← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

الميسرة، وجعل المتطوعة والرماة والأغزاز في المقدمة، واحتل هو القلب مع قومه من قبيلة هنتانة. وبقى المنصور في خاصته، وفي جند الموحدين والعبيد في المؤخرة، على أهبة للتدخل في اللحظة الحاسمة (١). ووقعت قبيل المعركة بقليل في المعسكر الموحدي، مناظر مؤثرة، حيث قام القائد العام الوزير أبو يحيى وصاح بصوت جهوري يقول للناس: إن أمير المؤمنين يطلب إليهم أن يغفروا له، فإن هذا موضع غفران، وأن يتغافروا فيما بينهم، وأن يطيبوا نفوسهم، وأن يخلصوا نياتهم لله، فبكى الناس، وصاحوا من جانبهم بطلب الغفران من الخليفة، وأنهم بيمن نيته وصدق طويته، يرجون الخير من الرحمن. ثم قام القاضي أبو علي بن حجاج، وألقى خطبة بليغة تفيض حماسة وبياناً، في الحث على الجهاد وفضله ومكانته وقدره عند الله، وكان لهذه الحركة آثارها في إنعاش النفوس وتنبيه الضمائر، وتنقية السرائر، وإذكاء العزائم (٢). ويجدر بنا قبل أن نصف أدوار المعركة، أن نصف البقعة التاريخية، التي وقعت فيها، وقد أتيح لنا زيارتها ودراستها (٣). إن ميدان معركة الأرك Alarcos، ما زال معروفاً بمواقعه وحدوده، تعينه وتحدده، لا الرواية المتواترة فقط، ولكل تحدده كذلك آثار حصن الأرك الشهير، الذي عرفت باسمه المعركة، والذى تقوم اليوم مكانه، فوق نفس الربوة التي كان يحتلها، كنيسة، أو معبد يسمى " كنيسة القديسة مريم صاحبة الأرك " Sta Maria de Alarcos. ويقع هذا المكان على قيد نحو ستة كيلومترات من غربي مدينة " ثيوداد ريال " الحديثة، وشمال غربي بلدة " بوبليتي " الصغيرة، وتفضي إليه طريق جبلية معبدة، تخترق في البداية بسيطاً أخضر من الأرض، يفضي غير بعيد إلى مجموعة من الهضاب الصغيرة. وعلى نحو أربعة كيلومترات من هذه الهضاب، تقع ربوة الأرك Alarcos التي تقوم عليها اليوم، فوق أنقاض الحصن القديم كنيسة القديسة مريم، أو سيدة الأرك، وهذه الكنيسة أو المعبد، حسبما يسمى في تلك الناحية Ermita

стр. 1927

عبارة عن بناء قديم، يقوم وسط فناء شاسع، تحيط به أسوار قديمة. وتوجد بداخله كنيسة بها صفان من العقود الكبيرة، يحتوى كل منهما على أربعة عقود، وهي بسيطة جداً، وليست بها أية مظاهر فخمة. وأما آثار حصن الأرك القديم، فتبدو أولاً في مصطبة صخرية كبيرة تمتد خارج سور المعبد على حافة الربوة، وتدور حولها، وهو ما يدل على أن المعبد قد بني فوق موقع الحصن القديم، وتبدو ثانياً في وجود عدة بقايا صغيرة من أسوار الحصن تقع في غربيه، وظاهر من وجود الأحجار والأنقاض المتماثلة، وامتدادها غرباً حتى قرب النهر أن بناء الحصن، كان يمتد نحو ثلاثمائة متر، كما أنه يوجد في الناحية الخلفية، من الربوة، وهي تطل أيضاً على نهر وادي يانه، آثار عقدين قديمين. ويوجد عند نهاية الأنقاض غرباً، كتلة كبيرة من الأحجار والصخور، وتحتها أثر سرب قديم، يقال إن الفرسان، كانت تقود منه خيلها إلى النهر لتشرب من مائه، وأنقاض مصطبة الحصن التي سبق ذكرها، تصل إلى هذه الكتلة من الأنقاض، مما يدل على أن الحصن كان يمتد حتى ذلك المكان. كما أنه يبدو خلال الأنقاض الممتدة كثير من أسس الجدران القديمة. وتشرف الربوة في اتجاه الجنوب على واد عميق متدرج، يصطلح على أنه المكان الذي وقعت فيه الموقعة. ويجري نهر وادي يانه بحذاء هذا الوادي من شماله وغربه، ويدور في انحناءة كبيرة حول ربوة الأرك، ويطلق اليوم على هذا الوادي الذي تغمره الخضرة اسم محلة ديجو " Villa Diego . ويبدو من أوصاف أدوار المعركة أن محلة الجيش القشتالي، كانت تحتل مكاناً يتصل بمشارف ربوة الأرك، على مقربة من الحصن، ويمتد في اتجاه قرية بوبليتي، ويستند إلى الحصن، وإلى نهر وادي يانه، وأن المسلمين كانوا يحتلون البسيط الواقع قبالتهم في أسفل الوادي، وتستند محلتهم غرباً إلى يسار النهر. وفي ضحى هذا اليوم - التاسع من شعبان سنة ٥٩١ هـ (١٨ يوليه سنة ١١٩٤ م) - نشبت المعركة المرتقبة. وكان القشتاليون حينما رأوا جيوش الموحدين تزحف نحو محلتهم ببطىء، وقد عبئت للهجوم أكمل تعبئة، قد نزلوا من محلتهم في صفوف كثيفة قاتمة، أو حسبما تصفهم الرواية الإسلامية وهم " كالليل الدامس،

стр. 1928

رسم تخطيطى لميدان موقعة الأرك حسبما يبدو اليوم.

стр. 1929

والبحر الزاخر، أسراباً تتلو أسراباً وأمواجاً تعقب أمواجاً ". ويقدر صاحب روض القرطاس، من هبط في هذه الدفعة الأولى من القشتاليين بنحو سبعة آلاف أو ثمانية آلاف فارس " كلهم قد احتجب بالحديد والبيضات والزرد ". ثم يتتبع حركات هذه القوة النصرانية المهاجمة، فيقول إنها اندفعت حتى لطمت خيلها أطراف رماح المسلمين أو كادت، ثم تقهقرت قليلا، وعادت إلى الاقتراب من المسلمين، ثم ارتدت وتهيأت للهجوم الفعلي، وفي أثناء ذلك كان الشيخ أبو يحيى والقائد ابن صناديد، يحث كل منهما الجند على الثبات وإخلاص النيات والأعمال. وأخيراً تركز هجوم القشتاليين على قوات القلب التي يقودها القائد العام أبو يحيى، معتقدين أنه هو الجناح الذي يقوده الخليفة، وكان المنصور قد أمر بالفعل بأن ترفع الأعلام الخليفية على القلب، فقاتل أبو يحيى وجنوده أشد قتال، ولكن الصدمة كانت عنيفة، فقتل أبو يحيى، وقتل معه جماعة من من هنتانة، والمطوعة وغيرهم. وعندئذ تقدمت قبائل العرب والمطوعة والأغزاز والرماة، وأحاطوا بالنصارى من كل جانب، ودفع القائد ابن صناديد بجيوش الأندلس إلى المعركة وزحفت معه قبائل زناتة وسائر قبائل البربر، واندفعت الجيوش الموحدية بجملتها نحو محلة القشتاليين، واشتد القتال بين الفريقين، وسالت الدماء بغزارة، وكثر القتل في مقدمة القشتاليين، التي اضطلعت بالهجمة الأولى، واستمر القتال على هذا النحو بعنف وشدة، حتى اضطر القشتاليون إلى التقهقر والفرار نحو الربوة التي تحتلها محلتهم، وبدت بوادر الهزيمة على القشتاليين (١). ولكن صاحب البيان المغرب، وهو فيما يرجح ينقل عن رواية ابن صاحب الصلاة وهي رواية معاصرة، يقدم إلينا عن المعركة صورة أخرى. فيقول لنا إن هجوم القشتاليين تركز أولاً على ميسرة الجيوش الموحدية، وأنه أسفر عن تقهقر جماعة من المطوعة وأخلاط السوقة، فلما رأى المنصور ذلك، نهض بنفسه، وترك ساقته على حالها، وتقدم منفرداً، وهو يحث الجند على الثبات والهجوم على العدو، فكان لحركته أعمق وقع في نفوس الجند، فاضطرمت هممهم وعزائمهم، واندفعت سائر الحشود والقبائل نحو القشتاليين بشدة، والتحم الجيشان، واشتد القتال، وكثر القتل في صفوف القشتاليين، واضطروا في النهاية إلى التقهقر والفرار. ودامت المعركة من ضحى اليوم حتى غروب الشمس، وأسفرت عن قتل جموع

стр. 1930

صورة: كنيسة الأرك (سانتا ماريا دي ألاركوس) التي أقيمت على أنقاض حصن الأرك. صورة: مجموعة أطلال قلعة رباح.

стр. 1931

عظيمة من النصارى، واستطاع ملك قشتالة أن يفر في نحو عشرين فارساً من أصحابه، فسار تحت جنح الليل صوب طليطلة لا يلوي على شىء، واعتصمت معظم فلول النصارى بحصن الأرك (١). وتفصل لنا الرواية الإسلامية ما حدث بعد هزيمة القشتاليين في الجولة الأولى. ويبدو من أقوال صاحب روض القرطاس، أن ألفونسو الثامن ملك قشتالة، كان عندئذ معتصماً مع باقي قواته بربوة الأرك، فلما ارتد القشتاليون، وفروا نحو الربوة يحاولون الاعتصام بها، حالت بينهم القوات الموحدية، فارتدوا ثانية نحو السهل، فحملت عليهم العرب والمطوعة وهنتانة والأغزاز والرماة، وحصدوهم حصداً، وأفنوهم حسبما تقول الرواية عن آخرهم. ولما علم أمير المؤمنين بما حدث، ضربت الطبول ونشرت الرايات، وفي مقدمتها اللواء الخليفي الأبيض، وزحف المنصور في القوات الموحدية نحو القشتاليين، تؤيده سائر الحشود والقبائل. وكان ملك قشتالة حينما رأى ما حل بقواته، وضرب الطبول، وعجيج الأبواق، قد اعتزم أن يلقى ضد الموحدين بما تبقى من قواته، ولكن القشتاليين حينما رأوا كثافة الجيوش الموحدية، وروعة هجومها واضطرامها عولوا على الفرار، فتلاحقت بهم فرسان الموحدين، تحصدهم قتلا وأسراً، وأحاط المسلمون بحصن الأرك، يظنون أن ألفونسو الثامن قد اعتصم به، ولكن تبين أنه قد لاذ بالفرار من أحد أبوابه الخلفية، فدخل المسلمون الحصن عنوة، وأضرموا النار في أبوابه، واحتووا على جميع ما فيه، وما في محلة النصارى، من الذخائر والأسلاب والسلاح والمتاع والدواب والنساء (٢). وعلى أي حال، فإنه يبدو من أقوال الرواية الإسلامية، أن القشتاليين هم الذين بدأوا بالهجوم على الموحدين، وتؤيدها في ذلك الرواية النصرانية. وتقدم إلينا الرواية النصرانية عن المعركة، وصفاً موجزاً يختلف قليلا عما تقوله الرواية الإسلامية، وهو أنه لما رأى القشتاليون الموحدين، يتقدمون من محلتهم في الصباح الباكر من ذلك اليوم، حدثت ضجة في معسكر النصارى، وخرج القشتاليون في قليل من النظام وتقدموا، ثم اشتبكوا مع المسلمين، وفي الصدمة الأولى سقط عدة من أكابر النصارى، واشتد القتال بين الفريقين، وسالت الدماء بغزارة.

