إليه سائر القادة والأشياخ من الموحدين والعرب، وأهل الرأي، وعقد مجلساً حربياً عاماً، ليبحث خير الوسائل لتنفيذ الغزوة الأندلسية الكبرى وتوجيهها، سواء في البر أو البحر، وكان من بين الحاضرين أبو محمد سيدراي بن وزير، فشرح للخليفة أحوال الأندلس وما يحسن أن يعمله، واقترح ابن وزير ووافقه الأشياخ، أن تقسم الحملة الكبرى إلى أربعة جيوش، يسير أولها إلى البرتغال لمقاتلة ابن الرنك صاحب قلمرية (ألفونسو هنريكيز)، والثاني يسير إلى مملكة ليون، وملكها

стр. 1552

يومئذ فرناندو الثاني ولد القيصر ألفونسو ريمونديس، وهو الذي تعرفه الرواية العربية " بالببوج "، والثالث يسير إلى قشتالة، وملكها يومئذ ألفونسو الثامن طفل تحت الوصاية، والرابع يسير صوب مملكة أراجون وبرشلونة، وملكها يومئذ ألفونسو الثاني. واستحسن الخليفة اقتراح ابن وزير ووافق عليه. ولم تمض أيام قلائل على ذلك حتى مرض عبد المؤمن مرضه الذي لم يبرأ منه. ولم توضح لنا الرواية نوع هذا المرض الذي حمل الخليفة إلى القبر، والذي يقتصر ابن صاحب الصلاة على وصفه، " بالوجع "، بيد أنه لبث يشتد ويتفاقم، حتى كان يوم الجمعة الثاني من جمادى الآخرة، وقد شعر الخليفة بدنو أجله، فأمر بإسقاط اسم ولده وولي عهده محمد من الخطبة، وكان هذا القرار يخفي مأساة عائلية، كان الحليفة يود أن يتلافى آثارها قبل موته. وذلك أنه نمى إليه أن محمداً يشرب الخمر، ويبدو مخموراً أمام الأشياخ والقادة في هيئة زرية، ويرتكب أموراً طائشة مخلة بالكرامة، وأنه يغلب عليه الخور وجبن النفس، وقيل أيضاً إنه كان مصاباً بالجذام (١). ومن ثم فقد رأى أنه لا يصلح للخلافة، وأنه يجب تنحيته وإبعاده، ودعا الأشياخ إلى سريره، وأخطرهم بتنحية ولده محمد وتولية يوسف، باعتباره أصلح من يتولى الخلافة، وأوصاهم بتنفيذ إرادته ومبايعته، ولاسيما الشيخ أبى حفص عمر الهنتاني عميد الأشياخ، واستوثق من ولده أبى حفص بتقديم شقيقه الأصغر يوسف، وكان أبو حفص يتولى الوزارة والحجابة لأبيه حسبما تقدم ذكره. وفي الأيام القلائل التالية تفاقم مرض الخليفة واشتد به الألم، وفي فجر يوم الثلاثاء الثامن من جمادى الثانية - وفقاً لرواية البيذق - توفي الخليفة عبد المؤمن بن علي. بيد أنه إذا أخذنا بهذه الرواية فلا بد أن الوفاة كانت في فجر اليوم السادس وهو الموافق ليوم الثلاثاء، حيث كان اليوم الثاني من جمادى الآخرة يوافق يوم الجمعة، وهو اليوم الذي أسقط فيه اسم محمد من الخطبة. ويقول لنا ابن صاحب الصلاة إن عبد المؤمن توفي ليلة الجمعة العاشر من جمادى الآخرة سنة ٥٥٨ هـ (١٥ مايو سنة ١١٦٣ م)، وهي رواية تبدو أرجح لانطباقها مع تسلسل الأيام والتواريخ (٢). وكانت وفاته بمحلته في سلا، وكان عند وفاته في الثالثة والستين من عمره، وقيل في الرابعة والستين، وكانت

стр. 1553

ولايته، منذ وفاة المهدي في ٢٥ رمضان سنة ٥٢٤ هـ، ثلاث وثلاثون سنة، وخمسة أشهر، وثلاثة وعشرون يوماً (١). ولما توفي عبد المؤمن كتمت وفاته وقتاً، واستأثر ولده السيد أبو حفص بتدبير الأمور، وبادر إلى تنفيذ وصية أبيه في عقد البيعة بالخلافة لأخيه يوسف، وكان قد قدم من قرطبة، استجابة لدعوة أبيه، وبقي إلى جانبه حتى توفي. والظاهر أن عبد المؤمن، كان عندئذ قد قرر أمره نحو مسألة الخلافة، وترشيح ولده يوسف لها، واستدعاه لهذا الغرض وأبلغ السيد أبو حفص، والشيخ أبو حفص الهنتاني وصية الخليفة الراحل لأشياخ الموحدين، فأقروها جميعاً، وبايعوا للسيد أبى يعقوب يوسف بالخلافة. ويقول لنا البيذق إن بيعة الخليفة الجديد، تمت في مدى يومين، في العاشر من جمادى الآخرة سنة ٥٥٨ هـ وارتضى أبو عبد الله محمد ما تقرر من أمر خلعه، وبايع لأخيه راضياً، وتمت هذه البيعة في سلا في محلة الخليفة الراحل، ونفذ الأمر إلى الجيوش المحتشدة، بالانصراف إلى بلادها، في انتظار أوامر تصدر في فرصة أخرى. وتولى الشيخ أبو حفص عمر الهنتاني وعظ الموحدين على اختلاف طبقاتهم ومراتبهم، وذكرهم بما يجب عليهم من اتباع أوامر دينهم، وإكتمال ولائهم وطاعتهم واشتغالهم بأمورهم عن الأحاديث العقيمة والخزعبلات. ولما تمت البيعة حسبما تقدم، سار الخليفة الجديد مع أشياخ الموحدين إلى مراكش، ونزل في دار الخلافة، وتولى أخوه السيد أبو حفص الأمور السلطانية والحجابة على نحو ما كان مع أبيه، وعن رضى من أخيه الخليفة الجديد. وحمل جثمان الخليفة الراحل إلى تينملل، في يوم الجمعة أول شعبان، حيث دفن إلى جانب أستاذه وإمامه المهدي، وفقاً لوصيته (٢). ذلك هي الرواية الراجحة في شأن تولية السيد أبى يعقوب يوسف للخلافة.

стр. 1554

وهي الرواية الموحدية التي يقول بها مؤرخا الموحدين المعاصران، البيذق، وابن صاحب الصلاة. بيد أن هناك رواية أخرى، يقدمها إلينا ابن الأثير، وهي أنه لما توفي عبد المؤمن بسلا، كتمت وفاته، وحمل من سلا إلى مراكش فوق محفة، وكأنه مريض، ولما وصل إلى مراكش استبد ابنه أبو حفص بشئون الحجابة، وكان يصدر أوامره باسم أبيه، ويقول للناس أمير المؤمنين أمر بكذا، واستمر على ذلك حتى كملت البيعة لأخيه يوسف، في سائر البلاد والنواحي، واستقرت الأمور، وعندئذ أظهر موت أبيه (١). وينقل إلينا ابن خلكان رواية أخرى، ينفرد بها في شأن محمد وأخيه يوسف في قيول إنه لما توفي عبد المؤمن خلفه ولده محمد، وتولى الأمر مدة خمسة وأربعين يوماً حتى شعبان سنة ٥٥٨ هـ، ولكن سرعان ما اضطربت الأمور، وظهر منه من اختلال الرأي وكثرة الطيش، وجبن النفس، ما أدى إلى خلعه، وكان الذي سعى في خلعه أخواه أبو حفص عمر ويوسف. ولما تم خلعه، انحصر الأمر بين أخويه المذكورين، فتأخر عمر، وسلم الأمر إلى أخيه يوسف فبايعه الناس، واتفقت عليه الكلمة (٢). وينقل إلينا المراكشي هذه الرواية في المعجب (٣). بيد أنه يبدو، إزاء ما تؤكده لنا الرواية الموحدية المعاصرة، أنها رواية ضعيفة لا سند لها. - ٦ - كان الخليفة عبد المؤمن بن علي، عبقرية فذة، تنطوي على طائفة من أبدع الخلال التي تصاغ منها العظمة والبطولة، وقد شادت هذه العبقرية دولة من أعظم الدول الإسلامية، تمتد من أواسط شبه الجزيرة الإسبانية شمالا حتى مشارف الصحراء الإفريقية الكبرى جنوباً، ومن طرابلس الغرب شرقاً حتى شواطىء المحيط الأطلنطي غرباً، وشادتها في ظروف صعبة، وفي غمر الكفاح المضني، من إمارات وقبائل بربرية متنابذة متفرقة الكلمة، لم تعرف خلال حياتها الطويلة معنى للنظام والاتحاد، ولم تأنس لأي نوع من الخضوع والطاعة،

