ابن عبد العزيز الكومي قائد قصبة رباط الفتح، بأن يتولى تنفيذ هذا الحكم فيهما، فقام بالمهمة، وضرب عنقاهما، وقُتل معهما في نفس الوقت عدد ممن تحقق اشتراكه معهما في محاولاتهما (١). ويزيد صاحب روض القرطاس على ذلك، أن الخليفة قتل أيضاً أخاه أبا يحيى، بمعنى أنه أمر بإعدام ثلاثة من السادة دفعة واحدة، أحد أعمامه، واثنين من إخوته (٢)، ووقع ذلك فيما يرجح في أواسط سنة ٥٨٤ هـ، (١١٨٨ م). ويقول لنا المراكشي إنه كان لهذا التصرف الدموي وقع عميق لدى قرابة الخليفة فهابوه، واشتد خوفهم وتوجسهم منه بعد أن كانوا يتهاونون بأمره ويحتقرونه، لأشياء كانت تصدر منه في صباه أيام أن كان بالأندلس والياً لإشبيلية (٣).
وما كاد المنصور يستقر بمراكش، بعد أن اطمأن إلى استتباب السكينة، وتوطد سلطان الموحدين بإفريقية، حتى أخذ ينظر في شئون الأندلس. وكانت الأحوال في شبه الجزيرة، قد أخذت خلال انشغاله بحوادث المغرب وحملة إفربقية، تتطور بصورة تدعو إلى القلق، واشتد عدوان البرتغاليين من جهة على قواعد ولاية الغرب الجنوبية وانتهى بالاستيلاء على شلب وأحوازها، ووصلت غارات القشتاليين من جهة أخرى إلى أحواز إشبيلية؛ ومن ثم فقد خص المنصور شئون الأندلس بعنايته، وأخذ في الاستعداد لتدارك تلك الحال، والعمل على قمع عدوان النصارى. فأذاع الدعوة إلى الجهاد على حكم الاختيار والتطوع، فتقاطرت جموع المتطوعين المجاهدين إلى الحضرة، من سائر جنبات المغرب، ومن مختلف الطوائف والقبائل، وبعث الخليفة إلى العمال بالاستعداد، وضرب الآلات الحربية، وإعداد العتاد والأقوات، ثم ندب لولاية إشبيلية ابن عمه السيد أبا حفص يعقوب بن السيد أبي حفص عمر، وكان موضع ثقته وإيثاره، كما كان أبوه من قبل موضع حب أبيه وإيثاره، وذلك لكي يعمل على مواجهة الأحداث بالأندلس بروح وهمة جديدين، وندب ابن عمه السيد أبا الحسن ابن أبي حفص والياً لتلمسان، وعهد إليه بشئون المخازن والمؤن، والسهر على إعدادها وتوفيرها للحشود المقبلة (٤).
стр. 1892
الفصل الثاني حوادث الأندلس وإفريقية
أطماع البرتغال في ولاية الغرب. تهيؤ الفرص لتحقيقها. مقدم السفن الصليبية إلى مياه أشبونة. اتفاق سانشو ملك البرتغال مع الصليبيين على غزو شلب. موقع شلب وخواصها في ذلك العصر. مسير سانشو وحلفائه الصليبيين إلى الجنوب. زحفهم على شلب واستيلاؤهم على أرباضها. محاصرة شلب وضربها. صمود المدينة. قطع النصارى للماء عنها. اضطرارها إلى التسليم بالأمان. خروج المسلمين منها واستيلاء النصارى عليها. غزوات القشتاليين في منطقة إشبيلية. تأهب الخليفة أبي يوسف يعقوب للجهاد بالأندلس. مسيره إلى رباط الفتح. عبور الجيوش الموحدية ثم الخليفة إلى شبه الجزيرة. مسير الخليفة إلى قرطبة. اجتماع الحشود الموحدية بالأندلس، ومسيرها إلى شلب. مسير الأسطول الموحدي إلى مياه البرتغال الجنوبية. عقد ملكي ليون وقشتالة الصلح مع الخليفة. مسير الخليفة في قواته من قرطبة إلى وادي التاجة. غزوه لمنطقة شنترين. استيلاؤه على قلعة طرش. محاصرته لطومار. تخريبه لبسائط تلك المنطقة. صمود طومار. أمر الخليفة بالكف عن الغزو. عوده في قواته إلى إشبيلية. عود الجيش المحاصر لشلب. فشل هذه الغزوة لأراضي البرتغال. نظر الخليفة في أمر المسجونين والعمال. فتنة الجزيري ومطاردته. ما أذيع حول شخصه. القبض عليه وإعدامه. حقيقة أمره ودعوته الإصلاحية.
سفارة صلاح الدين إلى المنصور. ظروف الشرق الإسلامي يومئذ. عدوان الصليبيين واستيلاؤهم على ثغور الشام وبيت المقدس. نهضة صلاح الدين وتحطيمه للمملكة اللاتينية. أثر ذلك في مضاعفة الغرب لأهباته العدوانية. اتجاه صلاح الدين إلى طلب العون من المغرب. رسالته الأولى إلى الخليفة الموحدي. سفارته إليه على يد ابن منقذ. ما جاء في رسالته إلى الخليفة. أقوال الروايات المصرية والمغربية عن حركات السفير المصري ومصير سفارته. استقبال الخليفة لابن منقذ وتسلم هدية صلاح الدين. فشل هذه السفارة وبواعث هذا الفشل. المغزى العظيم الذي تنطوى عليه، أهبة المنصور لاستئناف الغزو. خروجه في قواته من إشبيلية. مسيره إلى البرتغال. مهاجمته لقصر الفتح. تسليم النصارى إياها بالأمان. استيلاء الخليفة على حصن قلمالة والحصون المجاورة. مسير الموحدين إلى شلب. محاصرتها وضربها بالمجانيق. اقتحامها وتسليمها بالأمان. عود المنصور إلى إشبيلية. عبوره إلى العدوة ومسيره إلى الحضرة. مرض المنصور. اخياره لولده محمد لولاية العهد. ملخص بيعة أهل قرطبة لولي العهد. مقدم السيد أبي زيد وأشياخ العرب. استجمام الخليفة بفاس. مسيره إلى رباط الفتح وتجديد قصبتها. عوده إلى مراكش. أمره بإنشاء حصن الفرج بشرف إشبيلية. فتنة الأشل ببلاد الزاب. مطاردة والي بجاية له. حماية العرب له. تحيل الوالي في القبض على العرب. اضطرار عشائرهم إلى القبض على الثائر وتسليمه. استئناف بني غانية لحركاتهم. عيثهم في بلاد الجريد. وفاة علي بن إسحاق ابن غانية. قيام أخيه يحيى مكانه بالأمر. توحيد قراقوش ومسيره إلى تونس. بواعث هذا التصرف. فراره من تونس وعوده إلى مغامراته. استيلاؤه على طرابلس. الخلاف بينه وبين يحيى. هزيمة قراقوش وفراره. استيلاء يحيى على طرابلس. ثورة أهل طرابلس وعودهم لطاعة الموحدين.
стр. 1893
لم يكن ثمة شك في أن نكبة شنترين، وما ظهر خلالها من عجز الجيوش الموحدية الجرارة، واختلال نظامها، كان له أكبر الأثر في إذكاء أطماع ملك البرتغال ألفونسو هنريكيز (ابن الرنق) في انتزاع ما تبقى من ولاية الغرب الأندلسية، وفي مضاعفة شهوة العدوان والتغلب، في نفسه الوثابة المضطرمة. ولكن ألفونسو هنريكيز لم يعش طويلا ليقوم بنفسه بتحقيق هذه الأطماع العريضة، إذ توفي في السادس من شهر ديسمبر سنة ١١٨٥ م (أواخر سنة ٥٨١ هـ)، بعد أن حكم مملكة البرتغال زهاء نصف قرن، وبعد أن وطد أركانها، ووسع حدودها شرقاً وجنوباً على حساب الأراضي الإسلامية، وكانت وفاته لنحو عام ونصف فقط من وفاة الخليفة أبي يعقوب يوسف عقب نكبة شنترين. فخلفه ولده سانشو الأول، وهو يضطرم بمثل أطماعه، وقضى أعوام حكمه الأولى في العمل على إصلاح البلاد والحصون التي خربتها الحرب، وتعميرها بالسكان. ومنذ بداية سنة ١١٨٩ م (٥٨٥ هـ) نراه يعد العدة لاستئناف غزو الأراضي الإسلامية.
وكانت كل الظروف تشجعه، وتعضد مشاريعه. فقد كان الخليفة الموحدي، بعيداً في المغرب تشغله أحداث إفريقية، ومغامرات بني غانية، ومؤامرات الخوارج عليه، وكانت هذه الأحداث المحلية الخطيرة تجعل من المتعذر على الخليفة الموحدي، أن يبعث بشىء من حشوده إلى شبه الجزيرة، وكانت القوات الموحدية بالأندلس قليلة العدد والعُدد، لا تكفى لدفع عدوان النصارى سواء من ناحية مملكة قشتالة أو مملكة البرتغال. ومن جهة أخرى، فقد كانت الظروف تهيىء لنصارى البرتغال أمداداً طارئة لم تكن في الحسبان، هي الأمداد الصليبية، التي عادت تتقاطر إلى المشرق من ناحية المحيط، لتنجد الجيوش الصليبية التي ضعضعتها ضربات صلاح الدين، وسقوط المملكة اللاتينية، باسترداد صلاح الدين لبيت المقدس في رجب سنة ٥٨٣ هـ (أكتوبر سنة ١١٨٧ م).
ففي أوائل سنة ١١٨٩ م (أوائل ٥٨٥ هـ)، وصل أسطول صليبي ضخم من خمسين سفينة، يحمل عدداً وافراً من الجند الألمان والفلمنك إلى مياه إسبانيا الغربية في طريقه إلى البحر المتوسط، ورسا في مياه جليقية قبالة مدينة شنت ياقب المقدسة، ونزلت منه بعض طوائف من الجند لتزور قبر القديس ياقب، ولكن أهل المدينة توجسوا شراً من مقدم أولئك الجند، وخشوا أن تمتد أيديهم إلى الذخائر التي يحفل بها مزار هذا القديس، فردوهم بعد معركة عنيفة، قتل فيها عدد من
стр. 1894
الجانبين، وعاد الجند الصليبيون إلى سفنهم، فسارت بهم نحو الجنوب، وتقدم في نفس الوقت إلى هذه المياه أسطول صليبي آخر من انجلترا وبلاد الفلاندر، ودفعته الأنواء والعواصف الجامحة نحو مياه أشبونة، ثم انضمت إليه السفن القادمة من مياه جليقية، فاجتمع بذلك في مياه أشبونة عدد ضخم من السفن الصليبية، تحمل ألوفاً عديدة من المقاتلة، فتلقاهم سانشو ملك البرتغال بترحاب، وألفي في مقدمهم فرصة طيبة للاستعانة بهم في غزو القواعد الإسلامية الجنوبية، وتفاهم مع الرؤساء والقادة الصليبيين على تسيير حملة قوية مشتركة إلى مدينة شلب، لانتزاعها من المسلمين، لأنهم يتخذونها بالأخص قاعدة للخروج إلى شواطىء المحيط يغزونها، وينهبون ثغورها، ويأسرون كثيراً من النصارى (١)، فاستجاب إليه الصليبيون، بما أذكى أطماعهم من إحراز الغنائم والثروات من أراضي المسلمين.
وكانت شلب، في ذلك الوقت، بعد باجة ويابرة، أمنع قواعد ولاية الغرب الأندلسية، وأوفرها عمراناً وثراء، وهي تقع في أقصى جنوب البرتغال، على مقربة من المحيط، فوق ربوة متدرجة تشرف على نهر دراد الذي يصب في المحيط جنوباً قرب ثغر بورتماو الصغير، ومن حولها بسائط خضراء، تكثر فيها غابات الزيتون، والحدائق والحقول اليانعة، وإليك كيف يصفها لنا الشريف الإدريسي، وقد زارها قبل ذلك بنحو نصف قرن:
" ومدينة شلب حسنة في بسيط من الأرض وعليها سور حصين، ولها غلات وجنات. وشرب أهلها من واديها الجاري إليها من جهة جنوبها وعليه أرحاء البلد، والبحر منها في الغرب على ثلاثة أميال، ولها مرسى في الوادي وبها الإنشاء، والعود بجبالها كثير، يحمل منها إلى كل الجهات. والمدينة في ذاتها حسنة الهيئة بديعة المباني مرتبة الأسواق، وأهلها سكان قراها من عرب اليمن وغيرها، وكلامهم بالعربية الصريحة، ويقولون الشعر، وهم فصحاء نبلاء خاصتهم وعامتهم " (٢).