стр. 1932

ولما رأى ملك قشتالة رجاله يسقطون في المعركة على هذا النحو تقدم بنفسه إلى الأمام، وأخذ يثخن مع طائفة من رجاله في المسلمين يميناً وشمالا. ولكن رجاله رأوا أنه يستحيل عليهم أن يقاوموا ضغط الحشود الموحدية، خصوصاً بعد أن سقط كثير من النصارى، وقد استطالت المعركة إلى منتصف النهار، فتضرعوا إليه أن يحتفظ بحياته، خصوصاً وأنه يبدو أن الله قد تخلى عن النصارى. ولكنه أبي أن يصغى إليهم، فجذبوه من المعركة رغم إرادته، وارتد نحو طليطلة في نفر من الفرسان وقلوبهم تنفطر لما حدث حزناً وأسى (١). وتتفق الروايتان الإسلامية والنصرانية على أنه عقب الهزيمة، لجأت فلول القشتاليين إلى حصن الأرك بقيادة دون ديجو لوبث دي بسكاية. وتقدر الرواية الإسلامية هذه الفلول بخمسة آلاف، فطوق الموحدون الحصن، وكان الخليفة المنصور يعتقد أن ملك قشتالة قد لجأ إليه، ولكنه تأكد من أقوال حليفه وخديمه القشتالي دون بيدرو فرنانديث دي كاسترو الموجود بمحلته، أن الملك قد لاذ بالفرار إلى طليطلة، فعندئذ طالب المنصور بتسليم الحصن في الحال، وأن يُعطى اثنى عشر فارساً كرهينة، حتى يحضر دون ديجو إليه بمراكش ويسلم نفسه أسيراً، وإلا فإنه سوف يقتحم الحصن ويقتل كل من فيه. وتقول لنا الرواية الإسلامية من جهة أخرى، إن الاتفاق تم بواسطة دون بيدرو فرنانديث (وتسميه ببطره ابن فراندس) على أن يفرج عن خمسة آلاف من أسرى المسلمين مقابل إطلاق القشتاليين المحصورين بالحصن، وأن المنصور ارتضى هذا الاتفاق، حرصاً على استنقاذ أسرى المسلمين، وأخذت رهائن وُجهت إلى إشبيلية. وهكذا استطاع دون ديجو لويث أن يخرج من الحصن، وأن يلحق بمليكه في طليطلة (٢). ولكن صاحب روض القرطاس يقدم إلينا عن تسليم حصن الأرَك رواية يطبعها شىء من الخيال، وهو أن الموحدين أخذوا في حصن الأرك أربعة وعشرين ألف أسير من زعماء الروم، فرأى الخليفة المنصور أن يمن عليهم بالإفراج، فأطلق سراحهم وأقالهم من الأسر بعد أن مَلَكهم، وأن هذا التصرف من جانبه،

стр. 1933

قد عز على الموحدين وعلى كافة المسلمين، واعتبروه سقطة من سقطات الملوك (١). تلك هي تفاصيل موقعة الأرك العظيمة التي أحرز فيها الموحدون أعظم نصر، حققوه خلال حكمهم الطويل لشبه الجزيرة الأندلسية. على أن الرواية الإسلامية تقدم إلينا عن نتائج المعركة بعض الأقوال والأرقام المغرقة، وهي قبل ذلك تقدم إلينا عن عدد الجيش القشتالي أرقاماً لا يسيغها العقل لكي تتفق مع هذه النتائج. وهي لا تقدم إلينا شيئاً واضحاً عن عدد الجيش الموحدي، وتكتفي بأن تتحدث عن عظمة حشوده، وبأن تصفه بأنه جيش يضيق له الفضاء (٢)، ولكنها تقول لنا إن جيش القشتاليين يزيد على ثلاثمائة ألف ما بين فارس وراجل (٣). ويقول الضبي إنه كان ينيف على خمسة وعشرين ألف فارس ومائتي ألف راجل (٤). أما عن خسائر النصارى، فيقول لنا صاحب روض القرطاس، إنه قتل في المعركة من الكفرة ألوف لا تعد ولا تحصى. ويقول لنا ابن الأثير ويتابعه النويري، إن عدد القتلى من الفرنج بلغ مائة ألف وستة وأربعين ألفاً، وبلغ عدد الأسرى ثلاثة عشر ألفاً (٥). بيد أنه توجد عن خسائر النصارى رواية أخرى أكثر اعتدالا، هي رواية يوسف بن عمر، مؤرخ الموحدين، التي نقلها إلينا صاحب البيان المغرب، وهو أنه قتل في المعركة من النصارى زهاء ثلاثين ألفاً (٦). ويأخذ بهذه الرواية صاحب كتاب " الحجب المستورة " وهو يتابع في روايته رواية البيان المغرب مع تعديلات يسيرة (٧). وأما عن خسائر المسلمين فيقول لنا ابن الأثير، ويتابعه النويري، إنه قتل من المسلمين نحو العشرين ألفاً، وهي رواية تبدو معقولة وربما مبالغاً فيها بعض الشىء من حيث الكثرة (٨)، وتقول لنا بعض الروايات الأخرى إنه قتل من أعيان المسلمين نفر قلائل، وإن عدد القتلى من المسلمين يبلغ نحو الخمسمائة وهو عدد ضئيل بالنسبة لاشتداد القتال، وطول أمد المعركة.

стр. 1934

وعلى أي حال، فإنه لا يسعنا إلا أن نلاحظ أن الرواية الإسلامية هنا، وكعادتها في مثل هذه المواقع العظيمة الحاسمة، التي تضطرم بين الإسلام والنصرانية، تجنح إلى نوع من المبالغة والإغراق، يمكن فهمه وتعليله وإن لم تمكن استساغته. ومن المحقق أن خسائر النصارى كانت فادحة في مثل هذه المعركة التي بلغ فيها القتال أشده، والتي ثقلت فيها وطأة المطاردة على الجيش المنهزم، وأثخن الموحدون في فلوله قتلا وأسرا، ولكنها لا يمكن أن تعدو بضع عشرات من الألوف. ومن ثم كان الرقم الذي يقدمه إلينا المؤرخ الموحدي المعاصر وهو ثلاثون ألفاً، يطبعه التعقل والاعتدال. ثم إن الرواية الإسلامية تقدم إلينا بعد ذلك من الغنائم والأسلاب أرقاماً مدهشة. فيقول لنا ابن الاثير، ويتابعه النويري، إن المسلمين حازوا من الخيام مائة وخمسين ألفاً، ومن الخيل ستة وأربعين ألفاً، ومن البغال مائة ألف، ومن الحمير مائة ألف، هذا غير مقادير لا تحصى من الأموال والتحف. وقسم الخليفة الغنائم بعد استبعاد الأخماس، بين المسلمين وفقاً لأحكام الشريعة. وكان الخليفة فضلا عن ذلك، قد نادى في عسكره أن من ِغنم شيئاً فهو له سوى السلاح، فحُصر ما حمل إليه منه، فكان يزيد على سبعين ألف لباس (١). وثمة مسألة أخرى تميل الرواية الإسلامية إلى ذكرها بمناسبة وقيعة الأرَك، وهي المقارنة بين هذه الموقعة وبين موقعة الزلاّقة، وذلك من حيث ظروفها ونتائجها. فهى تذكر كيف أن جنود الأندلس كانوا أول من أصيب من عسكر المسلمين في الزلاقة، وكيف كثر القتل فيهم لولا أن تداركتهم في النهاية قوات ابن تاشفين المرابطية، وهذا بخلاف ما حدث يوم الأرك حيث لقيت الجيوش الموحدية النصارى، مجتمعة وفي جبهة واحدة، ومن ثم فقد كانت موقعة الزلاقة مقسومة الثقل، مكدرة الصفو، ولكن موقعة الأرك جاءت " هنيئة الموقع عامة المسرة ". ثم هي ترى بحق أن غزوة الأرك، كانت مثل الزلاقة من أيام الإسلام المشهورة، وبها اعتز الإسلام وعلت كلمته، بل ترى أنها كانت أعظم من موقعة الزلاقة، وأنها أنست كل فتح تقدمها بالأندلس (٢). على أن المقارنة

стр. 1935

لا تقف عند هذا الحد، فقد رأينا فيما تقدم من حديثنا عن موقعة الزلاقة (١)، كيف أن الرواية الإسلامية تحيطها بطائفة من الأساطير التي تسبغ عليها هالة من القدسية، وكذلك فإن حديثها عن موقعة الأرك لا تخلو من ذكر هذه الأساطير، وأسطع ما تقصه علينا في ذلك هو حديث الحلم الذي يقال إن الخليفة يعقوب المنصور رآه قبل الموقعة ببضعة أيام، في ليلة الجمعة الرابع من شعبان، واستبشر به ببلوغ النصر، وهو أنه لبث طوال الليل راكعاً ساجداً مبتهلا، وداعياً لتأييد المسلمين على أعدائهم، فبينما هو راكع في مصلاه إذ غلبه النوم، فرأى كأن باباً قد فتح في السماء، ونزل منه فارس أبيض حسن الوجه، وبيده راية خضراء منشورة، قد سدت الأفق من عظمها، فسلم عليه، فقال له من أنت يرحمك الله، فقال أنا ملك من السماء، جئت لأبشرك بفتح من رب العالمين، لك ولعصابتك المجاهدين الذين أتوا تحت رايتك. ثم أنشد هذا الفارس أبياتاً حفظها الخليفة وهي: بشائر نصر الله جاءتك سافرة ... لتعلم أن الله ينصر ناصره فأبشر بنصر الله والفتح إنه ... قريب وخيل الله لا شك ظافرة فتفنى جيوش الروم بالسيف والقنا ... وتخلى بلاداً لا ترى بعد عامرة وأن الخليفة نهض من نومه موقناً بالفتح والظفر (٢). فهذا الحلم الذي تقصه الرواية الإسلامية بمناسبة معركة الأرك، يذكرنا بالحلم الذي تذكره لمناسبة موقعة الزلاّقة وهو أن الفقيه الناسك أبا العباس بن رميلة القرطبي وكان بمحلة ابن عباد، نهض في جوف الليل، قبيل نشوب المعركة فرحاً مسروراً، وهو يقول إنه رأى النبي، وإن النبي بشره بالفتح والشهادة (٣). ثم تذكرنا كذلك بالحلم الذي تقول لنا إن ألفونسو السادس ملك قشتالة رآه قبيل معركة الزلاقة، وخلاصته أنه رأى أنه يركب فيلا، قد تدلى بجانبه طبل يحدث صوتاً مزعجاً كلما قرعه، وأن فقيهاً من أهل طليطلة، نبأه بأن هذا الحلم هو نذير هزيمته، مشبهاً ذلك بما حدث عام الفيل من سحق أبرهة، وقد كان يركب الفيل أيضاً. ثم يذكرنا كذلك، بما تزعمه الرواية النصرانية من آن لآخر، من أن الملوك النصارى، كانوا متى اشتد القتال بينهم وبين المسلمين، يرون ملاكاً يهبط من السماء وفي يده صليب أو نحو ذلك.

стр. 1936

والرواية سواء أكانت إسلامية أو نصرانية تجنح إلى مثل هذه الأساطير، بالأخص في المواقع العظيمة الحاسمة بين الإسلام والنصرانية، مثل الزلاقة، والأرك وغيرها، على أن موقعة الأرك تختلف عن موقعة الزلاقة من بعض الوجوه الهامة. فقد كان المسلمون من أندلسيين ومرابطين يواجهون في الزلاقة، قوي اسبانيا النصرانية كلها، ملتفة حول عميدها ألفونسو السادس. أما في يوم الأرك فقد كانت الجبهة النصرانية، مقتصرة على ملك قشتالة وقواته. وقد غادر ألفونسو الثامن طليطلة في قواته، حينما علم بزحف الموحدين نحو أراضي قشتالة، ولم يرد أن ينتظر حليفه ملك ليون، وكان قد وصل عندئذ بقواته إلى طلبيرة، ولكنه لم يقدم على معاونة زميله، لأنه أبي أن يعطيه بعض الحصون التي طلبها، ثم انقلب بعد ذلك إلى خصومته، ومحالفة الموحدين أعدائه. وكذلك لم ينتظر ألفونسو الثامن معاونة من ملك نافارا، أو من ملك أراجون وذلك لوثوقه من رجحان قواته، ويقينه ببلوغ النصر على أعدائه. وقد انتصر عليهم من قبل مراراً في معارك محلية. ومن الغريب المدهش ما تقصه علينا الرواية الإسلامية من دلائل يقين ملك قشتالة بإحراز النصر على أعدائه، وهو أنه كان يصطحب معه حين مسيره لقتال الموحدين جماعات من التجار اليهود، جاءوا لشراء أسرى المسلمين، وأسلابهم، وأعدوا لذلك الأموال اللازمة (١). وتختلف كذلك موقعة الأرك في نتائجها عن موقعة الزلاقة. ذلك أن موقعة الزلاقة بالرغم من كونها قد صدعت من قوي مملكة قشتالة، وقضت مؤقتاً على الخطر الذي كان يهدد دول الطوائف، فإنها اقتصرت على تحقيق النصر للمسلمين، ْولم يُتبع يوسف بن تاشفين نصره في الموقعة، بأية محاولة أخرى لاسترداد طليطلة أو غزو أراضي قشتالة. هذا في حين أن المنصور بث جيوشه عقب النصر مباشرة في أراضي قلعة رباح فاستولت على عدة حصون. ثم إنه لم تمض بضعة أشهر على معركة الأرك، حتى خرج المنصور في قواته ثانية لغزو أراضي قشتالة، واخترقها حتى شمالي طليطلة، واستولى على طائفة من المواقع والحصون حسبما نفصل بعد. ولقد كان انتصار الموحدين في معركة الأرك، يرجع فضلا عن تفوقهم العددي، إلى عدة أسباب، روعي تحقيقها لأول مرة في الغزوات الموحدية

