هاجموا مؤخرة شارلمان حين ارتداده، هم البشكنس النصارى انتقاما لما أنزله الفرنج ببلادهم وعاصمتهم بنبلونة من العيث والتخريب. وإليك ما تقوله هذه الرواية: " إن شارلمان عاد من سرقسطة إلى بنبلونة، وهدم أسوار هذه المدينة من أساسها لكي لا تستطيع الثورة عليه وقرر العودة، وبدأ يجوز شعب البرنيه. وهنا، وفي أرفع نقطة هجم البشكنس، وقد كانوا يكمنون في المؤخرة، وأوقعوا الخلل في الجيش كله، فساده أيما اضطراب وجلبة، وبالرغم من أن الفرنج أبدوا تفوقهم على البشكنس، سواء في السلاح أو الروح المعنوية، فقد بقوا هم الأضعف بسبب رداءة الموقع وعدم التكافؤ في وضع المعركة " (١).
وهنا يحق لنا أن نتساءل إزاء هذا التناقض بين الروايتين، من هم الذين دبروا هذا الهجوم على مؤخرة الجيش الفرنجي؛ أهم المسلمون وحدهم حسبما تقرر الرواية العربية، أم هم البشكنس وحدهم حسبما تقرر الرواية الفرنجية؟ يقول الأستاذ بيدال، إنه لمن غير المعقول، بل ومن المستحيل أن يقوم البشكنس وحدهم بمهاجمة مؤخرة جيش عظيم كجيش شارلمان، والأكثر احتمالا هو أنهم يبحثون عن العون ضد المعتدي الخارجي، وإنه لكذلك من غير المعقول أن يستطيع إبنا سليمان وحدهما انتزاع الأسرى من الجيش الفرنجي، وذلك في الأرض المكشوفة ما بين سرقسطة وبنبلونة، وإنه لا يمكن الاعتقاد بأي حال بأن يسمح جيش شارلمان لنفسه أن يُفاجأ مرتين في أيام قليلة، وإذا فلا بد أن البشكنس والمسلمين معاً قد فاجأوه في شعب البرنيه: البشكنس الذين أثارهم تخريب بنبلونة، والمسلمون الذين يحاولون استنقاذ ابن الأعرابي والرهائن (٢).
ثم يقول العلامة الإسباني " إنه باستعراض سائر الروايات يبدو أن هناك حقيقة تاريخية، وهي أن المسلمين تعاونوا مع البشكنس في موقعة باب الشزري؛ وأن أنشودة رولان، وهي مستمدة من أناشيد معاصرة للنكبة، هي أصح من الرواية اللاتينية Anales Regios". ونقول نحن إن هذا الاستعراض لمختلف الروايات يدلي بأن المسلمين هم الذين دبروا الهجوم على مؤخرة الجيش الفرنجي، وإنه
стр. 177
خريطة:
مواقع غزوة شارلمان لسرقسطة ومعركة باب الشزري.
стр. 178
فيما يرجح قد اشتركت معهم جموع كبيرة من البشكنس في هذا الهجوم، وإن مضمون أنشودة رولان حسبما نقدمه بعد، يؤكد هذا الاستنتاج في إسناد الدور الرئيسي في الموقعة إلى المسلمين.
وقد وصفت لنا إحدى هذه الروايات اللاتينية، تعاون المسلمين والبشكنس في الهجوم، وفيها " أن جيش شارلمان كان يتكون من خمسة آلاف فارس من ذوي الأسلحة الثقيلة وعدد مماثل من المشاة، وأن المؤخرة كانت تتكون من ألف فارس ومعها دواب الحمل، وأن الكمين وقع في الأماكن الصاعدة من الطريق المعبد. وقد تعاون بشكنس بنبلونة والمسلمون ولاسيما مطروح وعيشون ولدي ابن الأعرابي، وكان هذا التحالف ضرورياً، لأن المسلمين كانوا في حاجة إلى المعرفة الدقيقة لهذه الوهاد وهو ما يتقنه البشكنس، وكان البشكنس بحاجة إلى مقدرة المسلمين في التنظيم العسكري، وهما معاً قد استطاعا أن يسحقا مؤخرة هذه الصفوف التي ارتجت لها سائر إسبانيا " (١).
وقع هذا الهجوم الفجائي من المسلمين على مؤخرة الجيش الفرنجي بمعاونة ْالبشكنس، فأسفر عن أروع نتيجة يمكن تصورها. ذلك أن الفرنج لم يحسنوا الدفاع عن أنفسهم في تلك الشعاب الضيقة المنحدرة. وقد فصلت مؤخرة الجيش الفرنجي، وانتزعت منها الأسلاب والأمتعة وفي مقدمتها الخزانة الملكية، وكذلك الرهائن، وفي مقدمتهم سليمان، ومزقت المؤخرة نفسها شر ممزق، وهلك خلال المعمعة الهائلة عدد عظيم من سادة الجيش الفرنجي وفرسانه، ولم تسمح المفاجأة المذهلة بأى عمل أو محاولة منظمة لإنقاذ الفرق المنكوبة. وكانت نكبة مروعة لبث صداها يتردد مدى عصور في أمم الغرب والنصرانية.
وتضع الرواية الفرنجية تاريخ الموقعة في ١٨ أغسطس سنة ٧٧٨ (ذى القعدة سنة ١٦١هـ) (٢). وقد رأينا فيما تقدم كيف تقنع الرواية العربية بالإشارة إليها في
стр. 179
عبارات موجزة، وإن كانت مع إيجازها في منتهى الدقة، وكيف أن الرواية اللاتينية الفرنجية والكنسية تفيض بالعكس في تفاصيلها إفاضة واضحة، وقد أشرنا فيما تقدم إلى بعض هذه الروايات التي اقتبسنا بعض نصوصها، وربما كانت رواية إجنهارت (أينهارت) مؤرخ شارلمان، عن الموقعة، هي أدق هذه الروايات وأوثقها، فقد كتبت في سنة ٨٢٩ م بعد وفاة شارلمان بقليل، واعتمد فيها على كثير من أقوال المعاصرين وشهود العيان. وهو يفصل لنا حوادثها ويذكر من هلك فيها من الأمراء والسادة، ومنهم إيجهارد رئيس الخاص، وأنسلم محافظ القصر، وهردولاند حاكم القصر البريتاني، وكثير من الرؤساء ورجال الخاص والحاشية. وهردولاند، هو رولان Roland بطل الأنشودة الشهيرة، التي نظمت فيها بعد عن هذه الموقعة، واستمدت من أناشيد معاصرة لها، والتي ما زالت أثراً خالداً لقريض الفروسية في العصور الوسطى. بيد أن أنشودة رولان تنحرف في كثير من مناحيها إلى الأسطورة. وقد اتخذت الأسطورة من حوادث الموقعة موضوعا لقصة حربية حماسية حرفت فيها الوقائع الأصلية أيما تحريف، ولكنها تستبقي مكان الموقعة، وبعض أشخاص التاريخ. وقد رأينا أن نورد فيما يلي خلاصة هذه القصة أو الأنشودة الشهيرة:
" غزا شارلمان إسبانيا، ولبث يحارب فيها سبعة أعوام، حتى افتتح ثغورها ومدنها، ما عدا سرقسطة، وهي معقل الملك العربي مارسيل. وكان يعسكر بجيشه بجوار قرطبة، حين جاءته رسل مارسيل يعرض عليه الطاعة، بشرط أن يجلو الفرنج عن إسبانيا، فعقد شارلمان مجلسا من البارونات ومنهم رولان ابن أخيه. وكان رولان يرى أن تستمر الحرب، ولكن فريقاً آخر من السادة برآسة جانلون كونت مايانس، كان يرى الصلح والمهادنة، فغلب رأي هذا الفريق، لأن الفرنج سئموا الحرب والقتال، وأرسل جانلون إلى الملك مارسيل ليعقد معه شروط الهدنة. فأغراه مارسيل واستماله بالتحف والذخائر، واتفق معه على الغدر برولان وفريقه. ثم عاد إلى شارلمان وزعم أن مارسيل قبل شروط الفرنج، وبذا قرر شارلمان الإنسحاب. وتولى رولان قيادة المؤخرة. وكان معه الأمراء الإثنا عشر، وزهرة الفروسية الفرنجية. ولما وصل الجيش إلى قمة الممرات الجبلية رأى أوليفر أحد الأمراء، جيشاً من العرب، يبلغ أربعمائة ألف مقاتل.
стр. 180
فتضرع إلى رولان أن ينفخ في بوقه ليدعو شارلمان إلى نجدته، فأبى رولان، وانقض الجيش المهاجم على مؤخرة الفرنج، ونشبت بينهما عدة معارك هائلة. واستمر رولان يأبى طلب النجدة حتى مزق جيشه ولم يبق منه سوى ستين رجلا، وعندئذ نفخ في بوقه يدعو شارلمان: ثم قتل بقية أصحابه، ولم يبق سوى رولان وأوليفر واثنين آخرين. ولما شعر العرب أن شارلمان سيرتد بجيشه لقتالهم، قرروا الانسحاب. وكان زملاء رولان الثلاثة قد قتلوا، وأثخن رولان نفسه جراحا حتى أشرف على الموت. ولكنه استطاع أن ينفخ في بوقه مرة أخرى قبل أن يموت، وأن يسمع صرخة شارلمان الحربية، وسمع شارلمان صوت البوق على بعد مراحل عديدة. فعاد مسرعا وطارد جيش العدو وسحقه. ودفن الفرنج قتلاهم، وعوقب جانلون الخائن أروع عقاب. وتوفيت ألده، خطيبة رولان حينما علمت بموته ".
هذه هي خلاصة القصة التي ترددها أنشودة رولان الشهيرة. وهي أبعد ما يكون عن وقائع التاريخ الحق. بيد أنها تتخذ مادتها من بعض هذه الوقائع، ومن الذكريات والروايات الشفوية المتناقلة، والأناشيد الحربية المعاصرة. وهي نورمانية الأصل، ظهرت لأول مرة في القرن الحادي عشر، أعني بعد الموقعة بنحو ثلاثة قرون، ودونت أولا في بعض القصص اللاتينية، ثم دونت بالنظم في ملحمة طويلة تبلغ أربعة آلاف بيت بعنوان " أنشودة رولان " Chanson de Roland ولبثت تعتبر مدى عصور من أعظم الآثار الأدبية، ومن روائع القريض الحربي.
وكانت حوادث هذه الموقعة الشهيرة مستقى خصبا لكثير من الكتاب والشعراء، وكانت بالأخص مستقى لقصص الفروسية والملاحم الحماسية المغرقة، التي تملأ فراغا كبيرا في الأدب الفرنجي في العصور الوسطى (١).
ومما يلفت النظر في حوادث الموقعة أن شارلمان، لم يحاول بعد أن أفاق من الصدمة الأولى، أن يعجل بالانتقام لنكبة جيشه ومقتل فرسانه، وأن يعود فيطارد تلك العصابات التي تحدته واجترأت عليه سواء من المسلمين أو البشكنس.
стр. 181
وتعليل ذلك هو أن شارلمان شغل قبل كل شىء بخطورة الأنباء التي وصلته عن تحرك السكسونين، وهم ألد أعداء الفرنج وأخطرهم، فارتد أدراجه مسرعا ليخوض معهم حرباً جديدة استطالت زهاء سبع سنين، حتى تمت هزيمة زعيمهم فتكنت (أو فيدوكنت) نهائيا، وأرغم على التنصير في سنة ٧٨٥ م (١).
ولم يبق بيد شارلمان، بعد استنقاذ المسلمين للرهائن، سوى ثعلبة بن عبيد قائد عبد الرحمن، وقد لبث فترة أخرى معتقلا بفرنسا، حتى تمت المفاوضة بشأنه، وأطلق سراحه لقاء فدية كبيرة.
وهكذا اختتمت محاولة شارلمان غزو اسبانيا المسلمة والتدخل في شئونها، بنكبته والقضاء على زهرة جنده، وقد أسبلت هذه النكبة مدى حين سحابة على مجده الحربي. بيد أنها لم تكن كما سنرى آخر محاولة من نوعها لعاهل الفرنج، فإن السياسة الفرنجية لبثت بالرغم من هذه الصدمة المؤلمة، ترقب سير الحوادث في الأندلس لتجد فيها ثغرة تتخذها وسيلة لتحقيق غاياتها.
