تقرع، وقد أبدع كل منهما في حركاته ومناوراته. ثم تقدم أخوا الخليفة وأشياخ الموحدين وأشياخ العرب وجميع الوافدين للسلام على الخليفة، وانصرف الخليفة بعد ذلك في عسكر الموحدين إلى المدينة، وضرب العرب محلتهم في الفحص. وفي اليوم التالي، الثالث من ربيع الأول، أمر الخليفة بدخول أشياخ العرب والوفود لمبايعته، وأخذ العهد عليهم، فأدخلوا واستغرقت بيعتهم أسبوعاً حتى العاشر من ربيع الأول.
وفي يوم الجمعة الثاني والعشرين من ربيع الأول، خرج الخليفة عقب الصلاة إلى البحيرة (البستان) خارج الحضرة، ومدت المآدب العظيمة لإطعام العرب والوافدين. ويصف لنا ابن صاحب الصلاة، وقد كان من شهود هذه الحفلات كلها، هيئة الإطعام، فيقول إن كل طائفة من ثلاثة آلاف رجل كان يقدم لها الطعام، وكلما انتهت طائفة من الأكل، سارت إلى موضع الخليفة وسلمت ودعا لها. واستمر حفل الإطعام أياماً، وقد أربى ما كان يقدم فيه على ما تقدم من الإنعام المماثل. ولم يعكر صفو هذا الحفل سوى مشادة حدثت بين صبيان الموحدين وأتباع العرب، وقعت خلالها بعض الاعتداءات على النفس والمال، وبادر العرب بالاعتذار وطلب العفو من الخليفة لما وقع من أتباعهم، فصفح الخليفة عنهم، وأمر بالاستمرار في إطعامهم وإكرامهم (١).
وكانت آخر خطوة في هذه الأحداث المتعاقبة، إجراء التمييز لعسكر العرب والموحدين، ففي اليوم الثامن من جمادى الأولى أمر الخليفة بتمييز العرب الوافدين ومن وصل معهم، وأن يحضروا بين يديه في رحبة قصره بدار الحجر، ورتب دخولهم كل يوم بعدد معلوم من مختلف القبائل، فاستمر تمييزهم خمسة عشر يوماً، والخليفة جالس في مجلسه مع أشياخ الموحدين وأشياخ طلبة الحضر وأشياخ العرب، يحرض العرب والناس على الجهاد، ويحث على التفاني فيه. ولما انتهى التمييز، دعا الخليفة أشياخهم وكبراءهم، وأحضرت زمامات التمييز الأول، أيام الخليفة عبد المؤمن، فوجدت في التمييز الجديد زيادة كبيرة في الأجور. وكان قصد الخليفة من التوسعة على العرب، أن يمتنعوا عن عاداتهم الذميمة في الاعتداء على الأموال وخطف العمائم والثياب والسروج وغيرها،
стр. 1787
وأن يستميلهم إلى طاعته ومؤازرته، ثم بدىء بتمييز الموحدين من غرة جمادى الآخرة واستمر تمييزهم أيضاً خمسة عشر يوماً، وفق منازلهم وقبائلهم، ووزعت على أثر ذلك على الموحدين والعرب الخيل وعُدد الحرب من الرماح والدروع والبيض والسيوف وغيرها. واختتم التمييز بما يسمى في المراسيم الموحدية " بالإنعام بالبركة " وتوزيع الأعطية. وأقيم لذلك حفل ضخم جلس فيه الخليفة في مجلسه، ومن حوله أشياخ الموحدين وأشياخ العرب، وأحضرت الأموال بين يديه، أكواماً من الذهب والفضة، من دنانير ودراهم، وقُدم الموحدون في تنفيذ البركة، فأصاب الفارس الكامل منهم عشرة دنانير، وغير الكامل ثمانية، والراجل ْالكامل خمسة دنانير وغير الكامل ثلاثة. وحصل العرب على منح مضاعفة، فأصاب الفارس الكامل منهم خمسة وعشرين ديناراً، وغير الكامل خمسة عشر، والراجل سبعة دنانير، ومُنح أشياخ العرب خمسون ديناراً لكل منهم، ومنح كل رئيس قبيلة مائتا دينار، ووزعت على الجميع الكسى من القباطي والنفاير والعمائم، وزودوا بالسيوف المحلاة والدروع السابغات والبيض والقنا، وأمر لهم بثلاثة آلاف فرس وزعت على مختلف القبائل، وحصل الموحدون كذلك على جملة كبيرة من الخيل قسمت عليهم بحسب قبائلهم ومنازلهم. وكان يوماً مشهوداً، سادت فيه الغبطة والحماسة بين الأشياخ والجند، وارتفعت قواهم المعنوية، وأخذوا يتطلعون إلى الغزو المنشود في عزم وثقة (١).
- ١ -
وهكذا تمت أهبة الخليفة أبي يعقوب يوسف للغزوة الأندلسية التي اعتزمها، والتي عاقه المرض حيناً عن إتمامها، وعلى هذا النمط الذي أفاض في وصفه، ابن صاحب الصلاة، ولخصناه فيما تقدم، كانت تُحشد الجيوش الموحدية، ويجرى استعداد الخليفة الموحدي للغزو. وفي اليوم الرابع من شهر رجب سنة ٥٦٦ هـ الموافق ١٣ مارس سنة ١١٧١ م غادر أبو يعقوب حضرة مراكش في حشوده من الموحدين والعرب، وكان خروجه من باب دُكّاله، وقد هرعت الجموع الغفيرة لرؤيته، فسار وأمامه العلم الأبيض، ومن ورائه حملة الطبول، وقد قدم أمامه مصحف عثمان محمولا على جمل مرتفع، وعليه قبة صغيرة حمراء، وقد وضع في تابوته الفخم المرصّع بنفائس الجوهر والياقوت والزمرد، وأمام مصحف
стр. 1788
عثمان، مصحف الإمام المهدي، وكان يسير إلى جانب حملة الأعلام والطبول، الوزير أبو العلاء إدريس بن جامع، ومعه الشيخ أبو محمد عبد الواحد بن عمر صاحب المهدي، وأبو محمد عبد الله المالقي شيخ طلبة الحضر، وقاضي الجماعة أبو موسى عيسى بن عمران، وعدة آخرون من أشياخ الموحدين. ونزل الخليفة في وادي تانسيفت على قيد ثلاثة أميال من مراكش، وهو أول منازل الرحلة، وعساكره محدقة به من كل صوب. ثم غادره في اليوم التالي إلى جسر الخطابة إلى توبين، ثم إلى تودجين. واستمر في سيره على هذا النحو حتى وصل إلى وادي أم الربيع، وهو في كل مرحلة ينزل في الدار التي أعدت لنزوله، وجاز العسكر الوادي تباعاً فوق القنطرة التي عملت لذلك، وقد خصص يوم لجواز كل قبيلة. ثم استأنف السير حتى وصل إلى مقربة من المهدية، وهي التي سُمّيت عندئذ برباط الفتح. وكان موضع هذه المدينة التي غدت في عصرنا عاصمة المغرب، سهلا براحاً به مرافق لأهل سلا، وبعض أعيان إشبيلية، فاشتراه الخليفة عبد المؤمن من أصحابه. ولما وفد في قواته على سلا في سنة ٥٤٥ هـ، لاستطلاع أحوال جزيرة الأندلس واستدعاء شيوخها وطلبتها من الموحدين، أمر حسبما تقدم، بأن ينشأ في ذلك الموضع قصبة حصينة على اللسان الممتد في البحر أمام سلا، وبأن ينشأ سرب لجريان الماء من عين عبولة، القريبة إلى محلته التي أنشأها، فتم ذلك في بضعة أشهر، وجرى الماء ليستقي منه الناس والدواب وتروى الأرض، وغرست الجنات والرياض، وأذن الخليفة للناس بالسكنى وإنشاء الديار والأسواق. وهكذا قامت مدينة رباط الفتح. وكانت الرباط، منذ عهد عبد المؤمن مركز تجمع الجيوش الموحدية الغازية سواء إلى إفريقية أو الأندلس. ولما تم فتح إفريقية غدت بالأخص مجاز الجيوش المسيرة إلى الأندلس. ولما وصل الخليفة أبو يعقوب إلى مقربة من الرّباط نزل في فحصها مع الوزراء والأشياخ والكبراء، وأمر بأن تُغرس في أركان تابوت مصحف عثمان الأربعة، أربع رايات، رفعت على أربع رماح صغار، في أعلى كل منها تفاحة من الذهب يسطع بريقها الوهاج، وللرايات ألوان أربعة، الخلدى والأحمر، والأصفر والأبيض. ثم اقتعد الخليفة غارب فرسه الأشقر، وسار على النظام الذي سبق وصفه، ومن ورائه حشود الموحدين والعرب وقد ملأت البسائط.
стр. 1789
فلما أشرف على الرباط، أمر بتقديم الطبول والرايات أمامه مع المصحفين تعظيماً لشأنهما، وتبعه الوزراء والأشياخ والكتاب والطلبة، حتى وصل إلى باب المدينة، فرد وجهه للناس واستقبلهم ودعا لهم، وأمرهم بالنزول في السهل الشاسع، ونزل بالدار المعدة لنزوله، وكان وصول الخليفة إلى رباط الفتح في اليوم العشرين من شهر رجب سنة ٥٦٦ هـ، وبذا استغرقت رحلته إليها من مراكش، سبعة عشر يوماً (١).
وأمر الخليفة على أثر وصوله أن تجدد السقاية التي أنشأها والده عبد المؤمن، وكانت قد خربت، وأسن ماؤها، فجددت وأعيدت إلى حالتها الأولى، وأنشىء إلى جانبها صهريج عظيم ليمدها بالماء المتجمع فيه، وكذلك أمر بأن ينشأ جسر جديد فيما بين الرباط وسلا على نهر أبي رقراق، إلى جانب الجسر الذي كان قد أنشأه أبوه، ثم خرب بفعل الزمن، فأقيم جسر عظيم فوق القوارب، وغطى بالحجر والجيار الثابت. وأمر أخيراً بالبدء في بناء أسوار المدينة من جهتي الجنوب والغرب، وهي الأسوار التي أكملت فيما بعد في عهد ولده الخليفة يعقوب المنصور. وفي اليوم الثامن من نزوله أمر بتحرك العساكر، وأن يقام لهم تمييز جديد، وأشرف على تمييز العرب السيد أبو زكريا أخو الخليفة، وأبو محمد عبد الله المالقي لمعرفته بهم وبأنسابهم. ثم وزعت الكسى على الأشياخ من كل قبيل، وعلى طلبة الحضر، والعرب، وخُص كثير منهم بأخبية وخيل عتاق، وكذلك وزعت الصدقات على الضعفاء والمساكين، وقضيت حوائج الناس، ثم اتخذت الأهبات الأخيرة لاستئناف السير.
وفي عشية يوم الجمعة التاسع من شهر شعبان سنة ٥٦٦ هـ، صدرت الأوامر بالحركة، وعبرت الجند البحر إلى سلا فوق الجسر الجديد. وفي صباح اليوم التالي تقدم الشيخ أبو سعيد يخلف بن الحسين بالموحدين حتى تم جوازهم، ثم تلاه السيد أبو زكريا بالعرب، واستغرق جواز العسكر خمسة أيام، وفي الخامس عشر من شعبان غادر الخليفة رباط الفتح، ومعه وزيره ابن جامع، والأشياخ والحفاظ والطلبة والعبيد، بنفس النظام الذي تقدم وصفه، ونزل بالموضع المعروف بالحمام على مقربة من وادي سبُو تجاه ثغر المعمورة، وتلاحق سائر العسكر إلى الوادي، فاجتمع من عسكر الموحدين عشرة آلاف فارس، واجتمع كذلك
стр. 1790
من العرب عشرة آلاف فارس، وهذا غير المتطوعة والمجاهدين، فإذا ذكرنا أن الشيخ أبا حفص بن يحيى، كان قد تقدم الخليفة بجيش كبير إلى شبه الجزيرة في أوائل سنة ٥٦٤ هـ، وأن السيد أبا حفص أخا الخليفة، تلاه في جيش كبير آخر عبر إلى شبه الجزيرة في أوائل سنة ٥٦٦ هـ، وهو الجيش الذي اضطلع بمحاربة ابن مردنيش والقضاء على مملكة الشرق، أدركنا ضخامة الجيوش الموحدية التي أعدت للغزو بالأندلس.
ووصل الخليفة في قواته الجرارة إلى قصر مصمودة غربي ثغر سبتة (١)، وبدأ عبور الجند إلى شبه الجزيرة، عن طريق ثغر طريف، في مستهل رمضان من سنة ٥٦٦ هـ (٨ مايو سنة ١١٧١ م) واستمر عبورها أكثر من أسبوعين، وفي اليوم السابع والعشرين من رمضان عبر الخليفة في خاصته، واستقبله في طريف زعماء الأندلس وأكابرها من سائر القواعد، ثم تحرك إلى إشبيلية، ودخلها في يوم الجمعة الثاني عشر من شهر شوال (١٨ يونيه) واستقبله الأشياخ والناس استقبالا حافلا، فاستراح بها عشرة أيام، ثم سار إلى قرطبة في الثاني والعشرين من شوال، فوصل إليها في غرة ذي القعدة (٥ يوليه). ونزلت القوات الموحدية في داخل قرطبة وفي خارجها على ضفتي الوادي، مدة إقامة الخليفة بها، وقد استطالت إلى آخر ذي الحجة سنة ٥٦٦ هـ. وفي يوم عيد الأضحى، خرج الخليفة للصلاة وألقيت الخطبة المعتادة، واحتفل بالنحر، ثم استقبل الأشياخ الموحدين وأبناء الجماعة، وانصرف إلى دار الإمارة. وفي اليوم التالي جلس بالقصر، مجلس السلام والتهنئة، وأقبل أشياخ الموحدين وأبناء الجماعة، وطلبة الحضر، والفقهاء والقضاة والكتاب، وأهل الوفود، وأعيان قرطبة، أقبلوا جميعاً للسلام، وأنشد الشعراء كالعادة مدائحهم وتهانيهم، وكان في مقدمتهم أبو بكر بن المُنخّل، وقد أنشد بين يدي الخليفة قصيدة طويلة أوردها لنا ابن صاحب الصلاة، ومما جاء فيها:
شرّف الخلافة أن ملكتَ زمامها ... يحمي جوانبها فكنتَ حسامها
стр. 1791
طبع الإله لها حساماً صارماً ... وغدوت من عقد الإمام إمامها
ورأت عداة الله أن حمامها ... من قيس عيلان فكنت حمامها
فعلى رماحك أن تشق صوبها ... وعلى سيوفك أن تفلّق هامها (١).
