← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

ويقول لنا في حوادث سنة ٥٦٣ هـ، " في أول هذه السنة خنع الله القلوب بخلوص الضمائر المؤذنة بالسعود والبشاير، من الآراء الموفقة، والنفوس المصفقة بتجديد البيعة، والتسريح بالإسمية المستحق لسيدنا، فكمل ذلك بإجماع الموحدين، أعزهم الله ". ثم يقول لنا، إن هذا الأمر العزيز، قد نفذ بكتاب كريم، أرسل إلى أخي الخليفة السيد أبي إبراهيم إسماعيل والي إشبيلية، منبئاً له " بما اتفق من اجتماع الرأي السعيد، والفعل السديد، الذي اجتمعت عليه آراء الموحدين .. من تجديد البيعة الرضوانية والإسمية الإمامية للإمام أبي يعقوب ". وفي هذا الكتاب يأمر الخليفة بأن يأخذ الناس بما جاء فيه، وجميع الموحدين بإشبيلية، وسائر بلاد الأندلس التي تحت نظر الموحدين، مثل قرطبة وغرناطة ومالقة وغرب الأندلس، وذلك بعقد البيعة على أوفى شروطها. فوجه السيد أبو إبراهيم نسخة الكتاب إلى زميله الحافظ أبي عبد الله والي غرناطة، فاحتفل بقراءته من فوق المنابر، وهرع الناس إلى إعطاء بيعتهم، وسجلوها في كتاب أرسل إلى الخليفة. وكتب أهل إشبيلية كذلك بيعتهم، ووقعوها بخطوطهم، ووجهها السيد أبو إبراهيم إلى الخليفة. وقد نقل إلينا ابن صاحب الصلاة نص الوثيقتين المذكورتين، وقد أرخت كلتاهما في النصف من جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وخمسمائة (١)، وأرسلت في نفس الوقت بيعات سائر القواعد الأخرى، سواء بالمغرب أو الأندلس، إلى حضرة مراكش. ولما كملت البيعة الجديدة على هذا النحو تسمى الخليفة أبو يعقوب بأمير المؤمنين، وساد اليمن والبشر، وأصدر الخليفة عفوه عن المسجونين، وأمر برفع البقايا عن العمال الخائفين، وتأمينهم من المخاوف، فيما تقيد عليهم في الدواوين، وأغدق الصلات والأعطية، وأمر بأن يجرى " الإنعام والبركات " في سائر بلاد المغرب والأندلس، فكثرت النعم، وعم الرخاء ونمت الجبايات والخراج، وانتعشت حركة العمران في العاصمة الموحدية، وشرع الناس في إنشاء الدور الفخمة، والرياض اليانعة، وكثرت بهذه المناسبة مدائح الشعراء وتهانيهم. فمن ذلك قصيدة نظمها أبو عمر بن حربون شاعر الدولة الموحدية هذا مطلعها: جاءتك تسحب ذيلها للموعد ... زهراء طالعة بسعد الأسعد

стр. 1752

فاصدع أمير المؤمنين بدعوة ... لم تترك صمماً لسمع الجامد يهنى الخلافة أن لبست رداءها ... وقعدت منها اليوم أشرف مقعد (١). وفي أواخر هذا العام - سنة ٥٦٣ هـ (١١٦٨ م) - ندب أبو يعقوب أخاه السيد أبا إسحاق إبراهيم والياً لقرطبة، وكانت بلا والٍ مذ غادرها واليها السابق السيد أبو سعيد عائداً إلى مراكش نزولاً على رغبة أخيه الخليفة، وذلك في شهر ذي القعدة سنة ٥٦١ هـ. وعبر السيد أبو إسحاق إلى الأندلس في عسكر ضخم من الموحدين وسار إلى قرطبة ليتقلد ولايتها. وكان عبوره فاتحة الحركة التي كانت تجتمع أسبابها منذ حين، لعبور الموحدين إلى شبه الجزيرة، للاضطلاع بمحاربة النصارى، وافتتاح عهد جديد من الجهاد، تُؤَمََنُ فيه الأندلس، ويقمع عدوان المعتدين عليها. - ٤ - والواقع أن الموحدين كانت قد انعقدت نيتهم على الاضطلاع بهذه الخطوة، التي برهنت حوادث الأندلس على ضرورتها، وذلك سواء في الشرق أو الغرب. وقد أبلغ الخليفة أمر هذه النية، وما اتفق عليه رأى الموحدين بشأنها، إلى الشيخ الحافظ أبي عبد الله والي غرناطة، في رسالة خاصة وجهها إليه، مؤرخة في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة ٥٦٣، وفيها يشير إلى ما تقرر من إرسال السيد أبي إسحاق في عسكر من الموحدين والعرب إلى قرطبة، وأنه سوف يتعاون بعسكره مع إخوانه الذين بإشبيلية، ويضطلع الجميع بالجهاد وحماية البلاد، وأن يستمر النظر للحافظ أبي عبد الله في شئون الآلات والأسلحة التي تحتاج إليها القوات الموحدية (٢). وحدث في نفس الوقت الذي وصلت فيه هذه الرسالة إلى غرناطة، أن أغارت قوة من النصارى المرتزقة من جند ابن مردنيش على وادي شَنيل غربي غرناطة، واندفعت جنوباً حتى وصلت إلى أحواز رُندة، وعاثت في تلك المنطقة، وانتهبت أموالها وماشيتها، فبادر السيد أبو عبد الله بتجهيز عسكر قوي

стр. 1753

لردها وردعها، فالتقت بهم حين عودتهم على مقربة من وادي آش، فحاول النصارى الامتناع بجبل قريب، ولكن الموحدين دهموهم في أعلى الجبل، وقاتلوهم بشدة، حتى مزقت صفوفهم، وتساقطوا من حافات الجبل، وقد فنى معظمهم قتلا وأسراً، واستاق الموحدون الغنائم والأسلاب، ومعها ثلاثة وخمسين أسيراً من النصارى ضربت أعناقهم عند وصولهم إلى غرناطة (مارس سنة ١١٦٨ م)، وبعث السيد أبو عبد الله، بنبأ ذلك النصر إلى الخليفة، فرد عليه برسالة يزجى فيها الشكر، ويحمد الله على توفيقه (١). وفي أواخر هذا العام استولى الموحدون على ثغر طبيرة، الواقع في جنوبي البرتغال غرب مصب نهر وادي يانه، وكانت طبيرة من القواعد التي ثارت بالغرب أيام أن اضطربت شئونه، وذلك في سنة ٥٤٨ هـ، وكان الخليفة أبو يوسف، أيام أن كان والياً لإشبيلية، في أواخر عهد أبيه الخليفة عبد المؤمن، قد نازل طبيرة مرتين، ولم يظفر بفتحها، وكان صاحب طبيرة، عندئذ الثائر بها عبد الله ابن عبد الله، قد تفاقم شره وعدوانه، وكثر عيثه في تلك المنطقة، يعتدى على السكان الآمنين والسابلة، والتجار، بعصبته من أهل الشر وقطاع الطريق، سواء في البر أو البحر، فعندئذ عول الموحدون على أخذ طبيرة، وحسم دائها. فساروا إليها في حملة قوية، واحتلوا حصن قسطلة القريب منها، وحاصروها براً وبحراً، حتى أذعنت إلى التسليم، وذلك في شهر ذي القعدة سنة ٥٦٣ هـ (سبتمبر سنة ١١٦٨ م) (٢). وفي أواخر هذا العام أيضاً وقع حادث ذو مغزى خاص، هو قدوم الزعيم القشتالي فرناندو ردريجيس صهر فرناندو الثاني ملك ليون وزوج أخته إبنة القيصر ألفونسو ريمونديس، مع أخويه إلى إشبيلية، والإعراب عن رغبته لأشياخ الموحدين بها، في أن يكون صديقاً وحليفاً لأمير المؤمنين، ومنابذاً لشيعة النصارى، فبعث الموحدون برغبته إلى الخليفة، فأذن له بالقدوم إلى مراكش، فقدم إليها، واستقبله الخليفة أبو يعقوب بترحاب بالغ، وأنزله ومن معه خير منزل، وأقام بالعاصمة الموحدية خمسة أشهر، معززاً مكرماً، " حتى كاد أن

стр. 1754

يُسلم "، وقد عاهد الخليفة أن يكون حليفه وحليف المسلمين المخلص، لا يشهر عليه عدواناً قط. ثم عاد إلى بلاده وقد أمر الخليفة بأن يشمله الموحدون بأتم الرعاية. ويقدم لنا ابن صاحب الصلاة هذا الزعيم القشتالي باسم " فرناندو راس النصرانى " ويلقبه بصاحب ترجاله، ويصفه " بالشهير النسب والشهامة عند النصارى " (١). وتلا ذلك عقد الصلح والتحالف بين فرناندو الثاني ملك ليون وبين الموحدين. وكانت الخصومة تضطرم بين فرناندو وملك البرتغال ألفونسو هنريكيز، بالرغم مما كان بينهما من أواصر المصاهرة، إذ كان فرناندو متزوجاً بالأميرة أورّاكا ابنة ملك البرتغال، وذلك لأسباب كثيرة، أهمها أن فرناندو لم يستطع أن يزاول حق السيادة على البرتغال الذي ورثه عن أبيه القيصر ألفونسو ريمونديس. وكان فرناندو مذ فرغ من مشاغله وحروبه في قشتالة، يتجه بأطماعه نحو مملكة البرتغال، وينظر بعين الحسد والتوجس إلى ما كان يحرزه ألفونسو هنريكيز من انتصارات متوالية على المسلمين، ويخشى بنوع خاص أن تمتد فتوح ملك البرتغال إلى بعض القواعد والأراضي الإسلامية التي يرى فرناندو أنها من خاصة قشتالة وليون. وكان فرناندو قد عمد إلى تحصين مدينة ردريجو، (ثيوداد ردريجو) (٢) الواقعة على حدود البرتغال، واتخذها قاعدة للإغارة على أراضي البرتغال القريبة، وأنشأ في نفس الوقت عدة قلاع وحصون منيعة على حدود البرتغال. كل ذلك استعداداً لأن يخوض مع ملك البرتغال صراعاً حاسماً. ثم رأى أخيراً أن يقوى جانبه بعقد التحالف مع الموحدين. وتسمى الرواية الإسلامية فرناندو، " بالبيبوج "، و " بصاحب السبطاط " وتسميه أحياناً صاحب " السبطاط وآبلة وليون وسمورة ". فأما " البيبوج " أو" الببوج " فهو تحريف للكلمة القشتالية El-Baboso، ومعناها الكثير اللعاب، وكذلك الأبله. وهذا ما لم يفت الرواية الإسلامية أن تشير إليه (٣). وأما " صاحب السبطاط " فمعناه " صاحب ثيوداد ردريجو " وقد كانت وقتئذ

стр. 1755

مقره وقاعدة تحركاته. وكانت أول ثمرات محالفة فرناندو للموحدين هو أنهم أمدوه بعسكر لمعاونته على قتال الكونت نونيو دى لارا حاكم طليطلة، والمسيطر على ابن أخيه الملك الصبي ألفونسو النبيل ملك قشتالة. وكانت هذه الحملة الموحدية التي حشدت في إشبيلية بقيادة أبي العلاء بن عزون والحافظ أبو علي عمر بن تمصلت، والحافظ موسى بن حمّو. ودخل الموحدون مع قوات فرناندو أراضي قشتالة، وحاربوا معه ضد خصومه، ثم ساروا معه حتى حدود الأسترياس (أشتريش)، وأقاموا في هذه الغزوة خمسة أشهر، ثم عادوا سالمين، وقد اغتبط ملك ليون بمؤازرتهم ونجدتهم، وقطع على نفسه العهد الوثيق، بأن يبادر إلى القتال مع أمير المؤمنين ضد النصارى، الذين يعتدون على أراضيه، وألا يتوانى في ذلك قط، وأقسم على ذلك في بيعة بلده. وقد أوفى بهذا العهد كما سنرى في حوادث بطليوس أتم وفاء (١).