* * *
ونستطيع بعد أن استعرضنا أدوار هذه الموقعة الشهيرة التي تركت في عصرها أعظم صدى في الروايات الفرنجية (اللاتينية) والكنسية المعاصرة واللاحقة، وبعد أن سجلنا ممهداتها وحوادثها تفصيلا. أن نعود فنلقى نظرة مقارنة على موقف الروايات العربية واللاتينية إزاء الموقعة، وكيف تعاملها كل منها.
وأول ما يلفت النظر هو حسبما قدمنا، إيجاز الروايات العربية، في الوقت الذي تميل فيه الروايات اللاتينية إلى الإفاضة الواضحة. وقد كان خليقا بالرواية العربية أن تبسط القول في حوادث موقعة لها من الخطورة البالغة ما لموقعة " باب الشزري " خصوصاً وقد كان التفوق فيها للجانب الإسلامي. ولكن الرواية العربية لم تنظر إلى الموقعة إلا من حيث ارتباطها بحوادث الأندلس، ومن جهة أخرى فإنها لم تكن على علم تام بما يدور في الناحية الأخرى من جبال البرنيه، في مملكة الفرنج الشاسعة، ولم تقف على آثار الصدى الهائل الذي أحدثه تمزيق جيش شارلمان داخل مملكة الفرنج، وفي سائر الأمم المتصلة بها، ولاسيما القبائل السكسونية ألد أعداء الفرنج يومئذ.
стр. 182
وثمة فرق واضح آخر بين الروايتين العربية واللاتينية، هو أن الأولى تنوه بأن شارلمان قاد حملته إلى اسبانيا استجابة لدعوة الخوارج المسلمين ليعمل معهم ضد إمارة قرطبة، وأن الثانية تنوه بأن حملة شارلمان إنما كانت موجهة إلى إخضاع البشكنس.
ومع ذلك فإن الرواية العربية على إيجازها تقدم إلينا ممهدات الموقعة وعناصرها الأساسية بمنتهي الدقة، بل إن العلامة المؤرخ الأستاذ بيدال، وهو آخر من تناول حوادث هذه الموقعة من النقدة المحدثين بإفاضة، وبأسلوبه النقدي الرائع، يقرر لنا أن الرواية العربية هنا، هي أرقى بكثير من الرواية اللاتينية، وأنها فيما يتعلق بغزوة شارلمان لإسبانيا، أبعد من أن تنحدر إلى الغموض والتناقض، وأنها بالعكس تقدم إلينا بعض أنباء في منتهى الأهمية والجدارة.
ويدفع الأستاذ بيدال ما يرمي به بعض الباحثين مثل باسيه وغيره، الرواية العربية من أخطاء وسابقات تاريخية، ويؤكد بالعكس أنه لا تناقض بين النصوص العربية واللاتينية، وكل ما هنالك أن كلا منهما يركز اهتمامه في نقط معينة، وكلتاهما تتفق مع الأخرى في الحوادث الرئيسية (١).
стр. 183
الفصل الخامس
ولاية عبد الرحمن الداخل
- ٢ -
عبد الرحمن وحوادث الشمال. ظهور الصقلبي في شرقي الأندلس. استئنافه للدعوة العباسية. تحالفه مع ابن يقظان ثم خلافه معه. مسير عبد الرحمن إلى قتال الصقلبي. التجاؤه إلى بلنسية. مصرعه وانهيار دعوته. ثورات محلية مختلفة. حوادث الشمال. مصرع ابن يقظان. مسير عبد الرحمن إلى سرقسطة وحصارها. خضوع الحسين الأنصاري. عبد الرحمن يغزو نافار وشرطانية. قتله لعيشون ابن سليمان. عود الحسين إلى الثورة. إرسال عبد الرحمن حملة لقتاله. حصار سرقسطة وثبات الحسين. مسير عبد الرحمن إلى قتاله. هزيمته ومصرعه. تفاهم عبد الرحمن مع شارلمان وسعيه إلى مصاهرته. ائتمار الوافدين من الأموية بعبد الرحمن. صرامته في إخماد هذه المؤامرات. حديث ينسب إليه عنها. فرار محمد بن يوسف الفهري وثورته في طليطلة. مسير عبد الرحمن لقتاله. موقعة قسطلونة. هزيمة محمد وفراره. استئنافه للثورة في قورية. هزيمته ووفاته. أخوه أبو القاسم. خروجه ثم خضوعه. انتهاء الثورة. خاتمة الكفاح الرائع.
بينما كانت هذه الحوادث الخطيرة تجري في الشمال، كان عبد الرحمن الأموي في الجنوب يكافح الثورة في مختلف الأنحاء. وكانت ثورة البربر قد شغلته واستنفدت معظم قواه أعواماً متوالية. بيد أنه ما كاد يفرغ من سحقها حتى ظهر في شرقي الأندلس خطر جديد قوامه الدعوة العباسية. ذلك أن عبد الرحمن بن حبيب الفهري أحد زعماء الفهرية، وهو المعروف بالصقلبي نظرا لطوله وشقرته وزرقة عينيه، عبر البحر من إفريقية إلى الأندلس في قوة كبيرة، ونزل بساحل تدمير (مرسية) في شرق الأندلس، ودعا للخليفة العباسي (سنة ١٦١ هـ). ويجب أن نذكر أن عبد الرحمن بن حبيب هذا هو غير سميه عبد الرحمن بن حبيب المتغلب على إفريقية الذي فصلنا أخباره من قبل، فقد قتل هذا المتغلب على إفريقية منذ سنة ١٤٠هـ، بعد أن خرج على طاعة بني العباس (١). ولا نعرف علاقة الصقلبي
стр. 184
بيوسف بن عبد الرحمن الفهري، وربما كان من أبناء عمومته (١). بيد أنه كان من زعماء الفهرية وزعماء الثورة على بني أمية. وكانت حركة الصقلبي في تدمير، كحركة العلاء بن مغيث من قبل في باجة، ولكنها كانت أشد خطراً، لأن الصقلبي سعى إلى التفاهم مع زعيم الثورة في الشمال سليمان بن يقظان وتحالف معه (٢). والظاهر أن هذا التحالف كان بعد عبور الفرنج إلى إسبانيا وموقعة باب شيزروا. ولكن ابن يقظان لم يف بوعده في إمداده لقتال عبد الرحمن الأموي، فغضب منه وسار لقتاله، فهزمه ابن يقظان في ظاهر برشلونة. فعاد إلى تدمير ولبث مدى أشهر ينظم قواته وأهبته، ولكن عبد الرحمن لم ينتظر حتى يهاجمه، بل سار بنفسه، وهاجمه بشدة، وأحرق سفنه الراسية بالساحل، حتى لا يجد سبيلا إلى الفرار، فارتد الصقلبي بفلوله إلى جبال بلنسية واستعصم بها، وهنا لجأ عبد الرحمن إلى سلاح الاغتيال مرة أخرى، فدس على الصقلبي بعض أصدقائه فاغتاله وحمل رأسه إليه، وانهارت بذلك دعوته وثورته (سنة ١٦٢ و١٦٣ هـ: ٧٧٨ - ٧٧٩ م).
ووقعت بعد ذلك عدة ثورات محلية عني عبد الرحمن بقمعها قبل أن يسير إلى الشمال، فقد ثار دحية الغساني ببعض حصون إلبيرة (غرناطة)، وكان دحية من أصدقاء عبد الرحمن ومن قادته، ولكنه نكث بعهده ولحق بالفاطمي، فلما هلك الفاطمي، فر إلى إلبيرة وأعلن بها الثورة، فأرسل عبد الرحمن إليه جيشا ضيق عليه الحصار حتى أخذ وقتل. وثار إبراهيم بن شجرة بحصن مورور،
стр. 185
فبعث إليه عبد الرحمن مولاه بدراً، فهاجمه وقتله. وثار في طليطلة القائد السلمي، وكان من خاصة عبد الرحمن، ثم فر من قرطبة خشية بطشه به لأمور نقمها منه، والتفت حوله العناصر الخارجة في تلك الأنحاء، فسير إليه عبد الرحمن جيشا قويا بقيادة حبيب بن عبد الملك، فحاصره حيناً ثم قتل. وثار في الجزيرة الخضراء واليها الرماحس بن عبد العزيز الكناني، فسار إليه عبد الرحمن بنفسه، وداهمه قبل أن يستكمل أهبته، ففر الرماحس وعبر البحر إلى المشرق (سنة ١٦٣ - ١٦٤) (١).
وفي العام التالي تأهب عبد الرحمن لقمع الثورة في الشمال. وكان الخلاف قد وقع بين زعيمى الثورة بعد تفاهمهما على أثر نكبة الجيش الفرنجي في موقعة باب الشزري، وتربص الحسين بن يحيى الأنصاري بزميله سليمان بن يقظان، ودس عليه ذات يوم من قتله بالمسجد الجامع، وانفرد بالأمر في سرقسطة وما حولها (٢). فسار عبد الرحمن إلى سرقسطة في جيش ضخم وضيق الحصار عليها (سنة ١٦٥ هـ - ٧٨١ م). ووفد عليه عندئذ عيشون بن سليمان، وكان قد فر عقب مقتل أبيه إلى أربونة، وانضم إليه بمن معه في مقاتلة الحسين، فلما اشتد الحصار بالحسين طلب الصلح، وقدم ابنه سعيداً رهينة، فأجابه عبد الرحمن إلى ملتمسه، وأقره واليا على سرقسطة. ثم تحول عن سرقسطة إلى الشمال الشرقي، واخترق بلاد البشكنس (نافار) ليعاقب أهلها على عيثهم وعدوانهم، وغزا عاصمتها بنبلونة، وأثخن فيها وخرب قلاعها، وغزا قلهرّة وبقيرة (فكيرا)، واجتاح ولاية شرطانية (٣)، وأرغم أميرها على تقديم الطاعة وأداء الجزية (٤). ثم عاد إلى قرطبة ظافراً بعد أن وطد هيبة الحكومة المركزية في الشمال نوعاً، وألقى على النصارى درسا يذكرهم بأن الإسلام قد استرد منعته وسلطانه في اسبانيا. وكان سعيد بن الحسين قد فر من معسكر الأمير أثناء الطريق، ولما حل عبد الرحمن بقرطبة توجس شرا من عيشون بن سليمان، وكان قد عاد في ركابه، فأمر به
стр. 186
فقتل. ولما رأى الحسين بن يحيى أن عبد الرحمن قد ارتد عنه، وعاد إليه ولده سالما، نكث بعهده وعاد إلى الثورة، وعاث فسادا في سرقسطة وأعمالها، فاعتزم عبد الرحمن أن يعود إلى قتاله، وأن ينكل به وبأنصاره في تلك المرة. فبعث إلى الشمال جيشاً كثيفاً بقيادة غالب بن تمام بن علقمة، فخرج الحسين إلى لقائه، ووقعت بينهما معارك شديدة هزم فيها الحسين، وأسر ولده يحيى وعدة من صحبه، فأرسلوا إلى قرطبة حيث أمر عبد الرحمن بإعدامهم، وامتنع الحسين بالمدينة واستمر غالب في حصاره. وفي العام التالي (سنة ١٦٧هـ - ٧٨٣ م) سار عبد الرحمن بنفسه إلى سرقسطة وحاصرها بشدة، وضربها بالمجانيق ضرباً عنيفاً حتى هدم أسوارها، واقتحمها عنوة، وقبض على الحسين وجماعة من صحبه، وقتلهم جميعاً، وشرد كثيراً من أهلها، وفر سعيد ولد الحسين، وعين عبد الرحمن قائده ثعلبة بن عبيد واليا لسرقسطة، وكان قد افتداه من أسر الفرنج حسبما تقدم. وركدت بذلك ريح الثورة في الشمال مدى حين (١).
وشغل عاهل الفرنج شارلمان مدى حين عن شئون إسبانيا، لأن القبائل السكسونية عادت فنكثت طاعته، وعاد لقتاله خصمه القوى فيدوكنت، واستمرت الحرب بينهما زهاء سبعة أعوام وانتهت بهزيمة السكسونيين، وخضوع زعيمهم وإرغامه على التنصير (سنة ٧٨٥ م). بيد أن عبد الرحمن رأى أن يتفاهم مع زعيم الفرنجة، وأن يؤثر صداقته ومداراته على خصومته، فبعث إليه يطلب عقد الصداقة معه، ويكاشفه برغبته في مصاهرته، فأجابه شارلمان إلى السلم ولم تتم المصاهرة (٢). وفي بعض الروايات أن شارلمان هو الذي عرض على عبد الرحمن أن يزوجه ابنته فاعتذر عبد الرحمن باعتلال صحته (٣). واستمر السلام معقودا بين الزعيمين حتى وفاة عبد الرحمن.