وفي خلال إقامة الخليفة بقرطبة سُيرت حملة موحدية بقيادة عبد الله بن أبي حفص ابن تفريجين وبعض أشياخ الموحدين نحو أراضي قشتالة، وكان القصد من تسييرها أن تقوم بغارة انتقامية لما ارتكبه القشتاليون بقيادة الكونت نونيو دي لارا من العيث والتقتيل في أراضي المسلمين، قبل ذلك بنحو عامين، فسار الموحدون شمالا، وعبروا نهر التاجُه، وعاثوا في منطقة كبيرة من أراضي قشتالة، وعادوا إلى قرطبة مثقلين بالسبي والغنائم، ونحن نذكر أن الجيوش الموحدية، كانت قبل ذلك ببضعة أشهر، قد سارت بقيادة السيد أبي حفص أخي الخليفة لحصار مرسية ومقاتلة ابن مردنيش في عقر أراضيه، والقضاء على سلطانه في شرقي الأندلس، وذلك حسبما فصلناه من قبل في موضعه، وكانت الأنباء تتوالى على الخليفة، وهو بقرطبة، بما أنزله الموحدون بابن مردنيش من الضربات والهزائم، وما استولوا عليه من بلاده، وبما يؤذن بإحرازهم النصر النهائي في تلك المعركة الحاسمة.
- ٢ -
غادر الخليفة أبو يعقوب يوسف قرطبة، بعد أن أقام بها شهرين، في آخر شهر ذي الحجة سنة ٥٦٦ هـ، قاصداً إلى إشبيلية، فوصل إليها في الثاني من محرم سنة ٥٦٧ هـ (٥ سبتمبر ١١٧١ م)، ويقول لنا ابن صاحب الصلاة، وقد كان شاهد عيان لكل ما تقدم من تنقلات الخليفة، إن الخليفة لم يحتل من دور إشبيلية سوى ستين داراً، وأنه اشترى بها مائة دار من ماله الخاص لتكون منزلا للوافدين إليه، وذلك رفقاً منه بأهل المدينة (٢)، وكانت إشبيلية قد غدت عندئذ قاعدة الحكومة الموحدية بالأندلس، وذلك بعد أن ترددت هذه الحكومة حيناً بين قرطبة وغرناطة وإشبيلية. وكانت إشبيلية بموقعها على مقربة من البحر وعلى مقربة من العدوة، أصلح من الناحية الإستراتيجية من قرطبة، لاستقبال
стр. 1792
الجيوش الموحدية الوافدة، واستقبال عتادها وذخائرها ومؤنها، ومن جهة أخرى، فقد أثبتت الحوادث، منذ مقدم الموحدين إلى شبه الجزيرة، أن تيار الغزو النصراني للأندلس، قد تحول إلى ناحية الغرب، وأن قيام مملكة البرتغال الجديدة، واشتداد ساعدها، قد نقل الصراع الرئيسي بين إسبانيا المسلمة، وإسبانيا النصرانية إلى هذه الناحية من شبه الجزيرة، وهذا ما أيدته في الأعوام الأخيرة، معارك بطليوس، وغزوات ألفونسو هنريكيز، وهذا ما سوف تؤيده الحوادث فيما بعد، وهو مما يدل على بعد نظر السياسة الموحدية في هذا الشأن. وأخيراً فقد كانت إشبيلية، بعد الذي أصاب قرطبة عاصمة الخلافة القديمة، من ضروب التخريب والعفاء منذ أيام الفتنة، ومختلف الحروب والثورات، كانت أرقى عمراناً، وأوسع رحاباً، ولاسيما منذ أيام بني عباد، حيث غدت أعظم حواضر الأندلس وأجملها. ولهذا كله اختار الموحدون أن تكون إشبيلية حاضرتهم وقاعدة حكومتهم بالأندلس.
وما كاد الخليفة يصل إلى إشبيلية، حتى أمر بعزل محمد بن سعيد المعروف بابن المعلم، وكان يتولى أعمال المخزن أو إدارة الشئون المالية بإشبيلية والأندلس، وأُمر بالسير إلى قرطبة لمحاسبته، والتحقيق في سير أعماله، وكانت قد علقت به وبتصرفاته في تنفيذ المنشآت والمشاريع العامة ريب كثيرة، وندب لمحاسبته الفقيه أبو محمد المالقي والكاتب أبو الحكم بن عبد العزيز، وانتهى الأمر باستصفاء أمواله، ثم إعدامه فيما بعد. وقدّم الخليفة مكانه على أعمال إشبيلية، أبا داود بلول ابن جلداسن. وقد كان للخليفة عند حلوله بإشبيلية برنامج ضخم من الأعمال الإنشائية، سوف يضطلع بلول، وزير المال الجديد، في تنفيذه بأعظم قسط.
وكان أول ما أشار به الخليفة من تلك الأعمال بناء قنطرة عظيمة على نهر الوادي الكبير، تصل ما بين إشبيلية وطريق طُريانة، ضاحيتها الغربية، وتيسر سبل المواصلات في اتجاه الغرب، فحشد لها العرفاء والصناع، وتم إنشاؤها في نحو شهر، في السابع من صفر سنة ٥٦٧ هـ، وحضر الخليفة يوم إكمالها وافتتاحها، في حفل ضخم، رفعت فيه البنود وقرعت الطبول. وينوه ابن صاحب الصلاة بما كان لإنشاء هذه القنطرة العظيمة من حسن الأثر، وما حققته للناس من يسر ورخاء، إذ كان المرور بها دون قبالة أو رسوم.
وفي خلال ذلك، حضر السيد أبو حفص أخو الخليفة من حصن مرسية،
стр. 1793
وذلك قبل وفاة ابن مردنيش وانقضاء أمره بأشهر قلائل، فاستقبله الخليفة خارج إشبيلية، باحتفال بالغ. واجتمع الأخوان للبحث فيما يجب عمله لحماية الأندلس ورد عدوان النصارى عنها. وكان أول ما تقرر في ذلك أن ترسل حملة ضاربة من الموحدين تحمل الميرة والعتاد والمرافق اللازمة لمدينة بطليوس، فخرجت هذه الحملة في الثامن من شهر صفر، وجازت فوق القنطرة الجديدة إلى طريانة، فكانت أول عسكر يجوز عليها، وسارت إلى بطليوس. فلما اقتربت من المدينة، هاجمت حصن ليون الواقع على مقربة من شرقي بطليوس على ضفة وادي يانه، وكانت تحتله حامية من النصارى من جند جيرالدو سمبافور، واقتحمته عنوة، وأوصلت حمولتها من الميرة والسلاح إلى بطليوس، ثم عادت سالمة إلى إشبيلية.
ولما كللت حملة مرسية بالنجاح، وتوفي ابن مردنيش، وانتهت مملكة الشرق، قَدِم هلال بن مردنيش وأكابر الشرق إلى إشبيلية، في مستهل رمضان سنة ٥٦٧ هـ، وقدموا خضوعهم وطاعتهم للخليفة، وذلك حسبما فصلناه من قبل في موضعه.
وقد استطالت إقامة الخليفة أبي يعقوب يوسف بإشبيلية والأندلس زهاء خمسة أعوام، وبالرغم من أنه قام خلال إقامته بغزو أراضي النصارى، وذلك تحقيقاً لمشروعه الرئيسي في العبور إلى الأندلس، فإن أهم ما تميزت به تلك الفترة، هو اضطلاعه بالأعمال الإنشائية العظيمة بمدينة إشبيلية، وهي التي بدأها ببناء القنطرة على الوادي الكبير. والظاهر أن أبا يعقوب، كان يحبو هذه المدينة العظيمة، التي أنفق فيها أعواماً عديدة من شبابه حاكماً لها أيام أبيه عبد المؤمن، بكثير من الحب والإعجاب، ومن ثم فإنا نراه يعمل بهمة عظيمة على تحصينها وتجميلها، وتزويدها بالمنشآت الفخمة، والمياه الجارية. وكان أول ما عنى به بعد إنشاء القنطرة، هو إنشاء القصور الخليفية المعروفة " بالبحيرة ". وكانت إشبيلية تزدان بعدد من القصور الملكية، هي قصور بني عباد السالفة، وكانت ما تزال، في هذا العصر، بعد أكثر من مائة عام، تحتفظ بكثير من روعتها وفخامتها، ولكن الخليفة الموحدي، لم يرق له أن يتخذ من تلك القصور مقامه، واكتفى بتخصيصها لنزول الأمراء والكبراء الوافدين. وكان السيد أبو حفص، أخو الخليفة، قد ابتنى خلال زياراته لإشبيلية بعض الدور في وادي إشبيلية خارج باب الكُحل، فرأى الخليفة أن يقيم قصوره خارج باب جهور، في أرض الجنان المنسوب
стр. 1794
لأبي مسلمة القرطبي بعد أن عوض أصحابه جناناً في مكان آخر. وأقيمت في هذا الموضع طائفة من القصور والدور الفخمة للخليفة وحاشيته. وقام على إنشائها العريف أحمد بن باسُه عريف الأندلس، والخبير بشئون القصور، فجاءت على أبدع طراز، وأقيمت حولها من جميع الجهات أسوار من الجيار والرمل والحصى. وعهد الخليفة إلى أبي القاسم أحمد بن محمد الحوفي القاضي، وأبي بكر محمد ابن يحيى الجد، لما عرف عنهما من الأمانة والخبرة الهندسية والزراعية، أن يقوما بإنشاء بستان عظيم حول هذه القصور من أموال المخزن (الأموال العامة) تُجلب إليه الغراس من الزيتون والأعناب والفواكه وسائر الأنواع النادرة الغريبة من الأشجار والغراس، فقاما بتنفيذ أمره، وعُوّض أهل الأراضي التي أدخلت في البستان عن أراضيهم تعويضاً مرضياً. وعهد بأعمال الحفر والغراس إلى أبي داود بلول بن جلداس، متصرف إشبيلية وأعمالها وأمين الخليفة، وجلبت إلى البستان آلاف الغراس والأشجار من مختلف الأنحاء، وغُرست فيه على أجمل نسق. وحملت غراس التفاح والأجاص (الكمثرى) وغيرها من غرناطة ووادي آش، وكان الوزير أبو العلاء بن جامع وابنه يحيى يلازمان الجلوس للإشراف على العمل من الصباح إلى المساء، وكان الخليفة يخرج من قصره بإشبيلية مع أعيان الموحدين لمشاهدة الأعمال الجارية ومدى تقدمها. ويفيض ابن صاحب الصلاة كعادته في وصف هذه القصور وجمالها وفخامتها (١).
وكانت الخطوة التالية بعد إنشاء القصور والبستان، النظر في استجلاب الماء لتوفير السقاية والري. وكان يوجد خارج باب قرمونة، على الطريق المتجه إلى قرمونة، أطلال قنطرة رومانية قديمة، قد درست وعفت، ولم يبق منها سوى حجارتها المتساقطة. فقام المهندس الأندلسي البارع الحاج يعيش المالقي، وهو الذي تولى الإشراف على أعمال جبل طارق، بالحفر حول هذا الأثر، حتى تحقق لديه، أنه كان قنطرة رومانية تحمل الماء من سرب قديم إلى إشبيلية، ثم تتبع السرب بعد ذلك بالحفر حتى انتهى إلى مأخذه القديم من الوادي على مقربة من قلعة جابر (٢)، وتم إجراء الماء من ذلك الموضع في سربه القديم إلى البحيرة،
стр. 1795
والقصور والرياض الخليفية، وأمر الخليفة بعد ذلك، بإجراء الماء إلى داخل المدينة لسقاية الناس، وتوفير مرافقهم، فقام الحاج يعيش بتنفيذ هذه الرغبة على أكمل صورة، وأنشىء داخل إشبيلية محبس للماء بحارة منور وهو نهاية جريانه، وتم توصيل الماء إلى المدينة على هذا النحو في اليوم الخامس عشر من جمادى الآخرة سنة ٥٦٧ هـ، وحضر الخليفة حفل إجرائه في جماعة كبيرة من الجند والأشياخ والفقهاء والطلبة، وضربت الطبول، وساد البشر واليمن بين الناس.
على أن أعظم منشآت الخليفة أبي يعقوب يوسف بإشبيلية، هو الجامع الأعظم، الذي ما زالت تقوم منه حتى اليوم بعض البقايا الدارسة، إلى جانب كنيسة إشبيلية العظمى، التي أقيمت فوق أنقاضه. وكان البدء بإنشائه واختطاط موقعه في شهر رمضان سنة ٥٦٧ هـ، فهدمت لذلك الغرض ديار كثيرة داخل القصبة تحت إشراف العريف أحمد بن باسُه، واجتمع بإشبيلية للقيام بأعمال الإنشاء، العرفاء، والبناؤون من أهل إشبيلية، ومن سائر قواعد الأندلس، ومن أهل العدوة ولاسيما مراكش وفاس، واجتمع معهم أمهر العمال من سائر الحرف المطلوبة. وكان الموحدون حينما افتتحوا إشبيلية قد أنشأوا لهم بقصبتها جامعاً صغيراً يؤدون فيه شعائرهم، ولكنه أضحى يضيق بهم، بعد أن تكاثروا وكثرت وفودهم، ومن جهة أخرى، فإن المدينة ذاتها كانت في أشد الحاجة إلى مسجد جامع يتفق مع ضخامة عمرانها، وأهميتها كمقر للحكومة الموحدية بالأندلس. وكان مسجد إشبيلية الجامع، المسمى بجامع العدبّس أو ابن عدبّس وهو المنسوب للقاضي عمر ابن عدَبّس، والمشيد في سنة ٢١٤ هـ، أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم، قد ضاق برواده، نظراً لنمو المدينة وتكاثف سكانها، وكثرة الموحدين الوافدين عليها، ولم يفكر أحد من أمراء بني عبّاد أيام دولتهم، في إنشاء مثل هذا الجامع لانهماكهم في شئون الإمارة، وإنشاء القصور ودور القصف، وإهمالهم لشئون العبادة. يقول ابن صاحب الصلاة وقد كان من سكان إشبيلية، وكان شاهد عيان لإقامة هذه المنشآت كلها، إن أمير المسلمين الخليفة أبا يعقوب " قد حاز الذخر والأجر في بناء هذا المسجد الجامع الكبير توسعة للناس، فأسسه من الماء بالآجر والجيار والحصى والأحجار، على أعظم البناء والاقتدار، وأسس أرجله المعقودة بطاقات بلاطابية تحت الأرض، أطول مما فوق الأرض، وجمع عليه الفعلة بكثرة الرجال والخدام، وإحضار الآلات من الخشب المجلوب من سواحل العدوة
стр. 1796
مما لا يقدر عليه ملك من ملوك الأندلس قبله، فأعلى بنيته، وصقل صفحته بالإتقان لتشييده وتوثقه، وأنفذ أمره العالي ببنيانه في رمضان من سنة سبع وستين وخمسمائة المؤرخة، لم يرفع عنه البناء قط في فصل من فصول السنين مدة إقامته بإشبيلية، إلى أن كمل بالتسقيف وجاء في أبهى النظر الشريف، أعجز في بنيانه من تقدمه، وتفنن في ميزابه وخبره ورخمه مقدمه، قارب جامع قرطبة في السعة، وليس في الأندلس جامع على نده، وسعته وعدد بلاطاته ".
