واستمر بلايو في حكم إمارة جليقية زهاء تسعة عشر عاماً، وتوفي سنة ٧٣٧ م. ولكن بعض الروايات النصرانية تضع تاريخ وفاته بعد ذلك، فتقول إنه لبث حتى ولاية عبد الرحمن بن يوسف الفهري للأندلس (١٢٧ - ١٣٧ هـ) (٧٤٥ - ٧٥٥ م)، وأن الموقعة التي نشبت بين منوسة وبلايو كانت بين سنتى ٧٤٦ و٧٥١ (١)، وهي رواية ظاهرة الضعف، لأن منوسة قتل في سنة ١١٤ هـ (٧٣٢ م) كما قدمنا، والرواية الإسلامية واضحة دقيقة في ترتيب الوقائع والتواريخ في هذا الموطن. وخلف بلايو ولده فافيلا، ولكنه توفي بعد حكم لم يطل أمده سوى عامين (سنة ٧٣٩ م). وكان الدوق بتروس أمير كانتابريا قد توفي في ذلك الحين أيضاً، وخلفه ولده ألفونسو دوق كانتابريا، ونمت هذه الإمارة النصرانية الصغيرة أيضا واشتد ساعدها، وقويت أواصر التحالف بينها وبين جلّيقية بتزوج أميرها ألفونسو من ابنة بلايو واسمها أرموزندة أو هرمزندة. فلما توفي فافيلا ولد بلايو، اختار الجلالقة ألفونسو دوق كانتابريا ملكاً عليهم، واتحدت الإمارتان، وقامت منهما مملكة نصرانية واحدة، هي مملكة ليون النصرانية أومملكة جلّيقية في الرواية الإسلامية، وتمتد من بلاد البشكنس شرقاً إلى شاطىء المحيط غرباً، ومن خليج بسكونية شمالا إلى نهر دويرة جنوباً، وتشمل مناطق شاسعة من القفر والهضاب الوعرة، وتحتجب وراء الجبال بعيدة عن سلطان المسلمين وغزواتهم (٢).
ويعتبر ألفونسو دوق كانتابريا، أو ألفونسو الأول الملقب بالكاثوليكي مؤسس المملكة النصرانية الشمالية، وأصل ذلك الثبت الحافل من ملوك قشتالة (٣)، الذين لبثوا قرونا يدفعون حدودهم إلى الجنوب تباعاً في قلب المملكة الإسلامية، ثم انتهوا بالقضاء عليها والاستيلاء على غرناطة آخر معاقلها (١٤٩٢ م). وحكم ألفونسو في ظروف حسنة، فقد كانت الحرب الأهلية تمزق الأندلس، وكان أمر الولايات الشمالية فوضى، والضعف يسود المسلمين في تلك الأنحاء، وكان ثمة منطقة عظيمة من القفر والخراب تفصل بين جليقية وبين الأراضي الإسلامية، فاجتاحها ألفونسو بجموعه، وقتل من بها من المسلمين القلائل، ودفع النصارى
стр. 212
إلى الشمال. ولما حل القحط بالأندلس (سنة ١٣٣هـ - ٧٥٠ م) واشتد عصفه بالولايات الشمالية الغربية، جلا كثير من المسلمين عن تلك الأنحاء، واشتد ساعد النصارى فيها، ورفعوا لواء الثورة، وفتكوا بالمسلمين، ونادوا بألفونسو ملكا عليهم (١)، وانتهز ألفونسو الفرصة فغزا أسْتُرقة واستولى عليها من يد المسلمين، واستولى على كثير من البلاد والضياع المجاورة، وضمها لأملاكه (١٣٦هـ - ٧٥٣ م). وهكذا نمت تلك المملكة النصرانية التي نشأت في ظروف كالأساطير واتسعت حدودها، واشتد بأسها بسرعة مدهشة، ولم يأت منتصف القرن الثامن حتى بدأت تناهض الإسلام في الأندلس وتغالبه، وتغير على معاقله وأراضيه.
وعهد ألفونسو بإمارة كانتابريا وهي القسم الشرقي من مملكته، إلى أخيه فرويلا (أو فرويلة)، فكان يغير أيضا على الأراضي الإسلامية المجاورة، ويعيث فيها قتلاً ونهباً وسبياً، ثم يعود مسرعاً إلى الجبال خشية أن يلحق به المسلمون. بيد أن المسلمين كانوا في شغل شاغل من الفتنة والحروب الداخلية، وكان يوسف بن عبد الرحمن الفهري أمير الأندلس يعني يومئذ بقمع الثورة في الشمال، فانتهز ألفونسو تلك الفرصة وغزا مدينة لُك (لوجو) الحصينة وهي أقصى معاقل المسلمين في الشمال الغربي وافتتحها سنة (١٣٧هـ - ٧٥٤ م)، وكان يوسف قد انتهى من إخماد الثورة في الشمال، وأراد إنجاد المدينة المحصورة، فجاءته الأنباء بمقدم عبد الرحمن الأموي، فهرول إلى الجنوب وترك لُك لمصيرها. وكان أيضا قد أرسل قبل أن يغادر الشمال قوة من جنده بقيادة الحصين بن الدجن وسليمان بن شهاب لإنجاد ثغر أربونة، الذي كان يحاصره الفرنج يومئذ، ففاجأها النصارى قبل أن تعبر البرنيه، ونشبت بين الفريقين معركة مزق فيها المسلمون وقتل قائدهم سليمان بن شهاب، وارتد فلهم إلى الجنوب (سنة ٧٥٦ م) (٢).
والظاهر أن الذي هاجم المسلمين في تلك الموقعة هو فرويلا وحلفاؤه أو رعاياه البشكنس. وعبر ألفونسو نهر دويرة (دورو) غير مرة، وعاث في أراضي المسلمين مراراً، وكان يقتل كل من وقع في يده من المسلمين، ويسوق النصارى معه إلى الشمال. ولبث مع أخيه فرويلا كلٌّ يعمل من جانبه على توسيع المملكة
стр. 213
النصرانية، حتى توفي فرويلا سنة ٧٦٤ م (١٤٦هـ)، وتولى أخوه ألفونسو من بعده حكم المملكة كلها، ولكنه لم يعش طويلا، وتوفي في العام التالي (٧٦٥ م) (١) فخلفه ابنه فرويلا الأول. وكان عبد الرحمن الأموي يكرس كل جهوده وقواه لقمع الثورة الخطيرة التي نظمها العلاء بن مغيث باسم الدعوة العباسية، فرأى فرويلا الفرصة سانحة لغزو الأراضي الإسلامية (٢) فعبر نهر دويرة في جيش ضخم وغزا لُك وبُرتقال وشَلَمنقة وشَقُوبية وآبلة وكورة وقشتالة (٣)، واستولى عليها من المسلمين، وعاث في تلك المنطقة سفكاً وتخريباً وضمها إلى أملاكه، فصارت جزءا من مملكة جلّيقية، حتى استعادها المسلمون بعد ذلك بنحو قرنين في عهد الحاجب المنصور. وتختلف الرواية الإسلامية في تعيين تاريخ هذه الغزوة فيضعها ابن الأثير قبل ذلك بأعوام في حوادث سنة ١٤٠هـ (٧٥٨ م) ويقول إن الذي قام بها هو تدويلية (تدفيليا) ابن أذفنش (ألفونسو)، ولكن ألفونسو توفي بعد ذلك كما رأينا (٤)، ويضعها ابن خلدون بعد سنة ١٤٢ هـ وهي التي يعينها تاريخا لوفاة ألفونسو، في عهد فرويلا، وقد تولى فرويلا الملك بعد وفاة أبيه حسبما تقول الرواية النصرانية في سنة ٧٦٥ م (١٤٧هـ) (٥). وعلى أى حال فقد كانت هذه الغزوة أعظم فتح قام به النصارى يومئذ في الأراضي الإسلامية، بعد افتتاح الفرنج لسبتمانيا واستيلائهم على أربونة أمنع مواقع ولاية " الثغر " قبل ذلك بأعوام قلائل.
وهنا ظهر خطر المملكة النصرانية واضحاً جلياً. ولم يكن عبد الرحمن الأموي بغافل عن ذلك الخطر، وكان رغم اشتغاله المتواصل بقمع الثورة والفتن الداخلية، يتحين الفرص لدرئه، ففي سنة ١٤٨ هـ (٧٦٦ م) أرسل بعض قواده إلى
стр. 214
الشمال على رأس قوة كبيرة، فسارت حتى حدود جليقية، واشتبكت مع النصارى والعصاة في عدة مواقع، وعادت مثقلة بالغنائم والأسرى (١). وفي سنة ١٥٠هـ (٧٦٧ م) بعث عبد الرحمن جيشاً بقيادة مولاه بدر إلى ألبة والقلاع (٢)، وهي المنطقة الواقعة بين بلاد البشكنس وجبال كانتابريا، على ضفاف نهر إيبرو في الطرف الشرقي من مملكة جليقية، فغزاها وتوغل فيها وأرغمها على أداء الجزية، وقبض على كثير من العصاة في تلك الأنحاء (٣). وتقص الرواية النصرانية علينا بعد ذلك نبأ موقعة كبيرة وقعت بين المسلمين والنصارى في بونتومو من أعمال جليقية، وتقول لنا إن عبد الرحمن أرسل في سنة ٧٧٣ م (١٥٧هـ) جيشاً كبيراً إلى الشمال بقيادة حاجبه عامر، أو تمام بن علقمة على يظهر، فلقيه النصارى بقيادة فرويلا في بونتومو، ونشبت بين الفريقين موقعة هائلة، هزم فيها المسلمون وقتل منهم عدد عظيم تقدره الرواية بأربعة وخمسين ألفاً وأسر قائدهم (٤). ولم تشر الرواية المسلمة إلى أن موقعة بهذه الخطورة نشبت بين المسلمين والنصارى، ولاسيما في هذا التاريخ، الذي كان عبد الرحمن مشتبكا فيه مع الدعى الفاطمي في معارك تقتضى كل جهوده وموارده، والرواية النصرانية تبدي كعادتها في هذا الموطن مبالغة تسبغ عليها كبير ريب.
وكان فرويلا طاغية شديد البطش، ولم يكن حكمه موفقاً، فقد اضطرمت في جليقية الغربية نار ثورة كبيرة أيدها المسلمون فيما يظهر، وأخمدها فرويلا بعد جهد، ولكنه فقد كثيراً من أرضه التي افتتحها في تلك الأنحاء، وعادت إلى
стр. 215
خريطة:
المملكة الإسبانية النصرانية.
стр. 216
المسلمين، ونشبت ضده في نافار في الشرق ثورة أخرى، فأخمدها بشدة، واجتاح نافار وأخضعها، وكان من أسراه في تلك المعارك فتاة حسناء من أسرة كريمة تدعى مونيا فأحبها وتزوجها، ورزق منها بولده ألفونسو، الذي تولى العرش فيما بعد، وكان مسرفاً في الانتقام والسفك، قتل كثيرا من أفراد أسرته وقتل أخاه بيده، وكان الشعب يبغضه ويلتف حول " أورليوس " ابن عم فرويلا. وأنشأ فرويلا مدينة أوبييدو التي غدت فيما بعد حاضرة جليقية، ولكنه لم يتخذها قاعدة للحكم، ولبث في مدينة كانجاس حاضرتها الأولى، حتى هلك قتيلا في ثورة جديدة نشبت سنة ٧٧٥ م (١).
