← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

إلى إخوانهم في مقاتلة الموحدين، فانهزم ابن تيمصلت وزميله ابن وزير وأسرا مع جملة من الفرسان والرجالة، وقتل الباقون، ووصل الخبر إلى أهل باجة فبادروا بالفرار من مدينتهم في الأهل والولد، وقصدوا إلى مدينة ميرتلة، وذلك في شهر المحرم سنة ٥٧٤ هـ (يوليه ١١٧٨ م) وحُمل ابن تيمصلت وزميله ابن وزير إلى قلمرية، وعذب ابن تيمصلت ثم أعدم، وافتُدي ابن وزير بأربعة آلاف دينار (١). وتقدم إلينا الرواية البرتغالية قصة هذه الغزوة في صورة أخرى، فتقول إن الذي قام بغزو وادي إشبيلية هو سانشو ولد ألفونسو هنريكيز وولي عهده، وذلك في سنة ١١٧٨ م (٥٧٤ هـ) وأنه بعد أن هزم الموحدين في ظاهر طريانة، سار لغزو مدينة لَبلة، ولكنه علم عندئذ أن جيشاً موحدياً قد سار لمحاصرة باجة، فبعث قوة مختارة من فرسانه ردت المهاجمين، ثم لحق بها بباقي قواته، وهزم الموحدين مرة أخرى، وبقيت باجة في حوزة البرتغاليين (٢). وعلى أثر هذه الأحداث المتوالية، استدعى الخليفة أبو يعقوب أخويه السيدين أبا علي الحسين والي إشبيلية، وأبا الحسن علي والي قرطبة إلى حضرة مراكش، فغادرا إشبيلية في اليوم الثامن من شهر رمضان سنة ٥٧٣ هـ (٢٧ فبراير ١١٧٨ م)، ومعهما أبو علي بن عزون وجملة من أشياخ الموحدين بإشبيلية، فلما وصلا إلى الحضرة بحث معهما الخليفة طويلا في شئون الأندلس، وفيما يجب عمله لمحاربة النصارى، والدفاع عن أراضي المسلمين. ثم أمرا بالانصراف إلى شبه الجزيرة، فوصلا إليها في المحرم سنة ٥٧٤ هـ (يونيه ١١٧٨ م). وفي نفس هذا العام، أعني سنة ٥٧٣ هـ، قام الخليفة أبو يعقوب بحركة تطهير شاملة بين وزرائه وعماله، فنكب وزيره أبا العلاء إدريس بن إبراهيم ابن جامع وبنيه، فقبض عليهم، واستصفى أموالهم، ونفاهم إلى مدينة ماردة بالأندلس، فأقاموا بها في فقر وضعة نحو ستة أعوام، حتى توفي الخليفة أبو يعقوب، فعفا عنهم ولده الخليفة أبو يوسف. وكان بنو جامع يتولون وزارة الخليفة الموحدي، منذ بداية حكمه، أي منذ خمسة عشر عاماً، وعميدهم إدريس ابن جامع، هو ولد إبراهيم بن جامع من أصحاب أهل الدار، أعني من قرابة

стр. 1822

المهدي ابن تومرت، فلما سما شأنهم، وتمكن سلطانهم، طغوا كالعادة وبغوا، فنكبهم أبو يعقوب ليتخلص من نيرهم. ونكب الخليفة عدة آخرين من العمال، وأعدم بعضهم، وكان من هؤلاء أبو عبد الله بن المعلم مشرف إشبيلية، وابن فاخر مشرف سجلماسة، وأبو الحسن علي بن حنون، وغيرهم (١). وفي سنة ٥٧٤ هـ، بعث الخليفة ابني السيد أبي الحسن والي قرطبة، إلى الأندلس، فولى أبو زيد نظر غرناطة، وولى أبو محمد عبد الله نظر مالقة. ولم يمض قليل على ذلك حتى توفي أخو الخليفة السيد أبو علي الحسين والي إشبيلية، ثم أخوه السيد أبو العباس بن عبد المؤمن، وكان والياً لمدينة سجلماسة. وتوفي من أعلام الدولة الموحدية اثنان كانا من أركان حكومة الخليفة أبي يعقوب ومجلسه، وهما أبو علي بن عزون عميد زعماء الأندلس، والفقيه أبو محمد المالقي شيخ طلبة الحضر بمراكش، وكان من أقطاب الفقه والحديث والأدب، وحظى لدى الخليفة عبد المؤمن، ثم ولده الخليفة أبو يعقوب، وعلت مكانته في الدولة الموحدية. وكان يتولى رفع المسائل للخليفة، وتوصيل الرسائل الواردة، وقراءة كتب الفتح، ويتقدم للخطابة والصلاة بأمير المؤمنين، ويرفع إليه أشعار الشعراء في المناسبات المختلفة، ويلازم ركب الخليفة في الحركة والغزو، وكان له أدب بارع، وشعر جيد ولاسيما في الزهد (٢). - ١ - وفي العام التالي أعني سنة ٥٧٥ هـ (١١٧٩ م) اشتد عدوان البرتغاليين في البر والبحر. وكان ألفونسو هنريكيز قد نقض الهدنة التي عقدها مع الخليفة، وقام البرتغاليون بغزو وادي إشبيلية، ثم مدينة باجة، حسبما قدمنا، ثم تفاقم عدوانهم تباعاً، فعندئذ قرر الخليفة أن يقوم الموحدون بمجهود لرد هذا العدوان، فبعث أسطوله المرابط بسبتة تحت إمرة غانم بن مردنيش لغزو شواطىء البرتغال، فسار غانم صوب أشبونة، وهاجم ثغرها، واستولى على سفينتين من سفن البرتغاليين، وعاد بأسطوله إلى سبتة. فعندئذ سارت حملة بحرية برتغالية إلى الجنوب وهاجمت شواطىء ولاية الغرب الجنوبية، واستولت على جزيرة شلطيش، الواقعة قبالة

стр. 1823

ولبة في مصب نهر أوديل، وأسرت كثيراً من سكانها المسلمين فبقوا في الأسر حتى افتداهم الخليفة أبو يعقوب (١). ورأى الخليفة أن ينتقم لهذا الاعتداء، وأمر لانشغاله بغزوة قفصة التي نتحدث عنها بعد، بأن يقوم أسطوله بغزو البرتغال مرة أخرى، فخرج غانم بن مردنيش وأخوه أبو العلاء، في حملة بحرية، سارت إلى مياه البرتغال الشمالية، ورست عند سان مارتن دي بورتو شمالي أشبونة، ونفذ المسلمون إلى الداخل، وحاولوا مهاجمة " بورتو دي موس ". التي تقع على مقربة من الشاطىء، ولكن حاكمها البرتغالي الأميرال روبينو استنفر لمعاونته أهالي مدينة شنترين، وألكانينا التي تقع في شمالها، فهرعوا لإنجاده، ودبر البرتغاليون كميناً للمسلمين في جبال منديجا، وانقضوا عليهم، فمزقت صفوفهم، وأسر غانم وأخوه أبو العلاء، وجملة من أكابر الموحدين، واحتوى البرتغاليون على أسلابهم ومتاعهم، واستولوا على السفن الموحدية وأسروا من كان فيها، وساروا بها إلى أشبونة. ووقعت هذه الموقعة في منتصف شهر المحرم سنة ٥٧٦ هـ (١١ يونيه سنة ١١٨٠ م). وكتب غانم من موضع اعتقاله إلى الخليفة يلتمس الغوث، فعهد الخليفة إلى أخيه هلال ابن مردنيش بالنظر في فداء أخيه، فجمع المال اللازم لذلك، وبعث به إلى إشبيلية، فحمل إلى النصارى، وأفرج عن غانم وأخيه وبقية أصحابه (٢)، ولكن سنرى أن ابن عذارى، وهو صاحب هذه الرواية، يقدم لنا رواية أخرى عن افتداء غانم وأصحابه. وحاول البرتغاليون أن يُتبعوا نصرهم، بنصر أكبر، فحشدوا أسطولا ضخماً سار بحذاء شاطىء ولاية الغرب بقيادة الأميرال روبينو، وكان مقصد البرتغاليين أن يقوموا بضربة لميناء سبتة مركز الأسطول الموحدي. ولكن قائد أسطول سبتة عبد الله بن جامع، وهو الذي تولى قيادته منذ أسر غانم، خرج منها بأسطوله، وخرج في نفس الوقت أسطول إشبيلية بقيادة أبي العباس الصقلي، واجتمعت الأساطيل الموحدية بثغر قادس، ثم سارت منه مجتمعة صوب شاطىء البرتغال الجنوبي، ثم انعطفت لتسير شمالا بحذاء شاطىء ولاية الغرب، وكان الأسطول البرتغالي قد بدأ عندئذ سيره نحو الجنوب، فالتقى الفريقان قبالة رأس إسبكل

стр. 1824

جنوبي أشبونة، وكان من غرائب القدر أن وقع هذا اللقاء في الخامس عشر من شهر المحرم سنة ٥٧٧ هـ (أواخر مايو سنة ١١٨١ م) أعني لعام بالضبط من اليوم الذي وقعت فيه موقعة " بورتو دي موس " وعلى مقربة من المكان الذي رسا فيه الأسطول الموحدي بقيادة غانم بن مردنيش، فنشبت بين الأسطولين معركة بحرية عنيفة هزم فيها البرتغاليون شر هزيمة، وقتل قائدهم الأميرال روبينو، واستولى المسلمون على عشرين سفينة من سفنهم، وأسروا نحو ألف وثمانمائة أسير، وغنموا غنائم وفيرة من العتاد والسلاح، وكان نصراً موحدياً باهراً. وبادر القائدان الظافران ابن جامع والصقلي، فسارا إلى الحضرة في الأسرى، والغنائم وقدماها إلى أمير المؤمنين، فأمر بتخصيص بعض الأسرى لافتداء غانم بن مردنيش وأصحابه، وأمر بإعدام الباقين (١). وقام القشتاليون في نفس الوقت ببعض الغارات في أراضي الأندلس من ناحية طليطلة، وأثخنوا فيها كالعادة تخريباً وسبياً، بيد أن المعركة الرئيسية، كانت تضطرم بين الموحدين والبرتغاليين. ذلك أنه في نفس الوقت الذي وقعت فيه المعارك البحرية السالفة الذكر بين الفريقين، كان الموحدون يغزون أراضي البرتغال الداخلية، ففي فاتحة سنة ٥٧٧ هـ، خرجت من إشبيلية، حملة موحدية قوية بقيادة أبي عبد الله محمد بن وانودين الهنتاني، وسارت نحو الشمال الغربي صوب مدينة يابرة وعاثوا في أحوازها، وانتسفوا الزروع والكروم والثمار والأشجار، واستاقوا كثيراً من الماشية، وامتنع البرتغاليون داخل المدينة، والمسلمون يثخنون في كل ناحية من نواحيها. وفي ذات يوم خرج البرتغاليون من يابرة فجأة، واشتبكوا مع الموحدين في معركة حامية، فهزموا شر هزيمة، وقتل منهم عدد جم، ولجأ الباقون إلى المدينة. فأقام عليها ابن وانودين يومين ثم انصرف عنها، وهاجم في طريق عودته حصناً آخر للنصارى واستولى عليه، وسبى رجاله ونساءه، ثم عاد إلى إشبيلية، مثقلا بالغنائم والأسرى، وذلك في أواخر شهر محرم سنة ٥٧٧ هـ (يونيه سنة ١١٨١ م) (٢). ولم يمض قليل على ذلك حتى خرجت حملة برتغالية، من أهل شنترين، وعبرت نهر وادي يانه، وسارت حتى فحص الشرف من أحواز إشبيلية، فخرج

стр. 1825

إليهم عسكر إشبيلية، ونشب بينهما قتال عنيف قتل فيه من النصارى مائة وسبعون، ولكن البرتغاليين كانوا قد رتبوا كميناً، فخرج كمينهم واشترك في المعركة، فانهزم المسلمون وقتل منهم جماعة. وأغار القشتاليون في نفس الوقت على مدينة إستجة وعلى أراضي قرطبة. ثم انصرفوا دون قتال ولا مقاومة، وأحيط الخليفة بمراكش علماً بما حدث (١). وفي العام التالي، أعني سنة ٥٧٨ هـ (١١٨٢ م) تفاقم عدوان البرتغاليين على أراضي الأندلس. فخرجت حملة برتغالية قوية قوامها فرسان شنترين، وأشبونة، وعبرت نهر وادي يانه، واجتاحت الشرف جنوبي إشبيلية، حتى وصلت إلى مدينة شلوقة (٢)، على مصب الوادي الكبير، فنازلتها في ألف فارس وألف راجل، واقتحمتها، وقتلت من كان بها من المسلمين، واحتوت على كثير من الأسرى والغنائم، ثم استولت على حصن القصر (٣) وغيره من حصون تلك الناحية، وعادت من طريق لَبلة، دون أن يقف في سبيلها أحد. وتفاقم في نفس الوقت عدوان القشتاليين، فخرج ألفونسو الثامن أو أذفنش الصغير كما تسميه الرواية الإسلامية في قواته، وسار أولا صوب قرطبة، وعسكر في ظاهرها، وذلك في الرابع من شهر صفر، ثم بعث طوائف من قواته سارت نحو مالقة، ورندة، وغرناطة، فساد الاضطراب في تلك القواعد الأندلسية، وارتفعت الأسعار، واشتد الضيق. واجتمع مجهود الموحدين الدفاعي حول إشبيلية، والتحوط لحمايتها، فوجه قائدها أبو عبد الله بن وانودين قواته إلى الأنحاء المجاورة، وتعزيزها، ووجه بعض عسكره إلى دفع القشتاليين عن فحص قرمونة، كل ذلك والقشتاليون يثخنون في الأراضي الواقعة بين قرطبة وإشبيلية، دون أن يردهم أحد، ثم سار ألفونسو الثامن إلى منازلة مدينة إستجّة، وكاد يتغلب عليها، ولكن واليها أبا محمد بن طاع الله الكومي استطاع أن يصمد فيها. فغادرها ألفونسو صوب إشبيلية، وهو يعيث في تلك المنطقة فساداً وتدميراً. وفي خلال ذلك تغلب القشتاليون الزاحفون نحو الجنوب على بعض حصون رندة، وأسروا فيه ألفاً وأربعمائة من المسلمين، وانتسفوا الزروع