стр. 1937

الكبرى، وأولها وأهمها العناية بالمحافظة على نظام الجيش، وتوفير تموينه ومؤنه بصورة مؤكدة، وتقسيم حشوده، وتنظيم قياداته، وتعيين قائد عام يشرف على هذه القيادات، واعتماد الخليفة على مشورة قواده، ثم مراعاة الحزم والسرعة في تحرك الجيش، وإعداده لضرب العدو على الفور. فهذه الميزات التي روعي تحقيقها في الجيش الموحدي، كانت كفيلة بأن تحقق له الظفر في معركة الأرك، وأن تجنبه تلك المفاجآت السيئة، التي أصيب بها في غزوة وبذة، ثم بعد ذلك في نكبة شنترين (١). - ٢ - ما كادت تنتهي معركة الأرك العظيمة، حتى بث المنصور سريات من جنده في أراضي قلعة رباح، فاستولت على عدة من حصون العدو في هذه المنطقة، ثم هاجم الموحدون قلعة رباح ذاتها، واقتحموها بعد قتال عنيف، وانتزعوها من أيدي فرسان جمعية قلعة رباح المتولين للدفاع عنها، وقتل أثناء المعركة أستاذ الجماعة نونيو دي فوينتس. وغادر الفرسان القلعة، ولجأوا إلى قلعة شلبطرّة القريبة منها. وهكذا استرد المسلمون هذه القلعة المنيعة، بعد أن لبثت في حوزة النصارى منذ سقوطها في أيديهم في سنة ١١٤٧ ذذ، زهاء نصف قرن. وأمر المنصور بتطهير جامعها الذي كان قد حول إلى كنيسة، وقدم على حاميتها يوسف بن قادس (٢). نقول، وقد أتيح لنا أن نزور أطلال قلعة رباح القديمة (٣) هذه، وأن نشهد بقايا هذه القلعة المنيعة، التي لبثت دهراً من حصون الأندلس الأمامية، والتي لعبت دوراً كبيراً في الصراع بين المسلمين والنصارى. وتقع هذه

стр. 1938

صورة: جانب من أطلال قلعة رباح. الأطلال على قيد خمسة عشر كيلومتراً من مدينة ثيوداد ريال، وعلى قيد نحو سبعة كيلومترات من ضاحيتها كريون، وهي عبارة عن مجموعة ضخمة من الأطلال الدارسة، تقع فوق ربوة قليلة الارتفاع، وسط بسيط كبير تظلله الجبال الشاهقة، ويستند من الشمال إلى نهر وادي يانه، وتنقسم هذه الأطلال إلى مجموعتين، في إحداهما وهي اليمنى، يوجد جدار برج عال، ومن تحته عضادة تظلل عقداً كبيراً كاملا، وفي الوسط يقوم جدار ضخم من عقد سابق. والمجموعة الأخرى، يفصلها عن المجموعة الأولى فراغ كبير تتخلله الأنقاض والخرائب، يبلغ طوله نحو ثمانين متراً، وهي عبارة عن كتلة كبيرة، يبدو أنها كانت قاعدة لعدة أبراج ضخمة. وتمتد الأطلال من الناحية الأخرى إلى مدى يبلغ نحو مائة وخمسين متراً، ويغمر هذه الأطلال الضخمة العالية، والمكان كله، جو من الوحشة والرهبة انقبضت له نفسي، وأنا أطوف حول المكان منفرداً، بين الأشواك والأدغال البرية، تحت أشعة الشمس الساطعة، وعواء الكلاب المتوحّشة، ونعيق الغربان والنسور الصغيرة، التي تعمر المكان، يزعجني، وينذرني بسرعة الرحيل. ويقول لنا صاحب روض القرطاس، إن المنصور لم يكتف بذلك، بل سار مخترقاً أراضي قشتالة يثخن فيها قتلا وأسراً وسبياً حتى وصل إلى جبل سليمان (١) على مقربة من قلعة هنارس شمالي طليطلة. بيد أنه لا يوجد ما يؤيد هذه

стр. 1939

الرواية. والظاهر أن صاحب روض القرطاس يشير بذلك إلى غزوة المنصور التالية لأراضي قشتالة بعد ذلك بعامين، وهي غزوة سوف نتحدث عنها فيما بعد (١). وبعد أن أخرج المنصور خمس الغنائم، وقسم ما فيها على المجاهدين، سار في جيوشه المظفرة ميمماً شطر إشبيلية، وقد محا بهذا النصر الباهر ما لحق [[هيبة]] الحراب الموحدية في شبه الجزيرة، عقب نكبة شنترين من الانتكاس والتصدع، فوصل إليها في يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شعبان سنة ٥٩١ هـ (٦ أغسطس سنة ١١٩٥ م)، وأقبلت إليه الوفود من كل فج تزجي إليه تهاني النصر. ثم أمر أن يكتب بالفتح إلى سائر جهات الأندلس والمغرب. وطلب إلى أبي الفضل بن طاهر ابن محشرة أن يتوخى في كتب الفتح غاية الإيجاز، وأن يكتبها على مثل كتب الصحابة في فتوحهم، فصدع أبو طاهر بالأمر. ورفع الشعراء قصائدهم إلى الخليفة كالعادة، ونظم أبو العباس الجراوي شاعر البلاط الموحدي، في الفتح قصيدة جاء فيها: هو الفتح أعيى وصفه النظم والنثرا ... وعمت جميع المسلمين به البشرى وأنجد في الدنيا وغار حديثه ... فراقت به حسناً وطابت به نشرا لقد أورد الأذفونش شيعته الردى ... وساقهم جهلا إلى البطشة الكبرى حكى فعل إبليس بأصحابه الألي ... تبرأ منهم حين أوردهم بدرا رأى الموت للأبطال حوليه ينتقى ... فطار إلى أقصى مصارعه ذعرا ألوف غدت مأهولة بهم الفلا ... وأمست خلاء منهم دورهم قفرا ودارت رحى الهيجا عليهم فأصبحوا ... هشيماً طحيناً في مهب الصبا يذرا وأنشد الشاعر الأندلسي المرسي، علي بن حزمون بين يدي الخليفة قصيدة، وقعت منه أجمل وقع، وهذا بعض ما جاء فيها: حيتك معطرة النفس ... نفحات الفتح بأندلس فذر الكفار ومأتمهم ... إن الإسلام لفي عرس أإمام الحق وناصره ... طهرت الأرض من الدنس وملأت قلوب الناس هدى ... فدنا التوفيق لملتمس ورفعت منار الدين على ... عُمد شُمٍّ وعلى أسس

стр. 1940

وصدعت رداء الكفر كما ... صدع الديجور سنا قبس لاقيت جموعهم فغدوا ... فرساً في قبضة مفترس جاءوك تضيق الأرض بهم ... عدداً لم يحص ولم يقس ومضيت لأمر الله على ... ثقة بالله ولم تخس فأناخ الموت كلاكله ... بظباك على بشر رجس وتساوى القاع بهامهم ... المرفض مع الحدب والضرس فأولئك حزب الكفر ألا ... إن الكفار لفى نكس (١). وأمر المنصور بتسريح الحشود والقبائل وسائر الجنود، على أن يكونوا على أهبة للاستعداد للجهاد في أية لحظة. وقضى فصل الشتاء بإشبيلية، وانتقل إلى حصن الفرج، الواقع جنوب غربي المدينة على الضفة الأخرى من النهر الأعظم (الوادي الكبير) وهو الحصن، الذي أمر بإنشائه قبل ذلك بقليل، وكان يحبه ويؤثر الإقامة فيه، وأمر باستكمال غروس بستانه، وإنشاء النواعير على شاطىء النهر تحت الحصن لريه، كما أمر بإصلاح المسجد الجامع، واستكمال بناء صومعته، وهو الجامع الذي كان قد أنشأه أبوه، وأمر بإنشاء صومعته قبيل وفاته بقليل. ولما انتهى الشتاء وأقبل الربيع، أمر المنصور باستئناف الحركة والاستعداد لمعاودة الجهاد، واستنفار مختلف الحشود من منازلها، فلما تم وصول مختلف الطوائف وحشدها، أمر الخليفة بتمييز الجيوش وتنظيمها، واستعدادها لاستئناف الغزو. على أن المنصور، قبل أن يبدأ الحركة، رأى أن يستشير الزعماء والقادة في أمر توجيه الغزو، واختيار المنطقة الملائمة في أراضي النصارى لإجرائه. وفي أثناء ذلك تردد رسل ملك قشتالة في طلب المهادنة وعقد السلم، فرفض المنصور (٢)، واستقر الرأي على أن توجه الغزوة إلى ما تسميه الرواية الإسلامية " ببلاد الجوف " أعني منطقة إسترمادورة، وذلك لاسترداد ما انتزعه النصارى من قواعد هذه المنطقة. وخرج المنصور من إشبيلية في قواته في منتصف جمادى الأولى سنة ٥٩٢ هـ (٣) (منتصف أبريل سنة ١١٩٦ ذذ)، واتجه شمالا إلى حصن منتانجش (٤).

стр. 1941

وقد كان حسبما أشرنا إليه من قبل من أمنع حصون منطقة بطليوس، فتقدمت لمهاجمته قوة من الأندلسيين، فلما رأت الحامية القشتالية مقدم الجيوش الموحدية الزاخرة، طالبت بالأمان والتسليم، فأجيبوا إلى ما طلبوا، وأمر قائد الجيوش الأندلسية أبو عبد الله بن صناديد، بتوصيلهم إلى المنطقة الآمنة، ولكن حدث حينما بدأوا السير أن هاجمتهم جماعة من " أوباش العرب " وسبت من كان معهم من النساء والأطفال، فغضب الخليفة لهذا الاجتراء والإخلال بالعهود المقطوعة، وأمر بسجن من عثر عليه من المعتدين، ورد النساء والأطفال إلى ذويهم، وأوصل الجند القشتاليين آمنين إلى أوائل بلادهم. وقصدت القوات الموحدية بعد ذلك إلى مدينة تَرجالُه " قاعدة الثغر الشمالي " الواقعة شمال شرقي منتانجش، وشرقي مدينة قاصرش، وكان سكانها النصارى قد أخذوا في إخلائها، حينما شعروا باقتراب الموحدين، فاستولى الموحدون على المدينة، وطاردوا سكانها وأفنوا الكثير منهم، وسبوا الكثيرين من نسائهم. واستولوا كذلك على بلدة سانتا كروث " (١) القريبة منها، وكانت حاميتها قد لاذت بالفرار. ثم عبر الموحدون نهر التاجُه، واتجهوا شمالا نحو مدينة " بلاسنثيا " وهي التي تسميها رسالة الفتح الموحدية (ابلتانسية) وكان ألفونسو الثامن ملك قشتالة، قد انفق بضع سنين في إنشائها وتحصينها، ونقل إليها كثيراً من أهل الشمال، وكان أهلها المدنيون قد غادروها، وبقيت حاميتها في قلعتها، فاستولى الموحدون على المدينة ودمروها، ثم هاجموا القلعة وضربوها بالنبال ضرباً شديداً، حتى اضطرت الحامية بعد ليلة واحدة فقط من الاعتصام إلى التسليم، واعتبر أفرادها أسرى بحكم مقاومتهم (٢). ويقول صاحب الروض المعطار، وهو يسمى (بلاسنثيا) بلنسية، إن الموحدين فتحوها عنوة، وقبضوا على قائدها، مع مائة وخمسين من أعيان النصارى، وجهوا إلى خدمة الجامع الكبير بسلا مع أسارى معركة الأرك (٣). وتقول الرواية النصرانية إن الموحدين بالعكس قتلوا الأسقف والرهبان وكثيراً من النصارى.