стр. 187
ولما عاد عبد الرحمن إلى قرطبة نمى إليه خبر مؤامرة خطيرة دبرت لسحقه، بزعامة ابن أخيه المغيرة بن الوليد بن معاوية، وهذيل ولد الصميل بن حاتم. ولم تكن هذه أول مؤامرة من نوعها، فقد دبرت قبل ذلك ببضعة أعوام سنة ١٦٣هـ مؤامرة أخرى، وعلى رأسها أيضا اثنان من أقطاب بني أمية، الذين وفدوا على الأندلس حينما تألق طالع عبد الرحمن، هما عبد السلام بن يزيد بن هشام المعروف باليزيدي، وهو ابن عم عبد الرحمن، وعبيد الله بن أبان بن معاوية وهو ابن أخيه، وذلك بمعاونة أبى عثمان كبير الدولة. وكان عبد الرحمن مذ تم له الأمر، يسعى إلى استقدام فل بني أمية من المنفي، ويدعوهم إليه ليكونوا له عوناً وعصبة، ويظلهم برعايته، ويغدق عليهم من نعمه، ويختارهم لمختلف المناصب. ولكن روحاً سيئاً من الحقد والحسد، كان يحفز أولئك الأقارب لمناوأة ذلك الذي هيأت له الأقدار أن يفوز دونهم، بتراث بني أمية في الأندلس. فائتمروا به غير مرة، وشجعهم على ذلك بعض الخوارج الناقمين والمنافسين الطامعين، ولكن عبد الرحمن كان يكتشف الخطر قبل وقوعه، ويسحقه بكل ما أوتي من شدة وصرامة، فلم يحجم حينما وقف على المؤامرة الأولى، عن قتل ابن عمه عبد السلام اليزيدي وعبيد الله ابن أخيه أبان، وعفا عن أبى عثمان لمكانته وسابق صنيعه. ولم يحجم حينما وقف على المؤامرة الثانية، عن قتل المغيرة ابن أخيه الوليد، وزميله هذيل بن الصميل ومن معهما، ونفي أخاه الوليد وأسرته إلى المغرب. وقد نقل إلينا مؤرخ أندلسي عن بعض موالي عبد الرحمن، أنه دخل عليه أثناء قتله المغيرة ابن أخيه، وهو مطرق شديد الغم فرفع رأسه وقال: " ما عجبي إلا من هؤلاء القوم. سعينا فيما يضجعهم في مهاد الأمن والنعمة وخاطرنا بحياتنا، حتى إذا بلغنا منه إلى مطلوبنا ويسر الله تعالى أسبابه، أقبلو علينا بالسيوف. ولما آويناهم وشاركناهم فيما أفردنا الله تعالى به، حتى أمنوا وردت عليهم أخلاف النعم، هزوا أعطافهم، وشمخوا بآنافهم، وسموا إلى العظمى، فنازعونا فيما منحه الله تعالى، فخذلهم الله بكفرهم النعم، إذ أطلعنا على عوراتهم، فعاجلناهم قبل أن يعاجلونا، وأدى ذلك إلى أن ساء ظننا في البرىء منهم، وساء أيضاً ظنه فينا، وصار يتوقع من تغيرنا عليه ما نتوقع نحن منه " (١).
стр. 188
وفي ذلك الحين فر أبو الأسود محمد بن يوسف الفهري من سجنه، ورفع لواء الثورة في طليطلة. وكان محمد سجيناً في قرطبة منذ مقتل أبيه، ثم فراره وأسره ثانية في حوادث طليطلة سنة ١٤٢ هـ كما قدمنا. وتظاهر محمد عندئذ بالعمى، وأتقن حيلته حتى جازت على جميع الموكلين بسجنه، وأشفق عبد الرحمن عليه فأبقاه ولم يقتله كأخيه، وأنفق محمد في أسره أعواماً طويلة حتى أهمل شأنه، ولم يعد يكترث أحد به، وعرف بالأعمى. ثم سنحت له فرصة الفرار على يد بعض مواليه المتصلين به، ففر من سجنه الواقع على النهر الكبير، وجاز النهر سباحة، ولحق بطليطلة سنة ١٦٨ هـ وأعلن الثورة. والتفت حوله جموع كبيرة من الفهرية والقيسية، ومن إليهم من عناصر الخروج والثورة، وسار في قواته صوب جيان، فخرج عبد الرحمن إلى قتاله، ووقعت بينهما معارك عديدة، كان النصر فيها لعبد الرحمن. ولكن أبا الأسود لبث حيناً محتفظاً بمراكزه وقواته. ثم نشبت بينهما على مقربة من قسطلونة في الوادي الأحمر، بمكان يعرف بمخاضة الفتح، معركة شديدة حاسمة، ولجأ عبد الرحمن إلى الخديعة، فاتفق مع بعض قادة أبي الأسود على التقاعد والغدر، فهزم أبو الأسود هزيمة شديدة، وقتل من جنده عدة آلاف، وغرق عدد كبير في النهر، وطارده عبد الرحمن حتى قلعة رباح، ومزق جيشه كل ممزق (ربيع الأول سنة ١٦٨هـ - ٧٨٤ م) (١). ولكن محمداً لم يخضع ولم يهن عزمه، فارتد إلى جهة الغرب ونزل بقورية، وعاد يحشد قواته لاستئناف القتال، وقوى أمره وبسط سلطانه على تلك الأنحاء، فسار عبد الرحمن لقتاله ثانية، وهاجم قورية ومزق شمل قواته (سنة ١٦٩ هـ - ٧٨٥ م)، ففر في نفر من صحبه إلى بعض قرى طليطلة، وهنالك توفي لأشهر قلائل (سنة ١٧٠ هـ). فقام مكانه أخوه أبو القاسم بن يوسف، واقترن بزوجته، وعاد ينظم الثورة في طليطلة. فسار عبد الرحمن لقتاله قبل أن يستفحل أمره، ولم ير أبو القاسم بدا من الخضوع والتماس الصلح والعفو، فأجابه الأمير إلى ملتمسه، وصحبه معه إلى قرطبة، ورد إليه بعض أموال أسرته (٢)، وطويت بذلك آخر مرحلة في ثورة
стр. 189
الفهرية، بل كانت آخر ثورة قام بقمعها عبد الرحمن، ولم يعش بعدها سوى عدة أشهر. وهكذا أنفق عبد الرحمن جميع حكمه - ثلاثة وثلاثين عاما - في كفاح مستمر. وكانت مهمة عظيمة دونها خطوب فادحة. أن يطمح فتى شريد، يعمل القتل الذريع في أسرته وعصبته، وحيد ليس له أنصار ولا صحب، إلى افتتاح قطر عظيم زاخر بالقادة والجند، وأن يخضع ذلك القطر في حروب لا يخمد أوارها، وسيول من الدماء لا تنقطع، وأن يقيم ملكاً على بركان يضطرم من الثورة والمؤامرة والخصومة: تلك هي قصة عبد الرحمن الأموي، وهي قصة عجيبة ليست من حوادث التاريخ العادية، ولايقدم إلينا التاريخ كثيرا من أمثالها. ولكن عبد الرحمن كان رجل الموقف، وكانت حوادث الجزيرة (إسبانيا) وظروفها، وتمزق شملها، وتطلعها إلى زعامة قوية توحد كلمتها وقواها، وتسير بها نحو السلام والأمن، تفسح مجال الطموح والعمل لذهن جرىء مغامر كذهن عبد الرحمن. وكان عبد الرحمن يجمع إلى فيض جرأته، كثيراً من الذكاء والدهاء والعزم، ولم يكن عليه أن يخاطر بأكثر من تلك الحياة التي كادت تزهق غير مرة، وكان يحملها في كفه أمام مطارديه خلال القفر الشاسع. ولكن الغنم كان عظيما: كان ملكا بأسره، وكان بعث أسرة هَوَت ومجد عريض دثر. وسنعرض في الفصل القادم طرفا من خلال تلك الشخصية الباهرة، التي تتبوأ مكانها بين أسطع شخصيات التاريخ الإسلامي.
стр. 190
الفصل السادس
خلال عبد الرحمن ومآثره
(١) وفاة عبد الرحمن الداخل. شخصيته. أساليبه. إقدامه وجرأته وقسوته. بطشه بآله وأصدقائه. نزعته الميكافيللية. تعليقات دوزي على سياسته. خلاله الباهرة. وصفه بصقر قريش.
(٢) نوع رياسته. قطعه الدعاء لبني العباس. إحجامه عن التلقب بالخلافة. أقوال ابن خلدون في ذلك. نظام الحكومة في عهده. حجابه وأعوانه. استرابته بالعرب بعد الثقة فيهم. اصطناعه الموالي والبربر. سياسته نحو النصارى. مقدرته الإدارية. عنايته بالجيش والأسطول. تفكيره في غزو الشام. منشآته بقرطبة. الرصافة. السور الكبير. المسجد الجامع.
(٣) كرمه وتواضعه. نقش خاتمه. خلاله الأدبية. نثره وشعره.
(٤) عناصر المجتمع الأندلسي. العرب والبربر والمولدون. النصارى المعاهدون واليهود.
- ١ -
توفي عبد الرحمن الأموي في الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة ١٧٢ هـ (٢ أكتوبر سنة ٧٨٧ م) (١) وهو في نحو الثامنة والخمسين من عمره، بعد أن حكم الأندلس ثلاثة وثلاثين عاماً ملؤها الخطوب والفتن. فخلفه ولده هشام بعهد منه لأيام قلائل من وفاته. وانتظم بذلك سلك الدولة الأموية بالأندلس بعد أن تصرم بالمشرق، واستؤنفت حياة تلك الدولة الزاهرة، التي بلغ الإسلام على يدها ذروة الفتح والظفر، والتي ذهبت سراعاً كالحلم في عنفوان قوتها.
стр. 191
كان سقوط الدولة الأموية بالمشرق مأساة من أروع مآسي التاريخ الإسلامي، وكانت تلك الشخصية التي قامت على كاهلها دعائم الدولة الجديدة، من أعظم شخصيات الحرب والسياسة. كان عبد الرحمن الأموي يتمتع بعبقرية ممتازة وخلال نادرة. وكان قرين جده العظيم معاوية بن أبي سفيان، ينشئ مثله دولة، ولكن في ظروف أسوأ من ظروفه، ويهزم الخطوب والحوادث، ويسحق خصومه في كل ميدان، ويوثر مثل السياسة العملية على كل اعتبار، ويذهب توا إلى الغاية بأي الوسائل. وكانت المحنة المروعة التي نزلت بأسرته، والظروف العصيبة التي يواجهها، والخصومات والأحقاد المستمرة التي تحيط به، تحمل خلاله القوية إلى ذروة التطرف، وتدفعه إلى التذرع بأشد الوسائل. فنراه يقرن وافر العزم بفيض من الجرأة والمغامرة واحتقار الخطر، ويقرن وافر الدهاء بنزوع إلى الخيانة والغدر والفتك، ويقرن وافر الحزم والصرامة بنزوع إلى القمع الذريع، ويذهب في الانتقام إلى حدود مروعة من القسوة. ومع ذلك فقد كان عبد الرحمن وفياً يحفظ العهد والصنيعة لمن أخلص له، وإن لم يحجم لأقل ريب أو بادرة عن الفتك بأعز أصدقائه وأقرب الناس إليه. وقد رأينا هذه الخلال واضحة بارزة، في كثير مما تقدم من حوادث حياته ونضاله، فرأيناه مرارا يلجأ إلى الغدر والاغتيال للتخلص من خصومه، ورأيناه في مواطن كثيرة يزهق دون تردد، كل من وقع في يده من أولئك الخصوم أو من ولدهم وصحبهم الأبرياء. وذهب عبد الرحمن في صرامته وقسوته إلى البطش بكثير من أصدقائه، الذين آزروه يوم مقدمه، شريدا لا عصبة له، وقاتلوا معه وقادوه إلى الظفر والحكم، وكان قد أولاهم في المبدأ ثقته وجعلهم عماد دولته. ومن هؤلاء بدر مولاه الذي جاب معه القفر وخاض الغمار، وكان مثالا للشجاعة والدهاء وبعد النظر، فإنه قدر في البداية خلاله وكفايته وولاه القيادة واختصه بأسمى المناصب والمهام، ولكنه تغير عليه في أواخر عهده، لما أبداه من التذمر وعدم الرضى، ولما وجهه إليه من عتاب خشن تجاوز فيه حد اللياقة، فنكبه وجرده من مناصبه وأمواله، وشرده عن قرطبة إلى قاصية الثغر، ولم يستمع إلى تضرعه حتى مات في فقر وضعة (١). ومنهم أبو عثمان رأس أنصاره،
стр. 192
وأول من تلقاه وآواه يوم مقدمه، فإنه جعله كبير دولته، فلما توطد أمره جرده من نفوذه، ولما وقعت المؤامرة التي دبرها بعض الوافدين من بني أمية، واتهم أبو عثمان بالاشتراك في تدبيرها استراب به، ولم ينقذه من بطشه إلا عظم صنيعه لديه. ولما ثار ابن أخت أبي عثمان في بعض حصون إلبيرة، لم يتردد عبد الرحمن في قتله حين ظفر به. وكذا تغير عبد الرحمن على عبد الله بن خالد، صهر أبي عثمان وزميله في مؤازرة عبد الرحمن ونصرته، وكان من وزرائه، ثم اعتزل المنصب، وتوارى لما رأى من غدر عبد الرحمن بزعيم اليمنية أبي الصباح، وكان أبو الصباح هو الذي جمع كلمة اليمنية في إشبيلية حول عبد الرحمن وقاتل معه بصحبه، ثم انحرف عنه لأمور نقمها منه، فاستدرجه عبد الرحمن إلى قرطبة وفتك به في نفس مجلسه بالقصر، ناكثا لعهوده كما قدمنا (١). بل لم يحجم عبد الرحمن عن الفتك بذويه وخاصة أسرته، حينما نمى إليه أنهم يأتمرون به، فقتل ابني أخيه عبيد الله بن أبان والمغيرة بن الوليد، وابن عمه عبد السلام اليزيدي حسبما فصلنا.