стр. 1555

فصاغ عبد المؤمن بعزمه، وقوة نفسه، وبراعته العسكرية والسياسية، من هذه العناصر المضطرمة الخصيمة، كتلة متناسقة متعاونة متحدة، وأنشأ منها الدولة الموحدية الكبرى، أعظم الدول المغربية إطلاقاً، واستطاع أن يجعل من الدعوة المهدية أو الدعوة الموحدية، ناموساً دينياً، ودستوراً نظامياً، تقوم عليه وتستمد منه، مقوماتها السياسية والعسكرية. وقد رأينا أن عبد المؤمن، نشأ طالب علم متواضع، تجتمع آماله حول التقدم في هذا المضمار، والتقى بالمهدي ابن تومرت، في بداية أمره، وقبل أن تلوح لدعوته وتعاليمه أية بارقة أمل، في التقدم أو الرسوخ. ومع ذلك فقد ثبت إلى جانبه وشاطره كل آلامه ومحنه، وكل آماله ومشاريعه، وغدا ساعده الأيمن في كفاحه. وكان هذا الاختصاص بالمهدي وإيثار المهدي لتلميذه الوفي، من أهم العوامل، التي مهدت لعبد المؤمن، عند وفاة أستاذه وإمامه، سبيل الاحتواء على تراثه وخلافته. ولم تخب فراسة المهدي في تلميذه، حينما قال لصحبه وهو في مرض موته عقب هزيمة البحيرة الساحقة، إنه ما دام عبد المؤمن قد سلم، فسوف يبقى أمرهم. وقد شاء القدر أن يقوم عبد المؤمن بالمهمة الكبرى، مهمة سحق الدولة المرابطية، وإنشاء الدولة الموحدية الكبرى على أنقاضها، وأنقاض الإمارات الإفريقية. وقد استمرت الدولة الموحدية حيناً، تحتفظ بطابعها الروحي، وأساسها الديني، حتى عمد عبد المؤمن بعد أن تضخم ملكه، وتوطد سلطانه ونفوذه، بين سائر الطوائف والقبائل، إلى إنشاء السلطة الزمنية الوراثية، بتعيين ولده لولاية العهد. وكانت هذه الخطوة أعظم تطور حدث في طبيعة الدولة الموحدية، التي تغدو من ذلك الحين، خلافة زمنية سياسية، ويتضاءل أساسها الروحي. ويمكننا أن نعتبر الخلافة الموحدية المؤمنية، أعظم خلافة قامت في الغرب الإسلامي، وإن كانت خلافة قرطبة الأموية تتفوق عليها بخواصها التمدنية والحضارية، وأن نعتبر عبد المؤمن أعظم خلفاء الغرب الإسلامي، وإن كان عبد الرحمن الناصر يتفوق عليه بخواصه المصقولة وخلاله الإنسانية، بل نستطيع أن نعتبر أن عظمة الدولة الموحدية الكبرى تنحصر في عصر عبد المؤمن، وولده أبى يعقوب يوسف، وحفيده أبى يوسف يعقوب المنصور (٥٢٤ - ٥٩٥ هـ)، وهي حقبة من سبعين عاماً، تستنفذ الدولة الموحدية فيها كل مصادر قوتها، وعظمتها. هذا وربما كان عبد المؤمن بخلاله العلمية، وحياته العسكرية الحافلة بالغزوات

стр. 1556

والفتوحات المظفرة، أكثر الرؤساء شبهاً بالمنصور بن أبى عامر، فإن هاتين الصفتين هما أبرز ما في حياة كل من هذين الرجلين العظيمين، وإن كانت غزوات المنصور تتسم قبل كل شىء بطابع الجهاد في سبيل الله. ولم تحل نشأة عبد المؤمن العلمية دون تحوله في ميدان الحرب، إلى قائد من أعظم قواد عصره، وأشدهم فروسة، وأوفرهم شجاعة، وإقداماً. كان عبد المؤمن بصيراً بطرائق الحرب، وأساليب القتال، وقد أنفق في غزواته وحروبه أكثر من ربع قرن، ذرع فيها وهاد المغرب وقفاره، من أقصاه إلى أقصاه، شرقاً وغرباً، وشمالا وجنوباً، وخرج مكللا بغار الظفر في معظم هذه الغزوات والحروب، ولم يجتمع لملك من ملوك المغرب أو خليفة من خلفائه، مثل ما اجتمع لعبد المؤمن من الجيوش الجرارة، التي كانت تضم مئات الألوف من الفرسان والرجالة، من مختلف القبائل البربرية والعربية، وكان عبد المؤمن خلال الحروب والغزوات جندياً بمعنى الكلمة، يشاطر جنده مشاق السير الوعر، وتقشف حياة الميدان، وكانت عادته في أسفاره أن يرحل بعد صلاة الصبح، بعد أن يُضرب طبل ضخم ثلاث ضربات إيذاناً بالرحيل، وكانت حركة الجيوش الموحدية تجرى عندئذ وفق النظام الذي رسمه المهدي لمسيرها، فيتقدمها اللواء الموحدي الأبيض مع فرقة من الرجالة يكون بينها وبين الأمير نحو ربع ميل، ثم يسير الأمير أو الخليفة خلف اللواء المذكور تحف به خاصته ووزراؤه، ثم تتبعهم الرايات الكبار والطبول وجند الساقة، ثم جند كل قبيل بترتيب خاص (١). وكان عبد المؤمن في معظم الأحيان يرسم خطط المعارك بنفسه، وربما قاد جنده، واشترك معهم في القتال. وكان عبد المؤمن إلى جانب هذه الصفات العسكرية البارزة، من أعقل أهل عصره وأوفرهم ذكاء وحكمة، وكان حازماً سديد الرأي حسن السياسة، واسع الحيلة، يعالج الأمور الصعبة بكثير من الفطنة والكياسة. وكان مما فعله عبد المؤمن لتنظيم أصحاب المهدي وطوائف الموحدين، بعد تعاقب الحوادث، وفقد الكثير من أهل الجماعة وأهل خمسين وأهل سبعين، أن استدعى أشياخ القبائل الموحدية من المصامدة وغيرهم إلى مراكش، ولما اكتمل دورهم، أعلن تصنيف الموحدين إلى ثلاث طوائف أو طبقات، الأولى،

стр. 1557

هم " السابقون الأولون " الذين بايعوا الإمام المهدي وصحبوه وغزوا معه، وصلوا خلفه، والذين شاهدوا واقعة البحيرة واشتركوا فيها، ويتلو هذه الطبقة من آمن بالتوحيد، ودخل في زمرة الموحدين من بعد البحيرة إلى فتح وهران (سنة ٥٣٩ هـ)، وتتكون الطبقة الثالثة ممن انتظم في سلك الموحدين من فتح وهران إلى ما هلم جراً، وقد تم هذا التصنيف الجديد بعد أن روعيت فيه كل الاعتبارات، من الزلف والقرب والعدالة وغيرها، لتعرف كل طبقة مكانتها ومركزها (١). وقد أسبغ عبد المؤمن بسياسته في تأليف القبائل المختلفة، وإدماجها في الجيش الموحدي الضخم، على هذا الجيش وحدة وتناسقاً، لم تعرفها الجيوش المغربية من قبل. بيد أنه لم يكن موفقاً في سياسته لتأليف القبائل العربية, وضمها للقوات الموحدية. ذلك أن هذه الفرق العربية التي استمرت عصراً تكون جناحاً هاماً في الجيوش الموحدية بالمغرب والأندلس، كانت متعثرة الولاء كثيرة التقلب، لا تدين بمبدأ ولا عقيدة، سوى انتهاز الفرص، والكسب المادي الرخيص، وكان تقاعسها وتقلبها في حروب إفريقية، فيما بعد أيام الخليفة أبى يعقوب يوسف وولده يعقوب المنصور من أهم الأسباب، في نجاح ثورة بني غانية في إقريقية، وتغلبهم على معظم نواحيها، وفي تخاذل الجيوش الموحدية في معظم المعارك التي خاضتها إلى جانبها. وأما عن نظم الحكم والإدارة، فقد كان عبد المؤمن، وهو مؤسس الدولة الموحدية الحقيقي، أول من وضح القواعد والنظم التي يسترشد بها في تسيير دفة الحكم، وفي تطبيق السياسة الشرعية، وفي جباية الأموال. وقد انتهت إلينا في ذلك رسالة هامة من إنشاء الكاتب أبى جعفر بن عطية، وجهها الخليفة من تينملل في السادس عشر من ربيع الأول سنة ٥٤٣ هـ، إلى الطلبة والمشيخة والأعيان والكافة بالأندلس، وفيها يبسط ما يمكن أن يسمى بالأسس الدستورية لنظم الحكم الموحدي، ونحن نورد فيما يلي ملخصاً لما احتوته هذه الرسالة الدستورية الهامة، التي ينفرد ابن القطان بإيرادها. ١ - يقول الخليفة، إنه اتصل به أن بعض العمال ممن لا يخافون الله، يتسلطون بأهوائهم على الأموال والإبشار، ويستحلون حرمات المسلمين، وينقضون

стр. 1558

أحكام الشرع، ويبتدعون مظالم شنيعة، ويستنبطون من فواحش الآثام صنوفاً فظيعة، ويتسببون في قتل المسلمين، فضلا عن استباحة أموالهم وأعراضهم بتلبسات يسيئونها، ويمدون أيديهم بضرب الناس بالسياط وسيلة إلى أخذ أموالهم. وهو ينذر هؤلاء بشر العقاب، ويقول، إن لمن يستوجب الضرب أو يستحقه حدود معلومة، ومواقف مرسومة، تقابل كلا بمقتضى جرمه. ٢ - وأنه قد ذكر له في أمر المغارم والمكوس والقبالات وتحجير المراسي وغيرها، مظالم وكبائر عظيمة، ثم يتساءل ألم يقم الأمر العالي لقطع أسباب الظلم وإجراء العدل. ومن ذلك ما ذكر في أمر المسافرين الذين يريدون الرجوع إلى أوطانهم، فإن بعض هؤلاء الظلمة، يزعمون لهم أن للمخزن حقوق تمتد إلى جميع ما أتى به، ثم يضطروه بالوعيد إلى الخروج عن جزء كبير من ماله، ويسائل الخليفة الموحدين والطلبة، كيف تقع هذه الأمور، وهم يرصدون الشئون، وكيف تسفك الدماء على هذه الصورة، وتنتهك الحرمات، وهم لا يمتعضون. ٣ - وأنه ليجول بخاطره، أن أسباب تلك المنكرات، هو أن قوماً يتوسطون بينهم وبين الناس، وينقلون الأمور إليهم بطريق التدليس، وذلك ليبعدهم عن مباشرة الأمور، ثم ينصحهم بأن لا يتركوا مباشرة الأمور إلى أحد سواهم، وأنه يجب عليهم أن يباشروا الأحكام مباشرة تعهد وتفقد، وأنهم في ذلك يجب أن يتذرعوا بالحزم والاعتدال وسلوك الطريق الوسط، والتواضع لأمر الله تعالى وترك الاستعلاء المنتقد، وعليهم أن يبحثوا عن المتسببين في وقوع تلك القبائح، وأن يعرّفوه بأمرهم ليقوم بعقابهم. ٤ - ثم يقول الخليفة: " وقد استخرنا الله في سد تلك الذريعة، وصد تلك الأفعال الشنيعة، فرأينا أن ترفعوا إلينا أحكام المذنبين للكبائر، وتعلمونا بنبأ كل من ترون أنه يستوجب القتل بفعله الخاسر، دون أن تقيموا الحد عليه، أو تبادروا بالعقاب إليه، ولا سبيل لكم إلى قتل أحد من كل من هو في بلاد الموحدين وأنظارهم، ومن هو معهم داخل مضمارهم، وكل من ترون أنه يستوجب القتل، ممن يريد المكر في أمر الله تعالى والختل، فعرفونا بجلية أمره وتصحيحه، وخاطبونا بميز أمره ومشروحه، لينفذ فيه من قبلنا ما يوجبه الحق ويقتضيه، ونمضي في عقابه ما ينفذه الشرع ويمضيه. فإياكم من مخالفة أمرنا