تلك هي شلب الإسلامية التي أزمع سانشو ملك البرتغال وحلفاؤه الصليبيون
стр. 1895
أن ينتزعوها من المسلمين. ففي أوائل سنة ٥٨٥ هـ (أوائل سنة ١١٨٩ م)، بعث سانشو بقواته البرية جنوباً صوب شلب، وسارت سفن الصليبيين من خليج التاجُه حذاء الشاطىء البرتغالي حتى مياه ثغر بورتماو الصغير، الواقع على قيد إثنى عشر كيلومتراً من جنوبي شلب. وبدأ البرتغاليون بمهاجمة حصن ألبور (١) الواقع على مقربة من غربي بورتماو، وقتلت حاميته الإسلامية ومن كان به من اللاجئين المسلمين، وعددهم جميعاً يقرب من الستة آلاف (٢)، ثم زحف سانشو بعد ذلك في قواته وقوات حلفائه الصليبيين، نحو المدينة الإسلامية، وهاجموا أرباضها، واستولوا عليها في الحال. وكان والي المدينة عندئذ الحافظ عيسى بن أبي حفص ابن علي، رجلا عاجزاً قليل الخبرة بشئون الدفاع، فامتنع بقواته داخل المدينة، معتمداً على حصانتها الطبيعية، وأسوارها القوية العالية، وشغل الصليبيون عن مهاجمة المدينة بنهب ما حولها من الأرباض والمحلات، وحاول سانشو مدى بضعة أسابيع أن يقتحم المدينة بالهجوم في قواته، ولكن محاولاته ذهبت عبثاً. فاضطر أن يلجأ إلى الحصار، وأن يستدعي قوات جديدة لمعاونته قدمت في أربعين سفينة جديدة. وتضع الرواية النصرانية بدأ حصار شلب في ٢١ يوليه سنة ١١٨٩ م (ربيع الآخر سنة ٥٨٥ هـ). وحاول سانشو في بدء الحصار أن يعاود اقتحام المدينة، فضربها بالمجانيق والنبال ضرباً شديداً، ولكن ذلك لم يؤثر شيئاً على تحصينات المدينة القوية، وحاول الجند الفلمنك من جهة أخرى أن يحفروا السراديب تحت الأسوار وأن يحدثوا بها ثلمات للدخول، فأحبط أهل المدينة كل محاولاتهم. وكان من الممكن أن يطول هذا الموقف، وأن تصمد المدينة للحصار، مدة طويلة، لولا أن عمد سانشو إلى محاولة قطع الماء عن المدينة، وإرغامها إلى التسليم من جراء العطش. وكانت شلب تستمد ماءها من النهر القريب بواسطة بئر كبيرة أقيمت قرب السور تسمى " القراجة "، وأقيم فوقها لحمايتها برج قوي، ففكر المحاصرون في هدم هذا البرج، وهاجموه بواسطة السلالم، فلما رأى المسلمون هذه المحاولة، خرجوا لمنعها، ونشبت حولها معركة تفوق فيها النصارى واستولوا على البئر. وكانت هذه بالنسبة للمسلمين ضربة مؤلمة، لم تلبث أن حققت نتيجتها المحتومة. ذلك أن العطش أخذ إلى جانب الجوع، يحدث أثره
стр. 1896
خريطة: مواقع غزوات النصارى وغزوات الموحدين في شبه الجزيرة في عهد أبي يعقوب يوسف وأوائل عهد المنصور.
стр. 1897
المروع في أهل المدينة، وكان النصارى يترقبون الفرصة القريبة لمهاجمة المدينة واقتحامها، بعد أن يعجز أهلها عن الدفاع تماماً. ولكن المدينة لم تستطع أن تصمد حتى هذه اللحظة، ولم يلبث أن بعث أهلها وفدهم إلى سانشو، يعرض عليه تسليم المدينة، إذا وافق على أن يخرجوا منها حاملين سائر أمتعتهم، فتفاوض سانشو مع حلفائه، وكان رأي الفلمنك الصليبيين أن يقتل أهلها المسلمون جميعاً، ولكن الرأي انتهى بإقناعهم بالحصول على أسلاب المدينة، واتفق في النهاية على أن يؤمن أهل المدينة في أنفسهم، وأن يتركوا البلد بجميع ما فيه من أموالهم وأثاثهم. وهكذا غادر أهل شلب مدينتهم " مسلوبين "، ودخل النصارى مدينة شلب، بعد حصار دام ثلاثة أشهر، في يوم الاثنين العشرين من رجب سنة ٥٨٥ هـ (٣ سبتمبر سنة ١١٨٩ م) (١).
وكان سقوط مدينة شلب على هذا النحو ضربة قاصمة لسلطان الموحدين في ولاية الغرب، إذ كانت هي آخر معاقلهم في تلك المنطقة الحساسة، وسقوطها بعد سقوط باجة قبل ذلك بعشرة أعوام، يفتح الطريق لتهديد بقية ولاية الغرب في اتجاه ولبة ولبلة ثم إشبيلية. على أن الأمر لم يقف عند ذلك الحد. ذلك أن القشتاليين كانوا من الناحية الأخرى، يهددون موسّطة الأندلس، ومنطقة إشبيلية بالذات، بغاراتهم المتوالية. ففي نفس الوقت الذي سارت فيه القوات البرتغالية والصليبية لافتتاح شلب، خرج ألفونسو الثامن ملك قشتالة في قواته، نحو منطقة قرطبة، ثم اكتسح البسائط غرباً نحو إشبيلية، وهو يعيث فيها قتلا وسلباً، فخرجت قوات إشبيلية إلى لقائه فأوقع بها الهزيمة، والتجأت فلولهم إلى حصن المنار، فطاردهم النصارى واستولوا على الحصن، واستأصلوا من فيه من المسلمين قتلا وأسراً. ولم يمض قليل على ذلك، حتى سار ألفونسو إلى أم غزالة، وكانت قد أخليت من سكانها قبل وصوله، فحاصرها وقتاً ثم تركها، وسار إلى ربينة، واستولى عليها، وقتل معظم سكانها وأسر الباقين، واستمر في حملته الغازية حتى قلعة جابر، ثم حصن شلير، وكان ذلك في جمادى الآخرة من سنة ٥٨٥ هـ (أغسطس سنة ١١٨٩) (٢).
стр. 1898
وعاد ملك قشتالة بعد حملته المظفرة إلى طليطلة.
- ١ -
كان لتلك الحوادث أعمق وقع في نفس الخليفة يعقوب المنصور، فما كاد يقف على أخبارها، حتى أخذ في التأهب للعبور إلى الأندلس، واستئناف الجهاد، واعتمد في هذه المرة على التطوع في جمع الحشود، حسبما ذكرنا من قبل، وعنى عناية خاصة بتوفير العتاد والسلاح والمؤن، ثم خرج في قواته من مراكش في الرابع عشر من شهر ذي الحجة سنة ٥٨٥ هـ (٢٣ يناير سنة ١١٩٠ م)، وذلك بعد أن وجه كتبه إلى إشبيلية، وغيرها من قواعد الأندلس، بما اعتزمه من قدومه إلى شبه الجزيرة لنصرة أهلها على عدوهم، وما يرجوه من تيسير استقبال الجيوش الوافدة، وسار إلى رباط الفتح، فلما وصلها، أقام بها نحو الأربعين يوماً، حتى وصلت باقي الحشود وقوات القبائل، واستكملت أهبة الجيش الغازي.
وفي أواخر شهر المحرم من سنة ٥٨٦ هـ (أوائل مارس سنة ١١٩٠ م) غادر المنصور رباط الفتح في قواته، وسار إلى قصر مصمودة (القصر الصغير) وجدد منه كتبه إلى إشبيلية متضمنة قرب وصوله. ولبث مقيماً بالقصر، حتى كان بدء الجواز في الخامس عشر من ربيع الأول، ولما انتهى جواز الجند، عبر المنصور البحر في يوم الأحد الثالث والعشرين من ربيع الأول، ونزل بجزيرة طريف، وهنالك أقبلت وفود بعض البلاد للسلام عليه، وشكا البعض مما يقع من ظلم العمال، فأغضى المنصور عن مناقشة هذا الأمر في هذه الظروف الدقيقة. ثم تحرك من طريف في غرة جمادى الأولى، وسار شمالا صوب مدينة أركش، وهنالك ودع الوفود الملتفة حوله، وسار إلى قرطبة. وبعث إلى السيد يعقوب بن أبي حفص والي إشبيلية، بأن يتحرك منها بعساكره، وأن يجمع سائر الحشود، من العرب والبربر، من غرناطة وغيرها، ومن تأخر من صنهاجة وهسكورة، وسائر المتطوعة والمجاهدين. فصدع السيد يعقوب بالأمر، وحشد سائر القوات المتقدمة، وسار فيها قاصداً إلى شلب، وذلك في غرة جمادى الأولى (٦ يونيه) وعسكر في ظاهر المدينة. ولم يمض شهر على ذلك حتى وصلت سفن الأسطول الموحدي إلى مياه البرتغال الجنوبية
стр. 1899
على مقربة من ثغر بورتماو، ثم دنا الموحدون من أسوار شلب، ونصبوا عليها المجانيق، وآلات الرمى، وضربوا حول المدينة حصاراً صارماً مرهقاً.
وأما المنصور، فإنه لما وصل بقواته إلى قرطبة نزل بها بالقصر الذي كان أنشأه السيد أبو يحيى. ثم تجول بأطلال مدينة الزهراء، ليشاهد آثار القرون الماضية، وليعتبر بما أحدثته صروف الدهر، وأمر بإنزال التمثال الذي كان منصوباً فوق بابها، وقد كان وفقاً لقول البكري تمثالا للعذراء. ويقول لنا صاحب البيان إنه هبت في عصر ذلك اليوم ريح عاصفة أحدثت بعض الخلل في محلة الساقة، فأذاع بعض عامة قرطبة أن ذلك كان بسبب إنزال تمثال الزهراء، وأن هذا التمثال كان طلسماً لحمايتها، وبلغ المنصور ذلك فسخر منه، وأنحى باللائمة على جهل أهل قرطبة (١)، وأمر بالاجتهاد والتأهب.
وكان قد وصل إلى قرطبة رسل من قبل ملك قشتالة، جاءوا ليسعوا إلى عقد الهدنة، وكان مقدم الجيوش الموحدية إلى شبه الجزيرة، قد بث حسبما تحدثنا رسالة الخليفة، بين النصارى، أسباب الجزع والفزع، فبادر ملوكهم إلى إرسال رسلهم في التماس المسالمة والتهادن، وأنه بينما كان الخليفة على وشك العبور من القصر الصغير، وصل رسل ملك قشتالة إلى إشبيلية، يعرضون السلم ويطلبون عقد الهدنة، ويعرضون التحالف على قتال غيرهم من النصارى.
تكررت هذه العروض عند وصول الخليفة إلى قرطبة، فاستجاب الخليفة إلى مطالبهم، لأنه حسبما يقول لنا في رسالته، رأى مصلحة المسلمين في افتراق كلمة الكفر، وكذلك عقد ملك ليون الهدنة مع الخليفة، ولم يأبه بالحلف القديم الذي كان قد عقده أبوه فرناندو مع ملك البرتغال أيام موقعة شنترين (٢).
ثم أمر الخليفة السيد أبا زكريا بن أبي حفص أن يسير إلى إشبيلية في جيش خاص من العرب وزناتة وأهل تلمسان ومن إليهم، ليتجهز هنالك وليلحق به وبإخوته في طريق الغزو. وقام المنصور بعد ذلك بتمييز القوات المرتزقة، والحشود الواصلة من العدوة، وفرقت فيهم البركة، ثم أمر بعقد الرايات، وخرج في قواته من قرطبة متجهاً نحو الشمال الغربي إلى وادي التاجُه، ولحق به السيد أبو زكريا في قواته في نفس الاتجاه. وكانت خطة المنصور، فيما يبدو هي العمل
стр. 1900
على إرغام ملك البرتغال على احتجاز قسم كبير من قواته وقوات حلفائه الصليبيين،
في الشمال بعيداً عن شلب، لكي يخفف ضغط النصارى بذلك على القوات الموحدية الضاربة حولها، فتستطيع تكريس جهودها للتغلب على منعة المدينة ذاتها. ومن ثم فقد سار المنصور صوب السهل الممتد على ضفاف التاجه شمالي شنترين، وأثخن الموحدون في تلك الرقعة الخضراء، فانتسفوا زروعها، وخربوا ضياعها، ثم عبروا النهر وساروا لمهاجمة قلعة طرش (١) الواقعة على مقربة من شمال شنترين، وهي قلعة عظيمة شديدة المنعة، تقع فوق ربوة عالية، فحاصروها بشدة، ولم تمض أيام قلائل، حتى عرض قائدها التسليم بالأمان، فوافق الخليفة وغادر القلعة كل من كان فيها من النصارى، وفي الحال خرب الموحدون القلعة وسائر متعلقاتها، وتركوها قاعاً صفصفاً، وكانت حسبما تصفها رسالة الخليفة محلة عامرة نضرة، تغص بالغراس والكروم. ثم سار الموحدون بعد ذلك شمالا، وهاجموا مدينة طومار (٢)، وهي قاعدة منيعة، تقع في بسيط مخصب زاهر، وكانت تدافع عنها حامية من فرسان المعبد (الداوية) فخرب الموحدون بسائطها، ولكنهم اضطروا إلى حصارها، نظراً لما أبدته حاميتها من شدة في الدفاع. ودام الحصار وقتاً دون أن تسلم طومار، ويقول لنا صاحب البيان المغرب، إن رسل ابن الرنك (ملك البرتغال) قدموا عندئذ في طلب المهادنة والسلم، وأن المنصور أمر بتخفيف القتال ريثما ينعقد السلم، وتنتظم الأمور (٣). ومن جهة أخرى، فإنه يبدو مما يقصه علينا الخليفة في رسالته أن الموحدين، كانوا خلال هذا الحصار، يوجهون سراياهم في سائر البسائط القريبة تثخن فيها، وتمعن في تخريبها، وأن سانشو ملك البرتغال كان في ذلك الحين مرابطاً بقواته في شنترين، لا يجرؤ على الخروج منها لملاقاة الموحدين (٤).
