← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وكم صريع رضيع ظل مختطفا ... عن أمه فهو بالأمواج قد فطما وكم بطريانة أبقى الأسبى ندبا ... في القلب يبعث وجدا كلما كلما يا حسنها عرف للحسن جامعة ... ما طار قط لها إلا النعيم جما يا عين فابك على حمص وقل لها ... منك البكاء إذا ما ترسليه دما وقد أصيبت بها الدنيا وساكنها ... حقاً وأصبح ركن الدين قد ثلما سطا بها الكفر إذ قل النصير بها ... فمن معز بها الإسلام ما سلما يا أهل وادي الحما بالعدوة انتعشوا ... هذا الذماء فقد أشفى به سقما فماذا يبطئكم عنا وحولكم ... أن تبصروا دار قوم أصبحت رمما وحقنا واجب فالدين يجمعنا ... مع الجوار الذي مازال منتظما وقد دعونا فأسمعنا على كثب ... بما قد استنفد القرطاس والقلما (١) وكان الاستيلاء على قلعة طريانة حصن إشبيلية من الجنوب الغربي، أهم ما يشغل بال النصارى، وكان لابد قبل محاولة الاستيلاء عليها أن تحطم القنطرة القوية الضخمة، التي تربطها بإشبيلية عبر الوادي الكبير، عند برج الذهب. وكانت هذه القنطرة، تتكون حسبما قدمنا، من مجموعة من السفن المثبتة بسلاسل ضخمة من الحديد. وهذا ما اعتزمه النصارى بالفعل. وجهز بونيفاس قائد الأسطول النصراني لهذا الغرض مركبين كبيرين، وركب في إحداهما. ودُفع المركبان نحو القنطرة، فنجحت إحداهما في قطع السلاسل الحديدية، وإحداث ثغرة في القنطرة، وأسرع الملك فرناندو في قوة كبيرة ليحمى بونيفاس ومركبه، وليحقق الفصل بين المسلمين في طريانة، وأهل المدينة، ووقع ذلك الحادث في اليوم الثالث من مايو سنة ١٢٤٨ م. وكان تحطيم القنطرة على هذا النحو ضربة شديدة للمسلمين، إذ ترتب عليه الفصل بين قلعة طريانة، وبين المدينة، وقطع طريق الشّرف، وهو الملاذ الأخير الذي كان باقيا للمحصورين، لاستيراد الأقوات والمؤن، بعد أن أضحى طريق النهر محفوفاً بأعظم المخاطر. كما ترتب عليه عزل طُريانة وتعرضها لخطر هجوم النصارى. وهذا ما عول عليه النصارى بالفعل على أثر تحطيم القنطرة.

стр. 2207

على أن الاستيلاء على طريانة لم يكن مهمة سهلة. ذلك أن المسلمين كانوا على حذر، وكانوا يدركون أهمية طريانة الدفاعية، وكانوا لذلك قد شحنوها بالرجال والسلاح والمؤن، ورتبوا بها بالأخص جماعة من الرماة يستطيعون إصابة الفرسان بقذائفهم عن بعد. ومن ثم فإنه لما هاجمها النصارى بقوات كثيفة استطاعت حاميتها القوية أن تحطم هذا الهجوم الأول بسرعة، وعندئذ كرر النصارى هجومهم بشدة، والمسلمون يحبطون كل محاولة، وكان بالقلعة عندئذ زعيم إشبيلية الأول القائد شقاف. ولما تكرر فشل النصارى في اقتحام القلعة اقترب منها فرناندو بقواته، ودفع الحفارين إلى السور لإحداث ثلمة به، ولكن المسلمين نجحوا أيضاً في إحباط هذه المحاولة، وعندئذ عمد النصارى إلى محاصرة القلعة براً وبحراً، وضربها بمختلف الآلات، واعتزموا أخذها بالحصار، وقدمت سفنهم إلى النهر أسفل القلعة فنجحت بعد مجهود عنيف في قطع كل صلة بين طريانة وبين إشبيلية. واستمر الحصار حول إشبيلية وطريانة، وهو يشتد كل يوم، والحاضرة المحصورة تشعر بالضيق، يرهقها شيئاً فشيئاً، والنصارى يوالون ضربها بالآلات المخربة، حتى نفدت الأقوات، وأخذ الجوع يفتك بالمحصورين. ويصف ابن عذارى حالة المدينة المحصورة في قوله: " وعدموا المرافق كلها، قليلها وجليلها، إلا ما كان في بعض ديار الأغنياء مثل الفقيه القاضي ابن منظور، فإنه كان يطمع في إقلاع النصارى عن المدينة، فيأمر الناس بالقتال والرمى بالنبال، والناس مع ذلك حيارى، يمشون سكارى وما هم بسكارى. ومات بالجوع خلق كثير، وعدمت الأطعمة من القمح والشعير، وأكل الناس الجلود، وفنيت المقاتلة من العامة وأصناف الجنود " (١). وهكذا فتك الجوع والحرمان والمرض بأهل إشبيلية، وأضنتهم المعارك المستمرة بعد حصار صارم مرهق استمر خمسة عشر شهراً، وغاض كل أمل في الإنقاذ والإنجاد، فلم يتحرك الموحدون لانشغالهم بمكافحة بني مرين، وأمير إفريقية الذي اتخذ لقب الخلافة، ولم يتحرك أمير إفريقية لما سبق من موقف الإشبيليين نحو عماله، وربما أيضاً اعتباراً بما حدث من فشل محاولته لإنقاذ بلنسية، وقد كان إنجادها أقرب وأيسر. فلما بلغ الضيق أشده، طلب القائد شقاف وهو في طريانة، إلى النصارى هدنة ليتمكن