стр. 1559

هذا في قتل أحد ممن ذكرنا كائناً من كان، كبر ذنبه عندكم أو هان، ولتبادروا إلى إعلاننا بذنبه بعد سجنه وتثقيفه لنقابله بما نراه، ونجري الحق فيه مجراه ". ٥ - وأنه قد بلغه أنه يقع بيع النساء بصورة تخالف حكم الشرع، وأنه يوجد من يبتاع المرأة ثم يبيعها دون استبراء، وأنه لا يتحفظ في ذلك من مواقعة الزنا المحض، وأنه يجب ألا يتولى أمر بيع النساء إلا من اتصف بالدين والأمانة، فهو الذي يشرف على أسواق بيعهن. ثم إنه يجب التوقف عن بيع النساء في جميع من يغنمن منهن، حتى يخاطب بأصل أمرهن وكيفيته، ليرسم لهم فيها ما يجب اتباعه. ٦ - ويحض الخليفة على مطاردة الخمر، والاجتهاد في إراقتها وكسر دنانها، واختيار الأمناء الذين يسهرون على ذلك، وتعهدهم لمواضع " الرُّب " واعتصاره، وأن لا يبيحوا من ذلك إلا ما تجوز إباحته شرعاً. ٧ - وأنه قد ذكر له أن الراقصين (الرسل) الذين يردون بالكتب. ويصدرون، يأخذون الناس بالنظر في كلفهم، ويلزمونهم بزادهم وعلفهم في كل موضع، ويحلون بأفنية الناس حلولا شنيعاً، ويتحكمون عليهم بحكم المغرم، ويطلب إليهم المسارعة في قطع تلك العادة الذميمة، وتزويد الرسل بما يقوم بأودهم في المجىء والانصراف، ويقطع شأنهم من التكليف والإلحاف، وتحذيرهم من تكليف أحد من الناس بأي شىء. ٨ - وأنه قد ذكر له ما يقع من التحكم في الأموال، وعدم المبالاة بالتفريق فيها بين الحرام والحلال، وأن هناك من يفعلون بأموال الناس ما تقدم، وتمتد أيديهم إلى المخازن فيعيثون بها، ويجرؤون في التعدي عليها، ويطلب إليهم أن يتقوا الله في أموال " المخزن " ووجوب السهر على صونها، وحمايتها من التعدي عليها، إذ هي أموال الله المخزونة في أرضه، وأنه يجب عليهم ألا ينفذوا منها قليلا ولا كثيراً إلا بعد استئذانه وتعريفه. ٩ - هذا، وأنه يجب عليهم اتباع كل ما جاء في هذا الكتاب بدقة وأن يجمعوا لقراءاته والاطلاع عليه سائر الطلبة والعمال، وكافة المقدمين للأعمال، وأن تكتب منه نسخ لكل قبيلة من قبائل أقطار الموحدين، وكل كورة من الكور، وينذر من لم يتبع ما جاء فيه بشر العقاب. ويختتم الخليفة كتابه بقوله، إنه لا غرض له إلا أن يحقق دعة المسلمين وأمانهم، وأنه يجب أن يعلموا أن الموحدين، مسئولون عن هذه الرعاية، وأنهم يجب أن

стр. 1560

يكونوا إخواناً فضلاء، لعباد الله، وأن يعاملوا الناس بالحسنى، وأن يغدقوا عليهم المبرات، وأن هذا هو واجبهم، وأن هذه نصيحته، فليقبلوها. وأنه كان مما دعاه إلى تنبيههم وتذكيرهم بما تقدم، ما وجده بحضرة مراكش من تلك الأنواع التي أحدثها أهل الابتداع مثل القبالة وما يجري مجراها، وأنه لم يكن يدور بخلده أن يسلك أحد مثل هذا المسلك، وأنه أنكر ما وجده منه، وقام بإزالة ما يحظره الشرع (١). وقد لبث عبد المؤمن بالرغم من غلبة الحرب والجهاد على حياته، محتفظاً بسمته وخلاله العلمية. كان عبد المؤمن فقيهاً بارعاً حافظاً للسنة، وعالماً متمكناً من علوم الدين، ولاسيما علم الأصول الذي تلقاه عن المهدي ابن تومرت، وكان يقوم بإملاء علوم المهدي وقراءة العقائد، وكتاب الموطأ، وكان محباً للعلماء مؤثراً لهم، مقبلا على مجالستهم، محسناً إليهم، يستدعيهم من سائر البلاد ليسكنوا بالحضرة إلى جواره، ولينتظموا في مجلسه، ويجري عليهم الأرزاق السخية، ويعظم من شأنهم ومكانتهم. وكان في الوقت نفسه يعني أشد العناية بأمر الطلبة والحفاظ، ويقسمهم إلى طائفتين، طلبة الموحدين، وطلبة الحضر، والطائفة الأولى هي طلبة المصامدة، بعد أن سمى المهدي المصامدة بالموحدين، لخوضهم في علم الأصول، الذي لم يكن أحد من أهل هذه الأنحاء يخوض فيه (٢). واستقدم عبد المؤمن في نفس الوقت صغار الصبيان النجباء من مختلف قواعد المغرب، والأندلس، من إشبيلية وقرطبة وفاس وتلمسان وغيرها - إلى حضرته، وكان منهم من إشبيلية وحدها خمسون صبياً، حضروا إلى مراكش مع أستاذيهم أبى الحسن وأبى بكر الحصار، وعنى الخليفة بأمر هؤلاء التلاميذ الصغار أتم عناية، وأنزلهم أكرم منزل، وأمر بأن يحفظوا القرآن، وكتب التوحيد وموطأ المهدي وصحيح مسلم وغيرها (٣). وعنى عبد المؤمن بأمر الحفاظ أشد عناية، وأمر بأن يحفظوا كتابي الموطأ، وأعز ما يطلب، وغيرهما من آثار المهدي، وكان يستدعيهم في كل يوم جمعة إلى داخل القصر، وهم نحو ثلاثة آلاف حافظ،

стр. 1561

فيوجههم إلى ما يبغيه من سرعة الحفظ والتدريب، فيأخذهم يوماً بتعلم الركوب، ويوماً بالرمي بالقسى، ويوماً بالسباحة في بحيرة أنشأها لهم خارج بستانه، في مربع ضلعه نحو ثلاثمائة ذراع، ويوماً بالتدرب على إصابة الهدف، على قوار وخوازيق صنعها لهم بتلك البحيرة، وذلك لكي يجعل منهم رجالا مثقفين، مدربين مقتدرين. وكانت نفقتهم وسائر مؤنهم وخيلهم، وعُددهم، كلها من عنده. وفضلا عن ذلك، فقد قرر عبد المؤمن، بموافقة أشياخ الموحدين، أن يدفع لكل طالب من هؤلاء قرضاً يتجر به إسعافاً لهم، وصرف لكل منهم من مال المخزن قرضاً قدره ألف دينار، فتاجروا وأثروا، ولم يسترد منهم هذا القرض قط (١). ولما كمل تدريبهم، وأصبحوا طائفة يعتمد على علمها ودربتها وخبرتها، ندبهم لمختلف الأعمال والرياسة بدلا من أشياخ الموحدين، وقال لهم إن العلماء أولى منكم، واستبقى الأشياخ لمشورته (٢). وقد رأينا فيما تقدم كيف ندب كثير من أولئك الحفاظ لأعمال الإدارة والرياسة، في كثير من القواعد الأندلسية المفتوحة، وهم سوف يشغلون من الآن فصاعداً حيزاً كبيراً، في أعمال الولاية والرياسة، في أنحاء الدولة الموحدية. وكان عبد المؤمن فوق ذلك، كاتباً بليغاً، وأديباً ضليعاً، إماماً في النحو واللغة، حافظاً للتاريخ وأيام الناس، وشاعراً ينظم الشعر الجيد، وقد أورد لنا صاحب روض القرطاس له مطارحة شعرية مع وزيره ابن عطية (٣)، وذكر صاحب الحلل الموشية، أن عبد المؤمن حينما هنأه أبو عبد الله الجياني يوم انتصاره على المرابطين بفحص مراكش بقصيدة أولها: أضاءت لنا الأيام واتصل النجح ... وكانت وجوه الدهر مسودة كلح أجابه عبد المؤمن بقوله: هو الفتح لا يجلو غرائبه الشرح ... أصاب بني التجسيم من بأسه طرح أتتنا به البشرى على حين غفلة ... بمهلك قوم كان وعدهم الصبح وكان ممن وفد على عبد المؤمن من أدباء العصر وشعرائه، أبو العباس أحمد