وعلى أي حال فإن الموحدين لم يستمروا في حصار طومار، ولم يأخذوها، وحدث العكس حيث أمر الخليفة بالكف عن القتال واختتام أعمال الغزو. ويقدم إلينا صاحب البيان تفسيراً لذلك خلاصته، أن الخليفة شعر بتوعك تمادى أمره،
стр. 1901
وأنه من جهة أخرى لاحظ أن شئون التموين بالجيش قد اختلت، وأخذت المؤن والعلوفات تنضب، وقد كانت تحمل إليهم على خط تموين طويل يمتد من قرطبة. وهذا بعكس ما كان عليه البرتغاليون حيث استطاعوا قبل الغزو أن يحصدوا معظم زروعهم، وأن يختزنوا المؤن الكافية (١). ولهذا كله قرر الخليفة أن يختتم أعمال الغزو، وأن يأمر بالارتداد إلى إشبيلية، وصدرت الأوامر في نفس الوقت إلى الجيش المحاصر لشلب بأن يغادرها على وجه السرعة، وأن يرتد كذلك أدراجه. وقضى المنصور في هذه الغزوة ثلاثة وأربعين يوماً. وكانت عودته إلى إشبيلية في الحادي عشر من شهر جمادى الآخرة سنهّ ٥٨٦ هـ (يوليه ١١٩٠ م) (٢).
ونستطيع أن نقول إن غزوة المنصور لأراضي البرتغال لم تسفر عن نتائج ذي شأن، وأنها كانت بالعكس غزوة فاشلة، فلم تؤخذ طومار، ولم تُسترد شلب، وهي غاية الغزو الأولى. ونستطيع أيضاً أن نلاحظ مرة أخرى أن اختلال شئون التموين في الجيوش الموحدية، كان دائماً في مقدمة أسباب فشلها في تحقيق أغراضها العسكرية. على أننا نستطيع أن نلاحظ في نفس الوقت، أن ما تذرع به المنصور من الحزم في تنظيم الارتداد في الوقت المناسب، كان كفيلا بسلامة الجيش الموحدي، وعدم تعرضه لكارثة أخرى، من طراز كارثة شنترين.
على أن المنصور لم تقف همته ومشاريعه عند هذا الحد. ذلك أنه كان يشعر أنه لابد من تحقيق الهدف الرئيسي من عبوره إلى شبه الجزيرة، باسترداد شلب، وضرب قوي البرتغال العسكرية، ومن ثم فقد عول على البقاء بالأندلس، والعكوف على الاستعداد الوئيد المجدي.
وانتهز المنصور فرصة وجوده بإشبيلية، فأخذ ينظر في شئون الناس والعمال، وأمر بفحص قضايا المسجونين الذين طال سجنهم، وإعدام من يستحق الإعدام منهم بعد عرض أمره عليه، واشتد في مطاردة المنكرات والملاهي. وأما عن العمال فقد أمر المنصور، بالقبض على ابن سنان لما نمى إليه من أنه كان في موقعة المنار أول من بادر بالفرار، وأمر كذلك باستصفاء أمواله.
стр. 1902
وفي ذلك الحين بالذات، رُفع إلى المنصور أمر ثائر من نوع جديد ظهر بمراكش. ويدعى علي الجزيري. ويقدم إلينا صاحب البيان المغرب هذا الثائر في صورة غامضة مثيرة، فيقول لنا إنه كان يتظاهر بطلب العلم، ويعنى بنوع خاص " بحفظ المتشابهات "، وإنه لما ظهر أمره لأول مرة، أمر الخليفة بطرده من مراكش، فغادرها، وأخذ يتجول في الأقطار، وهو يبث دعوته سراً، ولاسيما بين العامة حيث يخاطبهم، ويسايرهم في أفكارهم، ثم ظهر من جديد بمراكش وكثر القول عن دعايته ومساعيه، فأمر والي المدينة السيد أبو الحسن ابن أبي حفص بمطاردته والبحث عنه أينما وجد، ولكنه استطاع أن يلوذ بالفرار، ثم ظهر بمدينة فاس، وأخذ يختلط بعامتها وأوباشها وتبعه منهم جماعة، فرفع خبره إلى واليها ابن ومازير، فقبض على عدة من أتباعه وقتلهم، وأفلت الثائر من المطاردة مرة أخرى، واختفى ولم يوقف له على أثر.
ثم تواترت الأنباء بأن الثائر قد عبر إلى الأندلس، فأمر المنصور بالكتب إلى سائر الولاة والعمال بصفته وهيئته وأماراته، وبأن يقبض عليه أينما وجد. وذاعت بهذه المناسبة عن الثائر أقوال وروايات خرافية كثيرة، فقيل إنه ساحر قدير، وإنه يتصور في صور الحيوانات المختلفة، مثل الحمير والكلاب والسنانير، وترددت هذه الأقاويل بين العامة. ثم قيل إنه عُثر عليه في مالقة، وقُبض على كثير من الأوباش الذين التفوا حوله، وفيهم أخوه، فأمر المنصور بإحضارهم إلى إشبيلية، وقيل إن الثائر كان ضمن هؤلاء المقبوض عليهم، ولكنه استطاع أن يفلت بواسطة رشوة دفعها أتباعه للقاضي المختص، ويدعى الواني. فأمر المنصور بقتل أولئك الأتباع، وعددهم تسعة وتسعون، وأمر بأن يجلد القاضي بعدد الدنانير التي تقاضاها على سبيل الرشوه، فهلك قبل أن يستوفى هذا العدد، وقتل في نفس الوقت في مختلف الأنحاء كثيرون آخرون ممن نسب إليهم مسايرة الثائر واتباع دعايته. وأخيراً، وبعد بحوث ومطاردات عنيفة، قبض على الثائر في بعض قرى مرسية، وأخذ إلى إشبيلية، وحمل إلى مجلس الموحدين، وطيف به على الحاضرين وهو يعلن إنكاره لما نسب إليه من المبادىء والنظريات الثورية، ثم انتهى الأمر بصلبه، والقضاء على ما دار حول شخصه من ضروب الإرجاف والخرافة (١).
стр. 1903
ونظم الشعراء قصائدهم كالعادة في امتداح المنصور، وتهنئته بالقضاء على هذه الفتنة. فمن ذلك ما قاله الجراوي من قصيدة طويلة:
نار من الفتنة العمياء أطفاها ... سعد الإمام وحد الصارم الذكر
ما زال إبليس في الأقطار يوقدها ... وترتمي من شرار الخلق بالشرر
زاد الشقي على الخفاش مشبهه ... ضعف البصيرة إذا ساواه في البصر
جارى إلى سقر أصحابه فهووا ... فيها سراعاً ووافاهم على الأثر
تلك هي رواية صاحب البيان المغرب عن ثورة الجزيري، وهي فيما يبدو مستمدة من أقوال ابن صاحب الصلاة، وهي رواية بلاط لا تمثل سوى وجهة النظر الرسمية.
بيد أنه يبدو من جهة أخرى أن ثورة الجزيري، كان لها شأن آخر، وأن الجزيري واسمه الكامل أبو عبد الله محمد بن عبد الله الجزيري، لم يكن ذلك الدجال المشعوذ، الذي تقدمه إلينا الرواية الموحدية. فهو عالم أندلسي من أهل الجزيرة الخضراء، أخذ من مختلف العلوم قسط وافر، وكان يُنعي على الدولة الموحدية ما جنحت إليه من الأخذ بأسباب الأبهة والترف، ومن مخالفة تعاليم المهدي الأصلية. وكان يضطرم بنزعة إصلاحية، ويطمح إلى إحياء سنن المهدي ابن تومرت، ويبث دعوته بين الكافة بقوة وبراعة، حتى عظم أمره، وكان شاعراً مجيداً. ومن قوله يشير إلى رسالته الإصلاحية:
في أم رأسي سر ... يبدو لكم بعد حين
لأطلبن مرادي ... إن كان سعدى معيني
أو لا فأكتب ممن ... سعى لإظهار ديني
وكانت الجموع تهرع إلى الالتفاف حوله أينما وجد، وتذاع عنه وعن دعايته أغرب الروايات، حتى زعم بعض الناس أنه يتصور في صور الحيوانات مثل القطط والكلاب وغيرها. وكان من الطبيعي أن تفزع السلطات الموحدية لأمر هذا المصلح الثائر، وأن تخشى من تأثير دعايته في الجموع، وأن تبث عليه العيون والأرصاد في كل مكان. وكان ينجح في الإفلات من المطاردة في أحيان كثيرة، حتى قبض عليه أخيراً في بعض قرى مدينة بسطة، وقتل،
стр. 1904
وأرسل إلى مراكش، وكانت ثورة الجزيرة في سنة ٥٨٦ هـ (١١٩٠ م) (١).
- ٢ -
وفي هذا العام بالذات أعني في سنة ٥٨٦ هـ، تلقى الخليفة الموحدي سفارة هامة، من الملك الناصر صلاح الدين سلطان مصر والشام، على يد وزيره عبد الرحمن بن منقذ، ولم تكن هذه أول مرة يحاول فيها عاهل مصر، أن يتصل بالخليفة الموحدي، وأن يكتب إليه. ولابد لنا قبل التحدث عن موضوع هذه السفارة، أن نشير إلى الظروف التي كان الشرق الإسلامي يجوزها في تلك الفترة، والتي حملت صلاح الدين، على أن يتجه ببصره إلى الغرب الإسلامي، ذلك أن الشرق الإسلامي كان منذ أواخر القرن الخامس الهجرى (أواخر القرن الحادي عشر الميلادى)، يواجه عدوان الغرب المنظم في صورة الحملات الصليبية المتوالية.
وكان هذا العدوان قد أسفر عن ثماره الأولى باستيلاء الصليبيين على ثغور الشام وبيت المقدس، وقيام المملكة الفرنجية اللاتينية في بيت المقدس. وكانت مصر في تلك الفترة المؤلمة، وهي أواخر العهد الفاطمي، تجوز مرحلة انحلال وضعف، وتعوزها الوسائل والقوى الدفاعية الناجعة. فلما انتهت الدولة الفاطمية، ونهضت مصر نهضتها المشهورة، على يد الملك الناصر صلاح الدين، واستطاعت أن تسحق قوي الصليبيين، وأن تسترد بيت المقدس، وأن تقضي بذلك على المملكة اللاتينية (٥٨٣ هـ - ١١٨٧ م) هرع الغرب في حشوده العظيمة مرة أخرى إلى الشرق، ليقضي على تلك القوة الجديدة، التي تهدد أطماعه ومشاريعه بالانهيار. وكان صلاح الدين، بالرغم مما شاده من القوي العظيمة، وما أحرزه من الانتصارات الباهرة، يشعر بأخطار هذا التكتل الصليبي الجديد، ويخشى إذا لم يتداركه العون من إحدى النواحي، أن يضعف عن مدافعته. وهنا اتجه صلاح الدين ببصره نحو المغرب، يرجو منه العون والغوث. وكان يرى في الدولة الموحدية التي بلغت يومئذ ذروة عظمتها وقوتها، ملاذاً يجدر قصده والالتجاء إليه. فكتب إلى الخليفة الموحدي، - يعقوب المنصور - في سنة ٥٨٥ هـ (١١٨٩ م) رسالته الشهيرة مدبجة بقلم القاضي الفاضل يستصرخه، ويستنصر به على قتال الجيوش الفرنجية الزاحفة يومئذ على مصر والشام، وفيها
стр. 1905
يصفه " بأمير المؤمنين، وسيد العالمين، وقسيم الدنيا والدين " ويصف له جهوده في محاربة الصليبيين وهزيمتهم، وما كان لذلك من أثر في تحالف النصرانية، ودول الغرب عليه، ونهوض ملوكه بجيوشهم وأساطيلهم لمحاربته، ومحاولة الاستيلاء على ثغور المشرق، والقضاء على قوى الإسلام المجتمعة تحت لوائه، ويطلب صلاح الدين إلى عاهل المغرب، أن يمد الشام، مسرح القتال، بشطر من أساطيله المنصورة، وأن يرسل في الوقت نفسه، جناحاً من أسطوله إلى صقلية، فيشغل طاغيتها، ويعطله عن الاشتراك مع زملائه الملوك النصارى في مهاجمة مصر، ويعتقله بذلك في جزيرته. ثم يقول صلاح الدين في رسالته إلى الخليفة الموحدي: " وبذلك يذهب سيدنا وعقبه بشرف ذكرٍ لا ترد به المحامد على عقبها، ويقيم على الكفر قيامة، ويُطلع بها شمس النصر من مغربها " (١).