стр. 2208

من الاتصال بأهل المدينة، والتفاهم معهم على التسليم. وبحث زعماء المدينة الموقف من سائر نواحيه، واتفقوا على أن يسلموا إلى ملك قشتالة القصر وجباية المدينة، على أن لا يدفعوا من المكوس أكثر مما كانوا يدفعونه لملوكهم، ولكن ملك قشتالة رفض هذا العرض الجزئي رفضاً باتا، فعاد الزعماء وعرضوا أن يسلموا القصر وثلث المدينة، فرفض هذا العرض أيضاً. واضطر الزعماء أن يتقدموا خطوة أخرى. فعرضوا أن يسلموا نصف المدينة، بعد أن يخليه المسلمون، وأن يترك النصف الآخر للمسلمين، وأن يقام بين النصفين سور فاصل. ونصح بعض مستشارى الملك إليه بقبول هذا العرض، ولكن ملك قشتالة أصر على أن يتسلم المدينة كلها حرة ودون شروط (١). وعندئذ لم ير زعماء إشبيلية وأهلها، بدّا من قبول مصيرهم المحتوم، وجرت المفاوضة بينهم وبين ملك قشتالة في تسليم المدينة، وذلك عن طريق ممثل ملك قشتالة، دون ردريجو ألباريس، وانتهت المفاوضات بين الفريقين على أن تسلم المدينة بالشروط الآتية: أن تسلم المدينة كاملة حرة سليمة، لا يهدم من صروحها شىء، وأن يغادرها سكانها مع السماح لهم بأن يحملوا معهم كل أمتعتهم المنقولة والمال والسلاح، وأن يسلم القصر في الحال بعد إخلائه عقب وضع شروط التسليم، وأن تسلم مع المدينة سائر الأراضي التابعة لها، وأن يعطى ملك قشتالة إلى القائد شقاف، والرئيس ابن شعيب، من بلاد الشرف، شلوقه وحصن الفرج، ثم لبلة متى تم افتتاحها، واتفق على أن تُمنح لأهل المدينة مهلة لا تقل عن الشهر لتسوية شئونهم وإخلاء دورهم، والتأهب للرحيل. ولما وُقع عهد التسليم بين الفريقين، سُلِّم القصر، وهو مقر الولاة، ويقع في جنوبي المدينة على مقربة من باب جَهْور، إلى ملك قشتالة، وبعث ملك قشتالة مندوبه ليرفع شعاره الملكى فوق برجه الأعلى، وكان ذلك في اليوم الثالث والعشرين من شهر نوفمبر سنة ١٢٤٨ م، وهو يوافق يوم الاثنين الخامس من شعبان سنة ٦٤٦ هـ، وهو اليوم الذي تضعه الرواية الإسلامية لسقوط إشبيلية في أيدي النصارى (٢). بيد أنه يوجد تاريخ آخر، هو