ولما توفي فُرُويلا كان ولده من مونيا ألفونسو طفلا، فافترقت كلمة الشعب، وانحازت منه أغلبية كبيرة إلى أورليوس أو أورالي (٢) ولد فرويلا أخى ألفونسو الأول واختارته للملك، ولكنه لم يحكم إلا في الولايات الشرقية في نافار وبسكونية، حيث كان يحكم أبوه من قبل، وانحازت جليقية الغربية إلى سيلو أو شيلون (٣) زوج أروزندا إبنة ألفونسو الأول، وانقسمت المملكة بذلك إلى إمارتين. ولكنهما تهادنتا ولم تقع بينهما حرب ولا منافسة. وفي سنة ٧٧٨ م غزا شارلمان بلاد البشكنس في طريقه إلى سرقسطة حسبما قدمنا، فاضطر أورليوس أن يسعى إلى محالفة المسلمين. ولم تقع في ذلك الحين فيما يظهر حروب بين المسلمين ومملكة جليقية، لاشتغال كل منهما بشئونه الخاصة. وتوفي أورليوس سنة ٧٨١ م، فاختار البشكنس مكانه سيلو لأن ألفونسو ولد فرويلا كان لا يزال طفلا، واتحدت المملكة مرة أخرى. ولبث سيلو ملكاً على جليقية المتحدة ثلاثة أعوام أخرى، وفي عهده عقد الصلح بين المسلمين والنصارى. ولكن نشبت بعض ثورات محلية في جليقية نجح في إخمادها، وتوفي بعدئذ بقليل سنة ٧٨٤ م (٤). وتوفي سيلو دون عقب، ولكنه أوصى بالملك لألفونسو ولد فرويلا الطفل
стр. 217
وبالوصاية عليه لزوجه أروزندا. ولكن الأشراف لم يرضوا عن حكم طفل وامرأة، وانضم إليهم فريق من الشعب، ولم تلبث جلّيقية أن اضطرمت بثورة قوية على رأسها زعيم يدعى مورجات - وفي الرواية العربية مورقاط - وهو ولد غير شرعي لألفونسو الأول من جارية عربية، فاستولى على جليقية الغربية، وانضم إليه كثير من الأشراف والزعماء الذين اشتركوا في محاربة فرويلا خشية أن يستقر الملك لابنه فيبطش بهم فيما بعد، ففر ألفونسو إلى ألبة حيث عصبة أمه وعشيرتها، وقد كانت بسكونية حسبما تقدم. ورأى مورجات أن يوطد مركزه وسلطانه بالتحالف مع المسلمين، وتحالف حزب ألفونسو مع الفرنج أعداء المسلمين، واتخذ مورجات قاعدة حكمه في مدينة برافيا في قاصية جليقية. وكان رجال الدين ومن إليهم من النصارى والمتعصبين يبغضونه ويثيرون الشعب عليه، لأنه بالغ في التودد إلى المسلمين والتقرب إليهم، ولأنه يمت إليهم بصلة الدم بواسطة أمه العربية. ولكنه استطاع مع ذلك أن يحكم مملكته الصغيرة حتى وفاته في سنة ٧٨٩ م (١).
وتشير الرواية العربية إلى طرف من هذه الحوادث، وتقول لنا إن مورقاط (مورجات) وثب على أذفنش (ألفونسو) فقتله، ولكن ألفونسو لم يقتل كما قدمنا. وسنرى أنه يتولى الملك ويخوض مع المسلمين في الأعوام التالية كثيراً من الوقائع. وتقول الرواية العربية أيضاً، إن المسلمين انتهزوا فرصة الاضطراب الذي وقع في جليقية، من جراء هذه الحوادث، فسار إليها وإلى طليطلة وغزاها وأثخن فيها (٢)، وهذا ما لا تشير إليه الرواية النصرانية. والظاهر أن المسلمين أغاروا على ألبة والقلاع، لأنهم كانوا على وئام وتحالف مع مورقاط أمير جليقية. ووقعت هذه الغزوة حسبما تشير الرواية العربية حوالي سنة ١٦٩هـ (٧٨٦ م) أعني في أواخر عهد عبد الرحمن الداخل.
وكان طبيعياً بعد أن توفي مورجات عميد الثورة ومغتصب الملك، أن يعود العرش إلى صاحبه الشرعي، أعني ألفونسو ولد فرويلا. ولكن الأشراف لبثوا
стр. 218
في توجسهم من نقمة ألفونسو، واختاروا للملك برمند (أو برمودو)، وهو ولد لفرويلا وأخ لأروليوس، الذي تولى إمارة البشكنس من قبل. وكان قد هجر الحياة الدنيا إلى عزلة الدير، فتولى الملك على غضاضة منه، ولكنه لم يحكم على ما يظهر إلا في غربي جليقية، حيثما كان يسود نفوذ مورجات، ولبث ألفونسو أميرا على الأنحاء الشرقية. وفي ذلك الحين كان أمير الأندلس هشام بن عبد الرحمن يتأهب لغزو الشمال، فخشى برمند خطر الإنقسام على مستقبل المملكة، وعقد الصلح مع ألفونسو وولاه قيادة الجيش، ولم تمض ثلاثة أعوام حتى ضاق ذرعا بمهام الملك فتنازل عن العرش مختاراً لألفونسو، وارتد إلى حياة الدير والعزلة، وتولى ألفونسو الملك في أواخر سنة ٧٩١ م (١٧٥هـ) (١) باسم ألفونسو الثاني. وبذلك عادت المملكة النصرانية إلى اتحادها مرة أخرى.
وفي أواخر عهد ألفونسو الثاني، الملقب " بالعفيف " el Casto، وقع حدث ديني كان له فيما بعد أثر عميق في توجيه مصاير المملكة النصرانية، هو اكتشاف قبر القديس ياقب، وهو القديس يعقوب أو يعقوب الحواري. وتذكر الأسطورة أنه لما قتل بأمر هيرود الثاني ملك بيت المقدس، حمل تلاميذه جثته في مركب جاز به البحر المتوسط إلى المحيط، ثم حملتهم الرياح شمالا حتى انتهوا إلى موضع في قاصية جليقية، ودفنوا جثمان القديس في سفح تلال هنالك.
ومضت العصور، وغاض القبر ولم يعلم مكانه، حتى كانت سنة ٨٣٥ م، حيث زعم القس تيودمير أسقف إيريا أنه اكتشف القبر، هداه إليه ضوء نجم، وحمل النبأ في الحال إلى الملك، فأمر أن يبني فوق هذه البقعة كنيسة، وذاعت الأسطورة في جميع الأنحاء، وصدقها المؤمنون دون تردد، وهرعوا يحجون إلى البقعة المقدسة، وقامت حول المزار المزعوم مدينة نمت بسرعة، وغدت مدينة شنت ياقب Santiago de Compostela المقدسة، وأنشئت فيما بعد فوق القبر مكان الكنيسة الساذجة كنيسة جامعة (كتدرائية)، غدت من أعظم كنائس اسبانيا ضخامة وروعة وفخامة. وكان لقيام هذه المدينة المقدسة أثر كبير في إذكاء الحماسة الدينية والعاطفية القومية في إسبانيا، وغدا القديس ياقب
стр. 219
" حامي " اسبانيا كلها، وغدا قبره من أشهر المزارات النصرانية في أوربا.
وينوه الأستاذ ألتاميرا بأهمية هذا الحدث الديني، وأثره في حضارة هذه المنطقة من اسبانيا، فيقول: " وقد بعث هذا الاكتشاف في النصارى أيما سرور، وانتظمت وفود عظيمة، جاءت لتحج إلى القبر، لا من الأراضي الإسبانية وحدها، ولكن من الخارج أيضاً، وهكذا بدأ تيار من الزيارات والمؤثرات الأوربية في جليقية، وكان لها أعظم تأثير في العادات والآداب " (١).
وقد أتيح لنا أن نزور مدينة شنت ياقب، وهي من أعجب وأجمل المدن الإسبانية، ذات طابع خاص بها، وهي أشد المدن الإسبانية احتفاظا بهذا الطابع الخاص. وطابعها القدم المشبع بالجلال والوقار، وهي تبدو بشوارعها المعقودة، وميادينها التي تغص بالصروح التاريخية، مدينة قديمة عريقة حقا. وأروع ما تقع عليه العين كنيستها العظمى، التي تقوم في وسطها وتبدو بواجهاتها الفخمة وصرحها الشامخ، وبرجها العظيم، أثراً من أعظم الآثار الدينية.
وقد نشأت هذه المملكة النصرانية الشمالية، مستقلة في ظروفها وفي خواصها، ولبثت آمادا طويلة بعيدة عن الإتصال بالأمم النصرانية الأخرى، ولم تنشأ بينها وبين جيرانها المسلمين علائق سياسية أو اجتماعية قوية تؤثر في نظمها وخواصها، فاستمرت تحتجب بوعر الجبال وعباب المحيط، تسود فيها روح المملكة القوطية القديمة ونظمها، واستمر الجلالقة دهرا ينتسبون إلى القوط، ويسمون أنفسهم قوطا، وتسير حكوماتهم على سنن السياسة القوطية ونظمها، فالعرش مطلق يقبض على زمام السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولا يستطيع الأشراف الحد من سلطانه إلا بالثورة، أو باستعمال حقهم في الانتخاب، واستمرت خواص المجتمع القديم كما كانت أيام القوط: أقلية غنية قوية تستأثر بنعم الثروة والجاه، وأكثرية فقيرة مستعبدة ترزخ تحت جور العرش، واستغلال الأشراف والسادة، بيد أن هذه الأكثرية استطاعت أن تشق طريقها إلى الحرية، حينما اشتدت معركة الحياة والموت بين الإسلام والنصرانية في اسبانيا، واضطرت المملكة أن تلجأ إلى الأكثرية للذود عن حدودها وحياتها، وانقلب الرقيق القديم جنداً يثور ضد
стр. 220
سادته، ويرغمهم على احترامه ومصانعته. هكذا نشأت المملكة النصرانية الشمالية، ونمت واتسعت حدودها فيما بين الجبال والقفر، حتى أصبحت تمتد من بلاد البشكنس شرقاً إلى المحيط غرباً، ومن المحيط شمالاً إلى ما بعد ضفاف نهر دويرة جنوباً، وتشمل عدة مناطق وقواعد، كانت قبل ذلك بفترة يسيرة في قبضة الإسلام.
وهنا نقف في تتبع أخبار المملكة النصرانية عند هذا الحد، لنستأنفه في مواطنه فيما سيأتي.
стр. 221
الفصل الثامن
هشام بن عبد الرحمن والحكم بن هشام
(١) ولاية العهد. هشام يخلف أباه عبد الرحمن. خلاله. خروج أخويه سليمان وعبد الله. خضوع عبد الله. مطاردة سليمان وعبوره إلى المغرب. الثورة في الشمال. إخمادها. عدوان النصارى. غزو جليقية وهزيمة النصارى. غزو المسلمين الثغر الفرنجي. موقف حكام الشمال وانحرافهم إلى الفرنج. الاستيلاء على جرندة ومحاصرة أربونة. موقعة فيل دني بين المسلمين والفرنج. غزو جليقية ثانية. هزيمة الجلالقة. وفاة هشام. حزمه وتقواه. منشآته بقرطبة. شغفه بالجهاد. إعزازه للغة العربية. نفوذ الفقهاء في عهده. انتشار مذهب مالك بالأندلس. (٢) الحكم بن هشام وخلاله. محاربته لنفوذ الفقهاء وسخطهم عليه. غزوة ألبة والقلاع. الثورة في سرقسطة. عود سليمان وعبد الله عمى الحكم إلى الثورة. استنصار عبد الله بشارلمان. غزو الفرنج للثغر الأعلى ثم انسحابهم. هدوء الثورة في الشمال. الحرب بين الحكم وعمه سليمان. هزيمة سليمان وإعدامه. خضوع عبد الله. سياسة الفرنج نحو اسبانيا المسلمة. تحرشهم بالمملكة الإسلامية. موقف الخلافة العباسية من هذه السياسة. اتحاد الغاية بينها وبين الفرنج. إنتهاز الفرنج لاضطراب الحوادث الداخلية. غزوهم للثغر الأعلى ومحاصرتهم لبرشلونة. دفاع المسلمين الباسل عنها. سقوطها في أيدى الفرنج. إنشاء الفرنج للثغر القوطي. ائتمار الفقهاء والأعيان بالحكم. اكتشاف المؤامرة وسحقها. الثورة في ماردة. الثورة في طليطلة تعيين عمروس ابن يوسف حاكما لها. واقعة الحفرة. حصار الفرنج لطرطوشة. تحرك نصارى الشمال. عيثهم في أراضي المسلمين. مسير الحكم لمحاربتهم. غزو المسلمين لقطلونية. عقد الهدنة بين الحكم وشارلمان. بواعث هذا الصلح. الثورات المحلية. القحط في الأندلس. غزو المسلمين لجليقية. سخط أهل قرطبة على الحكم. تحريض الفقهاء. تحرك العامة وزحفهم على القصر. واقعة الربض. إخماد الثورة وتمزيق الثوار. معاقبة أهل الربض ونفيهم. مسير الأندلسيين إلى الإسكندرية وافتتاحهم لإقريطش. بلاغ الحكم عن الثورة وشعره فيها. تحوطاته بعد إخمادها. مرض الحكم ووفاته. وصيته لولده عبد الرحمن. أخلاق الحكم وصفاته. توطيده لهيبة الملك. إصطفاؤه للصقالبة. أبهته وفخامته. شعره. رجال دولته. الحاجب عبد الكريم. قومس أهل الذمة. ازدهار العلوم والآداب. عباس بن فرناس ويحيى الغزال.