стр. 1826

في أراضي رندة والجزيرة، واستولوا على مقادير عظيمة من الغنائم من الماشية وغيرها. وكان استيلاء ألفونسو الثامن على حصن شنتفيلة (١) أخطر ما حققه القشتاليون في تلك الغزوة. وكان من أمنع حصون المنطقة الواقعة بين إشبيلية وقرطبة، يقع فوق ربوة عالية وله أسوار منيعة، فاستولى عليه القشتاليون في السابع عشر من صفر (٢٢ يونيه ١١٨٢ م) وأسروا من كان به من المسلمين، وعددهم سبعمائة بين رجال ونساء، فافتداهم أهل إشبيلية بمبلغ ألفين وسبعمائة وخمسة وسبعين ديناراً، جمعت من الناس بالمسجد الجامع. وعنى ألفونسو الثامن بتقوية الحصن، ومضاعفة أهباته الدفاعية، ووضع به حامية من خمسمائة فارس وألف راجل، وأسكنه بالنصارى وشحنه بالأقوات والعدد والسلاح، ويروى أنه قال، حين الاستيلاء على هذا الحصن: " الآن آخذ قرطبة وإشبيلية ". وأقلع ملك قشتالة بعد ذلك في قواته عائداً إلى بلاده، وذلك في الثالث عشر من ربيع الأول سنة ٥٧٨ هـ (١٧ يوليه ١١٨٢ م) بعد أن قضى في غزوته خمسة وأربعين يوماً (٢). وأدرك الموحدون خطورة فقد حصن شنتفيلة، فقرروا العمل على استرداده. واستدعى السيد أبو إسحق ولد الخليفة ووالي إشبيلية، الحشود من سائر أنحاء الأندلس برسم الجهاد، وخرج في قواته في غرة ربيع الآخر سنة ٥٧٨ هـ. وحدث في نفس الوقت أن خرجت حامية شنتفيلة النصرانية لتغير على بعض الأنحاء المجاورة، فخرج إليها المسلمون من قرمونة وغيرها، وقاتلوها وهزموها، وقتلوا منها سبعين فارساً، وأسروا جملة أخرى، واستاقوا الأسرى إلى السيد أبي إسحاق فأمر بإعدامهم في الطريق. وشجع هذا النصر المحلي، الموحدين على منازلة حصن شنتفيلة، فطوقوه من كل ناحية، وأحكموا حصاره، وقطعوا عنه المؤن والعلوفات، واستمر الحصار ستة وأربعين يوماً حتى مات أكثر الجند والدواب، وفي خلال ذلك خرج ألفونسو الثامن في قواته من طليطلة قاصداً إنجاد الحصن المحصور، ووصل نبأ مقدمه إلى الموحدين في السادس من جمادى الأولى، فرفعوا الحصار، وانصرفوا عائدين إلى إشبيلية. وعلى أثر ذلك وصل ألفونسو الثامن إلى الحصن فلم يجد به سوى خمسين فارساً، هم البقية من حاميته الخمسمائة، ومن

стр. 1827

الرجالة ستمائة من ألف، وقد هلك الباقون من أثر الحصار والمرض والوباء، فأمر بإخلاء الحصن، والرحيل عنه وذلك في الخامس عشر من جمادى الثانية (١٦ سبتمبر سنة ١١٨٢ م) (١). وما كادت تنتهي غزوة شنتفيلة، حتى قرر الموحدون استئناف الغزو، واهتم أبو عبد الله بن وانودين بحشد الجند، فاجتمع منهم بإشبيلية عدد جم، وفي الثامن من جمادى الآخرة سنة ٥٧٨ هـ (٩ سبتمبر ١١٨٢ م)، غادر إشبيلية في عسكره ومعه أشياخ الموحدين وأشياخ الأندلس، وسلك طريقاً منعرجة حتى وصل إلى حصن بتة، وهنالك ميز عسكره، وعقد الأشياخ مجلساً للشورى، تقرر فيه السير إلى غزو مدينة طلبيرة الواقعة غربي طليطلة على نهر التاجُه، وهي أولى مدن الحدود القشتالية. ومن ثم فقد اتجه الجيش الموحدي نحو الشمال، وعبر جبال الشارات (سييرا مورينا) ثم نهر وادي يانه، وكان الجو قاتماً ملبداً بالضباب، فسار حتى أضحى على مقربة من طلبيرة دون أن يفطن النصارى إلى مقدمه، وهنالك التقى الموحدون بسرية من النصارى في نحو عشرين فارساً، فأحدقوا بهم وأسروهم جميعاً إلا دليلهم فإنه نجح في الفرار. ولما أشرف الموحدون على وادي التاجُه، لم يجدوا أمامهم مغنماً، فعلموا أن الدليل الفار قد أخطر بمقدمهم، فأسرعوا السير حتى وصلوا إلى ظاهر طلبيرة، وذلك في منتصف جمادى الآخرة. وفي اليوم التالي احتل الموحدون ربوة مرتفعة تقع على نحو ميل من المدينة، وضربوا محلتهم بها. ودهش النصارى لإقدام المسلمين على دخول بلادهم على هذا النحو، بعد أن مضت مدة طويلة لم يجرؤ أحد منهم على الظهور في تلك المنطقة، وفي الحال حشدوا قواتهم واستنجدوا بأهل الحصون المجاورة، وخرجوا لقتال الموحدين، وكان الموحدون خلال ذلك قد غادروا الربوة منصرفين، بعدما امتلأت أيديهم من الغنائم، فجد النصارى في اتباعهم مصممين على قتالهم، ولما أصبح الموحدون على قيد نحو ثمانية أميال من المدينة، توقفوا وراء أحد التلال واستعدوا للقاء النصارى، وابن وانودين يحثهم على الجهاد والتفاني، إذ هم في أراضي العدو بعيدين عن بلادهم. ثم نشبت المعركة المرتقبة بين الفريقين فثبت الموحدون، وحملوا على القشتاليين حملة صادقة، هزموا على أثرها،

стр. 1828

ومزقت صفوفهم، وولوا الأدبار، وقتل منهم حسبما تقول الرواية الإسلامية أكثر من عشرة آلاف بين فارس وراجل، واستولى المسلمون على عتادهم، ودوابهم. وعاد الموحدون إلى إشبيلية ظافرين مغتبطين، وبعث ابن وانودين إلى الخليفة بكتاب الفتح، فسر به، ولكنه أبدى غضبه على ولده السيد أبي إسحاق لأنه لم يحضر تلك الغزوة التي نسبت برمتها إلى ابن وانودين، مع أنه من جملة قواده، وعاقب كل من تخلف من الأجناد، وحرمهم من العطاء. ومن جهة أخرى فإنه يبدو من رد الخليفة على ابن وانودين، وقوله في خطابه إليه " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ". يبدو من ذلك أن الخليفة قد غص بالانتصارات المتوالية التي أحرزها ابن وانودين، دون بقية الأشياخ والسادة. وكان أبو عبد الله محمد بن وانودين هذا، هو ولد أبي يعقوب يوسف ابن وانودين الهنتاني من كبار أهل خمسين، وقد نشأ في مهاد العلم، ونظمه الخليفة عبد المؤمن في مجلسه، وقربه إليه، ثم قدمه على العسكر وولاه القيادة وصحبه في سائر غزواته في إفريقية. ولما أوفد إلى الأندلس ظهر في محاربة ابن مردنيش ثم في هزيمته لنصارى شنترين، وفي قيادة قافلة الميرة إلى بطليوس، ثم في رد القشتاليين عن قرمونة، وأخيراً في غزوة طلبيرة. ومع ذلك كله فسرعان ما غضب عليه الخليفة لأتفه الأسباب، وذلك عند مقدمه إلى إشبيلية في العام التالي، حيث وشى في حقه الوشاة، فأمر بتغريبه إلى غافق، على مقربة من قلعة رباح، فلبث بها حيناً، ثم نزح إلى تونس واستقر بها (١). - ٢ - نرجع الآن قليلا إلى الوراء لنستعرض ما حدث في المغرب في تلك الأعوام القلائل التي اشتد فيها عدوان القشتاليين والبرتغاليين على الأندلس، والتي شغل فيها الخليفة بالأحداث الداخلية عن تجديد حركة الجهاد. وكان من أهم الأحداث الداخلية، في تلك الفترة، وفاة السيد أبي حفص عمر بن عبد المؤمن أخي الخليفة أبي يعقوب، وكان أبو حفص شقيقه وكبيره، وأمهما حسبما تقدم حرة هي زينب بنت القاضي موسى بن سليمان الضرير، من أصحاب خمسين، وكانت وفاته في شهر ربيع الأول من سنة ٥٧٥ هـ (أغسطس

стр. 1829

١١٧٩ م)، وكان أبو حفص، منذ أيام أبيه الخليفة عبد المؤمن يشغل مكانة ملحوظة في الدولة الموحدية، وقد تولى في فتوته ولاية تلمسان، ثم وزر لأبيه بعد مصرع وزيره عبد السلام الكومي. ولما توفي عبد المؤمن سنة ٥٥٨ هـ، ْبثغر سلا، قام السيد أبو حفص مع الشيخ عمر بن يحيى الهنتاني كبير الأشياخ بتنظيم البيعة لأخيه الأصغر أبي يعقوب يوسف، تنفيذاً لوصية أبيه، ثم تولى له في البداية منصب الحجابة على نحو ما كان لأبيه. واضطلع السيد أبو حفص بأعظم قسط في حملة شرقي الأندلس، وفي الأعمال الحربية التي انتهت بتحطيم مملكة الشرق، وانتهاء ثورة ابن مردنيش، وكان على العموم يحتل في دولة أخيه الخليفة أبي يعقوب أعظم مكانة، وفي تدبير الأمور والبت فيها أعظم نصيب. وفي نفس هذا العام أعني سنة ٥٧٥ هـ وقعت الثورة بمدينة قفصة الواقعة جنوبي القيروان على مشارف الصحراء. وكانت قفصة مذ ضعفت دولة بني باديس الصنهاجيين بإفريقية، منزل إمارة محلية في ظل بني الرند، وعميدهم عبد الله ابن محمد بن الرند، فاستقل بقفصة، وقوى أمره تباعاً، وبسط سلطانه على عدة من البلاد المجاورة حتى قسنطينة، ثم خلفه في الإمارة ولده المعتز، ثم حافده يحيى بن تميم بن المعتز. ولما قام عبد المؤمن في سنة ٥٥٤ هـ بغزوته لإفريقية، استولى على قفصة، ونقل بني الرند إلى بجاية، وعين لقفصة والياً موحدياً. وكان والي قفصة الموحدي حينما وقعت الثورة، عمران بن موسى الصنهاجي، وكان قد أساء السيرة، ووقع الاضطراب بالمدينة، فبعث لفيف من أهلها إلى بجاية في دعوة علي بن عبد العزيز بن الرند المعروف بالطويل، فقدم إليهم، واضطرمت الثورة، وقتل عمران بن موسى، واستبد ابن الرند بالمدينة، وكان يشجعه في ثورته، ويحرض العرب للانضمام إليه قريبه القائد على بن المنتصر من بجاية (١). فلما نميت هذه الأنباء إلى الخليفة أبي يعقوب، اعتزم السير بنفسه إلى إفريقية، فخرج في قواته من مراكش في الخامس عشر من شوال سنة ٥٧٥ هـ (مارس سنة ١١٨٠ م)، ويروى لنا ابن صاحب الصلاة، أن البركة الدورية التي كانت تعطى للعسكر في تلك الغزوة كانت تبلغ في كل مرة ألف ألف دينار، سوى العلوفات والمرافق، مما يدل على ضخامة الجيش الذي حشد (٢)، واستمر الخليفة

стр. 1830

في سيره وئيداً، واحتفل في الطريق بعيد الأضحى، وقدم ولده السيد أبا يوسف يعقوب على مقدمة الجيش، فسبقه إلى تلمسان. ووصل الخليفة في قواته إلى تلمسان في أوائل سنة ٥٧٦ هـ، ولما كملت أهبة الجيش وتعبئته، خرج من تلمسان في الثاني عشر من شهر صفر، متجهاً إلى إفريقية، فلما وصل إلى بجاية نزل بها. وتحقق لديه أن القائد علي بن المنتصر متواطىء مع قريبه الثائر بقفصة، وأنه يوالي تحريضه على الاستمرار في الثورة، ويوالي تحريض العرب لتأييده، وضبطت بمنزله رسائل تؤيد ذلك، فقبض عليه، وأحيط بسائر أمواله. ثم سار الخليفة من بجاية، فلما قرب من قفصة، بادر أشياخ العرب من رياح إلى المثول لديه، وتأكيد ولائهم وطاعتهم. وضرب الخليفة الحصار حول قفصة وضربها بالمجانيق، حتى اضطر علي بن الرند إلى الإذعان والتسليم، أو التوحيد وفقاً لقول البيذق، ثم ارتد إلى تونس وفقاً لرواية أخرى، واحتل الموحدون قفصة وذلك في رمضان سنة ٥٧٦ هـ (فبراير ١١٨١ م) وعقد الخليفة بولاية إفريقية والزاب لأخيه السيد على أبي الحسين، وبولاية بجاية أو ولاية القيروان على قول آخر لأخيه السيد أبي موسى (١). وانتهز الخليفة هذه الفرصة لتجديد مساعيه في استمالة العرب الذين ينزلون بهذه الأنحاء من إفريقية وترغيبهم في الجهاد بالأندلس. وقد شرح لنا هذه المساعي في رسالة الفتح التي وجهها إلى الموحدين بقرطبة. وذلك أنه لما اجتمع لديه أشياخ قبائل رياح وكبراؤهم من جميع الأنحاء، ذُكّروا بما كان لأسلافهم من فضل سابغ في نصرة الدين، وأنه يجدر بهم أن يحذوا حذو أسلافهم في الاضطلاع بتلك المهمة الجليلة، وأن خير ما يصنعونه في ذلك هو المساهمة في الجهاد بالأندلس، وغزو النصارى بها، سيما وقد تفاقم عدوانهم في الآونة الأخيرة، وأن أولئك الأشياخ أبدوا أنهم على أتم أهبة للاستجابة إلى هذه الدعوة، وأن قبائل رياح كلها، وبطونها وأفخاذها، أبدوا جميعاً أنهم يقبلونها بقلوب خالصة، ونيات صافية، وأنهم أخذوا بالفعل في الحركة والاحتشاد، كل طائفة صوب الطريق التي تفضلها وتراها أيسر لمجازها، وتوالت جموعهم حتى امتلأت بها تلك البطاح والسهول. وكان ممن حضر ذلك الجمع الشيخ أبو سرحان مسعود بن سلطان بن زمام، فلما وقع العزم على الاستجابة، أخذ في الرحيل بأهله وولده وكل من تبعه من