والظاهر أن البلاط المصري لم يكن على علم تام بحقيقة سير الأمور في المغرب والأندلس في تلك الفترة. ذلك أن يعقوب المنصور، ما كاد يتولى الخلافة عقب مصرع أبيه في موقعة شنترين، حتى أخذ يواجه حسبما رأينا سلسلة من الأحداث المزعجة سواء في المغرب أو الأندلس. فأما في المغرب فقد رأينا كيف شغل بثورة بني غانية، واعتدائهم على إفريقية، واستخلاص ثغورها من أيديهم. وأما في الأندلس، فقد عنى المنصور، كما رأينا بحشد الجيوش، لاستئناف حركة الجهاد، ورد عدوان النصارى عن أراضي الأندلس، بعد ما تفاقم هذا العدوان سواء من جانب قشتالة أو من جانب مملكة البرتغال. وقد كان من الطبيعي، في تلك الظروف الدقيقة التي يجوزها الموحدون، في المغرب والأندلس، أن صريخ صلاح الدين إلى الخليفة الموحدي، لم يلق صدى، وأن رسالته لم يكن لها الأثر المرغوب.
على أن صلاح الدين لم ييأس من الفوز بعون الخليفة الموحدي. ذلك أنه كان يشعر بأنه يتوجه بصريخه إلى الوجهة الصحيحة، وأن نزعة الجهاد، كانت تضطرم في المغرب على يد الدولة الموحدية، اضطرامها في المشرق، وأن الكفاح الذي يضطرم به الموحدون ضد اسبانيا النصرانية، لم يكن إلا شطراً من الكفاح الذي تضطلع به مصر في المشرق. ومن ثم فقد اعتزم صلاح الدين أن يكرر محاولته. فعاد في العام التالي في سنة ٥٨٦ هـ (١١٩٠ م)، فأرسل إلى الخليفة
стр. 1906
يعقوب المنصور، سفارة على يد وزيره الشهير شمس الدولة أبي الحارث عبد الرحمن ابن منقذ، يحمل إليه رسالة وهدية فخمة. وكان ابن منقذ، وهو سليل أمراء بني منقذ أصحاب حصن شيزر السابقين بالشام، من رجالات الدولة الصلاحية البارزين، وممن يصطفيهم السلطان لقضاء المهام الدقيقة. ويصف صلاح الدين في رسالته إلى الخليفة الموحدي، ما حدث من تقاطر الفرنج على الشام براً وبحراً، وفي مقدمتهم جيوش ملك الألمان وملك الإنجليز وأساطيله، وما وقع حول عكا التي حاصرها الفرنج من المعارك الخطيرة، وما بذله السلطان لإنقاذها من الجهود في البر والبحر. ثم يتجه إلى الخليفة يطلب الإنجاد ويقول: إنه كان من المتوقع من " تلك الدولة العالية، والعزمة الفادية، مع القدرة الوافية، والهمة المهدية الهادية، أن يمد غرب الإسلام والمسلمين، بأكثر مما أمد غرب الكفار الكافرين، فيملأها عليهم جوارى كالأعلام "، وأنه لما تأخرت الإجابة " ظن أنها توقفت على الاستدعاء، فاستصرخه بهذه التحية فقد تحفل السحاب ولا تمطر، إلى أن تحركها الرياح " (١).
وهنا تختلف الروايتان المصرية والمغربية في تاريخ وصول السفير المصري إلى المغرب، وفي ظروف لقائه مع الخليفة. فتقول الرواية المصرية إن ابن منقذ أبحر من الإسكندرية قاصداً إلى المغرب في شهر رمضان سنة ٥٨٦ هـ، وأنه وصل إلى مراكش في شهر ذي الحجة من هذا العام، وأدخل إلى الخليفة في العشرين منه، وحملت هدية السلطان إلى الخليفة في نفس اليوم. بيد أنه يبدو أن الرواية المصرية لم تكن مطلعة تمام الاطلاع على سير الحوادث في المغرب والأندلس في تلك الفترة. ومن ثم فإنها لم تستطع أن تتبع حركات السفير المصري بدقة.
ذلك أن الخليفة المنصور، كان وقت وصول السفير المصري إلى المغرب، قد عبر البحر حسبما تقدم في جيوشه إلى الأندلس معتزماً مقاتلة النصارى، وإنقاذ مدينة شلب من قبضة البرتغاليين، وأنه كان في تلك الآونة بالذات مقيماً بإشبيلية، يجد في الأهبة، ويترقب الحوادث. ومن ثم فإن الرواية المغربية، وهي رواية صاحب البيان المغرب، المستقاة فيما يبدو من رواية ابن صاحب الصلاة، مؤرخ البلاط الموحدي، تقدم إلينا تفاصيل أخرى عن تحركات السفير المصري،
стр. 1907
تبدو أكثر اتفاقاً مع سير الحوادث. فتقول لنا إن السفير المصري حينما وصل إلى المغرب، نزل بثغر تونس، ثم بثغر بجاية، فاستقبله السيد أبو زيد والي إفريقية والسيد أبو الحسن والي بجاية، بمنتهى الحفاوة والإكرام، وكتبا إلى الخليفة المنصور وهو يومئذ بإشبيلية بمقدم السفير، فوصلت كتبهما إليه في شهر رجب سنة ٥٨٦ هـ فرد الخليفة عليهما بالشكر، وأن يستمرا في مجاملة السفير وإكرامه، وأن يطلب إليه كتمان رسالته حتى يستقبله الخليفة، وبأن يستقر بمدينة فاس معززاً مكرماً، حتى يتم هذا الاستقبال (١).
ْولبث ابن منقذ مقيماً بفاس زهاء عام ينتظر لقاء الخليفة. وكان المنصور في تلك الأثناء، حسبما نفصل بعد، قد نظم غزوته الكبيرة لأراضي البرتغال، واستولى على ثغر قصر أبي دانس أو قصر الفتح في جمادى الأولى في سنة ٥٨٧ هـ، ثم سار إلى مدينة شلب واستولى عليها في جمادى الثانية، وعاد ظافراً إلى إشبيلية، ثم غادرها عائداً إلى المغرب في شهر رمضان سنة ٥٨٧ هـ (يوليه ١١٩١ م)، ولما وصل إلى مراكش واستقر بها، استقبل ابن منقذ، وقدمت إليه هدية السلطان، وكان فيها مصحف كريم في ربعة مخيشة بالمسك، وثلاثمائة مثقال من العنبر، وعشر قلائد من الجوهر، ومائة قوس بأوتارها، ونصول سيوف هندية وغيرها.
ويقول لنا صاحب كتاب " الإستبصار " إن اجتماع ابن منقذ بالخليفة كان في السادس من محرم سنة ٥٨٨ هـ (يناير ١١٩٢ م) وإنه غادر الحضرة بعد ذلك بخمسة أيام (٢). وأفضى ابن منقذ إلى عاهل المغرب بمضمون سفارته، فتلقى جواب المنصور عنها مجملا. ويقول لنا ابن خلدون إن الخليفة اعتذر عن إعارة الأسطول (٣) وأحيل ابن منقذ إلى الوزراء لاستكمال التفاصيل. ثم غادر مراكش في العاشر من المحرم سنة ٥٨٨ هـ، وهو يحمل من الخليفة إلى السلطان هدية تضارع هديته في القيمة والفخامة، فوصل إلى الإسكندرية في أواخر جمادى الثانية من هذا العام (٤).
стр. 1908
ومما تذكره الرواية بهذه المناسبة أن ابن منقذ رفع إلى المنصور، قصيدة من نظمه من أربعين بيتاً، يمدحه فيها، فمنحه المنصور صلة سخية قدرها أربعون ألف دينار، ألفاً عن كل بيت، وقال له إنما أعطيناك لفضلك ولبيتك، وهذا بعض ما جاء في القصيدة المذكورة:
سأشكر بحراً ذا عباب قطعته ... إلى بحر جود ما لأخراه ساحل
إليك أمير المؤمنين ولم تزل ... إلى بابك المأمول تزجي الرواحل
قطعت إليك البر والبحر موقناً ... بأن نداك الغمر بالنجح كافل
فلا زلت للعلياء والجود بانياً ... تبلغك الآمال ما أنت آمل (١).
ونحن نعرف أنه لم يكن لهذه السفارة نتائج عملية، ولم يحصل صلاح الدين على ما كان يرجوه منها من عون وإنجاد. وفي بعض الروايات أن الخليفة المنصور لم يستجب إلى صريخ صلاح الدين، لأنه لم يلقبه في رسالته بألقاب الخلافة (٢).
وهي رواية ظاهرة الضعف. ذلك أن الأسباب الحقيقية لموقف الخليفة الموحدي، يجب أن تفهم على ضوء الحوادث والظروف التي كان يجوزها الغرب الإسلامي. أعني المغرب والأندلس، في تلك الفترة. فقد كانت إفريقية وهي منطقة حساسة من المغرب ما تزال معرضة لعدوان بني غانية، ومن إليهم من الأعراب الضالعين معهم، وكانت الأندلس تواجه مثل الأخطار التي كان يواجهها الشرق الإسلامي، من عدوان النصارى والصليبيين. وبالرغم من نجاح الموحدين في غزو البرتغال، واستردادهم لقصر الفتح وشلب، فإنه كان ثمة احتمال دائم، بأن يتكرر عدوان البرتغاليين وحلفائهم الصليبيين القادمين من الثغور الشمالية، على غربي الأندلس، وأن يتكرر عدوان القشتاليين على أواسطها. وقد كانت الأساطيل الموحدية، التي كان صلاح الدين يطمح بالأخص إلى عونها، ترابط باستمرار في مياه الأندلس الجنوبية والغربية، استعداداً لمؤازرة الجيوش الموحدية لرد كل عدوان محتمل. ومن ثم فإنه لم يك ثمة إزاء هذه الظروف والأخطار كلها، فيما يبدو، مجال لأن يتقدم عاهل المغرب إلى غوث إخوانه المشارقة، بقوات كان هو في أشد الحاجة إليها. وكان على كل فريق أن يعتمد على نفسه في رد العدوان الذي يواجهه.
стр. 1909
على أننا نستطيع، بالرغم من هذه الآثار السلبية، التي انتهت إليها محاولات صلاح الدين للحصول على عون الخليفة الموحدي، أن نقول إنها كانت تنطوي على نفس المغزى العظيم الذي أوحى ببذلها، وهو رسوخ التضامن الروحي، وقوة المشاعر المشتركة، بين شطري الكتلة الإسلامية، في المشرق والمغرب، في تلك العصور التي تعرض فيها كلاهما لمحنة العدوان الصليبي.