стр. 1942

واستمر الموحدون في زحفهم شرقاً صوب مدينة طلبيرة، وهي أكبر مدن ولاية طليطلة، وهم يثخنون في أراضي قشتالة، تخريباً، وأسراً وسبياً، فلما أشرفوا على طلبيرة انتسفوا زروعها، وحدائقها وأشجارها، ولكنهم لم يحاولوا اقتحام المدينة لمنعتها، ولعدم استعدادهم لضرب الحصار حولها، إذ كانت تنقصهم آلات الحصار، فقنعوا باجتياح كل ما حولها من مظاهر العمران، وصيروا أراضيها قاعاً صفصفاً. كل ذلك وملك قشتالة محتجب داخل مملكته، غير مجترىء على لقاء الغزاة في أية ساحة. ثم اتجه الموحدون شمالا إلى مكّادة (١)، وأنزلوا بأراضيها من التخريب ما أنزلوه بطلبيرة. وهبطوا أخيراً إلى طليطلة من ناحيتها الشمالية، وبرزت أمامها الحشود الموحدية فرساناً ومشاة في أكمل عددها وعدتها، وقد امتنع النصارى بداخلها مستعدين للكفاح والدفاع، ثم عبر الموحدون بعد ذلك نهر التاجُه، إلى ساحتها الجنوبية، وانتسفوا زروعها، وكرومها وحدائقها، ولاسيما منيتها الشهيرة، وهي التي كانت من قبل لبني ذي النون، وورثها النصارى، وامتدت أيامها حتى خربها الموحدون فيما خربوه من مرافقها وأراضيها، وقضى الموحدون حول طليطلة بضعة أيام، واقتصروا على تخريب ديارها، وإبراز مظاهر قوتهم، وروعة حشودهم الزاخرة (٢). ويقدم إلينا المقري عن غزوة طليطلة رواية خلاصتها أن المنصور لما حاصر طليطلة وضيق عليها، واشتد في ضربها بالمجانيق حتى أوشكت على السقوط، خرجت إليه والدة ألفونسو الثامن ملك قشتالة، وبناته ونساؤه، ومثلن بين يديه باكيات متضرعات إليه، أن يبقى البلد عليهن، فرق المنصور لضراعتهن، وكف عن ضرب المدينة، ووهب لهن قدراً من المال والجواهر الجليلة، وردهن مكرمات. وهذه رواية يصعب علينا تصديقها لمجانبتها للمنطق والمعقول (٣). وفي خلال الغزوة الموحدية لأراضي قشتالة، بعث ملك ليون، وهو ألفونسو التاسع إلى المنصور، يرجوه أن يعاونه ببعض قواته، على غزو قشتالة، فاستجاب المنصور لرغبته، لما كان من سالف موقفه قبيل معركة الأرك، وتنحيه عن معاونة ملك قشتالة ضد الموحدين، وجنوحه إلى مصادقتهم ومحالفتهم. وغزا ملك ليون، ومعه قوة من الموحدين أراضي قشتالة من ناحية تييرا دي كامبوس "،

стр. 1943

وتقول الرواية النصرانية إن الموحدين الذين كانوا يقاتلون معه، ضربوا الكنائس والأديار القشتالية بمنتهى القسوة، وقام الليونيون بانتساف وتخريب الضياع، ووصل ألفونسو التاسع في غزوته هذه حتى مدينة كريون. وفي نفس الوقت أغار سانشو ملك نافارا من جانبه على أراضي قشتالة المتاخمة له، واقتحم مدينة سُرية، وعاث في تلك المنطقة تخريباً ونهباً. ولما انتهى المنصور من غزاته، وأثخن ما شاء في أراضي عدوه، وأبرزت ْحشوده أمام أعين النصارى كل مظاهر قوتها وروعتها، قرر العود بسرعة، قبل أن يختل نظام التموين في الجيش، فارتد بقواته نحو الجنوب، واقتحم الموحدون في طريقهم بعض حصون منطقة طليطلة الجنوبية، فاخترق أراضي قلعة رباح، ثم اتجه نحو جيان ثم إلى قرطبة، وسار من قرطبة إلى إستجة فقرمونة، ووصل إلى إشبيلية في أوائل رمضان (٥٩٢ هـ) بعد أن قضى في غزوته نحو ثلاثة أشهر (١). وما نود أن نلاحظه هو أن هذه الغزوة الموحدية التي استطاع الموحدون أن يدفعوها إلى صميم أراضي قشتالة، وإلى تطويق العاصمة القشتالية ذاتها، أعني طليطلة، لم تسفر عن أية نتائج مستقرة، ولم يحز الموحدون خلالها أية أراضٍ أو مواقع ذات شأن. وإنه لمما يلفت النظر أن يكتفي الخليفة المنصور، وهو الذي حطم قوي قشتالة قبل ذلك بأقل من عام في موقعة الأرك بالعيث والتخريب، والسبي والنهب في أراضي العدو، دون أن يتحرى غاية عسكرية جليلة، في وقت كان فيه في أوج قوته وأهباته العسكرية، وفي وقت كان فيه عدوه الرئيسي ملك قشتالة في منتهى الضعف والاستسلام، حتى أنه لم يحرك ساكناً للقاء الغزاة في أية مرحلة من مراحل الغزو. وإنه يحق لنا أن نتساءل ألم يكن في وسع الخليفة الظافر، في مثل هذه الظروف المؤاتية، أن يركز جهوده على محاولة الاستيلاء على طليطلة حصن الإسلام القديم على نهر التاجُه، وفي اعتقادنا أنه لو فعل، لما كانت هنالك، ثمة عقبات خطيرة تحول دون بغيته، ولكن السياسة العسكرية الموحدية آثرت مع الأسف أن تقنع بالمظاهرات العسكرية الجوفاء، التي يستطيع العدو القديم الخالد دائماً أن يصبر عليها، وأن يهضمها بسرعة ليعود إلى عدوانه.

стр. 1944

وعنى المنصور خلال إقامته عندئذ بإشبيلية بأمرين، الأول النظر في أحوال الأعمال والنفقات ومحاسبة بعض العمال والنظار، الذين لحقت بهم ريب التقصير والاختلاس، والثاني الاستعداد للغزوة القادمة بعد أن ينال الجند قسطهم من الراحة والاستجمام والضيافة والإحسان. وقد أمر المنصور فيما يتعلق بالأموال بمحاسبة أبي سليمان داود بن أبي داود، وندب لمحاسبته لجنة من الكتاب، فحققت في سائر أعماله وتصرفاته مدى ستة أشهر، ثم انتهت بإدانته وإثبات ما في ذمته من أموال، بلغت في الأعمال نحو مائة وخمسين ألف، فاستصفيت أمواله، ولكنه لم ينكب ولم يعاقب حتى عُفي عنه. وأمر الخليفة في نفس الوقت بمحاسبة أبي على عمر بن أيوب، على ما كان تحت يده من أموال النفقات، فتبين أن في ذمته قدراً كبيراً من المال، فطولب به، ولما عجز عن الوفاء، اعتقل مع أبي سليمان حتى عفى عنه أمير المؤمنين. وفي هذا العام أيضاً قام الخليفة ببعض التعيينات الهامة، فقلد أبا زيد بن يوجان أشغال البرّين (المغرب والأندلس) من الأعمال العلية والشئون السلطانية والوزارة، وما يتعلق به من أشغال الموحدين وملازمة الخدمة، فأبدى في تأدية مهامه المختلفة كفاية ظاهرة، وقدم أبا القاسم بن نصير على الإشراف على عمل إشبيلية، وقدم الكاتب المؤرخ يوسف بن عمر، بعد أن ترك خدمة بني حفص ابن عبد المؤمن، على المستخلص بمنطقة الشَّرْف ومدينة لبلة. وكان المنصور يعني في نفس الوقت بالاستعداد لاستئناف الغزو في أراضي قشتالة. فلما انتهى فصل الشتاء أمر بالحركة وتعبئة الحشود، فاجتمعت مختلف الطوائف والقبائل حتى ضاقت إشبيلية بجموعهم، فلما استكمل الحشد والاستعداد، خرج الخليفة في قواته من إشبيلية في الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة ٥٩٣ (١٤ أبريل سنة ١١٩٦) وسار ميمماً شطر قرطبة، وكانت سنة خصب ورخاء، فسارت الجموع طول الطريق في دعة وعيش طيب. ولما وصل المنصور إلى قرطبة، دخلها ونزل بها وقسم جيوشه لانتجاع الخصب ووفرة الأقوات، حتى تحل الفترة التي تكثر فيها المؤن والأقوات بأراضي قشتالة (١).

стр. 1945

الفصل الرابع ما بعد الأرك حتى وفاة المنصور إقامة الخليفة المنصور بقرطبة. الفيلسوف ابن رشد ومؤلفاته ومكانته العلمية. اجتماع الأسباب لنكبته. سعي خصومه في الإيقاع به. تأويل آرائه ومسخها. إتهامه وبعض زملائه بالمروق. توجيه الاتهام إليه بالمسجد الجامع. إدانته ونفيه إلى بلدة اليسانة. مصادرة كتبه وإحراقها. كتاب المنصور في تبرير تصرفه وفي شرح تهم المارقين. أسباب أخرى لغضب المنصور على الفيلسوف. عفو المنصور عنه وعن زملائه. عودة ابن رشد إلى مراكش ثم وفاته. ما تكشف عنه نكبة الفيلسوف من مغزى. خروج المنصور إلى الغزو. مسيره إلى طلبيرة ثم إلى طليطلة. مسيره إلى مجريط وحصارها. تخريبه لمنطقة وادي الحجارة. توجيه كتاب الغزو. عود المنصور إلى قرطبة ثم إشبيلية. أمره بإتمام صومعة الجامع. أقوال ابن صاحب الصلاة في بناء الصومعة. تزويدها بالتفافيح الذهبية. وصف لهذه التفافيح وعملية رفعها. قيام هذه الصومعة حتى اليوم. انتقال المنصور إلى حصن الفرج. تعيينه للعمال. تحالف قشتالة وأراجون ضد الموحدين. غزو قوات قشتالة وأراجون لمملكة ليون. عقد السلم بين المنصور وملك قشتالة. رفض المنصور معاونة ملك ليون. عبور المنصور إلى المغرب. وعوده إلى مراكش. أخذ البيعة لولده الناصر. عطفه على اليتامى. أمره لإلزام اليهود بزي خاص. بواعث هذا القرار. مرض المنصور وشعوره بدنو أجله. استدعاؤه للشيوخ والقرابة. توصيته بولده وبمن يثق بهم من السادة. توصيته برعاية الأندلس والذود عنها. توصيته بالأغزاز والعرب والطلبة. ْتوصيته بقبائل الموحدين. ما ينسب إليه من آخر أقواله. وفاة المنصور. عظمته والإشادة بصفاته. عنايته بتنظيم الجيش وتقويته. شغفه بالجهاد. حزمه وعنايته بتوطيد العدل. ورعه وتقواه. عنايته بتطبيق أحكام الشرع وإقامة الصلاة والحدود. مطاردته لعلم الفروع والمذهب المالكي. اعتناقه للمذهب الظاهري. انتشار الظاهرية في عهده. إجلاله للعلامة ابن حزم. موقفه من إمامة المهدي وعصمته. ما ينسب إليه من نيته في افتتاح مصر. قول المراكشي في ذلك. أقوال الرحالة ابن جبير عن أحوال الشرق وضلال أهله. أقواله عن صدى الدعوة الموحدية بمصر. الفكرة الموحدية في غزو مصر. الفكرة لم تكن سوى أمنية. عظمة مصر وقوتها أيام المنصور. صفات المنصور العلمية. عطفه على العلماء وطلبة العلم. أدبه وفصاحته. اجتماع الشعراء حوله. أبو العباس الجراوي يؤلف له كتاب " صفوة الأدب ". مدائح ابن مجبر. مواهب المنصور الإدارية والإنشائية. عنايته بالشئون المالية. منشآته العمرانية. إنشاؤه لضاحية الصالحة. تجديده لرباط الفتح وإنشاء مسجدها العظيم. إنشاؤه البيمارستان بمراكش. منشآته بالأندلس. وزراؤه وكتابه. قضاته. أولاده. صفته.