стр. 2209

تاريخ دخول النصارى المدينة، وهو يعتبر أحيانا تاريخ سقوطها. وقضى المسلمون زهاء شهر في إخلاء المدينة، وتصفية شئونهم، وبيع متاعهم، وكان ملك قشتالة، يسرح سريات من فرسانه لتأمين المهاجرين منهم بطريق البر حتى مدينة شريش، وحتى ثغر سبتة لتأمين المهاجرين منهم بطريق البحر، وخصص لذلك الغرض أسطولا يتكون من خمس سفن كبيرة، وثمانى صغيرة (١). وخرجت من إشبيلية جموع غفيرة من المسلمين يصعب تحديد عددها، وتشمل سائر الطبقات. ولم تحدد لنا الرواية الإسلامية عدد المهاجرين منها، ولكنها تقول لنا فقط إنه قد خرج الخاص منها والعام " وكل منهم في بحر المنايا غاص وعام، مماحل بهم من الأوجال والآلام " (٢). وتقدر بعض الروايات من خرج من أهل إشبيلية من المسلمين بأربعمائة ألف، منهم مائة ألف هاجروا بطريق البحر إلى سبتة، وثلاثمائة ألف ساروا براً بطريق شريش (٣). وتفرقوا في مختلف الأنحاء بالأندلس والمغرب. وقصد أكثرهم بالأندلس مملكة غرناطة، وذلك بتشجيع ابن الأحمر، وكورة لبلة وغربى الأندلس، وقصد من عبر البحر منهم إلى مختلف ثغور المغرب، ولاسيما سبتة وتونس، وكان في مقدمة من غادرها منهم زعيمها القائد شقاف، ولم يحفل بما عرضه النصارى عليه من منح وإقطاعات وعبر البحر إلى سبتة مع جماعة من القواد والأجناد، والظاهر أنه استطاع أن يتدخل في شئونها، وأن يشاطر واليها الحفصى ابن أبي خالد قسطا من السلطة، ولكن حدث بعد فترة قصيرة أن نهض زعيم سبتة الدينى الفقيه أبو القاسم العزفى، واستطاع بمعاونة حليفه القائد أبي العباس الرنداحى أن ينتزع الرياسة لنفسه، وقتل شقاف وعدة من أصحابه فيمن قتل من ضحايا الانقلاب، وذلك في شهر رمضان سنة ٦٤٧ هـ (٤). وبقيت إشبيلية، بعد أن غادرها أهلها، خالية ثلاثة أيام. وفي اليوم الثاني والعشرين من شهر ديسمبر سنة ١٢٤٨ م " (أوائل رمضان سنة ٦٤٦ هـ) دخل فرناندو الثالث ملك قشتالة، مدينة إشبيلية في موكب فخم، وكان مطران

стр. 2210

طليطلة قد قام بتحويل الجامع الأعظم إلى كنيسة، وصنع به هيكل مؤقت، فقصد إليه الملك النصراني، وحاشيته من أكابر الأحبار والقادة والفرسان، وأقيم قدّاس الشكر، ثم قصد فرناندو بعد ذلك إلى القصر وتسلمه، وعنى بوضع أسس الحكم للحاضرة المفتوحة، وجعل منها مركز مطرانية، كما كانت قبل الفتح الإسلامي، وقام بتقسيم دور المسلمين وأراضيهم، بين أولئك الذين بذلوا أكبر جهد في تحقيق الفتح. وبذلك اختتم الفتح، وأخذ النصارى في تقويض محلاتهم خارج المدينة ونزلوا بها (١). ومن ذلك التاريخ تغدو إشبيلية، عاصمة مملكة قشتالة، ومقر البلاط القشتالي، بدلا من طليطلة. وهكذا سقطت إشبيلية، حاضرة الأندلس العظمى، بعد أن حكمها المسلمون منذ افتتحها موسى بن نصير في سنة ٧١٢ م، خمسة قرون وثلث قرن، وحكمها الموحدون زهاء قرن، وكانت قاعدة حكومتهم بالأندلس، فجاء سقوطها، بعد سقوط قرطبة، وقواعد الشرق، تصفية نهائية لسلطانهم في شبه الجزيرة الإسبانية. وكانت إشبيلية إلى جانب قرطبة من أعظم مراكز العلوم والآداب في الغرب الإسلامي، وبها سطعت عبقريات فريدة في تاريخ الفكر الإنسانى، مثل بني زهر أعظم أساتذة الطب والكمياء في الغرب في العصور الوسطى، وأبي العباس بن الرومية أعظم النباتيين والعشابين، بعد ديسقوريدس. وسطعت إشبيلية أيام الطوائف في ظل بني عباد، ولبثت زهاء نصف قرن أعظم مجمع للآداب وللشعر والنثر في الأندلس. وجعل منها الموحدون قاعدة الحكم في الأندلس، وغدت في ظلهم أعظم حواضر شبه الجزيرة، وأزخرها عمرانا، وأجملها تخطيطاً وصروحاً، تتيه بمسجدها الجامع أعظم جوامع الأندلس، بعد جامع قرطبة، وبمنارته الشاهقة الرائعة، التي مازالت تقوم حتى اليوم أثراً من أعظم الآثار الأندلسية الباقية، وذلك بالرغم من تحويلها إلى برج لأجراس الكنيسة.