- ١ -
خلف عبد الرحمن الداخل ولدُه هشام بعهد منه، ولم يكن أكبر ولده، بل كان أكبرهم سليمان والي طليطلة، ولم يك يومئذ ثمة نظام خاص لولاية العهد، بل كانت ولاية العهد كما هو مأثور، حقا مفوضا للأمير أو الإمام، يجريه وفقا
стр. 222
للمصلحة العامة (١)، ولم يكن انحصاره في ولد الأمير أو أسرته، سوى تقليد من تقاليد السياسة والعصبية، سارت عليه الدولة الأموية، فوضعت بذلك في الدول الإسلامية أسس الأسر الملوكية، والعروش المتوارثة. وكان من الطبيعي بعد أن ظفر عبد الرحمن الأموي، بإحياء تراث أسرته المندثر في المشرق، أن يصل ما انقطع، وأن تقوم من هذا الفرع الأموي، أسرة ملوكية جديدة تتعاقب في العرش، وتعيد بالأندلس مجد الدولة الأموية الذاهب.
وهكذا اختار عبد الرحمن لولاية العهد من بين بنيه الأحد عشر، ولده هشاماً، وآثره بهذا الاختيار لما توسمه فيه من المزايا والمواهب الخاصة. وكان مولده بقرطبة في سنة ١٣٩ هـ - ٧٥٦ م (٢). وكانت أمه - وهي " أم ولد " (٣) بارعة في الحسن تدعى"حلل" (٤) - أحب نساء عبد الرحمن إليه، وأكثرهم نفوذا لديه، وكان هشام حينما توفي أبوه مقيما بماردة مقر ولايته، فأخذ البيعة له أخوه عبد الله المعروف بالبلنسي، ولكن على غضاضة منه، لأنه مثل أخيه سليمان، كان يرى نفسه أحق بولاية العهد من أخيه الأصغر. ودخل هشام قرطبة لأيام قلائل من وفاة أبيه، وبويع في مستهل جمادى الأولى سنة ١٧٢هـ (٧٨٨ م)، وكان حينما ولى العرش في الثالثة والثلاثين من عمره، بيد أنه كان عاقلا حازما وافر الشجاعة والعزم، كثير العدل والتقوى، جم التواضع والرفق. وتشيد الرواية الإسلامية بجميل خلاله، وتنوه بالأخص بورعه، وتواضعه، وحبه للخير، فيقول لنا ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد إنه " كان أحسن الناس وجهاً، وأشرفهم نفسا، الكامل المروءة، الحاكم بالكتاب والسنة، الذي أخذ الزكاة على حلها، ووضعها في حقها، لم يعرف عنه هفوة في حداثته، ولا زلة في أيام صباه ". وقيل بلغ من تواضعه أن كان يطوف شوارع قرطبة مختلطاً بالرعية يسمع المظالم بنفسه، ويعود المرضى، ويشهد الجنائز، وربما كان يخرج في الليالي المظلمة الممطرة، فيلقى بصرر المال في المساجد لمن وجد فيها بغية تعميرها بالمصلين،
стр. 223
ويسعى إلى غوث البائس والمسكين بمختلف الوسائل (١). وكان يذهب مذهب عمر بن عبد العزيز، في تحري الحق والعدالة، فكان يبعث إلى الكور بقوم من ثقاته، للتحري عن مسلك العمال وسيرهم بين الرعية، فإذا انتهى إليه حيف من أحدهم أسقطه واشتد في عقابه (٢).
وكانت ولاية هشام نذير فوره جديدة من الثورات المحلية. ذلك أن سليمان أكبر أخوته لم يقر إمارته، ودعا لنفسه في طليطلة وما جاورها، وكذلك أخوه عبد الله البلنسي لم يخلد إلى الرضى، بالرغم مما بذله هشام لاسترضائه، ولم يلبث أن لحق بأخيه سليمان في طليطلة، وتحالفا على العصيان والثورة، وسار سليمان خفية إلى قرطبة ليحاول إضرام الثورة ضد أخيه، فلم يظفر بشىء، وطارده الجند، ففر إلى ماردة وحاول أن يعتصم بها، ولكن رده عاملها. وكان هشام قد بعث جيشا لحصار طليطلة وإخضاعها، ففر سليمان إلى جبال بلنسية، ولجأ إلى بعض ثغور تدمير. ولما رأى عبد الله البلنسي ما حل بأخيه من الفشل والهزيمة، خشي عاقبة الخروج، وارتد إلى قرطبة يلتمس الصفح من أخيه، فعفا عنه هشام وأكرم مثواه، وبعث جيشا بقيادة ولده معاوية لمطاردة سليمان وصحبه، فتوغل في أنحاء تدمير (مرسية) واضطر سليمان إلى طلب الأمان والعفو، فأجابه هشام إلى طلبه، على أن يعبر بأهله وولده إلى المغرب، وأعطاه ستين ألف دينار صلحا على تركة أبيه. وسار معه أخوه عبد الله، وأقاما بعدوة المغرب، وانتهت بذلك ثورة الأخوين (سنة ١٧٤ هـ - ٧٩٠ م) (٣).
واعتقد ثوار الشمال في نفس الوقت أن الفرصة قد سنحت بوفاة عبد الرحمن لإضرام نار الثورة كرة أخرى، فخرج بطرطوشة سعيد بن الحسين الأنصاري، وكان قد التجأ إليها منذ مصرع أبيه، والتف حوله اليمنية، وأخرج عاملها من قبل هشام، يوسف العبسي، فعارضه موسى بن فرقوق في المضرية ودعا لهشام (٤)،
стр. 224
وخرج أيضا مطروح بن سليمان بن يقظان بثغر برشلونة، والتفت حوله جموع كبيرة، واستولى على سرقسطة ووشقة، وقوى أمره، وبسط سلطانه على الولاية كلها، فسير إليه هشام جيشا كبيرا بقيادة عبيد الله بن عثمان، فسار إلى طرطوشة وانتزعها من يد الثوار، وحاصر سرقسطة وفيها مطروح وصحبه، وضيق عليها الخناق حتى ضاق أهلها ذرعا بالحصار، وفي ذات يوم اغتال مطروحا بعض أصحابه واحتزوا رأسه، وقدموها إلى ابن عثمان، فبعث بها إلى هشام، ودخل سرقسطة ظافراً (سنة ١٧٥ هـ) (١)، وقضى بذلك على الثورة في تلك الأنحاء.
وكان نصارى الشمال، منذ اشتد ساعدهم، يكثرون من الإغارة على البلاد الإسلامية والعيث فيها، ويشتد هذا العيث والعدوان كلما اضطرمت الأندلس بالفتن الداخلية، وشغلت حكومة قرطبة عن حماية الأطراف النائية. وكان الفرنج جرياً على سياستهم المأثورة، يشجعون النصارى من البشكنس والجلالقة على مواصلة التحرش بالمملكة الإسلامية، وكان هشام كأبيه يقدر خطورة هذه الدسائس الفرنجية، وتحدوه من جهة أخرى نزعة قوية إلى الجهاد والغزو، فما كاد ينتهي من القضاء على الثورة الداخلية، حتى سير إلى الشمال جيشاً قويا من أربعين ألف مقاتل بقيادة عبيد الله بن عثمان، فاخترق ألبة والقلاع (قشتالة القديمة)، واجتاح جليقية، وهزم الجلالقة بقيادة ملكهم برمودو (أو برمند) وحلفاءهم البشكنس، ومزق جموعهم (سنة ١٧٥هـ - ٧٩١ م)، وعاد إلى قرطبة مثقلا بالغنائم والسبي. ولم يمض قليل على ذلك حتى سارت إلى جليقية حملة أخرى بقيادة يوسف بن بخت، وهزم برمودو مرة أخرى، وقتلت جموع كبيرة من النصارى، وعلى أثر ذلك تنازل برمودو عن العرش لألفونسو الثاني ولد فرويلا، وأمير جليقية الشرقية، ولجأ إلى عزلة الدير.
وفي العام التالي أعني في سنة ١٧٦هـ (٧٩٢ م) تأهب هشام لمحاربة الفرنج، واستئناف عهد الجهاد والغزو، فسير إلى الشمال جيشاً كثيفاً. بقيادة حاجبه عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث (٢). فعبر البرنيه من ناحية قطلونية، واستولى
стр. 225
أثناء سيره على مدينة جيرونة (جرندة) الحصينة في قاصية شمال شرقي إسبانيا، وكان الفرنج قد استولوا عليها منذ سنة ٧٨٥ م من يد مطروح بن سليمان. وكان حكام هذه الأنحاء التي لبثت تضطرم بالثورة على حكومة قرطبة، منذ غزوة شارلمان الأولى لإسبانيا، قد استقلوا بما في أيديهم من المدن، وجنحوا إلى محالفة الفرنج جيرانهم من الشمال، والتماس حمايتهم. ومن ذلك أن أبا ثور صاحب مدينة وشقة، الذي سبق ذكره في حوادث باب الشزري، بعث رسله إلى تولوشة عاصمة أكوتين يطلب التحالف من ملكها الدوق لويس ابن شارلمان (٧٩٠ م) (١).
واستولى الحاجب عبد الملك بعد ذلك على عدد آخر من المعاقل والحصون، ثم نفذ إلى سبتمانيا، وزحف على أربونة قاعدة الثغر الإسلامي القديم. وتقول الرواية الإسلامية إن المسلمين افتتحوا خلال تلك الغزوة أربونة (٢)، ولكن الروايات الفرنجية المعاصرة لا تذكر شيئاً عن ذلك الفتح، وتذكر أن المسلمين ارتدوا عن أربونة لمناعتها إلى قرقشونة. وكان شارلمان (أو كارل الأكبر) ملك الفرنج يشتغل يومئذ بمحاربة خصومه السكسونيين بعيدا عن فرنسا، فتأهب ولده لويس أمير أكوتين لصد العرب، وأوفد لمحاربتهم جيشا بقيادة جيوم كونت دى تولوز، فالتقى الفريقان في مكان يسمى " فيل دني " على ضفاف نهر أوربينا بين أربونة وقرقشونة، ونشبت بينهما موقعة غير حاسمة، ارتد المسلمون على أثرها إلى الجنوب مثقلين بالغنائم والسبي، وقدرت أخماس السبي وحدها بخمسة وأربعين ألفاً من الذهب، وأرغم الأسرى النصارى على حمل أو جر أحمال من الأحجار والتراب من سور أربونة حتى قرطبة، وأمر هشام أن يُبنى منها جناح جديد للمسجد الجامع تخليداً لتلك الغزوة الشهيرة.
وكانت منطقة رندة، المعروفة بإقليم " تاكرنّا "، أو " تاكرني " (٣)، وفيها يحتشد البربر، مهد الفتن والقلاقل المتوالية. ففي سنة ١٧٨ هـ (٧٩٤ م) أثار البربر هنالك ضرام الفتنة مرة أخرى، وخلعوا الطاعة وعاثوا في تلك الأنحاء، فسير إليهم هشام حملة بقيادة عبد القادر بن أبان بن عبد الله، فأخمد الثورة دون رأفة، وأباد جموع البربر، وخرب بلادهم وضياعهم، وفرقهم في الأنحاء
стр. 226
والقبائل تمزيقا لعصبتهم، وبقيت هذه المنطقة عدة أعوام قفرا خرابا.
وفي ربيع سنة ١٧٩ هـ (٧٩٥ م) سير هشام إلى جليقية حملة أخرى بقيادة عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، أخى الحاجب، فاخترق المسلمون مفاوز جليقية حتى أستُرقة، ففر السكان النصارى إلى رؤوس الجبال، وتأهب ألفونسو ملك جليقية للقاء المسلمين، على رأس جيش من الجلالقة وحلفائهم البشكنس، ونشب القتال بين الفريقين في قاصية جليقية، في المكان المعروف بالصخرة، وانتصر الجلالقة في البداية في بعض الوقائع المحلية، وقتل جماعة من المسلمين في كمين دبر لهم، ولكن النصارى هزموا في النهاية، وعاث المسلمون في جليقية، وأصابوا كثيراً من الغنائم، ثم ارتدوا إلى الجنوب بعد أن مزقت قوى الجلالقة وسكنوا إلى حين، وساد الأمن في الولايات الشمالية (١).
وكانت هذه آخر غزوة سيرها هشام، إذ توفي عقب ذلك بقليل في الثالث من صفر سنة ١٨٠ هـ (١٨ إبريل سنة ٧٩٦ م) في نحو الأربعين من عمره، بعد أن حكم نحو ثمانية أعوام. وكان أبيض، أشهل، مشرباً بالحمرة، وبعينيه حول، وكنيته أبو الوليد ويلقب بالرضا (٢). وفي عهده ساد الأمن والاستقرار ربوع الأندلس بالرغم مما وقع خلاله من الثورات المحلية. وكان هشام إلى جانب رفقه وتواضعه، حازماً، صارماً في الحق، حريصا على توطيد النظام والعدالة، فلم يتردد في القبض على ابنه الأكبر عبد الملك وزجه إلى السجن لما ثبت لديه من ائتماره به، فبقى في سجنه أعواماً طويلة حتى توفي بعد وفاة أبيه (٣). وكان فوق شغفه بالجهاد والغزو، محباً للإصلاح والإنشاء، فعنى بإتمام مسجد قرطبة الجامع الذي بدأ بإنشائه أبوه وتوفي قبل إتمامه، وأنشأ عدة مساجد أخرى، وزين قرطبة بكثير من الأبنية والحدائق الفخمة، وجدد قنطرة قرطبة الشهيرة التي بناها السمح بن مالك على النهر الكبير، وأنفق في تجديدها أموالا عظيمة، وكان
стр. 227
يشرف على إصلاحها بنفسه (١)، وعلى الجملة فقد كان عهده زاهراً، وافر الأمن والرخاء.