стр. 1756

الفصل الثاني حوادث الأندلس وسقوط مملكة الشرق اهتمام الموحدين بحوادث الأندلس. عزمهم على استئناف الغزو. رسالة الخليفة أبي يعقوب في ذلك. خطة ألفونسو هنريكيز ملك البرتغال وجيرالدو سمبافور لافتتاح بطليوس. سقوط المدينة وامتناع الموحدين بالقصبة. تدخل فرناندو ملك ليون لإنجاد الموحدين. بواعث خصومته لملك البرتغال. القتال داخل المدينة بين الفريقين. هزيمة ملك البرتغال وأسره، ثم إطلاقه. فرناندو يسلم المدينة للموحدين. تدعيم الدفاع عن قرطبة. الشقاق بين ابن مردنيش وابن همشك. توحيد ابن همشك وانضمامه للموحدين. بعث ابن مردنيش قواته لقتاله. تعيين الحافظ أبي يحيى بن الشيخ أبي حفص والياً لبطليوس. مهاجمة جيرالدو سمبافور لبطليوس. القتال بينه وبين الموحدين. هزيمة الموحدين وأسر أكابرهم. استدعاء ولاة قرطبة وإشبيلية وغرناطة إلى الحضرة ثم عودهم. غزو القشتاليين للأندلس. تقاعد الموحدين عن ردهم. بعض الأحداث الطبيعية. غارات جيرالدو على بطليوس. سعى الموحدين لإمدادها. معركة بين الموحدين وجيرالدو. هزيمة الموحدين ومقتل الحافظ أبي يحيى. مرض الخليفة وتأخر حركة الغزو. ترجيح البدء بمحاربة ابن مردنيش والقضاء على حركته. عبور السيد أبي حفص في القوات الموحدية. مسير السيد أبي سعيد في قواته لإنجاد بطليوس. مسير ملك ليون إليها لافتتاحها. لقاء السيد والملك النصراني. تفاهمهما على استبقاء التحالف والصلح. افتتاح السيد أبي سعيد لحصن جلمانية. ابن مردنيش وانحلال قواه. عوامل هذا الانحلال. مصادقة ابن مردنيش للنصارى. خروج قادته ووزرائه عليه. مسير الموحدين بقيادة السيد أبي حفص لقتال ابن مردنيش. استيلاؤهم على قيجاطة. زحفهم على مرسية. دخول لورقة في طاعتهم، ثم سقوطها في أيديهم. دخول ألش والجزيرة ثم بسطة في طاعتهم. مدافعة ابن مردنيش للموحدين. موقف أخيه يوسف والي بلنسية. محاولة النصارى غزو بلنسية. قيام محمد بن مردنيش ومحمد بن هلال بألمرية ودعوتهما للموحدين. اضطراب ابن مردنيش وتخاذله. وفاته وما قيل حولها. انهيار دولته. ثورة ابن مردنيش وصفتها الأندلسية القومية. شخصية ابن مردنيش ومعايبها. مقدرته وشجاعته. إعلان ولده هلال وقادته الطاعة للموحدين. رواية عن وصية ابن مردنيش بالتسليم. دخول السيد أبي حفص والموحدين مرسية. مسير هلال وأكابر الشرق إلى إشبيلية. مبايعتهم للخليفة أبي يعقوب. زواج الخليفة من ابنة ابن مردنيش. ابن همشك ونهايته. لم يكن الخليفة أبو يعقوب وأعوانه من أشياخ الموحدين، بغافلين عن خطورة الحوادث التي وقعت في غربي الأندلس، وما اقترن بها من سقوط قواعد إسلامية جديدة في أيدي النصارى. وكان قد مضى على سقوط أشبونة وشنترين يد الملك

стр. 1757

ألفونسو هنريكيز نحو عشرين عاماً، وقد غلب النسيان نوعاً على فقد هاتين القاعدتين الهامتين من قواعد الغرب لموقعهما النائي، ولكن تقدم البرتغاليين نحو بطليوس وماردة، بسقوط ترجالُه وقاصرش ويابرة وجلمانية، وتهديدهم لسائر الأراضي الواقعة على ضفتى نهر وادي يانه، زاد من خطورة الموقف، ونبه الموحدين إلى وجوب البدار إلى إنجاد الأندلس، والعمل على حمايتها. وقد حالت الأحداث والفتن التي وقعت بالمغرب، والتي فصلناها فيما تقدم، دون تنفيذ هذا العزم حيناً. فلما حلت سنة ٥٦٤ هـ، هدأت تلك الفتن، واستتبت السكينة والسلام بالمغرب، لاح للخليفة ومعاونيه، أن الفرصة قد أزفت للعمل بالأندلس، فجهز أبو يعقوب جيشاً من الموحدين وغيرهم تحت إمرة الشيخ أبي حفص عمر بن يحيى كبير أشياخ الموحدين، وعبر هذا الجيش البحر إلى إشبيلية، ليكون مقدمة لحركة الجهاد العامة، التي اعتزم الموحدون القيام بها في الأندلس. ويبدو مما يقوله لنا ابن صاحب الصلاة، نقلاً عن أبي محمد سيدراي بن وزير، أن التعجيل بإرسال هذا الجيش، كان بسبب وصول الخبر بمهاجمة البرتغاليين لبطليوس، ومحاصرتهم للموحدين الممتنعين بقصبتها، وقد وقع الهجوم على بطليوس في شهر رجب سنة ٥٦٤ هـ (أبريل سنة ١١٦٩ م). على أنه يبدو من نص الرسالة التي وجهها الخليفة بهذه المناسبة إلى الموحدين بالأندلس والتي أرخت في اليوم الحادي والعشرين من ربيع الآخر سنة ٥٦٤ هـ. أن هذا الجيش الموحدي، قد جهز وأرسل إلى الأندلس، قبل حوادث بطليوس بنحو شهرين أو ثلاثة، ليكون طليعة لحركة الجهاد الكبرى، وليطمئن أهل الأندلس بوصوله وأنه فوجىء بحوادث بطليوس أثناء وجوده بإشبيلية. وهذه الرسالة التي وجهها الخليفة أبو يعقوب " إلى الطلبة والموحدين الذين بجزيرة الأندلس " هي من إنشاء كاتبه أبي الحسن بن عياش، وهي تردد وتؤكد نفس الوعود التي قطعها الخلافة الموحدية على نفسها غير مرة، منذ أواخر عهد عبد المؤمن بالعمل على حماية الأندلس وغوثها ونصرتها (١)، وقد ورد فيما يلي بخصوص هذا الشأن: " وما زلنا وفقكم الله على أتم العناية بتلكم الجزيرة، مهدها الله، والحرص

стр. 1758

على غوثها، والانتواء لنصرتها، والعمل على قصد ذلك بالمباشرة، والمشاهدة، إشفاقاً على ما استضام منها جيرتها الأعداء، وأبناؤها الأغفاء، مجسمين وروما، وما كادوها به من التكلف والتحيف والتنقص، وفغر الأفواه، وكسر الثيوب والأرصاد، لغيض ما فاض فيها من نور التوحيد، وخفض ما نصب من أعلام هذا الأمر، والمناصبة للمنحاشين إليه، المتعلقين بأسبابه، المستذمين بذمته، ممن صح ولاؤه، وصدقت طاعته، وخلص على السبك، ونصح على السبر، ونجعل لها من الفكر حظاً يستحق الصدق على ما سواه من الأفكار، ويأخذ السبق على غيره من معنيات الأمور ". ثم تقول الرسالة إيضاحاً لحركة الشيخ أبي حفص، وتأكيداً لنيات الخليفة في الاضطلاع بأعباء الجهاد: " ورأينا في أثناء ما نحاوله من مروم هذه الغزوة الميممة المباشرة، أن نقدم بين أيدينا عسكراً مباركاً من الموحدين أعانهم الله، صحبة الشيخ الأجل أبي حفص أعزه الله، ليكون تقدمة لجواز جمهور الموحدين، ومؤذناً بما عزمنا عليه. والله المستعان من التحرك لجملة أهل التوحيد، والقصد لهذا الغزو الميمون، الذي جعلناه نصب العين وتجاه الخاطر، فتتعاونون مع إخوانكم الواصلين على بركة الله إليكم، على جهاد أعدايكم، إلى أن يوافيكم إن شاء الله هذا العزم، ويلم بكم هذا القصد، ويعتمدكم هذه الحركة المحكمة أسبابها، المبرمة أمراسها، التي انعقدت بها النية، واحتدمت لها في ذات الله الحمية، واستعانت بتوفيق الله في تأصيل أصولها الفكرة الموجهة والمروية، وإنا لنرجو من المبلغ لآمال القلوب، المتفضل بإدراك كل مطلوب، أن يهب فيها من العون ما يتمم مبدأها، ويكمل منشأها، وتشفى به صدور أوليائه بالنعمة في أعدايه، وإن فضله تعالى ليسمح ببلوغ هذه الأمنية، والإطلال منها على كل شرف وقنية، فما ذلك على الله بعزيز " (١). وفي خلال ذلك كان ألفونسو هنريكيز ملك البرتغال، قد وضع خطته للاستيلاء على مدينة بطليوس بالتعاون مع جيرالدوا " سمبافور" أو" جيرانده الجليقي " حسبما تسميه الرواية الإسلامية. وكان ملك البرتغال قد قام في سنة ١١٦١ م

стр. 1759

(٥٥٦ هـ) بمحاولة أولى لمهاجمة بطليوس، انتقاماً لما قام به الموحدون قبل ذلك بأعوام قلائل من غزو أراضيه. ولكنه رد على الأثر. وليس من الواضح ما إذا كانت بطليوس عندئذ ما تزال تحت حكم صاحبها ابن الحجام، أحد ثوار الغرب الموالين للموحدين، أم أنها كانت قد خلصت للموحدين، وهم الذين قاموا بالدفاع عنها. وكان جيرالدو سمبافور قد استولى، حسبما ذكرنا فيما تقدم، على حصن جلمانية الواقع على مقربة من غربي بطليوس، وحصن منتانجش على مقربة من شمالها الشرقي. ففي شهر رجب سنة ٥٦٤ هـ (أبريل سنة ١١٦٩ م)، زحف جييرالدو سمبافور في جموعه على مدينة بطليوس، وهاجمها، ورأى واليها أبو على عمر بن تيمصلت أنه لا يستطيع بحاميته الضعيفة أن يدفع المهاجمين، فامتنع بالقصبة، وبعث بصريخه إلى الموحدين بإشبيلية. وما كاد جيرالدو يستولي على المدينة حتى أقبل ملك البرتغال ألفونسو هنريكيز في قواته، ودخل بطليوس، وحاصر الموحدين في القصبة، وحدد لهم مهلة للتسليم. وكانت قصبة بطليوس من أعظم القصبات الأندلسية وأمنعها (١)، ومن ثم فإن ابن تيمصلت كان على يقين من أنه سوف يستطيع الصمود مع حاميته حتى تصل الأمداد الموحدية من إشبيلية. بيد أن النجدة جاءت لأهل بطليوس، وللموحدين المحصورين بقصبتها من طريق آخر لم يكن في الحسبان. جاءت على يد ملك ليون فرناندو الثاني. ويجب لكي نفهم هذا الموقف الذي ترتب عليه اشتباك الملكين النصرانيين ألفونسو هنريكيز ملك البرتغال، وفرناندو الثاني ملك ليون، داخل مدينة بطليوس، وتحت أسوار قصبتها، أن نرتد قليلا إلى الوراء، لنلقي بعض الضوء على علائق هذين الملكين المتنافسين، في هذه الفترة الدقيقة من حياة الحاضرة الأندلسية التالدة - بطليوس. وقد سبق أن شرحنا بإيجاز سبب الخصومة الرئيسي بينهما، وهو ما يتمسك به فرناندو الثاني من دعوى السيادة على البرتغال التي ورثها عن أبيه القيصر ألفونسو ريمونديس، ورفض ملك البرتغال أن يعترف بظل من هذه السيادة، وما اقترن بذلك من إنشاء فرناندو الثاني لمدينة ردريجو الحصينة على مقربة من حدود البرتغال، لكي يتخذها قاعدة للإغارة على أراضي

стр. 1760

البرتغال. كل ذلك بالرغم مما كان يربط هذين الملكين من وشائج المصاهرة الوثيقة، إذ كان ملك ليون متزوجاً من ابنة خصيمه ملك البرتغال. وكان ألفونسو هنريكيز قد بعث ولده سانشو في جيش ليهاجم مدينة ردريجو ويخربها، فبادر إليها فرناندو في قواته، ورد البرتغاليين عنها، وهزمهم هزيمة شنيعة، وأسر عدداً وافراً منهم، بيد أنه أطلق في الحال سراحهم سعياً إلى استرضاء ملك البرتغال، وتهدئة خصومته. ولكن الأمر كان بالعكس، فقد عول ألفونسو هنريكيز على الانتقام لتلك الهزيمة، وخرج في أواخر سنة ١١٦٧ م من شمال البرتغال في جيش قوي، وهاجم جليقية من أراضي مملكة ليون واستولى على مدينة توي، ثم على مدينتي لميا وترونيو وما حولها من الأراضي، ووضع فيها حاميات برتغالية قوية، وذلك بحجة أن هذه المدن والأراضي كانت من أملاك أمه الملكة تيريسا، تلقتها عن أبيها ألفونسو السادس مهراً لزواجها. وفي العام التالي، سنة ١١٦٨ م، وضع ألفونسو هنريكيز خطته لمحاربة المسلمين، والبدء بغزو مدينة بطليوس، أهم وأقرب القواعد الإسلامية إليه. ونفذ خطته بالفعل بالتعاون مع جيرالدو سمبافور في أبريل سنة ١١٦٩ م. وكان فرناندو ملك ليون، يرقب مشاريع ملك البرتغال وحركاته بمنتهى العناية، ويحرص بالأخص على ألا تمتد فتوحه إلى تلك المنطقة التي كان ملوك قشتالة وليون يعتبرونها منطقة لنشاطهم وفتوحهم. وكان سانشو الثالث ملك قشتالة، قد عقد مع أخيه فرناندو على أثر موت أبيهما القيصر ألفونسو ريمونديس، معاهدة لتقسيم أراضي اسبانيا المسلمة، إلى منطقتي نفوذ، يختص كل منهما بواحدة منهما، فيختص ملك ليون بالغزو والفتح في المنطقة التي تمتد من لبلة حتى أشبونة ومنتانجش وماردة وبطليوس ويابرة وشلب وكذلك نصف مدينة إشبيلية، وسائر الحصون الواقعة في تلك المنطقة، ويختص ملك قشتالة بالغزو والفتح في سائر ما تبقى من أراضي إسبانيا المسلمة، ولاسيما المنطقة الواقعة فيما بين الوادي الكبير وغرناطة، ومن ثم فإنه لما سار ألفونسو هنريكيز إلى غزو بطليوس، اعتبر فرناندو هذه الحركة اعتداء على حقوقه ومنطقة نفوذه، وما كاد ملك البرتغال يدخل بطليوس، حتى كان فرناندو قد سار بقواته في أثره، يحاول رده عن القاعدة الإسلامية. فلما اقترب من بطليوس بعث رسوله خفية إلى واليها ابن تيمصلت المحصور بالقصبة، وإلى أهل المدينة من الأندلسيين، ينبئهم بمقدم