стр. 1831

قومه، وبادر الجميع بالامتثال والرحيل، مبايعين ربهم على الجهاد في سبيله. وينوه الخليفة في رسالته، بأنه كان من أثر هذه الحركة أنه لم يبق بإفريقية من طوائف العرب، سوى من نزل من قبائل سليم بجهات طرابلس وما وراءها شرقاً نحو برقة والإسكندرية، وأن هؤلاء قد خوطبوا أيضاً بما خوطب به زملاؤهم، وكوتبوا، وبذلت لهم أطيب الوعود، وأنذروا في نفس الوقت، أملا في استمالتهم واستجلابهم إلى مشاركة إخوانهم. وقد سبق أن أشرنا إلى خطة السياسة الموحدية في استمالة القبائل العربية النازلة بإفريقية وحشدها في الجيوش الموحدية، وهي الخطة التي وضعها الخليفة عبد المؤمن منذ افتتاحه لثغر المهدية في سنة ٥٥٥ هـ، وتابعها ولده الخليفة أبو يعقوب وضاعف اهتمامه بتنفيذها حسبما سبق أن فصلناه. وقد كان للسياسة الموحدية من تحقيق هذه الخطة هدف مزدوج أشارت إليه رسالة الفتح المتقدمة الذكر، وهو أولا تخليص إفريقية من طوائف العرب النازلة بها، وكف أيديهم عنها، وذلك لما كان من استطالتهم عليها، وتخريبهم لربوعها ومدنها، وثانياً لاستنفارهم إلى الجهاد والاستعانة بهم في تدعيم الجيوش الموحدية المرسلة إلى الغزو بالأندلس. وقد استطاع الخليفة أبو يعقوب أن يحشد بالفعل منهم حشوداً عظيمة عبرت معه إلى الأندلس، واشتركت مع الجيوش الموحدية في غزوة وبذة وفي محاربة النصارى في مختلف الميادين في شبه الجزيرة. ولما أراد أبو يعقوب العودة إلى المغرب في سنة ٥٧١ هـ، فرق العرب الباقين في مختلف القواعد، فأنزل بعضهم في نواحي قرطبة، وبعضهم في نواحي إشبيلية الجنوبية، مما يلي مدينة شريش وأعمالها. بيد أن السياسة الموحدية لم تجن خيراً من هذه الخطة في استمالة العرب وحشدهم إلى جانبها، وذلك لما كانوا يتسمون به من حب التقلب، ومجانبة الولاء، والسعي إلى اجتناء المغانم المادية بأي الوسائل. وسوف نرى فيما بعد، كيف انقلبوا إلى محاربة الدولة الموحدية، وغدوا من أخطر خصومها في منطقة إفريقية (١). وحدث أيضاً أثناء وجود الخليفة بإفريقية، أن وفدت إليه رسل ملك صقلية، النورماني، وهو يومئذ وليم الطيب، يطلب الصلح والمهادنة، وكان ملوك صقلية

стр. 1832

منذ استرد منهم عبد المؤمن ثغر المهدية، وقضى على سلطانهم في شواطىء إفريقية قبل ذلك بعشرين عاماً، يخشون بأس الدولة الموحدية، ويؤثرون السلم معها. ويقول لنا صاحب المعجب إن ملك صقلية عقد الصلح مع الخليفة على أن يحمل إليه إتاوة سنوية اتفق عليها، وأنه أرسل إلى الخليفة تحفاً وذخائر نفيسة منها حجر ياقوت يسمى " الحافر " لاستدارته بمثل حافر الفرس، وقد وضع في تابوت مصحف عثمان، الذي كان يبالغ الموحدون في تكريمه (١). وعلى أثر افتتاح قفصة ارتحل الخليفة إلى تونس، وكتب من هنالك برسالة الفتح إلى حضرة مراكش، وإلى الأندلس -إلى إشبيلية وقرطبة- وبعث مع الرسالة بقصيدة طويلة من نظم طبيبه العلامة الفيلسوف أبي بكر بن طفيل، يشيد فيها بالفتح، وبالجيش الموحدي، وقد جاء في أولها: ولما انقضى الفتح الذي كان يرتجى ... أصبح حزب الله أغلب غالب وساعدنا التوفيق حتى تبينت ... مقاصدنا مشروحة بالعواقب وأنجزنا وعد من الله صادق ... كفيل بإبطال الظنون الكواذب وهبوا كما هب النسيم إذا سرى ... ولم يتركوا بالشرق علقة آيب وأذعن من عليا هلال بن عامر ... أبي ولبى الأمر كل مجانب يغص بهم عرض الفيافي وطولها ... وقد زحموا الآفاق من كل جانب ولما وصل كتاب الفتح، وقصيدة ابن طفيل، إلى السيد أبي إسحاق ولد الخليفة ووالي إشبيلية، عم البشر والسرور، ومثل لديه أشياخ إشبيلية للتهنئة، وخطب بين يديه الفقيه ابن الجد، وأنشد أبو مروان عبد الملك بن صاحب الصلاة صاحب تاريخ " المن بالإمامة " قصيدة جاء فيها: خير البشائر صوغت حمل المنى ... بقفول خير خليفة وإمام وافت كما ابتسم الأمان لخائف ... وانهل أثر المحل سكب غمام (٢) ثم قفل الخليفة عائداً إلى حضرة مراكش، فوصل إليها في شهر صفر سنة ٥٧٧ هـ، وعلى أثر وصوله، سارت وفود الأندلس إلى العدوة لتهنئته، يتقدمهم ولده السيد أبو إسحاق والي إشبيلية، وابن وانودين وغيره من أشياخ الموحدين،

стр. 1833

وقدمت كذلك وفود قرطبة وغرناطة ومرسية لغرض التهنئة، وأقامت هذه الوفود بالحضرة إلى أواخر العام، ثم انصرفت عائدة إلى بلادها. وفي خلال ذلك علم الخليفة أن طائفة من أهل جبل السوس الواقع على مقربة من بلاد هرغة وهي قبيلة المهدي ابن تومرت، قد استولوا لأنفسهم على ما تحصل من معدن الفضة الذي يستخرج من ذلك الجبل، وذلك بطريق الاغتصاب من عمال المنجم الخاص بذلك، فخرج الخليفة في بعض عسكره من مراكش في أول صفر سنة ٥٧٨ هـ، ولما وصل إلى الجبل المذكور، أمر ببناء حصن عليه، ووضع به حامية، ثم سار من هنالك إلى تينملل فزار قبر المهدي وقبر والده، الخليفة عبد المؤمن، وكان معه وفد من أهل إشبيلية قدم لزيارته بالحضرة قبل ذلك بقليل، ويقول لنا ابن صاحب الصلاة وقد كان ضمن هذا الوفد، إنه زار القبرين بصحبة أبي بكر بن زهر، وأبي الوليد ابن رشد، وأن الخليفة زار فضلا عن القبرين الغار الذي في جبل إيجليز حيث كان يتعبد المهدي والمسمى برابطة الغار، والرابطة الأخرى المسماة رابطة وانسرى، وكان الناس يأخذون التراب منهما للتبرك ويجعلونه على المرضي. وأمر الخليفة بهذه المناسبة، أن ينظم الشعراء قصائدهم في رثاء المهدي ورثاء أبيه، وأن يذكروا مناقبهما ومآثرهما، وأغدق عليهم صلاته الكثيرة (١). وكان مما قيل بهذه المناسبة، في ذكر مناقب المهدي، وشرح أسطورته، والإشادة برسالته، قصيدة نظمها شاعر من أهل الجزائر، وفد على أبي يعقوب بتينملل، وأنشد قصيدته على قبر المهدي ابن تومرت بمحضر من الخليفة وشيوخ الموحدين، وإليك بعض ما ورد فيها: سلام على قبر الإمام الممجد ... سلالة خير العالمين محمد ومشبهه في خلقه ثم في اسمه ... وفي اسم أبيه والقضاء المسدد ومحيي علوم الدين بعد مماتها ... ومظهر أسرار الكتاب المسدد أتتنا به البشرى بأن يملأ الدنا ... بقسط وعدل في الأنام مخلد ويفتتح الأمصار شرقاً ومغرباً ... ويملك عرباً من مغير ومنجد فمن وصفه أقنى وأجلى وإنه ... علاماته خمس تبين لمهتدي زمان واسم والمكان ونسبة ... وفعل له في عصمة وتأيد

стр. 1834

وتتبعه للنصر طائفة الهدى ... فأكرم بهم إخوانُ ذي الصدق أحمد هي الثلة المذكور في الذكر أمرها ... وطائفة المهدي بالحق تهتدي بهم يقمع الله الجبابرة الأولى ... يصدون عن حكم من الحق مرشد ويقطع أيام الجبابرة التي ... أبادت من الإسلام كل مشيد فيغزون أعراب الجزيرة عنوة ... ويعرون منها فارساً وكأن قد ويفتتحون الروم فتح غنيمة ... ويعرون منها فارساً وكأن قد ويفتتحون الروم فتح غنيمة ... ويقتسمون المال بالترس عن يد ويغدون للدجال يغزونه ضحاً ... يذيقونه حد الحسام المهند وينزل عيسى فيهم وأميرهم ... إمام فيدعوهم لمحراب مسجد يصلي بهم ذاك الأمير صلاتهم ... بتقديم عيسى المصطفى عن تعمد فيمسح بالكفين منه وجوههم ... ويخبرهم حقاً بعز مجدد وما أن يزال الأمر فيه وفيهم ... إلى آخر الدهر الطويل المسرمد فأبلغ أمير المؤمنين تحية ... على النأي مني والوداد المؤكد عليه سلام الله ما در شارق ... وما صدر الوارد من ورد مورد وقيل إن منشىء هذه القصيدة لم يحضر لإلقائها بنفسه، للكبر وبعد الشقة، وأنه أرسل بها فأنشدت باسمه على قبر الإمام، وكان نظمه إياها أيام حياة الخليفة عبد المؤمن (١). وفي العام التالي، أعني في سنة ٥٧٩ هـ، كانت توسعة مدينة مراكش. وكانت العاصمة الموحدية، قد بدأت تضيق بسكانها الذين هرعوا إلى استيطانها من كل صوب، وبالرغم مما أقيم بها منذ أيام الخليفة عبد المؤمن، من الأحياء الكبيرة والدور العديدة الفخمة لسكنى رجال البلاط، وعلية القوم، والوافدين إليها من مختلف أنحاء المغرب والأندلس، فإنها أضحت قاصرة عن أن تستوعب سكانها، وحركة عمرانها الضخمة. وكان الخليفة قد أمر قبائل هسكورة وصنهاجة أن يتركوا بلادهم، وأن يأتوا إلى العاصمة بأهلهم لسكناها، فلما وصلوا إليها لم يجدوا بها متسعاً لنزولهم، فشكوا إلى الخليفة أمرهم. فعندئذ رأى الخليفة أنه لابد من العمل على توسعة المدينة، وعهد إلى ولده وولي عهده السيد أبي يوسف

стр. 1835

يعقوب بتلك المهمة، فركب في يوم أول ربيع الآخر ومعه شيوخ الموحدين وعرفاء البنائين لينظروا خير موقع يصلح لتحقيق هذه الرغبة، فاتفق رأيهم على زيادة المدينة من الجهة القبلية، بإنشاء مدينة جديدة متصلة بها من هذه الناحية، ووافق الخليفة على هذا المشروع، وقام العبيد والرجال بهدم سور المدينة من جهة باب الشريعة، ووضعت خطط المدينة الجديدة في يوم الاثنين الخامس والعشرين من ربيع الآخر، واتصل بناء السور حول المواقع الجديدة، وبناء باب الشريعة أربعين يوماً، حتى كمل، وبدأ إنشاء الدور والرباع بسرعة في هذا القطاع الجديد من العاصمة الموحدية (١). ولم يمض قليل على ذلك حتى وقع بإفريقية حادث مكدر. ذلك أن طوائف العرب من بني سُليم ثاروا على مقربة من مدينة قابس، فسار أبو الحسن على ابن الخليفة ووالي تونس لقتالهم، ودامت الحرب بينهم أياماً، ثم أمر الفرسان الموحدون من أهل الرايات أن ينتقلوا من موضعهم إلى جبل قريب يسمى جبل كسرى، فظن أن هذا الانتقال بسبب الهزيمة، فتركوا عتادهم وفروا منهزمين دون قتال، فلجأ السيد ومن معه إلى الجبل، ولكنهم لم يجدوا به ماء، فلما اشتد بهم العطش كروا على العرب دفعة واحدة، فهزمهم العرب، وأحدقوا بهم وأسروا السيد وأصحابه. (جمادى الأولى سنة ٥٧٩ هـ). ولما علم الخليفة بذلك قرر في الحال غزو بني سليم والانتقام منهم، ولكن لم تمض بعد ذلك سوى أيام قلائل حتى ورد الخبر بأن السيد وأصحابه قد أطلق سراحهم لقاء ما دفعوا من المال، وأنهم وصلوا سالمين إلى تونس (٢). ومن حوادث هذا العام أيضاً نكبة الخليفة لأبي زكريا بن حيون شيخ قبيلة كومية وابنه على الذي كان مشرفاً على تلمسان، وقبض على أبي زكريا وحوسب مدة، ثم نفي إلى بطليوس بالأندلس، وبقى ابنه علي في السجن، حتى خرج الخليفة إلى الغزو، فأمر بأن يحمل معه مصفداً، ولكنه استطاع الفرار أثناء السير. ومنها فرار الداعية علي بن محمد بن رزين المعروف بالجزيري من مراكش، وكان على مذهب الخوارج الأزارقة يقول بتكفير جميع المسلمين، وتبعه قوم من البربر يقرأون عليه مذهبه، وشاع خبره، وعندئذ خشي بطش ولاة الأمر. ففر من المدينة واختفى حيناً، حتى قبض عليه فيما بعد وقتل أيام الخليفة المنصور.