- ٣ -
لبث المنصور خلال إقامته بإشبيلية، مذ عاد إليها في جمادى الآخرة سنة ٥٨٦ هـ، يجد في أهباته العسكرية، ويجمع الآلات والعدد، ويستكمل ضم الحشود. فلما تمت أهباته، واستكملت من سائر نواحيها، عزم على الحركة والسير لاستئناف الغزو، فخرج من إشبيلية في غرة ربيع الآخر سنة ٥٨٧ هـ (٢٨ أبريل سنة ١١٩١ م) في قوات كثيفة، حسنة الأهبة والهيئة والنظام، وعبر نهر وادي يانه مخترقاً أراضي البرتغال، ومتجهاً نحو الشمال الغربي، وكان مقصد الخليفة الأول، هو قاعدة قصر الفتح أو قصر أبي دانس الحصينة، الواقعة جنوب شرقي أشبونة على الضفة اليمنى لنهر سادو، على مقربة من البحر (١)، فلما وصل إليها قُسمت الحشود الموحدية وفق نظام خاص، وقام العبيد وأهل الخدمة بردم خندق المدينة من جهاتها الأربع، وأقبلت القوات الموحدية إلى السور تحاول اقتحام المدينة، ولكن البرتغاليين أمطروا المهاجمين وابلا كثيفاً من النبال والحجارة، فأصيب كثير من الجند الموحدين بالجراح. فلما رأى المنصور فتك النبال بجنده، أمر بوقف القتال ثلاثة أيام، طلباً للراحة، والعود إلى مهاجمة المدينة بعزائم أشد. ووصل في تلك الأثناء جانب من الأسطول الموحدي، دخلت سفنه النهر الذي تقع عليه المدينة، وهي تحمل آلات الهجوم الفتاكة. وفي الحال - في خلال يوم وليلة فقط - نصبت حول المدينة أربعة عشر منجنيقاً. وفي اليوم الخامس عشر من جمادى الأولى (سنة ٥٨٧ هـ) الموافق ١٠ يونيه سنة ١١٩١، صدر الأمر لسائر الجيش الموحدي بمهاجمة المدينة، فانقض عليها من سائر الجهات، وأخذت
стр. 1910
المجانيق تضرب المدينة بشدة، فلما تفاقم الأمر، ووصل هجوم الموحدين إلى ذروة عنفه وروعته، بادر أهل المدينة بطلب الأمان، ونزلوا من المدينة مستسلمين فحملوا في المراكب، وبعثوا إلى إشبيلية ليكونوا هنالك عنوان الفتح، واستولى الموحدون على المدينة، وشرع المنصور في النظر في شئون الحصن وأحواله، وأمر بإصلاحه وشحنه بالمقاتلة الأنجاد من الموحدين، ورتب لهم من المؤن والمواد رواتب شهرية وسنوية، في مخازن إشبيلية وسبتة، وندب لولاية الحصن المذكور أبا بكر محمد بن وزير وهو ابن أبي محمد سيدراي بن وزير زعيم الغرب السابق، أيام ثورة ابن قسيّ، وكان حاكم الحصن من قبل، قبل أن يسقط في أيدي البرتغاليين في سنة ٥٥٥ هـ (١١٦٠ م) (١).
وسار الموحدون بعد ذلك إلى حصن قلماله (٢)، وكان أمنع حصون هذه المنطقة، وبه حامية قوية، ولكنهم أيقنوا باستحالة المقاومة، وعرضوا التسليم في الحال، والجلاء عن الحصن، فاستجاب المنصور لرغبتهم، وأخلى سبيلهم، فساروا آمنين إلى بلادهم، ونهب الموحدون سائر ما في الحصن من الأثاث والأقوات والسلاح. ثم أمر المنصور بهدمه، فهدم حتى محيت آثاره. وزحف الموحدون على حصن المعدن (٣) القريب، فاستولوا عليه، وأمر المنصور كذلك بهدمه، فهدم حتى صار أثراً بعد عين.
وتقول الرواية النصرانية في شأن هذه الحصون، إن أهل الحصون المجاورة، وهي حصون قلماله، وكوبنا والمعدن، لما رأوا سقوط حصن القصر بالرغم من مناعته بهذه السرعة، بادروا بإخلاء حصونهم، وفروا في مختلف الأنحاء، ولما أشرف الموحدون عليها، أمر المنصور بهدمها، فهدمت حتى سويت بالأرض (٤).
ثم اتجه الموحدون بعد ذلك جنوباً إلى المقصد الرئيسي في هذه الغزوة، وهو مدينة شلب. فوصلوا إليها في يوم الخميس الثاني من جمادى الآخرة (٢٧ يونيه سنة ١١٩١ م). وفي الحال طوقها الموحدون بقوات كثيفة، وردمت الخنادق
стр. 1911
المحيطة بها، ونصبت حول أسوارها المجانيق، وأخذت تضربها بشدة. واستمر الحصار والضرب حتى يوم الأربعاء الخامس عشر من جمادى، ففي فجر تلك الليلة، كان الموحدون ساهرين يرقبون الفرص. وكان الحراس وأهل المدينة، قد غلب عليهم التعب والنوم، ولم يتوقعوا أن يقوم الموحدون بأية محاولة في مثل هذه الفترة. ولكن الموحدين بالعكس، لما رأوا إغفاء أهل المدينة، تقدم أحد أدلائهم من السور، ووثب إلى ثلمة فيه، وتبعه جماعة من الأنجاد، فرفعوا الرايات على السور، وضربت الطبول، وضج الجند بالتهليل والتكبير، واقتحم الموحدون المدينة، فلم يستيقظ أهلها، إلا وقد سيطر عليها الفاتحون، يثخنون فيهم قتلا وجرحاً، فبادروا بطلب التسليم والأمان، فضرب لهم المنصور أجلا قدره عشرة أيام لإخلاء المدينة، وخرج النصارى من قصبة شلب في يوم الخميس الخامس والعشرين من جمادى الثانية (٢٣ يوليه سنة ١١٩١ م) ودخلها الموحدون في الحال، وعادت شلب بذلك إلى قبضة الإسلام، بعد أن لبثت في أيدي البرتغاليين، منذ سقوطها في رجب سنة ٥٨٥ هـ، زهاء عامين (١). وقدم المنصور على ولايتها ابن وزير (٢).
تلك هي الرواية الإسلامية عن استرداد شلب. أما الرواية النصرانية، فلا تقدم إلينا شيئاً من تلك التفاصيل، بل تكتفي بالقول بأن الموحدين نصبوا المجانيق حول المدينة، وأخذوا في ضربها بالنهار والليل دون هوادة، حتى اضطر أهلها إلى التسليم، وخرجوا منها بأنفسهم وأمتعتهم.
ولبث المنصور ثلاثة أيام أخرى في ظاهر شلب، ثم غادرها في قواته يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من جمادى الثانية، بعد أن أنفق في غزوته زهاء ثلاثة أشهر، فوصل إلى إشبيلية في الرابع من شهر رجب سنة ٥٨٧ هـ (٢٨ يوليه سنة ١١٩١ م).
وأنفق المنصور في إشبيلية شهرين آخرين، عنى خلالهما بتنظيم شئون الأندلس واختيار أكفاء القادة لرياسة الثغور، أو بعبارة أخرى مدن الحدود وحصونها، وشحنها بصفوة الجند، وتعيين بعض قرابته لولاية المدن الشاغرة من الولاة.
стр. 1912
وفي غرة رمضان، جلس بحدائق البحيرة خارج إشبيلية، لتلقي تحيات المودعين، ولما تمت مراسيم الوداع، غادر إشبيلية، ميمماً شطر العدوة، وعبر البحر في الخامس عشر من رمضان، واستمر في سيره حتى وصل إلى حضرة مراكش (١) وما كاد يستقر بها حتى استقبله الشعراء كالعادة بقصائد التحية والتهنئة. فمن ذلك ما قاله شاعره الجراوي:
إياب الإمام حياة الأمم ... توالى السرور به وانتظم
وجاد به الأرض صوب الحيا ... وجلى الظلام به بدر تم
فتوح عظام جناها الزمان ... لذي همم دونهن الهمم
على أن المنصور ما كاد يستريح من وعثاء السير والسفر، حتى دهمه المرض واشتد به، وطال أشهراً حتى خيف منه على حياته. وأشار عليه الأطباء بالانتقال إلى فاس، فحُمل إليها في محفة، واستمر بها أشهراً حتى تماثل إلى الشفاء. ويروي لنا المراكشي بهذه المناسبة أن الخليفة حينما اشتد مرضه، أرسل يستدعي أخاه السيد أبا يحيى والي إشبيلية، وأن أبا يحيى لبث يتلكأ في العود مؤملا أن يموت أخوه، وأنه قام في ظل هذا الأمل باستكتاب بعض أشياخ الجزيرة مساطير لتأييد دعوته؛ فلما برىء الخليفة من مرضه عاد أبو يحيى إلى المغرب. وكان أخوه الخليفة قد وقف على حركته، فأمر بالقبض عليه وقتله، فتولى قتله أخوه لأبيه السيد عبد الرحمن بن يوسف، وذلك بمحضر من الناس (٢). ونحن نلاحظ على هذه الرواية بأنها متأخرة عن موضعها، وأن حادث ائتمار السادة بالخليفة وقع في سنة ٥٨٤ هـ (١١٨٨ م)، حسبما أشرنا إليه في موضعه، وأن السيد أبا يحيى وهو ولد الخليفة وليس بأخيه، لم يكن بين المتآمرين، الذين عاقبهم الخليفة بالإعدام.
стр. 1913
وشعر الخليفة إبان مرضه بدقة الموقف، وأراد أن يحتاط لكل احتمال، فعقد البيعة لابنه أبي عبد الله محمد بولاية عهده، وكان سنه نحو عشر سنين (١)، وهو الذي تسمى بالناصر فيما بعد، وكتب بذلك إلى خاصة القرابة كالسيد أبي زيد والي إفريقية، وولده السيد أبي يحيى والي إشبيلية، فبادروا بالحضور إلى الحضرة، مطيعين مؤيدين لذلك العهد، وجاء وفد من شبه الجزيرة يحمل تأييد أهل الأندلس، وجاء معهم يوسف بن الفخار اليهودي رسول ملك قشتالة يسعى إلى توطيد الهدنة المعقودة. وكان الخليفة قد أبل عندئذ من مرضه، فتلقى تهنئة الوفود والأكابر بإبلاله، وأنشد الشعراء قصائدهم كالمعتاد (٢).
وقد انتهت إلينا صورة وثيقة البيعة الرسمية التي كتبها أهل قرطبة بمبايعة ولى العهد أبي عبد الله محمد الناصر، وهي مؤرخة في العشر الأوائل من ذي القعدة سنة ٥٨٨ هـ، وتبدأ بالتنويه بأهمية الاستخلاف في الولاية، وشرعيته، منذ عهد النبي، حينما استخلف أبا بكر في الصلاة، ثم تنوه بقيام المهدي، وإعلاء كلمة الدين بظهوره، وتقول لنا بعد ذلك في صدد البيعة ما يأتى:
" وبعد فهذا ما أجمع عليه الملأ بقرطبة وأعمالها حرسها الله، من الطلبة، والموحدين والعرب والأجناد والوجوه من الأشياخ والأعيان والقواد والخواص والعوام من الرعية، من حاضر منهم ومن باد، أجمعوا بتوفيق الله وعونه، وإحسانه العميم ومنه، على المبايعة للأمير الأجل الملك السعيد، السيد الأوحد ... المؤهل المؤثل، الحائز لشرف الانتساب .... فرع الشجرة المباركة الطيبة الانتماء التي أصلها في مقر الهدى ثابت، وفرعها في السماء ... أبو عبد الله محمد بن سيدنا الإمام المنصور، الناصر لدين الله تعالى الخليفة المرتضى أمير المؤمنين بن سيدنا أمير المؤمنين، بن سيدنا أمير المؤمنين أعلى الله أمرهم وأسماه ".
ثم يقول " فبايعوه بمقتضى أمره العلي، ونصه الواضح الجلي، بيعة مباركة سعيدة، استقبلوا بها آمالا فسيحة مديدة، وأعمالا من البر والتقوى جديدة. أسكبت عليهم شآبيب الرحمة والأمان، وأسحبت فواضل الإنعام والإحسان، وازدادت بهاء وجمالا معالم الإسلام والإيمان .. " وإن أهل قرطبة " بادروا إلى
стр. 1914
التزام عهد هذه البيعة المباركة عهداً، وإحكام عقدها السعيد عقداً، فبايعوا للأمير الأجل السيد السعيد الأوحد ... بيعة إخوانهم الموحدين، على صفاء من قلوبهم، وخلوص من عيوبهم، وصحة من عقائدهم وضمائرهم، وتوافق من بواطنهم، وطواييرهم، وعلى أوفى عهود البيعة وشروطها، وأكمل عقودها وربوطها، من السمع والطاعة في السر والجهر، والعسر واليسر، وعلى اعتقاد النصيحة والموالاة الصريحة، أعطوه بذلك عهد الله المؤكد، وميثاقه المشدد، وأعطوه به صفقة قلوبهم وإيمانهم، وعهدة إسلامهم وإيمانهم، وخالصة سرهم وإعلانهم " (١).
وفي العام التالي سنة ٥٨٨ هـ (١١٩٢ م) وصل السيد أبو زيد والي إفريقية، ومعه برسم الخليفة هدية جليلة من التحف الملوكية، وفي صحبته وفد من أعيان عرب سليم ورياح، وأنجادهم (٢)، وكان الخليفة قد تحرك في تلك الأثناء من الحضرة قاصداً إلى فاس نزولا على نصح أطبائه، فالتقى به السيد أبو زيد ومن معه في تانسيفت، وأمر الخليفة بعد انقضاء مراسيم التحية واللقاء، بمسير الوفود القادمة إلى مراكش لمشاهدة القصور والمرافق الخلافية، وما تحويه الحضرة من جليل الآثار والمنشآت، الدالة على عظمة الدولة الموحدية وقوتها. فأمضت الوفود بالحضرة أياماً، ثم لحقت بأمير المؤمنين في طريقه لتزجي إليه آيات الشكر، والعرفان.