стр. 1562

ابن عبد السلام الجراوي الشاعر، وهو ينتمي إلى قبيلة جَراوة البربرية، التي توجد منازلها على مقربة من مليلة، وكان أديباً بارعاً وشاعراً جزلا فحظى لديه، ثم لدى أولاده من بعده، وغدا شاعر البلاط الموحدي الأثير، وظهر بمدائحه للخلفاء المتعاقبين حتى عهد الناصر، وألف للخليفة المنصور كتابه " صفوة الأدب " حسبما نذكر بعد. ووجه أبو عبد الرحمن بن طاهر صاحب مرسية المخلوع إلى عبد المؤمن رسالته الشهيرة " الكافية " في إثبات أمر المهدي بالدليل والبرهان في صورة مناقشة بين النفس المطمئنة، والنفس الأمارة بالسوء. وقد أورد لنا ابن القطان نص هذه الرسالة، وسوف نعود إلى ذكرها. وكان عبد المؤمن شديداً صارماً، في تطبيق أحكام الدين، ولاسيما في تأدية الصلاة في أوقاتها، وفي إيتاء الزكاة، وتحريم الخمر، وإقامة الحد على شاربها، وكان يذهب في صرامته إلى قتل تارك الصلاة أو شارب الخمر، وكان فوق ذلك ورعاً، كثير التلاوة والخشوع. وكان متزمتاً صارماً في سياسته نحو النصارى واليهود. ونحن نعرف أن الدولة الموحدية قامت على أسس دينية خالصة، وكان من الطبيعي، وهي تحارب خصومها من المسلمين الخارجين على عقيدة التوحيد، أن تكون شديدة الوطأة على النصارى واليهود. ولما توطدت الدولة الموحدية بالمغرب، وبسطت سيادتها على معظم قواعد الأندلس، أصدر عبد المؤمن قراراً بوجوب خروج النصارى واليهود من أراضي الدولة الموحدية، وحدد لهم فيه أجلا لمغادرة البلاد، إلا من أسلم منهم، فهؤلاء يصبحون رعايا، لهم ما للمسلمين الخلص وعليهم ما عليهم، ومن بقي من النصارى أو اليهود بعد الأجل المضروب ولم يعتنق الإسلام، فقد حل دمه وماله. وكان من جراء هذا القرار أن غادر المغرب والأندلس كثير من النصارى واليهود المخفِّين أي الذين لا تثقلهم أعباء الأسرة والأعمال، وبقي منهم من ثقلت أعباؤه، وتظاهروا باعتناق الإسلام إنقاذاً لأنفسهم وأموالهم، ومما يذكر أنه كان بين هؤلاء العلامة الفيلسوف والطبيب اليهودي الكبير موسى بن ميمون، وكان من أهل قرطبة، فتظاهر عند صدور القرار باعتناق الإسلام، والقيام بأداء شعائره، حتى مكنته الفرصة من مغادرة الأندلس مع أهله، فقصد إلى مصر،

стр. 1563

وخدم في بلاطها، وعين طبيباً خاصاً للسلطان صلاح الدين، وتوفي بالقاهرة سنة ٦٠٢ هـ (١٢٠٥ م) (١). وكان عبد المؤمن بالرغم من نشأته وسمته الفقهية المتواضعة، رئيساً وافر الهيبة والجلال، وهو ما يشير إليه المراكشي في قوله: "كان عبد المؤمن في نفسه سري الهمة، نزيه النفس، شديد الملوكية، وكأنه كان ورثها كابراً عن كابر، لا يرضى إلا بمعالي الأمور " (٢). * * * ولكن عبد المؤمن كان إلى جانب هذه الخلال البديعة كلها، يتسم بالقسوة وسفك الدماء. وهذا ما ينوه به مؤرخ ناقد مثل ابن الأثير، إذ يقول لنا: إن عبد المؤمن كان كثير السفك لدماء المسلمين على الذنب الصغير (٣). وقد سبق أن أشرنا إلى هذه الصفة القاتمة من صفات عبد المؤمن، وسردنا خلال استعراضنا لمراحل حياته، كثيراً من الحوادث الدموية التي سالت فيها الدماء غزيرة على يديه، وقد كان أروع ما وقع منها حادثة الاعتراف الشهيرة، التي تم فيها تطهير القبائل، وفقاً لجرائد أعدها عبد المؤمن بنفسه، وتضمنت ألوفاً مؤلفة من الضحايا، التي أعدمت تنفيذاً لأوامره (سنة ٥٥٤ هـ). وقد سبق أن علقنا على هذه الحادثة وأمثالها، من الصفحات الدموية، التي توالت في عهد عبد المؤمن وعلى يديه. ونود أن نضيف هنا، أن هذه الظاهرة الدموية، كانت أصلا راسخاً من أصول الدعوة المهدية، وأن المهدي ابن تومرت، كان من أشد الدعاة دعوة إلى سفك دماء خصومه، وقد أبدى في تطبيقها قسوة تدنو إلى الوحشية. ومن وجهة أخرى فإنه يمكن القول بأن سفك الدماء وسيلة مأثورة من وسائل تدعيم الطغيان، يلجأ إليها الطغاة في كل عصر، وكل قطر، وقد كان عبد المؤمن طاغية من أعظم طغاة العصور الوسطى، فليس بمستغرب أن يكون القتل الذريع وسيلة لتأييد سلطانه المطلق، وإن يكن قد ذهب في ذلك إلى حدود مثيرة مروعة. * * *

стр. 1564

وقد اعتمد عبد المؤمن في تنظيم دولته، وتسيير حكومته، وقيادة عسكره، على طائفة مختلطة من الكتاب والقادة من مختلف القبائل، وأهل المغرب والأندلس. وقد كان من الواضح أن أصحاب المهدي وأشياخ الموحدين من المصامدة، وغيرهم من القبائل البدائية الموالية، وإن كان يمكن الاعتماد عليهم في شئون الدعوة وفي بعض القيادات العسكرية، فإنه لا يمكن أن يعتمد عليهم وحدهم في بناء الدولة الموحدية، وتوطيد قواعدها. ومن ثم فإن عبد المؤمن لم يتردد في أن يستخدم في حكومته وفي قيادته، كثيراً من أولياء الدولة المرابطية السابقة من لمتونة ومسّوفة، ومن أهل الأندلس، مثل على بن عيسى بن ميمون قائد الأسطول المرابطي السابق، وبرّاز بن محمد المسّوفي، وقد كان من أبرز القادة المرابطين، ومثل الكاتب أبى جعفر بن عطية وأخيه عقيل بن عطية، وقد كانا من كتاب الدولة اللمتونية، وميمون الهواري. واستخدم عبد المؤمن من أهل الأندلس لكتابته أخيل بن إدريس الرُّندي صاحب رندة السابق، وقد كان أيضاً من كتاب الدولة اللمتونية، وأبا الحسن بن عياش القرطبي، وأبا بكر بن ميمون القرطبي، والخطيب أبا الحسن بن الإشبيلي، وصاحبه الخطيب أبا محمد عبد الله بن جبل. وقد كان الاعتماد على معاونة الوزراء والكتاب الأندلسيين، في بلاط مراكش، مبدأ مقرراً منذ أوائل الدولة المرابطية، وذلك لما كانوا يمتازون به في هذا الميدان من المواهب والصفات المصقولة، ولما كان لأعمال الوزارة وشئون الكتابة بالأندلس من التقاليد الجليلة الراسخة، والأساليب المشرقة العالية. وسوف نرى فيما بعد، كيف يمثل أقطاب الكتاب والعلماء والمفكرين بالأندلس، بقية القرن السادس الهجري، بين وزراء الدولة الموحدية وكتابها البارزين. وقد وزر لعبد المؤمن الكاتب أبو جعفر بن عطية، ثم أبو محمد عبد السلام ابن محمد الكومي، ثم ولده السيد أبو حفص، ومعاونه أبو العلا إدريس ابن ابراهيم بن جامع، وهو الذي تولى الوزارة بعد وفاته، لولده الخليفة الجديد أبى يعقوب يوسف. وتولى القضاء في عهده، صهره أبو عمران موسى بن سليمان الضرير من أهل تينملل ومن أصحاب خمسين، وأبو الحجاج يوسف بن عمر. وعنى عبد المؤمن بالشئون المالية بنوع خاص، ولقي في تنظيمها صعاباً ومتاعب. وكانت مسألة الفروض أو " الجبايات " التي يتكون منها دخل الحكومة

стр. 1565

الموحدية من المسائل الدقيقة، التي واجهت عبد المؤمن. وقد كانت مسألة المكوس والمغارم التي تفرضها الدولة المرابطية على رعاياها، من المسائل التي شهر بها المهدي ابن تومرت، وعددها بين مثالب المرابطين، باعتبارها مغارم غير شرعية يحرمها الكتاب والسنة. وكانت الدولة الموحدية في البداية تحرص على ألا تحيد عن تطبيق هذا المبدأ في فرض الجبايات، وتلغى سائر المغارم المحرمة، وتكتفي بتحصيل الزكاة والأعشار، وهذا ما يسجله الخليفة عبد المؤمن في رسالته التي بعث بها عقب فتح بجاية سنة ٥٤٧ هـ، إلى أهل قسنطينة، يدعوهم إلى الطاعة، ويذكرهم بما هو مفروض عليهم منذ أيام " أهل الاختلاق والابتداع " من " القبالات والمكوس والمغارم وسائر تلك الأنواع "، وأن الله قد أراح الناس بالتوحيد، من تلك المغارم، وأنه سوف لا يطلب إليهم إلا ما أوجب الله، وما توجبه السنة من " الزكوات، والأعشار " (١). وقد كان ما استولى عليه الموحدون من ثروات الدولة المرابطية وذخائرها، في المغرب والأندلس، وما كانوا يحصلونه من غنائم خصومهم المهزومين، يكفي في البداية لمواجهة نفقات الحرب والإدارة. بيد أنه لما اتسع نطاق الغزوات والفتوحات في المغرب والأندلس، وتضاعف عدد الجيوش الموحدية الغازية، اضطر عبد المؤمن إلى التماس مصادر أخرى للنفقة، فكان مما استحدثه، ما نقله إلينا صاحب روض القرطاس، من أنه أمر بمسح بلاد إفريقية والمغرب من برقة، إلى السوس الأقصى، بالفراسخ، والأميال، طولا وعرضاً، وأسقط من هذه المساحة مقدار الثلث مقابل الجبال والأنهار والطرقات وغيرها من التوالف، وما بقي فرض عليه الخراج، وألزمت كل قبيلة بأن تؤدي قسطها من الزرع والمال، وهكذا تحررت السياسة المالية الموحدية، من الجمود الذي فرضته عليها تعاليم المهدي، ولتتطور مع مقتضيات ما تحتاج إليه الدولة من ضروب النفقة العسكرية والإدارية. * * * وترك عبد المؤمن من الولد ستة عشر من البنين، وهم أبو يعقوب يوسف الخليفة من بعده، وأبو حفص عمر، وأبو عبد الله محمد المخلوع من ولاية العهد، وأبو محمد عبد الله والي بجاية، وأبو سعيد عثمان والي غرناطة وقرطبة، وأبو علي الحسن، وأبو علي الحسين، وأبو الربيع سليمان، وأبو زكريا يحيى،