والخلاصة أن عبد الرحمن كان يلجأ في تحقيق غاياته إلى أروع الأساليب والوسائل، وكان طاغية مسرفاً في البطش والسفك، مكيافيلليا (٢) بكل معاني الكلمة. ولكن تلك الخلال المثيرة التي كان يحفزها ويذكيها الخطر الداهم، كانت عنوان قوته ووسيلة ظفره. يقول دوزي: " لقد دفع عبد الرحمن ثمن ظفره غاليا، ذلك الطاغية الغادر الصارم المنتقم، الذي لا تأخذه رأفة. ولم يبق زعيم عربي أو بربري، يجرؤ على مواجهته صراحة، ولكن الجميع كانوا يلعنونه خفية. ولم يك ثمة رجل يرغب في خدمته ". ثم يقول: " كان هم عبد الرحمن الدائم أن يذل العرب والبربر إلى الطاعة، وأن يرغمهم على التعود على النظام والسلام، وقد لجأ في تحقيق هذه الغاية إلى جميع الوسائل، التي لجأ إليها ملوك القرن الخامس عشر لسحق الإقطاع. بيد أنه كان مصيرا محزنا ذلك الذي دفع القدر إليه اسبانيا، وكانت مهمة محزنة تلك التي كان على خلفاء عبد الرحمن أن يضطلعوا بها. ذلك أن الطريق الذي رسمه لهم مؤسس الأسرة، كان طريق الطغيان يؤيده السيف. ولكن من الحق أن نقول إن ملكاً لا يستطيع أن يحكم العرب والبربر
стр. 193
بغير هذه الوسيلة، وإذا كان العنف والطغيان ثمة في ناحية، ففي الناحية الأخرى يوجد الاضطراب والفوضى " (١).
على أن عبد الرحمن كان إلى جانب هذه الصفات المثيرة، يتمتع بكثير من الخلال الباهرة، وقد أجمل ابن حيان مؤرخ الأندلس خلاله في تلك العبارات القوية، قال: " كان عبد الرحمن راجح الحلم، فاسح العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، بريئاً من العجز، سريع النهضة في طلب الخارجين عليه، متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولايسكن إلى دعة، ولا يكل الأمور إلى غيره، تم لاينفرد في إبرامها برأيه، شجاعاً مقداماً، بعيد الغور، شديد الحذر قليل الطمأنينة، بليغاً، مفوهاً، شاعراً، محسناً، سمحاً، سخياً، طلق اللسان " (٢). وهذا التصوير الرائع الذي يقدمه لنا ابن حيان عن خلال تلك الشخصية الممتازة، إنما هو صورة بارزة من صور العظمة والبطولة، توضحها في جملتها، وفي تفاصيلها حياة عبد الرحمن في جميع أدوارها.
ويشبهه ابن حيان أيضا بأبى جعفر المنصور في قوة الشكيمة، ومضاء العزم، وفي القسوة والصرامة والاجتراء على الكبائر (٣).
وإذا كانت هذه الصفات والخلال القوية المثيرة معا، لا تحمل على الحب، فإنها تحمل على الإعجاب بلا ريب. بل إن المتأمل ليشعر بعطف خاص نحو هذه الشخصية الفريدة، ويرجع ذلك بلا ريب إلى تلك الحياة المؤثرة، التي خاض عبد الرحمن غمارها، وتلك المحن الأليمة التي نزلت بأسرته، وتلك الجهود الفادحة التي بذلها لاسترداد حقه وحق أسرته في الحياة والرياسة. وكانت هذه الحياة المؤثرة وما انتهت إليه من النتائج الباهرة، تحمل ألد خصوم عبد الرحمن على احترامه والإعجاب به، حتى لقد سماه أبو جعفر المنصور " صقر قريش " في حديث طريف تنقله إلينا الرواية، وهو أن المنصور قال يوما لبعض أصحابه، " من صقر قريش من الملوك؟ " قالوا: أمير المؤمنين الذي راض الملك وسكن الزلازل وحسم الأدواء. قال ما صنعتم شيئا. قالوا فمعاوية، قال ولا هذا. قالوا
стр. 194
فعبد الملك بن مروان، قال لا. قالوا فمن يا أمير المؤمنين؟ قال: صقر قريش عبد الرحمن بن معاوية، الذي تخلص بكيده عن سنن الأسنة وظباة السيوف، يعبر القفر، ويركب البحر، حتى دخل بلدا أعجميا منفردا بنفسه، فمصر الأمصار، وجند الأجناد، ودون الدواوين، وأقام ملكا عظيما بعد انقطاعه، بحسن تدبيره وشدة شكيمته. إن معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان وذلل له صعبه، وعبد الملك ببيعة أبرم عقدها، وأمر المؤمنين بطلب عزته واجتماع شيعته، عبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه، وطد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور وقتل المارقين، وأذل الجبابرة الثائرين (١).
هذا وأما عن شخصه، فقد وُصف عبد الرحمن، بأنه كان مديد القامة، نحيف القوام، أعور، أخشم (٢) له ضفيرتان، أصهب (٣)، خفيف العارضين، له خال في وجهه (٤).
- ٢ -
كانت الأندلس حتى ولاية يوسف بن عبد الرحمن الفهري، ولاية من ولايات الخلافة الأموية. فلما انهار سلطان بني أمية، انفرد يوسف بالأمر، وغدت الأندلس في عهده إمارة مستقلة. وتلقى عبد الرحمن الأموي تراث الإمارة كما خلفه يوسف، ولم ينشئ رغم كونه سليل بني أمية، لنفسه شيئا جديدا من رسوم الملك. وتلقبه الرواية الاسلامية أحياناً بالأمير، وأحيانا بالإمام (٥)، ويلقب أيضا بصاحب الأندلس (٦). ويعرف بعبد الرحمن الداخل لأنه أول من دخل الأندلس من أمراء بني أمية وحكمها، ويعرف أيضا بعبد الرحمن الأول، لأنه أول أمراء ثلاثة من بني أمية بهذا الاسم حكموا الأندلس، هم عبد الرحمن الداخل،
стр. 195
وحفيده عبد الرحمن الأوسط (ابن الحكم)، ثم عبد الرحمن الناصر.
وكانت الدعوة العباسية قد انتهت إلى الأندلس حين مقدم عبد الرحمن، وذاعت في منابرها، ودعى في الخطبة لبني العباس في كثير من النواحي، ثم دعى لهم في قرطبة ذاتها، ودعى عبد الرحمن الداخل نفسه لأبى جعفر المنصور مدى أشهر، وكان ذلك رغم غرابته وتناقضه، عملا من أعمال السياسة. ولكن جماعة من بني أمية الذين وفدوا على الأندلس، وعلى رأسهم عبد الملك المرواني، اعترضوا على هذا التصرف، ونوهوا بما أثم به بنو العباس في حق بني أمية، وما زالوا بعبد الرحمن حتى قرر قطع ذكر بني العباس من الخطبة (١٣٩هـ)، فقطعت من سائر منابر الأندلس (١). ولكن عبد الرحمن لم يحاول أن يتخذ سمة الخلافة قط، رغم كونه سليل أقيالها. ويرجع ذلك إلى اعتبارات دينية وسياسية، يجملها ابن خلدون في قوله، إن بني أمية بالأندلس " تلقبوا كسلفهم مع ما علموه من أنفسهم من القصور عن ذلك، بالقصور عن ملك الحجاز أصل العرب والملة، والبعد عن دار الخلافة التي هي مركز العصبية، وأنهم إنما منعوا بإمارة القاصية أنفسهم عن مهالك بني العباس " (٢). ويقول لنا في موضع آخر إن عبد الرحمن لم يتخذ سمة الخلافة تأدبا منه في حق الخلافة بمقر الإسلام ومنتدى العرب (٣). ويقول المسعودي إن الخلافة لم يكن يستحقها عند بني أمية إلا من كان مالكا للحرمين، ولذلك سموا بالخلائف، حتى بعد أن تسموا بالخلافة ولم يخاطبوا بالخلفاء (٤). وعلى أي حال فإن بواعث السياسة العملية، هي التي حملت عبد الرحمن على سلوك هذا المسلك، والحرص على عدم التورط في رسوم لم يحن الوقت لاتخاذها، والدخول بذلك مع الخلافة العباسية القوية في منافسة لا تؤمن عواقبها.
وأما عن نظام الحكومة، فقد اتبع عبد الرحمن الداخل سنة أسلافه بالمشرق في تبسيط الرسوم والنظم، وأنشأ منصب الحجابة، ولكنه لم ينشىء مناصب الوزارة، بل استعاض عنها بأعوان وأشياخ يعاونونه في القيام بمهام الحكم، وليست لهم سمة الوزارة، وإنما هم أقرب إلى الخاصة وأهل الشورى. واختار أعوانه في
стр. 196
البداية من أصدقائه، الذين استقبلوه يوم مقدمه، وآزروه وقاتلوا معه، فولى حجابته تمام بن علقمة، ثم ولاها من بعده ليوسف بن بخت الفارسي مولى عبد الملك ابن مروان، ثم عبد الكريم بن مهران الغساني، ثم عبد الرحمن بن مغيث ولد مغيث فاتح قرطبة، وولاها في آخر أيامه لمنصور الخصي، فلم يزل في حجابته حتى توفي. وعين لمشورته أبا عثمان عبيد الله بن عثمان كبير أنصاره، وصهره عبد الله بن خالد، فكانا مدى حين دعامة حكومته. وكان من أعوان حكومته أيضا جدار بن عمرو، وأبو عبدة حسان بن مالك زعيم إشبيلية، وشهُيد بن عيسى ابن شهيد، وعبد السلام بن بسيل الرومي، وهما من موالي بني أمية، وثعلبة ابن عبيد الجذامي الذي ولاه سرقسطة فيما بعد، وعاصم بن مسلم الثقفي وهو من خاصة أنصاره يوم المسارّة. وولى قيادة عسكره مولاه بدرا، وتمام بن علقمة، وعبد الملك المرواني، وثعلبة بن عبيد، وغيرهم من خاصة عصبته، وقد كان عبد الرحمن يتولى بنفسه قيادة الجيش، في معظم الوقائع والحروب التي نشبت بينه وبين خصومه كما رأينا. وولى عبد الرحمن على الكور والثغور جماعة مختارة من أصدقائه، وذوى رحمه الوافدين عليه حسبما فصلنا في مواضعه. وعلى الجملة فقد كانت حكومة عبد الرحمن الداخل تقوم في البداية بالأخص على العصبية والموالاة، وكانت عربية في بنائها وروحها، ولكن الخصومة المستعرة التي شهرها زعماء القبائل والبطون المختلفة على عبد الرحمن، والثورات المستمرة التي عملوا على إضرامها من حوله، ونكثهم المتكرر بعهودهم، حمله على الاسترابة بالعرب والحذر منهم، فمال عنهم إلى اصطناع الموالي والبربر، ولاسيما بربر العُدوَة (المغرب) وحشد حوله من الموالي والبربر والرقيق آلافاً مؤلفة، لتكون له وقت الحاجة عونا يركن إليه ويثق به. وكان ذلك قاعدة للسياسة التي سار عليها خلفاء عبد الرحمن الداخل من بعده، والتي بلغت ذروتها في عهد عبد الرحمن الناصر، كما نفصل في موضعه (١).