стр. 1761

ملك ليون لإنجادهم، ويطلب إلى ابن تيمصلت أن يدله على الطريق الذي يمكن أن يسلكه لدخول المدينة. فبعث ابن تيمصلت بعض رجاله إلى مكان خفي من بعض أسوار القصبة، لم يفطن إليه البرتغاليون، فلما تحققوا من وصول القوات الليونية، نقبوا السور فخرج منه الموحدون إلى أقرب أبواب المدينة وفتحوه، وأدخلوا منه جند ليون، واجتمع الموحدون وجند ليون على قتال القوات البرتغالية داخل المدينة، وحمى القتال بين الفريقين، وأبدى الموحدون وحلفاؤهم الليونيون منتهى الإقدام والبسالة، في مقاتلة البرتغاليين، حتى مزقت صفوفهم. واضطر ملكهم ألفونسو هنريكيز إلى الفرار، ولكنه عندما أراد أن يقتحم باب المدينة وهو في منتهى السرعة والذعر، اصطدمت ساقه اليمنى بعمود الباب بشدة أو علقت برتاج الباب على قول آخر، فسقط من فرسه، وقد كسرت ساقه، وأغمى عليه، فحمله أصحابه وهو فاقد الوعي، إلى بليدة، " قاية " الواقعة على مقربة من شمال المدينة فطاردتهم قوات فرناندو، وأسرت الملك الجريح، وعدة من أكابر أصحابه. وعامل فرناندو خصمه الملك بمنتهى الكرم والشهامة، فعهد إلى أطبائه بمعالجته، ثم أطلق سراحه، بعد أن تعهد له برد سائر الأماكن التي انتزعها من جليقية والتنازل عن كل دعوى بشأنها. وعاد ألفونسو هنريكيز إلى قلمرية، وقد فتت الهزيمة في عضده، وشلت ساقه، حتى أنه لم يستطع بعد ذلك اليوم أن يركب فرساً (١). أما جيرالدو سمبافور فقد فر على أثر الموقعة، حسبما يذكر لنا ابن صاحب الصلاة. وفي رواية أخرى أنه أسر مع مليكه، ثم أطلق فرناندو سراحه بعد أن تعهد بالتنازل عن الأماكن والحصون التي استولى عليها شمالي بطليوس مثل ترجالُه، وقاصرش ومنتانجش، وقد استولى الموحدون على قاصرش وحصن شربة فيما بعد. ووقعت هزيمة البرتغاليين وإخراجهم من بطليوس في اليوم الثاني والعشرين من شعبان سنة ٥٦٤ هـ (٢١ مايو سنة ١١٦٩ م). وفي الحال سلم فرناندو المدينة إلى واليها ابن تيمصلت، وأوفى فرناندو في هذه المناسبة بعهوده للخليفة الموحدي أتم وفاء، وأبدى للموحدين إخلاصه وعرفانه لسابق عونهم وإنجادهم. واستولى

стр. 1762

الموحدون على سائر ما تركه البرتغاليون وراءهم من العتاد والمتاع والمؤن، وكانت مقادير وفيرة. وعاد فرناندو في قواته ظافراً إلى ليون. ووصلت أنباء النصر إلى إشبيلية، على عجل، وتلقاها الشيخ أبو حفص عمر، بينما هو يستعد للسير في قواته إلى بطليوس لإنجادها. فكتب في الحال إلى الخليفة أبي يعقوب، رسالة بالفتح، فسر الخليفة بذلك أيما سرور، ورفع الشعراء مدائحهم وتهانيهم. ومنها قصيدة لشاعر الدولة الموحدية أبي عمر بن حربون هذا مطلعها: بسعدك أضحى الدين جذلان باسما ... وباسمك أمسى الشرك للشرك هادما إلا أنها فيما وعدت لآية يدين بها ... من كان بالله عالما (١). - ١ - لما انتهت معركة بطليوس بهزيمة البرتغاليين، وتوكيد سيادة الموحدين على المدينة، غادر الشيخ أبو حفص عمر إشبيلية في قواته وسار إلى قرطبة، لمعاونة واليها السيد أبي إسحاق إبراهيم، على تقوية جبهتها الدفاعية. وكان يخشى دائماً أن تهددها قوات ابن مردنيش من ناحية الشرق، عن طريق جيّان قاعدة حليفه وصهره إبراهيم بن هَمُشك، وتهددها القوات القشتالية من الشمال. بيد أن الخطر من ناحية الشرق تضاءل منذ موقعة فحص الجلاب، التي هزم فيها ابن مردنيش وحطمت قواته. ومن جهة أخرى فقد وقع الشقاق بين ابن مردنيش وصهره ابن همشك، وذلك بسبب طلاق ابن مردنيش لزوجته صُبيحة ابنة إبراهيم، بعد أن بالغ في إهانتها وإيلامها، فغادرته إلى كنف أبيها، وأسلمت إليه ابنها منه، ومما يروى أنها سُئلت عن ولدها، وكيف تصبر عنه، فأجابت " جرو كلب، جرو سوء، من كلب سوء لا حاجة لي به " فأرسلت كلمتها في نساء الأندلس مثلا (٢). وكانت الوحشة قد سادت قبل ذلك بين ابن مردنيش وصهره، وخشى ابن همشك على نفسه من غدر صهره، وراعه ما شهده بنفسه من إقدام ابن مردنيش على قتل وزيريه ابنى الجذع وبنائهما في الحائط، وغير ذلك من الأعمال المروعة، فاشتدت بينهما الوحشة، وانقلبا إلى خصمين لدودين، والظاهر من أقوال ابن الخطيب أنه قد وقعت بين ابن مردنيش وابن همشك على

стр. 1763

أثر ذلك، معارك ومناوشات هلك فيها جماعة من أنصار الفريقين. وكان ابن همشك يسيطر على قطاع جيّان وبياسة وأبدة، نائباً عن صهره ابن مردنيش. فلما اضطرم العداء بينهما، أخذ ابن مردنيش يرهقه بغاراته، ويؤلب عليه قواده وجنوده، وابن همشك يقاوم ما استطاع. على أن ابن هَمُشك لم يلبث أن جنح إلى قرار حاسم، فكتب إلى الشيخ أبي حفص بقرطبة رسالة يعلن فيها توبته واعتناقه لمذهب التوحيد، ويعرض تمكين الموحدين من بلاده، وهو ما يصفه ابن صاحب الصلاة " بتوحيد ابن همشك " وفي هذا التعبير ذاته ما يدلي بأن " التوحيد " لم يكن يقتصر على الناحية الدينية، ولكنه كان يعني بالأخص الخضوع السياسي لسلطان الدولة الموحدية. ثم شفع ابن همشك رسالته بالسفر إلى قرطبة، وذلك في رمضان سنة ٥٦٤ هـ (يونيه ١١٦٩ م)، فاستُقبل من واليها السيد أبي إسحق ومن الشيخ أبي حفص، وأكابر الموحدين بترحاب ومودة. وأعلن ابن همشك أنه " قد عاهد الله تعالى بالتزام الأمر العزيز المطاع، والدخول في حكم التوحيد ". ثم كتب إلى الخليفة أبي يعقوب يسجل توبته ودخوله في الطاعة، ويلتمس العفو، وحسن المثاب. فرد الخليفة بحسن القبول، وأمر بتقريبه، وإكرامه، واتصلت القواعد والأراضي التي كانت بيد ابن همشك بأراضي الموحدين في أواسط الأندلس. وكان انضمام ابن همشك إلى الموحدين على هذا النحو، ضربة أصابت ابن مردنيش في الصميم، إذ كان ابن همشك ساعده الأيمن، وكان أقدر قواده وأشدهم وطأة على أعدائه، ومن ثم فقد عول ابن مردنيش على الانتقام من صهره ونائبه السابق، ومعاقبته على خيانته، فدفع سائر قواته المجاورة لأراضيه إلى قتاله، وهاجمت هذه القوات جيان واستمرت في مقاتلة ابن همشك وإرهاقه مدى عام، وهو يستصرخ الموحدين لإنجاده. ولكن الموحدين لم يروا أن يتدخلوا في تلك المعركة، إذ كانت لديهم خطة أخرى لمقاتلة ابن مردنيش في عقر بلاده (١). وفي أثناء ذلك ورد أمر الخليفة بتعيين الحافظ أبي يحيى بن الشيخ أبي حفص عمر والياً لمدينة بطليوس مكان ابن تيمصلت. وكان أبو يحيى من أنجب الحفاظ وأوفرهم فروسة وعلماً. وكان عندئذ مع أبيه بقرطبة. فسار إلى بطليوس في جملة

стр. 1764

كبيرة من الموحدين والجند الأندلسيين، وتقلد ولايتها وأخذ في تأمينها وتحصين أطرافها. وقام بحفر بئر كبيرة داخل القصبة تنفيذاً لأمر الخليفة، يسرى إليها ماء نهر وادي يانه، وذلك تحوطاً واستعداداً لما قد يقع من حصار أو غيره من الطوارىء، وعرفت هذه البئر باسم " القيوراجة ". وكانت من خير ما عمل لتأمين القصبة الشهيرة وتحصينها. وكان المغامر البرتغالي جيرالدو سمبافور ما يزال مرابطاً بقواته في حصن جلِّمانية القريب من بطليوس، فانتهز فرصة انشغال الوالي الجديد بأعمال الحفر والتحصينات، وأخذ يرهق المدينة بغاراته المتوالية، والحافظ أبو يحيى يبذل جهده في مدافعته ورده بقواته. وأخيراً نظم جيرالدو حملة قوية، اشتركت فيها قوة كبيرة من نصارى شنترين، ورتب من جنده كمائن في مواضع مستورة ثم هاجم أحواز بطليوس القريبة، فخرج إلى لقائه الحافظ أبو يحيى في قواته، وما كاد الموحدون يحملون عليه، حتى تظاهر بالهزيمة والفرار، فتبعه الموحدون حتى وصل إلى مقر الكمائن، وعندئذ أطبق النصارى على الموحدين، وقاتلوهم بشدة، فانهزم الموحدون وأسر النصارى منهم جملة بينهم عدة من الأكابر، افتدى معظمهم فيما بعد، وكان ذلك في أواخر سنة ٥٦٤ هـ (أواخر ١١٦٨ م) (١). وفي هذه السنة أيضاً - سنة ٥٦٤ هـ - استدعى الخليفة أخويه السيد أبا إبراهيم إسماعيل والي إشبيلية، والسيد أبا إسحق إبراهيم والي قرطبة، والشيخ الحافظ أبا عبد الله بن أبي إبراهيم والي غرناطة، إلى الحضرة فغادروا الأندلس في أوائل جمادى الأولى من هذا العام (فبراير ١١٦٩ م). والظاهر أن الغرض من هذا الاستدعاء، كان يدور حول الاستعداد للحملة الكبرى التي يزمع الخليفة تسييرها لمقاتلة ابن مردنيش. وأقام هؤلاء الولاة في الحضرة حتى أوائل سنة ٥٦٥ هـ ثم انصرف السيدان أبو إبراهيم، وأبو إسحق إلى الأندلس، وصحبهما أخوهما، السيد أبو على الحسن الذي ندب والياً لسبتة، ومنطقة جبال غمارة، ليتقلد ولايته. وبقى الحافظ أبو عبد الله بالحضرة حيناً آخر، وسار السيد أبو إبراهيم إلى إشبيلية والسيد أبو إسحق إلى قرطبة. وكان معهما والٍ جديد عينه الخليفة، هو الحافط أبو يحيى زكريا بن يحيى بن شيبان أحد أبناء أشياخ خمسين، وقد عين والياً لطبيرة وشنتمرية الغرب، من أعمال ولاية الغرب الأندلسية، وكانت هذه المنطقة التي تقع في جنوب البرتغال، تضطرم بالفتنة من آن لآخر، فضبطها الحافظ

стр. 1765

أبو يحيى بحزم وقوة، وقمع بذور الفتنة، واستمر في حكمها أعواماً طويلة، وقد ساد بها السلام والأمن. وكان من أهم الأحداث في هذه السنة - سنة ٥٦٥ هـ (١١٧٠ م) - إغارة القشتاليين على الأندلس. وكان عدوان القشتاليين على الأراضي الإسلامية قد انقطع حيناً منذ وفاة القيصر ألفونسو ريمونديس، واضطرام الحرب الأهلية بين الممالك الإسبانية النصرانية، وانشغال قشتالة بنوع خاص بالصراع بين أسرتي لارا وكاسترو القويتين. فلما انتهى هذا الصراع الذي اشترك فيه فرناندو ملك ليون إلى جانب آل كاسترو، بانتصار آل لارا وهزيمة آل كاسترو، بسط آل لارا سيادتهم على طليطلة عاصمة قشتالة، ووضعوا الملك الصبي ألفونسو الثامن تحت حمايتهم، وقام بالوصاية عليه كبير الأسرة الكونت نونيو دي لارا (سنة ١١٦٦ م). ولم يمض قليل على ذلك، حتى اعتزم الكونت نونيو - ويسميه ابن صاحب الصلاة، القمط نونه، ويصفه " بظئر أدفونش الصغير" - أن يقوم بغزوة للأراضي الإسلامية، يكون فيها تقوية سلطانه، وتعزيز هيبته. فخرج في قواته من طليطلة، واخترق موسّطة الأندلس، وسار جنوباً، وهو يثخن أينما حل، دون أن تعترضه أية قوة معارضة. ثم عبر الوادي الكبير، وشنيل، وانتهى في غزوته إلى فحص رُندة، وفحص الجزيرة الخضراء، أو أنه استطاع بعبارة أخرى، أن يخترق الأندلس من أقصاها إلى أقصاها دون أن يلقى أية مقاومة على نحو ما فعل ألفونسو المحارب قبل ذلك بنحو نصف قرن. ويقول ابن صاحب الصلاة، إنه وصل في سيره إلى البحر، وقتل المسلمين في تلك الأراضي، واستولى على كثير من السبي والغنائم والماشية، ونحن لا نستطيع أن نفسر جمود الموحدين إزاء مثل هذا العدوان الجرىء خصوصاً وقد كانت لديهم في قرطبة قوات كبيرة بقيادة الشيخ أبي حفص عمر، اللهم إلا حرصهم على قواتهم، وادخارها لمحاربة ابن مردنيش (١). ويذكر لنا ابن صاحب الصلاة طائفة من الأحداث الطبيعية التي حدثت في تلك الفترة. منها تغير الهواء بمراكش أو بعبارة أخرى ظهور وباء مرض منه معظم السادات وكثير من الناس، وذلك في أواخر سنة ٥٦٤ هـ. ومنها توقف المطر وحدوث الشّرَق بالأندلس حتى شهر ديسمبر سنة ١١٦٩، ثم سقوط