стр. 1566

وأبو إبراهيم اسماعيل، وأبو إسحق إبراهيم، وأبو يوسف يعقوب، وأبو زيد عبد الرحمن، وأبو سليمان داود، وأبو موسى عيسى، وأبو العباس أحمد، وترك من البنات اثنتين هما صفية وعائشة (١). هذا ولدينا عن أوصاف شخص عبد المؤمن، فقرتان، نقل إلينا أولاهما، ابن خلكان عن مؤلف في سيرة عبد المؤمن، وفيها أن عبد المؤمن، " كان شيخاً معتدل القامة، عظيم الهامة أشهل العينين، كث اللحية، شثن الكفين، طويل القعدة، واضح بياض الأسنان، بخده الأيمن خال " (٢). ويقول في الثانية صاحب روض القرطاس: " كان أبيض اللون مشرباً بحمرة، أكحل العينين، أجعد، تام القد، له وفرة تبلغ شمة أذنه، أزج الحاجبين، ملائم الأنف، عريضه، مستدير اللحية " (٣).

стр. 1567

الكتابُ الرابع نظم الدّولة المرابطيّة وخواصّ العهْد المرابطيّ

стр. 1568

الفصل الأوّل طبيعة الحكم المرابطي وأوضاعه العسكرية والإدارية والمالية الطابع الديني للدولة المرابطية. استئثار الفقهاء بالنفوذ. ما ترتب على ذلك من الفساد. ضعف الفقهاء وانصرافهم إلى علم الفروع. الطابع العسكري للدولة المرابطية. نزعتها إلى الجهاد. تضاؤل منعتها العسكرية. الدولة المرابطية إمارة ملكية. طابعها الملك الوراثي. عمالات المغرب والأندلس في عهد المرابطين. قرطبة مركز الحكم المرابطي. ولايات الأندلس لذوي القربى. تولى الأندلسيين لمناصب القضاء. القضاة زعماء الثورة فيما بعد. استئثارهم بمناصب الكتابة. لمتونة وشجاعتها في القتال. الجيش عماد الدولة المرابطية. تنظيمه وتكوينه. النصارى المرتزقة. ترتيب المعركة عند المرابطين. القوات الأندلسية. النزعة الجهادية وتضاءلها. الجيش المرابطي بالأندلس. الأساطيل المرابطية. السياسة المالية ونظم الجباية. الضغط على اليهود. التوسع في الجبايات والقبالات أيام علي. الدولة المرابطية ووسائلها في الحكم. حملة العلامة دوزي على المرابطين. ما يطبع هذه الحملة من تحامل. رأى العلامة كوديرا. أقوال المراكشي. قول في مديح المرابطين وعهدهم. شرح لأسباب هذه الحملة ضد المرابطين. الفتح المرابطي الأندلسي وما تخلله من فظائع. قسوة أمير المسلمين نحو المعتمد. مطاردة كتب الدين والفلسفة. حملة المهدي ابن تومرت. فضل المرابطين في الجهاد وإنقاذ الأندلس. تقاعسهم في حرب الإسترداد. مسئوليتهم في سقوط سرقسطة. حكم المرابطين للأندلس. طابعه العسكري الخشن. وثائق رسمية تؤيد اهتمام علي بن يوسف بشئون الأندلس والذود عنها. توصياته بشأن الحكم. اهتمامه بتجنب الاستبداد، واتباع الرفق والعدل. اهتمامه بأمر القضاء. توصيته بحسن اختيار القضاة. حجر المرابطين على حرية الفكر. مطاردتهم لكتب الأصول وكتب الغزالي. إصرارهم على هذه المطاردة حتى أواخر عهدهم. مطاردتهم لكتب الكلام والفلسفة. عيث الجند والعبيد المرابطين. ملاحظات ابن عبدون على ذلك. اشتداد وطأة الحكم المرابطي وأسباب ذلك. الحكم على العصر المرابطي والمبالغة في ذلك. تعليق الأستاذ كوديرا. أحوال الشعب في ظل الحكم المرابطي. الأمة الأندلسية وتحريرها من مظالم الجباية. تمتعها بنوع من الاستقرار والرخاء. وحدة المغرب واستقراره. ما شمله من تعمير ورخاء. الاضطراب والفوضى منذ حركة المهدي. كان مصرع الدولة المرابطية، حادثاً من أهم الحوادث، الحاسمة في تاريخ المغرب والأندلس، وكان نتيجة لعوامل عديدة، عسكرية وسياسية واجتماعية. وسوف نحاول في هذا الفصل، أن نستعرض هذه العوامل، التي أدت إلى سقوط هذه الدولة العظيمة الشامخة، التي شادتها عبقرية يوسف بن تاشفين، وهي ما تزال في عنفوان فتوتها، ولما يمض على قيامها وتوطدها أكثر من نصف قرن،

стр. 1569

وأن نستعرض في نفس الوقت، طرفاً من المبادىء والنظم التي سار عليها بنو تاشفين في حكم إمبراطوريتهم العظيمة بالمغرب والأندلس، ومن الظروف والأحوال الحضارية التي عاشت في ظلها. قامت الدولة المرابطية، حسبما رأينا على أساس من العقيدة الدينية، وكان منشؤها الروحي فقيه متعصب، هو عبد الله بن ياسين الجزولي. واحتفظت بهذا الطابع الديني معظم حياتها، وكان يتخذ منذ البداية صورته العملية، في سيطرة الفقهاء على شئون الدولة وتوجيهها، وفي اتجاه الجيوش المرابطية، في المراحل الأولى من حياة الدولة إلى أعمال الجهاد، سواء في المغرب أو الأندلس. وكان نفوذ الفقهاء في تسيير الدولة المرابطية، يتخذ أيام يوسف بن تاشفين، صورة الشورى، فكان العاهل المغربي يستفتيهم في الخطير من الأمور، لا استفتاء المستسلم الخانع، ولكن استفتاء الحذر المستنير، الذي يحاول أن يطمئن على سلامة تصرفاته، وأن يلتمس لها السند الشرعي. ولكن هذا النفوذ لم يلبث أن غدا في عهد ولده علي، نوعاً من الدكتاتورية الدينية (ثيوقراطية). ولم يكن لعلي بن يوسف، بالرغم من ذكائه وجميل صفاته، وبالرغم من ورعه وتقواه، من العزم والحزم، ما يكفي لمغالبة هذا النفوذ الجارف. وهذا ما يصوره لنا المراكشي، عند حديثه عن علي بن يوسف، في تلك الفترة التي تبرز لنا روح الحكم المرابطي على حقيقتها: " وكان (أي علي بن يوسف) حسن السيرة، جيد الطوية، نزيه النفس، بعيداً عن الظلم، كان إلى أن يعد في الزهاد والمتبتلين، أقرب منه إلى أن يعد في الملوك والمتغلبين. واشتد إيثاره لأهل الفقه والدين، وكان لا يقطع أمراً في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء، فكان إذا ولى أحداً من قضاته، كان فيما يعهد إليه ألا يقطع أمراً، ولا يبت حكمه في صغير من الأمور ولا كبير، إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغاً عظيماً، لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس. ولم يزل الفقهاء على ذلك، وأمور المسلمين راجعة إليهم، وأحكامهم صغيرها وكبيرها، موقوفة عليهم، طول مدته. فعظم أمر الفقهاء كما ذكرنا، وانصرفت وجوه الناس إليهم، فكثرت لذلك أموالهم واتسعت مكاسبهم ". وفي ذلك أيضاً يقول شاعر من شعراء العصر، هو أبو جعفر أحمد بن محمد المعروف بابن البني، من أهل مدينة جيّان:

стр. 1570

أهل الرياء لبستموا ناموسكم ... كالذئب أولج في الظلام العاتم فملكتموا الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتموا الأموال بابن القاسم وركبتموا شهب الدواب بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم (١) كانت هذه الثيوقراطية أو الدكتاتورية الدينية، وما ترتب عليها من مثالب وأهواء لا مفر منها، أهم عامل في ضعف الحكم المرابطي وفساده، وكان من جراء ذلك أن تحولت المزية الرئيسية، لصفة الدولة المرابطية، وهي الأساس الديني المغرق، إلى عنصر من عناصر الانحلال الخطر، واستحالت فضائل التقى والزهد والورع، لدى الأمير، إلى نوع من الخضوع الأعمى، لطائفة لا تُؤمَن مطامعها وأهوائها، هي طائفة الفقهاء، الذين غدوا يسيطرون على الأمير، ويحكمون الدولة، لا من وراء ستار فقط، ولكن كذلك في نوع من الجهر، وفقاً لهذه المطامع والأهواء. أضف إلى ذلك أن هذه الطائفة كانت إلى جانب هذا الاستغلال لنفوذها الديني، تتسم خلال العهد المرابطي بالقصور وضيق الأفق، ولم تكن في شىء من ذلك التعمق العلمي، الذي كان يمتاز به جيل الفقهاء القدامى، أيام الدولة الأموية، في دراسة الشريعة وأصول الدين، وذلك حينما كان فقهاء أقطاب مثل عيسى بن دينار، ويحيى بن يحيى، وعبد الله ابن حبيب، وبقي بن مخلد، يتبوأون ذورة النفوذ العلمي، ولكن يقف نفوذهم عند حدود الفتيا والشورى ومزاولة القضاء. بل كان الفقهاء أيام الدولة المرابطية، يقتصرون حسبما أشرنا من قبل على دراسة علم الفروع من العبادات والمعاملات والحدود والأقضية، وعلى مذهب مالك دون غيره. وهذا ما ينوه به المراكشي في قوله: " لم يكن يقرب من أمير المسلمين، ويحظى عنده، إلا من علم علم الفروع أعني فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب، وعمل بمقتضاه، ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتى نسى النظر في كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ ، فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمان يعتني بها كل الاعتناء، ودان أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شىء من علوم الكلام، وقرر الفقهاء عند أمير المسلمين، تقبيح علم الكلام، وكراهة السلف له، وهجرهم من ظهر عليه شىء منه، وأنه بدعة في الدين " (٢). وقد