وأما عن سياسة عبد الرحمن نحو رعاياه النصارى (المستعربين)، ونحو نصارى الشمال، فقد كانت سياسة اعتدال ومهادنة. وكان من الواضح أنه نظراً لاشتغاله المستمر بأمر الثورات الداخلية، لم يفكر في غزو أرض النصارى، وأنه
стр. 197
كان يرحب بعقد السلم والمهادنة معهم. وهذا الأمان الذي يقال إن عبد الرحمن أصدره لجيرانه نصارى قشتالة يؤيد هذه السياسة وهذا نصه:
" بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب أمان الملك العظيم عبد الرحمن، للبطارقة والرهبان والأعيان والنصارى والأندلسيين أهل قشتالة، ومن تبعهم من سائر البلدان. كتاب أمان وسلام، وشهد على نفسه أن عهده لا ينسخ ما أقاموا على تأدية عشرة آلاف أوقية من الذهب وعشرة آلاف رطل من الفضة، وعشرة آلاف رأس من خيار الخيل، ومثلها من البغال، مع ألف درع وألف بيضة ومثلها من الرماح، في كل عام إلى خمس سنين، كتب بمدينة قرطبة ثلاث صفر عام اثنين وأربعين ومائة (٧٥٩ م) " (١).
وكان عبد الرحمن الداخل يتمتع بمواهب إدارية باهرة، فاستطاع خلال الاضطراب الشامل أن يوطد دعائم الحكم والإدارة، وأن يقمع كثيراً من ضروب الفساد والبغي، وأن يؤيد هيبة القانون والنظام. ولما توطد سلطانه وخبا ضرام الثورة نوعاً، استطاعت الأندلس أن تتمتع في ظل حكومته بأمن وطمأنينه ورخاء لم تعرفها منذ بعيد، ولو لم يُشغل عبد الرحمن طوال عهده بقمع الثورة والفتن الداخلية، لاستطاع كأسلافه الفاتحين الأوائل، أن يبعث الأندلس خلقا جديدا، وأن يجعل منها حديقة يانعة. على أنه ذلل الصعب ومهد الطريق لعقبه، واستطاع أن يضع دعائم تلك المملكة، التي غدت على يد بنيه أعجوبة العصور الوسطى. وينوه ابن حيان مؤرخ الأندلس بمقدرة الداخل وكفاياته الإدارية فيقول إنه " دون الدواوين، ورفع الأواوين، وفرض الأعطية، وعقد الألوية، وجند الأجناد، ورفع العماد، وأوثق الأوتاد، فأقام للملك آلته، وأخذ للسلطان عدته " (٢).
وعنى عبد الرحمن بالجيش عناية خاصة، فحشد المتطوعة والمرتزقة من كل صوب، وبلغت قواته مائة ألف مقاتل (٣)، هذا عدا حرسه الخاص الذي أنشأه
стр. 198
من الموالي والبربر والرقيق حسبما قدمنا ويبلغ زهاء أربعين ألفا (١). كذلك عنى عبد الرحمن في أواخر عهده بأمر القوات البحرية، فأنشأ عدة قواعد لبناء السفن في بعض الثغور النهرية والبحرية، مثل طركونة وطرطوشة وقرطاجنة وإشبيلية وغيرها (٢). ويقال إن عبد الرحمن الداخل لما توطد ملكه، وكثرت قواته وعدته، فكر في استرداد ملك بني أمية بالشام، والرحيل إلى المشرق ببعض قواته، واستخلاف ولده سليمان على الأندلس، وأيده في ذلك خاصة أسرته ومواليه. وكان ذلك في سنة ١٦٣هـ. ولكن اضطرام الثورة في سرقسطة حال بينه وبين ذلك العزم، وتوفي قبل أن تسنح فرصة لتنفيذه (٣). وقد تكون هذه أمنية جالت بذهن عبد الرحمن، ولكنا لا نجد في ظروف حياته التي انقضت كلها في إخماد الفتن والثورات المحلية، ما يسمح باعتبار مثل هذه الأمنية مشروعاً جدياً تتخذ العدة لتنفيذه.
واستطاع الداخل أيضاً أن يعني بالحاضرة الأموية الجديدة أعني قرطبة، فحصنها وزينها بالمنشآت الفخمة والرياض اليانعة. وكان أول ما أنشأ بها في عهده منية الرُّصافة وقصرها المنيف. وكان قصر الإمارة بناء قديماً ساذجاً يرجع إلى عهد القوط، فرأى عبد الرحمن أن ينشئ ضاحية ملوكية جديدة، تليق بحاضرة ملكه، وتعيد ذكرى بهاء بني أمية بالمشرق، فأنشأ في شمال غربي قرطبة قصراً فخماً تحيط به حدائق زاهرة، وجلب إليها مختلف الغروس والبذور والنوى من الشأم وإفريقية، وسمى تلك الضاحية الجديدة بالرُّصافة تخليداً لذكرى الرُّصافة التي أنشأها جده هشام بالشأم، واتخذها مقاماً ومنتزهاً ومركزاً للإمارة، وكانت حدائق الرصافة أماً لحدائق الأندلس، ومنها انتشرت بالأندلس غروس الشام وإفريقية (٤). وفي سنة ١٥٠هـ بدأ عبد الرحمن بإنشاء سور قرطبة الكبير، واستمر العمل فيه مدى أعوام (٥). وأنشأ عبد الرحمن في قرطبة وفي باقي مدن الأندلس مساجد محلية عديدة، وبدأ في أواخر أيامه (سنة ١٧٠ هـ - ٧٨٦ م) بإنشاء المسجد
стр. 199
الأموي الجامع بقرطبة، وكان موضعه كنيسة قوطية قديمة، وجلب إليه الأعمدة الفخمة والرخام المنقوش بالذهب واللازورد. ولكنه توفي قبل إتمامه، فأتمه ولده هشام، وزاد فيه من بعده ملوك بني أمية، حتى غدا أعظم مساجد الأندلس، وبلغ ما أنفقه عليه الداخل وحده زهاء مائة ألف دينار (١). وأنشأ عبد الرحمن أيضا في قرطبة داراً للسكة، تضرب فيها النقود على نحو ما كانت تضرب في دمشق أيام بني أمية وزناً ونقشاً.
- ٣ -
وكان عبد الرحمن الأموي جواداً، جم البساطة والتواضع، يؤثر لبس البياض ويعتم به، يصلي بالناس أيام الجمع والأعياد، ويحضر الجنائز ويصلى عليها، ويعود المرضى، ويزور الناس ويخاطبهم، ولم ينحرف عن هذه الديمقراطية إلا في أواخر عهده، حينما نصحه بعض خاصته بالترفع، استبقاء لهيبة الملك، والحذر من بوادر العامة وشر المتآمرين (٢). وقد كان في نقش خاتمه " عبد الرحمن بقضاء الله راض " و" وبالله يثق عبد الرحمن وبه يعتصم " ما ينم عن ذلك التواضع الجم (٣)، حيث لم يتخذ لقب المظفر أو الناصر أو المنصور وما إليها.
بقي أن نتحدث عن ناحية أخرى من خلال عبد الرحمن البديعة، هي الناحية الأدبية. كان عبد الرحمن شاعراً جيد النظم، ناثراً فصيح البيان، قوى الترسل، عالماً بالشريعة، وكان يعتبر من أعظم بني مروان مكانة في البلاغة والأدب (٤). وقد انتهت إلينا بعض رسائله وفيها تبدو قوة بيانه وفيض بلاغته. ومن ذلك رسالة موجزة وجهها إلى سليمان بن يقظان حين خروجه عليه: " أما بعد، فدعني من معارض المعاذير، والتعسف عن جادة الطريق، لتمدن يداً إلى الطاعة، والاعتصام بحبل الجماعة، أو لألقين بناتها على رصف المعصية، نكالا بما قدمت يداك، وما الله بظلام للعبيد ". ومنها رسائله إلى بدر مولاه، يزجره عن تمرده وانحرافه وقد كتب إليه حين ألحف في طلب العفو والمنة: " لتعلم أنك لم تزل بمقتك حتى
стр. 200
ثقلت على العين طلعتك، ثم زدت إلى أن ثقل على السمع كلامك، ثم زدت إلى أن ثقل على النفس جوارك، وقد أمرنا بإقصائك إلى أقصى الثغر ... ". ومن أقواله لأصحابه يوم المسارّة يشحذ هممهم للقتال: " هذا اليوم هو أس ما يبنى عليه، إما ذل الدهر وإما عز الدهر، فاصبروا ساعة فيما لا تشتهون، تربحوا بها بقية أعماركم فيما تشتهون " (١).
وانتهى إلينا من نظم عبد الرحمن ما يدل على قوة شاعريته ورقة خياله. فمن ذلك قوله حين بلغه أن بعض أصدقائه يمن عليه، ويزعم أنه لولاه لما صار الملك إليه:
سعدي وحزمي والمهند والقنا ... ومقادير بلغت وحال حائل
إن الملوك مع الزمان كواكب ... نجم يطالعنا ونجم آفل
والحزم كل الحزم أن لا يغفلوا ... أيروم تدبير البرية غافل
ويقول قوم سعده لا عقله ... خير السعادة ما حماها العاقل
وأشاد بعضهم أمامه بموقف الغمر بن يزيد بن عبد الملك في مجلس عبد الله ابن علي جلاد بني أمية، ونعيه عليه إثمه في حقهم وسفكه لدمائهم، وفقده لحياته ثمناً لجرأته، فأنشد عبد الرحمن:
شتان من قام ذا امتعاص (٢) ... فشال ما قال واضمحلا
ومن غدا مصلتا لعزم (٣) ... مجرداً للعداة نصلا
فجاب قفراً وشق بحراً ... ولم يكن في الأنام كلاّ
فبز ملكاً وشاد عزاً ... ومنبراً للخطاب فصلا
وجند الجند حين أودى ... ومصر المصر حين أجلى
ثم دعا أهله جميعاً ... حيث انتأوا أن هلم أهلا (٤)
ومن قوله في التشوق إلى ربوع الشام، وهو رقيق مؤثر:
أيها الركب الميمم أرضي ... أقر من بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بأرض ... وفؤادي ومالكيه بأرض
стр. 201
قدر البين بيننا فافترقنا ... وطوى البين عن جفوني غمضى
قد قضى الله بالفراق علينا ... فعسى باجتماعنا سوف يقضى
ورأى بروض الرصافة وهي الضاحية الجديدة التي أنشاها، نخلة منفردة، فأثار منظرها في نفسه ذكرى وشجناً وأنشد (١):
تبدت لنا وسط الرصافة نخلة ... تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل
فقلت شبيهي في التغرب والنوى ... وطول التنائي عن بنيي وعن أهلي
نشأت بأرض أنت فيها غريبة ... فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي
سقتك غوادي المزن من صوبها ... الذي يسح ويستمرىء السماكين بالويل (٢)
- ٤ -
هذا ويجب أن نستعرض هنا، وقبل اختتام الكلام على عصر عبد الرحمن الداخل، عناصر المجتمع الأندلسي، الذي كان خلال هذه الأحداث والخطوب التي توالت عليه منذ أيام الفتح، قد استقر، وأخذت جذوره في التوطد والرسوخ، وأخذت عناصره المختلفة، يؤدى كل منها دوره في غمرة الحوادث، مستهديا بعواطفه وأمانيه ومثله الخاصة.