وتولى النظر على بناء الجامع وعرفائه العريف أحمد بن باسُه، والنظر على النفقة أبو داود بن جلداسن خاصة أمير المؤمنين، وكان من الحفاظ على البناء من أهل إشبيلية، أبو بكر بن زهر، وأبو بكر الساقي. ويصف لنا ابن صاحب الصلاة مراحل إتمام الجامع على النحو الآتي: إن سرب المدينة كانت تشق بجريها تحت الأرض على مواضع اختطاط هذا الجامع، فنكبت عنه، وصرفت إلى جهة الجوف على سرب واسع، وعمل على توثيق البناء تحت الأرض، وعنى العرفاء ببناء القبة التي على محرابه وبنجارتها أعظم عناية، وأقاموا عن يسار المحراب، ساباطاً في الحائط، يشقه الخليفة من القصر إلى الجامع، لشهود صلاة الجمعة، وافتن الصناع في عمل المنبر وصياغته من أكرم الخشب، وفي إبداع نقوشه، وترصيعه بالصندل المجزع بالعاج، وأبنوسه يتلألأ بصفائح الذهب والفضة، " وأشكال في عمله من الذهب الإبريز، يتألق نوراً، ويحسبها الناظر لها في الليل البهيم بدوراً ". ثم عملت له مقصورة من الخشب مزينة بالفضة. وكان الخليفة يتفقد بناءه بنفسه في أكثر الأيام ومعه أشياخ دولته، ويشير للمشرفين عليه بالجد في البناء وإتقانه، حتى كملت جهاته الأربع بالبناء وعقد الأقواس، وكمال التسقيف، واستغرق بناؤه ثلاثة أعوام وأحد عشر شهراً، إلى أن حان موعد عودة الخليفة إلى حضرة مراكش في الرابع عشر من شعبان عام ٥٧١ هـ، وأمر بتسريح العرفاء والبنائين والصناع إلى مواطنهم. على أن هذا الجامع لم يفتتح للصلاة بصفة رسمية وتقام به الخطبة، إلا بعد ذلك بنحو سبعة أعوام، وأقيمت فيه الخطبة لأول مرة يوم الجمعة ٢٤ ذي الحجة سنة ٥٧٧ هـ (٣٠ أبريل سنة ١١٨٢ م) وذلك على يد السيد أبي إسحاق إبراهيم ابن الخليفة أبي يعقوب، ووالي إشبيلية عندئذ، وأزيلت الخطبة من جامع ابن عدبّس من ذلك التاريخ (١).
стр. 1797
ومما تجدر ملاحظته بهذه المناسبة أن الموحدين في بداية أمرهم لم يعنوا بزخرفة المنشآت والصروح، ولاسيما المساجد، معتبرين هذا الزخرف من الأمور المكروهة من الناحية الدينية، وكان كل ما يراعى في هذه الصروح هو البساطة والمتانة.
بيد أنه لما استحالت الخلافة الدينية من بعد عبد المؤمن إلى ملك باذخ، وبلاط يمتاز بالفخامة والروعة، بدأ زخرف الصروح الموحدية وتجميلها بوفرة وسخاء، فكان منبر جامع إشبيلية المرصع بصفائح الذهب والفضة، وكان تزويد صومعته التي أنشئت فيما بعد بتفافيحها الذهبية الثقيلة (١).
وسنرى فيما بعد، كيف أنشئت منارة هذا الجامع، وهي المنارة الشهيرة التي ما زالت قائمة حتى عصرنا في مدينة إشبيلية، بعد أن حول جزؤها الأعلى إلى برج للأجراس لكنيسة إشبيلية العظمى.
- ٣ -
ذكرنا فيما تقدم أنه لما وفد هلال بن مردنيش وأكابر الشرق وقادته على إشبيلية في مستهل رمضان سنة ٥٦٧ هـ، ليقدموا خضوعهم وطاعتهم للخليفة أبي يعقوب، اقترح قادة الشرق، وفي مقدمتهم شيخهم أبو عثمان سعيد بن عيسى، على الخليفة أن يقوم بغزو أراضي النصارى من جهة بلادهم، وعينوا له بالذات مدينة وبذة هدفاً لهذا الغزو، وذلك لضعف تحصيناتها وأسوارها، ولأنها حسبما ينقل إلينا ابن صاحب الصلاة " حديثة البنيان قريبة الإسكان " (٢) أو بعبارة أخرى لم يتأثل عمرانها، ولا أهباتها الدفاعية، وأن الخليفة وعدهم في نفس هذا المجلس بتحقيق رغبتهم متى انتهى شهر الصوم (٣). وإنه ليبدو لنا من ذلك أن الخليفة حينما عبر إلى الأندلس بقصد الغزو والجهاد لم يكن لديه مشروع معين لهذا الغزو، ومن ثم كان قبوله لاقتراح قادة الشرق.
وعلى أي حال، فقد اتخذ الخليفة أهبته لتلك الغزوة، وخرج في قواته من إشبيلية في فجر يوم الاثنين الحادي عشر من شوال سنة ٥٦٧ هـ (٦ يونيه سنة ١١٧٢ م)، فوصل إلى قرطبة في السابع عشر منه، وأقام محلته في جبل
стр. 1798
فحص السرادق المطل على براح أرض مدينة الزاهرة القديمة، وفي اليوم التالي
دخل قصر قرطبة القديم، وأقام به بضعة أيام. ثم غادر قرطبة في ظهر اليوم الخامس والعشرين من شوال، وسار في قواته صوب مدينة القصر (١)، فأندوجر ثم اتجه نحو الشرق حتى صار على مقربة من بياسة، وهنالك لحق به إبراهيم ابن همشك، وكان على حصار حصن بلج (٢) القريب من بياسه، وكان من أعظم وأمنع حصون هذه المنطقة. وكان هذا الحصن من أملاك ابن همشك، فلما وقع الخلاف بينه وبين صهره ابن مردنيش، من جراء انضوائه تحت لواء الموحدين، استولى ابن مردنيش على هذا الحصن، ووضع به حامية من جنده المرتزقة النصارى، وكان ابن همشك يحاصره بقواته حينما قدم الخليفة في جيشه الضخم، فاقترح عليه ابن همشك أن يسير في الحال إلى الحصن لحصاره والاستيلاء عليه، فاستجاب الخليفة إلى دعوته، وسارت القوات الموحدية صوب الحصن، ونزلت في ظاهره، وعاين الموحدون ضخامته ومنعته، وروعت حاميته النصرانية بما شهدت من كثرة الجيوش الموحدية، فاستدعوا ابن همشك ورجوه أن يتوسط لهم لدى الخليفة ليمنحهم الأمان مقابل تسليم الحصن، فقام ابن همشك بتحقيق رغبتهم ووافق الخليفة، ورأى في تسليم الحصن فاتحة النجح والنصر، وتم تسليم الحصن في يوم السبت ٣٠ شوال، وركب الخليفة إلى الحصن، وراقته ضخامته ومنعته، ورتب به حامية موحدية، وصرف أمره إلى ابن همشك. وفي اليوم الثاني من شهر ذي القعدة سار الخليفة في قواته شمالا نحو حصن الكَرَس (٣) وكان ابن مردنيش قد فعل به ما فعل بحصن بلج، وسلمه إلى حامية من النصارى. وكان هذا الحصن يقع فوق ربوة عالية يحيط بها الماء والبسائط الخضراء، فلما اقترب منه الموحدون، عرض النصارى تسليمه بالأمان، على نحو ما تم بحصن بلج، فأجيبوا إلى مطلبهم، ونزلوا عن الحصن، وذلك في اليوم السادس من ذي القعدة، وصرف أمره كذلك إلى ابن همشك.
ويصف لنا ابن صاحب الصلاة، وقد كان من مرافقي هذه الحملة الموحدية (٤)، سير الحملة وتنقلاتها بإفاضة، ويقول لنا إنه بعد الاستيلاء على هذين الحصنين، سار
стр. 1799
الخليفة في قواته إلى الموضع المعروف ببلاط الصوف (١) وهو المتصل بفحص جنجاله، وقد كانت يومئذ مدينة الحدود بين الأندلس وبين قشتالة، ثم تقدم منه إلى الموضع المعروف بالغُدُر قرب منابع نهر وادي يانه، ونزل في سهل بلاط الصوف وقضى فيه يوماً تزود فيه العسكر والناس بالماء. ثم غادره إلى مرج البسيط، وأقام فيه يوماً آخر، وسار منه إلى مقربة من وادي شُقر، حيث ارتوى الناس والدواب من ماء النهر، وقضوا فيه يومهم للراحة. وفي يوم الخميس الثاني عشر من ذي القعدة، أمر الخليفة أخاه السيد أبا سعيد، أن يسير من وادي شُقر في عسكر ضخم من الموحدين والعرب، يبلغ نحو اثنى عشر ألف فارس، ومعهم قوة من الرّجالة والرماة، إلى أراضي قشتالة، صوب مدينة وبذة (٢)، فسار السيد أبو سعيد في هذا الجيش ومعه أبو العلاء بن عزون " قاضى الدولة المهدية " في جنده، وإبراهيم بن همشك في جنده، فوصلوا في صباح اليوم التالي إلى أول بلاد قشتالة بموضع يسمى " برج جمل " وفيه حصن يحتله النصارى، فافتتحوه في الحال، وأفنوا حاميته قتلا وسبياً، وهدموه. وفي اليوم التالي - السبت - وصلوا إلى مدينة وبذة، والظاهر أن النصارى كانوا على أهبة لرد المغيرين، فما كاد الموحدون يصلون إلى ظاهر المدينة، حتى خرج إليهم القشتاليون. ونشبت بين الفريقين معركة تمهيدية، ظهر فيها تخاذل من بعض الجند العرب، فقتلوا، وأسفرت المعركة حسبما يقول لنا ابن صاحب الصلاة عن " ظهور الإسلام ". وعلى أثر ذلك نزل السيد أبو سعيد بعسكره فوق التل المطل على المدينة (٣).
وفي خلال ذلك وصل الخليفة في قواته إلى وبذة في اليوم السابع عشر من ذي القعدة، وأمر الموحدين والعرب من سائر القبائل بالتأهب للحرب، فانحاز كل عسكر إلى قبيله، واجتمع تحت رايته، وأمر الجميع بالسير، والصعود إلى التل الذي نزل به السيد أبو سعيد بجنده، ليتم اجتماع القوات المحاربة، فصعد الجند على الترتيب المذكور، وصعد بعدهم الخليفة في كتيبته، ومعه أبناء الجماعة، وأبناء أهل خمسين وأهل الدار والعبيد، وخلفه السيد أبو حفص وباقي الإخوة، ومن ورائهم الرايات والطبول وعددها مائة، وفي الحال بدأ الهجوم تحت قرع الطبول وصيحات التكبير، بين الموحدين والقشتاليين، واستولى الموحدون على
стр. 1800
ما كان لصق السور من مداخل أرباض المدينة، وأحرقت الدور وهدمت، وارتد القشتاليون إلى الداخل، ونزل الموحدون بخيولهم في الجنات والكروم المتصلة بالمدينة، وقطعوا عنها ماء الوادي. وفي مساء نفس اليوم طاف السيد أبو حفص ومعه الإخوة والأشياخ والزعماء، وقوة كبيرة من الموحدين بجوانب المدينة الأربعة، وقسم جهاتها على الجند، يختص كل عسكر بجهة ويقوده سيد من الإخوة، ويختص العرب بجمعهم منها بجهة. وكان النصارى في أثناء ذلك قد حفروا على عجل خندقاً خارج المدينة، ووضعوا له زرباً من الخشب، وذلك ليعوقوا اقتحام الموحدين للمدينة. وفي صباح اليوم التالي خرج الخليفة راكباً فرسه، ومن حوله الكتائب الجرارة، وقد اتخذت أهبتها للقتال، وقرعت الطبول، وخفقت الرايات، وإلى جانبه أخوه السيد أبو حفص وأشياخ الموحدين، ولما وصل إلى مقربة من الخندق، نزل فوق ربوة تشرف عليه، واستدعى إلى قبته الفقهاء والقضاة المرافقين للحملة، وهم الحافظ أبو بكر بن الجد، والفقيه أبو محمد المالقي، والقاضي أبو موسى عيسى بن عمران، والقاضي أبو الوليد ابن رشد وأقبل الإخوة والأشياخ، وبايعه الجميع على الثبات على الجهاد، وكانت العساكر قد احتل كل فريق مكانه المعين، وقسمت السهام على الرماة، وأعدت سائر الآلات، ثم قرعت الطبول إيذاناً ببدء القتال، فهجم الموحدون على القشتاليين واضطرمت بين الفريقين معركة عنيفة، فارتد القشتاليون حتى لصق السور وإلى داخل البيوت، وامتنع معظمهم بالقصبة، ولم يثبتوا إلا في الجهة الغربية، حيث عجز أبو العلاء بن عزون وقواته عن ردهم. فحاول أن يستنجد بالخليفة ليمده، فأعرض عنه لاشتغاله في قبته بالمناقشة مع الطلبة. وهدم الموحدون كنيسة المدينة، وانتزعوا نواقيسها، وقتل من تصدى من النصارى لاستردادها. ويقول ابن صاحب الصلاة " ودام القتال على انحلال وضعف وملال إلى بعد أذان الظهر، وارتفع، وما نفع الجيش الكثير عديده، ولا الجمع، إذ كان في نحو ماية ألف بين فارس وراجل، وانصرف أمير المؤمنين، وانصرف الناس إلى أخبيتهم، وقد همهم الحال " (١).