ورحل الخليفة إلى رباط الفتح ثم إلى فاس. وعنى خلال إقامته بفاس بالنظر في شئون إفريقية. وكانت هذه الشئون بما يعتورها من المتاعب، ومن الأخطار المترتبة على عدوان بني غانية، تلقى من الخليفة أعظم اهتمام، وغمر الخليفة بهذه المناسبة وفود العرب من سليم ورياح بوافر صلاته وإكرامه، والتزمت الوفود من جانبها بالوفاء ومقابلة البر بحسن الصنيعة، ثم عادت إلى مواطنها بإفريقية، وقد نالت من إنعام الخليفة وبره أضعاف ما أملت.
ولما شعر الخليفة باكتمال الصحة والعافية، سار إلى رباط الفتح مرة أخرى، وكان يؤثر هذه المدينة التي أسسها جده عبد المؤمن بحبه، ويميل إلى سكناها والاستجمام بها. وكان في تلك المرة قد عقد العزم على الانتقال إليها بصفة نهائية،
стр. 1915
واتخاذها حاضرة لمملكته، فأمر بتجديد قصبتها، وكانت تسمى بالمهدية، إذ كانت بخططها وموقعها على البحر، وإحاطته بها، تشبه المهدية الفاطمية بإفريقية، وألقى بشأن تنظيمها وتجميلها بقية أوامره، ثم عاد إلى مراكش في منتصف هذا العام (٥٨٨ هـ)، واستقر بها، وهو دائب الاهتمام بأعمال الإنشاء، وتجديد الأهبات، واستكمال العدد (١).
وفي العام التالي سنة ٥٨٩ هـ، أمر المنصور بإقامة صرح عظيم حصين خارج إشبيلية ليكون منزلا للمجاهدين، وأن يكون موقعه في وسط الشَّرْف. ويقدم إلينا المراكشي بعض تفاصيل عن هذا الصرح، فيقول لنا، إن المنصور حينما عاد ظافراً من غزوته لاسترداد شلب، أمر أن يُبنى له على النهر الأعظم (نهر الوادي الكبير) حصن، وأن تبنى له في ذلك الحصن قصور وقباب، جارياً في ذلك على عادته من حب البناء، وإيثار التشييد، فتمت له هذه القصور المذكورة على ما أراد، وسمى ذلك الحصن حصن الفرج. ويضيف صاحب البيان المغرب إلى ذلك، وهو ينقل فيما يرجح عن ابن صاحب الصلاة، أن هذا الحصن أو القصر الكبير، قد كمل بمجالسه المشرفة على إشبيلية وما والاها من البطاح، وأنه جاء من أضخم ما عمل، وكان المنصور وهو بالحضرة دائب التشوف إلى متابعة أخبار هذا الصرح، والوقوف على ما تم فيه، وعلى صفاته، حتى إنه أمر أخيراً باستدعاء المشرف على بنائه إلى الحضرة ليقص عليه بنفسه كل ما يتعلق بهذا الصرح، وطرازه وصفاته (٢).
ووقعت في تلك السنة سنة ٥٨٨ هـ، ببلاد الزاب، جنوبي إفريقية، فتنة جديدة كان بطلها زعيم يدعى الأشل. وليس في الرواية الموحدية، ما يلقى ضوءاً على شخصية هذا الزعيم الثائر، ولا كنه دعوته، وكل ما هنالك أنها تقول لنا، إن الأشل قام ببلاد الزاب ودعا لنفسه، فالتف حوله شرذمة من العرب، وكثير من أشتات الناس من أهل تلك المنطقة، ومن أهل الجبال المجاورة ممن تصفهم الرواية " بالغوغاء والسفلة " وكان يلقي في روع أتباعه بأنه موعود بأمره، وأن
стр. 1916
الكتب والدلائل نصت على خبره، وعظم أمره، وذاع ذكره، وكثر عدوانه في تلك المناطق، وتوالت على الخليفة المنصور أنباؤه، فبعث إلى السيد أبي زكريا والي بجاية، بأن يبذل كل ما في وسعه للقبض على هذا الزعيم الثائر، فخرج السيد أبو زكريا في عسكره من بجاية، وهو يتحسس أخبار الأشل، ويتقصى آثاره. ولما توغل بعيداً في الصحراء، اجتمعت طوائف من عرب البوادي ليحاولوا مهاجمته، وانتهاب محلته، ولكنه استطاع أن يجتنب اعتداءهم طوراً بلين القول وطوراً بالوعيد وإظهار القوة، وأنفذ السيد رهطاً من رجاله، يتحسسون أخبار الثائر ومكان وجوده، وحاول في نفس الوقت أن يغري بعض الأعراب بالصلات والوعود ليكشفوا له مكان وجوده، ولكنه لم يظفر منهم بطائل، ثم عاد إليه رسله الثقاة، وأخبره بعضهم بمكان وجود الثائر، وأنه يتصدر مجلس الزعامة وهو في ثياب فاخرة، وعلى رأسه عمامة خضراء، وبين يديه سيف مُحلّى، وقد التف حوله لفيف من شيعته وهو يحدثهم بلسان حضري. وعندئذ حاول السيد مرة أخرى أن يحمل بعض الأعراب على إرشاده عن هذا المكان، وهو يبذل لهم أطيب الوعود. ولكن الأعراب عقدوا العزم على مخادعته وغدره. ثم سار السيد في قواته ميمماً شطر قلعة بني حماد، وهي من أعمال بجاية، ودخلها بعسكره.
وهنالك وفد عليه الزعماء العرب يطالبونه بإنجاز وعوده، فاحتفل بهم وقدم لهم الطعام. فلما استقروا داخل القلعة، أغلقت أبوابها، وأمر السيد بالقبض على جملة من أولادهم، ثم استدعى آباءهم ورؤساء العشائر منهم، وأقسم لهم بأوثق الأيمان أنه لن يحل وثاقهم، ولن يطلق سراحهم إلا بإحضار الأشل أو رأسه، أو يحمل رؤوسهم مكان رأس الأشل إلى الخليفة المنصور. فأبدى العرب أنهم لا يستطيعون الغدر بمن لجأ إليهم، واحتمى بجوارهم، ولو قتلوا جميعاً. وعندئذ تدخلت أمهات الأبناء المعتقلين، وصاحوا كيف نضحي بأبنائنا في سبيل شقي منافق، وعندئذ نشب الخلاف بين الأمهات والآباء، وذاع الخبر في مختلف الأحياء، ووقف الأشل على ما حدث فأراد الفرار اتقاء الغدر، ولكن رهطاً من عشائر المعتقلين بادروه بالهجوم، وقبضوا عليه وعلى وزيره وحملوهما إلى القلعة، فغمرهم السيد بإحسانه وصلاته، وأخلى سبيل المعتقلين، وأمر بإعدام الثائر وصاحبه، وحملت رأسه إلى بجاية، وعلقت على بابها مع ذراعه وعضده، وأخمدت بذلك ثورته في مهدها (١).
стр. 1917
ولم تكد تنتهي هذه الفتنة حتى وردت على المنصور في سنة ٥٩٠ هـ، أنباء مقلقة عن إفريقية، خلاصتها أن بني غانية قد استأنفوا حركاتهم بنشاط مضاعف، وأن حلفاءهم من العرب والغز، يعيثون فساداً في أنحاء إفريقية ولاسيما بلاد الجريد. ونحن نعرف أن على بن إسحاق بن غانية الميورقي، بطل هذه الحركة التي كادت تقضي على سلطان الموحدين في إفريقية، كان على أثر هزيمته الساحقة في معركة الحمّة (سنة ٥٨٤ هـ) قد فر جريحاً إلى أعماق الصحراء.
وهنا تختلف الرواية في مصيره، فيقول لنا صاحب المعجب إنه توفي بعد قليل متأثراً بجراحه التي أصابته في معركة الحمة (١). ويقول ابن خلدون إنه توفي في بعض حروبه مع أهل نفزاوة من سهم أصابه في بعض المعارك، وذلك في نفس العام (٥٨٤ هـ) فدفن هنالك، ثم حمل رفاته إلى ميورقة (٢). ويقول التجّاني في رحلته إن على بن غانية، حينما طارده المنصور بعد موقعة الحمّة، توغل في صحراء توزر، فرجع عنه المنصور، ثم مات على بعد ذلك على توزر من سهم أصابه في ترقوته فقضى عليه (٣).
ولما توفي علي بن غانية، قام بالأمر من بعده أخوه يحيى، وهو يضطرم بمثل مُثُله، ويرمي إلى تحقيق مثل غاياته، أعني قيادة الثورة ضد الموحدين، والقضاء على سلطانهم في إفريقية، معتمداً في ذلك، مثل أخيه على محالفة سائر العناصر الخصيمة من العرب والغز وغيرهم. ومن ثم فإنه جدد التحالف الذي كان بين أخيه وبين قراقوش أو قراقش زعيم الغز. ولكن هذا التحالف لم يطل أمده. ذلك أن قراقش ما لبث أن جنح إلى طاعة الموحدين، فسار إلى تونس واجتمع بواليها السيد أبي زيد، فتلقاه بمنتهى الترحاب والتكريم، وأقام بها وقتاً في كنفه وتحت رعايته، وكان ذلك في سنة ٥٨٦ هـ (٤). وهنا يحق لنا أن نتساءل هل كانت ثمة علاقة بين تصرف قراقوش وبين سفارة ابن منقذ التي أوفدها صلاح الدين في نفس هذا العام إلى الخليفة الموحدي؟ لقد كان قراقوش مملوكاً للملك المظفر تقي الدين بن شاهنشاه بن أيوب بن شادي، ابن أخي السلطان
стр. 1918
صلاح الدين، ومن الممكن أن يكون تصرف قراقوش قد وقع بإيحاء السلطان، حتى لا تعتور الصعاب مهمة سفيره لدى البلاط الموحدي. بيد أننا لا نميل إلى الأخذ بهذا الرأي، لأن قراقوش لم يكن إلا مغامراً لا ذمام له، ولا يدين في الظروف التي كان يجوزها بدين الولاء لأحد. وقد أقدم قراقوش من قبل على مثل هذه الخطوة حينما كتب إلى المنصور عقب موقعة الحمّة بعرض التوبة والطاعة. ومن ثم فإنا نراه بعد فترة يسيرة من التظاهر بطاعة الموحدين، يفر من تونس ليستأنف مغامراته، وذلك قبل أن ينتهي ابن منقذ من تأدية سفارته. ولما وصل قراقوش إلى قابس، استطاع أن يدخلها مخادعة، وقتل جماعة من أهلها، وأعلن خروجه على الموحدين مرة أخرى، واستدعى أشياخ العرب من ذباب وسليم، فقتل سبعين منهم، ومن بينهم محمود بن طوق بن بقية زعيم المحاميد، وحميد بن جارية، وذلك داخل قصر العروسين بقابس (١). ثم سار إلى طرابلس فاستولى عليها من يد حاكمها الموحدي، وسار بعد ذلك إلى بلاد الجريد فاستولى على معظم أنحائها. وكانت بلاد الجريد مقر حليفه يحيى بن غانية. وعندئذ وقع الخلاف بينهما، وسار يحيى لقتال حليفه السابق، فالتقيا بموضع يعرف " بمحسن من أعمال طرابلس، فهزم قراقوش هزيمة شنيعة، وفر إلى الجبال، وأتبع يحيى نصره بانتزاع طرابلس من يد ياقوت نائب قراقوش، وذلك بعد حصارها من البحر بمركبين بعث بهما إليه أخوه عبد الله والي ميورقة، وقبض على ياقوت وأرسله مصفداً إلى ميورقة، فلبث سجيناً بها، حتى استولى الموحدون على ميورقة سنة ٥٩٩ هـ، وعندئذ أفرج عنه، وقصد إلى مراكش. وعين يحيى ابن عمه تاشفين بن غازي نائباً عنه بطرابلس، وغادرها ليتابع مغامراته. فلم يمض سوى قليل حتى ثار أهل طرابلس بنائب الميورقي وأخرجوه منها، وأعلنوا طاعتهم للموحدين مرة أخرى (٢).
ونحن نقف في حوادث إفريقية عند هذا الحد، لنعود إلى تتبع حركات يحيى بن غانية، الذي قدر له أن يمضي في قيادة المعركة ضد الموحدين زهاء خمسين عاماً، وهو ينزل بقواتهم الضربة تلو الأخرى، وسلطان الدولة الموحدية بإفريقية يهتز ويتصدع تباعاً.
стр. 1919
الفصل الثالث موقعة الأرك
عزم المنصور على السير إلى إفريقية. مسيره إلى رباط الفتح. مقدم ولاة الأندلس وإبلاغهم بانقضاء الهدنة مع النصارى. غارات النصارى وعيثهم في أراضي الأندلس. تعديل المنصور لخطته وعزمه على العبور إلى الأندلس. رواية أخرى عن بواعث هذا التحول. إتمام الأهبة ومقدم سائر الحشود. مسير المنصور من مراكش إلى قصر المجاز. جواز الجيوش الموحدية ثم الخليفة إلى شبه الجزيرة.