وقد سبق أن أشرنا بإيجاز إلى أن المجتمع الإسلامي الذي قام في شبه الجزيرة عقب الفتح، كان يتألف من عناصر رئيسية ثلاثة، هي العرب، والبربر، والمولدون. كما أشرنا إلى عناصر الشقاق والتفرق التي كانت تعمل في صفوف هذا المجتمع الإسلامي الجديد.
كانت البطون العربية التي اشتركت في الفتح، واستقرت في شبه الجزيرة تضطرم منذ البداية بروحها القبلي المتأصل، ولم تستطع قط أن تتحرر من هذا
стр. 202
الروح النكد، الذي أشاع فيما بينها عوامل الشقاق والتنابذ، وأثار فيما بينها غير مرة ضرام الحرب الأهلية. وقد رأينا كيف عانت الأندلس في أواخر عهد الولاة من هذه الحرب الأهلية، التي اضطرمت بين المضرية واليمنية وبين البلديين والشاميين، وكيف كادت تودي بسلامة الأندلس ومنعتها. ثم رأينا كيف قضى عبد الرحمن الداخل معظم عهده في مكافحة الثورات المتعاقبة التي شهرها في وجهه زعماء القبائل والبطون في سبيل الاحتفاظ بسلطانهم المحلي. وهكذا كانت القبائل العربية في الأندلس منقسمة على نفسها، وإن كانت الرياسة قد بقيت فيها على يد الدولة الأموية الجديدة التي قامت في شبه الجزيرة. بيد أن العرب لم يكونوا بين كتلة الأمة الأندلسية أغلبية، بل كانوا بالعكس أقلية تتمثل بالأخص في الأرستقراطية العربية التي استأثرت بمعظم مغانم الفتح، واستولت حينا على أزمة الحكم، واحتلت في شبه الجزيرة معظم البقاع الخصبة. وقد ذكر لنا ابن غالب في " فرحة الأنفس "، كثيراً من البطون العربية التي استقرت بالأندلس، وبعض من كان ينتمي إليها من الأسر الأندلسية النابهة، وذكر لنا من منازلها، بلنسية وأوريولة وإشبيلية وغرناطة ووادي آش (١). وكانت الأرستقراطية العربية تستقر بالأخص في القواعد والمدن الكبيرة، ولا سيما في قرطبة، وتترك العمل في ضياعها الشاسعة للموالي والبربر، وكان أمراء بني أمية منذ عهد عبد الرحمن الداخل يعملون على مقارعة هذه الأرستقراطية القوية وإخضاعها، حتى جاء عبد الرحمن الناصر، فقضى على سلطانها السياسي والاجتماعي، ورفع إلى مكانها الموالي والصقالبة، ثم جاء المنصور بن أبي عامر، فعمل على تمزيقها وتشتيتها، وخلق أرستقراطية جديدة من البربر تقوم مكانها، ومن ذلك الحين تغيض الأصول العربية في شبه الجزيرة تباعا، وتضمحل مكانتها وأهميتها.
ويرجع انكماش العنصر العربي في الأمة الأندلسية، أولا إلى كونه يمثل الطبقة الممتازة وهي تكون الأقلية دائما، وثانيا إلى أن الهجرة العربية إلى شبه الجزيرة لم تكن هجرة غزيرة، وقد توقفت تقرييا منذ القرن الثالث الهجري، ولم يكن ما ينسب للأمراء والكبراء من كثرة النسل، لامتلاء قصورهم بالجواري، مما يعوض هذا النقص العنصري.
وإلى جانب الأقلية العربية الأرستقراطية، يجب أن نذكر طائفة الموالي التي
стр. 203
كانت تنتمى اليها أولا وتشد بأزرها، ثم انقلبت عليها فيما بعد حينما تمكنت واشتد نفوذها. وقد نمت هذه الطائفة بمر الأيام. وظهر منها كثير من القادة والزعماء النابهين، الذين شغلوا أعظم المناصب في الدولة وفي الجيش، مثل بني شُهيد، وبني مغيث وبني عَبْدَه، وبني جهور، وبني بسيل، وهم الذين شغلوا مناصب القيادة والحجابة أجيالا. والى جانب هؤلاء، يجب أن نذكر طائفة الصقالبة الأجانب التي ظهرت أهميتها منذ أيام عبد الرحمن الداخل، وبلغت ذروة تضخمها ونفوذها أيام عبد الرحمن الناصر. وقد كان بنو أمية يؤثرون اصطناع هؤلاء الموالي والإفادة من عونهم وتأييدهم.
وأما العنصر الثاني الذي كانت تتكون منه الأمة الأندلسية فهو عنصر البربر.
وقد قام البربر حسبما رأينا بأكبر قسط في فتح الأندلس، وفي الغزوات التي اضطلعت بها الجيوش الاسلامية فيما وراء البرنيه، وكانوا في معظم الأحيان أغلبية في تلك الجيوش، وإن كانت القيادة قد لبثت على الأغلب في أيدي القادة والضباط العرب. وكانت هجرة القبائل البربرية إلى شبه الجزيرة أسرع وأشد كثافة من هجرة العرب، أولا لقرب منازلهم في العدوة من شبه الجزيرة، وثانيا لشعورهم بما كان لهم من فضل في أعمال الفتح، وثالثا لما كان يحفزهم من آمال في البحث وراء طالعهم في هذا القطر الجديد، الذي كانت وديانه الخضراء تجذبهم من بواديهم المقفرة. وقد استمرت هجرة البربر على هذا المنوال أجيالا، بينما كانت هجرة العرب من منازلهم البعيدة في شبه الجزيرة العربية وفي الشام بطيئة محدودة أضف إلى ذلك ما عمد إليه أمراء بني أمية، منذ عهد عبد الرحمن الداخل من اصطناع البربر إلى جانب الموالي والصقالبة، والاستعانة بهم في تدعيم سلطانهم، لاسترابتهم بالقبائل العربية. وقد بلغت هذه السياسة كما سنرى فيما بعد ذروتها في عهد المنصور بن أبي عامر، حيث انثالت القبائل البربرية على شبه الجزيرة، واحتل زعماؤها معظم المناصب الكبيرة، وأضحى سواد الجيش مؤلفا منها. وقد كانت معظم البطون البربرية المهاجرة تنتمي بالأخص إلى زناتة ومصمودة ومكناسة ونفزة والبرانس، واشتهرت من هذه البطون بالأخص، مدغرة ومديونة ومكناسة وهوارة. ومنها خرج فيما بعد أمراء كثير من القواعد والثغور، وقامت من بينها ممالك من دول الطوائف. وقد كان البربر أكثرية في الشمال الغربي، وفي وسط الأندلس في منطقة جبال المعدن (أو جبال البرانس)، وفي أراضي السهلة
стр. 204
ووادي الحجارة، ومنطقة شرقي إشبيلية والفرنتيرة، وهي مناطق تمتاز على الأغلب بهضابها الوعرة، وهو ما كان يشجع البربر في أحيان كثيرة على الثورة ومقاومة الحكومة المركزية للمحافظة على استقلالهم المحلي (١).
والعنصر الثالث الذي كانت تتكون منه الأمة الأندلسية هو عنصر المولدين، وهم القوط والإسبان الذين أسلموا منذ الفتح، ودخلوا حظيرة المجتمع الإسلامي إلى جانب زملائهم العرب والبربر، مؤثرين أن يتمتعوا في ظل الإسلام بمزايا المساواة والثقة، والتحرر من القيود والأعباء التي تلاحق الذميين. ويعرف أولئك المولدون في الإسبانية بالخوارج أو المرتدين Renegados، أي الذين ارتدوا عن دينهم القديم، وهو النصرانية، ويسمون أحيانا بالمسالمة أو بالأسالمة أو أسالمة أهل الذمة، متى كان إسلامهم حديثا. وكان المولدون يكونون بين السكان كتلة كبيرة ربما كانت الأغلبية، وقد كان إسلامهم سريعاً، ولم يأت جيل أو اثنان حتى استطاعوا الاندماج في المجتمع الإسلامي، وأضحى من الصعب تمييزهم من المسلمين الأصليين، وغدوا بمضي الزمن عنصرا من أهم عناصر السكان إن لم يكن أهمها جميعاً، سواء من حيث الكثرة أو المستوى الاجتماعي والحضاري.
وإلى جانب هذه العناصر الأساسية الثلاثة، التي كانت تتكون منها الأمة الأندلسية، كان ثمة عنصران آخران هما المستعربون أو النصارى المعاهدون Mozarabes وهم النصارى الذين آثروا الاحتفاظ بدينهم القديم، ولبثوا يعيشون في المدن والأراضي المفتوحة تحت الحكم الإسلامي، وقد كانت منهم ثمة أقليات كبيرة في بعض المدن مثل طليطلة وقرطبة، واليهود، وقد رأينا كيف ساعدوا الفاتحين المسلمين وقت الفتح، وتعاونوا معهم في حفظ المدن المفتوحة وإدارتها، وقد كانت منهم أقليات في معظم المدن الأندلسية، تتمتع بحماية الحكومات الإسلامية ورعايتها. وقد ازدهرت هذه الأقليات اليهودية فيما بعد، وظهرت منها شخصيات بارزة تولت مناصب كبيرة في الدولة، وغلب نفوذها في بعض المناطق، كما حدث في مملكة غرناطة البربرية، وظهرت كذلك في ميدان العلوم والآداب، ونبغ منها علماء نابهون مثل ابن ميمون وغيره.
تلك هي العناصر المختلفة التي كانت تتألف منها الأمة الأندلسية. وسوف نعود من آن لآخر إلى التحدث عن هذه العناصر في مختلف المواطن والمناسبات.
стр. 205
الفصل السابع
المملكة النصرانية الشمالية منذ قيامها إلى ولاية ألفونسو الثاني
بعث المملكة النصرانية في الشمال. اجتماع فلول النصارى في الهضاب الشمالية. الدوق بتروس وبلاجيوس. نشوء المملكة النصرانية. صمت إيزيدرو الباجي عن ذكرها. أقوال الرواية الإسلامية. امارة جليقية والصخرة. رأى لابن خلدون في شأنها. إغفال الفاتحين لأمرها. حملات المسلمين عليها. ارتدادهم عن تلك الهضاب. اجتماع النصارى حول بلاجيوس. حملة ابن أبي نسعة على جليقية. إغارة النصارى على الأراضي الإسلامية. غزو عقبة بن الحجاج لجليقية. نمو المملكة النصرانية. وفاة بلاجيوس. ولده فافيلا. إمارة كانتابريا. تحالفها مع جليقية. اتحادهما تحت ولاية ألفونسو الأول. ألفونسو الأول أو الكاثوليكي. اجتياحه للأراضي الإسلامية. استيلاؤه على أسترقة. أخوه فرويلا أمير كانتابريا. استيلاء ألفونسو على مدينة لك. حملة يوسف الفهري لإنقاذ أربونة. القتال بينه وبين البشكنس. عبور ألفونسو لنهر دويرة. وفاة فرويلا. وفاة ألفونسو. فرويلا الأول. استيلاؤه على شلمنقة وشقوبية وسمورة وقشتالة. اختلاف الرواية الإسلامية في تاريخ هذه الغزوة. خطر المملكة النصرانية. عبد الرحمن الأموي يرسل حملة إلى جليقية. غزو ألبة والقلاع. ما تقوله الرواية النصرانية عن موقعة بونتومو. ثورات النصارى على فرويلا. غزوه لنافار. بطشه وسفكه. إنشاؤه لمدينة أوبييدو. وفاته. انقسام المملكة. ولاية أورليوس للولايات الشرقية. ولاية سيلو للولايات الغربية. وفاة أورليوس. ولاية سيلو على المملكة كلها. الصلح بينه وبين المسلمين. وفاة سيلو. اضطراب المملكة. قيام مورجات ولد ألفونسو الأول. فرار ألفونسو ابن فرويلا إلى ألبة. تحالف مورجات مع المسلمين. أقوال الرواية الاسلامية. وفاة مورجات. ولاية برمند الأول لجليقية. تحالفه مع ألفونسو. تخلي برمند وولاية ألفونسو على المملكة كلها. أسطورة القديس يعقوب وقيام مدينة شنت ياقب. عزلة المملكة الشمالية. خواص مجتمعها.