стр. 1946

- ١ - في خلال إقامة المنصور بقرطبة، في تلك الفترة من شهور سنة ٥٩٣ هـ، وقع حادث مؤسف ذو مغزى عميق، هو نكبة القاضي الفيلسوف أبي الوليد بن رشد. وقد سبق أن أشرنا إلى صلة ابن رشد بالبلاط الموحدي، وإلى ما كان يتمتع به من عطف الخليفة أبي يعقوب يوسف، ولاسيما عن طريق أستاذه العلامة الفيلسوف الطبيب أبي بكر بن طفيل، صديق هذا الخليفة وأستاذه الأثير لديه. وكان ابن رشد في هذا الوقت يتولى قضاء إشبيلية، ويشغل في نفس الوقت منصب الطبيب الخاص للخليفة إلى جانب أستاذه ابن طفيل. ثم تقلب بعد ذلك في عدة من المناصب القضائية والإدارية العامة، أحياناً بقرطبة وأحياناً بإشبيلية، وكان يتنقل في معظم الأحيان مع بلاط الخليفة، سواء بالمغرب أو الأندلس. ولما توفي أستاذه ابن طفيل في سنة ٥٨١ هـ (١١٨٥ م) انفرد بمنصب الطبيب الخاص للخليفة، واستمر على حظوته ومكانته لدى الخليفة يعقوب المنصور، كما كان من قبل لدى والده الخليفة أبي يعقوب يوسف. وكان ابن رشد خلال ذلك قد ذاعت شهرته الطبية والفلسفية ذيوعاً عظيماً، وكتب كثيراً من كتبه الفلسفية، ومعظمها في تلخيص كتب أرسطو وشروحها، وكتب كذلك كثيراً من الكتب الطبية، ومعظمها تلخيص وشروح لكتب جالينوس. ومنها " شرح لأرجوزة " الشيخ الرئيس ابن سيناء في الطب، وكتب كذلك كتابه " الكليات "، ليتناول فيه أبواب الطب الكلية أو الرئيسية، مقابل التفاصيل الجزئية التي تناولها أستاذه العلامة الطبيب أبو مروان عبد الملك بن زهر في كتابه " التيسير ". وهذا كله عدا ما كتبه في الأصول والفقه وعلم الكلام والحكمة والمنطق. وقد بلغت تصانيف ابن رشد في مختلف العلوم أكثر من سبعين كتاباً ورسالة اشتهرت كلها في المشرق والمغرب، وترجم الكثير منها فيما بعد إلى اللاتينية، ولاسيما شروحه لفلسفة أرسطو، وهي التي جعلت لابن رشد أعظم مكانة في ميدان التفكير الأوربي. وكان الخليفة يعقوب المنصور، كأبيه عالماً متمكناً يجمع حوله صفوة العلماء والمفكرين، وكان يعشق الجدل والمناقشات الفلسفية ويعقد مجالس خاصة يستمع فيها إلى آراء ابن رشد وشروحه، ولاسيما في علاقة الفلسفة بالدين، وهو

стр. 1947

الموضوع الذي كتب فيه ابن رشد فيما بعد رسالة " فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ". وكان الفيلسوف يقضي معظم أوقاته عندئذ في البلاط الموحدي، حيثما كان الخليفة، وكان المنصور يعظم الفيلسوف ويقدره، إلى حد أنه كان يجلس إلى جانبه مباشرة، ويتعدى بموضعه مواضع أشياخ الموحدين الأكابر. ومن الغريب أن يقال لنا إن ابن رشد، بالرغم مما كان يحيط بمقامه العلمي من ضروب التوقير والتكريم، لم يكن يتمتع بالمظهر اللائق بمكانته من حيث الملبس والتجمل. وقد وصفه لنا القاضي أبو مروان الباجي في قوله " كان القاضي أبو الوليد ابن رشد حسن الرأي ذكياً، رث البزة، قوي النفس ". وقد شاء القدر أن يُنكب الفيلسوف، في تلك الفترة التي نزل فيها المنصور بقرطبة. وكان ابن رشد قد عاد إلى الأندلس في ركاب الخليفة، ونزل بدار أسرته في قرطبة. وكانت أسباب هذه النكبة في الواقع تتجمع منذ بعيد. وكانت قد نشأت من قديم بين الفيلسوف وبين أهل قرطبة وحشة. " أحدثتها أسباب الحسد ". وكان الحفاظ والطلبة والفقهاء الموحدون فضلا عن ذلك، ينقمون على ابن رشد آراءه ودراساته الجدلية والفلسفية، وينقمون بالأخص منزلته لدى الخليفة. ونحن نعرف ما كان يتمتع به أولئك الحفاظ والطلبة لدى الخليفة الموحدي من عظيم النفوذ، ولاسيما وقد كانوا نصحاءه ومستشاريه الروحيين. وكان كثير من هؤلاء وكثير من غيرهم من خصوم الفيلسوف، يبثون حول آرائه ونظرياته دعاية مسمومة، ويرمونه بالمروق والخروج على أحكام الشريعة، " وإيثاره فيها لحكم الطبيعة ". وكانت الفلسفة ودراساتها بالرغم مما كان يتسم به البلاط الموحدي، منذ عهد الخليفة عبد المؤمن، من رعاية العلم والعلماء، من الموضوعات المريبة المكروهة. وهكذا كان خصوم ابن رشد يجدون في صميم دراساته وكتاباته، مواد اتهامهم. وأكثر من ذلك أنهم كانوا يدسون عليه ألفاظاً وعبارات محرجة. ومن ذلك وصفه في أحد شروحه " الزهرة " بأنها " أحد الآلهة " وقد جمع أولئك الخصوم مقالات وأوراق كثيرة منسوبة إلى الفيلسوف، وحملوها إلى مراكش في أوائل سنة ٥٩١ هـ (١١٩٤ م)، وحاولوا أن يرفعوها إلى الخليفة. ولكن المنصور كان يشغل عندئذ بالأهبة للعبور إلى الأندلس. ومن ثم فقد فشل الساعون في مسعاهم، واضطروا للعودة خائبين. ويقول لنا ابن عبد الملك في " الذيل والتكملة " وهو فيما يرجح ينقل عن

стр. 1948

ابن صاحب الصلاة: " فلما كان التلوم من المنصور بمدينة قرطبة، وامتد بها أمد الإقامة، وانبسط الناس من مجالس المذاكرة، تجددت للطالبين آمالهم، وقوى تألبهم، واسترسالهم، فأدلوا بتلك الألقيات، وأوضحوا ما احتجنوه من شنيع الهفوات الماحية لأبي الوليد كثيراً من الحسنات، فقرئت بالمجالس، وتؤولت أغراضها، ومعانيها وقواعدها ومبانيها، فخرجت بما دلت عليه أسوأ مخرج، وربما ذيلها مكر الطالبين، فلم يمكن عند اجتماع الملأ إلا المدافعة عن شريعة الإسلام. ثم آثر الخليفة فضيلة الإبقاء، وأغمد السيف بالتماس جميل الجزاء، وأمر طلبة مجلسه، وفقهاء دولته، بالحضور بجامع المسلمين، وتعريف الملأ بأنه مرق من الدين، وأنه استحق لعنة الضالين " (١). ولم يكن الاتهام بالمروق مقصوراً على الفيلسوف، ولكنه شمل عدة من زملائه وتلاميذه ممن يشتغلون " بالحكمة وعلوم الأوائل ". وكان من هؤلاء أبو جعفر الذهبي، والفقيه أبو عبد الله محمد بن ابراهيم المهري المشهور بالأصولي، وأبو الربيع الكفيف، وأبو العباس الحافظ الشاعر. وأحضر ابن رشد، والفقيه أبو عبد الله المهري وحدهما إلى جامع قرطبة، وتوارى الباقون. وتولى توجيه الاتهام إلى الفيلسوف وزميله، القاضي أبو عبد الله بن مروان، والخطيب أبو علي بن الحجاج. ولم يقل لنا صاحب " التكملة "، ماذا كان موقف ابن رشد، ولكن المرجح أنه قام بالرد على أسانيد متهميه. وعلى أي حال فقد انتهى الأمر بإدانة الفيلسوف، وقضى الخليفة المنصور بمعاقبته بالنفي من قرطبة، واعتقاله ببلدة " أليسّانة " أو" اللسّانة "، الواقعة في جنوبها على مقربة من نهر شَنيل. وكانت هذه البلدة منذ عصور منزل اليهود في هذه المنطقة من الأندلس. وكانت بالأخص مدينة غنية زاهرة أيام دولة بني باديس أصحاب غرناطة (٢). وقيل في اختيارها لاعتقال الفيلسوف " إنه يُنسب في بني إسرائيل، ولأنه لا يعرف له نسب في قبائل الأندلس ". وكان من الواضح أن الخليفة قد راعى في الاقتصار على عقوبة الفيلسوف بالنفي، سنه

стр. 1949

وحالته الصحية. وكان ابن رشد يومئذ قد جاوز السبعين من عمره. وقُضي على زملاء الفيلسوف الذين تقدم ذكرهم كذلك بالنفي إلى جهات أخرى، وكان أبرزهم بعد ابن رشد، هو إبراهيم الأصولي. وصودرت كتب الجميع، وأمر بإحراقها أينما وجدت. ولم يكتف البلاط الموحدي بتوقيع العقوبة المادية على المتهمين، ولكنه رأى أن يقرنها بإعلان وجهة نظره، وتبرير تصرفه، فوجه المنصور كتاباً في هذا الموضوع، من إنشاء كاتبه أبي عبد الله بن عياش، إلى مراكش وغيرها من قواعد المغرب والأندلس. وإليك بعض ما جاء في هذا الكتاب المشهور، الذي انفرد بتدوينه ابن عبد الملك صاحب " الذيل والتكملة ": " وقد كان في سالف الدهر قوم، خاضوا في بحور الأوهام، وأقرّ لهم عواقّهم، بشفوف عليهم في الإفهام، حيث لا داعي يدعو للحيّ القيوم، ولا حاكم يفصل بين المشكوك فيه والمعلوم، فخلّدوا في العالم صحفاً، ما لها من خلاق، مسوّدة المعاني والأوراق، بعدها من الشريعة بعد المشرقين، وتباينها تباين الثقلين، يوهمون أن العقل ميزانها، والحق برهانها، وهم يتشعبون في القضية الواحدة فرقاً، ويشيدون فيها شواكل وطرقاً. ذلكم ما في الله خلقهم للنار، وبعمل أهل النار يعملون، ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يذرون. ونشأ منهم في هذه [اللمحة] البيضاء شياطين .. يخادعون الله والذين آمنوا، وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، ولو شاء ربك ما فعلوه، فذرهم وما يفترون، فكانوا عليها أضر من أهل الكتاب، وأبعد من الرجعة إلى الله .. لأن الكتابي يجتهد في ضلال، ويجد في كلال، وهاؤلاء جهدهم التعطيل، وقصاراهم [الغمومة] والتخييل، وبث عقاربهم في الآفاق برهة من الزمان، إلى أن أطلعنا الله سبحانه منهم، على رجال كان الدهر قد سالمهم على شدة حروبهم، وأغفى عنهم سنين على كثرة ذنوبهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، وما أمهلوا إلا ليأخذهم الله الذي لا إله إلا هو، وسع كل شىء علماً. " وما زلنا وصل الله كرامتكم، نذكرهم على مقدار ظننا فيهم، وندعوهم على بصيرة إلى ما يقربهم إلى الله سبحانه ويدنيهم. فلما أراد الله فضيحة عمايتهم، وكشف غوايتهم، وقف لبعضهم على كتب مسطورة من الضلال، موجبة أخذ

стр. 1950

كتاب صاحبها بالشمال، ظاهرها موشّحٌ بكتاب الله، وباطنها مصرّحٌ بالإعراض عن الله، لُبّس منها الإيمان بالظلم، وجىء منها بالحرب الزبون في صورة السِّلم، مزلّة للأقدام، وسمٌّ يدب في باطن الإسلام، وأسياف أهل الصليب دونها مفلولة، وأيديهم عما يناله هؤلاء مغلولة، فإنهم يوافقون الأمة في ظاهرهم وزيهم ولسانهم، ويخالفونهم بباطنهم وبهتانهم، فلما وقفنا منهم على ما هو قذًى في جفن الدين، ونكتة سوداء في صفحة النور المبين، نبذناهم في الله نبذ النواة، وأقصيناهم حيث يقصي السفهاء من الغواة. وأبغضناهم في الله، كما أنا نحب المؤمنين في الله، وقلنا اللهم إن دينك هو الحق المبين، وعبادك هم الموصوفون بالمتقين، وهاؤلاء قد صدفوا عن [الله]، وعميت أبصارهم وبصائرهم عن بيناتك، فباعدت أسفارهم، وألحق بهم أشياعهم حيث كانوا وأنصارهم، ولم يكن بينهم إلا قليل وبين الإلجام فلا. . في مجال ألسنتهم، والإيقاظ [بحدة] من عقلهم ونصتهم، ولاكنهم رفعوا بموقف الخزي والهوى، ثم طردوا عن رحمة الله، ولو ردوا لعادوا، لما نهواً عنه، وإنهم لكاذبون. " فاحذروا وفقكم الله هذه الشرذمة على الإيمان، حذركم من السهوم السارية في الأبدان. ومن عُثر له على كتاب من كتبهم، فجزاؤه النار التي بها يُعذب أربابه، وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه ومآبه، ومتى عُثر منهم على مُجْرٍ في غلوائه، عم عن سبيل الله استقامته واهتدائه، فَلْيُعاجل فيه بالتثقيف والتعريف، ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون. أو لا يرد الذين حبطت أعمالهم، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها، وباطل ما كانوا يعملون. . . والله تعالى يطهر من دنس الملحدين أصقاعكم، ويكتب في صحف الأبرار تضافركم على الحق واجتماعكم، إنه منعم كريم " (١). هذا كله فيما يتعلق بناحية التكفير، وناحية العقيدة، وهي التي اتخذت ذريعة لاتهام الفيلسوف وإدانته. بيد أنه كانت ثمة أسباب أخرى لغضب المنصور على الفيلسوف. منها توثق صلاته بالسيد أبي يحيى أخي المنصور ووالي قرطبة، وقد