стр. 2211

وكان لسقوط إشبيلية وقع عظيم في الأندلس، أو بعبارة أخرى فيما بقى من قواعدها وربوعها، وفي شبه الجزيرة الإسبانية كلها، وفي المغرب وسائر أنحاء العالم الإسلامي. وقد رثاها الشعر في قصائد عديدة مبكية، حتى قبل أن تسقط نهائيا في أيدي النصارى. وقد أوردنا فيما تقدم بعض ما نظمه الشعر في ذلك. - ٥ - وكان سقوط إشبيلية نذيراً بسقوط سائر القواعد والبلاد القريبة منها، ولاسيما قواعد الغرب التي أصبحت معزولة عن بقية القواعد الأندلسية. وما كاد فرناندو الثالث ينتهي من تنظيم شئون " مملكة إشبيلية " ويستريح من عناء الغزوة الكبرى، حتى سيّر بعض قواته شرقاً وجنوبا، لتفتتح قواعد هذه المنطقة. وليست لدينا تفاصيل عن كيفية افتتاح هذه القواعد أو سقوطها في أيدي النصارى، ولكن الرواية النصرانية تجمل قصة هذه القواعد في قولها، إن فرناندو الثالث، استطاع عقب افتتاحه لإشبيلية أن يبسط سلطانه على شريش وشذونه والقلعة وقادس وشلوقة وأركش والبريجة وروطة أو روضة (١) بعضها بالفتح وبعضها بعقد المعاهدات، وأن إخضاع هذه القواعد قد تم في سنة ١٢٤٩ م (٦٤٧ هـ)، وتزيد على ذلك أن ابن محفوظ صاحب لبلة وما إليها من الأراضي والحصون، قد اعترف بطاعة فرناندو الثالث (٢). ولكن الرواية الإسلامية تقدم إلينا عن إخضاع هذه القواعد بعض تفاصيل أخرى، فتقول لنا إن الوزير أبا خالد صاحب شريش أعطى في سنة ٦٤٨ هـ للفنش (وتريد هنا فرناندو الثالث) مدينة أركش وحصن فريس، وحصن تنكر، والأفراس، وأن النصارى استولوا في نفس العام على قرمونة، والقلعة، والقليعة، وشلوقة، وغليانة، وروطة، وجميع حصن الوادي وحصن الفرج (٣). ولنلاحظ أولا أن قرمونة، والقلعة، وغليانة، وهي من حصون إشبيلية الأمامية، قد سقطت كلها في أيدي النصارى، في سنة ٦٤٥ هـ قبيل حصار إشبيلية. وأما عن شريش وهي أهم قواعد الفرنتيرة، فيلوح لنا أنها قد خضعت بمقتضى الاعتراف، وأن صاحبها أبا خالد، قد أعلن خضوعه

стр. 2212

لملك قشتالة، وتعهد بأداء الجزية، ومكّن النصارى من القصر دون أن يحتلوا المدينة، ونزل لملك قشتالة عن أركش والحصون التي سبق ذكرها، رهينة بحسن طاعته. والظاهر أن هذه الحالة قد استمرت عدة أعوام أخرى، لأن الرواية الإسلامية تقول لنا إن سرية من الفرسان النصارى قصدت إلى شريش في سنة ٦٥٨ هـ (١٢٦٠ م) برسم إخلاء موضع القناطر، وإخراج المسلمين منها، وأن ديارها قد أخليت بالفعل برسم الطاغية (ملك قشتالة)، وأن النصارى دخلوا قصبة شريش صلحاً في العام الثاني (٦٥٩ هـ)، ثم أرادوا أن يغدروا بالمسلمين، فتغلب المسلمون عليهم، واستطاعوا إخراجهم منها بمعاونة قوة من عسكر بني مرين عبرت إلى شبه الجزيرة بقيادة عامر بن إدريس بن عبد الحق، وذلك في سنة ٦٦٢ هـ (١٢٦٣ م)، واحتل عامر بن إدريس، ومن معه من المجاهدين مدينة شريش، واستمروا بها زهاء عامين حتى أخرجهم القشتاليون منها، بقيادة ملكهم ألفونسو العاشر الملقب بالحكيم وذلك في سنة ١٢٦٤ م (٦٦٥ هـ) (١). وقد شاطرت مدينة قادس فيما يبدو نفس الظروف ونفس المصير، فخضعت أولا بإعلان الطاعة وأداء الجزية لملك قشتالة. ويبدو كذلك أن النصارى قد احتلوا قصبتها على غرار ما حدث في شريش. يدل على ذلك ما تذكره الرواية الإسلامية في حوادث سنة ٦٤٧ هـ (١٢٤٩ م) من أن القائد الرنداحى، وهو قائد الأسطول بها، قتل ثمانين من زعماء الروم بجزيرة (ثغر) قادس (٢). وقد استمرت الأحوال على اضطرابها بقادس حتى افتتحها القشتاليون في سنة ١٢٦١ م، وافتتحوا في نفس الوقت شذونة، والبريجه، وغيرهما من قواعد الفرنتيرة. واستولى القشتاليون في العام التالي (٦٦٢ هـ) على مدينة إستجة، الواقعة في جنوب غربي قرطبة. سلمها إليهم صاحبها ابن يونس بالأمان، ولكن قائدهم دون خيل ما كاد يدخلها في قواته، حتى أخرج المسلمين منها، وقتل معظمهم، واستولى على أموالهم، وسبي نساءهم، حتى أطلقهن من يده دون نونيو قائد قشتالة الأكبر، وعذل دون خيل على غدره بالمسلمين (٣). وأما عن بقية قواعد ولاية الغرب، الواقعة غربي الوادي الكبير، وحتى