نقف الآن قليلا في تتبع أخبار دولة الإسلام في الأندلس، لنأتي على أخبار دولة متواضعة أخرى، قامت في اسبانيا إلى جانب الدولة الإسلامية في نوع من الخفاء والصمت، ولم يشعر المسلمون بمولدها ولا نموها في أعوامها الأول، ولم يقدروا أهميتها حين شعروا وجودها، ولم يعنوا بأمرها إلا حينما نمت وانتظمت إلى قوة تستطيع العدوان والمقاومة: تلك هي المملكة الإسبانية النصرانية التي يجب أن تأخذ منذ الآن مكانها في تاريخ شبه الجزيرة، إلى جانب دولة الإسلام فيها. ولم يكن قيام هذه المملكة الناشئة، سوى طور جديد في حياة تلك المملكة
стр. 206
القوطية التي سحقها العرب عند فتح الأندلس (٩٢ هـ - ٧١١ م)، والتي قامت بعد ذلك تستأنف حياتها ضئيلة متواضعة، في قاصية اسبانيا الشمالية الغربية وفيما وراء الصخر، ثم لبثت تنمو بطيئة ولكن ثابتة، حتى رسخت دعائمها في هاتيك الهضاب، وبدأت بعد ذلك معركة الحياة والموت، مع تلك المملكة الإسلامية التي قامت في الجنوب، على أنقاض مملكة القوط القديمة، وهي معركة تشغل منذ الآن حيزاً كبيراً في تاريخ الإسلام في اسبانيا.
وقد نشأت المملكة الإسبانية النصرانية في ظروف كالأساطير، ونشأت في نفس الوقت الذي افتتح فيه العرب اسبانيا، وسحقوا دولة القوط القديمة. ففي موقعة شَريش التي مزق فيها جيش القوط وقتل آخر ملوكهم ردريك (لذريق) (٩٢ هـ)، فرت شراذم قليلة من الجيش المنهزم إلى الشمال، واختفت فيما وراء تلك الجبال الشمالية، التي وقف عندها تيار الفتح الإسلامي، واجتمعت بالأخص في هضاب كانتابريا (نافار وبسكونية) في الشرق، وفي هضاب أشتوريش (١) في الغرب، واجتمع فل النصارى في الهضاب الشرقية تحت لواء زعيم يدعى الدوق بتروس، واجتمع فلّهم في الهضاب الغربية في جليقية تحت لواء زعيم يدعى بلاجيوس أو بلايو. وكان بتروس ينتمي إلى أحد الأصول الملكية، وكان من قادة الجيش في عهد وتيزا ملك القوط، ثم في عهد خلفه ومغتصب ملكه ردريك. أما بلاجيوس أو بلايو فيحيط الغموض بأصله ونشأته، ولكن يبدو مما تنسبه إليه الرواية من ألوان الوطنية والبسالة والبطولة، أنه كان رفيع المنبت والنشأة، وتقول بعض الروايات إنه ولد الزعيم فافيلا (٢) الذي قتل الملك وتيزا في هضاب جليقية، وإنه كان لذلك من خاصة الملك ردريك وقادته. وهذا ما يردده سيمونيت إذ يقول في أصل بلاجيوس ما يأتي؛ " وكان الحزب المتمسك بدينه ووطنه، المنكر لخيانة أولاد وتيزا، قد اختار له رئيساً رفيع المواهب هو الدون بلايو بن فافيلا، من سلالة القوط الملكية. ويقول البعض إنه ولد من يدعى فريمندو، وحفيد للملك ردريك، وقد حارب إلى جانب ردريك. ثم رأى فيه الأحبار والأكابر الذين التفوا حوله، أنه جدير بالعمل على إحياء مملكة
стр. 207
القوط " (١). وتعرف الرواية الإسلامية بلايو وتحدثنا عنه وتسميه (بلاي)، وتصفه أحياناً بأنه أمير أو ملك، وتنعته غالباً بأنه " علج من علوج النصارى " (٢) وتتبع أخباره مع المسلمين: ولكنها لا تلقي ضياء كثيراً على أصله أو أحوال مملكته الصغيرة. ذلك لأن المسلمين لم ينتبهوا قط إلى ما وراء الهضاب الوعرة، التي امتنع بها هذا الزعيم وفله، والتي نشأت فيها جذور المملكة النصرانية الشمالية، التي غدت غير بعيد خطرا على دولة الإسلام في اسبانيا. ومن الغريب أن راوية نصرانياً كبيراً معاصراً هو إيزيدور الباجي، وهو حبر عاصر الفتح الإسلامي، وكتب روايته منذ منتصف القرن السابع، ووصل في كتابتها حتى سنة ٧٥٤ م (٣)، لم يذكر لنا في روايته شيئاً عن قيام تلك المملكة النصرانية الصغيرة في الشمال، ولا عن زعيمها أو ملكها بلايو، ولا عن غزوات المسلمين لها، مع أن إيزيدور يتتبع أخبار الغزوات الإسلامية كلها، منذ الفتح حتى منتصف القرن الثامن، سواء في اسبانيا أو في مملكة الفرنج، ويقدم إلينا عنها كثيراً من التفاصيل والملاحظات الهامة. وقد يرجع ذلك إلى أن إيزيدور وهو يقيم في الجنوب في مدينة باجة، كان يجهل قصة هذه المملكة النصرانية الناشئة، ولكن ما نراه من عنايته بتدوين أخبار الغزوات الإسلامية في فرنسا، وأخبار مملكة أكوتين، يحملنا على الاعتقاد بأنه لم يكن يجهل أخبار مملكة جليقية النصرانية، وهي أقرب إليه من فرنسا، وأن أسباباً أخرى لعلها ترجع إلى انتماء أميرها بلايو إلى حزب ردريك الذي كان يبغضه المؤرخ، هي التي حملته على إغفال أخبارها (٤).
وعلى أى حال فإن الرواية الإسلامية، تذكر لنا كيف نشأت المملكة النصرانية
стр. 208
الإسبانية في الهضاب الشمالية، بعد أن سحقت في موقعة شريش، فقد لجأت شراذم قليلة من القوط عقب الفتح إلى الجبال الشمالية، وامتنعت في مفاوز جبال أشتوريش (أستورية)، وقامت إمارتان نصرانيتان صغيرتان في كانتابريا وجلِّيقية. وكانت إمارة كانتابريا التي أسسها الدوق بتروس، لوقوعها في الطرف الغربي من جبال البرنيه في سهول نافار وبسكونية، عرضة لاقتحام الفاتحين لها حين سيرهم إلى فرنسا وحين عودهم منها. ولكن إمارة جلِّيقية Galicia، كانت تقع في أعماق جبال أشتوريش الوعرة، بعيداً عن غزوات الفاتحين، وسميت جليقية لأنها قامت على حدود الولاية الرومانية القديمة التي كانت تسمى بهذا الإسم. ففي هذه الهضاب النائية المنيعة اجتمع بلايو وصحبه، وعددهم لا يتجاوز بضع مئات حسبما تقول الرواية، ولجأوا إلى مغار عظيم في آكام كوفادنجا، تحيط به وديان سحيقة خطرة، ويعرف في الرواية الإسلامية باسم (الصخرة) (١). ويقول لنا ابن خلدون في الفصل الذي يخصصه (لملوك الجلالقة)، إن هذه الإمارة الصغيرة التي كانت مهد المملكة النصرانية، لا تمت بصلة إلى القوط، وإن ملوك الجلالقة ليسوا من القوط، لأن أمة القوط كانت قد بادت ودثرت لعهد الفتح الإسلامي (٢). بيد أنه يصعب علينا أن نقبل هذا الرأي على إطلاقه، فمن المحقق أن فلول النصارى التي لجأت إلى الشمال كانت مزيجاً من القوط والإسبان المحليين، ولكن الظاهر مما انتهى إلينا من أقوال الروايتين المسلمة والنصرانية، أن الزعماء ولاسيما بلاجيوس كانوا من القوط، وأن ملوك الجلالقة يمتون إلى القوط بأكبر الصلات.
ولم يعن المسلمون لأول عهد الفتح بأمر هذه الشراذم الممزقة عناية كافية. وكان فاتحا الأندلس موسى وطارق، قد قاد كل منهما حملة إلى جليقية لسحق البقية الباقية من فلِّ القوط، ولكنهما لم يتمكنا من تحقيق غايتهما لاستدعائهما إلى دمشق كما أسلفنا. وكان إغفال أمر هذه الفلول الباقية بعد ذلك من أعظم أخطاء الفاتحين. بيد أنه لما كثرت ثورات النصارى في الشمال، وبالأخص في بسكونية (أو بلاد البشكنس)، اهتم ولاة الأندلس بقمعها وتأمين الولايات الشمالية،
стр. 209
وسير الحرُّ بن عبد الرحمن الثقفي والي الأندلس في سنة ٩٨ هـ (٧١٨ م) جيشاً الى الشمال لإخضاع النصارى، فاجتاح المسلمون بلاد البشكنس وهضاب أشتوريش، وأوفدوا حليفهم الأسقف أوباس وهو أخو الملك وتيزا إلى بلايو ليقنعه بالتسليم وعبث المقاومة، فأبى بلايو ولجأ إلى كهوفه المنيعة في صخرة كوفادنجا، ونفذ المسلمون إلى أعماق الجبال وحاولوا عبثا أن يستولوا على مراكز العدو، وحالت بينهم وبينه الوديان السحيقة والآكام الرفيعة، وحوصر بلايو وأصحابه في " الصخرة " مدى حين، وقطعت عنهم المؤن، وتساقطوا تباعا من الجوع، حتى لم يبق منهم على قول الرواية سوى ثلاثين رجلا وعشر نساء (١). وتزعم بعض الروايات النصرانية أن بلايو كر على المسلمين، وأنهم هزموا هزيمة شديدة وفقدوا ألوفا كثيرة، ووقع أوباس في أيدي مواطنيه فعاقبوه على خيانته بالموت (٢).
وقد أتيح لنا أن نزور هذه المنطقة الوعرة - منطقة كوفادنجا - وأن نشهد الصخرة المنيعة، التي تقول الرواية إن بلايو وأصحابه امتنعوا في مغارها، والتي تئوى في جانب منها إلى اليوم رفات بلايو. والحق أننا شهدنا من الوادي الذي تشرف عليه الصخرة، والذي يقال إن المسلمين رابطوا فيه لمحاصرة النصارى، أروع منظر يمكن تصوره من الصخور الوعرة، والآكام الرفيعة المدببة، وأدركنا كيف عجز المسلمون عن اقتحام مثل هذا المعقل المنيع.
ولما رأى المسلمون وعورة الهضاب وقسوة الطبيعة، ارتدوا عن جلّيقية محتقرين شأن هذه الشرذمة الممزقة الجائعة. فقويت لذلك نفس بلايو وأصحابه، وانضم إليهم كثير من النصارى في كانتابريا وسهول جليقية، واختاروه ملكا عليهم لما رأوا من بسالته وبراعته وقوة عزمه، وألفى بلايو الفرصة سانحة لتوطيد سلطانه وتوسيع أملاكه، فأخذ يغير على الأراضي الإسلامية الشمالية، وبدا لحكومة الأندلس خطر هذه العصابات الجبلية التي أخذت تنتظم إلى قوة يخشى بأسها. ولكن اضطراب الشئون الداخلية حال مدى حين دون مطاردتها وغزوها.