стр. 1836

الفصل الخامس غزوة شنترين ومصرع الخليفة أبي يعقوب يوسف استعداد الخليفة للجهاد بالأندلس. ولاة الأندلس وقضاتها الجدد. قسمة السلاح والعتاد. مسير الخليفة إلى رباط الفتح. الاتفاق على توجيه الحملة إلى الأندلس. مسير الخليفة إلى مكناسة، ثم إلى فاس. تعيين السيد أبي حفص لقيادة العرب، وبعض السادات لقيادة الموحدين. مسير الخليفة إلى سبتة. جواز قبائل العرب فقبائل البربر ثم الموحدين إلى شبه الجزيرة. عبور الخليفة ومسيره إلى إشبيلية. أقوال ابن صاحب الصلاة. اختيار مدينة شنترين هدفاً للغزوة المنشودة. حكمة هذا الاختيار وبواعثه. منشآت الخليفة بإشبيلية. خروج الخليفة في قواته إلى بطليوس. تحالف ملكي قشتالة وليون ضد الموحدين. ملك ليون يحاصر قاصرش. الرواية النصرانية عن خطة الموحدين. رفع الحصار عن قاصرش. مسير الموحدين إلى شنترين. عدد الجيش الموحدي. شنترين وموقعها. أشبونة هدف الغزوة الموحدية. محاصرة الموحدين لشنترين. اقتحامهم للربض الخارجي. اعتصام النصارى بالقصبة. المعارك بين الموحدين والبرتغاليين. أمر الخليفة بالكف عن القتال. تحول الجيش الموحدي عن موقعه. صدور الأمر بالرحيل. غموض بواعث هذا الأمر. رواية في تعليله. رواية أخرى في شرح ما حدث في المعسكر الموحدي. شرح الرواية النصرانية لأسباب الانسحاب. ما حدث خلال الانسحاب من الفوضى والاضطراب. مهاجمة النصارى لساقة الجيش المنسحب. وصولهم إلى محلة الخليفة. جرح الخليفة ثم وفاته خلال السير. بعض روايات عن هذا الحادث. رواية أخرى عن مرض الخليفة ووفاته. أسباب نكبة الجيش الموحدي. مسير الجيش وكتمان وفاة الخليفة. التوقف في طرش. اجتماع القادة ومبايعة الأمير أبي يوسف يعقوب. الوصول إلى إشبيلية. إعلان الوفاة وأخذ البيعة للخليفة. انقضاء الغزو والأمر بالرحيل. مسير الركب الخليفي إلى طريف. عبوره إلى العدوة. المسير إلى رباط الفتح. الخليفة أبو يعقوب. حزمه وتقواه وعلمه. حرصه على تنفيذ حكم الشرع. مطاردته للعمال الظلمة. خبرته بشئون المملكة. شغفه بالجهاد. علمه وأدبه. تمكنه من الحديث والفقه واللغة. دراسته للفلسفة والطب. صلاته بابن طفيل وابن زهر وابن رشد. كيف وضع ابن رشد شروحه لأرسطو. ابن طفيل سفير الخليفة لدى العلماء. شغف أبي يعقوب بجمع كتب الفلسفة. أثر من آثاره العلمية. كلفه بالمنشآت العمرانية. وزراؤه وقضاته وكتابه. أبناؤه وصفته. كان من الواضح للخليفة أبي يعقوب وأعوانه من أقطاب الموحدين، أن حوادث الأندلس، قد أخذت في الأعوام الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، تسير نحو اتجاه مكدر، وأن عدوان الممالك الإسبانية النصرانية، قد أخذ يشتد ويتفاقم، وأن غزوات البرتغاليين لولاية الغرب، وما أحرزوه من انتصارات في البر

стр. 1837

والبحر على القوات الموحدية، وغزوات ملك قشتالة لموسّطة الأندلس وتهديده لقرطبة وإشبيلية، وتوغل قواته جنوباً حتى غرناطة ومالقة ورندة، كل ذلك قد كشف عن ضعف الجبهة الدفاعية الموحدية بالأندلس، وعن قصور القوات الموحدية عن حماية الأندلس، وصد عدوان النصارى عنها. ومن ثم فقد رأى الخليفة أنه لابد من تنظيم حركة جديدة للجهاد بالأندلس ليقودها بنفسه، وظهرت بوادر هذه النية منذ أوائل شهر جمادى الآخرة من سنة ٥٧٩ هـ، حينما أمر الخليفة بتمييز طوائف الموحدين والعرب والقبائل استعداداً للغزو، وبصنع عشرة مجانيق جربت بعد صنعها بالرمي أمامه، في منطقة البحيرة خارج مراكش، واستمر تمييز الجند طوال شهر جمادى الثانية (سبتمبر ١١٨٣ م). وفي شهر شعبان أصدر الخليفة المراسيم بتولية أربعة من أبنائه قواعد الأندلس الأربعة الرئيسية، وهم السيد أبو إسحق لولاية إشبيلية كما كان، والسيد أبو زكريا يحيى لولاية قرطبة، وذلك تنفيذاً لرغبة القاضي أبي الوليد بن رشد، والسيد أبو زيد لولاية غرناطة، والسيد أبو عبد الله لولاية مرسية، وأمر بسفرهم إلى مقر أعمالهم، تمهيداً لحركة الغزو. وأصدر أمره في نفس الوقت بتولية أبي المكارم ابن الحسين المصري لقضاء إشبيلية، وأبي الوليد بن رشد لقضاء قرطبة، وأبي عبد الله بن الصقر لقضاء غرناطة، وتحرك الجميع للسفر إلى شبه الجزيرة في السابع والعشرين من شعبان. وفي منتصف شهر رمضان، أجريت قسمة السلاح والعتاد، وخصص خباء لكل عشرة من الفرسان، ثم أخرجت البركة لسائر الجند من الفرسان والرجّالة. وفي يوم السبت الخامس والعشرين من شوال (فبراير ١١٨٤ م) صدرت الأوامر بالحركة، وركب الخليفة كعادته بعد صلاة الصبح، وخرج من باب دُكّالة، وهو الذي يسلكه إلى الغزو بإفريقية. ويصف لنا صاحب البيان المغرب -والمرجح أنه ينقل عن ابن صاحب الصلاة (١) - موكب الخليفة ومراحل سيره، فيقول إنه سار يتقدمه العلم الأبيض مع الرجّالة، كالعادة، ومعه مصحف عثمان على جمل أبيض مرتفع، وقد وضع تابوته المرصع بنفيس الجواهر، وعليه قبة حمراء لصيانته، ويليه مصحف المهدي يحمله بغل، وقد سار بنو الخليفة مع

стр. 1838

إخوته خلفه، ووصل الخليفة في ركبه الضخم إلى سلا في الثالث عشر من ذي القعدة، ونزل بمدينة المهدية (رباط الفتح)، وهنالك وفد عليه أبو محمد ابن أبي إسحاق بن جامع قادماً من إفريقية، فأخبره أن السلام يسودها، وأن العرب الذين يخشى من شغبهم، قد فروا من البلاد بأهلهم، حينما سمعوا بحركة الغزو، وبذلك أمن شرهم واستتبت السكينة والأمن. وفي أثناء ذلك وصل شيوخ العرب المنضمون للحملة بجميع قبائلهم، فصدر أمر الخليفة بالإنعام عليهم بالكسى والبركات والصلات الجزيلة. وتعهد الأشياخ بأن يساهموا في هذه الغزوة بمائة وثلاثين ألفاً ما بين فارس وراجل. ثم أمر الخليفة باجتماع شيوخ الموحدين والعرب والقادة في مؤتمر عام، وخرج إليهم ولده أبو يوسف المنصور، وأبلغهم أن أمير المؤمنين يطلب رأيهم ويستشيرهم في أمر توجيه هذه الحملة، هل توجه إلى إفريقية أم توجه إلى الأندلس، فكان رأيهم بالإجماع أن توجه إلى الأندلس لغزو النصارى والجهاد في سبيل الله، فأبدى الخليفة ارتياحه لهذا الرأي (١). ومعنى ذلك أن الخليفة، حين خروجه من مراكش لم يكن لديه رأى حاسم في شأن الغزوة التي ينوي القيام بها، وهذا في ذاته يكشف لنا جانباً من ضعف الخطط العسكرية الموحدية. وفي اليوم الثامن والعشرين من ذي القعدة، بدأت العساكر في الجواز على قنطرة سلا، وفي اليوم الثلاثين غادر الخليفة في موكبه، رباط الفتح إلى مكناسة، فوصلها في السادس من ذي الحجة، وقضى بها عيد الأضحى، ثم غادرها إلى فاس، وكانت قد ترامت إليه الأنباء عن خيانة مشرفها وعمالها المختلفين، واختلاساتهم، فأمر بالقبض عليهم جميعاً، ومصادرة دورهم وأموالهم لحساب " المخزن "، وألزموا بأن يردوا " للمخزن " أربعمائة ألف وستين ألف دينار، تعهدوا بأدائها أقساطاً، ورتب عليهم الرقباء حتى قاموا بأدائها. وفي الثاني عشر من ذي الحجة، أمر الخليفة بأن يتقدم العسكر قبيلتا هنتانة وتينملّل برسم الجواز إلى الأندلس، وبأن يتقدم ولده السيد أبو حفص على طوائف العرب، وأن يشرف على جوازهم إلى الأندلس، ثم قدّم على قبائل الموحدين وحشودهم، بعض السادات من الأبناء والإخوة، وكتب إلى الولاة

стр. 1839

بالأندلس أن يستعدوا لاستقبال هذه الحشود المختلفة، وأن يكونوا هم في جموعهم في هيئة استعداد للجهاد. وفي يوم الثلاثاء الرابع من شهر المحرم سنة ٥٨٠ هـ (٨ أبريل ١١٨٤ م) غادر الخليفة أبو يعقوب مدينة فاس في موكبه، على الترتيب السابق وصفه، حتى وصل إلى ثغر سبتة فأقام به بقية شهر المحرم. وأمر في أثناء ذلك ببدء الجواز، فجازت قبائل العرب أولا، ثم قبائل زناتة، فالمصامدة، فمغراوة وصَنهاجة وأورية وغيرهم من بطون البربر، ثم جازت جيوش الموحدين. فلما كمل جواز الجيش عبر الخليفة فيمن بقى من طوائف العبيد والحرس، وكان عبوره في الخامس من صفر (١٧ مايو) ونزل بجبل الفتح (جبل طارق) ثم سار منه إلى الجزيرة الخضراء، ثم إلى إشبيلية عن طريق أركش وشريش، فوصل إليها في عساكره في اليوم الثالث عشر من صفر (٢٥ مايو)، وخرج أهل الحاضرة الأندلسية إلى لقائه والسلام عليه، وفي مقدمتهم قاضيهم ابن الجد. ويقول لنا ابن صاحب الصلاة، إنه كان حاضراً في هذا اليوم، وإنه قام بالسلام على الخليفة مع من تقدم إليه من الطلبة، وأنه لم يستطع الكلام لشدة الزحام، وأن الخليفة نزل بقصره داخل حدائقه الواقعة خارج باب قرمونة. وفي اليوم التالي لوصوله أمر بتمييز العساكر وتوزيع السلاح والعتاد عليهم. ووزعت ألف فرس من عتاق الخيل على أشياخ الموحدين والعرب وكبار الجند. وأمر قائد الأسطول أبو العباس الصقلي بإعداد سفن الغزو وما يلزمها من الآلات والمعدات. وكانت أجناد الأندلس، تتلاحق خلال ذلك من أوطانها وقواعدها إلى إشبيلية، لتنضم إلى جيش الغزو (١). وأقام الخليفة بإشبيلية أسبوعين وهو دائب العناية باستكمال الاستعدادت وتنظيم الحشود، والنظر في كل ما يلزم للقيام بالغزوة المنشودة، وضمان نجاحها. أما هدف هذه الغزوة، فقد استقر الرأي على أن يكون مدينة شنترين البرتغالية. وقد سبق أن أوضحنا أن الخليفة لم يحدد هدف هذه الغزوة منذ البداية بصورة قاطعة، بل لم تتحدد وجهة الحملة الموحدية إلى شبه الجزيرة الأندلسية إلا حينما وصل الخليفة إلى سلا. ولكن اختيار مدينة شنترين بالذات هدفاً للغزوة الموحدية يرجع إلى أسباب عديدة، مادية ومعنوية. فقد كانت البرتغال في عهد