стр. 1766

الأمطار بعد ذلك. وفي شهر جمادى الأولى من سنة ٥٦٥ هـ، حدثت زلازل عظيمة عند طلوع الشمس وعند زوالها في عدة من مدن الأندلس، وتوالت بالأخص في مدينة أندوجر مدة أيام حتى كادت أن تغوص منها الأرض، ووقعت كذلك بقرطبة وغرناطة وإشبيلية. يقول ابن صاحب الصلاة، وكان من سكان إشبيلية " فكان الرائي يرى حيطان الديار تضطرب وتميل حتى الأرض، ثم ترتفع وترجع على حالها بلطف الله تعالى. وتهدمت من ذلك ديار كثيرة في البلاد المذكورة وصوامع مساجدها " (١). وفي شهر رجب سنة ٥٦٥ هـ (أبريل سنة ١١٧٠ م)، كثرت غارات جيرالدو سمبافور على مدينة بطليوس، واشتد في إرهاقها، وقطع المؤن عنها، حتى شعرت المدينة بالضيق، فلما علم بذلك الموحدون في إشبيلية، قرروا أن يرسلوا إليها مدداً وافراً من المؤن، فجهزت إليها قافلة من نحو خمسة آلاف دابة تحمل الطعام والسلاح والعلوفات، وقدم لحراستها الحافظ أبو يحيى زكريا بن علي في قوة من الجند الموحدين بإشبيلية، ولما اقتربت هذه الحملة من مدينة بطليوس، خرج إليها جيرالدو في قواته وقوات أهل شنترين، ونشبت بين الفريقين معركة حامية استمرت عدة ساعات وهزم فيها الموحدون أشنع هزيمة، وأبيدت صفوفهم، وسقط قائدهم الحافظ أبو يحيى ضمن القتلى، واستولى النصارى على قافلة المؤن كلها. وكان ذلك في يوم ٢٦ شعبان سنة ٥٦٥ هـ (١٤ مايو سنة ١١٧٠ م). ووقعت أنباء هذه النكبة على الموحدين بإشبيلية وقرطبة أسوأ وقع، وبعثوا بخبرها إلى الخليفة في مراكش (٢). وكان الخليفة أبو يعقوب يوسف مريض في ذلك الوقت، وقد بدأ مرضه منذ أوائل سنة ٥٦٥ هـ، واستمر أكثر من عام. ونحن نذكر أن الخليفة كان منذ أوائل سنة ٥٦٤ هـ يزمع تنظيم حركة الجهاد بالأندلس، وأنه وجه رسالته بذلك إلى الموحدين بها في ربيع الآخر من هذا العام، ويذكر لنا ابن صاحب الصلاة أن الخليفة أمر بهذه المناسبة بضرب الطبول والخروج، وركب بنفسه في هيئة الغزو، وخرج من مراكش، ونزل بوادي تانسيفت على مقربة منها، معلناً

стр. 1767

عزمه على الجهاد بالأندلس، وأقام به ثلاثة أيام، وانتهى رأي الموحدين عندئذ إلى أن يتقدم الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى بعسكر ضخم من الموحدين. وقد عبر الشيخ البحر إلى الأندلس بعسكره، ونزل في إشبيلية في نفس الوقت الذي كانت قد أنقذت فيه بطليوس من خطر السقوط في أيدي البرتغاليين، بمعاونة ملك ليون، وذلك كله حسبما فصلناه في موضعه. ثم جاء مرض الخليفة، فعاقه عن الاستمرار في تنفيذ حركة الغزو التي وعد بها الموحدين بالأندلس. بيد أنه استمر بالرغم من مرضه في استدعاء جموع العرب من إفريقية، وجموع الموحدين من كافة الأنحاء، وتزويدهم بالأعطية والكسى. وكان تطور الحوادث في الأندلس، يؤذن بضرورة القيام باستعدادات عسكرية عاجلة توجه إلى شبه الجزيرة، وذلك قبل أن تتم الأهبة لتنفيذ الغزوة الكبيرة التي يزمع الخليفة القيام بها. وكان موطن الصراع يبدو في ناحيتين، الأولى في شرقي الأندلس، حيث كان ابن همشك منذ دخوله في طاعة الموحدين، يتلقى ضربات صهره القديم ابن مردنيش باستمرار، ويفقد معاقله تباعاً، ويلح في طلب النجدة من حلفائه الجدد، الموحدين، ويبعث بصريخه المتوالي إلى الخليفة وإلى الشيخ أبي حفص بقرطبة، وقد أوفد إلى مراكش لهذا الغرض وزيره القدير أبا جعفر الوقّشي، وكان قد جنح مثله إلى طاعة الموحدين. ثم عبر ابن همشك بنفسه البحر إلى العدوة، وقصد إلى الخليفة بمراكش (٥٦٥ هـ) مؤكداً طاعته ومكرراً صريخه. وكانت الناحية الثانية من مواطن الصراع، في غربي الأندلس، حيث تطورت الحوادث تطوراً سيئاً، وغدت مدينة بطليوس مرة أخرى، عرضة لتهديد النصارى المستمر. وكان يلوح أن حوادث شرقي الأندلس تتطلب تدخلا عاجلا، يكفل حماية ابن همشك وأراضيه إلى غدت جزءاً من أراضي الموحدين، والقضاء نهائياً على حركة ابن مردنيش والاستيلاء على بلاده، حتى تخضع الأندلس بذلك من أقصاها إلى أقصاها إلى سلطان التوحيد، وكان الشيخ أبو حفص يؤيد هذه السياسة، ويبعث من قرطبة إلى الخليفة بالحث على اتباعها ومن ثم فقد تقرر أن يسير السيد أبو حفص أخو الخليفة في جيش ضخم من الموحدين إلى جزيرة الأندلس لغزو ابن مردنيش وحلفائه النصارى، ومقاتلته في قلب بلاده، والاستيلاء على مرسية، قاعدته ومقر رياسته. وخرج السيد أبو حفص في عسكره من حضرة مراكش في أول شهر

стр. 1768

ذي القعدة سنة ٥٦٥ هـ (أغسطس سنة ١١٧٠ م) ومعه أخوه السيد عثمان أبو سعيد، وعدة من الأشياخ والحفاظ الموحدين، ومن زعماء الأندلس، أبو محمد سيدراى بن وزير، وأخوه أبو الحسن على بن وزير، وعدة من القادة الأندلسيين النازلين بمراكش، صحبهم لينتفع بخبرتهم ومشورتهم في تدبير شئون الجزيرة، وتنظيم الخطط العسكرية بها. فوصل في قواته إلى إشبيلية في أوائل سنة ٥٦٦ هـ. ووافاه بها من قرطبة الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى ومعه إبراهيم بن همشك. وعقد السيد أبو حفص وصحبه من الأشياخ والزعماء مؤتمراً لبحث شئون الحرب، تقرر فيه أن يبادر السيد أبو سعيد أولا في عسكر إلى مدينة بطليوس، لتقوية جبهتها الدفاعية. فسار إليها في جيش من الموحدين والعرب، ومعه من زعماء الأندلس سيدراى ابن وزير، وأبو العلاء بن عزون، وقد جاءت هذه الحركة في الواقع في الوقت المناسب، إذ كانت بطليوس في تلك الآونة بالذات عرضة لخطر غزو جديد. ذلك أن فرناندو الثاني ملك ليون، لما رأى نشاط البرتغاليين المتكرر في مهاجمة بطليوس، وإلحاح جيرالدو سمبافور في إرهاقها، وما حل بقافلة الأمداد الموحدية من هزيمة ساحقة، خشى أن ينتهي الأمر بسقوط المدينة في أيدي البرتغاليين. وقد رأينا من قبل حرص ملوك قشتالة وليون على اعتبار بطليوس وما إليها داخلة في نطاق فتوحاتهم، وحرصهم على ألا يفوز البرتغاليون بأية فتوح في هذه المنطقة. ومن ثم فقد خرج فرناندو في قواته قاصداً إلى بطليوس ليقوم بالاستيلاء عليها، قبل أن تسقط في أيدي البرتغاليين ومليكهم ألفونسو هنريكيز، وفي الوقت الذي وصل فيه إلى سهل الزلاّقة الواقع شمال شرقي بطليوس على مقربة من نهر وادي يانه، اقترب الموحدون من المدينة، ولما علم السيد أبو سعيد بالموقف، أرسل سيدراى بن وزير، وأبا العلاء بن عزون، وبعض أشياخ الموحدين إلى المعسكر النصراني، ليتعرفوا نيات ملك ليون، وهل هو باق على صلحه ومحالفته للموحدين أم قد نقض هذا الصلح، فرحب بهم ملك ليون، وأجابهم بأنه خرج لحماية بطليوس، " وإمساكها لأمير المؤمنين " فاقترح الرسل أن يجتمع الملك النصراني بالسيد أبي سعيد، لتجديد الصداقة والصلح، فاستجاب فرناندو لدعوتهم، وسار في نفر من خاصته إلى مقربة من بطليوس، والتقى بالسيد أبي سعيد وكلاهما ممتطى صهوة جواده، وتم بينهما التفاهم وتوكيد أواصر المودة والصلح، وانصرف ملك ليون على أثر ذلك في قواته إلى بلاده.

стр. 1769

أما السيد أبو سعيد فقد سار في عسكره تواً إلى حصن جلِّمانية الواقع على مقربة من غربي بطليوس، والذى اتخذه البرتغاليون بقيادة جيرالدو سمبافور قاعدة للإغارة على المدينة وإرهاقها، ونازله واستولى عليه عنوة، ثم هدمه، وانقشعت بذلك غمته، وكان ذلك في شهر ربيع الأول سنة ٥٦٦ هـ (نوفمبر ١١٧٠ م). وعلى أثر ذلك عاد السيد أبو سعيد في صحبه وعسكره المظفر إلى إشبيلية (١). - ٢ - وما كاد السيد أبو سعيد يصل إلى إشبيلية، حتى عقد السيد أبو حفص مؤتمراً حربياً جديداً حضره السيد أبو سعيد، والشيخ أبو حفص عمر بن يحيى، واستقر فيه الرأي على القيام بمحاربة ابن مردنيش، وتحطيم سلطانه في شرقي الأندلس. وكان محمد بن سعد بن مردنيش، قد اضطربت شئونه خلال ذلك، وأخذت تخبو قواه، وموارده، ولاسيما منذ هزيمة فحص الجلاب الساحقة. وكان من أهم العوامل في انحلال سلطانه الشامخ الذي استمر منذ قيامه في شرقي الأندلس في سنة ٥٤٢ هـ، نحو عشرين عاماً يتحدى سلطان الموحدين، وينتبذ سيادتهم ودعوتهم، دون هوادة، عاملان يتلخص أولهما في مصادقة ابن مردنيش للنصارى، وانخلاعه إليهم، واعتماده المطلق عليهم. وقد رأينا فيما تقدم كيف كان النصارى المرتزقة، يؤلفون معظم قوات ابن مردنيش في أية موقعة يخوضها. والثاني، فيما نشب من الشقاق بين ابن مردنيش ومعظم وزرائه وقادته. فأما عن العامل الأول، وهو مصادقة ابن مردنيش للنصارى، فقد كان أمراً طبيعياً، تمليه الظروف المحيطة بابن مردنيش، وثورته على الموحدين. وقد كانت ثورة ابن مردنيش، تمليها فضلاً عن الأطماع السياسة، بواعث وطنية، هي التي دفعت سائر القواعد الأندلسية إلى الثورة على المرابطين، وقد كان الموحدون خلفاء المرابطين في التغلب على الأندلس، فكانت ثورة ابن مردنيش على الموحدين، وكفاحه ضدهم، امتداداً لنفس الثورة، ونزولا على نفس البواعث. وكان النصارى حلفاء طبيعيين لابن مردنيش في هذا الصراع ضد العدو المشترك، أعني الموحدين الوافدين على شبه الجزيرة من وراء البحر. ولم يغفل ابن مردنيش عن أهمية هذا العامل، في اجتذاب النصارى إلى محالفته،