وهكذا فشل هجوم الموحدين الأول على وبذة، وبالرغم مما يبدو من مبالغة ابن صاحب الصلاة في تقدير عدد الجيش المهاجم، فإنه كان بلا ريب جيشاً وافر
стр. 1801
العدد، وقد كان من جراء هذا الفشل، أن اتجه الخليفة إلى حصار المدينة. وفي اليوم التالي اجتمع الأشياخ والقواد، وأمر الخليفة أن يخرج ربع الناس من جميع العساكر لزرع الغلات والعلوفات وتحصيل الأقوات، استعداداً لحصار المدينة، فخرج الناس لذلك، وطوق الموحدون المدينة، ومنعوا عنها ماء الوادي، وأمر الخليفة بصنع السلالم والأبراج الخشبية لمقاتلة النصارى في جوانب المدينة. ويقول لنا ابن صاحب الصلاة إن رسولا من النصارى جاء في ذلك اليوم يعرض تسليم المدينة بالأمان، فلم يلتفت إليه، فكرر مسعاه في مساء نفس اليوم، فصرف بغير طائل.
وفي صبيحة يوم الجمعة العشرين من ذي القعدة (١٤ يوليه) هبت ريح صيفية عاصفة، فأوقعت الاضطراب بمعسكر الموحدين، واقتلعت الأخبية، وفاضت الغدور، وقضى الموحدون ليلتهم في التحوط ضد عصف الريح. وفي صباح اليوم التالي قدم الشيخ أبوحفص عمر بن يحيى من مرسية في جند أهل الشرق، ومعه أبو الحجاج يوسف بن مردنيش وأهل بلنسية والثغر، فخرج إليه الخليفة وسائر الإخوة والأشياخ والزعماء والطلبة، واستقبل استقبالا حافلا. ثم نزل جند الشرق بالجبل المجاور لوبذة ليعاونوا في تشديد الحصار، وشهد القشتاليون من مدينتهم مقدم هذا الجيش الجديد في توجس وفزع. وفي مساء نفس اليوم، هبت ريح عاصفة أخرى أشد من السابقة، فاقتلعت خيام الموحدين، ومزقتها، ثم تلاها مطر وابل ورعد قاصف وبرق. وكانت فرصة طيبة للنصارى أن ارتووا من مياه الأمطار. ويلاحظ ابن صاحب الصلاة أن هذه الرياح قد عصفت، والأمطار قد هطلت " في أشد ما يكون من الحر " في شهر يونيه العجمى (وصحته يوليه).
وفي صباح اليوم التالي - الاثنين الثالث والعشرين من ذي القعدة - هاجم الموحدون القشتاليين على الأسوار، ولكنهم ما كادوا يبدأون القتال، حتى أظلمت السماء، وقصف الرعد والبرق، وهطل المطر غزيراً كالسيل، فأغرقت ثياب الموحدين وعجزوا عن القتال، وفزع الناس من تكرر هذه الظاهرة، واعتبروها سخطاً من الله، ورغبوا في التوبة إليه، وارتد الخليفة والناس، وقد اكتسحت السيول الهضبة، وعند الظهر أشرقت السماء، وارتفع المطر، فعاد الموحدون إلى القتال وفق ترتيبهم السابق، ودام القتال حتى المساء، ولكن دون جدوى.
وفي ليلة الأربعاء، قام القشتاليون بهجوم مفاجىء من القطاع الذي يحتله جند هسكورة، ففروا منه منهزمين، فلما علم الخليفة في الصباح، أمر بضربهم
стр. 1802
بالسباط عقاباً لهم. وفي صباح يوم الخميس، أمرت الفرق المختلفة، أن يخرج من كل ثلثها للبحث عن الأقوات والعلوفات، واجتمع أولئك الجند تحت إمرة الحافظ أبي محمد عبد الله بن أبي تفريجين، وإبراهيم بن همشك، ولكن هذه الحملة فشلت في مهمتها، فلم تجمع شيئاً من المؤن والعلف، فارتفعت الأسعار في المعسكر الموحدي، وكاد أن ينعدم فيه القوت.
هذه الأحداث المكدرة المثبطة للهمم، حملت الشيخ أبا محمد عبد الواحد ابن عمر، أن يدعو الناس، وأن يخطب فيهم، تارة بالعربية، وأخرى بالبربرية، يعظهم، ويستنهض هممهم للجهاد، وكان مما قاله لهم: " قد كنتم بمراكش تقولون لو كنا غزونا النصارى لجاهدنا لله واجتهدنا، فلما حضرتم معهم، قصرتم وجبنتم وحنثتم الله ، ونكلتم وما نصحتم، ما أنتم بمؤمنين ولا موحدين، أن تسمعوا النواقيس تضرب، وتعاينوا الكفر، ولا تدفعوا المنكر. إن أمير المؤمنين ليس يقدر أن يراكم لتفريطكم في حق الله تعالى من الجهاد على كثرتكم من الأعداء " (١).
وبذلت عندئذ محاولة يائسة لحمل القشتاليين على التسليم بالأمان، فوُجه عبد الرحمن بن أبي مروان بن سعيد الغرناطى، إلى قائد وبذة وهو ولد الكونت مانريكى دى لارا (٢)، يقول له إنهم على استعداد لتحقيق رغبته في تسليم المدينة بالأمان، وكرر هذا المسعى مرتين في نفس اليوم، فرفض قائد القشتاليين هذا العرض بجفاء، لما رآه من اختلال أحوال الموحدين، ولما علمه من استعداد ألفونسو الثامن لإنجاده بحشوده. ولما وقف الخليفة على ذلك استدعى سائر الأشياخ من الموحدين والعرب إلى خيمته - القبة الحمراء - للبحث فيما يجب عمله، وفي نفس الليلة - ليلة الأحد التاسع والعشرين من ذي القعدة - أمر بحرق البرج المصنوع لقتال النصارى وسائر الآلات التي صنعت معه، وبأن يقوم مقدم الدواب بشحن النواقيس التي أخذت من الكنيسة من وبذة. وفي الصباح ضرب الطبل الكبير إيذاناً للناس بالرحيل، فساد الاضطراب والهرج في المعسكر الموحدي، فلما رأى القشتاليون ذلك، وأيقنوا أن الموحدين قد بدأوا في الانسحاب، خرجوا في قواتهم من الفرسان والرجالة، ونزلوا إلى الوادي، وهاجموا الموحدين وأشعلوا النار في البيوت والخيام، ووصلوا إلى السوق بقرب المحلة، وقتلوا
стр. 1803
الضعفاء والمرضى، ونشب القتال بين الجيش المنسحب وبين النصارى، وأمر الخليفة أن يتوقف سائر الجند حتى ترفع الأخبية، فلما رفعت وقفت قوة ترد المهاجمين حتى يتم الانسحاب، وتحرك الجيش المنسحب على قرع الطبول، يتقدمه الخليفة، والسيد أبو حفص في أهل تينملل، وأشياخ الموحدين مع قبائلهم، وزعماء الأندلس مع أصحابهم، والعرب مع قبائلهم، والنصارى خلال ذلك يهاجمون الجيش المنسحب، وقد احتشدت في المؤخرة قوة كبيرة لردهم بقيادة السادة الإخوة، ومعهم يوسف بن مردنيش وإبراهيم بن همشك وأبو العلاء بن عزون في عسكر الأندلس. وسار الجيش المنسحب متجهاً نحو كونكة (قونقة) ونزل في فحص به الماء على قيد بضعة أميال من وبذة ولحقت به قوة المؤخرة في المساء، بعد أن ردت النصارى وقتلت منهم نحو ستين.
واستمر الجيش المنسحب في سيره، وهو يحصد الزروع، ويجمع الغلات في طريقه، حتى وصل إلى كونكة بعد يومين، في يوم الثلاثاء أول ذي الحجة. وفي عصر ذلك اليوم ركب الخليفة ومعه إخوته السادة، ووزيره ابن جامع، والفقهاء والقضاة، وسائر الأشياخ من الموحدين والعرب، ودخل المدينة، وكان يرافق هذا الموكب عبد الملك بن صاحب الصلاة راوية هذه الحوادث، وهو يصف لنا قصبة كونكة، ومنعتها، وعلوها الشاهق، وكيف يصل إليها الماء من بحيرة عظيمة تقع خارج السور، وعلى قنطرة عظيمة في جانبها، وكان إلى جانب المدينة من جهة الجوف خندق عميق قد حفر في الحجر الصلد، وفيه أدراج حفرت تحت الأرض، ينزل منها إلى الوادي لشرب الماء، وتحريك الرحى التي على الوادي، وقد غطى بستارة منيعة عليها برج عظيم من بناء الأوائل، وفي فحص المدينة تقوم الكروم وأشجار الجوز والمراعي الخضراء.
ولما دخل الخليفة مدينة كونكة، وقصبتها استقبله أهلها كباراً وصغاراً، وكانوا في حالة يرثى لها من الضعف والهزال، وكان النصارى قد حاصروا مدينتهم قبل ذلك ببضعة أشهر، وبرّح بهم الضيق والحرمان، ولم يتركهم النصارى إلا حينما علموا باقتراب الموحدين، فلما سلموا على الخليفة سألهم عن أحوالهم، ووعدهم بجميل رعايته، وأمر بأن تكتب أسماء سائر أهل المدينة من الرجال والنساء والأطفال، فكان عددهم جميعاً سبعمائة، فأمر للفارس منهم باثنى عشر مثقالا، وللراجل ثمانية مثاقيل، وللمرأة أربعة وللطفل أربعة، وأعطاهم سبعين
стр. 1804
بقرة لم يكن في محلته سواها، وزودهم بكثير من الرماح والقسي والسهام، والسلاح، وأمر بأن يمدهم سائر الجند بالقمح والشعير صدقة لهم، وتنافس الأكابر والأشياخ في تزويدهم بمختلف الأعطية والصلات.
وفي اليوم التالي أمر الخليفة بحصد الزروع، التي للنصارى في تلك المنطقة وسوقها، ولكنهم التقوا بعدد كبير من النصارى على مقربة من قونقة، وسرت الإشاعة بأنهم طلائع جيش ألفونسو الثامن والكونت نونيو دي لارا، فلما علم الخليفة بذلك، أمر بالإقلاع فوراً من ذلك الموضع، والسير إلى وادي شُقر، وأمر الناس بالرحيل، فكان هرج شديد مقرون بالفزع كذلك الذي حدث يوم الإقلاع من وبذة، وعبر الجيش الموحدي نهر شُقر، ونزل بالجبل المتصل بمدينة قونقة لحصانته، وسرعان ما وصلت قوات النصارى، وعسكرت في في جبل تونيس، في الناحية المقابلة من النهر، وصار كل من الجيشين تجاه الآخر دون أن تتاح لأحدهما فرصة الاشتباك، وقضى الموحدون ليلتهم على حذر، وفي صباح اليوم التالي، عقد الخليفة مؤتمراً من الأشياخ واستقر الرأي على أن يقاتل الموحدون النصارى في الغد. ولكن العرب اعترضوا " وجبنوا عن اللقاء " واحتجوا بضيق ساحة القتال. وانضم أهل الأندلس بقيادة أبي العلاء ابن عزون للموحدين في نية القتال، وفي الغد خرجت قوة منازلة بقيادة أبي العلاء واشتبكت مع النصارى في عدة مناوشات لتختبر قوتهم. وفي اليوم التالي تأهب الموحدون لخوض المعركة، وخرج أبو العلاء في بعض قواته ليستطلع أمر العدو، ولكنه عاد مع جنده، وأعلن أن النصارى أقلعوا عن محلتهم منصرفين إلى بلادهم. فعندئذ أمر الخليفة باستئناف الرحيل، وسار الجيش الموحدي حتى وصل إلى جبل " الصومعة " Alminar على بعد عشرة أميال من قونقة، وقضى به الليل، وفي اليوم التالي استأنف سيره حتى وصل إلى وادي تامطة، وقد ظهر الإعياء على الناس، وقلت الأقوات، وارتفعت الأسعار، ثم وصل إلى وادي برج قُبالة في طريق مدينة بلنسية، وقد نفق كثير من الدواب، وبرح الجوع بالناس، ومات الكثير منهم. وفي اليوم التاسع من ذي الحجة عبر الموحدون الربوة العالية المسماة بعقبة الأبالس، ووصلوا بعد جهد شاق إلى قنطرة " أغربالة " (١) وقد اشتد الإعياء بالناس من الضعف والجوع، ونفق كثير من الخيل والبغال والجمال.
стр. 1805
وفي ظهر ذلك اليوم، أمر الخليفة بإخراج البركة لسائر العساكر على قدر تمييزهم، فخص الفارس الكامل خمسة مثاقيل، وخص الراجل الكامل مثقالين، وذلك ابتداء من حركة الغزو لسنة سابقة.
وفي صبيحة اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم الأضحى، أمر الخليفة بصلاة العيد في ذلك الموضع، وألقى خطبة العيد أبو زيد بن عبدون قاضي تلمسان، وعقب الصلاة، سلم الإخوة والأشياخ والأكابر على الخليفة، ووزعت عليهم الأضاحى، وعند الظهر استؤنف السير مدى خمسة عشر ميلا، ونزل الموحدون بمرج القبذاق على مقربة من حصن ركّانة، ووصلوا في اليوم التالي إلى ركّانة، وقد اشتدت المجاعة بين الناس. وينوه ابن صاحب الصلاة خلال وصفه المستفيض لتلك الرحلة المضنية، في غير موضع، بما كان يعانيه الجيش المنسحب من نقص في المؤن، وغلاء شديد في أسعار القمح والشعير والدقيق. وعند مغادرة ركّانة أخطأ الأدلاء الطريق، وافترقت العساكر في شعب الجبال، واشتد بالناس الجوع والألم والضعف. وسار الخليفة إلى موضع يعرف " بمجمع الأودية " وهو الذي يلتقى فيه نهر شقر ونهر أغربالة (كبريل) ولحق به سائر الناس إلى هذا الموضع. ثم استؤنف السير في اليوم التالي، ونزل الخليفة قريباً من حصن بيتول، وهو من حصون بلنسية الأمامية. وهنا صدر الأمر بتسريح الحشود من أهل الشرق وجميع بلاد الأندلس إلى أوطانهم وسارت إلى بلنسية منهم جموع كبيرة (١).