стр. 1951

كان بين الأخوين موجدة وجفاء. ومنها أنه أي ابن رشد، كان يجري في أحاديثه مع الخليفة على مخاطبته دائماً بقوله " تسمع يا أخي " وكان المنصور يُسرّ له هذه الجرأة في مخاطبته. ومنها أخيراً، وهو ما يدخل في باب العيب في ذات الخليفة، أن ابن رشد قال في شرحه لكتاب الحيوان لأرسطاطاليس ما يأتي: ورأيت الزرافة عند ملك البربر مشيراً إلى المنصور، وقد وجد ذلك مكتوباً بخطه (١). فهذه الأسباب كلها قد اجتمعت لتهيىء لخصوم الفيلسوف ومتهميه فرصة النيل منه، وإقناع الخليفة بصحة ما نسب إليه من تهم المروق والإلحاد. ولبث ابن رشد في معتقله في " أليسّانة " زهاء ثلاثة أعوام. ثم إن جماعة من أكابر أهل إشبيلية، خاطبوا المنصور في شأن الفيلسوف وزملائه، وتشفعوا لديه في سبيل إقالتهم والعفو عنهم، ونفوا بالأخص عن الفيلسوف تهمة المروق والزيغ، وشهدوا بحسن إيمانه وسلامة عقيدته. ونفى ابن رشد عن نفسه من جهة أخرى، تهمة العيب في حق المنصور، بوصفه ملك البربر " وقال إن صحة الوصف هي ملك " البرين " وإن ما وقع هو تحريف من الناسخ، فاستجاب المنصور إلى شفاعتهم، وعفا عن ابن رشد وزملائه، وذلك في سنة ٥٩٤ هـ. وهكذا استرد الفيلسوف حظوته ومكانته في البلاط الموحدي، وعاد إلى مراكش ليلتحق ببلاط الخليفة. بيد أنه لم يمكث بها سوى فترة يسيرة، وتوفي في التاسع من شهر صفر سنة ٥٩٥ هـ (١٠ ديسمبر سنة ١١٩٨ م)، وهو في الخامسة والسبعين من عمره. ودفن ابن رشد أولا في مقبرة " باب تاغزوت " خارج مراكش، ثم حمل منها بعد أشهر قلائل إلى قرطبة مسقط رأسه، وموئل أسرته، ودفن في روضة آبائه بمقبرة ابن عباس (٢). تلك هي أدوار المأساة المشجية التي اقترنت بحياة فيلسوف من أعظم أقطاب التفكير الإسلامي والتفكير العالمي. ولقد تكررت هذه المأساة، التي اتخذت صورة الاضطهاد الفكري، غير مرة في ظل المرابطين ثم الموحدين، وكانت مطاردة ابن رشد ومحاكمته، بلا ريب وصمة في عهد خليفة عظيم عالم كالخليفة

стр. 1952

المنصور. ببد أنها تكشف بالأخص عن روح التزمت العميق التي كان يتسم بها التفكير الديني في عهد الموحدين. - ٢ - وكان الخليفة في تلك الأثناء يستكمل أهبته للغزوة المنشودة، فلما تم له ما أراد من ذلك، غادر قرطبة في قواته، واخترق جبل الشارات (سييرا مورينا) ميمماً شطر طَلَبيرة. فلما وصل إلى حدود قشتالة، قصد إليه رسل ألفونسو الثامن في طلب المهادنة، فصرفهم دون جواب، وقد عقد العزم على اختراق أراضي قشتالة، وغزوها وفقاً للخطة التي وضعها. ولما وصل إلى طلبيرة، سار إلى مكادة، وضرب ما حولها من الأراضي دون أن ينال منها شيئاً، ثم انعطف جنوباً نحو طليطلة وحاصرها، وهنالك علم أن ملك قشتالة قد حصل على عون زميله ملك أراجون، وأنهما يرابطان بقواتهما عند قلعة مجريط (١) في انتظار الاشتباك مع الموحدين، فتحول المنصور نحو مجريط بسرعة، بعد أن خرب أراضي طليطلة، مؤملا أن يلتقي بالقوات النصرانية. ولما وصل إلى مجريط، حاصرها بضعة أيام، ولكن الملكين لم يكونا بها، بل كانا قد انسحبا في معظم قواتهما إلى جبال وادي الرملة (٢)، وتركا في حصن مجريط قوة مختارة بقيادة دون ديجو لوبث دي هارو، وهو الذي كان قد لجأ إلى حصن الأرك يوم الموقعة. فدافع القشتاليون عن مجريط بشدة، فغادرها المنصور عندئذ، وسار ميمماً شطر قلعة هنارس (قلعة النهر) ثم وادي الحجارة، وهو ينتسف الزروع، ويخرب الضياع والقرى، ولكن الموحدين لم يستطيعوا كذلك الاستيلاء على وادي الحجارة لمنعتها. وخرجت حاميتها، وفاجأت قافلة المتاع والعتاد والخدم، فأوقعت بها، واستطاعت أن تنتزع منها بعض الأسلاب، قبل أن يتداركها الموحدون، ويردوا المغيرين على أعقابهم، ويقتلوا عدداً منهم. وفي اليوم التالي، نظم الموحدون مظاهرة عسكرية ضخمة في ظاهر وادي الحجارة، بدا فيها الجيش الموحدي بمختلف طوائفه وحشوده، إظهاراً لقوتهم وإرهاباً للعدو، وبعث المنصور من محلته بتفاصيل الغزوة إلى مختلف الجهات.

стр. 1953

ثم أمر بالحركة والعود، وسار بطريق وبذة. وهنا اتجه المنصور، وفقاً للرواية النصرانية شرقاً نحو قونقة وحاصرها، ثم ارتد نحو أقليش وسار منها جنوباً نحو الكرس وبيّاسة، ووصل إلى قرطبة في أواخر رمضان سنة ٥٩٣ هـ، ثم غادرها في الحال إلى إشبيلية، فوصلها في يوم عيد الفطر (أغسطس سنة ١١٩٧ م) وذلك بعد أن أنفق في غزوته الثانية لأراضي قشتالة أربعة أشهر (١). وما كاد المنصور يستقر في إشبيلية، حتى عنى بإتمام الأعمال الأخيرة لصومعة الجامع الأعظم (المنارة) وهي التي كان أبوه الخليفة أبو يعقوب يوسف، قد أمر ببنائها قبل خروجه إلى غزوة شنترين في سنه ٥٨٠ هـ. وكان المنصور قد أمر بالمضي في إنشائها عقب توليه الخلافة. ووضع العريف أحمد بن باسُه أسسها لصق الجامع ثم تعطل البناء حيناً لعزل بعض العمال المختصين، أو لغير ذلك من الأسباب. وفي سنة ٥٨٤ هـ (١١٨٨) بعد أن فرغ المنصور من غزواته بإفريقية، أصدر أمره بإصلاح ما اختل من الجامع الأعظم وإتمام بناء صومعته. ويقول لنا ابن صاحب الصلاة، وهو حسبما أشرنا من قبل غير مرة مؤرخ معاصر وشاهد عيان، أنه شُرع في بناء الصومعة بالآجر الذي يؤخذ من سور قصر ابن عباد، ودام العمل في ذلك أعواماً، يجري البناء فيها بصورة متقطعة، فإذا حضر الخليفة إلى إشبيلية، ضوعفت الهمة في البناء، وإذا غادرها إلى الحضرة تعطل البناء، ثم يُستأنف متى حضر. وكان الخليفة المنصور كأبيه الخليفة أبي يعقوب، شغوفاً بالبناء، وكان وقت وجوده بإشبيلية، يلازم في أوقات فراغه الإشراف على أعمال البناء بنفسه، واستمر الأمر كذلك حتى عاد المنصور من موقعة الأرك مكللاً بغار الظفر، وأصدر أوامره بمضاعفة الهمة لإتمام الصومعة، ولما عاد إلى إشبيلية من غزوته الأخيرة، كان بناء الصومعة قد تم، ولم تبق سوى أعمال التجميل. وبالرغم من أن المنشآت الموحدية، كانت حتى ذلك العهد تقتصر على مراعاة الروعة والمتانة، ولا تميل إلى الزخرف والزينة، فقد أصدر الخليفة أمره، بأن تزود صومعة الجامع بتفافيحها الذهبية الشهيرة. وإليك كيف يصف لنا ابن صاحب الصلاة قصة هذه التفافيح، ورفعها إلى أعلى المنارة، في حفل كان من شهوده:

стр. 1954

صورة: صومعة جامع المنصور بإشبيلية المسماة لاخيرالدا La Giralda

стр. 1955

" فلما وصل أمير المؤمنين، وهزم الله أذفونش الطاغية، أمر ﵁ في مدة إقامته بإشبيلية بعمل التفافيح الغريبة الصنعة العظيمة الرفعة، الكبيرة الجرم، المذهبة الرسم، الرفيعة الاسم والجسم، فرفعت في منازلها بمحضره، وحضر المهندسون في إعلايها على رأيه، وبلوغ وطره، مركبة في عمود عظيم من الحديد مرسى أصله في بنيان أعلى الصومعة أعلاها، زنة العمود ماية وأربعون ربعاً من الحديد، موثقاً هناك في تلاحك البنيان، بارز طرفه الحامل لهذه الأشكال المسماة بالتفافيح إلى الهواء، يكابد من زعازع الرياح، وصدمات الأمطار، ما يطول التعجب من مقاومته وثباته. وكان عدد الذهب الذي طليت به هذه التفافيح الثلاثة الكبار والرابعة الصغرى، سبعة آلاف مثقال كباراً يعقوبية، عملها الصياغ بين يدي أمير المؤمنين وحضوره. ولما كملت سترت بالأغشية من شقاق الكتان ليلا ينالها الدنس من الأيدي والغبار، وحملت على العجل مجرورة حتى إلى الصومعة، بالتكبير عليها والتهليل، حتى وصلت ورفعت بالمسدسة حتى إلى أعلى الصومعة المذكورة، ووضعت في العمود، وحصلت فيه، وحصلت بمحضر أمير المؤمنين أبي يوسف المنصور ﵁، وبمحضر ابنه وولي عهده أبي عبد الله السعيد الناصر لدين الله، وجميع بنيه وأشياخ الموحدين والقاضي وطلبة الحضر، وأهل الوجاهة من الناس، وذلك في يوم الأربعاء عقب ربيع الآخر بموافقة التاسع عشر من شهر مارس العجمي عام أربعة وتسعين وخمس ماية، ثم كشف عن أغشيتها فكادت تغشى الأبصار من تألقها بالذهب الخالص الإبريز وشعاع رونقها " (١). ويضيف صاحب روض القرطاس إلى ما تقدم، أن الذي قام بالإشراف على صنع هذه التفافيح الذهبية، ورفعها إلى أعلى المنار، هو المعلم أبو الليث الصقلي، وأن هذه التفافيح قومت يومئذ بمائة ألف دينار من الذهب (٢). ونقول نحن، إن هذه الصومعة أو المنارة العظيمة التي أمر بإنشائها الخليفة أبو يعقوب يوسف لجامع إشبيلية الأعظم، وأتمها ولده يعقوب المنصور، وزودها بتفافيحها الذهبية الرائعة، ما زالت تقوم حتى يومنا، وإن كانت قد فقدت تفافيحها الذهبية منذ بعيد، وحولت طبقتها العليا إلى برج للأجراس لكنيسة إشبيلية

стр. 1956

العظمى، وهي التي قامت بدورها فوق أنقاض الجامع الأعظم، وهي تحمل اليوم اسمها الإسباني " لاخيرالدا La Giralda "، بيد أنها ما زالت بالرغم من تحولها إلى برج للأجراس، تحتفظ بكثير من روعتها الإسلامية القديمة، ومازالت تعتبر من أعظم الآثار الأندلسية الباقية (١). ولما تم الاحتفال بإتمام صومعة الجامع الأعظم على هذا النحو انتقل المنصور إلى حصن الفرج، وقضى به فصل الصيف، وكان يؤثره لجمال موقعه، وطيب هوائه، ثم عاد إلى إشبيلية، فأقام بها أربعين يوماً أخرى، وعنى خلال هذه الفترة بتنظيم الشئون، وتعيين الولاة والعمال، فأسند ولاية إشبيلية إلى ولده السيد أبي زيد، وولاية بطليوس وجهاتها إلى السيد أبي الربيع بن أبي حفص بن عبد المؤمن، وولاية منطقة الغرب إلى أبي عبد الله بن أبي حفص بن عبد المؤمن، وندب العمال للنظر في شئون الجباية في مختلف الجهات، ورتب الحاميات المختارة في مختلف القواعد، وأمر بتحصينها وإصلاح أسوارها (٢). وكانت الأحوال قد تطورت عندئذ في مملكتي قشتالة وليون، وأنشىء حلف جديد لمقاومة الموحدين بين قشتالة وأراجون، وتقدم ملك أراجون بيدرو الثاني لمعاونة حليفه ألفونسو الثامن، وظهر أثر هذه المعاونة في اجتماع القوات المتحالفة لمقاومة الموحدين في منطقة وادي الحجارة، حينما قام المنصور بغزوته الثانية لأراضي قشتالة. ومع أنه لم يقع بين الفريقين اشتباك ذو شأن، فإن المنصور لم يغفل من حسابه أمر ذلك التكتل الجديد بين القوي النصرانية، ومن جهة أخرى فقد كان لذلك التطور أثره في موقف ألفونسو التاسع ملك ليون حليف الموحدين. ذلك أنه كان قد غزا أراضي قشتالة بمعاونة قوة من الموحدين، ووصل في زحفه حتى مدينة كَرْيون، وذلك في نفس الوقت الذي غزا فيه الموحدون أراضي قشتالة من الجنوب. فلما انتهى الموحدون من غزوتهم، وانسحبوا إلى الجنوب، قامت قوة مشتركة من القشتاليين والأرجونيين بغزو مملكة ليون، واخترقت أراضيها حتى كويانسا (بلنسية دي دون خوان)، وحاصرت ملك ليون وحلفاءه الموحدين في قاعدة بنافنتي، فالتزم ملك ليون الدفاع، ولم يحاول