стр. 1770

وحشدهم في صفوفه. وكانت تربط ابن مردنيش في البداية بسائر أمراء اسبانيا النصرانية، روابط المودة والصداقة، ولكنه لما توفي رامون برنجير الرابع ملك قطلونية وأراجون، وخلفه ولده ألفونسو الثاني في حكم مملكة أراجون المتحدة، تطورت الأمور، وساءت العلائق بينه وبين ابن مردنيش لإصراره على مطالبة ابن مردنيش بالجزية التي كان يدفعها لأبيه، ورفض ابن مردنيش لأدائها. وقد وصل العداء بين الأميرين، إلى حد أن ملك أراجون، بعث ببعض ضباطه وجنده للاشتراك مع الموحدين ضد ابن مردنيش في معركة فحص الجلاب (١). ثم تحسنت العلائق بعد ذلك بينهما حينما تدخل ملك قشتالة، وتعهد ابن مردنيش بأداء الجزية وتعهد ألفونسو الثاني بألا يساعد الموحدين أعداء ابن سعد بأية صورة. وأما علائق ابن سعد بقشتالة، فقد كانت على خير ما يرام، من المودة والصفاء، وكانت تربط ابن مردنيش بألفونسو الثامن ملك قشتالة صداقة متينة العرى. وكان ابن مردنيش يحتفظ في بلنسية بحامية كبيرة من الجند القشتاليين، يعيثون في المدينة، وتغص بهم طرقها وأحياؤها، حتى ضاق بهم أهل المدينة المسلمين ذرعاً، وغادرها الكثير منهم إلى الضياع والقرى القريبة، وهم يضطرمون سخطاً على أميرهم المسلم، الذي مكن أعداءهم النصارى من دورهم وأموالهم ومرافقهم، وشردهم بذلك عن أوطانهم. وقيل إن ابن مردنيش هو الذي أخرج أهل بلنسية منها ليوسع لحلفائه النصارى (٢). وقد كان لهذه السياسة في اصطفاء النصارى وما تقتضيه من إرهاق المسلمين بالمغارم والفروض، وهي السياسة التي سبق أن أشرنا إلى طرف من عناصرها ومظاهرها، وأثرها العميق في النيل من هيبة ابن مردنيش والسخط عليه، وتبرم أهل شرقي الأندلس برياسته وتمنيهم زوالها. وأما العامل الثاني في تضعضع قوي ابن مردنيش، فهو خروج قادته ووزرائه عليه. وقد كان انشقاق صهره إبراهيم بن همشك عليه، وانضمامه للموحدين، بلا ريب أعظم ضربة هزت من رياسته وسلطانه. فقد كان ابن همشك ساعده الأيمن، وكان أقدر قادته، وأوسعهم حيلة وأبعدهم صيتاً، بل كان ابن همشك في الواقع بالرغم من صفاته المثيرة، ومن قسوته، وروعة وسائله، واستهانته بالدماء، من أعظم قادة إسبانيا المسلمة في هذا العصر، إن لم يكن

стр. 1771

أعظمهم جميعاً. وخرج على ابن مردنيش غير ابن همشك، عدة من قرابته ووزرائه، ومن هؤلاء صهره يوسف بن هلال، وكان فارساً شجاعاً حازماً، حظى لدى أميره فصاهره، وندبه لرياسة حصن مطرنيش القريب من بلنسية وما حوله من الأراضي، ثم فسد ما بينهما، فثار ابن هلال، ولحق بمورتله (مورادال) وتحالف مع أمير برشلونة على أن يكون تحت حمايته، فأيده بقوة من الفرسان، وأخذ يغير على أحواز بلنسية، وينتزع بعض حصونها. وأوقع الهزيمة بابن مردنيش. ولكن حدث لسوء طالعه أن وقع ذات يوم أسيراً في يد سرية جردها صهره على مورتلة، فأخذ إليه، فأسرع به إلى مورتلة، وطالبه بإخلائها، وإلا نزعت عينه، فأبى، فأمر ابن مردنيش فأخرجت عينه اليمنى بعود، ولما تمادى في رفضه نزعت عينه الأخرى، ثم أخذ إلى شاطبه، حيث بقى بها إلى أن توفي (١). وكانت هذه الوسائل المثيرة في الانتقام من أبرز نزوات ابن مردنيش، وقد سبق أن أشرنا إلى ما يرويه لنا ابن صاحب الصلاة، من أنه قتل وزيريه ابنى الجذع وذلك ببنائهما في الحائط. كان ابن مردنيش يعانى من هذه الظروف العصيبة والمتاعب المضنية، حينما وضع الموحدون خطتهم لإنزال ضربتهم الأخيرة به. ففي شهر رجب سنة ٥٦٦ هـ (مارس سنة ١١٧١ م) خرج السيد أبو حفص وأخوه السيد أبو سعيد، والشيخ أبو حفص في جموع الموحدين من إشبيلية، ومعهم إبراهيم بن همشك، فلما وصلوا إلى قرطبة، أقاموا بها أياماً، يضعون خططهم النهائية. ثم خرجت القوات الموحدية من قرطبة، وسارت شرقاً قاصدة إلى مرسية، وكانت أول قاعدة غزوها من قواعد ابن مردنيش مدينة قيجاطة (٢) الواقعة شرقي جيان، بينها وبين لورقة. فاقتحموها بعد مقاومة قصيرة، وقبض على قائدها الشرقي وأعدم بإشارة ابن همشك، ثم اخترق الموحدون بعد ذلك بسائط الشرق في طريقهم إلى مرسية حتى وصلوا إلى فحصها، فنازلوها لاختبار مقدرتها الدفاعية، وتغلبوا على حصن الفرج في ظاهرها، وقد كان متنزه ابن مردنيش، ومنزل لهوه وأنسه، واستباحوا الرياض والبساتين، وسائر القوى والبسائط الخضراء في تلك المنطقة، وابن همشك يقود الموحدين ويدلهم

стр. 1772

خريطة: مواقع غزوات الموحّدين لمملكة الشرق (٥٦٠ و ٥٦٦ هـ) وغزوة وبذة (٥٦٧ هـ).

стр. 1773

على خير الطرق والمسالك. وكان ابن مردنيش خلال ذلك يستجمع قواته الأخيرة، ويستصرخ حلفاءه النصارى لإمداده، فلم يلب منهم دعوته سوى أربعمائة فارس، بعث بهم إلى لورقة، وهي حصن مرسية الأمامي، لتأمين الدفاع عن قصبتها، وقد كانت بقيادة قائده الأثير وموضع ثقته أبي عثمان سعيد ابن عيسى، فضبطها أبو عثمان، وحصنها أمنع تحصين. ولكن الأمر طال عليه، وهو في عزلته، وذاع بين الناس ما يعانيه ابن مردنيش من اضطراب الأحوال والقلق، وشعروا أن عاقبته قد دنت، فعندئذ ثار أهل لورقة، ودعوا للموحدين، وهاجموا النصارى وأنصار ابن مردنيش، فالتجأ هؤلاء جميعاً إلى القصبة وامتنعوا بها. واتجه أهل لورقة إلى الموحدين في طلب الإنجاد، وبعثوا بصريخهم إلى السيد أبي حفص بمحلته بفحص مرسية، يعلنون دخولهم في دعوة التوحيد، ويستنصرون به على عدوهم، فسار السيد أبو حفص في بعض قواته صوب لورقة، ودخلها واحتلها، وبقيت حاميتها بقيادة أبي عثمان على حالها من الامتناع. وحدث أن خرجت سرية موحدية تجول في الأنحاء المجاورة، فوقع في يدها ولد القائد، محمد بن أبي عثمان، فأمر السيد أبو حفص أن يحمل إلى مقربة من القصبة بمرأى من أبيه عسى أن يحمله ذلك على التسليم، فأبى القائد واستمر في امتناعه، حتى كادت الأقوات والماء أن تنفد، فعندئذ ألح عليه حلفاؤه النصارى في التسليم، وتوسط ابن همشك لأبي عثمان في النزول من القصبة مع جنده بالأمان، وهكذا سلمت القصبة، وانصرف القائد أبو عثمان مع صحبه إلى مرسية، وانصرف الجند النصارى إلى بلادهم، وتم بذلك فتح لورقة وخلوصها للموحدين. وعلى أثر ذلك عاد السيد أبو حفص في قواته إلى مرسية، ليمضي في حصارها، وفي أثناء ذلك أعلن أهل ألش طاعتهم ودخولهم في دعوة التوحيد، وتبعهم في ذلك أهل معظم الحصون المجاورة، فمنحوا جميعاً الأمان، ثم جهز السيد أبو حفص حملة من الموحدين والعرب تحت إمرة الشيخ الحافظ أبي عبد الله بن أبي إبراهيم، سارت إن مدينة بسطة فافتتحتها ودخلت في طاعة الموحدين. وأعقبتها الجزيرة -جزيرة شقر- الواقعة على مقربة من جنوبي بلنسية فأعلن أهلها التوحيد بزعامة عميدهم أبي بكر أحمد بن محمد بن سفيان المخزومي، فطردوا النصارى الذين كانوا بها. وكان أبو بكر زعيماً نابهاً من بيت عريق، وزاهداً محسناً. وأديباً شاعراً،

стр. 1774

فلما رأى اختلال أمر ابن مردنيش وضغط الموحدين على قواعده، دعا للموحدين وانضم إليه جيرانه، فندب ابن مردنيش لقتاله، أخاه أبا الحجاج يوسف بن سعد نائبه في بلنسية، وبعث أبو الحجاج قوة من الفرسان قامت بمنازلة الجزيرة، ومحاصرتها والتضييق عليها، في منتصف شوال سنة ٥٦٦ هـ، واستمر الحصار زهاء شهرين، وابن سفيان يقاوم ما استطاع، وابن سعد يوالي إرسال الجند لتشديد الحصار، ووصلت رسل الجزيرة إلى السيد أبي حفص بمحلته بمرسية في طلب الإنجاد، فوجه معهم قائدهم السابق أبا أيوب بن هلال الشرقي والياً عليهم، وكان قد دخل في دعوتهم للتوحيد واستطاع أبو أيوب أن يقتحم الجزيرة، وأن يقوم بضبطها وحمايتها أشهراً، حتى مرض ابن مردنيش ولحق بمرسية عليلا، وتنفس مخنق الجزيرة (١). وكان ابن مردنيش أثناء ذلك، والموحدون قبالة مرسية، يخرج بقواته من آن إلى آخر، ويشتبك مع المحاصرين في معارك طاحنة، وكان أخوه الرئيس أبو الحجاج يوسف بن سعد، يتولى الدفاع عن بلنسية وأحوازها. وقد اختُلف في موقف يوسف من أخيه في هذا المأزق العصيب، ففي رواية أنه خرج على أخيه، وفر عنه إلى الموحدين (٢)، ودخل في دعوتهم قبيل وفاة أخيه بنحو عام. وفي رواية أخرى، أنه لما رأى تجهم الحوادث دعا في بلنسية لبني العباس، وكاتب الخليفة المستنجد بالله، فكتب له بالعهد والولاية، ثم بايع للموحدين (سنة ٥٦٦ هـ) (٣). بيد أنه يبدو من جهة أخرى أن هذه الرواية غير صحيحة، وأن أبا الحجاج يوسف، استمر يعمل إلى جانب أخيه بإخلاص، وأنه اختص بالدفاع عن قطاع بلنسية، بينما تفرغ أخوه محمد (ابن مردنيش) لمدافعة الموحدين في مرسية. والواقع أن هذه الفترة الأخيرة من حياة ابن مردنيش يكتنفها شىء من الغموض، وفي بعض الروايات القشتالية، أن ألفونسو الثاني ملك أراجون انتهز فرصة ضغط الموحدين على ابن مردنيش، وغزا أراضي بلنسية، المتاخمة لحدود قطلونية، واستولى منها على عدة مواقع وحصون، وأنه أرسل حملة برية وبحرية لغزو بلنسية ذاتها، فتولى الرئيس أبو الحجاج مدافعة

стр. 1775

القوات البرية، وتولى ابن قاسم قائد أسطول ابن مردنيش مدافعة السفن النصرانية فهزمها وأحرق عدداً منها (١). وجاءت حوادث ألمرية ضربة أخرى لابن مردنيش، وكان ابن مردنيش قد انتزع ألمرية من الموحدين، وندب لولايتها قائده ابن مقدم. فلما اجتاح الموحدون منطقة الأندلس الشرقية، واستولوا على لورقة وبسطة، واقتربوا من ألمرية، قام بألمرية ابن عم وصهر لابن مردنيش على أخته، هو محمد ابن مردنيش المعروف بصاحب البسيط، وتعاون معه محمد بن هلال أحد القادة الخوارج على ابن مردنيش، وأعلنا بطاعة الموحدين، وبعثا إلى السيد أبي حفص في طلب العون والإنجاد، فوجه إليهم قوة من الجند الموحدين، فقبض على الوالي ابن مقدم وأعدم. فلما علم ابن مردنيش بما حدث، أمر بقتل أخته زوجة ابن عمه وكانت بمرسية، وقتل ابنته منها، فقتلا إغراقاً، فجاء هذا الحادث البشع، دليلا جديداً على ما كان يتسم به ابن مردنيش من بالغ القسوة، والاستهتار بسفك الدماء، لا تعوقه في ذلك صلة رحم أو أية عاطفة إنسانية. يقول ابن صاحب الصلاة: " واختل ذهن ابن مردنيش في أثر ذلك، وقل عونه من الله ومن الناس هنالك، وعاد صبحه كالليل الحالك، وفزع من أذلته أهله وقرابته وشيعته وخاصته، واختلت حياته وحالته " (٢). والواقع أن ابن مردنيش بما توالى عليه، في تلك الآونة العصيبة، من الضربات الأليمة، ومن انشقاق معظم قادته ووزرائه وقرابته، ومن استيلاء الموحدين على معظم قواعده، وتشددهم في حصاره وإرهاقه، قد بلغ ذروة اليأس والألم. وكانت الضربة الأخيرة والقاضية، ما بلغه من عبور الخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف نفسه إلى الأندلس في جموع جرارة من الموحدين والعرب، ونزوله بإشبيلية، وذلك في شوال سنة ٥٦٦ هـ، فأيقن عندئذ بأنه لم تبق مندوحة عن الهزيمة المطبقة والسقوط النهائي. وكان يستشف خلال يأسه وألمه، نذر الخاتمة المحتومة المروعة، بيد أنه لم يهن ولم يفكر في أن يختتم ثورته العتيدة وسلطانه العريض، الذي استطال زهاء ربع قرن، بالتسليم المهين، لمن كان يعتبرهم أعداء قومه وبلاده، على أنه لم يلبث أن انهارت بنيته المتينة، وحطمه الغم واليأس. ويبدو