وكان هشام شديد الورع والتقوى، وكان شغفه بالجهاد وإعلاء كلمة الدين من أخص مظاهر تقواه، وكان ينفق الأموال الطائلة في افتداء أسرى المسلمين، حتى لم يبق في عهده منهم في قبضة العدو أحد، ويرتب في ديوانه أرزاقا لأسر الجند المتوفين في الجهاد (٢). وفي عصره اتخذت السياسة الأموية إجراء يشهد ببعد نظرها، إذ جعلت العربية لغة التدريس في معاهد النصارى واليهود. وكان لذلك الإجراء بالرغم من بساطته، أثر عميق في التقريب بين أصحاب المذاهب المختلفة، وفي بث روح التفاهم والوئام بينها، ولاسيما بين المسلمين والنصارى، وكان من أثره أيضاً أن كثر اعتناق النصارى للإسلام بعد أن وقفوا على أصوله وتفاصيله، وقربت مسافة الخلاف بينهم وبين الفاتحين، ولم يكن ذلك بعيداً في الواقع عن غاية السياسة الأموية (٣).
وكان هشام يؤثر مجالس العلم والأدب ولاسيما الحديث والفقه على غيرها.
وفي عصره ذاع مذهب مالك (٤). وكان الإمام مالك، وهو معاصر لهشام، يعجب بسيرته وخلاله، ويشيد بعدله وتقواه، وكانت تجمع بين الرجلين على بعد المزار عاطفة مشتركة هي بغض بني العباس، وكان قد رحل إلى المشرق عدة من فقهاء الأندلس، منذ أيام عبد الرحمن الداخل، وفي مقدمتهم زياد بن عبد الرحمن، وعيسى بن دينار، وسعيد بن أبي هند، ويحيى بن يحيى الليثي، فدرسوا على مالك بالمدينة، واستقوا من علمه واجتهاده، ونقلوا عنه كتابه " الموطأ "، وذاع مذهب مالك على يدهم في الأندلس في عصر هشام. وكان هشام كثير الإجلال لمالك ومذهبه، فزاد ذلك في ذيوعه وتوطده، وغدا مذهب أهل الأندلس الغالب، وكانوا قبل ذلك يعملون بمذهب الأوزاعي إمام
стр. 228
أهل الشأم (١). وفي عصر هشام قوى نفوذ الفقهاء ورجال الدين، وتربعوا في أهم المناصب، وكثر تدخلهم في شئون الدولة، خلافا لما كان عليه عبد الرحمن الداخل من إقصائهم والتحرز من تدخلهم ونفوذهم، وكان لذلك أثر غير محمود ترتبت عليه فيما بعد نتائج سياسية واجتماعية خطيرة.
- ٢ -
وخلف هشاماً ولدُه الحكم بعهد منه، وبويع عقب وفاة أبيه بأيام قلائل في الثامن من صفر سنة ١٨٠ هـ (أبريل ٧٩٦ م)، وهو في السادسة والعشرين من عمره، وكان مولده بقرطبة سنة ١٥٤ هـ (٧٧١ م)، وأمه أم ولد تدعى زخرف، وكان طاغية، حازماً، شجاعاً، شديد الوطأة على خصومه والخارجين عليه، وكانت تحدوه مع ذلك نزعة إلى الإنصاف والعدالة (٢). وهو أول من أظهر فخامة الملك بالأندلس، وأسرف في تأييد هيبته، وجدد عهد أجداده بالمشرق ببذخه وروعته، واستكثر من المماليك والبطانة. وكان ميالا إلى اللهو، مولعاً بالصيد، يؤثر مجالس الندماء والشعراء، على مجالس الفقهاء والعلماء.
وآنس الفقهاء تصدع مركزهم الذي سما في عهد أبيه هشام، وكانت سياسة الحكم ترمي إلى الحد من نفوذهم، وإبعادهم عن التدخل في شئون الدولة، وكانوا بالعكس يرمون إلى انتزاع السلطة السياسية ليحكموا الأمة من وراء العرش بواسطة جمهورية دينية، فجاءت سياسة الحكم ضربة قاضية على أمانيهم، وثارث نفوسهم سخطاً على الأمير الفتى، وأخذوا يلوحون بسبه والتعريض به من فوق المنابر، ويوغرون عليه صدور العامة بالدس والوقيعة، ويسبغون على دعايتهم ثوب الوعظ والإرشاد، والحض على التمسك بأحكام الدين. وكان الحكم بإسرافه في مجالى اللهو والبذخ، يسبغ على أقوالهم قوة، وكانت دعايتهم قوية بالأخص بين البربر والمولدين (أو مسلمي الإسبان)، إذ كان هؤلاء يبغضون العرب لكبريائهم واستئثارهم بالمناصب والنفوذ، وكانوا دائماً على أهبة الخروج والعصيان كلما سنحت الفرصة. وكان لتحريض الفقهاء وسعايتهم كما سنرى آثار بعيدة المدى (٣).
стр. 229
وفي بداية عهد الحكم، في صيف سنة ١٨٠ هـ (٧٩٦ م) سار الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث غازياً بالصائفة إلى ألبة والقلاع، (قشتالة القديمة) واستولى على قلعة قلهُرّة الواقعة على نهر إيبرو، وأثخن في بلاد البشكنس (نافار)، وعاد مثقلا بالغنائم والسبي. ولكن سرعان ما اضطر الحكم إلى ترك الجهاد والغزو، ليعني بمقاومة بوادر الخروج والثورة التي أخذت تتفتح حوله من كل صوب. وكان الثغر الأعلى (أراجون) موطن الخطر في تلك المرة، وكانت تؤازره وتذكيه عوامل خارجية في منتهي الخطورة. ذلك أن الحكم ما كاد يجلس على عرش أبيه، حتى عول عماه سليمان وعبد الله على التحرك مرة أخرى.
وكانا يقيمان في عدوة المغرب منذ أيام أخيهما هشام، يرقبان الفرص. واتصل عبد الله بابن الأغلب صاحب إفريقية وخاطبه في مشروعهما، ولكنه لم يلق على ما يظهر منه تأييداً، فاتجه الأخوان وجهة أخرى. وكانت مدائن الثغر الأعلى (١) وفي مقدمتها سرقسطة ما زالت، منذ أيام عبد الرحمن الداخل تفيض بعوامل الفتنة، ففي سنة ١٨١ هـ (٧٩٧ م) ثار بالثغر الأعلى بهلول بن مروان المعروف بأبى الحجاج ودخل سرقسطة، وثار حاكم مدينة وشقة في نفس الوقت. فعبر سليمان وعبد الله سراً إلى الأندلس، وسار عبد الله إلى الثغر الأعلى يؤلب البلاد، ويحشد الأنصار لمقاتلة الحكم، ثم عبر جبال البرنيه إلى بلاد الفرنج، وسعى إلى مقابلة شارلمان (كارل الأكبر) في مدينة إيكسلا شابيل حيث كان يعقد بلاطه يومئذ، والتمس إليه العون والمؤازرة، فأكرم ملك الفرنج وفادته، واستجاب إلى دعوته، وألفى الفرصة سانحة للتدخل في شئون الأندلس، وتحقيق مطامعه القديمة.
وسير شارلمان جيشاً مع ولده لويس أمير أكوتين، فعبر البرنيه واستولى على مدينة جيرونة (جيرندة)، ثم توغل في ولاية الثغر الأعلى، بممالأة بعض الزعماء الخوارج، وقيل إن الأخوين عبد الملك وعبد الكريم ابنى عبد الواحد
стр. 230
ابن مغيث انضما يومئذ إلى عبد الله في ثورته، وأنهما سارا إلى سرقسطة، ولكن أبا صفوان حاكمها من قبل الحكم، استطاع أن يهزم الخوارج، وأن يأسر زعيمهم عبد الكريم، وأن الأخوين عادا بعد ذلك إلى الطاعة واستأمنا في أوائل سنة ١٨٦هـ فأمنهما الحكم، ووفدا على قرطبة وقدما خضوعهما وإخلاصهما (١). وقد نجد ما يؤيد هذه الرواية في أنه لم يرد للأخوين ذكر خلال هذه الأعوام الخمسة، مع أنهما كانا دائماً في الطليعة في قيادة مختلف الحملات والغزوات. وعلى أي حال فقد بادر الحكم بالسير إلى الشمال لرد هذا الخطر الجديد. والظاهر أن الفرنج لم يلقوا الحوادث ممهدة في ذلك الجزء المضطرم من الأندلس، وخشوا من جهة أخرى من نكث حلفائهم المسلمين، وتكرار مأساة باب الشزري، فارتدوا إلى الشمال بعد أن حاصروا مدينة وشقة حيناً (٧٩٧ م)، تاركين الأمور لمصيرها، ولما رأى الزعماء الخوارج عبث المقاومة، عادوا إلى الطاعة، واسترد الحكم سلطانه على سرقسطة ووشقة ولاردة وغيرها.
стр. 231
وفي ذلك الحين كان سليمان بن عبد الرحمن قد استطاع أن يحشد أنصاره ولاسيما من البربر، وهرع إليه أخوه عبد الله البلنسي بعد فشله في الشمال، وسار الخوارج إلى قرطبة يحاولون الإغارة عليها، فالتقوا بجند الحكم على مقربة منها في مكان يسمى " فنجيط " وذلك في شوال سنة ١٨٢ هـ، فهزم سليمان. ثم التقى الجمعان ثانية بالقرب من إستجَّة في صفر سنة ١٨٣، فهزم سليمان مرة أخرى بعد قتال عنيف، وفر في أصحابه متجها إلى ماردة، فبعث الحكم الجند في أثره، فطاردته حتى قبض عليه. وجىء به إلى الحكم، فأمر بإعدامه، وأعدم معه عدة من زعماء الفتنة، وأرسلت رؤوسهم إلى قرطبة حيث طيف بها (سنة ١٨٤ هـ - ٨٠٠ م).
وفر أخوه عبد الله إلى بلنسية فاختفى بها، ولكنه لم ير في النهاية مناصا من طلب العفو، فعفا عنه الحكم وأصدر له أماناً خاصاً، وذلك على أن يبقى في بلنسية وتجري عليه أرزاقه، وبعث عبد الله إلى الحكم بابنه عبيد الله فأكرمه الحكم وزوجه إحدى أخواته، وركن عبد الله إلى السكينة طوال عهد الحكم (١).