стр. 2213

أراضي البرتغال، فقد كان معظمها تحت سلطان القاضي شعيب بن محفوظ، أقوى زعماء هذه المنطقة، وكانت مدينة لبلة الحصينة قاعدة حكمه، وبها ثار منذ سنة ٦٣٢ هـ، ودعا لنفسه وتسمى بالمعتصم، واستطاع أن يبسط سيادته على معظم القواعد والأنحاء الواقعة غربي الوادي الكبير، وفيما وراء نهر وادي يانه. ولا تحدثنا الرواية عن شخصية ابن محفوظ، ولا عن أصله ونشأته. ويبدو لنا من مختلف القرائن، أنه كان من بقية زعماء الموحدين في تلك المنطقة، وتسبغ الرواية النصرانية عليه بالفعل هذه الصفة. ولما زحف القشتاليون على قطاع إشبيلية، وأخذت قواعدها وحصونها الأمامية تسقط في أيديهم، شعر ابن محفوظ بأن سلطانه في تلك المنطقة أضحى معرضاً للانهيار، فسعى إلى التفاهم مع ملك قشتالة، وذلك بنفس الطريقة التي كان يجرى عليها سائر الزعماء المسلمين يومئذ، فنزل إليه وفقاً لقول الرواية الإسلامية عن مدينة طبيرة والعُلى وشلب والخزانة، ومرشوشة، وبطرنا، والحرة، وكلها من قواعد أقصى الغرب، وذلك في سنة ٦٤٥ هـ (١٢٤٧ م) (١). واعترف بطاعته على حكم لبلة كما تقدم. بيد أنه يبدو أن سلطان ابن محفوظ على قواعد الغرب، لم يكن يمتد إلى هذا المدى البعيد من قواعد الغرب البرتغالية، مثل طبيرة وشلب وشنتمرية الغرب. يدل على ذلك ما تذكره لنا الرواية الإسلامية بعد ذلك، من أنه لما تم لفرناندو الثالث افتتاح إشبيلية، تقدم ابن محفوظ في سبيل إرضائه خطوة أخرى، فنزل له عن حصن اللقوه، وجبل العيون، ووادي أنه، وشنتيل، والحصين، وشلطيش، وذلك صلحاً، على أن يبقى محتفظاً بلبلة وأحوازها مع الاعتراف بالطاعة وأداء الجزية (٢). وهذه الأماكن كلها تقع في منطقة ولبة (أونبة القديمة)، شرقي نهر وادي يانه، وهو أقصى مدى كان يمتد إليه سلطان ابن محفوظ. أما قواعد الغرب البرتغالية، وهي شلب وطبيرة وشنتمرية الغرب، فقد كانت من نصيب الفتوح البرتغالية. وكان ألفونسو الثالث ملك البرتغال، قد أدرك مذ سقطت إشبيلية في أيدي القشتاليين، وساد الانحلال والفزع في سائر قواعد الغرب الإسلامية، وانهارت فيها الروح الدفاعية، أن الفرصة قد سنحت للاستيلاء على ما بقى بأيدى المسلمين من هذه القواعد، في أراضي البرتغال

стр. 2214

خريطة: خريطة تبين انهيار الأندلس وما كسبته الممالك الإسبانية النصرانية ٦٣٣ - ٦٦٠ هـ = ١٢٣٦ - ١٢٦٢ م. حدود الأندلس الشمالية قبل الانهيار