стр. 1776

من أقوال ابن صاحب الصلاة، أن ابن مردنيش قد انتهى به اليأس إلى نوع من الذهول والخبل، وزاد من ذهوله ما عمد إليه أخوه الرئيس أبو الحجاج يوسف من المبادرة إلى التوحيد. ثم جاء الموت فأنقذه من المصير المروع الذي كان ينتظره. وكانت وفاته حسبما يقول لنا ابن صاحب الصلاة، في العاشر من شهر رجب سنة ٥٦٧ هـ (٦ مارس سنة ١١٧٢ م) في الثامنة والأربعين من عمره، وهو تاريخ يحمل طابع الرجحان لأنه قول المؤرخ المعاصر (١). وفي رواية أن ابن مردنيش لم يمت موتاً طبيعياً، وأنه انتحر بتناول السم (٢)، أو أنه توفي مسموماً بيد والدته. ذلك أنه لما اشتد على أهله وكبراء دولته، وأساء إليهم، نصحته أمه، وأغلظت له القول، فنهرها وخافت بطشه، لما تعلمه من وحشية طباعه، فدبرت قتله بالسم (٣). على أن هذه الرواية، لا تستند إلى أساس قوي، فإن ابن صاحب الصلاة وهو المؤرخ المعاصر، وشاهد العيان، لم يقل لنا شيئاً عنها. ومن جهة أخرى فإن ابن الأبار، وهو قريب من العصر، وقد عاش في بلنسية في عهد حفيد يوسف بن مردنيش، يذكر لنا أن ابن مردنيش، مرض خلال محاصرته، لجزيرة شقر، فغادرها عليلا إلى مرسية (٤). ويقول لنا المراكشي أيضاً إن ابن مردنيش توفي " حتف أنفه " خلال حصار مرسية (٥). وهكذا هلك محمد بن سعد بن مردنيش. وكان موته نذيراً بانهيار دولته الشامخة، التي استطاع بعزمه وجرأته وشجاعته وبراعته، أن ينشئها في شرقي الأندلس، ما بين طرطوشة شمالاً وألمرية جنوباً، وما بين شاطىء البحر شرقاً وجيان غرباً، والتي لبثت زهاء ربع قرن تمثل سلطان الأندلس واستقلالها القومى، وتتحدى سلطان الموحدين وجيوشهم المتدفقة من وراء البحر، بل لقد لاح مدى حين أن ابن مردنيش يكاد يبسط سلطانه على الأندلس كلها، وذلك حينما استولى على جيّان وبياسة وأبدّة ووادي آش، واخترق أواسط الأندلس حتى

стр. 1777

إشبيلية، وحينما اجتاح نائبه ومعاونه ابن همشك وادي قرطبة، وهدد قرطبة ذاتها، واستولى على قرمونة، ثم هزم الموحدين في مرج الرّقاد واستولى على غرناطة. ولو لم تضع موقعة السبيكة حداً لتقدمه، لكان سلطان الموحدين في الأندلس عرضة للانهيار، ولكللت ثورة ابن مردنيش بالظفر التام. ولقد كان ابن مردنيش في الواقع يمثل بثورته ضد الموحدين، كل ما كانت تبطنه الأندلس القديمة من الآلام والآمال القومية، التي لبثت تجيش بها منذ استولى المرابطون على قواعدها، وفرضوا سيادتهم عليها. ولم تغير سيادة الموحدين بعد المرابطين لشبه الجزيرة الأندلسية شيئاً من هذا الاتجاه القومي، فقد كان الموحدون كالمرابطين بالنسبة للأندلس، أجانب، وكانوا مثلهم من القبائل البربرية، التي لم تستطع منذ مثولها القوي في شئون الأندلس منذ أيام الحاجب المنصور، أن تحرز من الأمة الأندلسية كثيراً من العطف والتقدير. ولم تكن فكرة الجهاد التي كان يحمل لواءها المرابطون ثم الموحدون، وما كانت الجيوش المرابطية، ثم الموحدية، تبذله في سبيل حماية الأندلس، ومحاربة إسبانيا النصرانية، لتقضي تمام القضاء على الفكرة القومية الأندلسية، وإن كانت تلطف من آن لآخر من جذوتها واضطرامها. على أن ابن مردنيش لم يكن بالرغم من حصافته وجرأته وشجاعته، هو الشخصية المثلى لحمل لواء القومية الأندلسية، فقد كانت ثورته على الموحدين، تفقد كثيراً من قيمها المعنوية، بما كان يجنح إليه من الإفراط في مصادقة النصارى، والاستعانة بهم في حروبه، وتمكينهم من قواعده، وتشبهه بهم في زيه، وفي حياته الخاصة والعامة. وإلى جانب ذلك كان ابن مردنيش يتسم بطائفة من الخلال الذميمة، فقد كان مسرفاً في الشراب، واتخاذ الجواري، حتى " كان يراقد منهم جملة تحت لحاف واحد "، منهمكاً في حب القيان والزمر والرقص (١)، ثم كان بعد ذلك طاغية ظلوماً، بالغ القسوة، مسرفاً في الانتقام، مستهتراً بالدماء، وكان عماله على شاكلته من الظلم والجور (٢). وتضع الرواية الإسلامية ابن مردنيش في سلك ثوار الأندلس، وتنوه بذكائه وشجاعته، وقد وصفه بعضهم بأنه " كان بعيد الغور، قوي الساعد، أصيل الرأي، شديد العزم، بعيد العفو، مؤثراً الانتقام، مرهوب العقوبة ".

стр. 1778

وبالرغم من أن ابن صاحب الصلاة يقدمه لنا في كتابه " المن بالإمامة " في صور قاتمة، ويصف أصحابه دائماً بالأشقياء، فإنه في كتابه " ثورة المريدين " الذي يفصل فيه سير الأندلس، يصف ابن مردنيش بقوله " كانت له فروسية وشجاعة وشهامة ورياسة " (١). أما ما حدث عقب وفاة ابن مردنيش، فتختلف الرواية في تصويره. ويبدو من أقوال ابن صاحب الصلاة، أنه على أثر وفاته، بادر قواده وأشياخه، بإعلان الطاعة للموحدين، وأقنعوا ولده أبا القمر هلالا بذلك، فصدع برأيهم، وبادر إلى إعلان توحيده، وطاعته، وسار إلى إشبيلية، ليؤكد ذلك لأمير المؤمنين أبي يعقوب. وقد سبق أن أشرنا إلى ما يذكره ابن صاحب الصلاة من أن أبا الحجاج يوسف أخا ابن مردنيش، قد أعلن توحيده، قبيل وفاة أخيه (٢). ويذكر لنا عبد الواحد المراكشي، أنه لما توفي ابن مردنيش، خلال الحصار، كتمت وفاته حتى قدم أخوه الرئيس أبو الحجاج يوسف من بلنسية، وتباحث مع أكبر أبناء أخيه، واتفق رأي الجميع على أن يدينوا بالطاعة لأمير المؤمنين أبي يعقوب، وأن يسلموا إليه البلاد. ويقرن ذلك برواية أخرى خلاصتها أن محمداً بن سعد حين شعر بدنو أجله جمع بنيه، وكان له من الولد الذكور ثمانية، هم هلال أبو القمر وهو أكبرهم، وإليه أوصى، وغانم، والزبير، وعزيز، ونصير، وبدر، وأرقم، وعسكر، وقال لهم أني أرى أمر هؤلاء القوم، من الموحدين، في صعود، وقد كثر أتباعهم، ودخلت معظم البلاد في طاعتهم، وأنه يظن أنه لا طاقة لهم بمقاومتهم، وأنه لذلك يحسن التسليم لهم طوعاً واختياراً فيحظوا بذلك عندهم، قبل أن ينزل بهم ما أنزل بغيرهم من أهل البلاد التي دخلوها عنوة، على أن عبد الواحد لا يجزم بصحة أي الروايتين (٣). وعلى أي حال فإنه يبدو من المقطوع به، أنه على أثر وفاة ابن مردنيش، بادر ولده أبو القمر هلال، بإعلان إذعانه وطاعته لأمير المؤمنين أبي يعقوب، وبالتخلى له عن مدينة مرسية قاعدة الإمارة. فوجه الخليفة أخاه السيد أبا حفص إلى مرسية ليتقبل طاعته وليتسلم المدينة، فسار إليها في عسكر منازل من الموحدين

стр. 1779

فبادر أهلها بالخروج إليه، ثم دخل المدينة وآنس أهلها، ووعظهم وحثهم على طاعة الخليفة، ووعدهم بالخير ورفع المظالم عنهم. ثم سار هلال بنفسه إلى إشبيلية في مستهل شهر رمضان (٥٦٧ هـ) ومعه أكابر دولة الشرق وقادتها وأعيانها، فاستقبله وصحبه خارج إشبيلية، أخو الخليفة أبو زكريا يحيى صاحب بجاية، وأبو إبراهيم إسماعيل وعلية أشياخ الموحدين، ثم استقبلهم الخليفة بالقصبة العتيقة أجمل استقبال، وقدم هلال وصحبه بيعتهم للخليفة بحضور السادة الإخوة وأشياخ الموحدين. ثم أنزلوا بقصر ابن عباد والدور المتصلة به، وقد غمرهم الخليفة بوافر عطفه وإكرامه. وفي اليوم التالي قدم قادة الشرق وأجناده، وفي مقدمتهم شيخهم أبو عثمان سعيد بن عيسى، بيعتهم وطاعتهم، وأبدوا رغبتهم إلى الخليفة أن يقوم بغزو من جاورهم من بلاد النصارى، وعينوا مدينة وبذة بالذات هدفاً لهذا الغزو، نظراً لضعف تحصيناتها وأسوارها، فوعد الخليفة بتحقيق هذه الرغبة (١). وينقل إلينا ابن الخطيب بهذه المناسبة رواية خلاصتها أن الأمير محمداً بن سعد، لما أدركه اليأس، وأيقن بتصيير ملكه إلى الموحدين، أشهد على نفسه بإقامة الخليفة يوسف بن عبد المؤمن -عدوه- وصياً على ولده وأهله، ورغب إليه قبول هذه الوصية، فلما نقل ذلك إلى الخليفة رق لهذا القصد، وتأثر بهذه الوسيلة، وتزوج زائدة ابنة ابن مردنيش وحفيدة ابن همشك. وكانت شقراء زرقاء العينين، رائعة الجمال، وتم زفافها إليه في ربيع الأول سنة ٥٧٠ هـ، فحظيت لديه، وغدت أحب نسائه إليه، وأكثرهن نفوذاً لديه " حتى كان الناس على قول ابن الخطيب يضربون المثل بحب الخليفة للزرقاء (المردنيشية) ". وتزوج أختها صفية فيما بعد ولده، وولي عهده الأمير أبو يوسف يعقوب (٢)، وأغدق الخليفة عطفه على آل مردنيش، واستبقى لهم سلطانهم في شرقي الأندلس، فعين أبا الحجاج يوسف بن سعد والياً لبلنسية وجهاتها، وعين غانم بن محمد ابن مردنيش قائداً لأساطيل العدوة بسبتة، واستبقى هلالا لديه، فعاش في كنفه، أثيراً، رفيع الرتبة (٣).

стр. 1780

وأما إبراهيم بن همشك، وهو الذي كان خروجه على صهره وحليفه ابن مردنيش، نذيراً بانهيار مملكة الشرق، فقد لبث مستقراً على ما كان عليه في جيّان وأراضيها، وأقره الخليفة على ولايته، وذلك حتى أوائل سنة ٥٧١ هـ، (١١٧٥ م)، ثم طلب إليه الخليفة أن ينصرف إلى العدوة، فعبر إليها بأهله وولده، وأسكن مدينة مكناسة وأُقطع بها إقطاعات يعيش منها، ولم يمض قليل على ذلك حتى أصيب بفالج غريب، شديد الأعراض، لم يلبث أن حمله إلى القبر، بعد أن قاسى أهوالا من آلامه المروعة (١).

стр. 1781

الفصل الثالث حركة الجهاد بالأندلس والإخفاق في غزوة وبذة مرض الخليفة أبي يعقوب يوسف. عنايته باستدعاء العرب وحشدهم لمؤازرته. قصيدة ابن طفيل في حثهم على الجهاد. قصيدة ابن عياض في ذلك. استجابة العرب للنداء. مسير بعض طوائفهم إلى مراكش. شفاء الخليفة وجلوسه لاستقبال الوفود. خروج الخليفة وجيشه لاستقبال حشود العرب. المباريات الرياضية بين الفريقين. مبايعة العرب للخليفة. مآدب الطعام. تمييز عسكر العرب والتوسعة في أجورهم. تمييز الموحدين. توزيع الخيل والسلاح على الفريقين. الإنعام والبركة. خروج الخليفة في قواته من مراكش. وصف الموكب الخلافي. رباط الفتح. اتخاذها مركزاً لتجمع الجيوش الموحدية. تجديد منشآتها. تمييز جديد للجيش. استئناف السير إلى قصر مصمودة. العبور إلى الأندلس. المسير إلى إشبيلية ثم قرطبة. جلوس الخليفة للسلام والتهنئة. مسير الخليفة إلى إشبيلية. عزل ابن المعلم ومحاسبته. إنشاء قنطرة طريانة. إمداد بطليوس بالمؤن. إنشاء قصور البحيرة. إنشاء البستان. إجراء الماء إلى المدينة. إنشاء الجامع الأعظم. وصف ابن صاحب الصلاة لمراحل بناء الجامع وصنع منبره. تطور طراز المنشآت الموحدية. اقتراح أكابر الشرق غزو مدينة وبذة. موافقة الخليفة. خروجه في قواته من إشبيلية إلى قرطبة. مسيره صوب القصر فأندوجر. استيلاؤه على حصن بلج. تسليم حصن الكرس. المسير إلى وادي شقر. مسير السيد أبي سعيد في جيش إلى وبذة. معركة بين الموحدين والنصارى. وصول الخليفة في قواته إلى وبذة. هجوم الجيش الموحدي على وبذة. التفافه بالمدينة. انسحاب القشتاليين إلى الداخل وامتناعهم بالقصبة. فشل الهجوم الموحدي. محاصرة الموحدين للمدينة. عصف الرياح والأمطار. مقدم جنود الشرق. استئناف الموحدين للهجوم. فشلهم للمرة الثانية. حث الشيخ أبي محمد للناس على الجهاد. محاولة الموحدين إقناع القشتاليين بالتسليم. فشل هذا المسعى. قرار الخليفة بالرحيل. مهاجمة القشتاليين للجيش المنسحب. ارتداد الموحدين نحو قونقة. عطاء الخليفة لأهل قونقة. مسير الموحدين صوب نهر شقر. ظهور طلائع القشتاليين. إحجام الموحدين عن القتال. استئناف السير نحو أراضي بلنسية. الوصول إلى ركانة. اختلال الجيش وقلة الأقوات. تسريح جنود الشرق. الوصول إلى بلنسية ثم شاطبة فأوريولة فمرسية. نظر الخليفة في شئون مرسية. المسير إلى إشبيلية. نزول آل مردنيش بها. تكوين قوة من أهل الثغور للغزو. تأملات عن فشل الموحدين في حملة وبذة. عجز القيادة الموحدية. تفكك الجيش الموحدي. تقلب العرب وتخاذلهم. حوادث الغرب. الأحوال في مدينة باجة. تربص النصارى بها. مسير ألفونسو هنريكيز وجيرالدو لافتتاحها. مداهمة النصارى لها واستيلاؤهم عليها. تخريبهم لها ثم مغادرتها. عدم اكتراث الموحدين بسقوطها. اشتغال الخليفة في إشبيلية بإتمام الجامع والقصور. غزو القومس الأحدب لأحواز قرطبة. مسير الموحدين لرد النصارى. إدراكهم عند قلعة رباح. القتال بين الفريقين. هزيمة القشتاليين ومصرع