стр. 1571

ترتب على ذلك ما عمدت إليه الدولة المرابطية بإيعاز فقهائها، من مطاردة العلماء الذين يعنون بعلم الكلام والأصول، ومطاردة الكتب المتعلقة بذلك، وفي مقدمتها كتب الغزالي، وجاء ابن تومرت فاتخذه أيضاً مادة لدعايته الدينية ضد الدولة المرابطية، حسبما فصلنا من قبل في موضعه. إلى جانب هذا العامل الخطير في تصدع أسس الدولة المرابطية، كان ثمة عامل آخر، يحدث أثره السيىء في تحطيم قواها المادية والأدبية، هو انهيار منعتها العسكرية. ذلك أن الدولة المرابطية نشأت في مهاد التقشف والبداوة، واستمدت من بداوتها ومن حماستها الدينية، صلابتها الحربية، وكانت هذه المَنَعة التي تمتاز بها جيوش لمتونة وزميلاتها من القبائل المختلفة، تذكيها وتضاعفها، نزعة الجهاد في سبيل الله. وفي ظل هذه النزعة الجهادية استطاع المرابطون عند مطلع نهضتهم في مشارف الصحراء الكبرى، أن ينشروا بجهادهم وغزواتهم المستمرة تعاليم الإسلام، في غانة ومالي وموريتانيا. ولما عبرت الجيوش المرابطية إلى شبه الجزيرة لتنقذ الأندلس مما يتهددها من خطر الفناء، على يد اسبانيا النصرانية، كانت هذه النزعة إلى الجهاد، أخص ما يميزها، إلى جانب ما اشتهرت به من المنعة والبسالة. وحتى بعد أن تحولت الجيوش المرابطية، من مهمتها في إنجاد الأندلس، إلى جيوش غازية، وأصبحت الأندلس جزءاً من الدولة المرابطية الكبرى، فإن هذه النزعة إلى الجهاد في سبيل الله، لبثت حيناً آخر شعار الجيوش المرابطية في شبه الجزيرة، فكانت موقعة أقليش، وكانت موقعة إفراغة، وكانت ثمة مواقع محلية أخرى، ظهرت فيها الجيوش المرابطية، ببسالتها، وتفانيها في الجهاد في سبيل الله. بيد أنه سرعان ما خبت هذه الروح، وخصوصاً بعد أن اختفى من الميدان أقطاب القادة المرابطين، الذين امتازوا بالجرأة والشجاعة والبراعة العسكرية، أمثال سير بن أبى بكر اللمتوني، وأبى محمد مزدلي، ومحمد بن الحاج، ومحمد ابن فاطمة، وسرعان ما تأثر الأمراء والقادة المرابطون، بما انغمسوا فيه من ثروات الأندلس، ونعمائها، وحياتها المرفهة، وتأثر الجند المرابطون، أبناء الصحراء والقفر، بحياتهم الجديدة الرغدة، في هذه القواعد العظيمة، والوديان النضرة، والعيش الرخص، وفت ذلك في مقدرة الجيوش المرابطية، ومنعتها القديمة، وأضحت عاجزة عن أن تقوم بمهمتها الأساسية في حماية الأندلس، ورد عادية

стр. 1572

النصارى عنها، كما غدت في نفس الوقت عاجزة عن أن تعمل على توطيد سلطان الدولة المرابطية وهيبتها، بين شعب أضحى يتبرم بحكمها، ويتمنى زوال نيرها، بعد أن ثقلت وطأته، وكثرت مثالبه. وقد كان هذا عاملا له خطره في تحطيم هيبة الدولة المرابطية وسيادتها بالأندلس. - ١ - كانت الدولة المرابطية أو الدولة اللمتونية في عهدها الأول، حينما انتهى يوسف بن تاشفين من إنشائها، وتوطيد قواعدها، وتخطيط عاصمتها مراكش، إمارة يتسمى منشؤها بالأمير. وعقب انتصار الزلاّقة، تسمى يوسف " بأمير المسلمين وناصر الدين " وهو اللقب الذي أصبح من بعده لقباً لملوك لمتونة، وهذا إلى اعتراف العاهل المرابطي بطاعة الخليفة العباسي. وهو إجراء لم يتعد الحدود الشكلية، من الدعوة للخليفة العباسي في الخطبة مع الأمير، وذكر اسمه في السّكة. ثم غدت الدولة المرابطية، مملكة وراثية، منذ اختار يوسف ولده علياً لولاية عهده في سنة ٤٩٦ هـ (١١٠٢ م)، وحذا حذوه في ذلك على، فاختار ولده تاشفين لولاية عهده في سنة ٥٣٣ هـ (١١٣٨ م). واختار تاشفين ولده إبراهيم لولاية عهده في سنة ٥٣٩ هـ (١١٤٥ م)، وهو في وهران يخوض مع الموحدين آخر المعارك الحاسمة، وقد شاء القدر أن يكون إبراهيم خاتمة ملوك الدولة المرابطية. ولم يكن العاهل المرابطي، يتقيد في هذا الاختيار لولاية العهد، بشروط وتقاليد معينة، ولم يكن يؤثر به الابن البكر، وإنما كان يجري وفقاً لمشيئة الملك القائم، فيختار من ولده من يراه أهلا لخلافته. وكانت ولاية الأندلس، وقيادة الجيوش المرابطية بها، تمنحان للابن البكر، إذا نحى عن ولاية العهد، وذلك حسبما حدث في شأن الأمير أبى الطاهر تميم ولد يوسف الأكبر، حينما انتخب أخوه الأصغر على لولاية العهد، فقد لبث والياً للأندلس وقائداً عاماً للجيوش المرابطية بها حتى وفاته في سنة ٥٢٠ هـ، وخلفه في منصبه الأمير تاشفين بن علي، في الوقت الذي كان فيه أخوه الأكبر سير بن علي يتشح بولاية العهد، فلما توفي سير في سنة ٥٣٣ هـ، استدعى تاشفين من الأندلس، ومنح ولاية العهد،

стр. 1573

وكانت عمالات المغرب أو ولاياته، وهي نحو ثمانية، مراكش ويتبعها أغمات وبلاد السوس وسائر بلاد المصامدة، وفاس، وسجلماسة ودرعة، ومكناسة، وبلاد فازاز، وتلمسان، وطنجة، وسبتة، تخصص، لأبناء الأمير وقرابته. وقد بدأ يوسف بن تاشفين في ذلك بتقسيم عمالات المغرب على " بنيه وأمراء قومه وذويه " (١). أما الأندلس فكانت تنقسم في عهد الدولة المرابطية، إلى خمس ولايات، هي إشبيلية وغرناطة وقرطبة وبلنسية ومرسية. وكانت سرقسطة قبل سقوطها في أيدي النصارى في سنة ٥١٢ هـ (١١١٨ م) تعتبر ولاية سادسة. واتخذ المرابطون في البداية قرطبة مركزاً لحكومتهم بالأندلس، وفيها أصدر يوسف بن تاشفين عهده بولاية عهده لولده علي. ولما تولى علي الملك، أمر بنقل قاعدة الحكم إلى غرناطة، فلبثت كذلك حتى سنة ٥٢٦ هـ، وفي هذا العام عين أمير المسلمين علي بن يوسف، ولده الأمير تاشفين والياً لقرطبة، وأمره أن يجعل منها " داره وسكناه ومقر مثواه ". وهكذا غدت قرطبة مركز الحكم المرابطي مرة أخرى، واستمرت كذلك حتى سنة ٥٣٩ هـ (١١٤٤ م)، وهي السنة التي اضطرمت فيها قواعد الأندلس، ومنها قرطبة، بالثورة على المرابطين، وكان والى الأندلس يومئذ الأمير أبو زكريا يحيى بن غانية، آخر ولاتها المرابطين. وكانت مناصب الولاية المحلية بالأندلس، وقفاً على الأمراء والقادة المرابطين ولاسيما ذوى القربى منهم، وقد ذكرنا فيما تقدم أسماء عدد عديد من هؤلاء الأمراء والقادة، الذين تولوا حكم القواعد الأندلسية، منذ الأعوام الأخيرة من حكم يوسف بن تاشفين، حتى نهاية العهد المرابطي، وكان في مقدمة هؤلاء بعض أقطاب القادة المرابطين الأوائل، مثل الأمير سير بن أبى بكر اللمتوني فاتح إشبيلية ثم واليها، ومحمد بن الحاج والي بلنسية، ثم سرقسطة، ومن بعده يحيى بن غانية، والأمير أبو محمد مزدلي والي قرطبة وهو من أبناء عمومة يوسف، وولداه محمد وعبد الله، والامير محمد بن عائشة ولد يوسف، ومحمد بن فاطمة والي إشبيلية، وعبد الله بن تينغمر والي قرطبة، وهو ابن أخت علي بن يوسف، والأمير إبراهيم والى إشبيلية، وهو أخو علي بن يوسف، وأبو بكر بن علي بن يوسف، وقد ولي أيضاً إشبيلية وغيرهم. أما مناصب