ووصلت إلى الخليفة في هذا اليوم دفعة كبيرة من الدقيق والشعير والفواكه بعث بها إليه والي بلنسية يوسف بن مردنيش. هذا بينما هرع الناس إلى حصن بنيول يطلبون القوت والعون. ويقول لنا ابن صاحب الصلاة، وقد كان منهم، أنهم لم يجدوا شيئاً سوى بعض التين الأخضر، فقصدوا إلى بلنسية. ويصف ابن صاحب الصلاة بهذه المناسبة، مدينة بلنسية وجمالها ونضرة رياضها، بيد أنه يلاحظ أن الضعف كان بادياً عليها، وأن الخوف من الفتنة كان يزداد. وقضى الخليفة في محلته ثلاثة أيام بقرب حصن بنيول، ثم غادره في قواته فوصل إلى مدينة شاطبة في السابع عشر من ذي الحجة، وقضى بقصبتها يومين، وانتهز أشياخ الموحدين هذه الفرصة، فوعظوا أهل المدينة بالجامع عقب صلاة الجمعة، وبشروهم بالخير في ظل العهد الجديد.
стр. 1806
وغادر الخليفة بعد ذلك شاطبة، ونزل بحصن بليانة (١) على مقربة منها، ثم سار إلى حصن آصف، ثم إلى ألش، ووصل إلى أوريولة في الثالث والعشرين من ذي الحجة، وغادرها في اليوم التالي، قاصداً إلى مرسية، فنزل أولا بحصن أنوط (٢) على مقربة منها، ثم سار منه إلى المدينة، فخرج أهل مرسية لاستقباله، ودخل المدينة والأعلام تخفق والطبول تضرب، ونزل بقصرها، وقد احتشد أهل المدينة رجالا ونساء خاصتهم وعامتهم، لتحية الخليفة، والإعراب عن سرورهم بمقدمه، وكان الخليفة قد طلب إلى هلال بن مردنيش أن يعد الدور اللازمة لنزول الموحدين، فقام بتحقيق هذه الرغبة، وأنزل أشياخ الموحدين أكرم منزل، وقدم هلال إلى الخليفة ما وسع من الهدايا السنية، وما كان لدى أبيه من الجواري والسراري البارعات في الحسن، فتقبل الخليفة هديته، وأثابه عنها بالعطايا الجزيلة. ولم تمض أيام قلائل حتى ضاقت مرسية، بمن نزل فيها، ووفد إليها، من الموحدين وغيرهم، وارتفعت الأسعار، وعم الغلاء، ورغب كثير من الموحدين والعسكر المرتزقة في الرجوع إلى أوطانهم، فأذن لهم الخليفة، وارتحل كثير منهم. ولما دخل شهر صفر سنة ٥٦٨ هـ، صدر الأمر بخروج البركة لجميع الموحدين والعساكر المرتزقة، الذين اشتركوا في هذه الغزوة، فخص الفارس الكامل خمسة مثاقيل، وغيره أربعة مثاقيل، وخص الراجل مثقالين، وغيره مثقال ونصف، وتسلم كل شيخ بركة قبيلته، وافترق معظم الناس.
وانتهز الخليفة هذه الفرصة لينظم شئون مملكة الشرق القديمة، فأمر بإصلاح معاقل مرسية، وتحصيناتها، وندب مختلف الولاة لجهاتها وحصونها، وجمع هلال بن مردنيش وإخوته وعمهم أبا الحجاج يوسف في مجلسه، وأبدى لهم منتهى العطف والرعاية، وأنهم يكونون من جملة الموحدين والأهل، وأمرهم بالنظر في الارتحال معه، وأقر أبا الحجاج يوسف بن مردنيش على ولاية بلنسية وأقطارها، لما ثبت له من حسن إخلاصه وطاعته، وكذلك أبقى ابن عيسى القائد على ما كان بيده من حصن جنجاله وأراضيه، وأبقى غيره من قادة الحصون والثغور ممن ثبت إخلاصهم وصلاحهم.
وفي أول شهر ربيع الأول غادر الخليفة مرسية عائداً إلى إشبيلية، وعرج
стр. 1807
في طريقه على مدينة غرناطة، وترك بها أخاه السيد أبا سعيد والياً لها، ووصل
إلى إشبيلية في الثامن عشر من ربيع الأول سنة ٥٦٨ هـ (نوفمبر ١١٧٢ م). ومعه الإخوة وفي مقدمتهم السيد أبو حفص، وخاصته من أشياخ الموحدين وأكابر الدولة، فاستقبله أهل إشبيلية وعلى رأسهم الحافظ أبو بكر بن الجد، استقبالا حافلا، وقدم معه بنو مردنيش في الأهل والولد، وفقاً لما أمر، وأنزلوا في قصر ابن عباد، والدور المتصلة به، واشترى لهم الخليفة ما لزم لسكناهم وسكنى أتباعهم من الدور، وعين منهم غانم بن مردنيش لرياسة جماعة من الجند الأندلسيين، وأصحاب أبيه وأهل الثغور والأجناد بإشبيلية، لتكون منهم قوة تضطلع بالغزو وحماية الأقطار من العدو وعيث البدو، ونظم هلالا والكبار من إخوته في جملة أشياخ الموحدين وأبناء الجماعة، يحضرون مجلسه العالي، ويشتركون في مباشرة الأمور، وإبداء الرأي تقريباً لهم وتشريفاً وتأنيساً، وكان غانم يخرج في قواته مع الموحدين إلى غزو أراضي قشتالة، وقد ظهر فيما بعد بشجاعته وكفايته. وكان مثلا طيباً للغزاة من الأجناد والعرب.
...
والآن وقد انتهينا من استعراض مراحل هذه الغزوة الأندلسية الأولى للخليفة أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن واستوعبنا تفاصيلها، وفقاً لرواية مؤرخها المرافق لها، والتي سجلها منذ بدايتها إلى نهايتها، يوماً بعد يوم، نحاول أن نستخلص منها ما يمكن أن تدلي به من الحقائق والعبر.
وأول ما تكشف عنه حوادث هذه الغزوة التي لم يطل أمدها أكثر من شهرين ما تجلى تحت أسوار مدينة وبذة من عجز الجيوش الموحدية وتفككها. ويبدو هذا العجز في أسطع صوره متى ذكرنا أن الجيش الموحدي الذي تصدى لحصار وبذة، كان يضم على الأقل عشرين ألفاً من الفرسان النظامية، منهم عشرة آلاف من الموحدين وعشرة آلاف من العرب، الذين عبروا مع الخليفة الموحدي إلى الأندلس حسبما أسلفنا في موضعه. وهذا غير المتطوعة وأجناد الأندلس، وهؤلاء يمكن تقديرهم أيضاً بعدة آلاف. فكيف يعجز هذا الجيش الكبير عن اقتحام مدينة صغيرة غير ممتنعة مثل وبذة، خصوصاً وقد كانت تضطلع بالدفاع عنها حامية محلية صغيرة من القشتاليين؟ إن مثل هذا العجز المطبق يكشف أولا وقبل كل شىء عن عجز القيادة الموحدية، ذلك أنه لم تكن بين أولئك الإخوة والأشياخ
стр. 1808
الذين يلتفون حول الخليفة الموحدي، ويديرون دفة الغزوة، هيئة قيادة مقتدرة، بل لم يكن بينهم قادة أكفاء بالمعنى الصحيح، وكان مجلس القيادة يتخذ في معظم الأحيان صورة اجتماع عائلي، تغلب فيه الآراء الفطيرة، والقرارات المرتجلة، وبدلاً من أن نرى الخليفة يخرج من قبته ليقود جنده بنفسه، أو ليحثهم على التفاني في القتال، نراه في اللحظة الحرجة التي هزم فيها أهل الأندلس، وأجلوا عن مواقعهم، يجلس داخل قبته مع الطلبة الموحدين ليناقشهم في بعض المسائل الفقهية. ويجدر بنا ونحن نتحدث في هذا الموطن عن عجز القيادة الموحدية أن نعود قليلا إلى الوراء، لنذكر ما كانت عليه القيادة المرابطية في شبه الجزيرة من المقدرة والكفاية، وما كان يمتاز به القادة المرابطون من البراعة والدربة العسكرية العالية، وهي التي مكنتهم من أن يحرزوا بجيوشهم القليلة العدد، انتصاراتهم الباهرة في مواقع مثل إقليش وإفراغة.
هذا ومن جهة أخرى فقد كشفت غزوة وبذة، عما كان يسود الجيوش الموحدية من التفكك، وانعدام التناسق بين مختلف العناصر التي تتكون منها. وقد كان العرب الذين يرافقون الجيش الموحدي يحملون أكبر قسط من تبعة هذا التفكك، فقد رأيناهم يضنون بتعاونهم، ويحجمون عن القتال في الساعات الحرجة، وكان هذا الإحجام من جانب العرب يشل حركة الجيش الموحدي، وينال من مقدرته وقواه المعنوية. أضف إلى ذلك ما كشفته هذه الحملة من سوء تنظيم تموين الجيش الموحدي، وما ترتب على ذلك من ندرة الأقوات والعلوفات، وما كان يصيب الجند من جراء ذلك من الضيق والحرمان وانهيار القوي المعنوية (١).
- ٤ -
في الوقت الذي نزل فيه الخليفة أبو يعقوب يوسف بمرسية، ليستريح من وعثاء حملته المنكودة على وبذة، كانت تحدث في الجانب الآخر من شبه الجزيرة في غربي الأندلس، حوادث هامة، مؤسفة في نفس الوقت. وكان ملك البرتغال مذ فتت في عضده نكبته في معركة بطليوس في شعبان سنة ٥٦٤ هـ (١١٦٩ م) قد لزم السكينة حيناً، وهو يرقب الحوادث والفرص، فلما غادرت الجيوش الموحدية قواعدها في إشبيلية في غزوتها إلى وبذة، شعر بأن الفرصة قد سنحت
стр. 1809
للعمل، وكان يطمح بعد فشله في افتتاح بطليوس، إلى الاستيلاء على مدينة باجة الحصينة، أهم قواعد ولاية الغرب في تلك المنطقة، وكانت باجة، مذ أقيل عن ولايتها سيدراى بن وزير، وبسط الموحدون سيادتهم على قواعد ولاية الغرب، قد أسندت ولايتها إلى بعض الحفاظ الموحدين، فتولاها عمر بن تيمصلت التينمللي مدى حين، ولكنه لم يفلح في تهدئة ما ثار بها من الفتن بين أعيانها وبين الدهماء، فعزل عنها، وولى عليها طالب بربري من الحفاظ يسمى عمر بن سحنون، كان عاجزاً، يغلب عليه الطيش، فاتصل به الدهماء والسفلة، فقربهم وأدناهم، وأذكى بذلك حفيظة الخاصة، واشتد التقاطع بين الناس، واستوزر ابن سحنون أيضاً رجلا بدوياً من سفلة باجة، فاضطهد الناس، واجترأ على سفك الدماء، وأخذ أموال الناس بالباطل، وضربهم بالسياط، وعاونه في طغيانه وعسفه قاضي البلدة عمر بن زرقاج، وكان مغرضاً ظلوماً، واستبد ابن سحنون بأمره، وغلب رأي السفلة والفجار في كل شىء، وقتل بعض الأعيان والفقهاء ظلماً وعدواناً، واشتدت الفتنة بالمدينة، ووصلت أخبارها إلى إشبيلية.
كانت هذه حال مدينة باجة في أواخر سنة ٥٦٧ هـ (صيف سنة ١١٧٢ م) حينما كان الخليفة أبو يعقوب يوسف يسير في جيوشه إلى غزوة وبذة، ولم تكن هذه الأحوال بخافية على النصارى، وهم يحتلون يابرة وقصر أبي دانس القريبتين من باجة. وكان من الواضح أن مدينة هذه حالها لا يمكن أن تثبت أمام العدو المغير. ومن ثم فقد أعد ألفونسو هنريكيز عدته لافتتاح باجة، وسار إليها ومعه قائده ومعاونه جيرالدو سمبافور في قواته. وكان من سوء الطالع أن الحراسة بأبراج المدينة كانت مهملة، وكان بعض هذه الأبراج دون سمار (حراس) يلازمونها بالليل، لأن الوالي ابن سحنون كان يحبس رواتبهم ولا يدفعها، وكان برج القصبة المسمى " برج الحمام " قد ترك على هذا النحو دون سامر. ففي ليلة مستهل المحرم سنة ٥٦٨ هـ (٢٣ أغسطس سنة ١١٧٢ م) نفذ النصارى ضربتهم. وكانت ليلة مظلمة على النحو الذي كان يختاره جيرالدو سمبافور لإنزال ضرباته. فوصل النصارى إلى السور زحفاً على أيديهم وأرجلهم، ووضعوا السلالم على برج القصبة دون أن يشعر بهم أحد من السُّمَّار، ثم صاحوا صيحتهم المأثورة، وما كاد الوالي عمر بن سحنون وأهل المدينة يستيقظون من سباتهم حتى كان النصارى قد ملكوا برج القصبة، ثم احتلوا القصبة في الحال. وساد الذعر في المدينة،
стр. 1810
وتدلى الوالي من السور وفر إلى ميرتلة، وما كاد يسفر الصبح حتى احتل النصارى المدينة، وأخذ الناس يفرون من أبوابها، وهم يُقتلون ويأسرون من كل جانب، وقتل وأسر جماعة من أعيانها، واستولى النصارى على مقادير عظيمة من المال والمتاع.
ولكن النصارى لم يمكثوا طويلا بباجة. ذلك أن ملك البرتغال رأى من ضخامة المدينة ما يجعل الدفاع عنها مهمة شاقة، ومن ثم فقد هدم أسوارها، وأحرق ربوعها، ثم غادرها بعد أن احتلها نحو خمسة أشهر، وتركها قاعاً صفصفاً وذلك في أول يناير سنة ١١٧٣ م، وقد أخذ معه كثيراً من أهلها الأسرى. وقد أنقذ معظم هؤلاء فيما بعد بالفداء، وهاجر كثير منهم بعد خراب مدينتهم إلى مراكش (١).
ولم يتحرك الموحدون لسقوط باجة على هذا النحو، وشغل الخليفة أبو يعقوب منذ وصوله إلى إشبيلية بالعمل على استكمال بناء المسجد الجامع، وكذلك باستكمال بناء القصور والبساتين التي بدىء بإنشائها خارج باب جهور حسبما تقدم في موضعه.
وكذلك باستقبال وفود أهل إفريقية. بيد أنه لم يمض على ذلك أشهر قلائل، حتى اضطر الموحدون إلى خوض غمار حرب جديدة جاءت تلك المرة من ناحية قشتالة.