стр. 1782

القومس. الاحتفال بالنصر في إشبيلية. غزو الموحدين لأراضى قشتالة. وصولهم إلى طلبيرة وتخريب بسائطها. سعى النصارى إلى عقد المهادنة. عقد الهدنة بين الموحدين وبين صاحب طليطلة وملك قشتالة وملك البرتغال. دخول جيرالدو سمبافور وجنده في خدمة الخليفة. بقية أخباره ومصرعه. تعمير قواعد الغرب. تعمير مدينة باجة. نكث فرناندو ملك ليون وغزوه لأراضي الأندلس. مسير الموحدين إلى مدينة ردريجو. زواج الخليفة بابنة أمير الشرق محمد بن سعد. نكبة الخليفة لابن عيسى. تعيينه لأخيه أبي على والياً لإشبيلية وأخيه أبي الحسن والياً لقرطبة. مغادرة الخليفة لإشبيلية وعبوره إلى المغرب. نرجع الآن قليلا إلى الوراء، لنتتبع مراحل الغزوة الأندلسية التي وعد بها الخليفة أبو يعقوب يوسف من بدايتها. وقد سبق أن أشرنا إلى مضمون الرسالة التي بعث بها الخليفة إلى الموحدين بالأندلس في شهر ربيع الآخر سنة ٥٦٤ هـ، يؤكد فيها حرصه على إغاثة الأندلس والعمل على نصرتها، ونياته في استئناف الجهاد، وإلى ما قام به من إرسال جيش موحدي إلى الأندلس، تحت إمرة الشيخ أبي حفص عمر، ليكون تقدمة لهذا الجهاد. بيد أنه لم تأت أوائل سنة ٥٦٥ هـ، حتى مرض الخليفة، واستطال مرضه زهاء أربعة عشر شهراً، حتى ربيع الأول سنة ٥٦٦ هـ. وكان يتولى علاج الخليفة خلال تلك النازلة الخطيرة، طبيباه، أبو مروان بن قاسم وأبو بكر بن طفيل (١). وهذه أول مرة تقدم إلينا الرواية الموحدية فيها، الفيلسوف والطبيب الكبير ابن طفيل، باعتباره طبيب الخليفة الموحدي، وكان يتولى الاتصال به وزيره أبو العلاء إدريس بن جامع، يعرض عليه المخاطبات الواردة في مسائل الوفود، وأخبار الشئون المطمئنة، وتحجب عنه الأمور المكدرة، والقاضي أبو محمد عبد الله المالقي إذ كان يثق بعلمه وأمانته وحسن نصحه وتدبيره، وبعض الثقاة من أشياخ الموحدين. وكان أهم ما عنى به الخليفة أثناء مرضه. هو العمل على استدعاء العرب من إفريقية وترغيبهم للمشاركة في الجهاد. وقد سبق أن أشرنا إلى طوائف أولئك العرب الذين كانوا يحتلون بعض مناطق إفريقية (تونس) الجنوبية، وهم من بني هلال، وسُليم، وزغبة، ورياح، والأثبج، وإلى أسباب نزوحهم إلى إفريقية، وما كان من موقفهم من الخليفة عبد المؤمن، وما قام به عبد المؤمن من محاولة استمالتهم إلى المشاركة في الجهاد بالأندلس. وقد لبثت السياسة الموحدية من ذلك الحين تعمل على استمالتهم وحشدهم في صفوف الجيوش الموحدية، وذلك بالرغم مما جبلوا

стр. 1783

عليه من التقلب وعدم الولاء. ومن ثم فقد حذا الخليفة أبو يعقوب في ذلك حذو أبيه، وبذل بالرغم من مرضه جهوداً خاصة، في استمالة أولئك العرب إلى مؤازرته فيما ينتويه من الجهاد، والقيام بالغزوة العظمى في جزيرة الأندلس، وكان مما أشار به الخليفة يومئذ، وهو يعلم ما للشعر البليغ في نفس العربي من عميق الأثر، أن توجه إلى العرب قصيدة حماسية، يشاد فيها برفيع أصولهم وأرومتهم، وكونهم هم السيف الماضي في نصرة الدين، وقمع المارقين والكافرين. فنظم طبيبه الفيلسوف ابن طفيل، تحقيقاً لتلك الغاية، قصيدة طويلة تفيض بلاغة، وروعة، وتدل على ما كان للفيلسوف في نفس الوقت، من منزلة عالية في النظم، تضعه في صف أكابر الشعراء. وإليك بعض ما جاء في تلك القصيدة الرائعة التي أوردها لنا بتمامها ابن صاحب الصلاة: أقيموا صدور الخيل نحو المضارب ... لغزو الأعادي واقتناء الرغائب وأذكوا المذاكي العاديات على العدا ... فقد عرضت للحرب جرد السلاهب فلا تقتني الآمال إلا من القنى ... ولا تكتب العليا بغير الكتائب ولا يبلغ الغايات إلا مصمم ... على الهول ركّابٌ ظهور المصائب ومنها في استمالة العرب والإشادة بهم: ألا فابعثوها همة عربية ... تحف بأطراف القَنى والقواضب أفرسان قيس من بني هلال بن عامر ... وما جمعت من طاعن ومضارب لكم قبة للمجد شدوا عمادها ... بطاعة أمر الله من كل جانب وقوموا لنصر الدين قومة ثائر ... وفيئوا إلى التحقيق فيئة راغب دعوناكم نبغي خلاص جميعكم ... دعاء بريئاً من جميع الشوائب نريد لكم ما نبغي لنفوسنا ... ونؤثركم زلفى بأعلى المراتب لكم نصر الإسلام بدءاً فنصره ... عليكم وهذا عوده جد واجب فقوموا بما قامت به أوائلكم ... ولا تغفلوا إحياء تلك المناقب وقد جعل الله النبي وآله ... ومهديّه منكم بلا عيب عائب ومن ذا الذي يسمع ليبلغ شأوكم ... إذا كنتم فوق النجوم الثواقب ومنها في الختام: وما الحزم إلا طاعة الله إنها ... هي الحَرَم المنّاع من كل طالب

стр. 1784

نعدكم السيف الذي ليس ينثني ... إذا ما نبا سيف بِرَاحة ضارب ونجعلكم صدر القناة إذا غدت ... تأطّرُ ما بين الحشى والترائب وليس خطيب الصدق من قال فانبرى ... ولكن فعل الحرِّ أصدق خاطب وما خلق الأعْراب خلاف موعد ... ولكن صدق الوعد خلق الأعارب سنعلم من أوفى ومن خان عهده ... ومن كان من آت إلينا وذاهب (١). وأمر الخليفة أن تتبع قصيدة ابن طفيل بشعر آخر يوجه إلى العرب، استعجالا لهم واستنهاضاً لهممهم، فوجهت إليهم قصيدة ثانية من نظم ابن عيّاش هذا مطلعها: أقيموا إلى العلياء عوج الرواحل ... وقودوا إلى الهيجاء جرد الصواهل وقوموا لنصر الدين قومة ثائر ... وشدوا على الأعداء شدة صايل ْفما العز إلا ظهر أجرد سابح ... يفوت الصبي في شده المتواصل وأبيض مأثور كأن فرنده ... على الماء منسوج وليس بسائل وأسروا بني قيس إلى نيل غاية ... من المجد تجنى عند برد الأصائل تعالوا فقد شُدت إلى الغزو نية ... عواقبها مقصورة على الأوائل (٢). وقد كان لهذه الخاطبة الشعرية أثرها فيما يروى ابن صاحب الصلاة، في نفوس العرب في إفريقية، ولاسيما في منطقتي الزاب والقيروان، فاجتمع زعماؤهم، وحزموا أمرهم على المبادرة إلى الاستجابة لنداء الخليفة. وكان شيخ بني رباح وزعيمهم جبارة بن كامل بن أبي العيش، وهو الذي كان قد فر أيام عبد المؤمن من إفريقية، فيمن فر من أشياخ العرب، حين دهمتهم القوات الموحدية في جنوبي القيروان، قد عاد من المشرق في هذه الآونة بالذات بعد أن تجول في ربوعه حيناً، ورأى أن يقتدى بزملائه في الاستجابة إلى " الأمر العزيز ". فجمع قومه، وسار إلى بجاية، وقصد إلى أميرها السيد أبي زكريا يحيى أخي الخليفة، فأكرم وفادته، ولحق به بقية الزعماء والأشياخ، وتحرك الجميع في صحبة السيد

стр. 1785

أبي زكريا إلى حضرة مراكش، ومعهم أموالهم وجملة كبيرة من عتاق الخيل، ولما وصلوا إلى تلمسان سار معهم واليها السيد أبو عمران موسى أخو الخليفة بمن عنده من العمال والأموال والخيل. وكان الخليفة أبو يعقوب قد شفى عندئذ من مرضه الطويل، فلما بلغته أنباء مقدم العرب، واقترابهم من الحضرة، سر بذلك أيما سرور، وخرج إلى المسجد الجامع يوم الجمعة السادس عشر من ربيع الأول سنة ٥٦٦ هـ، في جو يسوده الحبور والبشر، وبعد ذلك بيومين جلس الخليفة لاستقبال أشياخ الموحدين وطلبة الحضر، والأجناد والخاصة من أهل الوفود والقضاة، وخطب في هذا الحفل الشيخ أبو محمد عبد الواحد بن عمر، والقاضي أبو يوسف، والفقيه أبو محمد المالقي، وأمر الخليفة بإخراج الصدقات للضعفاء والمساكين والوافدين الغرباء، ثم صدر الأمر بأن يكون وصول العرب الوافدين، ومن معهم إلى حضرة مراكش في ضحى يوم السبت الثاني من شهر ربيع الآخر سنة ٥٦٦ هـ. وكانت الأوامر قد صدرت أثناء ذلك إلى جميع الجند الموحدين بالحضرة بالاستعداد واستكمال الزي والهيئة، وفرقت عليهم بهذه المناسبة الدروع، والبيضات والرماح والأسلحة والكسى والأعلام. وفي صبيحة يوم السبت المذكور بكر الحفاظ والطلبة من الموحدين وسائر الجند إلى باب السدّة، وانتظمت صفوفهم جُملا جُملا، تتقدمهم الطبول العديدة. ولما كمل ترتيب الموكب، برز الخليفة أبو يعقوب ممتطياً صهوة فرسه الأشقر، وإلى جانبه وزيره أبو العلا إدريس ابن جامع، سائراً على قدميه لصق ركابه، وهو يراجعه فيما يعن من الأمور، وفي ساقة الخليفة، يسير سائر الإخوة الصغار والبنين، ومن ورائهم حملة البنود، وأكابر الموحدين يحمل كل منهم علماً، وعليه درع سابغة لامعة تسطع تحت أشعة الشمس، وتتبعهم سائر الأجناد من الحشم والروم والعبيد. وتقرر أن يكون اللقاء في الفحص الشاسع القريب من المدينة، فلما وصل الموكب إلى الفحص المذكور، والطبول تقرع بشدة، والجيوش تبدو في أكمل هيئة، ضربت قبة الخليفة، ونزل فيها مع إخوته وبنيه. وأقبلت عساكر العرب وأهل إفريقية، ومعهم السيدان أبو زكريا يحيى، وأبو عمران موسى أخوا الخليفة. ولما التقى الموكبان على هذا النحو، أمر الخليفة أن يحمل الفريقان من العسكر كل على الآخر حملة مبارزة ورياضة ولعب، ففعلا، وتجاوبا وتصاولا حتى العصر، والطبول