وهكذا انتهت المرحلة الأولى من الحوادث التي اقترنت بثورة سليمان وأخيه عبد الله، ولم يجن الفرنج فيها كبير غنم، ولكن ذلك لم يثن شارلمان عاهل الفرنج عن عزمه ومشاريعه. ذلك أن سياسة التدخل في شئون إسبانيا المسلمة، كانت أصلا من أصول السياسة الفرنجية، وكان الفرنج ينظرون بعين التوجس، إلى قيام هذه الإمارة الإسلامية الجديدة فيما وراء البرنيه، وإلى توطدها ونموها، ويخشون بالأخص أن يضطرم الإسلام بفورة جديدة من الجهاد والغزو، فينساب تيار الفتح الإسلامي إلى غاليس كرة أخرى، وقد حاول شارلمان ضربته الأولى في عهد عبد الرحمن الداخل فباء بالهزيمة والفشل، ونكب في مفاوز رونسفال (باب الشزري). ولما عبر المسلمون جبال البرنيه في عهد هشام وغزوا سبتمانيا، تجددت مخاوف الفرنج وتجددت مشاريعهم لتأمين حدودهم الجنوبية، وكانوا يلتمسون الفرصة كلما اضطرمت الأندلس بالثورة. وهنا يجدر بنا أن نتساءل، هل كان لسياسة الخلافة العباسية أثر في صوغ هذه السياسة الفرنجية نحو الأندلس أو الإيحاء بها؟ لقد رأينا كيف كانت الخلافة العباسية تحاول بث دعوتها في الأندلس على يد بعض الزعماء الخوارج، وكيف كانت هذه الدعوة تحدث أثرها في إضرام نار
стр. 232
الفتنة. على أن الخلافة العباسية، كانت من جهة أخرى تتصل بالمملكة الفرنجية بصلات سياسية. وترجع الرواية الفرنجية هذه الصلة إلى عهد المنصور، وتقول لنا إن ببين ملك الفرنج أرسل إلى المنصور سفارة رد عليها المنصور بمثلها، وتضيف الرواية الفرنجية إلى ذلك أنه كانت ثمة بعدئذ مكاتبات وسفارات بين الرشيد وبين شارلمان ولد ببين، ومع أن الرواية الإسلامية لا تذكر شيئا عن هذه العلائق بين ملك الفرنج والخليفة العباسي، فإن في تفاصيل الرواية الفرنجية، وفي طبيعة الحوادث التي كان يجوزها الشرق والغرب يومئذ، ما يحملنا على الاعتقاد في صحتها (١). وهذه العلائق ذاتها تلقي ضوءاً على موقف السياسة العباسية، من حوادث الأندلس في ذلك الحين. فقد كانت الخلافة العباسية ترى في قيام إمارة قرطبة الأموية في الغرب منافسا لها في سيادة العالم الإسلامي، ولم يكن يسوءها أن تتعثر هذه الإمارة الفتية في معترك من الصعاب والفتن، وأن تشغل بمقارعة أعدائها في الداخل والخارج. وإذاً فقد كانت الخلافة العباسية تشاطر السياسة الفرنجية نفس الغاية التي ترمي إليها بالنسبة لإمارة قرطبة، وهي العمل على إضعافها وتحطيمها إن أمكن، ولما كانت الدولة العباسية لا تستطيع أن تعمل لتحقيق هذه الغاية بطريق مباشر، فقد كان في وسعها على الأقل أن تعمل لتأييدها بطريق الدعوة والتحريض. ولم يكن بعيداً أن يجد الخليفة العباسي، وهو يبسط حكمه على ملايين من النصارى، وفي أرضه يقع القبر المقدس، وسيلة للتفاهم مع إمبراطور الفرنج وحامي النصرانية، وأن يجد عاهل الفرنج ما يشجعه على إذكاء تحرشه بإمارة قرطبة، في رفق الخليفة برعاياه النصارى، هذا فضلا عن أن السياسة الفرنجية تعمل بذلك على تحقيق غايتها الأصلية من مناوأة الإسلام في اسبانيا وإضعاف سيادته ونفوذه، وحماية حدود مملكة الفرنج الجنوبية. وإذاً فمن المحتمل أن يكون لهذه السفارات والمراسلات السياسية، التي تقول الرواية الفرنجية بوقوعها بين الرشيد وشارلمان، صلة بهذه المرحلة من تدخل الفرنج في شئون اسبانيا المسلمة، واعتدائهم المتكرر على أراضيها. وقد وقع الغزو الفرنجي لشمال اسبانيا في عهد الحكم بين سنتي ١٨١ و١٨٥هـ، أعني في أواسط عهد الرشيد
стр. 233
(١٧٠ - ١٩٣هـ). والواقع أن في اتحاد المصلحة والغاية بين الخليفة العباسي وعاهل الفرنج، ما يسبغ على هذا الفرض تأييداً.
ولما كانت السياسة الفرنجية ترمي قبل كل شىء إلى تأمين غاليس (جنوب فرنسا) من خطر الغزو الإسلامي، فقد رأت أن تنشىء في قاصية اسبانيا الشمالية الشرقية مما يلي جبال البرنيه، ولاية فرنجية جديدة تكون سدا بين الغزاة وبين مملكة الفرنج، وأنشئت هذه الولاية التي سميت " بالثغر القوطي " أو الثغر الإسباني في البداية، من مدن جيرونة (جيرندة) وأوزونة وسولسونة، وما حولها مما اقتطعه الفرنج من أراضي اسبانيا المسلمة، التي كانت تابعة لرباط الثغر الإسلامي القديم. ولما عاد الاضطراب إلى الثغر الأعلى، وشغلت حكومة قرطبة بأمر الثورات الداخلية المتوالية، ألفى الفرنج الفرصة سانحة لدفع غزواتهم نحو الجنوب، وكان شارلمان يطمح بالأخص إلى افتتاح ثغر برشلونة المنيع ليكون معقلا لحماية أملاكه الجنوبية، وحلقة اتصال بحري سهل بينها وبين فرنسا. وعمد شارلمان قبل البدء في تنفيذ مشروعه إلى عقد محالفة بينه وبين أمير جليقية ألفونسو الثاني (سنة ٧٩٨ م)، لكي يكتسب ولاء البشكنس ومعاونتهم. وفي سنة ٨٠١ م (١٨٥ هـ) سير شارلمان إلى اسبانيا جيشاً ضخماً لافتتاح برشلونة بقيادة ولده لويس أمير أكوتين، وانقسم هذا الجيش إلى قسمين، سار أحدهما بقيادة حاكم جيرونة لمحاصرة برشلونة، وسار الآخر بقيادة جيوم كونت دي تولوز ليرابط جنوب غربي برشلونة بين لاردة وطركونة، ليحول دون وصول أى مدد إلى المدينة المحصورة. وكان الحكم يشغل يومئذ بمطاردة الخوارج عليه وفي مقدمتهم عمه عبد الله، وكان والي برشلونة، سعدون الرعيني، في مأزق حرج، يتطلع عبثاً إلى قدوم المدد، وهو في ثغره القاصي بعيداً عن كل عون ومساعدة، ولم يكن له ما يؤمل من معاونة زملائه ولاة الثغر الأعلى، ومعظمهم يضمر الخروج على حكومة قرطبة، ويرى في اضطراب الأمور ملاذاً. ومع ذلك فقد صمدت برشلونة، وصمم واليها الشجاع على المقاومة، ولبثت حيناً تعاني أمر ضروب الحرمان والجوع، دون أن يأتيها المدد المنشود. ثم تفاقم الأمر وجاء جيش جديد من الفرنج بقيادة لويس ليشدد الحصار على المدينة، فرأى سعدون الرعيني أن يحاول التماس المدد بنفسه من قرطبة، وغادر برشلونة تحت جنح الظلام،
стр. 234
وحاول أن يخترق خطوط العدو، ولكنه ضبط وأسر، ولم تستطع برشلونة ثباتاً بعد أن هلك ألوف من أهلها، وفتحت ثغرات عديدة في أسوارها، فاضطرت إلى التسليم بعد أن ذاقت ويلات الحصار سبعة أشهر. واتخذ الفرنج من برشلونة مكان جيرندة، قاعدة للثغر القوطي الذي نما فيما بعد، وكان الفرنج يعينون حكامه من الكونتات الذين ينتمون إلى أصل قوطي أو فرنجي. ولم يلبث أولئك الحكام، حينما شعروا بقوتهم وبعدهم عن سلطان مملكة الفرنج، أن أعلنوا استقلالهم، وغدا الثغر الفرنجي إمارة نصرانية هي إمارة قطلونية، التي اندمجت فيما بعد في مملكة أراجون القوية، وخسر الإسلام بفقد برشلونة أمنع ثغوره في قاصية اسبانيا، وارتدت حدود الأندلس إلى الثغر الأعلى، بعد أن كانت تجاوز جبال البرنيه (١).
وفي سنة ١٨٩ هـ (٨٠٥ م) اكتشف الحكم مؤامرة خطيرة دبرت لخلعه، وكان من ورائها رهط الفقهاء الذين قضى الحكم على نفوذهم، مثل يحيى بن يحيى الليثي، وعيسى بن دينار، وطالوت الفقيه، وغيرهم من زعماء المالكية. وقد رأينا كيف سخط الفقهاء على الحكم لتصدع نفوذهم القديم، وأثاروا عليه وعلى خلاله دعاية قوية، واتهموه من فوق المنابر بالقسوة والخروج على أحكام الدين، وكيف كان الحكم، بمرحه وبذخه، وشغفه باللهو والشراب، يسبغ على دعايتهم قوة. وكان ثمة فريق آخر من أعيان قرطبة ينقم على الحكم صرامته وطغيانه. وكان هؤلاء وهؤلاء يتربصون بالحكم ويلتمسون الفرصة للإيقاع به، وكان في موقف الشعب القرطبي، ما يشجعهم على تدبير مشاريعهم، إذ كان الشعب متأثراً بدعاية الفقهاء في حق الحكم، وبما كان يبديه الحكم من ترفع عن الشعب، فكان أهل قرطبة يبغضون الحكم وبلاطه. وهكذا ائتمر الفقهاء والأعيان بالحكم واتفقوا على خلعه، وكان في مقدمة المتآمرين مالك بن يزيد بن يحيى التجيبي، وموسى بن سالم الخولاني، وأبو كعب بن عبد البر وأخوه عيسى، ويحيى ابن مضر القيسي الفقيه وغيرهم، وكان بينهم بعض المروانية من أقارب الحكم، ومنهم محمد بن القاسم المرواني الذي اختاره المتآمرون لرياستهم، ووعدوه بأن
стр. 235
يكون خلف الحكم في الإمارة (١)، ولكنه خشى العاقبة وبادر بإبلاغ الحكم، واكتشفت المؤامراة قبل نضجها، وقبض الحكم على عدد كبير من المتآمرين. واستطاع بعضهم الفرار، مثل يحيى بن يحيى، وعيسى بن دينار. وأعدم الحكم منهم اثنين وسبعين رجلا، وأبدى في إعدامهم قسوة ظاهرة، إذ صلبهم على شاطىء النهر تجاه مشارف القصر، وكان من بين القتلى عماه مسلمة المشهور بكليب، وأمية، ابنا عبد الرحمن بن معاوية، قتلهما لارتيابه في سلوكهما، فأثار هذا الإجراء الدموي في قرطبة أيما ارتياع، وأسبغ على خلال الحكم ريباً، وأذكى الحفيظة على الأمير في نفوس الخاصة والعامة معاً. وشعر الحكم بخطورة هذا الأثر، فحصن قرطبة ورمم أسوارها، واحتفر الخنادق حولها، وفرض على الشعب حكم إرهاب يزيد في حفيظته. ولم تمض أشهر على ذلك حتى اضطرمت في قرطبة فورة من السخط، وثار العامة في الرَّبض (الضاحية) بزعامة رجل منهم يقال له ديبل، وكان الحكم غائباً يشرف على محاصرة الثوار في ماردة، فعاد مسرعاً إلى قرطبة، وقبض على زعيم الفتنة وعدة كبيرة من أنصاره، وصلبوا جميعاً ومثل بهم، وسحق الهياج دون رأفة، وهدأت العاصمة إلى حين (٢).
وفي العام التالي، سنة ١٩٠ هـ (٨٠٦ م)، نشبت الثورة في ماردة بقيادة زعيمها أصبغ بن عبد الله بن وانسوس، فسار الحكم إلى قتاله، ولكنه ارتد عنه حينما وقف على نبأ الهياج في قرطبة. وترددت الحملات والبعوث بعد ذلك إلى ماردة لإخماد الثورة، واستمر زعيمها أصبغ على مقاومته بضعة أعوام، وكان ذا وجاهة وبأس، يلتف حوله مواطنوه البربر وهم كثرة في ماردة وما حولها، ولكنه اضطر أخيراً إزاء حزم الحكم وصرامته إلى طلب الأمان والصلح، فأجابه الحكم إلى طلبه، وعادت ماردة إلى الطاعة (٣).
وكانت طليطلة حاضرة القوط القديمة، وقاعدة "الثغر الأوسط" (٤) ما تزال
стр. 236
منذ الفتح تفيض بعوامل الهياج والثورة، وكان بين أهلها كثرة من المولدين أو النصارى الذين دخلوا في الإسلام، والمستعربين أو النصارى المعاهدين. وقد سبق أن عنينا بالتعريف بهذين العنصرين، اللذين اضلعا بأدوار خطيرة في تاريخ اسبانيا المسلمة، وأوضحنا أن العرب والبربر، وهما العنصران اللذان تعاونا في فتح اسبانيا، لم يكونا أغلبية بين الشعب الأندلسي الذي تكون بعد الفتح بمضي الزمن، وكان العرب بالأخص أقلية في معظم المدن الكبيرة، لكن هذه الأقلية العربية كانت تستأثر بالحكم، وخصوصاً في الأقاليم الوسطى والجنوبية القريبة من قرطبة مركز الإمارة والسيادة. وكان البربر من جانبهم أغلبية في بعض المناطق الغربية والشمالية، وكانوا حيثما غلبت كثرتهم وسلطتهم، يتحدون في معظم الأحيان مع المولدين، وأحياناً مع النصارى المعاهدين أنفسهم، على مناوأة حكومة قرطبة.