وفي سنة ١١٢ هـ (٧٣٠ م) في عهد أمير الأندلس الهيثم بن عبيد، بعث حاكم ولاية البرنيه وهو يومئذ الزعيم المسلم الذي تعرفه الرواية النصرانية باسم
стр. 210
منوسة أو مونس - جيشا إلى جبال أشتوريش لغزو جليقية وسحق أميرها بلايو. ولكن بلايو استطاع أن يصمد للمسلمين كرة أخرى، وأن يهزمهم هزيمة شنيعة. ولما رأى بلايو منعة معقله وقوة عصبته، اخترق بسكونية وهاجم قوات المسلمين في الوقت الذي كانت تتأهب فيه للسير إليه، ومزق بعض وحداتها، ثم ارتد إلى هضابه فاستعصم بها. ولما اضطربت شئون الأندلس بعد مقتل أميرها عبد الرحمن الغافقي وارتداد جيشه في بلاط الشهداء (١١٤هـ - ٧٣٢ م)، وشغل الولاة برد جيوش الفرنج، عن الأراضي الإسلامية في سبتمانيا، كثرت غارات العصابات الجليقية على الأراضي الإسلامية في شمال نهر دويرة (دورو) وفي منطقة أسترقة، وعانى المسلمون في تلك الأنحاء كثيرا من عيث النصارى. ولما تولى عقبة بن الحجاج حكومة الأندلس في سنة ١١٦هـ (٧٣٤ م)، ورأى خطر العصابات الجليقية وشدة عيثها في الأراضي الإسلامية، سار إلى جليقية وغزاها مرة أخرى في سنة ٧٣٥ أو ٧٣٦ م (١١٨هـ) واستولى على بعض مواقعها، ولكن النصارى امتنعوا كعادتهم في الجبال ولم يبلغ عقبة منهم أمراً. ولما اضطرمت الأندلس بالفتن ونشبت الحرب الأهلية، بين مختلف الزعماء والقبائل، ازداد النصارى جرأة وتحرشاً بالمسلمين وعيثاً في أراضيهم، ولم تستطع حكومة قرطبة أن تسعفهم بالعون والمدد لاشتغالها بالشئون الداخلية. وكانت سلطة الحكومة المركزية ضعيفة في تلك الأنحاء النائية، وكان سكانها ومعظمهم من البربر، يكثرون من الخروج والثورة سخطاً على العرب، واستئثارهم بالحكم والسيادة. وكان النصارى من رعايا حكومة قرطبة، يدسون الدسائس ويرتكبون شتى الخيانات، ويشجعون بذلك بلايو وعصبته على الإغارة والعيث في أراضي المسلمين، وكانت الإمارة النصرانية الناشئة تنمو خلال ذلك ويشتد ساعدها، ويهرع النصارى إلى لواء بلايو من مختلف الأنحاء.
ويقول العلامة ألتاميرا: " كان كفاح بلايو وزملائه الأشراف، يرجع إلى الرغبة في استرداد جزء من الأراضي المفقودة، ومن جهة أخرى فإن احترام الفاتحين لدين المغلوبين وعاداتهم، لم يجعل في البداية للمعركة لونا دينيا أو عنصريا، بل كان مدارها من جانب الأشراف ورجال الدين، استرداد الأملاك وشيء من هيبة الملك " (١).
стр. 211
واستمر بلايو في حكم إمارة جليقية زهاء تسعة عشر عاماً، وتوفي سنة ٧٣٧ م. ولكن بعض الروايات النصرانية تضع تاريخ وفاته بعد ذلك، فتقول إنه لبث حتى ولاية عبد الرحمن بن يوسف الفهري للأندلس (١٢٧ - ١٣٧ هـ) (٧٤٥ - ٧٥٥ م)، وأن الموقعة التي نشبت بين منوسة وبلايو كانت بين سنتى ٧٤٦ و٧٥١ (١)، وهي رواية ظاهرة الضعف، لأن منوسة قتل في سنة ١١٤ هـ (٧٣٢ م) كما قدمنا، والرواية الإسلامية واضحة دقيقة في ترتيب الوقائع والتواريخ في هذا الموطن. وخلف بلايو ولده فافيلا، ولكنه توفي بعد حكم لم يطل أمده سوى عامين (سنة ٧٣٩ م). وكان الدوق بتروس أمير كانتابريا قد توفي في ذلك الحين أيضاً، وخلفه ولده ألفونسو دوق كانتابريا، ونمت هذه الإمارة النصرانية الصغيرة أيضا واشتد ساعدها، وقويت أواصر التحالف بينها وبين جلّيقية بتزوج أميرها ألفونسو من ابنة بلايو واسمها أرموزندة أو هرمزندة. فلما توفي فافيلا ولد بلايو، اختار الجلالقة ألفونسو دوق كانتابريا ملكاً عليهم، واتحدت الإمارتان، وقامت منهما مملكة نصرانية واحدة، هي مملكة ليون النصرانية أومملكة جلّيقية في الرواية الإسلامية، وتمتد من بلاد البشكنس شرقاً إلى شاطىء المحيط غرباً، ومن خليج بسكونية شمالا إلى نهر دويرة جنوباً، وتشمل مناطق شاسعة من القفر والهضاب الوعرة، وتحتجب وراء الجبال بعيدة عن سلطان المسلمين وغزواتهم (٢).
ويعتبر ألفونسو دوق كانتابريا، أو ألفونسو الأول الملقب بالكاثوليكي مؤسس المملكة النصرانية الشمالية، وأصل ذلك الثبت الحافل من ملوك قشتالة (٣)، الذين لبثوا قرونا يدفعون حدودهم إلى الجنوب تباعاً في قلب المملكة الإسلامية، ثم انتهوا بالقضاء عليها والاستيلاء على غرناطة آخر معاقلها (١٤٩٢ م). وحكم ألفونسو في ظروف حسنة، فقد كانت الحرب الأهلية تمزق الأندلس، وكان أمر الولايات الشمالية فوضى، والضعف يسود المسلمين في تلك الأنحاء، وكان ثمة منطقة عظيمة من القفر والخراب تفصل بين جليقية وبين الأراضي الإسلامية، فاجتاحها ألفونسو بجموعه، وقتل من بها من المسلمين القلائل، ودفع النصارى
стр. 212
إلى الشمال. ولما حل القحط بالأندلس (سنة ١٣٣هـ - ٧٥٠ م) واشتد عصفه بالولايات الشمالية الغربية، جلا كثير من المسلمين عن تلك الأنحاء، واشتد ساعد النصارى فيها، ورفعوا لواء الثورة، وفتكوا بالمسلمين، ونادوا بألفونسو ملكا عليهم (١)، وانتهز ألفونسو الفرصة فغزا أسْتُرقة واستولى عليها من يد المسلمين، واستولى على كثير من البلاد والضياع المجاورة، وضمها لأملاكه (١٣٦هـ - ٧٥٣ م). وهكذا نمت تلك المملكة النصرانية التي نشأت في ظروف كالأساطير واتسعت حدودها، واشتد بأسها بسرعة مدهشة، ولم يأت منتصف القرن الثامن حتى بدأت تناهض الإسلام في الأندلس وتغالبه، وتغير على معاقله وأراضيه.
وعهد ألفونسو بإمارة كانتابريا وهي القسم الشرقي من مملكته، إلى أخيه فرويلا (أو فرويلة)، فكان يغير أيضا على الأراضي الإسلامية المجاورة، ويعيث فيها قتلاً ونهباً وسبياً، ثم يعود مسرعاً إلى الجبال خشية أن يلحق به المسلمون. بيد أن المسلمين كانوا في شغل شاغل من الفتنة والحروب الداخلية، وكان يوسف بن عبد الرحمن الفهري أمير الأندلس يعني يومئذ بقمع الثورة في الشمال، فانتهز ألفونسو تلك الفرصة وغزا مدينة لُك (لوجو) الحصينة وهي أقصى معاقل المسلمين في الشمال الغربي وافتتحها سنة (١٣٧هـ - ٧٥٤ م)، وكان يوسف قد انتهى من إخماد الثورة في الشمال، وأراد إنجاد المدينة المحصورة، فجاءته الأنباء بمقدم عبد الرحمن الأموي، فهرول إلى الجنوب وترك لُك لمصيرها. وكان أيضا قد أرسل قبل أن يغادر الشمال قوة من جنده بقيادة الحصين بن الدجن وسليمان بن شهاب لإنجاد ثغر أربونة، الذي كان يحاصره الفرنج يومئذ، ففاجأها النصارى قبل أن تعبر البرنيه، ونشبت بين الفريقين معركة مزق فيها المسلمون وقتل قائدهم سليمان بن شهاب، وارتد فلهم إلى الجنوب (سنة ٧٥٦ م) (٢).
والظاهر أن الذي هاجم المسلمين في تلك الموقعة هو فرويلا وحلفاؤه أو رعاياه البشكنس. وعبر ألفونسو نهر دويرة (دورو) غير مرة، وعاث في أراضي المسلمين مراراً، وكان يقتل كل من وقع في يده من المسلمين، ويسوق النصارى معه إلى الشمال. ولبث مع أخيه فرويلا كلٌّ يعمل من جانبه على توسيع المملكة
стр. 213
النصرانية، حتى توفي فرويلا سنة ٧٦٤ م (١٤٦هـ)، وتولى أخوه ألفونسو من بعده حكم المملكة كلها، ولكنه لم يعش طويلا، وتوفي في العام التالي (٧٦٥ م) (١) فخلفه ابنه فرويلا الأول. وكان عبد الرحمن الأموي يكرس كل جهوده وقواه لقمع الثورة الخطيرة التي نظمها العلاء بن مغيث باسم الدعوة العباسية، فرأى فرويلا الفرصة سانحة لغزو الأراضي الإسلامية (٢) فعبر نهر دويرة في جيش ضخم وغزا لُك وبُرتقال وشَلَمنقة وشَقُوبية وآبلة وكورة وقشتالة (٣)، واستولى عليها من المسلمين، وعاث في تلك المنطقة سفكاً وتخريباً وضمها إلى أملاكه، فصارت جزءا من مملكة جلّيقية، حتى استعادها المسلمون بعد ذلك بنحو قرنين في عهد الحاجب المنصور. وتختلف الرواية الإسلامية في تعيين تاريخ هذه الغزوة فيضعها ابن الأثير قبل ذلك بأعوام في حوادث سنة ١٤٠هـ (٧٥٨ م) ويقول إن الذي قام بها هو تدويلية (تدفيليا) ابن أذفنش (ألفونسو)، ولكن ألفونسو توفي بعد ذلك كما رأينا (٤)، ويضعها ابن خلدون بعد سنة ١٤٢ هـ وهي التي يعينها تاريخا لوفاة ألفونسو، في عهد فرويلا، وقد تولى فرويلا الملك بعد وفاة أبيه حسبما تقول الرواية النصرانية في سنة ٧٦٥ م (١٤٧هـ) (٥). وعلى أى حال فقد كانت هذه الغزوة أعظم فتح قام به النصارى يومئذ في الأراضي الإسلامية، بعد افتتاح الفرنج لسبتمانيا واستيلائهم على أربونة أمنع مواقع ولاية " الثغر " قبل ذلك بأعوام قلائل.
وهنا ظهر خطر المملكة النصرانية واضحاً جلياً. ولم يكن عبد الرحمن الأموي بغافل عن ذلك الخطر، وكان رغم اشتغاله المتواصل بقمع الثورة والفتن الداخلية، يتحين الفرص لدرئه، ففي سنة ١٤٨ هـ (٧٦٦ م) أرسل بعض قواده إلى
стр. 214
الشمال على رأس قوة كبيرة، فسارت حتى حدود جليقية، واشتبكت مع النصارى والعصاة في عدة مواقع، وعادت مثقلة بالغنائم والأسرى (١). وفي سنة ١٥٠هـ (٧٦٧ م) بعث عبد الرحمن جيشاً بقيادة مولاه بدر إلى ألبة والقلاع (٢)، وهي المنطقة الواقعة بين بلاد البشكنس وجبال كانتابريا، على ضفاف نهر إيبرو في الطرف الشرقي من مملكة جليقية، فغزاها وتوغل فيها وأرغمها على أداء الجزية، وقبض على كثير من العصاة في تلك الأنحاء (٣). وتقص الرواية النصرانية علينا بعد ذلك نبأ موقعة كبيرة وقعت بين المسلمين والنصارى في بونتومو من أعمال جليقية، وتقول لنا إن عبد الرحمن أرسل في سنة ٧٧٣ م (١٥٧هـ) جيشاً كبيراً إلى الشمال بقيادة حاجبه عامر، أو تمام بن علقمة على يظهر، فلقيه النصارى بقيادة فرويلا في بونتومو، ونشبت بين الفريقين موقعة هائلة، هزم فيها المسلمون وقتل منهم عدد عظيم تقدره الرواية بأربعة وخمسين ألفاً وأسر قائدهم (٤). ولم تشر الرواية المسلمة إلى أن موقعة بهذه الخطورة نشبت بين المسلمين والنصارى، ولاسيما في هذا التاريخ، الذي كان عبد الرحمن مشتبكا فيه مع الدعى الفاطمي في معارك تقتضى كل جهوده وموارده، والرواية النصرانية تبدي كعادتها في هذا الموطن مبالغة تسبغ عليها كبير ريب.
وكان فرويلا طاغية شديد البطش، ولم يكن حكمه موفقاً، فقد اضطرمت في جليقية الغربية نار ثورة كبيرة أيدها المسلمون فيما يظهر، وأخمدها فرويلا بعد جهد، ولكنه فقد كثيراً من أرضه التي افتتحها في تلك الأنحاء، وعادت إلى