стр. 1574

القضاء في القواعد الكبرى، فقد تركها المرابطون للأندلسيين، وذلك لسبب واضح، هو أنه لم يكن بين العلماء المرابطين، من يستطيع الاضطلاع بهذه المناصب، في بلد كالأندلس، امتاز قضاته بغزير علمهم، وقد كان أولئك القضاة الأندلسيون يتمتعون لدى العاهل المرابطي، بكثير من النفوذ، ولهم كلمة مسموعة في كثير من الشئون الهامة، وكانوا في نفس الوقت رسله لتدعيم هيبته ونفوذه، لدى الشعب الأندلسي، وكان من أبرز نماذج أولئك القضاة رجال مثل أبى الوليد بن رشد، وأبى القاسم بن حمدين، وقد تولى كلاهما قضاء قرطبة. وقد رأينا فيما تقدم، كيف أخذ بفتوى القاضي أبى القاسم ابن حمدين في حرق كتاب الإحياء للإمام الغزالي (سنة ٥٠٣ هـ)، وكيف استطاع القاضي ابن رشد، أن يقنع أمير المسلمين علي بن يوسف بتغريب النصارى المعاهدين (٥٢٠ هـ). ثم كان أولئك القضاة فيما بعد، حينما اضطربت شئون الدولة المرابطية، هم قادة الثورة ضد المرابطين في مختلف القواعد، وهم الذين تولوا حكم المدن الثائرة، حتى مقدم الموحدين. ونود أن نلفت النظر هنا إلى تلك الظاهرة التي جعلت من قادة الثورة ضد المرابطين إما كتاباً وشعراء، أو قضاة. ففي الغرب كانت ثورة المريدين، وزعماؤها قبل كل شىء، رجال مثل ابن قسي، وابن المنذر، وأبو بكر بن المنخل، يمتازون إلى جانب دعوتهم الثورية، بمواهبهم الأدبية والشعرية. وفي أواسط الأندلس وفي شرقها، كان زعماء الثورة كلهم تقريباً من القضاة. ففي قرطبة، كان زعيم الثورة قاضيها أبو جعفر بن حمدين، وفي غرناطة كان هو القاضي أبو الحسن علي بن أضحى، وفي مالقة كان قاضيها ابن حسون، وفي بلنسية كان قاضيها مروان بن عبد العزيز، وفي مرسية كان قاضيها أبو جعفر الخشني، وكان خلفه في الرياسة بعد مصرعه، قطب بن أقطاب الكتاب والشعر، هو أبو جعفر عبد الرحمن ابن طاهر. وهذه ظاهرة تدعو إلى التأمل، ويمكن أن نرجعها من بعض الوجوه، إلى أن المرابطين استطاعوا خلال حكمهم بالأندلس، أن يقضوا على معظم الزعامات الملوكية والعسكرية القديمة، ولكنهم لم يستطيعوا أن يقضوا على الزعامات الفكرية، ولم يستطيعوا بالأخص، أن يقضوا على نفوذ الفقهاء بالأندلس، وكان نفوذهم المستمر، حسبما تقدم من خواص الحكم المرابطي ذاته. أما عن الكتابة، فإن الدولة اللمتونية، كانت منذ بدايتها تعتمد في شئون

стр. 1575

الكتابة على الكتاب الأندلسيين. فكان كاتب يوسف بن تاشفين، حتى قبل أن يعبر إلى الأندلس، أندلسي من أهل ألمرية هو عبد الرحمن بن أسباط. ولما توفي خلفه في منصب الكتابة أبو بكر بن القصيرة، وهو يومئذ من أئمة البلاغة بالأندلس، ثم كتب بعد وفاة يوسف عن ولده علي. وكان بلاط مراكش في عهد علي بن يوسف، يضم إلى جانب ابن القصيرة، طائفة من أقدر الكتاب الأندلسيين في هذا العصر، مثل أبى القاسم بن الجد، وأبى بكر بن عبد العزيز البطليوسي المعروف بابن القبْطُرنة، وابن عبدون وزير بني الأفطس السابق، وأبى عبد الله بن أبى الخصال، وغيرهم. وقد كان من الطبيعي، أن تعتمد الدولة اللمتونية، التي نشأت في مهاد البداوة والتقشف، في شئون الكتابة، ولاسيما بعد افتتاح الأندلس، على أقطاب البلاغة من الكتاب الأندلسيين، وأن يكون أولئك الكتاب ألسنتها لدى الشعب الأندلسي، الذي اعتاد على أساليب الكتابة العالية، وقد شهد المرابطون كيف كان ملوك الطوائف، يحشدون في قصورهم، أئمة البلاغة والترسل يومئذ، سواء في سلك الوزارة أو الكتابة، فكانت لهم في ذلك أسوة، فاستخدموا معظم أولئك الكتاب في بلاط مراكش. وكان الجيش هو أهم أجهزة الدولة المرابطية، ودعامتها الأولى، وكانت الدولة المرابطية بالرغم من انضوائها تحت لواء الدعوة الدينية الإصلاحية، التي نظمها عبد الله بن ياسين، قبل كل شىء دولة عسكرية، نشأت في مهاد المعارك التي اضطرمت بين لمتونة وبين القبائل الخصيمة من وثنية وغيرها، وخرجت منها لمتونة ظافرة، واستطاعت أن تبسط سلطانها على أنحاء المغرب، وأن تقيم الدولة المرابطية الكبرى، وكان أولئك البربر الصحريون جنوداً يمتازون بوافر الجرأة والشجاعة. وقد نوه بشجاعة لمتونة في القتال كاتب معاصر هو الجغرافي المؤرخ، أبو عبيد البكري، فوصف لنا لمتونة وشجاعتها وطرائقها في القتال فيما يأتي: " وكان للمتونة، في قتالهم شدة وبأس ليست لغيرهم. وكان قتالهم على النجب أكثر من الخيل، وكان معظم قتالهم مرتجلين، يقفون على أقدامهم صفاً بعد صف، يكون بأيدي الصف الأول منهم القنا الطوال، وما يليه من الصفوف بأيديهم المزاريق، يحمل الرجل الواحد منها عدة، يزرقها فلا يكاد يخطىء ولا يشوى، ورجل قدموه أمام الصف بيده الراية، فهم يقفون ما وقفت منصته، وإن أمالها إلى الأرض جلسوا جميعاً، فكانوا أثبت من الهضاب، ومن فر أمامهم لم

стр. 1576

يتبعوه، وكانوا يختارون الموت على الانهزام، ولا يحفظ لهم فرار من زحف " (١)، وقد تطورت أساليب لمتونة في القتال فيما بعد، ولكن هذه الصفة العسكرية لبثت تغلب على الدولة المرابطية، حتى بعد أن استقرت وتوطدت، وقامت بها نظم الحكم المدنية، فكان الجيش هو قوام حياتها الأول، وكان أمير المسلمين هو القائد الأعلى لهذا الجيش، وكان معظم الولاة في المغرب والأندلس، من قادة الجيش البارزين. وكان منشىء الدولة المرابطية الكبرى يوسف بن تاشفين جندياً وقائداً من أعظم قواد عصره، وقد بذل هذا البطل الشيخ في تنظيم الجيش المرابطي، وفي تزويده بالعتاد والسلاح، جهوداً رائعة، حتى غدا من أعظم جيوش العصر. وكانت قوته الرئيسية تتألف من الفرسان، وقد بلغت في عهد يوسف نحو مائة ألف فارس "من مختلف القبائل (٢) هذا غير المشاة من الرماة وغيرهم. وأنشأ يوسف فضلا عن ذلك حرسه الخاص الأسود، من عبيد الصحراء من غانة، من نحو ألفي مقاتل، دربوا أعظم دربة، وزودوا بأجود الأسلحة، حتى غدوا قوة ضاربة لها خطرها (٣). وقد رأينا كيف أبلى هذا الحرس الأسود الخاص ليوسف، في معركة الزلاّقة عند تحرج الموقف، أعظم البلاء، وساعد ببسالته على تحول مصاير المعركة. وأنشأ يوسف قوة كبيرة خاصة من فرسان جزولة ولمطة وزناتة ْسميت بالحشم (٤). وأنشأ كذلك فرقة خاصة لحرسه من النصارى، معظمهم من المعاهدين الذين اعتنقوا الإسلام، وقد نمت هذه الفرقة في عهد ولده علي، حتى غدت جناحاً كبيراً من الجيش المرابطي، يتألف من النصارى المرتزقة، ويقوده القائد القشتالي الذي تسميه الرواية العربية " بالربرتير " والذي تحدثنا عنه فيما تقدم، وقد اشتركت هذه الفرقة الأجنبية التي تسميها الرواية العربية " بالجند الروم " مع الجيش المرابطي، في معارك عديدة، وكانت تمتاز دائماً ببسالتها، وفائق دربتها. وكان ترتيب المعركة عند المرابطين يقوم على نظام خماسي. فيتقدم الجيش، الجند المشاة ووحدات الفرسان الخفيفة، وحملة القسي، والرماة، ويُرتبون في