стр. 2215

الجنوبية. وكان أخوه وسلفه الملك سانشو الثاني قد استولى على مدينة ميرتلة من المسلمين، وسلمها لفرسان شنت ياقب للقيام بالمحافظة عليها. وفي سنة ٦٤٠ هـ (١٢٤٢ م) استولى البرتغاليون على مدينة شلب، من يد واليها الموحدي واسمه المنصور، ولم يبق بعد الاستيلاء على شلب، وهي أهم قواعد الغرب الجنوبية، سوى طبيرة وشنتمرية الغرب. فأما طبيرة، فقد سقطت في أيدي الفرسان البرتغاليين في سنة ٦٤١ هـ (١٢٤٣ م). وأما شنتمرية الغرب (١) فقد قام بافتتاحها ألفونسو الثالث، بعد أن حاصرها من البر والبحر، حتى اضطرت إلى التسليم، وذلك في سنة ٦٤٧ هـ (١٢٤٩ م)، واتفق على أن يحتفظ المسلمون الذين يريدون البقاء بها، بدينهم وشرائعهم وأموالهم، وأن يكونوا رعايا لملك البرتغال يؤدون إليه من المكوس ما كانوا يؤدونه إلى ملوكهم. وتابع ألفونسو الثالث بعد ذلك فتوحاته في هذه المنطقة الجنوبية، فاستولى على سائر الحصون والبلاد الإسلامية الباقية فيها، ولم تأت سنة ١٢٥٠ م، حتى كانت ولاية الغرب البرتغالية كلها قد سقطت في أيدي البرتغاليين. وفي العام التالي عبر البرتغاليون نهر وادي يانه، ومضوا في فتوحهم في أراضي الغرب الأندلسية، وافتتحوا عدة من الحصون والقواعد على ضفته اليسرى، ومنها قلعتا أورشه وأورسينة الواقعتان على مقربة من لبلة. وكان ملك قشتالة، يعتبر عبور البرتغاليين إلى هذه المنطقة، اعتداء على أراضيه، ويرقب الفرصة لردهم إلى ما وراء نهر وادي يانه. ولما توفي فرناندو الثالث (١٢٥٢ م)، وخلفه ولده ألفونسو العاشر، شعر ابن محفوظ صاحب لبلة أن ملك قشتالة الجديد، ليس له من الحزم والسطوة ما كان لأبيه، فأخذ يتحلل من عهوده، ثم أبي أن يدفع الجزية، وثار بمدينة لبلة الحصينة وامتنع بها، فسار ألفونسو العاشر إلى لبلة في جيش قوي، وضرب حولها الحصار، وكان ضمن حشوده فرقة من جند ابن الأحمر، بعث بها لتشترك في الحصار، وإخضاع ابن محفوظ، وفاء بعهوده القديمة، وبغضا منه لهذا الزعيم الموحدي، بقية الدولة البائدة في شبه الجزيرة. ولم يكن افتتاح لبلة أمراً سهلا، نظراً لمنعتها الطبيعية بوقوعها فوق ربوة عالية، ونظراً لأسوارها الصلدة العالية التي تحيط بها إحاطة تامة، ومن ثم فقد صمدت المدينة في وجه المحاصرين، واستمر صمودها عدة أشهر. وكان أبرز ما في حوادث هذا الحصار، ما قام به

стр. 2216

المسلمون من إطلاق النار والحجارة من فوق أسوار المدينة، من آلات قاذفة شديدة الفتك، يصحبها دوى كالرعد، لم يعرف كنهها ولم يسبق استعمالها في شبه الجزيرة، تشبه المدافع البدائية، وقد فتكت هذه الآلات بالجيش المحاصر، وأرغمته على إطالة الحصار أكثر من تسعة أشهر، ولكن المدينة المحصورة، اضطرت آخر الأمر، وبعد أن برحت بأهلها مصائب الحصار، ويئست من تلقى أية نجدة أو مدد، اضطرت إلى التسليم إلى القشتاليين بالأمان، وعوض ألفونسو صاحبها ابن محفوظ مقابل تسليمها، بأملاك وضياع واسعة في أحواز إشبيلية، وفي فحص الشرف. وكان تسليم لبلة في سنة ٦٥٧ هـ (١٢٥٧ م) (١). هذا ما تقوله الرواية النصرانية عن حصار لبلة وتسليمها. ولكن الرواية الإسلامية مع تأييدها لخضوع ابن محفوظ، وأدائه للجزية وفق صلح منفرد عقده مع النصارى، ومع تنويهها بهول حصار لبلة وروعته، تضع تاريخ تسليم لبلة في سنة ٦٦٠ هـ، أو ٦٦١ هـ (١٢٦٢ أو ١٢٦٣ م)، أعني بعد التاريخ الذي تضعه الرواية النصرانية بنحو أربعة أعوام. ثم هي تذكر لنا عن مصير ابن محفوظ رواية أخرى، خلاصتها أن ابن محفوظ عبر البحر إلى المغرب مع أهله وصحبه، وقصد إلى الخليفة المرتضى بمراكش، وانضوى تحت لوائه، قائداً بالجيش الموحدي، وظل على تلك الحالة حتى توفي (٢). وأما قواعد الغرب الواقعة شرقي نهر وادي يانه، والتي استولى عليها البرتغاليون، ومنها قلعتا أورشة، وأورسينة، فقد ثار بشأنها الخلاف بين البرتغال وقشتالة، وكاد يؤدي بهما إلى الحرب، لولا أن تدخل البابا، وانتهى الأمر بتسوية الخلاف بين ألفونسو العاشر ملك قشتالة وزميله ألفونسو الثالث ملك البرتغال، وذلك بأن يتزوج ملك البرتغال الأميرة بياتريس، وهي إبنة غير شرعية لملك قشتالة، وأن ينزل ملك قشتالة إليه، عن قواعد الغرب المذكورة، على أن يكون ذلك بطريق الإقطاع، وأن يقدم ملك البرتغال عربوناً بطاعته خمسين فارسا لمعاونة ملك قشتالة في حروبه كلما طلب ذلك إليه، وتم ذلك في سنة ١٢٦٣ م (٣).