ففي أوائل شهر شعبان سنة ٥٦٨ هـ (مارس ١١٧٣ م) خرجت من مدينة آبلة حملة قشتالية بقيادة حاكمها الكونت خمينو، وهو الذي تعرفه الرواية الإسلامية بالقومس " سان منوس " وأحياناً بشانشوا وتصفه بالأحدب عظيم النصارى بآبلة - وقد كان بالفعل أحدباً - وتسميه أحياناً " بأبي بردعة " إذ كان لعاهته يركب على بردعة وثيرة من الحرير مسرجة بالذهب مرصعة بأصناف الجواهر (٢). وكان الكونت خمينو قد قام قبل ذلك بعدة غارات مخربة في ربوع الأندلس، ووصل
стр. 1811
في بعض غاراته إلى طريف والجزيرة الخضراء، وأصاب المسلمين من عدوانه وعيثه بلاء كثير. فخرج بقواته من آبلة واخترق قلب الأندلس جنوباً، حتى عبر نهر الوادي الكبير، من المخاضة الواقعة بين حصن بلمة وحصن الجرف، وانحدر إلى أحواز إستجّة، ثم اتجه صوب قرطبة، وعاث في واديها، وخرب الزروع واستاق من الماشية نحو خمسين ألفاً ومن البقر نحو مائتين. وأسر من المسلمين نيفاً ومائة وخمسين رجلا، ثم سار بغنائمه وأسراه غرباً صوب مخاضة بليارش على مقربة من بلدة القصر. وكان الخليفة في تلك الأثناء قد أمر بالتأهب لمحاربة القشتاليين، وقمع غارتهم، فخرج من إشبيلية في الثالث عشر من شهر شعبان (٥٦٨ هـ) جيش موحدي بقيادة السيد أبي زكريا يحيى ابن الخليفة، ومعه أخوه أبو إبراهيم إسماعيل، وعدة من الحفاظ والأشياخ وقوة مختارة من الفرسان والرجالة العرب بقيادة أشياخهم، وعبر هذا الجيش الموحدي نهر الوادي الكبير على عجل، وسار صوب قرطبة، فوصلها في السادس عشر من شعبان، وكان القشتاليون قد وصلوا عندئذ إلى بلدة القصر. واجتمع أقطاب الموحدين بالشيخ أبي حفص عمر، واستقر الرأي على مطاردة القشتاليين وقتالهم أينما كانوا، ولو في أراضي قشتالة ذاتها، وانضم الشيخ أبو حفص بقواته إلى الجيش الموحدي، واستعد بالميرة والعلوفات، وخرج الموحدون في أثر النصارى، تتقدمهم قوة من الطلائع بقيادة الحافظ أبي عمران موسى بن حمّو الصنهاجي صاحب يابرة، لتخبرهم تباعاً عن تحركات النصارى، وكان القشتاليون قد توقفوا في سهل متسع يعرف بفحص " كركوي " على مقربة من قلعة رباح. فأدرك الموحدون أنهم يريدون اللقاء في هذا المكان، فاستعدوا للمعركة في عزم وثقة، ولكنهم ما كادوا يقتربون من السهل، حتى عجل النصارى بالمسير، ولكنهم لما أيقنوا بأنه لا مفر من القتال، لجأوا إلى جبل وعر في نهاية السهل. فاندفع الموحدون وراءهم إلى أعلى الجبل، واشتبكوا معهم في معركة حامية. وكان الكونت خمينو، يراقب المعركة من خيمته في أعلى الجبل، ويحث جنوده على التفاني في القتال، ولكن ما كاد ينتصف النهار، حتى رجحت كفة الموحدين، ومزقت صفوف القشتاليين، وكثر القتل فيهم، ووصل الموحدون إلى خيمة الكونت خمينو، وقتلوه واحتزوا رأسه، ولم يفلت من القتل من النصارى سوى نحو مائتين، فروا في مختلف الأنحاء. وفني في هذه المعركة معظم أهل آبلة، واستولى المسلمون على عتاد
стр. 1812
النصارى، وأسلابهم وخيولهم، واستنقذوا الأسرى المسلمين، واستردوا سائر الغنائم والماشية والدواب، وأعيدت بأمر الخليفة إلى أصحابها. وجمعت رؤوس النصارى، وحملت إلى الشيخ أبي حفص وابني الخليفة " وميزت " رأس الكونت خمينو، وأرسلت إلى الخليفة بإشبيلية، عن يد يحيى ابن الوزير أبي العلاء بن جامع فوصل إليها في ظرف يومين بعد رحلة مسرعة شاقة، ووصف للخليفة تفاصيل الموقعة المظفرة، وفي الحال قرعت الطبول إيذاناً بالنصر، وأقبل الناس للتهنئة.
وفي يوم الجمعة الحادي والعشرين من شعبان، وهو ثالث يوم بعد الموقعة، وصل الشيخ أبو حفص وصحبه إلى إشبيلية، واجتمع بالخليفة وأخيه السيد أبي حفص، بقصره بالقصبة، واصطف الموحدون من الأشياخ والطلبة والفقهاء والكتاب والخطباء، وأدخل المهنئون وفق مراتبهم. وخطب الشيخ أبو محمد عبد الواحد بن عمر أولاً باللغة البربرية، ثم بالعربية، وخطب من بعده الحافظ أبو بكر بن الجد، فالقاضى أبو موسى عيسى بن عمران، فالفقيه أبو محمد المالقي. ثم أنشد الشعراء تهانيهم ومدائحهم، ووزعت عليهم الصلات، وكان يوماً حافلا (١).
وشجع هذا النصر الذي تلا فشل حملة وبذة الموحدين على الاضطلاع بغارات جديدة في أراضي النصارى. فجهزت حملة موحدية قوامها أربعة آلاف فارس، وقوة من أجناد الأندلس والعرب، بقيادة أبي يعقوب يوسف بن أبي عبد الله تيجيت وعبد الله بن إسحق بن جامع، ومعها مقادير عظيمة من الميرة والعتاد برسم مدينة بطليوس تحملها قافلة من ثلاثة آلاف دابة، وغادرت هذه الحملة إشبيلية، إلى بطليوس، وبعد أن سلمت أحمال الميرة إلى واليها أبي غالب بن أبي الحسين، سارت نحو الشمال الشرقي حتى وصلت إلى أحواز مدينة طلبيرة، الواقعة على نهر التاجُه غرب طليطلة، فعاثت في بسائطها، وقتلت وأسرت كثيراً من النصارى، واستولت على أكثر من ثلاثين ألفاً من الغنم والدواب، وعادت سالمة إلى إشبيلية.
ثم خرجت من بعدها حملة أخرى، وسارت إلى أراضي طليطلة، وعاثت فيها واستولت على كثير من الغنائم. وأدرك النصارى أن موجة الغزو الموحدي قد تشتد، وقد تتخذ صورة مزعجة، فجنحوا إلى المسالمة، وطلب المهادنة. وكان أول من سعى منهم إلى الصلح، الكونت نونيو دي لارا حاكم طليطلة، ثم تلاه
стр. 1813
ألفونسو الثامن ملك قشتالة، فبعث رسله إلى الخليفة، وحذا ألفونسو هنريكيز ملك البرتغال حذو ملك قشتالة فبعث رسله في طلب المهادنة والصلح. واستمرت المفاوضات نحو شهرين، وانتهت بعقد الهدنة بين الخليفة وبين الملوك النصارى، وذلك في شهر ذي الحجة سنة ٥٦٨ هـ (يوليه سنة ١١٧٣ م). وكان مما حمل الخليفة على إيثار الصلح والمهادنة رغبته في التفرغ لأعمال الإنشاء، وتعمير البلاد التي خربت أو أقفرت من جراء العدوان والغزو، مثل باجة وغيرها (١).
وكان من أثر عقد المهادنة بين الخليفة وبين ملك البرتغال، أن شعر حليفه وقائده السابق جيرالدو سمبافور أو جراندة الجليقي، أنه فقد مكانته، وأغلقت في وجهه فرص المغامرة، والعمل المثمر ضد الموحدين، ولم يجد أمامه خيراً من الدخول في خدمة الخليفة، فسار في صحبه، وهم ثلاثمائة وخمسون جندياً، إلى إشبيلية (سنة ٥٦٨ هـ - ١١٧٤ م) والتمس قبوله " عبداً وخديماً " للخليفة، فقبل الخليفة التماسه، ووصله بالإحسان والإكرام، واستمر الأمر على ذلك بضعة أشهر، ولكن ألفونسو هنريكيز، الذي لم يرقه تصرف قائده السابق لبث يرسل إليه سراً، أن يتحيل في الارتداد والعود، فضبطت بعض هذه المراسلات وظهر منها موقف جيرالدو المريب، فقبض عليه وعلى أصحابه، وأرسلوا إلى سجلماسة، واعتقلوا هنالك تحت رقابة شديدة. ثم حاول جيرالدو الفرار من معتقله ليجوز إلى البحر، فقبض عليه، وقتل واحتز رأسه، وانتهى بذلك وفي رواية أخرى أن جيرالدو لبث في خدمة الخليفة حتى غادر الخليفة إشبيلية إلى المغرب في شعبان سنة ٥٧١ هـ (مارس ١١٧٦ م)، فسار في ركابه، وعينه الخليفة للخدمة في " السوس " وهنالك اتصل جيرالدو بالمكاتبة سراً بمليكه السابق، وعرض عليه أن يجهز أسطولا لفتح هذه الناحية، وبذلك تمتلك البرتغال بعض مراكز على ساحل المغرب، فضبط الموحدون بعض هذه الرسائل (٢)، وأصدر الخليفة أوامره سراً إلى عامله بدرعة موسى بن عبد الصمد بأن يقسم جيرالدو
стр. 1814
وأصحابه على القبائل، ثم يقتل جيرالدو لما ثبت من خيانته، وبعث بجيرالدو إلى درعة فسار إليها مع أصحابه، وهنالك نفذت فيهم أوامر الخليفة.
وكانت أهم الحوادث في العامين التاليين، قبيل عودة الخليفة إلى المغرب، تتلخص في اهتمام الخليفة بتعمير قواعد الغرب، وفي تجدد الحرب مع ملك ليون. وقد بدأ الخليفة أعمال التعمير، بإصلاح حصن القلعة الواقع على مقربة من جنوب شرقي إشبيلية على النهير المتفرع من الوادي الكبير (١)، وكان قديماً حصنها الشرقي، وقد تهدم منذ أيام الفتنة الكبرى، وبقى خراباً حتى ذلك الوقت، فأمر الخليفة بإصلاحه وبنائه ليعود إلى الاضطلاع بمهمته الدفاعية القديمة، وكان ذلك في صفر سنة ٥٦٩ هـ.
وفي العام التالي كانت حركة تعمير مدينة باجة، التي خربها وهدمها ألفونسو هنريكيز قبل إخلائها. ففي شهر ربيع الآخر سنة ٥٧٠ هـ، استقبل الخليفة وفداً من أعيان أهل باجة السابقين، ووعدهم بتعمير مدينتهم لكي يعودوا إلى سكناها، ويسكنها معهم الموحدون، وعين لولايتهم الحافظ أبا بكر بن وزير، ثم سار أهل باجة إلى مدينتهم الخربة، وكانوا يومئذ نحو مائتي شخص من مختلف الأعمار، ونزلوا بقصبتها، وبنوا بابها، وأصلحوا ما تيسر من أطلالها. ثم لحق بهم عمر ابن تيمصلت والي شلب في نحو خمسمائة رجل من الفعلة والبنائين، ومعهم أقواتهم وأدواتهم، وأخذوا في بناء أسوارها فكملت في نحو شهر، وجاءت للعمل والبناء حشود أخرى، واستمر العمل في التعمير بهمة. وحدث خلال ذلك أن استبد والي باجة أبو بكر بن وزير وأساء السيرة، ونشب بينه وبين أهلها خلاف شديد وفتنة، فأمر الخليفة بعزله، وتعيين عمر بن تيمصلت والياً مكانه، فأحسن السيرة، وأقبل الناس على البناء والتعمير، وإنشاء الرباع والحدائق، وراجت الأحوال، وانتظم التعامل، واستعادت باجة سابق عمرانها ورونقها (٢).
وفي أثناء ذلك كانت الحرب قد نشبت بين الموحدين وبين فرناندو الثاني ملك ليون المسمى " بالببوج "، وكان فرناندو قد عقد الصلح والتحالف مع الخليفة الموحدي منذ سنة ٥٦٤ هـ (١١٦٩ م)، وعاونه الموحدون في حربه ضد آل لارا زعماء قشتالة، وأبدى هو، حينما حاصر البرتغاليون مدينة بطليوس، وكادوا يستولون
стр. 1815
عليها، صدق ولائه، فحارب إلى جانب الموحدين، وعاون على صد البرتغاليين وهزيمتهم. وامتنع عن مهاجمة بطليوس مرة أخرى، حينما نبهه الموحدون إلى الحلف المعقود، وأبدى تمسكه بعهوده، وهاداه الخليفة وأثنى عليه، واستمر محافظاً على صداقته وولائه حتى أواخر سنة ٥٦٩ هـ (١١٧٤ م)، وعندئذ، ودون أية أسباب ظاهرة، قام فجأة بغزو أراضي الأندلس وعاث فيها، فاستشاط الخليفة غضباً، وأمر بمهاجمته في عقر داره، فجهزت حملة كبيرة من الموحدين والعرب، وخرجت من إشبيلية بقيادة السيد أبي حفص أخي الخليفة في الثالث من صفر سنة ٥٧٠ هـ (٣ سبتمبر ١١٧٤ م)، وسارت تواً إلى مدينة ردريجو قاعدة ملك ليون، وهي التي تسميها الرواية الإسلامية بمدينة " السبطاط " (١)، ومعه الزعيم القشتالي فرناندو ردريجيس صهر ملك ليون حليف الموحدين القديم في صحبه، وهاجم الموحدون مدينة ردريجو، فلم ينالوا منها مأرباً، ولكنهم استولوا على حصني القنطرة وناضوش من أماكن الحدود. ولما عاد السيد أبو حفص إلى إشبيلية، احتفل بهذا النصر الجزئي، وأنشد الشعراء قصائدهم كالعادة (٢). ولزم فرناندو ملك ليون السكينة مدى حين. بيد أنها كانت هدنة قصيرة، وكانت كما سنرى مقدمة لسلسلة من الغزوات الجديدة، التي قام بها الملوك النصارى في أراضي المسلمين.
...