مسيره إلى إشبيلية. إجراء التمييز واستكمال الأهبة. مسير الخليفة إلى قرطبة ثم خروجه إلى قشتالة. أهبة ألفونسو الثامن. مسيره نحو قلعة رباح. نزوله بقواته في ربوة الأرك. مسير الخليفة إلى لقائه ونزوله قرب الأرك. اشتباك الطلائع. رأى ابن صناديد في خطة القتال. تقسيم الجيش الموحدي وقواده. زحف الموحدين صوب الأرك. استعدادهم لخوض المعركة. ترتيب الجيوش الموحدية. تبادل الغفران والحث على الجهاد. وصف عيان لميدان معركة الأرك. بدء المعركة في ضحى التاسع من شعبان. نزول القشتاليين واندفاعهم نحو المعسكر الموحدي. هجوم القشتاليين على القلب. عنف القتال وروعته. مقتل القائد العام أبي يحيى. اندفاع جيوش الأندلس والمغرب والأغزاز نحو النصارى. اضطرار النصارى إلى الارتداد والفرار إلى الربوة. حملة العرب والمطوعة والأغزاز عليهم وحصدهم. زحف الخليفة في سائر قواته نحو النصارى. ارتياع النصارى وفرارهم. اقتحام الموحدين لحصن الأرك. وصف الرواية النصرانية لأدوار المعركة. ارتداد ملك قشتالة في فله نحو طليطلة. الاتفاق بين الفريقين على تسليم حصن الأرك. استنقاذ الأسرى المسلمين وتسريح حامية الحصن. نتائج المعركة. عدد الجيش القشتالي وخسائره. خسائر المسلمين. الغنائم والأسلاب. المقارنة بين موقعة الزلاقة وموقعة الأرك. عنصر الأسطورة في المعركتين. الخلاف بين الموقعتين من حيث الظروف والنتائج. أسباب نصر الموحدين. زحف الموحدين على قلعة رباح واقتحامها. وصف عيان لأطلال هذه القلعة. تقسيم المنصور للغنائم. عوده إلى إشبيلية. توجيه كتب الفتح. تهاني الشعراء. عناية المنصور بإصلاح الجامع وإتمام صومعته. قضاؤه الشتاء في إشبيلية. التمييز والاستعداد لاستئناف الغزو. مسير المنصور من إشبيلية إلى منطقة استرمادورة. افتتاح الموحدين لحصن منتانجش. استيلاؤهم على مدينة ترجالة، وسانتا كروث. اقتحامهم لمدينة بلاسنثيا وأسر حاميتها. مسيرهم إلى طلبيرة وتخريبهم لأحوازها. احتجاب القشتاليين وإحجامهم عن لقاء الغزاة. اقتراب الموحدين من طليطلة وتخريبهم لبسائطها. رواية عن غزوهم لطليطلة. استنصار ملك ليون بالمنصور. إمداده بقوة من الموحدين. غزو الموحدين والليونيين لقشتالة وتخريبهم لأراضيها. عود المنصور إلى قرطبة ثم إلى إشبيلية. نتائج هذه الغزوة السلبية. عناية المنصور بأمر العمال والنظار. قيامه بتعيين بعض الولاة. استعداده للغزوة التالية. مسيره إلى قرطبة ونزوله بها.
стр. 1920
لما تواترت على المنصور خلال سنة ٥٩٠ هـ (١١٩٤ م) تلك الأنباء المقلقة عن حوادث إفريقية، وتوالت عليه كتب واليها الشيخ أبي سعيد بن أبي حفص عن استفحال أمر بني غانية، وتفاقم غارات العرب واشتداد عيثهم، اعتزم أن يسير إلى إفريقية لمعالجة الأمور بنفسه، فغادر مراكش إلى رباط الفتح، ليقوم هنالك بإعداد الحملة المرغوبة، وبعث بكتبه إلى ولاة الأندلس بالحضور لتلقي تعليماته فلما وفدوا عليه بالرباط قرروا أن الهدنة التي عقدت مع ملك قشتالة في سنة ٥٨٦ هـ (١١٩٠ م) عقب جوازه السابق إلى الأندلس، قد انتهى أجلها، وأنه أي ملك قشتالة قد بعث إلى جميع الثغور الإسلامية الواقعة على حدودها ينذرها بذلك، وأنه اعتماداً على انشغال الخليفة بحوادث إفريقية، وباستعداده للحركة إليها، قد بعث أقماطه وقادته إلى مختلف أنحاء الأندلس يغيرون عليها، ويثخنون فيها، حتى بلغت غاراتهم أحواز إشبيلية (١). فصرف المنصور ولاة الأندلس، وغادر رباط الفتح إلى مكناسة، وهو على عزمه أن يسير إلى إفريقية. ولكن توالت عليه عندئذ كتب أهل الأندلس، وقادة الثغور فيها، باشتداد وطأة العدو، وتفاقم غاراته. وكان ألفونسو الثامن ملك قشتالة، قد بعث مطران طليطلة مارتن لوبث في حملة تخريبية محضة إلى أراضي الأندلس، عاثت فيها أشد عيث، واستولت على كثير من الغنائم والماشية. فرفعت هذه المخاطبات والأنباء كلها إلى المنصور، وهو في مكناسة يستعد للسير إلى إفريقية فأقلقته وأهمته، ورأى عندئذ أن يُعدل خطة سيره، فأمر بأن تُبعث الأمداد إلى ولاة إفريقية، وأن تعد العدة للسير إلى الأندلس، فاشتدت الحركة عندئذ، وأقبلت الحشود من كل صوب، وكانت رغبة المجاهدين في العبور إلى الأندلس أشد لقربها، وتيسير المؤن والأقوات بها (٢).
تلك هي البواعث والظروف التي أملت على المنصور عزمه على العبور إلى الأندلس للمرة الثانية. ولكن توجد ثمة رواية أخرى خلاصتها أن ملك قشتالة،
стр. 1921
على أثر انقضاء الهدنة التي كانت معقودة بينه وبين الموحدين، غزا أراضي الأندلس، وتوغل في غاراته حتى الجزيرة الخضراء. وهناك وجه إلى الخليفة المنصور كتاباً من إنشاء وزيره اليهودى ابن الفخار، يتحداه فيه بأسلوب يفيض غروراً ووقاحة، أن يأتي لقتاله، فإن جبُن أو عجز، فليرسل إليه السفن ليجوز فيها إليه، ويقاتله في أعز مكان لديه، وأن المنصور غضب لذلك، واستنفر الناس للجهاد، وكانت حركته الثانية إلى الأندلس (١). على أنه يبدو من نص هذا الخطاب، ومن تحدثه عن " تواكل رؤساء الأندلس، وإخلادهم إلى الراحة " أنه يمكن بطريقة أرجح نسبته إلى ألفونسو السادس ملك قشتالة، وأنه كان موجهاً إلى يوسف بن تاشفين، وليس إلى الخليفة الموحدي.
وفي أوائل سنة ٥٩١ هـ (١١٩٤ م) كانت أهبات الحملة الموحدية، قد تقدمت تقدماً كبيراً، واجتمعت الحشود من سائر بلاد المغرب والقبلة. وفي يوم الخميس الثامن عشر من جمادى الأولى من السنة المذكورة، خرج الخليفة يعقوب المنصور من حضرة مراكش، والجيوش تتلاحق في أثره من سائر النواحي، وسار تواً إلى قصر المجاز (القصر الصغير)، وهنالك عنى بتنظيم تموين الجيوش، ثم بدأ الجواز، فكان أول من جاز البحر قبائل العرب ثم قبائل زناتة، ثم المصامدة، فغمارة، فالجيوش المطوعة، ثم الموحدون، فالعبيد، ولما تم جواز الجيوش على هذا النحو واستقرت بأراضي الجزيرة الخضراء، عبر الخليفة المنصور البحر في جمع كبير من أشياخ الموحدين والزعماء والفقهاء، والعلماء، وكان عبوره إلى طريف (٢) في يوم الخميس عشرين من جمادى الآخرة سنة ٥٩١ هـ (أول يونيه سنة ١١٩٥ م).
وأقام المنصور بطريف يوماً واحداً، ثم استأنف سيره إلى إشبيلية، ولقيه في الطريق والي إشبيلية السيد يعقوب بن أبي حفص وجماعة من أعيانها، ثم تقدمه ليعد له أسباب النزول في الحضرة الأندلسية، ونزل الخليفة بقصر البحيرة خارج باب جَهور، وهرع أهل الحاضرة للسلام عليه، وعهد الخليفة إلى أبي بكر
стр. 1922
ابن زُهر وزملائه أشياخ المدينة، بإنزال الأشياخ والأكابر في الدور المعدة لنزولهم، وبعد الظهر أذن بدخول السادات للسلام عليه، وكان ذلك يوم الخميس السابع والعشرين من جمادى الثانية. وفي الغد ركب الخليفة إلى حصن الفرج الذي كان قد أمر بإنشائه خارج إشبيلية، وأعجب بمنعته وحسن روائه. ثم عاد فزار المسجد الجامع. وفي يوم السبت أمر بإجراء التمييز، فانتظم سائر الجند بالزي الفاخر، والعدد الكاملة، وركب الخليفة ومعه من حضر من الأبناء، والقرابة والوزراء، واستعرض الجند صفاً صفاً، وقبيلا قبيلا، ثم أخرجت الرواتب والبركات، ووزعت على سائر الحشود (١).
وأنفق المنصور في إشبيلية أسبوعين وهو يستكمل أهباته، ويضع خططه في أناة وروية، وفي صبيحة يوم الخميس الحادي عشر من رجب (٢٢ يونيه) غادر إشبيلية قاصداً إلى قرطبة، مخترقاً طريق نهر الوادي الكبير فوصل إليها يوم الجمعة التاسع عشر منه، واستراح بها ثلاثة أيام. ثم خرج منها من باب مورادال في يوم الثلاثاء الثالث والعشرين منه، وسار في قواته شمالا ميمماً صوب سهول شلبطَرَّة وقلعة رباح.
- ١ -
وكانت أنباء عبور الخليفة الموحدي وجيوشه الزاخرة، قد ترامت أثناء ذلك إلى ملك قشتالة ألفونسو الثامن، فجمع " الكورتيس " في مدينة كريون على عجل وأخذ يتأهب للحرب بكل ما وسع، واستدعى سائر أتباعه من الأمراء والأشراف في قواتهم، وحشد كل ما استطاع من الجند، وبعث إلى زميليه ملكي ليون ونافارا في طلب العون، فوعداه بذلك، وانتظر أياماً بطليطلة حتى وفد أتباعه في حشودهم، ثم غادرها مسرعاً إلى الجنوب، واخترق نهر وادي يانه متجهاً نحو أراضي قلعة رباح، ولم ينتظر مقدم زميله وحليفه ملك ليون، وكان قد وصل في قواته إلى طلبيرة، ولم ينتظر كذلك مقدم قريبه ملك نافارا (نبرّة)، إذ كان واثقاً من رجحان كفة قواته وأهباته، واثقاً من النصر على أعدائه، مهما بلغت قواتهم.
وكان ملك قشتالة قد بدأ قبل ذلك بقليل بإنشاء حصن جديد في المحلة المسماة
стр. 1923
" بالأرك ". وهي محلة صغيرة من أعمال قلعة رباح، تقع على مسافة أحد عشر كيلومتراً في غربي مدينة " ثيوداد ريال " الحديثة (١)، وتقوم فوق ربوة عالية، تمتد سفوحها حتى نهر وادي يانه، وكانت عندئذ هي نقطة الحدود بين قشتالة وأراضي المسلمين، فإلى هذه المحلة اتجه ملك قشتالة بقواته، وعسكر بها معتزماً أن يلقى الموحدين وألا يسمح لهم بعبور الحدود إلى داخل أراضيه.
وأما الخليفة المنصور فاستمر في سيره مخترقاً قلعة رباح حتى وصل إلى مقربة من محلة الجيش القشتالي المعسكر في الأرك. ويقول لنا صاحب روض القرطاس إن الخليفة استمر في سيره حتى بقى بينه وبين الأرك مرحلتان قريبتان، وإنه نزل هنالك، وذلك في يوم الخميس الثالث من شعبان سنة ٥٩١ هـ (١٣ يوليه سنة ١١٩٤ م)، وما كاد الجيش الموحدي يستقر في محلته حتى ظهرت سرية من خيل القشتاليين خرجت لتستطلع أخبار المسلمين، فظفرت بها طائفة من الجند الموحدين وأبادتها قتلا. ومضت بضعة أيام أخرى قبل أن يقع الاشتباك بين الجيشين، ولم تكن ثمة سوى الطلائع من الجانبين، وكانت الخسارة تقع في معظم الأحيان على القشتاليين. وفي خلال ذلك كان الخليفة المنصور، يعقد المؤتمرات الحربية، ويجري مشاوراته مع أشياخ مختلف القبائل، ويروي لنا صاحب روض القرطاس أنه لما استشار قواد الأندلس أحالوه على كبيرهم أبي عبد الله ابن صناديد، وأن ابن صناديد أبدى رأيه للخليفة، بأنه يجب أن تبدأ المعركة باشتباك سائر حشود الأندلس وقبائل العرب، وسائر قبائل المغرب من زناتة والمصامدة وغيرهم وجند المتطوعة، وأن ينتظر الخليفة في المؤخرة ومعه جيوش الموحدين والعبيد والحشم في موضع مستور، فإن أسفرت المعركة عن انتصار المسلمين فبها، وإن أسفرت عن هزيمتهم، فعندئذ يبادر الخليفة في قواته إلى لقاء العدو، وليحمي ظهور المسلمين، ويكون العدو عندئذ قد خبت قواه، فيكون النصر للمسلمين، وأن الخليفة قد أعجب بهذا الرأي وقرر اتباعه (٢).