أما "المولدون" فكان معظمهم حسبما أسلفنا من الإسبان والقوط الذين اعتنقوا الإسلام منذ الفتح تباعاً، واندمجوا في المجتمع الإسلامي، وقد كانوا كثرة في بعض المدن القوطية العريقة مثل طليطلة وبعض مدن الثغر الأعلى، وقد برزت منهم بعض الأسر القوية ذات السلطان والبأس، مثل بني قسىّ زعماء الثغر الأعلى وبنو حفصون زعماء ريُّه، ويصفهم المستشرق سيمونيت بأنهم كانوا بعد اندماجهم في المجتمع الإسلامي أشد تعصباً ضد النصارى من المسلمين الخلص أنفسهم (١).
وأما النصارى المعاهدون أو المستعربون كما يسمون بالإسبانية Mozarabes، فهم حسبما أشرنا من قبل النصارى الإسبان الذين آثروا الاحتفاظ بدينهم، وبقوا في المدن الأندلسية المفتوحة تحت الحكم الإسلامي. وبالرغم مما كانت تسبغه الحكومة الإسلامية عليهم من أسباب الرعاية، وما كان لهم في كثير من الأحيان من الحظوة والتمتع بثقة الأمراء، وتولي كثير من الوظائف الهامة، فقد كانوا على العموم عنصراً قليل الولاء للحكومة الإسلامية، وكانوا في المدن البعيدة في كثير من الأحيان، يحالفون الثوار من المسلمين والبربر والمولدين، ويمالئونهم، ويعملون على عقد الصلات بينهم وبين الملوك النصارى، سعياً إلى مناوأة حكومة قرطبة وخلق الصعاب في وجهها. وسنرى أى دور خطير يلعبه أولئك النصارى المعاهدون في قرطبة في عهد عبد الرحمن بن الحكم، لإثارة الفتن والاضطراب في المملكة الإسلامية.
стр. 237
هذا، وفضلا عما كان للمولدين والنصارى المعاهدين من كثرة ظاهرة في مدينة طليطلة، فإن أهل طليطلة على وجه العموم، لم ينسوا سالف عزهم ومجدهم أيام أن كانت مدينتهم دار ملك القوط، وكانوا يعتزون بكثرتهم وثروتهم وحصانة مدينتهم (١)، وتحدوهم روح من التمرد والخروج المستمر على حكومة قرطبة. وقد رأينا كيف كانت طليطلة مركز الثورة، وملاذ الزعماء الخوارج منذ عهد عبد الرحمن الداخل. وفي عهد الحكم عادت طليطلة إلى سابق سيرتها، وثار فيها في سنة ١٨١هـ (٧٩٧ م) عبيدة بن حميد، فوجه الحكم قائده عمروس ابن يوسف لمحاربته، وكان يقود الجيش في طلبيرة، فالتقى بالثوار في عدة مواقع، ولما رأى ثبات الثوار لجأ إلى سلاح الغيلة، واستمال بعض وجهاء المدينة بالمنح والوعود، ودفعهم إلى اغتيال عبيدة بن حميد، وبذا أخمدت الثورة إلى حين، وأذعنت المدينة الثائرة لسلطان الحكم. ولكن هذا الهدوء المؤقت لم يطل أمده، ولم تمض بضعة أعوام حتى عادت طليطلة إلى الثورة، ولم ير الحكم وسيلة لإخضاعها سوى تعيين عمروس بن يوسف حاكماً لها. وكان عمروس " مولداً " من أهل وشقة، ذا وجاهة وبأس، وكان قد ظهر في الثغر الأعلى، وأظهر طاعة الحكم ودعا له، خلافاً لكثير من زعماء الثغر الخوارج، فسر الحكم بمسلكه ودعاه إلى خدمته، واختاره للقيادة، ثم اختاره لولاية طليطلة ليعالج المدينة الثائرة، ويعمل على إخضاعها، ولوحظ في هذا الاختيار أن عمروس مولد، وأن معظم أهل طليطلة من المولدين. وكتب الحكم إلى أهل طليطلة يقول: "إني قد اخترت لكم فلاناً وهو منكم لتطمئن قلوبكم إليه، وأعفيتكم ممن تكرهون من عمالنا وموالينا، ولتعرفوا جميل رأينا فيكم". ودخل عمروس طليطلة، فأنس به أهلها، وتظاهر أمامهم ببغض بني أمية والموافقة على خلع طاعتهم، واستمالهم برفقه ولينه، ثم أنشأ بموافقهم في ظاهر طليطلة قلعة حصينة بحجة إيواء الجند والموظفين فيها بعيداً عن أهل المدينة وحرصاً على راحتهم، وبعث إلى الحكم يستقدم إليه الجند سراً، فسير الحكم جيشاً بقيادة ولده عبد الرحمن لمقاتلة نصارى الشمال في الظاهر، ثم عرج هذا الجيش حين العودة على طليطلة، وخرج عمروس لملاقاة الأمير
стр. 238
وتحيته، ومعه وجوه المدينة، فأكرمهم عبد الرحمن ولاطفهم. وهنا دبرت المؤامرة التي هلك فيها وجوه طليطلة وأعيانها، وفي بعض الروايات أن الذي دبرها وأوعز بتنفيذها هو الحكم، في خطاب أرسله سراً إلى عمروس مع ولده عبد الرحمن، وفي البعض الآخر أن الذي دبر الكمين هو عمروس. وعلى أى حال فقد نفذت المؤامرة بأن أقام عمروس في القلعة الجديدة، وليمة حافلة دعا إليها ألوفاً من الكبراء والأعيان، ورتب الدخول من باب والخروج من باب آخر، منعاً للزحام، وجعل الخدم يقتادون المدعوين إلى غرف الطعام عشرة عشرة، وكلما دخل منهم فوج أخذوا إلى ناحية معينة، وضربت أعناقهم، وألقيت جثثهم إلى حفرة عظيمة، حفرت خصيصاً في مؤخرة القصر، وأصوات الطبول والمزامير تحول دون سماع استغاثتهم، ولم يفطن أحد إلى الحقيقة المروعة إلا بعد أن تعالى النهار، ولم يبد للداخلين أثر في الخروج، ولم يسمع لهم ضجيج، فعندئذ فطن البعض إلى الكمين، وتصايح القادمون ونكصوا على أعقابهم، وهلك في تلك المذبحة التي تعرف بواقعة " الحفرة " عدد كبير من وجوه طليطلة وأعيانها, يقدره البعض ببضع مئين والبعض الآخر ببضعة آلاف، وكانت ضربة شديدة للمدينة الثائرة جردتها من زعامتها، وأضعفت من شأنها، وقضت مدى حين على روح الثورة فيها، وكانت وقعة الحفرة في سنة ١٩١ هـ (٨٠٧ م) (١).
وفي ذلك الحين غزا الفرنج بقيادة لويس ولد شارلمان (٢)، ولاية الثغر الأعلى مرة أخرى، وحاصروا مدينة طرطوشة (سنة ١٩٢ هـ)، فبعث الحكم جيشاً إلى الشمال بقيادة ولده عبد الرحمن، فارتد الفرنج إلى أراضيهم، ثم عادوا إلى حصار طرطوشة في العام التالي بقيادة لويس أيضاً، وعاد المسلمون إلى قتالهم بقيادة عبد الرحمن، ومعه في تلك المرة عمروس عامل الثغر الأوسط،
стр. 239
وعبدون عامل الثغر الأعلى، في قواتهما، ونشبت بين المسلمين والفرنج عدة وقائع انتهت بهزيمة الفرنج وإنقاذ طرطوشة، وذلك في سنة ١٩٣هـ (٨٠٩ م).
وعمد نصارى الشمال كعادتهم إلى انتهاز كل فرصة سانحة للإغارة على أراضي المسلمين، وشجعهم انشغال حكومة قرطبة بقمع الثورات المختلفة، وكان ملك جليقية يومئذ ألفونسو الثاني، الملقب بالعفيف، أميراً شديد التعصب لدينه ووطنه، وكانت حملاته المتوالية إلى أراضي المسلمين يطبعها لون ديني عميق، وعبر ألفونسو نهر دويرة (دورو) إلى أراضي المسلمين غير مرة، وعاث فيها قتلا ونهباً وسبياً، وكانت حملاته تتجه بالأخص إلى أطراف الثغر الأدنى، والي المنطقة الواقعة بين نهري دويرة والتَّاجُه، لبعدها عن حكومة قرطبة، وضعف وسائل الدفاع فيها، وتوغل ألفونسو في حملاته حتى قُلُمْرية (قلنبرية) وأشبونة، وعانى المسلمون في تلك الأنحاء كثيراً من جراء غزوات النصارى، وترامت إلى الحكم آلامهم واستغاثتهم، ورفع إليه شاعره عباس بن ناصح الجزيري قصيدة يصف فيها آلام أهل الثغر ومصائبهم. ففي صيف سنة ١٩٤هـ (٨١٠ م) (١)، سار الحكم غازياً بنفسه إلى أراضي ألبة والقلاع، وتوغل فيها مما يلي وادي الحجارة غرباً، وأثخن في تلك الأنحاء، وهزم النصارى في عدة وقائع، وقتل وسبى منهم جموعا كثيرة، واطمأنت نفوس المسلمين في الثغر بزجر النصارى وردهم إلى داخل أراضيهم.
وسير الحكم في العام التالي جيشاً إلى الثغر الأعلى بقيادة عمه عبد الله البلنسي، فغزا قطلونية، وهاجم مدينة برشلونة، وهزم الفرنج، ولكنه لم يحرز فتوحا ثابتة. وشعر الفرنج، كما شعر المسلمون بعقم هذه الحملات المخربة، وآثر الفريقان التفاهم والمهادنة، ويقول لنا ابن حيان إنه كان ثمة باعث آخر على التعجيل بعقد السلم بين العاهلين، هو استفحال أمر إدريس بن إدريس بن عبد الله الحسنى بأرض العدوة (المغرب)، وتقاطر الوفود من إفريقية والأندلس إلى بيعته، وتوجس الحكم من مصاير هذه الحركة الجديدة بالمغرب (٢). وهكذا عقد
стр. 240
السلم بين شارلمان والحكم، واستمر معقوداً حتى وفاة شارلمان بعد ذلك بأعوام قلائل في سنة ٨١٤ م.
ووقعت في تلك الأثناء عدة ثورات محلية، فثار حزم بن وهب في باجة، وامتد سلطانه حتى أشبونة، فسير إليه الحكم ولده هشاماً، فقاتل الثوار حتى أذعنوا لطلب الأمان. وعادت طليطلة إلى الثورة في سنة ١٩٧هـ لأعوام قلائل من واقعة الحفرة، فرأى الحكم أن يسير إليها بنفسه، فسار في قواته من طريق منحرفة كأنه يقصد الشمال، ثم تحول إليها فجأة، ولم تكن الثورة يومئذ، في مثل عنفها القديم، فلم يجد الحكم مشقة في دخول المدينة الثائرة وإخضاعها (سنة ١٩٩هـ). وثارت بعد ذلك ماردة بقيادة زعيمها مروان بن يونس الجليقي، فبعث الحكم إليها ولده عبد الرحمن في الجند فأخضعها.
وفي سنة ١٩٧هـ (٨١٢ م) عصف بالولايات الشمالية قحط شديد، وعانى المسلمون في تلك الأنحاء كثيراً من ضروب الحرمان والبؤس، ومات منهم خلق كثير، وعبر البحر إلى العدوة الكثير منهم، فبادر الحكم إلى إغاثتهم ومعاونة المنكوبين منهم، وتخفيف الويل عنهم، وفرق الصدقات الواسعة والأموال الكثيرة في الضعفاء والمساكين، وأبناء السبيل، وفي ذلك يمتدحه شاعره عباس بن ناصح الجزيري بقوله:
نكد الزمان فآمنت أيامه ... من أن يكون بعصره عسر
طلع الزمان بأزمة فجلت له ... تلك الكريهة جوده الغمر
وكانت آخر غزوة قام بها الحكم في الشمال في سنة ٢٠٠هـ (٨١٥ م) إذ سير الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث إلى جلِّيقية في جيش ضخم، وكان الجلالقة وحلفاؤهم البشكنس ما يزالون على عدوانهم وعيثهم بالأراضي الإسلامية المجاورة، فتوغل المسلمون في أراضي جليقية، وأثخنوا فيها، ونشبت بينهم وبين النصارى موقعة شديدة على ضفاف نهر أرون استمرت عدة أيام، وانتهت بهزيمة النصارى، وقتل منهم عدد كبير، ووقع في الأسر جماعة من أمرائهم وأكابرهم، وارتد النصارى إلى الداخل، واعتصموا بالوهاد والربى، وعاد الحاجب إلى قرطبة ظافراً (١).