стр. 1786

تقرع، وقد أبدع كل منهما في حركاته ومناوراته. ثم تقدم أخوا الخليفة وأشياخ الموحدين وأشياخ العرب وجميع الوافدين للسلام على الخليفة، وانصرف الخليفة بعد ذلك في عسكر الموحدين إلى المدينة، وضرب العرب محلتهم في الفحص. وفي اليوم التالي، الثالث من ربيع الأول، أمر الخليفة بدخول أشياخ العرب والوفود لمبايعته، وأخذ العهد عليهم، فأدخلوا واستغرقت بيعتهم أسبوعاً حتى العاشر من ربيع الأول. وفي يوم الجمعة الثاني والعشرين من ربيع الأول، خرج الخليفة عقب الصلاة إلى البحيرة (البستان) خارج الحضرة، ومدت المآدب العظيمة لإطعام العرب والوافدين. ويصف لنا ابن صاحب الصلاة، وقد كان من شهود هذه الحفلات كلها، هيئة الإطعام، فيقول إن كل طائفة من ثلاثة آلاف رجل كان يقدم لها الطعام، وكلما انتهت طائفة من الأكل، سارت إلى موضع الخليفة وسلمت ودعا لها. واستمر حفل الإطعام أياماً، وقد أربى ما كان يقدم فيه على ما تقدم من الإنعام المماثل. ولم يعكر صفو هذا الحفل سوى مشادة حدثت بين صبيان الموحدين وأتباع العرب، وقعت خلالها بعض الاعتداءات على النفس والمال، وبادر العرب بالاعتذار وطلب العفو من الخليفة لما وقع من أتباعهم، فصفح الخليفة عنهم، وأمر بالاستمرار في إطعامهم وإكرامهم (١). وكانت آخر خطوة في هذه الأحداث المتعاقبة، إجراء التمييز لعسكر العرب والموحدين، ففي اليوم الثامن من جمادى الأولى أمر الخليفة بتمييز العرب الوافدين ومن وصل معهم، وأن يحضروا بين يديه في رحبة قصره بدار الحجر، ورتب دخولهم كل يوم بعدد معلوم من مختلف القبائل، فاستمر تمييزهم خمسة عشر يوماً، والخليفة جالس في مجلسه مع أشياخ الموحدين وأشياخ طلبة الحضر وأشياخ العرب، يحرض العرب والناس على الجهاد، ويحث على التفاني فيه. ولما انتهى التمييز، دعا الخليفة أشياخهم وكبراءهم، وأحضرت زمامات التمييز الأول، أيام الخليفة عبد المؤمن، فوجدت في التمييز الجديد زيادة كبيرة في الأجور. وكان قصد الخليفة من التوسعة على العرب، أن يمتنعوا عن عاداتهم الذميمة في الاعتداء على الأموال وخطف العمائم والثياب والسروج وغيرها،

стр. 1787

وأن يستميلهم إلى طاعته ومؤازرته، ثم بدىء بتمييز الموحدين من غرة جمادى الآخرة واستمر تمييزهم أيضاً خمسة عشر يوماً، وفق منازلهم وقبائلهم، ووزعت على أثر ذلك على الموحدين والعرب الخيل وعُدد الحرب من الرماح والدروع والبيض والسيوف وغيرها. واختتم التمييز بما يسمى في المراسيم الموحدية " بالإنعام بالبركة " وتوزيع الأعطية. وأقيم لذلك حفل ضخم جلس فيه الخليفة في مجلسه، ومن حوله أشياخ الموحدين وأشياخ العرب، وأحضرت الأموال بين يديه، أكواماً من الذهب والفضة، من دنانير ودراهم، وقُدم الموحدون في تنفيذ البركة، فأصاب الفارس الكامل منهم عشرة دنانير، وغير الكامل ثمانية، والراجل ْالكامل خمسة دنانير وغير الكامل ثلاثة. وحصل العرب على منح مضاعفة، فأصاب الفارس الكامل منهم خمسة وعشرين ديناراً، وغير الكامل خمسة عشر، والراجل سبعة دنانير، ومُنح أشياخ العرب خمسون ديناراً لكل منهم، ومنح كل رئيس قبيلة مائتا دينار، ووزعت على الجميع الكسى من القباطي والنفاير والعمائم، وزودوا بالسيوف المحلاة والدروع السابغات والبيض والقنا، وأمر لهم بثلاثة آلاف فرس وزعت على مختلف القبائل، وحصل الموحدون كذلك على جملة كبيرة من الخيل قسمت عليهم بحسب قبائلهم ومنازلهم. وكان يوماً مشهوداً، سادت فيه الغبطة والحماسة بين الأشياخ والجند، وارتفعت قواهم المعنوية، وأخذوا يتطلعون إلى الغزو المنشود في عزم وثقة (١). - ١ - وهكذا تمت أهبة الخليفة أبي يعقوب يوسف للغزوة الأندلسية التي اعتزمها، والتي عاقه المرض حيناً عن إتمامها، وعلى هذا النمط الذي أفاض في وصفه، ابن صاحب الصلاة، ولخصناه فيما تقدم، كانت تُحشد الجيوش الموحدية، ويجرى استعداد الخليفة الموحدي للغزو. وفي اليوم الرابع من شهر رجب سنة ٥٦٦ هـ الموافق ١٣ مارس سنة ١١٧١ م غادر أبو يعقوب حضرة مراكش في حشوده من الموحدين والعرب، وكان خروجه من باب دُكّاله، وقد هرعت الجموع الغفيرة لرؤيته، فسار وأمامه العلم الأبيض، ومن ورائه حملة الطبول، وقد قدم أمامه مصحف عثمان محمولا على جمل مرتفع، وعليه قبة صغيرة حمراء، وقد وضع في تابوته الفخم المرصّع بنفائس الجوهر والياقوت والزمرد، وأمام مصحف

стр. 1788

عثمان، مصحف الإمام المهدي، وكان يسير إلى جانب حملة الأعلام والطبول، الوزير أبو العلاء إدريس بن جامع، ومعه الشيخ أبو محمد عبد الواحد بن عمر صاحب المهدي، وأبو محمد عبد الله المالقي شيخ طلبة الحضر، وقاضي الجماعة أبو موسى عيسى بن عمران، وعدة آخرون من أشياخ الموحدين. ونزل الخليفة في وادي تانسيفت على قيد ثلاثة أميال من مراكش، وهو أول منازل الرحلة، وعساكره محدقة به من كل صوب. ثم غادره في اليوم التالي إلى جسر الخطابة إلى توبين، ثم إلى تودجين. واستمر في سيره على هذا النحو حتى وصل إلى وادي أم الربيع، وهو في كل مرحلة ينزل في الدار التي أعدت لنزوله، وجاز العسكر الوادي تباعاً فوق القنطرة التي عملت لذلك، وقد خصص يوم لجواز كل قبيلة. ثم استأنف السير حتى وصل إلى مقربة من المهدية، وهي التي سُمّيت عندئذ برباط الفتح. وكان موضع هذه المدينة التي غدت في عصرنا عاصمة المغرب، سهلا براحاً به مرافق لأهل سلا، وبعض أعيان إشبيلية، فاشتراه الخليفة عبد المؤمن من أصحابه. ولما وفد في قواته على سلا في سنة ٥٤٥ هـ، لاستطلاع أحوال جزيرة الأندلس واستدعاء شيوخها وطلبتها من الموحدين، أمر حسبما تقدم، بأن ينشأ في ذلك الموضع قصبة حصينة على اللسان الممتد في البحر أمام سلا، وبأن ينشأ سرب لجريان الماء من عين عبولة، القريبة إلى محلته التي أنشأها، فتم ذلك في بضعة أشهر، وجرى الماء ليستقي منه الناس والدواب وتروى الأرض، وغرست الجنات والرياض، وأذن الخليفة للناس بالسكنى وإنشاء الديار والأسواق. وهكذا قامت مدينة رباط الفتح. وكانت الرباط، منذ عهد عبد المؤمن مركز تجمع الجيوش الموحدية الغازية سواء إلى إفريقية أو الأندلس. ولما تم فتح إفريقية غدت بالأخص مجاز الجيوش المسيرة إلى الأندلس. ولما وصل الخليفة أبو يعقوب إلى مقربة من الرّباط نزل في فحصها مع الوزراء والأشياخ والكبراء، وأمر بأن تُغرس في أركان تابوت مصحف عثمان الأربعة، أربع رايات، رفعت على أربع رماح صغار، في أعلى كل منها تفاحة من الذهب يسطع بريقها الوهاج، وللرايات ألوان أربعة، الخلدى والأحمر، والأصفر والأبيض. ثم اقتعد الخليفة غارب فرسه الأشقر، وسار على النظام الذي سبق وصفه، ومن ورائه حشود الموحدين والعرب وقد ملأت البسائط.

стр. 1789

فلما أشرف على الرباط، أمر بتقديم الطبول والرايات أمامه مع المصحفين تعظيماً لشأنهما، وتبعه الوزراء والأشياخ والكتاب والطلبة، حتى وصل إلى باب المدينة، فرد وجهه للناس واستقبلهم ودعا لهم، وأمرهم بالنزول في السهل الشاسع، ونزل بالدار المعدة لنزوله، وكان وصول الخليفة إلى رباط الفتح في اليوم العشرين من شهر رجب سنة ٥٦٦ هـ، وبذا استغرقت رحلته إليها من مراكش، سبعة عشر يوماً (١). وأمر الخليفة على أثر وصوله أن تجدد السقاية التي أنشأها والده عبد المؤمن، وكانت قد خربت، وأسن ماؤها، فجددت وأعيدت إلى حالتها الأولى، وأنشىء إلى جانبها صهريج عظيم ليمدها بالماء المتجمع فيه، وكذلك أمر بأن ينشأ جسر جديد فيما بين الرباط وسلا على نهر أبي رقراق، إلى جانب الجسر الذي كان قد أنشأه أبوه، ثم خرب بفعل الزمن، فأقيم جسر عظيم فوق القوارب، وغطى بالحجر والجيار الثابت. وأمر أخيراً بالبدء في بناء أسوار المدينة من جهتي الجنوب والغرب، وهي الأسوار التي أكملت فيما بعد في عهد ولده الخليفة يعقوب المنصور. وفي اليوم الثامن من نزوله أمر بتحرك العساكر، وأن يقام لهم تمييز جديد، وأشرف على تمييز العرب السيد أبو زكريا أخو الخليفة، وأبو محمد عبد الله المالقي لمعرفته بهم وبأنسابهم. ثم وزعت الكسى على الأشياخ من كل قبيل، وعلى طلبة الحضر، والعرب، وخُص كثير منهم بأخبية وخيل عتاق، وكذلك وزعت الصدقات على الضعفاء والمساكين، وقضيت حوائج الناس، ثم اتخذت الأهبات الأخيرة لاستئناف السير. وفي عشية يوم الجمعة التاسع من شهر شعبان سنة ٥٦٦ هـ، صدرت الأوامر بالحركة، وعبرت الجند البحر إلى سلا فوق الجسر الجديد. وفي صباح اليوم التالي تقدم الشيخ أبو سعيد يخلف بن الحسين بالموحدين حتى تم جوازهم، ثم تلاه السيد أبو زكريا بالعرب، واستغرق جواز العسكر خمسة أيام، وفي الخامس عشر من شعبان غادر الخليفة رباط الفتح، ومعه وزيره ابن جامع، والأشياخ والحفاظ والطلبة والعبيد، بنفس النظام الذي تقدم وصفه، ونزل بالموضع المعروف بالحمام على مقربة من وادي سبُو تجاه ثغر المعمورة، وتلاحق سائر العسكر إلى الوادي، فاجتمع من عسكر الموحدين عشرة آلاف فارس، واجتمع كذلك

стр. 1790

من العرب عشرة آلاف فارس، وهذا غير المتطوعة والمجاهدين، فإذا ذكرنا أن الشيخ أبا حفص بن يحيى، كان قد تقدم الخليفة بجيش كبير إلى شبه الجزيرة في أوائل سنة ٥٦٤ هـ، وأن السيد أبا حفص أخا الخليفة، تلاه في جيش كبير آخر عبر إلى شبه الجزيرة في أوائل سنة ٥٦٦ هـ، وهو الجيش الذي اضطلع بمحاربة ابن مردنيش والقضاء على مملكة الشرق، أدركنا ضخامة الجيوش الموحدية التي أعدت للغزو بالأندلس. ووصل الخليفة في قواته الجرارة إلى قصر مصمودة غربي ثغر سبتة (١)، وبدأ عبور الجند إلى شبه الجزيرة، عن طريق ثغر طريف، في مستهل رمضان من سنة ٥٦٦ هـ (٨ مايو سنة ١١٧١ م) واستمر عبورها أكثر من أسبوعين، وفي اليوم السابع والعشرين من رمضان عبر الخليفة في خاصته، واستقبله في طريف زعماء الأندلس وأكابرها من سائر القواعد، ثم تحرك إلى إشبيلية، ودخلها في يوم الجمعة الثاني عشر من شهر شوال (١٨ يونيه) واستقبله الأشياخ والناس استقبالا حافلا، فاستراح بها عشرة أيام، ثم سار إلى قرطبة في الثاني والعشرين من شوال، فوصل إليها في غرة ذي القعدة (٥ يوليه). ونزلت القوات الموحدية في داخل قرطبة وفي خارجها على ضفتي الوادي، مدة إقامة الخليفة بها، وقد استطالت إلى آخر ذي الحجة سنة ٥٦٦ هـ. وفي يوم عيد الأضحى، خرج الخليفة للصلاة وألقيت الخطبة المعتادة، واحتفل بالنحر، ثم استقبل الأشياخ الموحدين وأبناء الجماعة، وانصرف إلى دار الإمارة. وفي اليوم التالي جلس بالقصر، مجلس السلام والتهنئة، وأقبل أشياخ الموحدين وأبناء الجماعة، وطلبة الحضر، والفقهاء والقضاة والكتاب، وأهل الوفود، وأعيان قرطبة، أقبلوا جميعاً للسلام، وأنشد الشعراء كالعادة مدائحهم وتهانيهم، وكان في مقدمتهم أبو بكر بن المُنخّل، وقد أنشد بين يدي الخليفة قصيدة طويلة أوردها لنا ابن صاحب الصلاة، ومما جاء فيها: شرّف الخلافة أن ملكتَ زمامها ... يحمي جوانبها فكنتَ حسامها
следующие страницы →