стр. 1840

أبي يعقوب أول مملكة نصرانية في شبه الجزيرة ناصبت الموحدين العدوان، وكانت مدينة شنترين بالذات أهم قواعد هذا العدوان، فمنها خرجت الحملات العدوانية المتوالية التي شنها الفارس المغامر جيرالدو سمبافور على بلاد ولاية الغرب وحصونها في قطاع بطليوس، وهي ترجالُه وقاصرش، ومنتانجش وشربة، وجلمّانية. ثم كانت بعد ذلك قاعدة لمهاجمة ملك البرتغال وجيرالدو سمبافور لمدينة بطليوس ذاتها، واستيلائهما عليها، ولو لم يتعاون فرناندو ملك ليون مع الموحدين على إنقاذ المدينة، لبقيت في أيدي البرتغاليين. وكانت شنترين أخيراً مركزاً للحملات المخربة التي شنها البرتغاليون في أحواز إشبيلية، والتي وصلت في سيرها مرة إلى طُريانة، وأخرى إلى الشّرف ومدينة شلوقة، وعلى الجملة فقد كانت شنترين هي المركز الرئيسي لعدوان البرتغاليين على قواعد ولاية الغرب وأراضيها، وقد اضطلع فرسانها وجندها بأعظم دور في هذه الحملات العدوانية، والغزوات المخربة، وكان الخليفة وقادته يرون أن الاستيلاء على شنترين يلحق بالبرتغاليين وملكهم ألفونسو هنريكيز ضربة شديدة، ويقضي على أهم مراكز العدوان في البرتغال، ومن ثم كان اختيارها هدفاً للغزوة الموحدية الكبرى. ومما هو جدير بالذكر أن الخليفة أبا يعقوب، لم ينس خلال هذه المشاغل الحربية الطامية برنامج منشآته العظيمة بمدينة إشبيلية، وهو الذي بدأه حين إقامته الأولى بإشبيلية قبل ذلك بنحو خمسة عشر عاماً، بإنشاء المسجد الجامع والقصور الموحدية، وقنطرة طريانة. ومشاريع الري والسقاية، ذلك أنه أمر قبل تحركه إلى الغزو عامله أبا داود بلول بن جلداسن، أن يقوم خلال غيبته في الغزو، بإنشاء سور حصين على قصبة إشبيلية، يمر من مبدىء بنيانه أمام رحبة ابن خلدون داخل المدينة، وببناء صومعة للجامع في موقع اتصال السور بالجامع المذكور، وبناء دار صنعة للسفن تتصل من سور القصبة الذي على الوادي بباب القطائع، إلى الرحبة السفلى المتصلة بباب الكحل (١). وسوف نعود فيما بعد إلى التحدث عن مصير هذه المنشآت في موطنه المناسب. - ١ - في صبيحة يوم الخميس السادس والعشرين من شهر صفر سنة ٥٨٠ هـ الموافق لليوم السابع من شهر يونيه سنة ١١٨٤ م، تحركت الجيوش الموحدية وعلى رأسها

стр. 1841

الخليفة أبو يعقوب يوسف، من مدينة إشبيلية، نحو الشمال، بنفس الترتيب الذي سبق وصفه. وكان السير هيناً وئيداً، فوصلت بعد تسعة أيام إلى حصن العرجة (١) في طريق بطليوس، وهنالك تم اجتماع الجيوش الموحدية، وقد بدت في أكمل نظام، وأحسن زي، وتقلد الجند كامل أسلحتهم من السيوف والدروع والقسي وغيرها، ثم استأنفت الجيوش سيرها، حتى وصلت إلى مدينة بطليوس، فأمر الخليفة بالنزول في ظاهرها، وأن يجرى تمييز الجند، واستكملت الجيوش ما كان ينقصها من الزاد والميرة. وكان الوزير السابق إدريس بن جامع منفياً في بطليوس ومعه في المنفى أيضاً أبو زكريا بن حيون الكومي شيخ قبيلة كومية، فالتمسا إلى أمير المؤمنين حين مقدمه أن يأذن لهما بالاشتراك في الجهاد فأذن لهما. وكان الموقف بالنسبة للممالك النصرانية قد تغير قبل ذلك بأعوام، وانقطعت كل مهادنة بينها وبين الموحدين، وجنحت كلها إلى العدوان، وإلى غزو أراضي الأندلس كل من الناحية التي تليها، وذلك حسبما فصلناه من قبل. وكان فرناندو ملك ليون قد نبذ محالفة الموحدين حسبما تقدم، وحذا حذو زملائه في انتهاج هذه السياسة العدوانية، وعقد مع ملك قشتالة ألفونسو الثامن معاهدة تعهد فيها بأن يلتزم معاداة الموحدين، وألا يعود إلى محالفتهم قط، وقطع زميله ملك قشتالة على نفسه مثل هذا العهد (يونيه سنة ١١٨٣ م). وكان في الوقت الذي عبرت فيه الجيوش الموحدية إلى شبه الجزيرة، يقوم بغزوة جديدة لأراضي الأندلس، ويحاصر مدينة قاصرش (٢) الواقعة شمال شرقي بطليوس على مقربة من نهر التاجُه، واستمر يحاصرها طول الشتاء حتى نهاية الربيع. وكان الخليفة الموحدي يعلم بأمر هذا التحالف الجديد بين قشتالة وليون. وكان الذائع بين الملوك النصارى أن الجيوش الموحدية الغازية، قد تغزو أي الممالك النصرانية، أعني قشتالة أو ليون أو البرتغال، إذ كانت جميعاً سواء في موقفها العدواني من الموحدين، وفي الإغارة على أراضي الأندلس. بل إن الرواية النصرانية، وبخاصة الرواية البرتغالية، تنسب إلى الخليفة الموحدي من غزوته هذه مشاريع أجل خطراً، وأبعد مدى، فتقول لنا إنه كان يبغي، بعد الاستيلاء على شنترين، أن يقوم بافتتاح مملكة البرتغال كلها شمالا حتى نهر دويرة، ثم يسير بعد ذلك إلى غزو مدينة طليطلة

стр. 1842

حاضرة قشتالة (١)، وعلى أي حال فإن فرناندو ملك ليون، حينما علم بسير الجيوش الموحدية نحو بطليوس واقترابها بذلك من مواقعه، بادر برفع الحصار عن قاصرش، وعاد إلى حاضرته مدينة ردريجو، وأخذ يرقب سير الحوادث. وفي يوم الخميس العاشر من شهر ربيع الأول غادر الخليفة في قواته مدينة بطليوس، وسار نحو الشمال الغربي مخترقاً الناحية اليسرى من وادي التاجُه، ثم أمر الجند الموحدين أن يتقدموا صوب شنترين، فعبروا نهر التاجُه بقيادة السيد أبي إسحاق والي إشبيلية، ثم تلاهم بقية الجند وعلى رأسهم الخليفة، ونزلت الجيوش الموحدية جميعها بالتل المرتفع المشرف على شنترين من ناحيتها الشرقية والجنوبية، وكان ذلك في يوم الأربعاء السادس عشر لربيع الأول سنة ٥٨٠ هـ (٢٧ يونيه سنة ١١٨٤ م) وفقاً لقول الرواية الإسلامية المعاصرة (٢)، وتضع الرواية النصرانية مقدم الجيوش الموحدية إلى شنترين قبل ذلك بثلاثة أيام في اليوم الرابع والعشرين من يونيه وهو يوم القديس خوان (٣). وتنوه معظم الروايات الإسلامية بضخامة هذا الجيش الموحدي، ووفرة حشوده (٤)، ويقدم إلينا بعضها عن عدده أرقاماً مدهشة، فيقول لنا صاحب الروض المعطار إنه كان يضم أربعين ألفاً من أنجاد العرب الفرسان، ومن الموحدين والجنود والمطوعة وفرسان الأندلس ما ينيف على مائة ألف فارس (٥)، وإذن فقد كان هذا الجيش الذي أعد لغزو البرتغال، وافتتاح شنترين أضخم من الجيش الذي سار من قبل عند جواز الخليفة الأول إلى الأندلس، إلى حصار وبذة، وتنوه الرواية النصرانية أيضاً بضخامة الجيش الموحدي، وذلك بما تذكره من أرقام خسائره، حسبما نشير إليه فيما بعد. وتقع مدينة شنترين، وقد أتيحت لنا زيارتها، في شمال شرقي أشبونة على

стр. 1843

قيد خمسين كيلومتراً منها، فوق ربوة مرتفعة تقع على الضفة اليمنى لنهر التاجُه، أمام حنية نصف دائرية. وقد كانت في العصر الذي نتحدث فيه من أمنع القواعد البرتغالية، وكانت في عهدها الإسلامي، نظراً لحصانة موقعها في منعطف النهر من المراكز الأمامية للمعارك المستمرة بين المسلمين والنصارى. وقد سقطت في أيدي النصارى لأول مرة في سنة ٤٨٦ هـ (١٠٩٣ م)، حينما استولى عليها ألفونسو السادس ملك قشتالة، ولكن المسلمين استردوها، واستمرت في حوزتهم عصراً آخر، ولما اشتد ساعد مملكة البرتغال الناشئة في عهد ملكها ألفونسو هنريكيز، وأخذ هذا الملك يغير على القواعد الإسلامية المجاورة، كانت شنترين وأشبونة من القواعد التي استولى عليها، وذلك في سنة ٥٤٢ هـ (١١٤٧ م) حينما اضطربت شئون ولاية الغرب على أثر قيام الثورة ضد المرابطين وبقيتا بيد النصارى إلى ذلك الحين. وكان الموحدون يتوقون إلى استرداد هاتين القاعدتين الهامتين من قواعد ولاية الغرب. وهنالك في الواقع ما يدل على أن استرداد ثغر أشبونة كان من أهداف هذه الحملة الموحدية الكبرى بل ربما كان هو هدفها الرئيسي (١). ذلك أن الأسطول الموحدي، كان وقت عبور الخليفة إلى شبه الجزيرة، قد حشد عند مصب الوادي الكبير ومصب وادي يانه، وكان في نفس الوقت الذي اتجهت فيه الجيوش الموحدية صوب شنترين، يسير إلى مياه أشبونة، ثم يحاصرها (٢). بيد أنه كان من الطبيعي أن يقوم الجيش الموحدي قبل السير إلى أشبونة، بالاستيلاء على شنترين، وهي حصن أشبونة من الشمال، وبذلك تؤمن مؤخرة الجيش الموحدي ضد أي هجوم يقوم به النصارى من تلك الناحية. ومن ثم فإنه ما كادت القوات الموحدية تصل إلى ظاهر شنترين، حتى أمر الخليفة بأن يتقدم الجند حتى أبواب المدينة، وأن يضربوا حولها الحصار، ونزل الموحدون في الربض الواقع في جنوبها الشرقي والممتد على طول النهر وضربت به قبة الخليفة، وكان البرتغاليون وعلى رأسهم ملكهم ألفونسو هنريكيز، قد احتشدوا داخل شنترين وقصبتها وجدوا في تحصينها، واتخذوا أعظم أهبة للدفاع عنها (٣)،

стр. 1844

خريطة: خط سير الجيش الموحدي والأسطول الموحّدي إلى غزوة شنترين. رسم: مواقع معركة شنترين سنة ٥٨٠ هـ - ١١٨٤ م.

стр. 1845

وكان المدافعون عن الربض الخارجي قد أقاموا حواجز يستطيعون الاعتصام بها، والدفاع منها. فاقتحم الموحدون الربض وهدموا أحياءه المتصلة بالسور، وهدموا الكنيستين اللتين به، وقتل كثير من المدافعين عنه، وارتد الباقون إلى القصبة، واعتقد القادة الموحدون أن السبيل ممهد لاقتحام المدينة وأخذها، وأعدت بالفعل السلالم اللازمة لاقتحام الأسوار. وفي يوم الجمعة ١٩ ربيع الأول ٢٩ يونيه)، هاجم الموحدون الأسوار، واشتبكوا مع قوة من النصارى خرجت لقتالهم فهزموها وردوها صوب القصبة. وفي صبيحة اليوم التالي - السبت - تجدد القتال بين الموحدين وبين النصارى، واستمر القتال بين الفريقين حتى يوم الاثنين الحادي والعشرين من ربيع الأول (٢ يوليه). ونشبت بينهما خلال ذلك عدة معارك عنيفة. وتقدم إلينا الروايات النصرانية عن هذه المعارك صوراً مختلفة، ويقول بعضها إن المعارك لبثت تضطرم بين النصارى والموحدين في الربض الخارجي للمدينة خمسة أيام، وأن الموحدين بالرغم من خسائرهم لبثوا يجددون هجماتهم، حتى حطمت سائر الحواجز والتحصينات بالربض، وأضحى الموقف مستحيلا، واضطر النصارى إلى اللجوء إلى ناحية القصبة. وهذه الرواية تقترب في جملتها من أقوال الرواية الإسلامية. بيد أن بعض الروايات النصرانية تقدم إلينا مزاعم لا يستطيع أن يسيغها العقل، ولاسيما الرواية المنسوبة إلى الحبر الإنجليزي راؤول دي ديستو، وخلاصتها أن الموحدين وصلوا إلى شنترين في يوم القديس خوان، أعني في يوم ٢٤ يونيه، وحاصروها، وأنهم بعد ثلاثة أيام وثلاث ليال من القتال المستمر، نجحوا في اقتحام المدينة من ثلمة أحدثوها. ولكن وصل في اليوم التالي أسقف بورتو وابن الملك وقتلوا من الموحدين خمسة عشر ألفاً، وسدوا تلك الثلمة بجثثهم. وفي اليوم الذي يليه وصل أسقف شنت ياقب ومعه عشرون ألف مقاتل، وفي الفجر قتلوا ثلاثين ألفاً من الموحدين (١). بيد أنه وقفت في اليوم الختامي لهذه المعارك، وهو يوم الاثنين ٢١ ربيع الأول (٢ يوليه) بالعسكر الموحدي مفاجأة مذهلة، وهي صدور أمر الخليفة بالكف عن القتال، وكان الأمر قد صدر في نفس الوقت بتحرك الجيش من موضع نزوله إلى موضع آخر، أو من شرقي شنترين إلى غربها وشمالها حسبما يقول صاحب