стр. 241
وفي أواخر عهد الحكم اضطرمت بقرطبة ثورة خطيرة كادت أن تزعزع عرشه، وكان الشعب القرطبي ينقم على الأمير طغيانه وصرامته وكبرياءه، وكان بين أهل قرطبة كثير من " المولدين " الذين يبغضون السلطة الحاكمة، لشعورهم بنقص في مركزهم الإجتماعي وفي حقوقهم العامة، وكان الفقهاء من جهة أخرى، وفي مقدمتهم جماعة من المحرضين البارعين مثل طالوت المعافري وغيره، يعملون على إذكاء سخط العامة على الحكم وبلاطه، بما يرمون به الحكم من جنوح إلى المعاصي، واقتراف للإثم، وانهماك في اللهو والشراب، فكانت بين الأمير وبين أهل قرطبة وحشة تشتد على ممر الأيام، وزاد في سخط العامة ما فرضه الحكم على المواد الغذائية، من عشور مرهقة، وكان العامة يجاهرون بذم الأمير والخوض في سيرته، ويجتمعون في المساجد ليلا لتجريحه والطعن عليه، ووصلت بهم الجرأة إلى أن كانوا يتعرضون له في الطريق، وينعتونه علنا " بالمخمور ". وحدث ذات يوم أن خرج الأمير إلى الصيد، وشق سوق "الربض" فتعرضوا له بالقول، وصفقوا عليه بالأكف، فأمر بالقبض على عشرة من زعمائهم وصلبهم. ويقول لنا ابن القوطية، إن أولئك الذين قبض عليهم وصلبوا كانوا من زعماء مؤامرة دبرت ضد الحكم، وكان منهم بعض أعلام القوم، مثل يحيى بن نصر اليحصبي، وموسى بن سالم الخولاني وولده (١). وهنا ازداد الهياج، وبدت أعراض الثورة، وتحفز العامة للوثوب، وأكثروا من التعرض لجند الأمير وحرسه والاعتداء عليهم، وشعر الحكم بخطورة الموقف، فحصن القصر واتخذ أهبته. وفي ذات يوم اضطرمت نار الثورة فجأة، وذلك على أثر مشادة وقعت بين أحد مماليك الحكم وبين صيقل عهد إليه بصقل سيفه، فتباطأ الصيقل، فقتله المملوك، فثار العامة في الحال، وهرعوا إلى السلاح، وكان أشدهم تحفزاً وهياجاً أهل "الربض" الجنوبي في الضفة الأخرى من النهر، وهي ضاحية قرطبة الجنوبية المسماة (شَقُندة)، وكانت كثرتهم من الأوغاد والسفلة، وكان ذلك في اليوم الثالث عشر من رمضان سنة ٢٠٢ هـ (٢٥ مارس ٨١٨ م) (٢)، وزحفت
стр. 242
جموع الثوار إلى القصر من كل ناحية، وتأهب الحكم في حرسه وغلمانه لردها، وبعث ابن عمه عبيد الله البلنسي صاحب الصوائف، والحاجب عبد الكريم، في قوة من الفرسان والمشاة، فاستقبلت الجموع الزاحفة، وردتها إلى الوراء بعد أن نفذت إلى فناء القصر، ثم شقت طريقها إلى النهر واقتحمته إلى الضاحية الثائرة، وأضرمت النار في عدة من أنحائها، ونجحت هذه الوسيلة في تفرقة ْشمل الثوار، إذ ما كادت ألسنة اللهب تبدو، حتى هرع الكثير منهم إلى دورهم يحاولون إطفاء النار وإنقاذ الأهل والولد. وهنا احتاط الجند بالثوار من كل ناحية وأمعنوا فيهم قتلا حتى أفنوا منهم خلقاً كثيراً، وطاردوهم في كل مكان، ونهبت دورهم، وأسر منهم عدد كبير، وفر من استطاع، ومنهم بعض الفقهاء والمحرضين مثل طالوت وغيره، والتجأ البعض إلى طليطلة، واستمر القتل والنهب ثلاثة أيام حتى مزقوا كل ممزق، وصلب الحكم تجاه قصره على شاطىء النهر ثلاثمائة رجل من الثوار، صفوفاً منكسة، إرهاباً لأهل قرطبة. ثم كف الجند عنهم، ونودي بالأمان وهدأت الفتنة، وأمر الحكم بديار الثوار فهدمت عن آخرها، ولا سيما "الرَّبَض"، القبلي الذي كان مهد الفتنة، وقام على الهدم ربيع القومس عامل أهل الذمة وقائد الغلمان الخاصة، فمسح أحياء الثوار مسحاً، وغدت ْألوف كثيرة منهم دون مأوى، وأمر الحكم بخروجهم من قرطبة في الحال، وأن
стр. 243
لا أمان لمن لديه تخلف منهم. وبدأ رحيلهم في العشرين من رمضان (٢٠٢هـ) فتفرقوا في الثغور والكور، ولجأت جموع منهم إلى طليطلة لمخالفة أهلها على الحكم يومئذ، وعبر البحر كثير منهم إلى عدوة المغرب، واتجهت جماعة كبيرة منهم قوامها زهاء خمسة عشر ألفاً إلى المشرق في عدة من السفن، ورست في مياه الإسكندرية، وكانت مصر تضطرم يومئذ بنار الحرب الأهلية التي نشبت بين السّرى بن الحكم وبين خصومه حول ولايتها، فنزل الأندلسيون إلى الثغر واستقروا فيه، واشتركوا في الحرب الأهلية، واستمرت الفتنة بمصر، والأندلسيون بالإسكندرية، حتى قدم عبد الله بن طاهر إلى مصر أميراً عليها من قبل الخليفة المأمون، فسار إلى الإسكندرية وحاصرها، واضطر الأندلسيون إلى الإذعان والصلح، وغادروا الإسكندرية في سفنهم، وساروا إلى جزيرة إقريطش (كريت)، بقيادة زعيمهم أبى حفص عمر بن عيسى البلوطي، وافتتحوها، ونزلوا بها (٢١٢هـ - ٨٢٧ م)، وأسسوا بها دولة صغيرة زاهرة استمرت زهاء قرن وثلث، حتى استعاد البيزنطيون الجزيرة من المسلمين سنة ٣٥٠ هـ (٩٦١ م).
هكذا كانت ثورة " الربض " التي كادت أن تحمل الحكم وعرشه، وكانت ثورة شعبية بمعنى الكلمة، ولكنها كانت دون تنظيم ودون زعامة، وقد أدرك الحكم خطورتها، ولم تأخذه في إخمادها هوادة ولا رأفة، وأصدر عقب إخمادها كتاباً إلى الكور يشرح فيه الواقعة وظروفها. وقد رأينا أن ننقل نصه فيما يلى كوثيقة سياسية وديوانية هامة من وثائق العصر:
" بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإن الله ذوالفضل والمنن، والطول والعدل، إذا أراد إتمام أمر وتهميه، لمن جعله أهله وكفيه، سدده وأعزه، وأنفذ قضاءه بفلحه، ولم يجعل لأحد من خلقه قوة على عناده ودفاعه، حتى يمضي فيه حكمه له وعليه كما شاء، وختم في أم الكتاب لا مبدل لكلماته ، وإنه لما كان يوم الأربعاء لثلاث عشرة من شهر رمضان، تداعى فسقة أهل قرطبة وسفلتهم، وأذنبتهم من الشرطانيين، ألد الفئة، المعلوجي شراً وبطراً، عن غير مكروه سيرة، ولا قبيح أثر، ولا نكر حادثة، كان منا فيهم، فأظهروا السلاح، وتلينوا للكفاح، وهتفوا بالخلعان، وتأنقوا بالخلاف، ومدوا عنقاً إلى ما لم يجعله الله له أهلا من التأمير على خلقه، والتسور في حكمه. فلما رأيت ذلك من
стр. 244
غدرهم وعدوانهم، أمرت بشد جدار المدينة، فشد بالرجال والأسلحة، ثم أنهضت الأجناد خيلا ورجالا، إلى من تداعى من الفسقة في أرباضها، فأقحموا الخيل في شوارعهم وأزقتهم، وأخذوا بفوهاتها عليهم، ثم صدقوهم الحملات، وكورهم بالسَّدَّات المتواليات، فما صبر العبدان أن كشفوا السوءات، ومنحوا أكتافهم المتواليات، وأمكن الله منهم ذوى البصائر المؤيدات، فأسلمهم الله بجريرتهم، وصدعهم ببغيهم، وأخذهم بنكثهم، فقتلوا تقتيلا، وعموا تدميراً، وعروا تشويهاً وتمثيلا، جزاء عاجلا على الذي نكثوه من بيعتنا، ودفعوه من طاعتنا، ولعذاب الآخرة أخزى وأشد تنكيلا. فلما قتلهم الله بجرمهم فيها، وأحسن العون عليهم لنا، أمسكت عن نهب الأموال، وسبي الذرية والعيال، وعن قتل من لا ذنب له من أهل البراءة والاعتزال، ازدلافاً إلى رضى الله ناصري عليهم ذى العزة والجلال، تهنأت صلحه وفلحه، واستورعت حمده وشكره، فاحمدوا الله ذا الآلاء والقمع، معشرة الأولياء والرعية، الذي أتاح لنا ولجميع المسلمين في قتلهم وإذلالهم، وقمعهم وإهلاكهم، مما أعظم به علينا المنة، وخصنا فيه بالكفاية، وتمم علينا وعليكم به النعمة، فقد كانوا أهل جرأة مقدم، وذعرة ضلالة، واستخفاف بالأئمة، وظهير إلى المشركين، وحطوط إليهم، وتحنن لدولتهم، فلله الحمد المكرور، والاعتراف المذخور، على قطع دابرهم، وحسم شرهم، أحببت إعلامك بالذي كان من صنع الله عليهم لولائك بنا، ومكانك منا، لمشاركتنا في نصرته، وتحمد الله ومن قبلك من شيعتنا ومعتقدي طاعتنا، على جميل صنعه فيه، وتشيعوا شكره عليه إن شاء الله " (١).
ومن نظم الحكم في واقعة الربض قوله:
رأيت صدوع الأرض بالسيف واقعاً ... وقدما لأمت الشعب مذ كنت يافعا
فسائل ثغوري هل بها اليوم ثغرة ... أبادرها مستنضى السيف دارعا
стр. 245
تنبيك أني لم أكن في قراعهم ... بوان وقد ما كنت بالسيف قارعا
وهل زدت أن وفيتهم صاع قرضهم ... فوافوا منايا قدرت ومصارعا
فهذي بلادي إننى قد تركتها ... مهاداً ولم أترك عليها منازعا
وإني إذ أجادر أجراعاً عن الردى ... فما كنت ذا جيد عن الموت جارعا
خرج الحكم ظافراً من تلك الثورة الشعبية بعد أن سحقها سحقاً. ومع ذلك فقد لبث أهل قرطبة على تحديهم له، ولبثوا يتغامزون عليه، ويقدحون في سيرته. وقد وصف لنا كاتب قريب من العصر، موقف أهل قرطبة بعد الواقعة من الحكم في قوله: " فأكثروا الخوض، وأطالوا الهمهمة، وفزع رؤوسهم الى السمر في مساجدهم بالليل، مستخفين من السلطان، مدبرين عليه، وقد كان خائفاً من ثورتهم، متهمماً لدخلتهم، حذراً منهم، مستعداً لهم، مرتقباً لوثبتهم، مرتبطاً الخيل على باب قصره، نوباً بين غلمانه ... ". ثم إنه استكثر من العبيد والسلاح، وعززهم بالأحرار، يرابطون دائماً حول القصر، واستشعر الناس من ذلك الهيبة والخوف، وركنوا إلى السكينة، وفرض الحكم العشور على جميع الناس بقرطبة وبالكور، فزاد في نفورهم منه، وبغضهم له (١).
وأثارت حوادث الربض، واستكانة الشعب، من جهة أخرى، قريض الشعراء الأحرار، من خصوم الحكم، والناقمين على عسفه وطغيانه، وصدرت في ذلك قصائد كثيرة تنعي مسلك أهل قرطبة واستكانتهم، ومن ذلك قول الشاعر غريب بن عبد الله من قصيدة طويلة:
يا أهل قرطبة الذين تواكلوا ... جد الدفاع من التواكل أفضل
جد الدفاع لو انكم دافعتم ... يوم الهياج لكم أعز وأجمل
إن التواكل وهنة ومذلة ... والجد فيه الصنع والمتمهل
صرتم أحاديث العباد وكنتم ... عوناً لهم في كل هم ينزل
أمسى عبيدكم الذين ملكتم ... ملكوا عليكم والأمور تحول
ومرض الحكم بعد ذلك واستطالت به العلة، فاستناب عنه في أواخر عهده عبد الرحمن أكبر أولاده لتدبير الأمور (٢)، واختاره لولاية عهده، وأخذ له البيعة
стр. 246
بالفعل، واختار أخاه المغيرة ليخلفه من بعده، ولكن المغيرة تنازل فيما بعد عن حقه في ولاية العهد. وكان الحكم أول أمير من أمراء بني أمية بالأندلس أخذ البيعة في حياته لولي عهده، وذلك خشية وقوع الخلاف بعد موته. ثم توفي الحكم في السادس والعشرين من ذي الحجة سنة ٢٠٦هـ (٢٢ مايو سنة ٨٢٢ م)، وقد بلغ الثانية والخمسين من عمره، ودفن مع آبائه في مقبرة القصر المعروفة بالروضة. وترك من الولد تسعة عشر من الذكور واثنين وثلاثين من الإناث.