стр. 1957

أن يشتبك مع خصومه. ثم انسحب القشتاليون وحلفاؤهم من أراضي ليون مثقلين بالغنائم، وعاد ملك أراجون إلى بلاده وزال الخطر عن مملكة ليون. وقبيل مغادرة المنصور لإشبيلية، وفدت عليه رسل ملك قشتالة مرة أخرى في طلب المهادنة والسلم، فرأى المنصور على ضوء هذه التطورات، أن يجيبه إلى رغبته بشروط اشترطها، وهو ما يصفه صاحب البيان المغرب بأن التهادن عقد وفقاً لشريعة الإسلام (١). ومن جهة أخرى فإن ملك ليون، بعد أن تحرج مركزه، وأعلن البابا نفيه من الكنيسة، باعتباره خارجاً على الدين، وأذن لملك البرتغال بمحاربته متشحاً بالصفة الصليبية، قصد بنفسه إلى إشبيلية ملتجئاً إلى المنصور، وطالباً إليه معاونته بالجند والمال، ولكنه لم يوفق في مسعاه هذه المرة، نظراً لقيام التهادن والسلم بين الموحدين وبين مملكة قشتالة. ولما انتهى المنصور من النظر في سائر الشئون، أصدر أوامره بالتأهب للعودة إلى حضرة مراكش. ثم غادر إشبيلية في أواسط جمادى الأولى سنة ٥٩٤ هـ (أواخر مارس سنة ١١٩٨ م) وعبر البحر في غرة جمادى الثانية، وقصد أولا إلى فاس، فأقام بها نحو عشرين يوماً طلباً للراحة والاستجمام، ثم غادرها إلى الحضرة، فدخلها في شعبان سنة ٥٩٤ هـ. استقر المنصور في حاضرته، وهو متعب منهوك القوى، من جراء ما اضطلع به من الغزوات والأعمال مدى أربعة أعوام متوالية. وكان أول ما عنى به هو أخذ البيعة لولده أبي عبد الله محمد الملقب بالناصر، وكان قد اختاره لولاية عهده، حينما اشتد به المرض في سنة ٥٨٧ هـ، حسبما أشرنا إلى ذلك من قبل، فبايعه سائر أشياخ الموحدين، وأخذت له البيعة في سائر القواعد والجهات. وكانت تصرفات الخليفة في هذه الفترة الأخيرة من حياته، تصطبغ بنوع من التقى والورع. فمن ذلك أنه أمر أن يجمع الأطفال الأيتام، وأن يُختنوا، وأمر لكل منهم بثوب ودينار من الذهب ودرهم من الفضة وحبة من الفاكهة، توضع في يده تخفيفاً لألمه. ويقول لنا المراكشي إن هذا الموسم لتختين اليتامى كان يقام كل عام (٢).

стр. 1958

ومن ذلك أنه أمر بتمييز اليهود بلباس خاص. ونحن نعرف أن السياسة الموحدية، كانت منذ عهد الخليفة عبد المؤمن، تجري نحو الذميين على قاعدة التزمت وعدم التسامح، وأن عبد المؤمن، أمر في أواخر عهده بأن يعتنق النصارى واليهود الإسلام، أو يغادروا الأراضي الموحدية، وقرر الموت عقوبة للمخالفين. ولكن السياسة الموحدية جنحت من بعد عبد المؤمن إلى نوع من الاعتدال والتسامح، فترك النصارى واليهود أحراراً يعيشون في البلاد الموحدية. وكانت النظرة إلى اليهود دائماً أكثر تزمتاً وشدة منها إلى النصارى. وكان الذي حدا بالمنصور إلى تمييز لباسهم، هو أنهم ازدهروا في عهده وتشبهوا بالمسلمين في اللباس، وشاركوهم في مظاهرهم وأساليب حياتهم، فرأى أن يفرض عليهم لباساً خاصاً يميزهم عن المسلمين. وكان هذا الزي عبارة عن قميص أزرق طوله ذراع وعرضه ذراع، وبرنس أزرق ذو أكمام مفرطة السعة والطول، وقلنسوة زرقاء يضعونها على الرأس مكان العمامة، تصل إلى الأذنين. ويقول لنا المراكشي إن الذي حمل المنصور على هذا التصرف إزاء اليهود، هو شكه في إسلامهم، وأنه كان يقول لو صح عندى إسلامهم، لتركتهم يختلطون بالمسلمين في سائر أمورهم، ولو صح عندى كفرهم لقتلت رجالهم وسبيت ذراريهم، وجعلت أموالهم فيئاً للمسلمين، لكني متردد في أمرهم، وهم يظهرون الإسلام، ويغشون المساجد، والله أعلم بما تكن صدورهم. وصدر قرار المنصور بتمييز اليهود في أوائل سنة ٥٩٥ هـ. وقد نظم ابن نغرالة زعيم اليهود المغاربة يومئذ، وهو فيما يبدو سليل أسرة بني نغرالة أو بني النغريلي التي ازدهرت في غرناطة أيام باديس بن حبوس، أرجوزة يتهكم فيها على هذا القرار، وما فرضه من اللباس الأزرق، ويواسي مواطنيه اليهود، هذا مطلعها: لبس ذا الأزرق ليس فيه خسارا ... فافهموا يا قوم هذه الإشارا ولما تولى الخلافة أبو عبد الله محمد الناصر لدين الله ولد المنصور، استغاث به اليهود، واستشفعوا لديه بكل من استطاعوا لإقالتهم من هذا الزي المرهق، فأمر أن يستبدلوه بثياب صفر وعمائم صفر، واستمروا على ذلك بقية عهد الموحدين (١).

стр. 1959

- ٣ - ولم يمض قليل على ذلك حتى مرض المنصور مرضه الأخير، وكان قد انتقل من الحضرة إلى ضاحية الصالحة الملكية التي كان قد أنشأها في بداية عهده، ولما شعر بخطورة مرضه، ودنو أجله، استدعى شيوخ الموحدين، ووجوه أهل بيته، وأعيان بلاطه، وقد وصف لنا صاحب البيان المغرب، ما وقع في هذا المجلس الأخير للخليفة الراحل، وما أوصى به أشياخ دولته وأهل بيته، فقال إنه لما استقر المجلس بالحضور، اتجه الخليفة إليهم ببصره، وقد اغرورقت عيناه بالدمع، فسألهم عن أحوالهم وأعمالهم، ثم قال: " أيها الناس رحمكم الله، إن هذه العلل والأمراض قد توالت علينا، وهدت قوانا، وهتكت جوارحنا، وأظن والله أعلم بغيبه أن هذه العلة هي آخر عهدنا بهذه الدنيا، وأنها القاضية علينا، فانظروا رحمكم الله، وأعانكم على طاعته، من تقدمون على أنفسكم وعلى رقاب المسلمين ". قال، فغلب البكاء على الحاضرين، وتكلم أبو موسى بن محمد بن الشيخ أبي حفص بن علي، وقال " كأنكم يا أمير المؤمنين يا سيدنا تخرسنا بهذا القول، أنتم أمير المؤمنين، فإن توفيتم فإلى رحمة الله تعالى، والجميع صائرون ومنقلبون إلى ما تصيرون إليه، وكنتم قلدتمونا عهدكم الكريم لسيدنا الأمير الأجل أبي عبد الله ابنكم، فنحن باقون عليه، إلى أن تلحق نفوسنا بنفوسكم، وهو خليفتكم علينا بعدكم ". ثم تعاقب الحضور في الكلام، وأبدى الخليفة لهم قلقه لصغر سن ولده، وطلب إليهم أن يدعوا الله تعالى باليمن والإقبال، فيما انعقدت عليه النية، وأن يتولوه بمعونتهم، ولا يتركوه لرأيه، حتى ينتبه، ويكمل عقله. ثم التفت إلى السيد أبي الحسن، وأخيه السيد أبي زيد، ابني السيد أبي حفص. وقال إنهما لخير هذا البيت، وإنه قدّمهما على الإخوان، وعلى البلاد، فليكونا على ما عهد منهما، وعلى ما ربط لهما من قبل. ثم أوصى الخليفة الحاضرين بالسادات، وبعض الأشياخ، وخص منهم بالذكر الشيخ أبا زكريا، وأبا محمد عبد الواحد، وأن يعتبر هذان الشيخان مستشارين لولده محمد، لا يصدر إلا من رأيهما ومشورتهما.

стр. 1960

وقال الخليفة للحضور بعد ذلك وعيناه تذرفان الدمع، أوصيكم بتقوى الله تعالى، وبالأيتام واليتيمة. فسأله الشيخ أبو محمد عبد الواحد، يا سيدنا يا أمير المؤمنين، ومن الأيتام واليتيمة؟ قال اليتيمة جزيرة الأندلس. والأيتام سكانها المسلمون، وإياكم الغفلة فيما يصلح بها من تشييد أسوارها وحماية ثغورها، وتربية أجنادها وتوفير رعيتها، ولتعلموا أنه ليس في نفوسنا أعظم من همها، ونحن الآن قد استودعنا الله تعالى، وحسن نظركم فيها، فانظروا من المسلمين، وأجروا الشرائع على مناهجها. وأوصى الخليفة أخيراً بالأغزاز (الغز) ومنحهم البركة التي أمر بها، كما أوصى بملاطفة العرب والإحسان إليهم، وشغلهم بالحركات، وعدم تركهم للعطلة والراحة. وأوصى بطلبة الحضر، وأن يكون لهم موضع خاص يشتغلون فيه بالمذاكرة. وأوصى أخيراً ببعض أصحاب المناصب، والعمال الذين أولاهم ثقته. واختتم المنصور حديثه بالتوصية بقبائل الموحدين ووجوب مزاورتهم، وسماهم قبيلا بعد قبيل. وكرر حديثه إلى الأشياخ بأن يحفظوا الأمانة التي ألقيت إلى أعناقهم، وأن يجروا الشرائع على سننها، وأن يحرصوا على اجتناب الباطل. ثم دعا للناس، وانفض المجلس، وانصرف الموحدون، وكان هذا آخر العهد به (١). ويقول لنا صاحب روض القرطاس، إن المنصور لما اشتد به المرض، وشعر بدنو أجله، قال لمن كان حوله من الأشياخ، ما ندمت على شىء فعلته في خلافتي، إلا على ثلاث، وددت أني لم أفعلها، أولها إدخال العرب من إفريقية إلى المغرب لأنى أعلم أنهم أهل فساد، والثانية بناء رباط الفتح، أنفقت فيه من بيت المال، وهو بعد لا يعمر، والثالثة إطلاق أسارى الأرك، ولابد لهم أن يطلبوا بثأرهم (٢). وفي ليلة الجمعة الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ٥٩٥ هـ (٢٢ يناير سنة ١١٩٩ م)، توفي الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور بقصره بالصالحة (٣).