стр. 1846

روض القرطاس. فعجب الناس لذلك، ولم يفقهوا له سبباً، بل إن في هذا التعليق ذاته ما ينم عن إنكار الشيوخ والقادة الموحدين لهذا الأمر الفجائي الذي لم يدرس، ولم تتضح مبرراته. فما الذي حدث في المعسكر الموحدي، وكيف ولِم وقع هذا التحول الفجائى في حركة الجيش الموحدي، ولمّا يمض على مقدمه إلى شنترين سوى ستة أيام؟ إن الرواية الإسلامية لا تقدم إلينا في هذا الموطن أي شرح واضح أو أي تعليل مقنع لهذا الارتداد الفجائي لجيش ضخم غازٍ يربى عدده على المائة ألف، عن مدينة مرهقة بالحصار وقد سقطت أرباضها في أيدي الغزاة، ولا تدافع عنها سوى حامية محلية، قد أنهكتها المعارك المتوالية مع الغزاة، ولجأت في النهاية إلى القصبة ترقب المصير المحتوم، ولم يقل لنا ابن صاحب الصلاة، وهو مرافق الحملة ومؤرخها، شيئاً سوى التعليق على أمر الارتحال بقوله: " فتعجب الناس من هذا الرأي في الانتقال والارتحال، وتعطلت في النفوس جميع الآمال، وظهر الخلل في جميع الأحوال ". ثم يقول إنه قد حدث في هذا اليوم -أي يوم صدور الأمر بالارتحال- على عسكر أهل مرسية حادث مروع، وذلك أنهم خرجوا للإغارة في بسائط النصارى، فخرجوا عليهم وهزموهم هزيمة شنيعة فارتدوا إلى المحلة منهزمين، " وبات الناس في المحلة على حذر، ومن الوجل في ألم وضرر " (١). ويقول لنا مؤرخ موحدي آخر كان مرافقاً للحملة أيضاً هو القاضي أبو الحجاج يوسف بن عمر، إن الخليفة أبا يعقوب حينما قصد مدينة شنترين أمنع بلاد ابن الرنك، وأكثرها أجناداً، وأقواها استعداداً، فزع النصارى وروعت نفوسهم لما رأوه من ضخامة الجيش الموحدي وتفوقه العظيم. وكان القصد محاصرة المدينة وإرهاقها، ثم يقول دون أي إيضاح آخر: " فلما استراءت من جهاتها الأنباء، وطال لغير طائل الثواء، عزم أمير المؤمنين على الارتحال، وترويح الجيوش والنفوس من السآمة والكلال، فأمر بالرحيل ليلا " (٢). على أن مؤرخاً معاصراً آخر، ويعتبر كذلك من مؤرخي الموحدين، هو عبد الواحد المراكشي، يقدم إلينا عن هذا الارتداد للجيش الموحدي رواية، قد تبدد بعض هذا الغموض الذي يثيره صمت شاهد العيان، وهي أن أبا يعقوب حينما

стр. 1847

حاصر شنترين وبالغ في التضييق عليها، وانتساف أقواتها، وقطع المؤونة والمدد عنها، لم يزد ذلك أهلها إلا حزماً في الدفاع، وجلداً في تحمل مشاق الحصار، فخشى الموحدون هجوم البرد، إذ كان الوقت آخر فصل الخريف، وخافوا أن يفيض النهر فلا يستطيعون عبوره، وتنقطع عنهم الأمداد، فأشاروا على أمير المؤمنين بالارتداد عن شنترين والرجوع إلى إشبيلية، فإذا تغيرت الظروف، عاد الموحدون إلى حصارها، وصوروا له أن الأمر هين، وأن المدينة تعتبر غنماً في يده لا يمنعه عنها مانع، فاستمع الخليفة إلى نصحهم، وقال نحن راحلون غداً إن شاء الله، ولم يقف أحد على هذا القول سوى الخاصة، وكان أول من قوض خباءه وأظهر الأخذ بأهبة الرحل، أبو الحسن علي بن عبد الله المعروف بالمالقي، وكان من أكابر البلاط الموحدي، ويوصف بخطيب الخلافة، فلما رأى الناس صنعه، حذوا حذوه لما يعلمونه من وقوفه على أسرار الدولة، وعبر النهر في تلك العشية أكثر العسكر، يريدون التقدم خشية الزحام، ولم يبق إلا من كان بقرب خباء أمير المؤمنين، وبات الناس يعبرون الليل كله، وأمير المؤمنين لا علم له بما حدث (١). وينقل ابن خلكان هذه الرواية بنصها وتفاصيلها في ترجمة الخليفة أبي يعقوب (٢). ونلاحظ فيما يتعلق بهذه الرواية أن حصار شنترين لم يقع في أواخر الخريف، ولكنه وقع أواخر شهر يونيه سنة ١١٨٤ م، أعني في أوائل الصيف، وقد رأينا أن الحصار، وفقاً لرواية شاهد العيان، وكذلك وفقاً للرواية النصرانية، لم يدم سوى عدة أيام (٣). وعلى ذلك فإن تعليل الارتداد باقتراب الشتاء، والخوف من فيضان النهر ليس بالتعليل المقنع، وإن كان على أي حال محاولة لتفسير تصرف الخليفة الموحدي. هذا، وهنالك محاولة أخرى من جانب الرواية الإسلامية لتفسير ما حدث في المعسكر الموحدي، هي رواية صاحب روض القرطاس، وهي أنه لما أمر أمير المؤمنين بانتقال الجيش من موضع نزوله إلى موضع آخر، أنكر الناس ذلك

стр. 1848

ولم يعلموا له سبباً، وأنه لما جن الليل، وفرغ الخليفة من صلاة العشاء، استدعى ولده السيد أبا إسحق والي إشبيلية، وأمره بالرحيل من تلك الليلة إلى غزو مدينة أشبونة وشن الغارة على أنحائها، وأن يسير لها بجيوش الأندلس خاصة، وأن يكون رحيله نهاراً، فأساء السيد أبو إسحق فهم أوامر الخليفة، وظن أنه أمره بالرحيل في جوف الليل إلى إشبيلية. يقول صاحب الروض: " وصرخ الشيطان في محلة المسلمين أن أمير المؤمنين قد عزم على الرحيل. وفي هذه الليلة تحدثت الناس بذلك، وتأهبوا له، فرحل من الناس طائفة بالليل. فلما كان قرب الفجر أقلع السيد أبو إسحق، وأقلع كل من كان يليه، وتابعه الناس بالرحيل، فارتحلوا وأمير المؤمنين مقيم في مكانه لا علم له بذلك " (١). على أن ما تقدمه إلينا الرواية النصرانية عن أسباب انسحاب الجيش الموحدي قد يفسر لنا ما وقع بطريقة أوضح، وأكثر اتفاقاً مع منطق الحوادث. ذلك أن الموحدين، بعد أن اشتبكوا مع البرتغاليين في ربض شنترين وسلسلة من المعارك الطاحنة استمرت بضعة أيام، واستولوا خلالها على أرض الربض وحطموا تحصيناته الخارجية، أدركوا أن المدينة من المناعة، وأن المدافعين عنها من الاستعداد والكثرة، بحيث يتعذر اقتحامها، ولابد لأخذها من الاعتماد على حصار طويل صارم. وفي أثناء ذلك وقع حادث كان له فيما يبدو تأثير حاسم في تطور الموقف. ذلك هو مقدم فرناندو الثاني ملك ليون وقواته. ونحن نذكر أنه لما تحرك الجيش الموحدي من إشبيلية، صوب بطليوس، كان فرناندو الثاني يحاصر مدينة قاصرش الواقعة شمال شرقي بطليوس محاولا الاستيلاء عليها، فلما وقف على حركة الجيش الموحدي، رفع الحصار عن قاصرش، وارتد إلى قاعدته القريبة مدينة ردريجو. ولما تعينت وجهة الجيش الموحدي بالسير إلى شنترين وحصارها، سار فرناندو في قواته صوب ميدان المعركة لإنجاد المدينة المحصورة، وذلك تنفيذاً للعهد الذي قطعه على نفسه بقتال الموحدين، وتقول الرواية النصرانية أيضاً إن ألفونسو ملك البرتغال كان متوجساً في البداية من مقدم فرناندو وجيشه، فلما علم أنه قادم لإنجاده وإنجاد إخوانه النصارى، اطمأنت نفسه وأيقن بالخلاص (٢). ومن ثم فإنه يبدو أن تطور الحوادث على هذا النحو

стр. 1849

هو الذي حمل الخليفة على اتخاذ قراره الفجائي، بالارتداد، خشية أن يعمل الليونيون على إعاقة عبوره النهر إلى الضفة اليسرى، ولاسيما بعد أن اقتنع بصعوبة الاستيلاء على شنترين. بيد أنه إذا كان هذا التعليل يلقى شيئاً على بواعث قرار الارتداد، فإنا لا نستطيع أن نفهم سر ذلك الاضطراب المروع الذي اقترن بتنفيذه. ومن المحقق أن الخليفة ومعاونيه كانوا يقصدون أن يكون الارتداد وفق خطة منظمة، تقي الجيش المنسحب كل اضطراب وكل عثار. وهذا ما يؤكده لنا القاضي أبو الحجاج يوسف بن عمر في روايته حين يقول " إن ثقات الخليفة تطوفوا أول الليل على الرؤوس والجموع، وأوعزوا إليهم، ترتيب التحرك وكيفية القلوع، وأن يكون كل قبيل من جهتهم ثابتين مرصدين حتى ترحل الحمولة والأثقال، وتتخلص إلى السعة من المضايق والأوحال " (١). بيد أن الذي حدث هو العكس تماماً. وهو الفوضى المروعة، والاختلال المطبق. يقول أبو الحجاج يوسف، وهو شاهد العيان: " فاضطرب إقلاع الناس اضطراباً شنيعاً، وكثر الضجيج، واختلاط الأصوات، وتهولت المحلات، وأخذ العموم على شتى المسالك، فلا ترى سميعاً ولا مطيعاً ". وكان أشنع ما في ذلك، هو ما حدث من غموض في فهم أوامر الخليفة، وتسرع في تنفيذها. ذلك أن كثيراً من الأشياخ ورؤساء القبائل فهموا أنه يجب الارتداد فوراً وفي جوف الليل، فهرعت طوائف غفيرة من الجند إلى الارتداد. وعبور النهر، ووقع الارتداد في مناظر مروعة من الاختلال والضجيج والفوضى. يقول الراوية شاهد العيان: " حضرت يوم هذا الإقلاع وليله، فما رأيته في تاريخ قبله، ولا يحصر واصف هوله "، وأقلع السيد أبو إسحاق ولد الخليفة نفسه في جنده عند الفجر قاصداً إشبيلية، واعتقد كثير أن الخليفة نفسه قد أقلع في السحر، واستمر عبور الجند على هذا النحو تباعاً، حتى عبر معظم الجيش، كل ذلك والخليفة غافل عما حدث. فلما أسفر الصبح، ظهرت الحقيقة المروعة، ولم يبق حول الخليفة الموحدي سوى الساقة، فعندئذ أمر الخليفة بضرب الطبول، فاجتمعت الفلول الباقية، وانحدر الخليفة صوب النهر، وبقى ابنه يعقوب المنصور مع بقية الساقة، في موضع المحلة مستعداً للقاء النصارى وردهم وحماية أبيه ومن معه.

стр. 1850

ولكن نصارى شنترين أدركوا عندئذ ما وقع في المعسكر الموحدي، من إقلاع وارتداد، فبادروا بالخروج من المدينة، وهجموا على القوات المنسحبة بشدة، وأدركوا ساقة الخليفة، ودافعت الفلول الموحدية بمنتهى البسالة، وسقط خلال ذلك عدد من أكابر الموحدين والأندلسيين، ووصل النصارى إلى مقر الخليفة نفسه بعدوة الوادي، وأصابه بعضهم بجراح خطيرة. وعلى أثر انتهاء المعركة أمر الخليفة بتفرق الجموع، ورجوع كل جندي إلى قبيلته، وأمر بتخريب الوادي، وانتساف زروعه، وقطع أشجاره وهدم ضياعه، وتغوير مائه، وحرق كل ما يمكن حرقه، كما أمر بتقسيم السرايا في نواحي الوادي لتحصيل الأقوات، وانتزاع السبي والغنائم. كل ذلك الخليفة الجريح ملتزم فراشه، ومن حوله أطباؤه ابن زهر وابن طفيل (١) وابن قاسم، وهو يزداد ضعفاً على ضعف، ثم أمر الخليفة بالرحيل، وهو محمول في محفة، حتى تم اجتياز وادي التاجُه، وما كاد الموكب يقطع بضعة أميال أخرى، حتى أسلم الخليفة الروح، وذلك في الثامن عشر لربيع الآخر سنة ٥٨٠ هـ (٢٩ يوليه سنة ١١٨٤ م) (٢). تلك هي رواية القاضي أبي الحجاج يوسف بن عمر، المرافق للجيش المنسحب عن ظروف الارتداد وعن إصابة الخليفة أبي يعقوب يوسف ووفاته متأثراً بجراحه. بيد أن هناك رواية أخرى هي رواية المراكشي، وهو أيضاً معاصر، ومن مؤرخي الموحدين، وهي أنه لما رأى نصارى شنترين ما حدث من عبور الموحدين، وانصراف معظم الجيش المحاصر، ووقفوا على ما قرره الخليفة من الارتحال في بقية جيشه، خرجوا من المدينة في خيل كثيفة، وحملوا على المحلة الموحدية بشدة، حتى بلغوا قبة أمير المؤمنين، ودافعهم من حولها، وجلهم من أعيان الأندلس، حتى قتل كثير منهم، ونفذ النصارى إلى خباء الخليفة، فطعنه أحدهم تحت سرته طعنة توفي منها بعد أيام يسيرة، وتكاثر الموحدون على الروم حتى ردوهم، فانهزموا راجعين إلى المدينة، وعبر أمير المؤمنين النهر