стр. 2217

هذا وقد توفي فرناندو الثالث ملك قشتالة، بعد مرض شديد، في الثلاثين من شهر مايو سنة ١٢٥٢ م، في الرابعة والخمسين من عمره، وذلك بعد أن حكم ستة وثلاثين عاما، ودفن بمدينة إشبيلية آخر وأعظم فتوحه، وحاضرته الجديدة، فخلفه ولده، وولي عهده ألفونسو العاشر، وهو الذي لقب فيما بعد بالحكيم أو العالم. وتشيد التواريخ الإسبانية بخلال فرناندو الثالث وعبقريته، وعظيم مآثره، وتعتبره من أعظم ملوك إسبانيا، ومن أعظم ملوك العصور الوسطى، وترى أن فتوح " الاسترداد " La Reconquista ، قد وصلت على يديه إلى ذروتها، وذلك بافتتاح قرطبة عاصمة الخلافة القديمة، وإشبيلية أعظم حواضر الأندلس. والواقع أننا نستطيع أن نعتبر فرناندو الثالث، هو قاهر الأندلس الحقيقي، وأنه هو الذي استطاع بضرباته وفتوحاته المتوالية لأراضيها وقواعدها، أن يحطم وحدتها وتماسكها، وأن يقوض صرحها الشامخ، الذي استطاع الموحدون أن يحتفظوا بسلامته زهاء قرن، وقد وضع افتتاحه لقواعدها الكبرى، حداً نهائياً لسيادة الإسلام في الأندلس الوسطى والغربية، وجاء استيلاؤه على قرطبة، وإشبيلية بالأخص، وهما أعظم مراكز الإشعاع الحضاري في الغرب الإسلامي، ضربة قاضية للنفوذ الحضاري والمؤثرات الأدبية الأندلسية، التي لبثت خمسة قرون متغلغلة في شبه الجزيرة الإسبانية. وقد لبثت ذكرى فرناندو الثالث عصوراً، تقترن بالأخص بحماسته الدينية وغيرته الكاثوليكية، والصفة الصليبية التي كانت شعار حروبه ضد الإسلام في الأندلس، حتى جاء البابا كليمنضوس العاشر، فأسبغ عليه صفة القداسة وتوّجه قديسا، وذلك في سنة ١٦٧١ م، وأضحى فرناندو الثالث من ذلك التاريخ يعرف بالقدِّيس فرناندو San Fernando أو فرناندو المقدس Fernando el Santo