وفي أوائل سنة ٥٧٠ هـ، عقد الخليفة أبو يعقوب زواجه بالحسناء زائدة إبنة زعيم الشرق الراحل محمد بن سعد بن مردنيش، وتم زفافها إليه في اليوم الخامس من ربيع الأول في مهرجان فخم. وكان صداقها الرسمي خمسين ديناراً، ولكن الخليفة وجه إليها ألف دينار من الذهب العين " تأنيساً ". ولما وصلت إليه بإشبيلية مع أهلها وحشمها، وهب لها كل ما كان أهداه إليه إخوتها عند فتح مرسية. وكان زواجاً موفقاً، حظيت فيه العروس الأندلسية، واستأثرت بحب الخليفة وإعجابه، حتى كان يضرب المثل بهذا الحب للحسناء ذات العينين الزرقاويين. وحظى قومها آل مردنيش لدى الخليفة، وأحرزوا في كنفه رفيع
стр. 1816
المناصب والرتب، حسبما أشرنا إليه في موضعه. وكان من غرائب القدر أن يحظى عقب الثائر الذي شغل الموحدين ودوخ جيوشهم زهاء ربع قرن، على هذا النحو في بلاط عدوه القديم المتغلب عليه (١).
وكانت إقامة الخليفة بالأندلس تدنو عندئذ من نهايتها، وقد استطالت هذه الإقامة زهاء خمسة أعوام، منذ مقدم الخليفة في رمضان سنة ٥٦٦ هـ. ولم تدون الرواية في الأشهر الأخيرة من إقامته شيئاً من الحوادث، سوى ما أمر به من نكبة محمد بن عيسى المشرف على إشبيلية وذلك في شهر جمادى الآخرة من سنة ٥٧١ هـ، وكانت قد لحقت به ريب كثيرة من تبديد الأموال واختلاسها، فقبض عليه، وتولى بلول بن جلداس محاسبته، واستصفاء أمواله، ثم عذب وضرب حتى مات، وألقيت جثته في الوادي الكبير.
ولم يمض على ذلك سوى أسبوعين أو ثلاثة، حتى اتخذت الأهبة لسفر الخليفة، وذلك بعد أن عقد لأخيه أبي على الحسين على ولاية إشبيلية، ولأخيه أبي الحسن على، على ولاية قرطبة. وغادر أبو يعقوب إشبيلية في ركبه في يوم الخميس الرابع عشر من شهر شعبان سنة ٥٧١ هـ (٢٨ فراير سنة ١١٧٦ م) ومعه الخواص والأشياخ والعمال والكتاب، ومن زعماء الأندلس بنو مردنيش، وإبراهيم بن همشك وغيرهم. وكان خروجه من مرسى طلياطة على نهر الوادي الكبير، فجاز النهر ثم البحر إلى طنجة، وأقام بها أياماً، ثم غادرها إلى مراكش، فوصلها في منتصف شهر رمضان من نفس العام (٢٨ مارس سنة ١١٧٦ م).
стр. 1817
الفصل الرابع أحداث الأندلس والمغرب
عصف الوباء بالمغرب والأندلس. ثورة عشائر صنهاجة وإخمادها. غزو النصارى لمدينة قونقه وحصارها. غزو الموحدين لأراضي طليطلة وطلبيرة. استمرار النصارى في حصار قونقه. سقوطها في أيديهم. غزو ملك ليون لفحص إشبيلية. إغارة البرتغاليين على باجة وطريانة. خروج جند باجة للغزو وهزيمتهم. فرار أهل باجة وإخلاؤها. رواية أخرى عن غزوة البرتغاليين. نكبة الخليفة لبني جامع وغيرهم. وفاة بعض السادة والأعلام. غزو السفن الموحدية لثغر أشبونة، ورد السفن البرتغالية. غزوة ثانية للسفن الموحدية. نفاذ الموحدين إلى الداخل وهزيمتهم. معركة بحرية بين الموحدين والبرتغاليين. هزيمة البرتغاليين ومقتل قائدهم. غزو الموحدين لأراضي يابرة. غزو البرتغاليين لأراضي إشبيلية. غزوهم للشرف ومدينة شلوقه، وحصن القصر. غزو القشتاليين لأراضي قرطبة. توغلهم في وادي إشبيلية وجنوبي الأندلس. استيلاؤهم على حصن شنتفيلة. غزو الموحدين لحصن شنتفيلة وحصاره. صموده وإقلاعهم عنه. إخلاء النصارى له. غزو الموحدين لأحواز طلبيرة. اشتباكهم مع القشتاليين. هزيمة القشتاليين وفرارهم. القائد ابن وانودين والخليفة. وفاة السيد أبي حفص. ثورة بني الرند بقفصة. مسير الخليفة لقمع الثورة. تواطؤ ابن المنتصر مع بني الرند ونكبته. محاصرة قفصة وضربها. تسليم ابن الرند. حث الخليفة العرب على الجهاد. استجابة العرب لدعوته. سياسة الموحدين في اصطناع العرب. دأبهم في التقلب وعدم الولاء. عقد الصلح بين ملك صقلية والخليفة. رسالة الفتح. عود الخليفة إلى مراكش. مسير الخليفة إلى تينملل. زيارته لقبر المهدي وقبر أبيه. قصيدة في مناقب المهدي وصحة دعوته. توسيع مدينة مراكش. ثورة عرب سليم وهزيمتهم للسيد أبي الحسين وأسره. حوادث أخرى.
لم تمض أسابيع قلائل على استقرار الخليفة أبي يعقوب بمراكش، حتى ظهر الوباء بالمدينة في أول شهر ذي القعدة (سنة ٥٧١ هـ) واشتد حتى بلغت ضحاياه كل يوم نحو مائتي شخص، ولما ضاق الجامع بالصلاة على الموتى، أمر الخليفة أن يُصلى عليهم بسائر المساجد. وأصيب معظم السادات بالوباء، ومات منهم أربعة من إخوة الخليفة هم السيد أبو عمران، ثم أخوه السيد أبو سعيد، فأخوهما السيد أبو عبد الله، ثم أخوهم السيد أبو زكريا والي بجاية. ومات من أشياخ الموحدين أبو سعيد بن الحسين، وكان الشيخ أبو حفص عمر الهنتاني قادماً من قرطبة قاصداً إلى مراكش، فأصيب بالوباء وتوفي بالطريق، ودفن برباط الفتح، وفقدت الدولة الموحدية بوفاته ركناً من أهم أركانها، وبناء من أعظم بناتها، وقائداً من
стр. 1818
أعظم قوادها. ومرض الخليفة، وأخوه السيد أبو حفص، وأشرفا على الهلاك، ولكن تداركتهما العناية حتى شفيا. ويروى ابن صاحب الصلاة عن السيد أبي علي
الحسين ولد الخليفة، أنه كان يموت كل يوم في القصور الملكية ثلاثون شخصاً حتى فني معظم رجال الحاشية والخدم والعبيد. واستمر هذا الوباء مدى أيام، وساد الروع حاضرة مراكش، حتى أنه لم يكن يدخلها أو يخرج منها أحد، وكان كل من خرج منها فاراً، أدركه الوباء في الطريق. ولم يكن عصف الوباء قاصراً على أهل المغرب، بل تعدى أثره إلى الأندلس، ولكن فيما يبدو بصورة مخففة. وكان من أعيان المتوفين به بالمغرب والأندلس غير من تقدم ذكرهم، القاضي أبو يوسف حجاج بن يوسف قاضي مراكش، وكان من أعلام عصره زهداً وعدلا وأدباً، والكاتب أبو الحكم بن هرودس المالقي، وأخوه أبو الحسن وكان من جلة الطلبة، والكاتب أبو الحسن على بن زيد الإشبيلى، ومشرف غرناطة أبو عمرو بن أفلح، وجملة كبيرة من أعيان الطلبة والموحدين في مختلف القواعد (١).
وما كادت تنقشع غمة الوباء حتى وقعت ثورة محلية بين عشائر صنهاجة القبلية، وذلك في أواخر سنة ٥٧٢ هـ (أوائل ١١٧٧ م)، فخرج الخليفة إلى غزوها في الرابع من شهر ذي القعدة، وترك أخاه السيد أبا حفص بمراكش والياً عليها، فلما وصل إلى رباط هسكورة في منطقة الأطلس، جنوب شرقي مراكش، أمر ببناء محلة للعسكر، وقدم عليهم ابنه السيد أبا يوسف يعقوب، وعاد إلى مراكش في الحادي والعشرين من ذي القعدة، ولم تلبث العشائر الثائرة أن أذعنت وعادت إلى الطاعة، وانصرف جميع الأجناد (٢).
وفي تلك الآونة بدأت حوادث الأندلس تتخذ وجهة خطيرة سواء في الشرق أو الغرب. وكان التهادن والصلح قد عقد بين الخليفة وبين الكونت نونيو دي لارا صاحب طليطلة، وألفونسو الثامن ملك قشتالة، وألفونسو هنريكيز ملك البرتغال، في سنة ٥٦٨ هـ (١١٧٣ م) أثناء إقامته بإشبيلية. ولكن الخليفة ما كاد يغادر شبه الجزيرة عائداً إلى المغرب في شعبان سنة ٥٧١ هـ، حتى عول النصارى على نقض الهدنة، واستئناف الغزو. ففي العام التالي، أعني سنة ٥٧٢ هـ (١١٧٧ م) وهي السنة التي عصف فيها الوباء بمراكش، خرج ألفونسو الثامن
стр. 1819
ملك قشتالة، ووصيه السابق الكونت نونيو دي لارا، لغزو الأراضي الإسلامية، واتجها بقواتهما صوب مدينة قونقة (كونكة) وهي تقع فوق ربوة عالية صعبة المنال عند ملتقى نهري شقر ووقر، في شمال شرقي الأندلس، وهي من حصون ولاية بلنسية الأمامية المنيعة، وضربا حولها الحصار (يناير سنة ١١٧٧ م). ويقول ماريانا، إن قونقة كانت من المدن التي أنشأها المسلمون في تلك المنطقة، لأنه لم يرد ذكرها في سير الرومان والقوط، وأن ملك أراجون كان مشتركاً في تلك الحملة، وقد تحالف مع ملك قشتالة على محاربة المسلمين، كما اشترك في الحملة إلى جانب الملكين عدد كبير من القادة ومشاهير الفرسان مثل بيدرو أسقف برغش، وسانشو صاحب آبلة، وريموندو صاحب بلازنسيا، وغيرهم (١). فبعث أهل قونقة إلى الخليفة بمراكش في طلب الغوث والنجدة، فبعث الخليفة إلى ولديه السيد أبي علي الحسين والي إشبيلية، والسيد أبي الحسن علي والي قرطبة، وأن يتحركا لغزو جهات طليطلة وطلبيرة، وذلك حتى يرغم القشتاليون على رفع الحصار عن قونقه. فخرج السيد أبو الحسن في عسكر قرطبة في اليوم السادس من شوال (أبريل ١١٧٧)، وأغار على أراضي طليطلة وأثخن فيها، وارتد بغنائمه سالماً إلى قرطبة. وخرج السيد أبو علي الحسين بعسكر إشبيلية في أربعة آلاف فارس، وأربعة آلاف راجل، وسار شمالا صوب طلبيرة، وعاث في أحوازها، واستولى على كثير من السبي والغنائم، وعبر نهر تاجُه في قارب كان قد حمله معه من إشبيلية على أكتاف الرجال، وفاء لنذر نذره. على أن هذه الحركة التي نظمها الموحدون لغزو أراضي قشتالة، لم تؤت ثمرتها في إنجاد قونقة، فقد لبث القشتاليون على حصارها، ولم تصدهم قسوة الشتاء، ولا مناعة المدينة المحصورة، ولا ضخامة حاميتها، عن المضي في إرهاقها والتضييق عليها. والظاهر من أقوال الرواية النصرانية أن الموحدين قد أرسلوا صوب قونقة بعض أمداد مباشرة لإنجادها، لكن هذه الأمداد عاقتها عن الوصول إلى المدينة المحصورة، قوات ملك أراجون حليف ملك قشتالة. وطال حصار قونقة زهاء تسعة أشهر من أواخر يناير سنة ١١٧٧ حتى أواخر سبتمبر، وفي النهاية اضطرت المدينة المسلمة، بعد أن استنفدت كل وسائل الدفاع، وبعد أن برّح بها الجوع والحرمان إلى التسليم إلى ملك قشتالة، وذلك في اليوم
стр. 1820
الحادي والعشرين من شهر سبتمبر سنة ١١٧٧ م. وفي الحال حول مسجدها الجامع إلى كنيسة، جرياً على القاعدة المأثورة، ثم جعلت قونقة بعد ذلك مركزاً لأسقفية. وكان سقوط قونقة ثغرة خطيرة في خط الدفاع الشمالي الشرقي الأندلسي، وكان تقصير الموحدين أو قصورهم في إنجادها وإنقاذها، ينطوي على خطأ عسكري خطير، يكشف عن ناحية أخرى من ضعف وسائل الدفاع الموحدي عن شبه الجزيرة الأندلسية (١).
وانتهز فرناندو الثاني ملك ليون (الببوج) نفس الفرصة في الإغارة على الأراضي الإسلامية، فخرج في نفس العام بقواته، وغزا فحص إشبيلية، ووصل في سيره حتى أحواز مدينتي أركش وشريش جنوبي إشبيلية. فخرج إليه الموحدون من إشبيلية، فلحقوا بقوة من النصارى من أهالي منطقة طلبيرة، وكانت قد خرجت فيما يبدو للانتقام مما أنزله الموحدون بأراضيهم، فأحدق بها الموحدون وأبادوها، واستنقذوا ما كان معها من الغنائم والماشية، وأسروا منها ثمانين، أخذوا إلى إشبيلية، وهنالك ضربت أعناقهم أمام الخليفة والأشياخ (٢).
ووقع في غربي الأندلس عدوان مماثل، وحذا ألفونسو هنريكيز ملك البرتغال حذو زميليه ملكي قشتالة وليون، وقد اعتزم مثلهما أن ينقض الهدنة التي عقدها مع الخليفة الموحدي. وكانت مدينة باجة هدفه مرة أخرى، وخصوصاً بعد أن عمرت واستردت رونقها ورخاءها. فسار إليها في سنة ٥٧٣ هـ (١١٧٧ م)، وانتسف زروعها، ونازلها أياماً حتى كاد أن يتغلب عليها. ثم تركها وسار بقواته، نحو الجنوب الشرقي قاصداً وادي إشبيلية، ووصل في زحفه إلى ضاحيتها الغربية طريانة، فدخلها وأثخن فيها، وعاث في أحواز إشبيلية، ثم عاد إلى باجة مرة أخرى فوجدها خراباً وقد أقفرت من أهلها. وكان أهل باجة في تلك الأثناء قد أصابتهم محنة أخرى، اضطرتهم إلى الفرار من مدينتهم. وذلك أن واليها عمر بن تيمصلت خرج منها بجندها وفرسانها، وانضم إليه علي بن وزير حاكم حصن شربة في قواته، وأغار على فحص أبي دانس، ونشب القتال بينهم وبين النصارى. وفي أثناء ذلك قدمت قوة من نصارى شنترين فجأة، وانضموا
стр. 1821
إلى إخوانهم في مقاتلة الموحدين، فانهزم ابن تيمصلت وزميله ابن وزير وأسرا مع جملة من الفرسان والرجالة، وقتل الباقون، ووصل الخبر إلى أهل باجة فبادروا بالفرار من مدينتهم في الأهل والولد، وقصدوا إلى مدينة ميرتلة، وذلك في شهر المحرم سنة ٥٧٤ هـ (يوليه ١١٧٨ م) وحُمل ابن تيمصلت وزميله ابن وزير إلى قلمرية، وعذب ابن تيمصلت ثم أعدم، وافتُدي ابن وزير بأربعة آلاف دينار (١).