стр. 1577

الجناحين. ويتكون القلب من وحدات الفرسان الثقيلة، وهي التي كان لها على الأغلب القول الفصل في المعارك. وكانت قوات المؤخرة، أو القوات الاحتياطية يقودها أمير المسلمين بنفسه إذا كان مصاحباً للجيش، وتتألف من صفوة الجند، وقوى الحرس المختلفة صمن العبيد والنصارى المرتزقة. وكان لكل قسم من القوات المقاتلة قائده الخاص، ويجتمع القادة جميعاً في مجلس الحرب الذي يعقد قبل المعركة، وترتب فيه خطط الهجوم والدفاع، وفقاً لأوامر القائد الأعلى. وكان الجند يحتشدون وفقاً لمختلف القبائل والأقاليم. ويؤلف جند الأندلس في الجيش المرابطي المخصص لشبه الجزيرة وحدات خاصة، تحمل أعلام المدن التي تنتمي إليها، مثل إشبيلية وقرطبة وغرناطة ومالقة وبلنسية ومرسية وغيرها. بيد أن القوات الأندلسية لم يكن لها في الجيش المرابطي كبير شأن، وكانت القيادة العليا بنوع خاص، تركز في أيدي القادة المرابطين. وكانت هذه سياسة موسومة واضحة القصد والمرمى. وكانت نزعة الجهاد، تغلب في البداية على الجيش المرابطي، وكانت تحدوه هذء النزعة المضطرمة حينما عبر إلى شبه الجزيرة لأول مرة، وانتصر في موقعة الزلاّقة، ضد الجيوش النصرانية المتحدة، واستمر يجيش بهذه النزعة إلى الجهاد، طوال عهد يوسف، وفي أوائل عهد ولده علي. ثم خبت هذه النزعة حينما اضطربت أحوال الدولة المرابطية، منذ فورة المهدي ابن تومرت، وأضحى الجيش المرابطي في المغرب، أداة دفاعية عن كيان الدولة التي أنشأته، ولم يعد له في الأندلس تلك الهيبة القديمة، التي كانت تتوجها غزواته الجهادية ضد النصارى، ولم يلبث أن اضطر غير بعيد أن يشغل بأمر الدفاع عن نفسه في مختلف القواعد الأندلسية. وكان الجيش المرابطي يستعمل البنود والطبول (١). وقد لعبت طبوله في الزلاّقة دوراً كبيراً في إزعاج الجند النصارى، وبث الرعب في قلوبهم. وكان الجيش المرابطي الدائم بالأندلس يتكون من سبعة عشر ألف فارس، منها سبعة آلاف بإشبيلية وقواعد الغرب، وبقرطبة ألف فارس، وبغرناطة مثلها، وأربعة آلاف بشرقي الأندلس، والأربعة آلاف الباقية موزعة على مختلف القواعد والثغور الأخرى، وكان يعهد بالدفاع عن الحدود والقواعد المتاخمة

стр. 1578

للنصارى إلى الأندلسيين، لما لهم في مقاتلة النصارى ومدافعتهم من خبرة خاصة، وكان الفارس المرابطي في الأندلس يتقاضي خمسة دنانير في الشهر، غير نفقته الخاصة، وعلف فرسه، ومن ظهر منهم بشجاعته وتفوقه، يُعهد إليه بولاية موضع ينتفع بفوائده (١). ولم ينس المرابطون أهمية الأساطيل، ولاسيما منذ افتتحوا الأندلس، وغدت الأندلس ولاية مغربية، فكانت لهم في سبتة وقادس وألمرية أساطيل دائمة. وكانت قطائع النقل، تجتمع بنوع خاص في مياه سبتة وطنجة، والجزيرة الخضراء وطريف، لتنقل الجيوش المرابطية إلى شبه الجزيرة، ومن شبه الجزيرة إلى المغرب، وكانت الدولة المرابطية تمتلك في أواخر أيامها أسطولا ضخما من القطائع والسفن المقاتلة، حتى أن الأمير تاشفين بن علي، كان وهو يجوز معركة وهران الفاصلة ضد الموحدين، يعلق أمله في النجاة على الأسطول، وقد استدعاه فعلا إلى مياه بجاية. وقد اختصت أسرة بني ميمون عصراً بقيادة الأساطيل المرابطية، وانتقلت هذه الأساطيل على يدهم، إلى خدمة الدولة الموحدية حينما دالت دولة المرابطين. وأما فيما يتعلق بالنظم المالية فقد اتبعت الدولة المرابطية، في البداية، نظراً لنشأتها الدينية، حكم الشرع في شئون الجباية، فكان يوسف بن تاشفين يقتصر أولا على تحصيل ما تجيزه الشريعة من الفروض، مثل الزكاة والأعشار وأخماس الغنائم وجزية أهل الذمة. بيد أنه لما ضخمت الدولة المرابطية، وتضاعفت جيوشها ومسئولياتها، ولاسيما بعد افتتاح الأندلس، واتساع نطاق أعمال الجهاد، في شبه الجزيرة، لم تعد هذه الموارد الشرعية المتواضعة تكفي لمواجهة مسئولياتها العظيمة، واضطر يوسف بن تاشفين إلى فرض الإتاوات على أهل المغرب والأندلس، للمساهمة في أعمال الجهاد، ولجأ أيضاً إلى تحصيل الأموال من اليهود، ولاسيما يهود بلدة أليسانة (٢)، بمختلف الطرق والوسائل. وكان يوسف بن تاشفين يبغض اليهود، ويرى إرغامهم على اعتناق الإسلام، وشجعه على ذلك بالنسبة ليهود الأندلس، فقيه قرطبي زعم أنه وقع في أحد الكتب، على حديث منسوب إلى النبي، مفاده أن اليهود تعهدوا بأن يؤمنوا بالنبي العربي، وأن يعتنقوا الإسلام،

стр. 1579

إذا حلت الخمسمائة عام من الهجرة، ولم يظهر لهم النبي الرسول، الذي بشر به موسى في التوراة، وبأنه سوف يكون منهم، وان نبيهم يكون عندئذ هو نفسه نبي المسلمين، ويتحتم عليهم اعتناق الإسلام، وكان يهود الأندلس يجتمعون بالأخص في مدينة أليسّانة المتقدمة، وهي مدينة يهودية خالصة، بها ربض واحد يسكنه المسلمون، ولا يختلطون بأحد منهم، وأهلها أغنياء مياسير، ومن أغنى يهود العالم. وكان أمير المسلمين حين مر بتلك المدينة، يريد أن يرغم أهلها اليهود على اعتناق الإسلام وفقاً لما تقدم، ولكن فقيهاً آخر، أفتى بأنه يجوز تركهم على وجه الافتداء، فدفع اليهود مبالغ طائلة لأمير المسلمين ليحتفظوا بدينهم (١). ثم تمادت هذه السياسة في عهد ولده علي، ولجأ عليّ في نفس الوقت إلى فرض القبالات والإتاوات، على مختلف الصنائع والسلع، فكانت القبالات تفرض على الصابون والعطور والنحاس والمغازل، كما تفرض على كل شىء يباع جل أو صغر، كل شىء على قدر قيمته (٢)، كما لجأ على إلى استخدام النصارى والروم في تحصيل الجبايات (٣). ولما اضطربت أحوال الدولة المرابطية، على أثر قيام حركة المهدي، اشتد نفود النصارى في الجيش، وفي شئون الجبايات، لما كان يحبوهم به علي بن يوسف من ثقة وحماية، وأساءوا معاملة المسلمين، واشتطوا في تحصيل المغارم والفروض، وغلبت الفوضى على شئون الدولة المالية، كما غلبت على غيرها. - ٢ - وقد اختلفت الآراء حول طبيعة الدولة المرابطية، وطبيعة وسائلها في الحكم، واشتد بعض المؤرخين في الحكم عليها، ورميها بأقصى النعوت والصفات، وجنح البعض بالعكس إلى امتداحها، وامتداح عهدها وحكمها. وكانت تعليقات العلامة المستشرق دوزي، وحملته على المرابطين، والدولة المرابطية، من أشد ما صدر من الأحكام في هذا الموضوع. ومن الأسف أن هذه الحملة التي شهرها دوزي على المرابطين، وعلى عهدهم بالأندلس، قد تناقلها

стр. 1580

معظم الكتاب والنقدة المحدثين، واعتبروها حكماً مبرماً، لا يقبل جدلا ولا نقصاً. ومن ثم فإنه لابد لنا أن ننقل أولا ما تضمنته أقوال دوزي من وجوه الطعن والنقد، ثم نعود بعد ذلك إلى تحليلها ومناقشتها. يقول دوزي بادىء ذي بدء: " إن الشعب (الأندلسي) لم يكن له أن يهنىء نفسه بالانقلاب الذي وقع (يعني تحول الأندلس إلى سلطان المرابطين). ذلك أن الحكومة والقادة والجند، جميعاً قد فسدوا بسرعة مذهلة. إن قواد يوسف حينما قدموا إلى اسبانيا، كانوا حقاً أميين، ولكنهم كانوا أتقياء شجعاناً أمناء، وقد اعتادوا على حياة الصحراء البسيطة المتقشفة، فلما أغنتهم كنوز الأمراء الأندلسيين التي أغدقها عليهم يوسف، فقدوا فضائلهم بسرعة، ولم يعودوا يفكرون إلا في أن يتمتعوا في سلام بهذه الثروات التي غنموها. ولقد كانت حضارة الأندلس بالنسبة لهم مشهداً جديداً، ولما كانوا يخجلون من بربريتهم، فقد أرادوا أن يندمجوا فيها، واتخذوا لهم مثلا من الأمراء الذين خلعوهم. بيد أنهم كانوا لسوء الحظ من ذوي الجلد الخشن، ولم يكن بوسعهم أن يتمشوا مع النعومة، والكياسة، والرقة الأندلسية، وكان كل شىء لديهم يحمل طابع التقليد الخانع القاصر ". ثم يقول: " ولم يكن الجند (أعني المرابطين)، بالرغم من كونهم أكثر محافظة، أفضل من رؤسائهم، وقد كانوا يمتازون بالقحة نحو الأندلسيين، وبالجبن إزاء العدو. والواقع أن جبنهم كان فادحاً، حتى أن الأمير علي، اضطر أن يتغلب على بغضه للنصارى، وأن يحشد في جيشه أولئك الذين كان قائد أسطوله ابن ميمون يجىء بهم من شواطىء جليقية، وقطلونية وإيطاليا، وبلاد بيزنطية. وأما عن قحتهم، فإنه لم يكن لها حد. فقد كانوا يعاملون الأندلس كبلد مفتوح، ويأخذون منها كل ما راق لهم، من نقد ومال ونساء، وكانت الحكومة تتركهم يفعلون ذلك، ولا تستطيع ضدهم شيئاً. وكان ضعفها في ذلك يدعو إلى الرثاء. وقد اضطر الفقهاء إلى ترك السلطان للنساء، أو على الأقل إلى أن يشاطروهن هذا السلطان. وكان الأمير على يترك لزوجته قمر كل شىء، وثمة نسوة أخريات كن يحكمن وفقاً لأهوائهن كبار الأعيان، وما دام في وسعهم أن يحققوا جشعهن، ففي وسعهم أن يفعلوا ما شاءوا. بل لقد كان في وسع قطاع
следующие страницы →