ويقدم إلينا صاحب روض القرطاس فوق ذلك تفاصيل هامة عن تقسيم الجيش
стр. 1924
خريطة: مواقع موقعة الأرك سنة ٥٩١ هـ - ١١٩٤ م.
стр. 1925
الموحدي وقواده في ذلك اللقاء الهام، فيقول لنا إن الخليفة جلس في يوم السبت الخامس من شعبان في قبته الحمراء واستدعى الشيخ أبا يحيى بن أبي محمد بن أبي حفص، وهو حفيد الزعيم عمر بن أبي حفص الهنتاني صاحب المهدي، وكان من أكبر وزرائه، فولاه قيادة الجيش العامة، وقدم ابن صناديد على عساكر الأندلس وحشودها، وجيرمور بن رياح على جميع قبائل العرب، ومنديل المغراوي على قبائل مغراوة، وعقد لمحيو بن أبي بكر بن حمامة على جميع قبائل بني مرين، ولجابر بن يوسف على قبائل عبد الواد، وعقد لعبد القوي التجيني على قبائل تجين، ولتجليدر على قبائل هسكورة وسائر المصامدة، ولمحمد بن منعفاد على قبائل غمارة. وعقد أخيراً للحاج أبي خزر يخلف الأورينى على سائر المتطوعة، وذلك على أن تكون هذه القيادات جميعها تحت القيادة العامة لأبي يحيى بن أبي حفص. واختص أمير المؤمنين من جانبه بكافة عسكر الموحدين والعبيد (١).
وكان الخليفة المنصور، قد قرر مع قادته أن تبدأ الجيوش الموحدية بالزحف على محلة النصارى. وتحركت الجيوش الموحدية بالفعل خلال السهل المنبسط أمام ربوة الأرك، حتى صارت على مقربة منها، ونزلت في السهل المنخفض الممتد أمامها، وهي تشرف عليه بمنعتها ووعورتها من عل، وكان ذلك في يوم الثلاثاء الثامن من شعبان (١٧ يوليه) فلما رأى النصارى اقتراب الموحدين خرجت جملة من قواتهم، وتقدمت قليلا من مراكز الجيش الموحدي، ولكن الموحدين لم يفعلوا شيئاً للاشتباك مع العدو. ذلك أن الخليفة المنصور لم يشأ أن يخوض الموحدون المعركة في ذلك اليوم، بل قرر خوضها في اليوم التالي. فلما رأى النصارى المتقدمون جمود الموحدين، عادوا إلى محلتهم فوق ربوة الأرك وقد أثقلتهم أسلحتهم (٢).
وفي اليوم التالي. وهو يوم الأربعاء التاسع من شعبان سنة ٥٩١ هـ (١٨ يوليه سنة ١١٩٥ م) كانت الجيوش الموحدية كلها على قدم الأهبة، وقد " عبئت تعبئة حرب "، وعقدت الرايات لسائر القبائل والطوائف، وجعل القائد العام أبو يحيى عسكر الأندلس في الميمنة، وزناتة وسائر القبائل المغربية والعرب في
стр. 1926
الميسرة، وجعل المتطوعة والرماة والأغزاز في المقدمة، واحتل هو القلب مع قومه من قبيلة هنتانة. وبقى المنصور في خاصته، وفي جند الموحدين والعبيد في المؤخرة، على أهبة للتدخل في اللحظة الحاسمة (١).
ووقعت قبيل المعركة بقليل في المعسكر الموحدي، مناظر مؤثرة، حيث قام القائد العام الوزير أبو يحيى وصاح بصوت جهوري يقول للناس: إن أمير المؤمنين يطلب إليهم أن يغفروا له، فإن هذا موضع غفران، وأن يتغافروا فيما بينهم، وأن يطيبوا نفوسهم، وأن يخلصوا نياتهم لله، فبكى الناس، وصاحوا من جانبهم بطلب الغفران من الخليفة، وأنهم بيمن نيته وصدق طويته، يرجون الخير من الرحمن. ثم قام القاضي أبو علي بن حجاج، وألقى خطبة بليغة تفيض حماسة وبياناً، في الحث على الجهاد وفضله ومكانته وقدره عند الله، وكان لهذه الحركة آثارها في إنعاش النفوس وتنبيه الضمائر، وتنقية السرائر، وإذكاء العزائم (٢).
ويجدر بنا قبل أن نصف أدوار المعركة، أن نصف البقعة التاريخية، التي وقعت فيها، وقد أتيح لنا زيارتها ودراستها (٣).
إن ميدان معركة الأرك Alarcos، ما زال معروفاً بمواقعه وحدوده، تعينه وتحدده، لا الرواية المتواترة فقط، ولكل تحدده كذلك آثار حصن الأرك الشهير، الذي عرفت باسمه المعركة، والذى تقوم اليوم مكانه، فوق نفس الربوة التي كان يحتلها، كنيسة، أو معبد يسمى " كنيسة القديسة مريم صاحبة الأرك " Sta Maria de Alarcos.
ويقع هذا المكان على قيد نحو ستة كيلومترات من غربي مدينة " ثيوداد ريال " الحديثة، وشمال غربي بلدة " بوبليتي " الصغيرة، وتفضي إليه طريق جبلية معبدة، تخترق في البداية بسيطاً أخضر من الأرض، يفضي غير بعيد إلى مجموعة من الهضاب الصغيرة. وعلى نحو أربعة كيلومترات من هذه الهضاب، تقع ربوة الأرك Alarcos التي تقوم عليها اليوم، فوق أنقاض الحصن القديم كنيسة القديسة مريم، أو سيدة الأرك، وهذه الكنيسة أو المعبد، حسبما يسمى في تلك الناحية Ermita
стр. 1927
عبارة عن بناء قديم، يقوم وسط فناء شاسع، تحيط به أسوار قديمة. وتوجد بداخله كنيسة بها صفان من العقود الكبيرة، يحتوى كل منهما على أربعة عقود، وهي بسيطة جداً، وليست بها أية مظاهر فخمة.
وأما آثار حصن الأرك القديم، فتبدو أولاً في مصطبة صخرية كبيرة تمتد خارج سور المعبد على حافة الربوة، وتدور حولها، وهو ما يدل على أن المعبد قد بني فوق موقع الحصن القديم، وتبدو ثانياً في وجود عدة بقايا صغيرة من أسوار الحصن تقع في غربيه، وظاهر من وجود الأحجار والأنقاض المتماثلة، وامتدادها غرباً حتى قرب النهر أن بناء الحصن، كان يمتد نحو ثلاثمائة متر، كما أنه يوجد في الناحية الخلفية، من الربوة، وهي تطل أيضاً على نهر وادي يانه، آثار عقدين قديمين.
ويوجد عند نهاية الأنقاض غرباً، كتلة كبيرة من الأحجار والصخور، وتحتها أثر سرب قديم، يقال إن الفرسان، كانت تقود منه خيلها إلى النهر لتشرب من مائه، وأنقاض مصطبة الحصن التي سبق ذكرها، تصل إلى هذه الكتلة من الأنقاض، مما يدل على أن الحصن كان يمتد حتى ذلك المكان. كما أنه يبدو خلال الأنقاض الممتدة كثير من أسس الجدران القديمة.
وتشرف الربوة في اتجاه الجنوب على واد عميق متدرج، يصطلح على أنه المكان الذي وقعت فيه الموقعة. ويجري نهر وادي يانه بحذاء هذا الوادي من شماله وغربه، ويدور في انحناءة كبيرة حول ربوة الأرك، ويطلق اليوم على هذا الوادي الذي تغمره الخضرة اسم محلة ديجو " Villa Diego .
ويبدو من أوصاف أدوار المعركة أن محلة الجيش القشتالي، كانت تحتل مكاناً يتصل بمشارف ربوة الأرك، على مقربة من الحصن، ويمتد في اتجاه قرية بوبليتي، ويستند إلى الحصن، وإلى نهر وادي يانه، وأن المسلمين كانوا يحتلون البسيط الواقع قبالتهم في أسفل الوادي، وتستند محلتهم غرباً إلى يسار النهر.
وفي ضحى هذا اليوم - التاسع من شعبان سنة ٥٩١ هـ (١٨ يوليه سنة ١١٩٤ م) - نشبت المعركة المرتقبة. وكان القشتاليون حينما رأوا جيوش الموحدين تزحف نحو محلتهم ببطىء، وقد عبئت للهجوم أكمل تعبئة، قد نزلوا من محلتهم في صفوف كثيفة قاتمة، أو حسبما تصفهم الرواية الإسلامية وهم " كالليل الدامس،
стр. 1928
رسم تخطيطى لميدان موقعة الأرك حسبما يبدو اليوم.
стр. 1929
والبحر الزاخر، أسراباً تتلو أسراباً وأمواجاً تعقب أمواجاً ". ويقدر صاحب روض القرطاس، من هبط في هذه الدفعة الأولى من القشتاليين بنحو سبعة آلاف أو ثمانية آلاف فارس " كلهم قد احتجب بالحديد والبيضات والزرد ". ثم يتتبع حركات هذه القوة النصرانية المهاجمة، فيقول إنها اندفعت حتى لطمت خيلها أطراف رماح المسلمين أو كادت، ثم تقهقرت قليلا، وعادت إلى الاقتراب من المسلمين، ثم ارتدت وتهيأت للهجوم الفعلي، وفي أثناء ذلك كان الشيخ أبو يحيى والقائد ابن صناديد، يحث كل منهما الجند على الثبات وإخلاص النيات والأعمال. وأخيراً تركز هجوم القشتاليين على قوات القلب التي يقودها القائد العام أبو يحيى، معتقدين أنه هو الجناح الذي يقوده الخليفة، وكان المنصور قد أمر بالفعل بأن ترفع الأعلام الخليفية على القلب، فقاتل أبو يحيى وجنوده أشد قتال، ولكن الصدمة كانت عنيفة، فقتل أبو يحيى، وقتل معه جماعة من من هنتانة، والمطوعة وغيرهم. وعندئذ تقدمت قبائل العرب والمطوعة والأغزاز والرماة، وأحاطوا بالنصارى من كل جانب، ودفع القائد ابن صناديد بجيوش الأندلس إلى المعركة وزحفت معه قبائل زناتة وسائر قبائل البربر، واندفعت الجيوش الموحدية بجملتها نحو محلة القشتاليين، واشتد القتال بين الفريقين، وسالت الدماء بغزارة، وكثر القتل في مقدمة القشتاليين، التي اضطلعت بالهجمة الأولى، واستمر القتال على هذا النحو بعنف وشدة، حتى اضطر القشتاليون إلى التقهقر والفرار نحو الربوة التي تحتلها محلتهم، وبدت بوادر الهزيمة على القشتاليين (١).
ولكن صاحب البيان المغرب، وهو فيما يرجح ينقل عن رواية ابن صاحب الصلاة وهي رواية معاصرة، يقدم إلينا عن المعركة صورة أخرى. فيقول لنا إن هجوم القشتاليين تركز أولاً على ميسرة الجيوش الموحدية، وأنه أسفر عن تقهقر جماعة من المطوعة وأخلاط السوقة، فلما رأى المنصور ذلك، نهض بنفسه، وترك ساقته على حالها، وتقدم منفرداً، وهو يحث الجند على الثبات والهجوم على العدو، فكان لحركته أعمق وقع في نفوس الجند، فاضطرمت هممهم وعزائمهم، واندفعت سائر الحشود والقبائل نحو القشتاليين بشدة، والتحم الجيشان، واشتد القتال، وكثر القتل في صفوف القشتاليين، واضطروا في النهاية إلى التقهقر والفرار.
ودامت المعركة من ضحى اليوم حتى غروب الشمس، وأسفرت عن قتل جموع
стр. 1930
صورة: كنيسة الأرك (سانتا ماريا دي ألاركوس) التي أقيمت على أنقاض حصن الأرك.
صورة: مجموعة أطلال قلعة رباح.