وتقدم إلينا الرواية البرتغالية قصة هذه الغزوة في صورة أخرى، فتقول إن الذي قام بغزو وادي إشبيلية هو سانشو ولد ألفونسو هنريكيز وولي عهده، وذلك في سنة ١١٧٨ م (٥٧٤ هـ) وأنه بعد أن هزم الموحدين في ظاهر طريانة، سار لغزو مدينة لَبلة، ولكنه علم عندئذ أن جيشاً موحدياً قد سار لمحاصرة باجة، فبعث قوة مختارة من فرسانه ردت المهاجمين، ثم لحق بها بباقي قواته، وهزم الموحدين مرة أخرى، وبقيت باجة في حوزة البرتغاليين (٢).
وعلى أثر هذه الأحداث المتوالية، استدعى الخليفة أبو يعقوب أخويه السيدين أبا علي الحسين والي إشبيلية، وأبا الحسن علي والي قرطبة إلى حضرة مراكش، فغادرا إشبيلية في اليوم الثامن من شهر رمضان سنة ٥٧٣ هـ (٢٧ فبراير ١١٧٨ م)، ومعهما أبو علي بن عزون وجملة من أشياخ الموحدين بإشبيلية، فلما وصلا إلى الحضرة بحث معهما الخليفة طويلا في شئون الأندلس، وفيما يجب عمله لمحاربة النصارى، والدفاع عن أراضي المسلمين. ثم أمرا بالانصراف إلى شبه الجزيرة، فوصلا إليها في المحرم سنة ٥٧٤ هـ (يونيه ١١٧٨ م).
وفي نفس هذا العام، أعني سنة ٥٧٣ هـ، قام الخليفة أبو يعقوب بحركة تطهير شاملة بين وزرائه وعماله، فنكب وزيره أبا العلاء إدريس بن إبراهيم ابن جامع وبنيه، فقبض عليهم، واستصفى أموالهم، ونفاهم إلى مدينة ماردة بالأندلس، فأقاموا بها في فقر وضعة نحو ستة أعوام، حتى توفي الخليفة أبو يعقوب، فعفا عنهم ولده الخليفة أبو يوسف. وكان بنو جامع يتولون وزارة الخليفة الموحدي، منذ بداية حكمه، أي منذ خمسة عشر عاماً، وعميدهم إدريس ابن جامع، هو ولد إبراهيم بن جامع من أصحاب أهل الدار، أعني من قرابة
стр. 1822
المهدي ابن تومرت، فلما سما شأنهم، وتمكن سلطانهم، طغوا كالعادة وبغوا، فنكبهم أبو يعقوب ليتخلص من نيرهم. ونكب الخليفة عدة آخرين من العمال، وأعدم بعضهم، وكان من هؤلاء أبو عبد الله بن المعلم مشرف إشبيلية، وابن فاخر مشرف سجلماسة، وأبو الحسن علي بن حنون، وغيرهم (١).
وفي سنة ٥٧٤ هـ، بعث الخليفة ابني السيد أبي الحسن والي قرطبة، إلى الأندلس، فولى أبو زيد نظر غرناطة، وولى أبو محمد عبد الله نظر مالقة. ولم يمض قليل على ذلك حتى توفي أخو الخليفة السيد أبو علي الحسين والي إشبيلية، ثم أخوه السيد أبو العباس بن عبد المؤمن، وكان والياً لمدينة سجلماسة. وتوفي من أعلام الدولة الموحدية اثنان كانا من أركان حكومة الخليفة أبي يعقوب ومجلسه، وهما أبو علي بن عزون عميد زعماء الأندلس، والفقيه أبو محمد المالقي شيخ طلبة الحضر بمراكش، وكان من أقطاب الفقه والحديث والأدب، وحظى لدى الخليفة عبد المؤمن، ثم ولده الخليفة أبو يعقوب، وعلت مكانته في الدولة الموحدية. وكان يتولى رفع المسائل للخليفة، وتوصيل الرسائل الواردة، وقراءة كتب الفتح، ويتقدم للخطابة والصلاة بأمير المؤمنين، ويرفع إليه أشعار الشعراء في المناسبات المختلفة، ويلازم ركب الخليفة في الحركة والغزو، وكان له أدب بارع، وشعر جيد ولاسيما في الزهد (٢).
- ١ -
وفي العام التالي أعني سنة ٥٧٥ هـ (١١٧٩ م) اشتد عدوان البرتغاليين في البر والبحر. وكان ألفونسو هنريكيز قد نقض الهدنة التي عقدها مع الخليفة، وقام البرتغاليون بغزو وادي إشبيلية، ثم مدينة باجة، حسبما قدمنا، ثم تفاقم عدوانهم تباعاً، فعندئذ قرر الخليفة أن يقوم الموحدون بمجهود لرد هذا العدوان، فبعث أسطوله المرابط بسبتة تحت إمرة غانم بن مردنيش لغزو شواطىء البرتغال، فسار غانم صوب أشبونة، وهاجم ثغرها، واستولى على سفينتين من سفن البرتغاليين، وعاد بأسطوله إلى سبتة. فعندئذ سارت حملة بحرية برتغالية إلى الجنوب وهاجمت شواطىء ولاية الغرب الجنوبية، واستولت على جزيرة شلطيش، الواقعة قبالة
стр. 1823
ولبة في مصب نهر أوديل، وأسرت كثيراً من سكانها المسلمين فبقوا في الأسر حتى افتداهم الخليفة أبو يعقوب (١).
ورأى الخليفة أن ينتقم لهذا الاعتداء، وأمر لانشغاله بغزوة قفصة التي نتحدث عنها بعد، بأن يقوم أسطوله بغزو البرتغال مرة أخرى، فخرج غانم بن مردنيش وأخوه أبو العلاء، في حملة بحرية، سارت إلى مياه البرتغال الشمالية، ورست عند سان مارتن دي بورتو شمالي أشبونة، ونفذ المسلمون إلى الداخل، وحاولوا مهاجمة " بورتو دي موس ". التي تقع على مقربة من الشاطىء، ولكن حاكمها البرتغالي الأميرال روبينو استنفر لمعاونته أهالي مدينة شنترين، وألكانينا التي تقع في شمالها، فهرعوا لإنجاده، ودبر البرتغاليون كميناً للمسلمين في جبال منديجا، وانقضوا عليهم، فمزقت صفوفهم، وأسر غانم وأخوه أبو العلاء، وجملة من أكابر الموحدين، واحتوى البرتغاليون على أسلابهم ومتاعهم، واستولوا على السفن الموحدية وأسروا من كان فيها، وساروا بها إلى أشبونة. ووقعت هذه الموقعة في منتصف شهر المحرم سنة ٥٧٦ هـ (١١ يونيه سنة ١١٨٠ م). وكتب غانم من موضع اعتقاله إلى الخليفة يلتمس الغوث، فعهد الخليفة إلى أخيه هلال ابن مردنيش بالنظر في فداء أخيه، فجمع المال اللازم لذلك، وبعث به إلى إشبيلية، فحمل إلى النصارى، وأفرج عن غانم وأخيه وبقية أصحابه (٢)، ولكن سنرى أن ابن عذارى، وهو صاحب هذه الرواية، يقدم لنا رواية أخرى عن افتداء غانم وأصحابه.
وحاول البرتغاليون أن يُتبعوا نصرهم، بنصر أكبر، فحشدوا أسطولا ضخماً سار بحذاء شاطىء ولاية الغرب بقيادة الأميرال روبينو، وكان مقصد البرتغاليين أن يقوموا بضربة لميناء سبتة مركز الأسطول الموحدي. ولكن قائد أسطول سبتة عبد الله بن جامع، وهو الذي تولى قيادته منذ أسر غانم، خرج منها بأسطوله، وخرج في نفس الوقت أسطول إشبيلية بقيادة أبي العباس الصقلي، واجتمعت الأساطيل الموحدية بثغر قادس، ثم سارت منه مجتمعة صوب شاطىء البرتغال الجنوبي، ثم انعطفت لتسير شمالا بحذاء شاطىء ولاية الغرب، وكان الأسطول البرتغالي قد بدأ عندئذ سيره نحو الجنوب، فالتقى الفريقان قبالة رأس إسبكل
стр. 1824
جنوبي أشبونة، وكان من غرائب القدر أن وقع هذا اللقاء في الخامس عشر من شهر المحرم سنة ٥٧٧ هـ (أواخر مايو سنة ١١٨١ م) أعني لعام بالضبط من اليوم الذي وقعت فيه موقعة " بورتو دي موس " وعلى مقربة من المكان الذي رسا فيه الأسطول الموحدي بقيادة غانم بن مردنيش، فنشبت بين الأسطولين معركة بحرية عنيفة هزم فيها البرتغاليون شر هزيمة، وقتل قائدهم الأميرال روبينو، واستولى المسلمون على عشرين سفينة من سفنهم، وأسروا نحو ألف وثمانمائة أسير، وغنموا غنائم وفيرة من العتاد والسلاح، وكان نصراً موحدياً باهراً. وبادر القائدان الظافران ابن جامع والصقلي، فسارا إلى الحضرة في الأسرى، والغنائم وقدماها إلى أمير المؤمنين، فأمر بتخصيص بعض الأسرى لافتداء غانم بن مردنيش وأصحابه، وأمر بإعدام الباقين (١).
وقام القشتاليون في نفس الوقت ببعض الغارات في أراضي الأندلس من ناحية طليطلة، وأثخنوا فيها كالعادة تخريباً وسبياً، بيد أن المعركة الرئيسية، كانت تضطرم بين الموحدين والبرتغاليين. ذلك أنه في نفس الوقت الذي وقعت فيه المعارك البحرية السالفة الذكر بين الفريقين، كان الموحدون يغزون أراضي البرتغال الداخلية، ففي فاتحة سنة ٥٧٧ هـ، خرجت من إشبيلية، حملة موحدية قوية بقيادة أبي عبد الله محمد بن وانودين الهنتاني، وسارت نحو الشمال الغربي صوب مدينة يابرة وعاثوا في أحوازها، وانتسفوا الزروع والكروم والثمار والأشجار، واستاقوا كثيراً من الماشية، وامتنع البرتغاليون داخل المدينة، والمسلمون يثخنون في كل ناحية من نواحيها. وفي ذات يوم خرج البرتغاليون من يابرة فجأة، واشتبكوا مع الموحدين في معركة حامية، فهزموا شر هزيمة، وقتل منهم عدد جم، ولجأ الباقون إلى المدينة. فأقام عليها ابن وانودين يومين ثم انصرف عنها، وهاجم في طريق عودته حصناً آخر للنصارى واستولى عليه، وسبى رجاله ونساءه، ثم عاد إلى إشبيلية، مثقلا بالغنائم والأسرى، وذلك في أواخر شهر محرم سنة ٥٧٧ هـ (يونيه سنة ١١٨١ م) (٢).
ولم يمض قليل على ذلك حتى خرجت حملة برتغالية، من أهل شنترين، وعبرت نهر وادي يانه، وسارت حتى فحص الشرف من أحواز إشبيلية، فخرج
стр. 1825
إليهم عسكر إشبيلية، ونشب بينهما قتال عنيف قتل فيه من النصارى مائة وسبعون، ولكن البرتغاليين كانوا قد رتبوا كميناً، فخرج كمينهم واشترك في المعركة، فانهزم المسلمون وقتل منهم جماعة. وأغار القشتاليون في نفس الوقت على مدينة إستجة وعلى أراضي قرطبة. ثم انصرفوا دون قتال ولا مقاومة، وأحيط الخليفة بمراكش علماً بما حدث (١).
وفي العام التالي، أعني سنة ٥٧٨ هـ (١١٨٢ م) تفاقم عدوان البرتغاليين على أراضي الأندلس. فخرجت حملة برتغالية قوية قوامها فرسان شنترين، وأشبونة، وعبرت نهر وادي يانه، واجتاحت الشرف جنوبي إشبيلية، حتى وصلت إلى مدينة شلوقة (٢)، على مصب الوادي الكبير، فنازلتها في ألف فارس وألف راجل، واقتحمتها، وقتلت من كان بها من المسلمين، واحتوت على كثير من الأسرى والغنائم، ثم استولت على حصن القصر (٣) وغيره من حصون تلك الناحية، وعادت من طريق لَبلة، دون أن يقف في سبيلها أحد. وتفاقم في نفس الوقت عدوان القشتاليين، فخرج ألفونسو الثامن أو أذفنش الصغير كما تسميه الرواية الإسلامية في قواته، وسار أولا صوب قرطبة، وعسكر في ظاهرها، وذلك في الرابع من شهر صفر، ثم بعث طوائف من قواته سارت نحو مالقة، ورندة، وغرناطة، فساد الاضطراب في تلك القواعد الأندلسية، وارتفعت الأسعار، واشتد الضيق. واجتمع مجهود الموحدين الدفاعي حول إشبيلية، والتحوط لحمايتها، فوجه قائدها أبو عبد الله بن وانودين قواته إلى الأنحاء المجاورة، وتعزيزها، ووجه بعض عسكره إلى دفع القشتاليين عن فحص قرمونة، كل ذلك والقشتاليون يثخنون في الأراضي الواقعة بين قرطبة وإشبيلية، دون أن يردهم أحد، ثم سار ألفونسو الثامن إلى منازلة مدينة إستجّة، وكاد يتغلب عليها، ولكن واليها أبا محمد بن طاع الله الكومي استطاع أن يصمد فيها. فغادرها ألفونسو صوب إشبيلية، وهو يعيث في تلك المنطقة فساداً وتدميراً. وفي خلال ذلك تغلب القشتاليون الزاحفون نحو الجنوب على بعض حصون رندة، وأسروا فيه ألفاً وأربعمائة من المسلمين، وانتسفوا الزروع