стр. 1961

ودفن مؤقتاً بمجلسه بالقصر، وكتمت وفاته حيناً، ثم نقل رفاته إلى تينملل، ودفن بها، وثارت حول اختفائه بعض الروايات والأساطير، فزعم البعض أنه ترك الملك وأضحى مرابطاً بالأندلس، وزعم آخرون أنه تزهد وساح فى البلاد، وقصد المشرق ومات خاملا، ودفن بالشام، إلى غير ذلك (١). وبوفاة المنصور يختتم عهد من ألمع عهود الدولة الموحدية. - ٤ - كان الخليفة يعقوب المنصور أعظم خلفاء الدولة الموحدية، إذا استثنينا جده عبد المؤمن، مؤسس الدولة وموطد دعائمها. وفى ظله بلغت الدولة الموحدية أوج قوتها وعظمتها، وظهرت على يديه روعة الملك وفخامته، فى أبهى حللها. ويصفه ابن الخطيب بأنه كان " نجم بنى عبد المؤمن " وهى كلمة قوية جامعة (٢). وتشيد الرواية الإسلامية بخلال المنصور، وتفيض فى استعراض مآثره، وامتداح تصرفاته وسياسته، سواء من الناحية الداخلية أو من الناحية الخارجية، وتشيد بنوع خاص بغيرته فى الجهاد، وتفانيه فى الذود عن قضية الإسلام بالأندلس، ومن ثم كانت عنايته بتنظيم الجيش وتنميته، وشحنه بالفرق الجديدة من الفرسان والرجّالة، وتزويده بموفور العتاد والسلاح، والإنفاق عليه بسعة وسخاء، وإعداده للجهاد بصفة مستمرة. وكان يعنى بتوفير أرزاق الجند، ومنحها فى مواعيدها المقررة. وكان نظام العطاء فى الجيش، أن يمنح الجند الموحدون العطاء، (الجامكية) ثلاث مرات فى العام بصورة منتظمة، مرة فى كل أربعة أشهر، ويمنح الجند الغز أو الأغزاز، وكذلك العرب عطاءهم كل شهر. وكان رأى المنصور فى اختصاص الأجناد الغز والعرب بهذه المزية، هو أن الموحدين من أهل البلاد الأصليين ولهم بها الإقطاع والأموال الكثيرة. أما الغز والعرب، فهم غرباء لا شىء لهم فى البلاد يعتمدون عليه سوى هذا العطاء الرسمى المنظم (٣). وكان لهذه العناية بتوفير أعطية الجيش أثرها القوى فى رفع همم الجند، وشحذ

стр. 1962

الرغبة فى الجهاد. والواقع أن الجهاد هو ألمع ما فى حياة المنصور العامة، وقد أسبغت عليه غزواته الموفقة للممالك النصرانية فى شبه الجزيرة، ولاسيما انتصاره الباهر فى موقعة الأرك، على شخصه وعلى جهاده، هالة من العظمة والجلال غلبت على كل خلاله ومناقبه الأخرى. وقد رأينا المنصور منذ بداية حكمه ملكاً حازماً، يعمل على إقامة العدل وتوطيد أسسه، والنظر فى الأحكام بنفسه، ومراقبة أعمال الولاية والعمال، ومحاسبتهم، ومطاردة من ينحرف منهم عن جادة الحق والعدل وعزلهم، ثم رأيناه ملكاً مصلحاً، يضطرم بروح إنشائية قوية، ويعنى بإقامة المنشآت العظيمة، من مدن وحصون وجوامع وغيرها، سواء بالمغرب أو الأندلس. وأول ما تشيد به الرواية من صفات المنصور هو ورعه وتقواه، والتزامه أحكام الشريعة وسننها، ومحاولة تطبيقها على حقيقتها، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإقامة الحدود، حتى فى أهله، وعشيرته الأقربين، وكان مثل جده عبد المؤمن يشدد فى إلزام الرعية بإقامة الصلوات الخمس، ويأمر بالمناداة عليها، ويعاقب على تركها، وكان يشتد كذلك فى إقامة الحدود، ويذهب فى ذلك أحياناً إلى حدود بعيدة، حتى قيل إنه عاقب على شرب الخمر بالقتل، وأمر بقتل بعض العمال الذين تشكو الرعية منهم (١). وقد كان للمنصور من الناحية الدينية موقف خاص، يمكن أن يوصف بأنه انقلاب فى ميدان المذهب والعقيدة فى الدولة الموحدية، فهو أولا قد طارد علم الفروع، أعنى دراسة تفاصيل العبادات والمعاملات. وأمر بإحراق كتب المذهب المالكى فى سائر البلاد مثل مدونة سحنون، وكتاب ابن يونس، ونوادر ابن أبى زيد، وكتاب التهذيب للبرادعى، وواضحة ابن حبيب، وأمر الناس بترك الاشتغال بعلم الرأى والخوض فيه، وأنذر من يفعل ذلك بشديد العقاب، وأمر جماعة من العلماء المحدثين بجمع أحاديث من المصنفات العشرة فى الصلاة وما يتعلق بها على نحو المجموعة التى جمعها ابن تومرت فى الطهارة، وذاع هذا المجموع فى المغرب، وأقبل الناس على حفظه. وكان قصد المنصور من ذلك أن يمحو

стр. 1963

مذهب مالك وأن يزيله من المغرب (١). وكان المنصور أيضاً من أشد دعاة المذهب الظاهرى، وهذا المذهب الذى اشتهر على يد الفيلسوف ابن حزم القرطبى فى أوائل القرن الخامس الهجرى، يرجع إلى القرن الثالث، ومؤسسه هو خلف بن داود الأصفهانى المتوفى سنة ٢٧٠ هـ، وقد وضع أسسه فى نحو منتصف القرن الثالث، وخلاصتها أنه يجب فى صوغ أحكام الشريعة أن يُرجع فقط إلى ظاهر القرآن والسنة أى الحديث، وألا يُؤخذ فى ذلك بالرأى أو القياس، وأن يبقى الإجماع محصوراً فى إجماع صحابة رسول الله. ويبدى ابن حزم إمام المذهب الظاهرى بالأندلس تشدداً فى تطبيقه على العقائد، وهو لا يأخذ فى تفسير الأحكام إلا بالكلمة المكتوبة، والحديث الثابت، ويعتبرهما حاسمين فى صوغ الأحكام. وقد حمل الخليفة المنصور الناس على اعتناق المذهب الظاهرى، والتزام الأخذ بالظاهر من القرآن والحديث. وكان المنصور يشكو من تعدد الآراء والأحكام المذهبية فى المسألة الواحدة، ويرى أن الأخذ بالمذهب الظاهرى يحسم كثيراً من هذه الخلافات. ونستطيع القول إن المذهب الظاهرى، غدا هو المذهب الرسمى فى عهد المنصور، وعظم أمر الظاهرية، وانتشروا بالمغرب، وكانوا يسمون بالحزمية نسبة إلى الفيلسوف ابن حزم عميد المذهب. وكان المنصور يبجل ابن حزم، ويرتفع به وبعلمه إلى أسمى مكانة. ومما يذكر فى هذا الصدد، ما يروى، من أن المنصور، مر فى عودته من غزوه لأراضى البرتغال فى سنة ٥٨٧ هـ (١١٩١ م)، بشمال مدينة ولبة، حيث توجد قرية منت ليشم، وهى بلد بنى حزم، وبها قبر العلامة ابن حزم، فوقف المنصور على قبره، وهو يقول عجباً لهذا الموضع يخرج منه مثل هذا العالم، ثم قال " إن كل العلماء عيال على ابن حزم " (٢). ويقول لنا ابن الأثير إن المنصور عين فى أواخر أيامه قضاة من الشافعية. وقد كان الجنوح إلى مذهب الظاهرية، فيما يذكر لنا المراكشى من صفات أبيه الخليفة أبى يعقوب يوسف، وجده الخليفة الفقيه العالم عبد المؤمن بن على، إلا أنهما لم يفصحا عن هذا الاتجاه بشكل ظاهر،

стр. 1964

إذ كانت الدولة الموحدية ما تزال فى بدايتها، وكانت عقيدة التوحيد تعلو على كل ما عداها. وكان من آثار هذا الاتجاه أن ازدهر علم الحديث فى عهد المنصور، وحظى طلابه بمنتهى التشجيع والرعاية (١). ومن جهة أخرى فإنه يوجد ما يحمل على الاعتقاد، بأن المنصور لم يكن من الغلاة فى تصوير إمامة المهدى، ولم يكن بالأخص من المؤمنين بعصمته، وهو اتجاه تبلور فيما بعد، واتخذ على يد خلفائه صورته العملية (٢). ومما يتصل بتقى المنصور، وورعه، وحماسته الدينية، ما نسب إليه من أنه كان ينوى افتتاح مصر، وضمها إلى الإمبراطورية الموحدية، لأنها كانت فى نظر الموحدين بلداً يجنح إلى البدع، وتشيع فيه المنكرات، وقد نوه بمشروع المنصور هذا نحو مصر، غير واحد من المؤرخين والرواة. فيقول لنا المراكشي، وهو معاصر لعهد المنصور إنه قد بلغه عن غير واحد " أن المنصور صرح للموحدين بالرحلة إلى المشرق، وأنه كان يذكر البلاد المصرية وما فيها من المناكر والبدع، ويقول، نحن إن شاء الله مطهروها، ولم يزل هذا عزمه إلى أن مات " (٣). ويفيض الرحالة ابن جبير، وهو أيضاً معاصر المنصور، فى رحلته، فى الكلام عن هذه النية الموحدية فى غزو مصر، وصداها فى مصر ذاتها، ويبدأ حديثه بالحملة على أحوال البلاد المشرقية، ولاسيما ما يقع ببلاد الحجاز من ظلم الحجاج وانتهاب أموالهم، ويعرب عن أمله فى أن تُقمع هذه البدع المجحفة بالمسلمين " بسيوف الموحدين أنصار الدين، وحزب الله أولى الحق والصدق، والذابين عن حرم الله ، والغائرين على محارمه، والجادين فى إعلاء كلمته، وإظهار دعوته، ونصر ملته ". ثم يقول ابن جبير فى التنديد بأحوال المشرق وضعف إسلامه: " وليتحقق المتحقق، ويعتقد الصحيح الاعتقاد، أنه لا إسلام إلا ببلاد المغرب، لأنهم على جادة واضحة لا بنيات فيها، وما سوى ذلك مما بهذه الجهات المشرقية، فأهواء وبدع، وفرقة ضالة وشيع، إلا من عصم الله من أهلها، كما أنه لا عدل ولا حق ولا دين على وجهه، إلا عند الموحدين أعزهم الله، فهم أئمة العدل فى هذا الزمان، وكل من سواهم من الملوك فى هذا الأوان، فعلى غير

стр. 1965

الطريقة، يُشعرون تجار المسلمين كأنهم أهل ذمة لديهم، ويستجلبون أموالهم بكل حيلة وسبب، ويركبون طرائق من الظلم لم يسمع بمثلها، اللهم إلا هذا السلطان العادل صلاح الدين، الذى قد ذكرنا سيرته ومناقبه، لو كان له أعوان على الحق ". وأهم من ذلك ما ينوه ابن جبير من صدى الدعوة الموحدية بمصر، وانتشارها بصورة تدعو إلى الدهشة، ومن أن أكثر أهل مصر، بل كلهم " يرمزون بذلك رمزاً خفياً، وينسبون ذلك إلى آثار حدثانية، وقعت بأيدى بعضهم، وأنذرت بأشياء من الكوائن. . ولم يبق إلا الكائنة السعيدة من تملك الموحدين لهذه البلاد، فهم يستطلعون بها صبحاً جلياً، ويقطعون بصحتها، ويرتقبونها ارتقاب الساعة التى لا يمترون فى إنجاز وعدها. فشاهدنا من ذلك بالإسكندرية ومصر وسواهما مشافهة وسماعاً، أمراً غريباً، يدل على أن ذلك الأمر العزيز، أمر الله الحق، ودعوته الصدق. ونُمى إلينا أن بعض فقهاء البلاد المذكورة وزعمائها، قد حبّر خطباً أعدها للقيام بين يدى سيدنا أمير المؤمنين، وهو يرتقب ذلك اليوم ارتقاب يوم السعادة، والله يبسطها من كلمة، ويعليها من دعوة، إنه على ما يشاء قدير " (١). ونستطيع أن نربط بين هذه الأقوال التى يصف فيها ابن جبير صدى الدعوة الموحدية بمصر خلال مروره بها فى سنة ٥٧٩ هـ (١١٨٣ م)، أعنى قبيل عهد المنصور بقليل، وبين ما ذكره أبو القاسم المؤمن المصري فى كتابه المسمى " بالأنساب فى معرفة الأصحاب "، ونقله البيذق، عن أصحاب المهدي بمصر، فقد ذكر لنا من هؤلاء واحداً وخمسين رجلا بأسمائهم، وقال إنهم كانوا من أعيان بلادهم " وإنهم كانوا سامعين لقوله، مجيبين لأمره، مؤمنين به، مختارين صحبته، مؤثرين لحقه، معظمين لحرمته " (٢). ويستخلص مما تقدم، ومن أقوال ابن جبير خاصة، أنه كانت توجد ثمة فكرة موحدية لغزو مصر، وأن هذه الفكرة ترجع إلى ما قبل عهد المنصور، وأنها ربما تبلورت فى عهد المنصور، واتخذت طابعاً قوياً، وذلك لما أبداه
следующие страницы →