стр. 1851

جريحاً في محفة، فلم يمض على ذلك يومان أو ثلاثة حتى توفي متأثراً بجراحه (١). وهنالك رواية أخرى مماثلة تقترب في جوهرها من رواية المراكشي، وهي رواية صاحب روض القرطاس، وهي أنه لما وقع ارتداد معظم الجيش الموحدي ليلا، وجاء الصبح، فلم يجد الخليفة حوله سوى اليسير من خاصته وحشمه الذين يرحلون لرحيله، وينزلون لنزوله، وقواد الأندلس لأنهم هم الذين كانوا يمشون أمام ساقته وخلف محلته، فلما أشرقت الشمس وشهد النصارى ما وقع من ارتحال المحلة الموحدية، وأنه لم يبق منها حول المدينة سوى قبة أمير المؤمنين وعبيده وحشمه وأهل دائرته، وتحققوا ذلك من جواسيسهم، فتحوا أبواب المدينة، وخرج جميع من فيها خرجة عنيفة وهم ينادون " الري. الري " (٢) أعني الملك، فاقتحموا محلة العبيد، حتى وصلوا إلى خباء الخليفة، فمزقوه واقتحموه، فدافعهم الخليفة بسيفه حتى قتل منهم ستة رجال، فطعنه أحدهم طعنة نافذة، وقتل ثلاث من جواريه كن قد انصبن عليه حتى طعن، وسقط على الأرض، فتصايح الفرسان والعبيد والأجناد والموحدون وقواد الأندلس، واجتمع المسلمون فقاتلوا النصارى قتالا عنيفاً حتى ردوهم عن الخباء، ثم تابعوا قتالهم بشدة حتى هزموهم وردوهم إلى أبواب المدينة، وقتلوا منهم جموعاً غفيرة تقدر بما يزيد على عشرة آلاف، واستشهد من المسلمين جماعة. ثم ركب أمير المؤمنين، وقد أشرف على الموت، وارتحل الناس، ومات الخليفة خلال الطريق، وكانت وفاته في يوم السبت الثاني من ربيع الآخر سنة ٥٨٠ هـ (١٣ يوليه سنة ١١٨٤ م) وذلك على مقربة من الجزيرة الخضراء في طريق جوازه إلى العدوة (٣). ويؤيد هذه الرواية عن مصرع الخليفة أبي يعقوب متأثراً بجراحه، من المؤرخين المتأخرين، الوزير ابن الخطيب، حيث يقول لنا إن الخليفة توفي بظاهر شنترين من سهم أصابه في خبائه وهو محاصر لها، قضى عليه، وكتم موته. بيد أنه يضع تاريخ مصرعه في الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة ٥٨٠ هـ

стр. 1852

وهو يوافق الثامن من أغسطس سنة ١١٨٤ م (١). ويوجد أخيراً رواية مفادها أن الخليفة أبا يعقوب لم يمت متأثراً بجراحه، ولكنه توفي من مرض لم تذكر لنا الرواية كنهه، وهذه هي رواية ابن الأثير، حيث يقول إن الخليفة حاصر شنترين شهراً، فأصابه مرض مات منه في ربيع الأول (٥٨٠ هـ) وحمل تابوته إلى مدينة إشبيلية (٢)، ويأخذ صاحب الروض المعطار بهذه الرواية فيقول لنا إن الخليفة، وهو مقيم على شنترين عرض له المرض الذي توفي منه، وأقام الرحل به مضطجعاً على فراشه، وضعفه يتزايد، إلى أن تُفقد في بعض أميال فوجد ميتاً وذلك في سنة ٥٨٠ هـ (٣). ويتردد ابن خلدون بين الروايتين، فيقول لنا إن الخليفة توفي من سهم أصابه في حومة القتال عندما اقتحم النصارى محلته أو أنه توفي من مرض أصابه (٤). وكان الخليفة أبو يعقوب عند وفاته في السابعة والأربعين من عمره، إذ كان مولده، حسبما تقدم في سنة ٥٣٣ هـ بتينملّل. وإنه ليبدو لنا إزاء اتفاق الروايات الموحدية المعاصرة، ومعها صاحب روض القرطاس وابن الخطيب، أن القول الراجح هو أن الخليفة أبا يعقوب قد أصيب في الموقعة التي نشبت بين النصارى وبين محلته، وأنه توفي متأثراً بجراحه. ومن الواضح أن وقوع مثل هذا الحادث ممكن ومعقول في مثل الظروف التي أحاطت بالجيش المنسحب، وفي غمرة الخلل الذي أصابه، والفوضى التي سادته. ولقد كان انسحاب الجيش الموحدي من أمام أسوار شنترين نكبة مؤلمة، تفوق في نتائجها الخطيرة المروعة، نكبة انسحابه من وبذة قبل ذلك باثنى عشر عاماً. ونستطيع هنا أن نستشف نفس الأسباب، ونفس وجوه الضعف التي انتابت الجيش الموحدي، وعصفت بتماسكه ونظامه، وجعلته بالرغم من ضخامته، ووفرة استعداده وعدته، أشبه بكتلة بشرية مفككة، لا تجمعها أية قيادة حازمة، ولا هدف مشترك، وفتت في قواه المعنوية، فانهارت لديه فكرة الجهاد التي حشد من أجلها، وأضحت كل طائفة من طوائفه تبحث فقط عن سلامتها،

стр. 1853

وترقب أول فرصة للانسحاب. ومن الواضح أيضاً أن استئثار الخليفة بتوجيه حركات جيشه دون الاعتماد على رأي قواده، كان له أكبر الأثر فيما حدث من سوء فهم للأوامر الصادرة، بل ربما نستطيع أن نستشف من ذلك أثر الانشقاق وعصيان الأوامر الصادرة من الخليفة دون دراسة ودون تدبر، وقد كان منها الأمر بنقل مواقع الجيش الموحدي من شرقي وجنوب شنترين إلى الشمال والغرب، وهو أمر عارضه القواد الموحدون، لأنه يضع الجيش الموحدي في مواقع تعرضه لخطر التطويق، ثم أمر الانسحاب المفاجىء الذي استأثر الخليفة بإصداره، فكان نذيراً بكارثة الانسحاب المروع، وما اقترن به من شنيع الاضطراب والفوضى، وما انتهى الأمر إليه من فقد الاتصال بين الفرق المنسحبة، وبين حرس الخليفة وخاصته، وكانت النكبة المروعة، باقتحام محلة الخليفة وإصابته القاضية، أضف إلى ذلك كله ما كان يعانيه الجيش الموحدي من نقص في تمويناته، حتى اضطر حين الانسحاب أن يبحث عن أقواته بشن الغارات على الأراضي التي يخترقها خلال مسيره. وقد أثبت الخليفة أبو يعقوب وقواده بذلك كله، أنهم لم يتعلموا شيئاً من دروس حملة وبذة، ولم يحاولوا إصلاح جيوشهم، على ضوء ما تبين من وجوه النقص فيها، واستمر اعتمادهم في حشدها على التفوق العددي دون سواه. - ٢ - لما توفي الخليفة أبو يعقوب متأثراً بجراحه بعد عبوره نهر التاجُه بقليل، محمولا على محفته حسبما تقدم، كتمت وفاته، وحمل كالعادة مسجياً في محفته، حتى نزل الركب خلال الطريق إلى إشبيلية، بعد موضع يسميه صاحب البيان المغرب " بحصن طرش " وهنالك ضربت أخبية الخليفة كالعادة، وأحدق الفتيان والخدمة بالقبة الخليفية وفقاً للرسوم المعتادة، وكان السيد يعقوب أبو يوسف ولد الخليفة هو الذي يدخل على أبيه منذ إصابته، ويخرج من لدنه، ويتصرف في الأمور باسمه (١)، فلما نزل الركب بالموضع المذكور، وتكامل وصول الناس، بعث السيد أبو زيد ابن الخليفة إلى إخوته الأكابر الموجودين مع الجيش، وإلى أكابر الموحدين، وأطلعهم على وفاة الخليفة، وكشف لهم عن جثمانه وهو مسجى في فراشه، وطلب إليهم مبايعة الأمير يعقوب أبي يوسف، فاستجابوا إليه، وتمت البيعة في مساء نفس اليوم. وفي اليوم التالي استؤنف السير، وكل شىء على

стр. 1854

حاله، واستمر كتمان وفاة الخليفة الراحل، بيد أنه كفن وأدرج في تابوت، حتى وصل الركب إلى إشبيلية، وذلك بعد نحو شهر من بداية انسحاب الجيش وعبوره لنهر التاجُه. واستراح أبو يوسف يعقوب بإشبيلية ثلاثة أيام، تلاحقت خلالها الحشود، ووصلت جموع العرب والموحدين وسائر الطوائف الأخرى، ونزلت في أكناف إشبيلية، ودعى الناس خاصتهم وعامتهم، لتقديم البيعة، وأعلنت وفاة الخليفة الراحل، وغصت القصبة بوجوه القوم من موحدين وغيرهم، وأخذت البيعة للخليفة الجديد مدى يومين هما وفقاً لقول صاحب البيان غرة وثاني جمادى الأولى (١) وأغدق الخليفة بهذه المناسبة صلاته على قرابته وأهل بيته، وخص أخاه السيد أبا زيد بهبة جليلة قدرها عشرة آلاف لما بذل في خدمته، وتنظيم بيعته. وقد تمت بيعة الخليفة أبي يوسف في هدوء وسلام، ودون أية معارضة، أولاً لأن أباه الخليفة الراحل أبا يعقوب كان قد خصه بولاية عهده أثناء حياته، وإن لم تقدم لنا الرواية تاريخ هذا التعيين (٢)، وثانياً لأنه كان أكبر أولاده (٣)، فكان هذا الاعتبار في ذاته مبرراً لتقديمه، وذلك خلافاً لما كان عليه أبوه الخليفة أبو يعقوب بن عبد المؤمن حيث قدم للخلافة مع وجود شقيقه الأكبر السيد أبي حفص، وذلك تتفيذاً لوصية أبيه. ولما كمل أمر البيعة، وشملت سائر أنحاء الأندلس، وسائر الطبقات، وتم تنظيم شئون الأندلس، دعا الخليفة في اليوم الرابع والعشرين من جمادى الأولى (٢ سبتمبر سنة ١١٨٤ م) أشياخ الموحدين والعرب، وشيوخ الوفود من سائر القواعد، وأذن بالحركة وانقضاء الغزو، والتأهب للرحيل، وكتب بذلك لسائر البلاد والقبائل من المجاهدين والمسافرين، وقدم القائد أبو العباس الصقلي إلى ثغر طريف، في ثلاث عشرة سفينة لنقل الخليفة وخاصته وجيشه، وتقدمت سفينتان

стр. 1855

بالانتقال إلى رباط الفتح بمياه سلا. وفي فجر اليوم التالي، خرج أهل الأندلس إلى بحيرة الوادي في جموع حاشدة، وضربت قبة الخليفة على شاطىء النهر (الوادي الكبير)، ونظم الموكب الخليفي، يتقدمه المصحف الكريم، وسار الخليفة في ضحى اليوم، فنزل بقرية طريانة قبالة إشبيلية، ثم غادرها إلى شريش، تتبعه الجيوش، ثم إلى مدينة شذونة، أو مدينة ابن السليم (١)، حيث التقى بالسيد أبي زكريا ابن أخيه السيد أبي حفص قادماً من تلمسان مع أعيان عرب زغبة، ومعه سبعمائة جواد معونة لأهل الأندلس. وسار الخليفة بعد ذلك جنوباً صوب الشاطىء حتى وصل إلى الموضع المسمى بحجر الإيل (٢)، وهي ربوة تقع على مقربة من طريف، وقد اجتمع الأسطول على طول الشاطىء، على قدم الأهبة لنقل الخليفة وجيشه، وفي اليوم السابع من جمادى الآخرة سنة ٥٨٠ هـ (١٢ سبتمبر) ضربت قبة الخليفة، وقام أهل الأندلس بتحية الوداع، وكذلك ودع الخليفة إخوته الذين قدّمهم للولاية بالأندلس، وهم أبو إسحاق وأبو زيد وأبو يحيى. وفي ضحى نفس اليوم ركب الخليفة البحر، وأمام سفينته مصحف عثمان، ونزل بقصر مصمودة، أو القصر الصغير، قبالة ثغر طريف من البوغاز، واستراح هنالك ريثما تم جواز سائر الجيش. ثم غادر القصر إلى رباط الفتح، وهنالك تسمى لأول مرة بأمير المؤمنين، وكان منذ بيعته يكتفي بلقب " الأمير يعقوب "، وكتب في الحال بذلك إلى بلاد الأندلس. وتلقاه في الرباط، أبو عبد الله بن واجاج في وفود العرب وأهل فاس ومكناسة وعمالهم، وأقال إبراهيم بن إسماعيل من عمل فاس، وأمر سائر العمال بالمثول إلى الحضرة، وقام بدفن أبيه أمير المؤمنين أبي يعقوب مؤقتاً بدار الخليفة بالرباط، ثم نقل منها بعد ذلك ودفن بتينملل إلى جانب أبيه عبد المؤمن والمهدي ابن تومرت (٣). وغادر الخليفة بعد ذلك رباط الفتح إلى حضرته مراكش (٤). - ٣ - كان الخليفة أبو يعقوب يوسف من أعظم خلفاء الدولة الموحدية، وبالرغم