وقيل إن الحكم أبدى حين مرض موته أسفه وندمه، لما أوقعه بأهل الربض من بالغ النكال والشدة، وصرح بأنه كان خيراً لو لم يفعل ما فعله (١).
ولما شعر الحكم بدنو أجله استدعى ولده عبد الرحمن، وألقى إليه وصيته، وفيها يقول: " إنى وطدت لك الدنيا، وذللت لك الأعداء، وأقمت أود الخلافة، وأمنت عليك الخلاف والمنازعة، فاجر على ما نهجت لك من الطريقة، واعلم أن أولى الأمور بك، وأوجبها عليك، حفظ أهلك، ثم عشيرتك، ثم الذين يلونهم من مواليك وشيعتك، فهم أنصارك وأهل دعوتك، ومشاركوك في حُلوِك ومرِّك، فبهم أنزل ثقتك، وإياهم واس من نعمتك، وعصابتهم استشعر دون المتوثبين إلى مراتبهم من عوام رعيتك، الذين لا يزالون ناقمين على الملوك أفعالهم، مستثقلين لأعبائهم، فاحسم عللهم ببسط العدل لكافتهم، واحسام أولى الفضل والسداد لأحكامهم وعمالاتهم، دون أن ترفع عنهم ثقل الهيبة، وإن رأيت فيمن يرتقي من صنائعك رجلا لم تنهض به سابقة، ويشف بخصلة، وتطمح نفسه وهمته، فأعنه واختبره، وقدمه واصطنعه، ولا يريبنك خمول أوله، فان أول كل شرف خارجيته، ولا تَدَعن مجازاة المحسن بإحسانه، ومعاقبة المسىء بإساءته، فإن عند التزامك لهذين، ووضعك لهما مواضعهما، يرغب فيك، ويرهب منك. وملاك أمرك كله بالمال، وحفظه، بأخذه من حله، وصرفه في حقه، فإنه روح الملك المدبر بجثمانه، فلا تجعل بينك وبينه أحداً، في الإشراف على اجتنائه وادخاره، والتثقيف لإنفاقه وعطائه. وختام وصيتي إياك بإحكامك في أحكامك، فاتق الله ما استطعت، وإلى الله أكلك، وإياه استحفظك، فقد هان على الموت إذ خلفني مثلك " (٢).
стр. 247
وكان الحكم أميراً قوي النفس، وافر العزم، فطناً، حسن التدبير، واسع الحيلة، نافذ الرأي والحزم، صارماً يؤثر وسائل الطغيان المطلق، شديد الاستئثار بسلطانه، حريصاً على حمايته من كل تدخل أو نفوذ. وكان مثل جده عبد الرحمن الداخل يلتمس الغاية بأي الوسائل، ويذهب في صرامته وطغيانه إلى حد القسوة والقمع الذريع، ولم يكن يحجم مثله عن الالتجاء إلى وسائل لا تقرها المبادئ الأخلاقية القويمة. وكان شغوفاً بأبهة الملك، مسرفاً في مظاهر البذخ الطائل، كثير الترفع عن العامة، ولم يكن كأبيه وجده محبباً إلى الشعب، بل كان بالعكس مكروهاً من الكافة، وكان الفقهاء يبثون هذا البغض في نفوسهم بوسائلهم الخاصة، لما عمد إليه الحكم من سحق سلطانهم ونفوذهم. ومع ذلك فقد كان الحكم بالرغم من عسفه وطغيانه، أميراً مستنيراً، يؤثر العدل، ويحرص على إقامته، ويختار لقضائه أفضل الناس، وأكثرهم نزاهة وورعاً، وكان يسلط قضاته على نفسه، وعلى ولده وخاصته. وكان قاضيه محمد بن بشير من أعظم القضاة نزاهة واستقلالا في الرأي والحكم (١).
وقد أشرنا فيما تقدم إلى أن الحكم كان أول من أظهر فخامة الملك بالأندلس، والواقع أنه أول من أنشأ بالأندلس بلاطاً إسلامياً ملوكياً بكل معاني الكلمة، ورتب نظمه ورسومه، وأقام له بطانة ملوكية فخمة، فاستكثر من الموالي والحشم، وأنشأ الحرس الخاص، وفي عهده ظهر الصقالبة لأول مرة في البلاط بكثرة، وكان جده عبد الرحمن الداخل أول من وضع سياسة اصطفاء الموالي لاسترابته بالعرب كما قدمنا، وتوسع حفيده الحكم في تطبيق هذه السياسة، فاستكثر من الموالي والصقالبة، وعهد إليهم بمعظم شئون القصر والخاص. وكان هؤلاء الصقالبة (٢) على الأغلب من الرقيق والخصيان، الذين يؤتى بهم بالأخص من بلاد الفرنج وحوض الدانوب وبلاد اللونبارد ومختلف ثغور البحر الأبيض النصرانية، وكان يؤتى بهم أطفالا من الجنسين ويربون تربية إسلامية، ثم يدربون على أعمال البطانة وشئون القصر، وقد سما شأنهم فيما بعد، وتولوا مناصب الرياسة والقيادة،
стр. 248
وبلغ عددهم في عهد الحكم زهاء خمسة آلاف (١). وكان للحكم فرقة من الحرس الخاص معظمهم من فيء أربونة ورثهم عن والده هشام، وقد أبلوا في الدفاع عنه يوم الربض أحسن البلاء، فأعتقهم جميعاً، وأغدق عليهم صلاته (٢). وكان الحكم فارساً مجيداً، يعشق الفروسية والصيد، وكانت له ألفا فرس من الجياد الصافنات مرتبطة على شاطىء النهر تجاه القصر، يشرف عليها جماعة من العرفاء البارعين (٣). وكانت له شرطة قوية منظمة، وله عيون يطالعونه بأحوال الناس.
وعلى الجملة فقد كان الحكم أميراً عظيم السلطان والهيبة، يسطع بلاطه، كما تسطع خلاله، ويثير من حوله بهاء الملك وروعته، وقد شبهه بعضهم بأبى جعفر المنصور في قوة الملك، وتوطيد الدولة، وقمع الأعداء (٤).
وكان الحكم فوق ذلك خطيباً مفوهاً، وشاعراً مجيداً، نظم الشعر في مختلف المناسبات، من أحداث الحرب والسياسة، والفخر والغزل وغيرها. وقد أوردنا فيما تقدم شيئاً من نظمه في واقعة الربض، ومن قوله في الفخر:
غناء صليل البيض أشهى إلى الأذن ... من اللحن في الأوتار واللهو والردن
إذا اختلفت زرق الأسنة والقنا ... أرتك نجوماً يطلعن من الطعن
بها يهتدي الساري وينكشف الدجى ... وتستشعر الدنيا لباساً من الأمن
وإن تجد الأبطال حصناً ومعقلا ... فما لي غير السيف في الأرض من حصن
قذفت بهم في فضا الأرض فانزوت ... له الأرض واستولى على السهل والحزن
ومن قوله في الغزل:
قضب من البان ماست فوق كثبان ... ولَّيْن عني وقد أزمعن هجراني
ناشدتهن بحقي فاعتزمن على الـ ... ـعصيان لما خلا منهن عصياني
ملكنني ملكاً ذلت عزائمه ... للحب ذل أثير موثق عاني
من لي بمغتصبات الروح من بدني ... يغصبنني في الهوى عزِّي وسلطاني
стр. 249
على أن هذه الخلال الباهرة التي كان يتمتع بها الحكم، لم تكن دون نواح قاتمة هي دائماً مما يغلب لدى الطغاة الأقوياء، وقد ذكر لنا ابن حزم أنه كان من المجاهرين بالمعاصي السفاكين للدماء. ويزيد ابن حزم على ذلك أن الحكم كان يخصي من اشتهر بالجمال من أبناء رعيته، ليدخلهم إلى قصره ويصيرهم من خدمه، ومن هؤلاء طرفة بن لقيط، وهو من أسرة نابهة تصرف أبناؤها في الولايات الرفيعة، ومنهم نصر صاحب منية نصر، وهو الذي غدا في عهد ولده عبد الرحمن من أعظم رجالات الدولة مكانة ونفوذاً (١).
وكان الحكم مديد القامة، أسمر، نحيفاً، وكان يلقب بالحكم المنتصر، وبالحكم الربضي، نسبة إلى ما حدث منه في واقعة الربض.
* * *
وكانت حكومة الحكم تضم طائفة من الشخصيات البارزة في تاريخ الأندلس في ذلك العصر، فتولى حجابته (رياسة الوزارة) عبد الكريم بن عبد الواحد ابن مغيث قائد أبيه من قبل، وكان جندياً عظيماً، قاد عدة غزوات مظفرة إلى بلاد النصارى، وكان أيضاً كاتباً بليغاً وشاعراً مجيداً (٢). وخلفه في الحجابة عبد العزيز بن أبي عبْدَة، وكان قائداً كبيراً وسياسياً بارعاً. وكان بين قواده ووزرائه أيضا، اسحاق بن المنذر، والعبّاس بن عبد الله. وفي عهد الحكم أنشئ بالدولة منصب خاص لإدارة شئون أهل الذمة (النصارى واليهود) ينعت صاحبه بالقومس (٣)، وعين فيه ربيع بن تدلف القومس، قائد الغلمان الخاصة ومتولي قهرمة الأمير الحكم وشئونه الخاصة، وكان طاغية ظلوماً يبغضه الجميع، وقد أمر الحكم بقتله قبيل وفاته، فنفذ فيه الحكم ولي العهد عبد الرحمن، وتم إعدامه وسط الاغتباط العام. وذكر البعض أن هذا المنصب أنشئ في عهد
стр. 250
عبد الرحمن الداخل (١). ولكن الظاهر أنه لم يرتب بصورة ثابتة وتحدد اختصاصاته إلا في عهد الحكم.
وكان عصر الحكم، بالرغم مما غشيه من الاضطرابات والفتن، عصراً ازدهرت فيه الآداب والعلوم، وظهر فيه عدد جم من أكابر الكتاب والشعراء والعلماء. وكان في مقدمتهم شاعر الحكم الأثير لديه، وقطب الشعر في عصره، عباس بن ناصح الثقفي الجزيري، وكان فضلا عن براعته في الشعر والأدب، بارعاً في علوم اللغة، وفي الهندسة والفلسفة والفلك، وكانت له منزلة خاصة عند الحكم، وله في مديحه أشعار كثيرة. وقد ولاه الحكم قضاء الجزيره بلده ومسقط رأسه، ثم وليه من بعده ولده عبد الوهاب بن عباس، وكان مثله شإعراً نابهاً، وتوفي أواخر عهد الحكم (٢).
وكان من أعلام عصر الحكم أبو القاسم عباس بن فرناس، وهو فيلسوف وعلامة رياضي من نوع فذ، وقد ولد في مقاطعة تاكرنا من أصل بربري، وبرع منذ فتوته في الفلسفة والفلك والكيمياء الصناعية، وهو أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة، وبرع أيضاً في الموسيقى، وصنع آلة فلكية تعرف " بالميقاتة " لتعريف الوقت، وله مخترعات كثيرة أخرى. وروى بعضهم أنه حاول أن يخترع أداة للطيران، فصنع لنفسه جناحين بهيئة مخصوصة، وحاول الطيران من ناحية الرُّصافة، فحلق في الهواء، ثم وقع في مكان طيرانه على مسافة بعيدة، واشتهر أمره بذلك حتى قال فيه مؤمن بن سعيد الشاعر:
يطم على العنقاء في طيرانها ... إذا ما كسى جثمانه ريش قشعم
وذكر عبد الحميد بن بسيل الوزير، قال: " أبدع عباس بن فرناس طول أمده إبداعات لطيفة واختراعات عجيبه، وضرب بالعود، وصاغ الألحان الحسنة، وكان مع ذلك مجيداً للشعر، حسن التصرف في طريقته، كثير المحاسن جم الفوائد ". وأثار ابن فرناس باختراعاته المدهشة ريب الجهلاء، فكثر الطعن في عقيدته، واتهم بالزندقة، ولكن القضاء لم يجد سبيلا إلى إدانته، وعاش طويلا وعاصر من بعد الحكم، ولده عبد الرحمن، وتوفي في عهد حفيده الأمير محمد بن