стр. 1856

من أنه لم يحقق في ميادين الحرب والسياسة نتائج عظيمة كالتي حققها أبوه الخليفة عبد المؤمن، وولده الخليفة يعقوب المنصور، فإنه يعتبر مع ذلك، ولاسيما من النواحي الإدارية والعمرانية، ثالث هؤلاء الخلفاء الثلاثة، الذين بلغت الدولة الموحدية في ظلهم أوج قوتها وعظمتها. وقد امتاز حكم الخليفة أبي يعقوب بالحزم، وتحري الحق والعدالة ومطاردة الظلم والبغي (١)، وترجع هذه النزعة إلى ما كان يتسم به هذا الخليفة من التقى والورع، ومن العلم والتبحر في العلوم الشرعية. وقد ظهرت هذه النزعة بصورة عملية، في غير مناسبة من أوامره وتصرفاته. وربما كانت رسالته التي وجهها إلى أخيه السيد أبي سعيد والي قرطبة، وإلى سائر الطلبة الموحدين بالأندلس في سنة ٥٦١ هـ، بشأن وجوب تحري الدقة في تنفيذ الأحكام وتوقيع العقوبات، أبرز محاولة بذلها في هذا الشأن. وقد رأينا كيف عنى الخليفة في هذه الرسالة التي لخصنا محتوياتها فيما تقدم، بإصدار أمره إلى الموحدين بألاّ يُقضى بحكم الإعدام إلا بعد أن ترفع النازلة إلى الخليفة مشفوعة بالشرح وأقوال الشهود والعدول، وأن تكتب أقوال المظلومين وحججهم، وإقرارهم واعترافهم، وأن يدقق في الجرائم التي دون القتل، وكذا في سائر المعاملات والأموال، واستحقاقها، وفي الرقاب وعتقها وغير ذلك. وكان الخليفة إلى جانب هذه المحاولات الشرعية، يقوم بمطاردة الظلم والعمال الظلمة، فإذا وقف على ما يرتكبه بعضهم من ظلم أو عسف أو اغتيال أموال الناس بالباطل، عزله ونكبه. وكان من أبرز ما فعله في ذلك بطشه بعمال مدينة فاس وملحقاتها، والتنكيل بهم، ومصادرة دورهم وأموالهم (٢)، وما قام به في جوازه الأول إلى الأندلس من نكبة بعض عمال إشبيلية والمخزن من المختلسين وغيرهم، وما قام به بعد ذلك من نكبة عماله ووزرائه بني جامع الذين استأثروا بالوزارة دهراً، وغير ذلك مما أشرنا إليه. وإلى جانب هذه النزعة إلى تحقيق العدالة، كان حكم أبي يعقوب متسماً بالمقدرة والحزم، فقد كان خبيراً بشئون مملكته، عارفاً بسياسة رعيته، دؤوباً

стр. 1857

على النظر في الأمور، وكان عارفاً بالشئون المالية، ضابطاً لخراج مملكته (١)، وربما كانت هذه المقدرة في فهم الشئون وتدبيرها راجعة بالأخص إلى ممارسته إياها ردحاً من الزمن قبل توليه الخلافة أيام أن كان والياً لإشبيلية، وقائماً بشئون الأندلس. وقد تجلى هذا الحزم في حكم أبي يعقوب في شدة عنايته بقمع أية نزعة إلى الخروج والعصيان، والسير بنفسه إلى مقاتلة الخوارج، وذلك كما حدث عند فتنة غمارة، ثم فتنة صنهاجة، وحين ثورة قفصة، وغيرها مما سبق أن فصلناه في مواضعه. والخلة الثانية التي امتاز بها الخليفة أبو يعقوب يوسف، هي شغفه بالجهاد في سبيل الله، وقد ظهر أثر هذا الشغف بالجهاد من الناحية النظرية فيما ألفه أبو يعقوب في فضل الجهاد، مما نذكره بعد؛ وظهر من الناحية العملية في عنايته بحشد الجيوش العظيمة وتمويلها، ثم قيادتها في حملتيه العظيمتين إلى شبه الجزيرة الأندلسية. وبالرغم من أن الخليفة أبا يعقوب لم يكن موفقاً في حملتيه المذكورتين، وقد سجل فشله الأول تحت أسوار وبذة، ثم سجل فشله الثاني أمام أسوار شنترين، وبالرغم من أن الحملتين لم تكونا بعيدتين عن تحقيق الأغراض العسكرية والإقليمية، فإن مقصد الجهاد كان هو النزعة المسيرة لهما، وقد ذهب الخليفة ضحية هذه النزعة واستشهد في ميدان الجهاد. وكان أبو يعقوب إلى جانب ذلك ملكاً عظيماً " شديد الملوكية " على حد قول المؤرخ، بعيد الهمة، وافر البذل والجود، عمت صلاته وأعطيته سائر الطوائف. ويصفه ابن الخطيب بأنه كان " آية الموحدين في الإعطاء والمواساة، وفي أيامه ساد الرخاء واستغنى الناس، وكثرت في أيديهم الأموال " (٢). على أن ألمع وأعظم خلة كان يتسم بها أبو يعقوب، هو علمه وأدبه، وقد أفاضت الروايات المعاصرة واللاحقة في التنويه بمواهبه العلمية والأدبية، ويجمل ابن صاحب الصلاة وهو المؤرخ المعاصر، العارف بشخص أبي يعقوب وخلاله، مواهبه العلمية، في تلك الفقرة: " كان الأمير أبو يعقوب يوسف ﵁ كاملا فاضلا عدلا ورعاً جَزْلا مستظهراً للقرآن، حافظاً له، عالماً بالحديث،

стр. 1858

متقناً للعلوم الشرعية والأصولية، متقدماً في علم الإمام المهدي ﵁ " (١). على أن ما يجمله ابن صاحب الصلاة في تلك الكلمات القليلة، يفصله لنا المراكشي بإفاضة في حديثه عن أبي يعقوب. وقد عاش المراكشي قريباً من عصر أبي يعقوب، وكانت تربطه بعدة من أبنائه مثل أبي زكريا يحيى، وأبي عبد الله محمد، وأبي إبراهيم إسحق، روابط وثيقة. يقول المراكشي إن أبا يعقوب كان " أعرف الناس كيف تكلمت العرب، وأحفظهم بأيامها ومآثرها وجميع أخبارها، في الجاهلية والإسلام ". ثم يقول: " إنه كان أحسن الناس ألفاظاً بالقرآن، وأسرعهم نفوذ خاطر في غامض مسائل النحو، وأحفظهم للغة العربية " (٢). ويجب لكي نقدر روعة هذه الصفات في أبي يعقوب، أن نذكر أولا أنه كان بأرومته من صميم أصول البربر، وذلك سواء من ناحية أبيه أو ناحية أمه، وقد ولد ونشأ بتينملل عاصمة المهدي، في بيئة بربرية محضة، ولكن يجب أن نذكر إلى جانب ذلك أن أبا يعقوب كانت تحمله نفس الروح العلمية التي امتاز بها أبوه الخليفة العالم عبد المؤمن بن علي، ثم يجب أن نذكر أيضاً أن أبا يعقوب قضى زهرة فتوته في إشبيلية مذ عينه أبوه والياً لها في سنة ٥٥١ هـ، وهو في نحو الثامنة عشرة من عمره، حتى وفاة أبيه في سنة ٥٥٨ هـ، حينما استدعى لتولي الخلافة من بعده. ففي هذه الأعوام الثمانية التي قضاها أبو يعقوب في المدينة الأندلسية العظيمة، التي كانت قد غدت منذ اضمحلال قرطبة عاصمة الأندلس الفكرية، تفتحت مواهب أبي يعقوب العلمية والأدبية، وقد كانت إشبيلية يومئذ مجمع أقطاب اللغة والعلوم الدينية، وكان أبو يعقوب منذ حداثته حافظاً للقرآن متمكناً من الحديث، حتى قيل إنه كان يحفظ صحيح البخاري. وكان في نفس الوقت بارعاً في الفقه، وفي إشبيلية تلقى علوم اللغة عن بعض أقطابها، وفي مقدمتهم العلامة اللغوى أبو إسحق إبراهيم بن عبد الملك المعروف بابن ملكون، وبرع في النحو والأدب. ولما ولي الخلافة، وعاد إلى إشبيلية في جوازه الأول إلى الأندلس، واستطالت إقامته بها زهاء خمسة أعوام أخرى، تجلت في هذه الفترة روعة مواهبه العلمية، وجنح إلى دراسة الفلسفة والطب، واجتمع حوله يومئذ ثلاثة من أعظم

стр. 1859

أئمة التفكير الإسلامي، هم طبيبه الخاص، الفيلسوف العلامة أبو بكر بن طفيل الوادي آشي، وتلميذه القاضي الفيلسوف أبو الوليد بن رشد (١)، والطبيب العبقري أبو بكر بن عبد الملك بن زهر. وكان الخليفة يشغف بالأخص بملازمة صديقه وطبيبه ابن طفيل، ولا يصبر على فراقه. وهكذا أتيح لأبي يعقوب أن يطلق العنان لشغفه بالدراسات الفلسفية في ظل هذا الأفق العلمي الباهر، ويبدو مما يذكره لنا المراكشي، عن بعض مجالس الخليفة الفلسفية نقلا عما رواه له أبو بكر ابن يحيى القرطبي عن أستاذه ابن رشد، أن الخليفة كان يأخذ من الفلسفة بقسط ملحوظ، ويبدي في شرح مسائلها " غزارة حفظ " تدعو إلى الإعجاب. ويضيف القرطبي إلى ذلك رواية أخرى مفادها أن أبا يعقوب هو الذي أوعز إلى ابن طفيل بوجوب عمل تلخيص جديد لشروح أرسطو وتقريب أغراضها وتحرير تراجمها مما يشوبها من الغموض، وأن ابن طفيل هو الذي اختار تلميذه ابن رشد للقيام بهذه المهمة لما يعلمه من مقدرته وقوة نزوعه وصفاء قريحته، وأن هذا هو الذي حمل ابن رشد حسبما يقول لنا، على القيام بتلخيص شروح أرسطو، وهي الشروح التي اشتهر بها ابن رشد، وترجمت فيما بعد إلى اللاتينية، وأذاعت شهرة الفيلسوف المسلم في دوائر التفكير الغربي. وكان ابن طفيل يقوم بمهمة السفارة بين الخليفة وبين العلماء، ويدعوهم إليه من مختلف القواعد والأقطار، وينبه على أقدارهم لديه، ويحضه على إكرامهم والتنويه بهم، وهو الذي نوه بفضل ابن رشد وبراعته (٢). وحمل الخليفة أبو يعقوب شغفه بالدراسات الفلسفية على الاهتمام بجميع كتبها، والتنقيب عنها، وعن غيرها من الكتب الجليلة، في سائر أنحاء المغرب والأندلس، وبذل في ذلك جهوداً وأموالا جمة، واجتمع له منها مقادير ضخمة قيل إنها بلغت قرب ما كانت تبلغه المكتبة الأموية العظيمة أيام الحكم المستنصر. ويروي لنا المراكشي طرفاً من هذه الجهود، وكيف وقع عمال الخليفة على مجموعات عظيمة من كتب الطب والفلك كانت لدى رجل بإشبيلية يعرف بأبي الحجاج المراني، وأن هذه الكتب كانت قد وقعت إلى أبيه أيام الفتنة بالأندلس (٣).

стр. 1860

وقد انتهى إلينا من آثار الخليفة أبي يعقوب العلمية، بحث ديني يكشف لنا عن براعته في علم الحديث والعلوم الشرعية، وهو كتاب " الجهاد " الذي ألحق بكتاب المهدي ابن تومرت أو كتاب " أعز ما يطلب " وفيه يورد مؤلفه طائفة كبيرة من الأحاديث التي وردت في فضل الجهاد في سبيل الله، والحث عليه، وتبيان محاسنه. ويلحق بذلك الكلام عن الجهاد ببذل المال وما ورد فيه أيضاً من الأحاديث وما يتسم به من الفضائل. ويحمل هذا الكتاب في خاتمته اسم مؤلفه، وهو الخليفة أمير المؤمنين، وتاريخ الانتهاء من وضعه، وهو العشر الأواخر من شعبان سنة تسع وسبعين وخمسمائة أعني قبيل وفاة واضعه بنحو تسعة أشهر (١). وكان الخليفة أبو يعقوب كلفاً بالمشاريع الإنشائية العظيمة، وقد قام بإنشاء طائفة من المنشآت العمرانية الهامة، والصروح الجليلة، التي خلدت اسمه، وجعلته في مقدمة خلفاء الموحدين، بل وفي مقدمة ملوك المغرب قاطبة في هذا الميدان. ويكفى أن نذكر هنا ما قام به في إشبيلية حاضرة الأندلس، من المشاريع والمنشآت العظيمة مثل قنطرة طريانة، ومسجد إشبيلية الجامع، وصومعته العظيمة التي أتمها ولده يعقوب المنصور، ومشروع إمداد إشبيلية بالماء، وتجديد أسوارها التي خربها السيل، وإنشاء القصور والبساتين الموحدية العظيمة خارج إشبيلية، وإنشاء قصبة بطليوس العظيمة وإمدادها بالماء، وهي التي ما زالت أطلالها القائمة تنبىء عما كانت عليه من الضخامة والمنعة. وما قام به أخيراً من توسيع حضرة مراكش وتجميلها، وذلك كله حسبما سبق أن فصلناه في مواضعه. ... وتولى الحجابة لأبي يعقوب أول ولايته، شقيقه وكبيره السيد أبو حفص، ولما تنحى عنها وزر له أبو العلاء إدريس بن إبراهيم بن جامع، واستمر في منصبه نحو خمسة عشر عاماً. ولما اشتد طغيانه، وبدت مثالبه، نكبه أبو يعقوب واستصفى أمواله، ونفاه مع ولده إلى الأندلس سنة ٥٧٣ هـ. فخلفه في الوزارة أبو بكر ابن يوسف الكومي، ليعمل تحت رياسة ولده وولى عهده أبي يوسف يعقوب، واستمر الأمر كذلك حتى وفاة أبي يعقوب وقيام ولده يعقوب بالأمر من بعده (٢).
следующие страницы →