стр. 2218

الكتاب العاشر نهاية الدولة الموحديّة

стр. 2219

الفصل الأول عصر الخليفة أبي محمد عبد الواحد الرشيد بيعة الخليفة الرشيد. دخوله مراكش. بعض خواص عهده. قدوم ابن وقاريط زعيم هسكورة. موقفه من الرشيد. مغادرته للحضرة وإعلانه للعصيان. تحالفه مع يحيى. خروج الرشيد لقتال يحيى وحلفائه. هزيمة يحيى وفراره. قدوم الزعيم غنصلة إلى الحضرة. ما فعله قبل مقدمه بأهل قادس. أبو عثمان الجدميوى ورغبته في العودة إلى الطاعة. توسيطه لمبعوث الرومي جوان كيس في ذلك. ميل الزعماء الموحدين إلى العودة إلى الطاعة. القائد شانجه يعرض الأمر على الرشيد. موافقة الرشيد واغتباطه. مقدم أبي عثمان وصحبه إلى الحضرة. مساعيه ومفاوضاته في سبيل عود الموحدين إلى الطاعة. مساعى الرشيد ودعوته لهم. تأهبهم للقدوم ثم إحجامهم خوفا من عدوان الخلط. مسعود شيخ الخلط وأعماله العدوانية. اعتزام الرشيد القضاء عليه. يضع خطة لذلك. استدراج مسعود إلى الحضرة. تدبير المؤامرة لاغتياله. البطش به وبأصحابه ومصرعهم داخل القصر. القبض على عرب الخلط وإهلاكهم. دعوة الرشيد للموحدين للقدوم. رسل الموحدين إلى الرشيد. مطالبة الموحدين بإعادة رسوم المهدي. وعد الرشيد بتحقيقها. مقدم الموحدين إلى الحضرة. إعادة رسوم المهدي. إعادة حقوق الموحدين وأملاكهم. تضعضع الدولة الموحدية. تحالف الخلط وابن وقاريط ويحيى. زحف الحلفاء على مراكش. خروج الرشيد في قواته لقتالهم. هزيمة الرشيد وتمزيق قواته. عزمه على مغادرة الحضرة صونا لها. حيلته ليشق لنفسه طريق الخروج. نجاحه والخروج والفرار. التجاؤه إلى الجبل ثم إلى سجلماسة. الضيق والجوع في مراكش. عيث العرب في أحوازها. دخول يحيى وابن وقاريط والخلط المدينة. تغلب ابن وقاريط على الخليفة. فرار الموحدين من المدينة. استعداد الرشيد لاستئناف القتال. مسيره إلى مراكش. اللقاء بينه وبين يحيى وحلفائه. هزيمة يحيى والخلط. دخول الرشيد الحضرة وإنقاذها من العيث. غزو الجنويين لسبتة. ظروف هذه المحاولة وفشلها. التنكيل بالجنويين المحليين. مقدم أسطول جنوة ومحاصرته لسبتة. تعويض الجنويين وإقلاعهم. الخلط يدبرون خطة الانتقام. يبعثون ابن وقاريط سفيراً إلى ابن هود. استعداد الرشيد للقضاء على خصومه. مسيره إلى فاس. التجاء يحيى إلى عرب المعقل ومصرعه بأيديهم. يحيى وصفاته. عودة الرشيد إلى الحضرة. حوادث سجلماسة. مسير الرشيد إلى فاس. مهاجمة ابن وقاريط لسلا وفشل المحاولة. عوده إلى إشبيلية. وفاة ابن هود وعودة إشبيلية إلى طاعة الخلافة الموحدية. القبض على ابن وقاريط وإرساله إلى المغرب. إعدام جملة من زعماء الخلط. تعذيب ابن وقاريط وإعدامه. بيعة ابن الأحمر للرشيد. الثورة في السوس ومصرع زعيمها. المجاعة في سبتة وأسبابها. بنو مرين وسيطرتهم على الأقطار الغربية. وصولهم إلى فاس. تعيين ابن وانودين لولاية الأقطار الغربية. النزاع بينه وبين بني مرين. تقدم دعوة بني مرين. مصرع أبي سعيد عثمان أمير بني مرين. أخوه أبو معرف يخلفه في الإمارة. الشقاق بين بني مرين. تحالف ابن وانودين مع بني عسكر. محاربته لبني مرين. اجتماع بني مرين حول زعيمهم أبي معرف محمد بن عبد الحق. مسيرهم إلى مكناسة وفتكهم بالروم التابعين لابن وانودين. مسير

стр. 2220

ابن وانودين لقتالهم. لقاء الفريقين قرب مكناسة. هزيمة ابن وانودين وحلفائه. التجاؤه إلى قصر عبد الكريم. تضاعف هيبة بني مرين وامتداد سلطانهم. ابن وانودين وقصته وعوده إلى مراكش. الرشيد يبطش بوزيره المومنانى. مصرع الرشيد في حادث البحيرة. مختلف الروايات حول ذلك. خلال الرشيد وصفاته. وزراؤه وكتابه. شخصه. بويع أبو محمد عبد الواحد الرشيد، حسبما تقدم عقب وفاة أبيه، وهو في طريق عودته على رأس جيشه من سلا إلى مراكش، وذلك في مستهل شهر المحرم سنة ٦٣٠ هـ (١٨ أكتوبر سنة ١٢٣٢ م)، وكانت بيعة خاصة انحصرت في أكابر الأشياخ والسادة، إذ كتمت وفاة الخليفة الراحل إلى حين. ولما وصل الرشيد في جيشه إلى الحضرة، بعد هزيمته لابن عمه يحيى بن الناصر، واستعدت الحضرة لاستقباله، بعد أن كانت على أهبة لرده، مما فصلناه من قبل، دخلها في منتصف شهر المحرم، ونزل بالقصر، وساد التفاؤل والبشر بين الناس، وكانت طوائف الموحدين والعرب التي قدمت مع يحيى، ولاسيما عرب سفيان وشيخهم يومئذ جرمون بن عيسى، قد عاثت في أرجاء العاصمة وخربتها، ونهبت من الأموال والذخائر مقادير طائلة. ووصل مع الرشيد كثير من عرب الخُلط المخلصين له ولأبيه من قبل، واستقروا في مختلف الأنحاء، ووصل معه كذلك عمه السيد أبو محمد عبد الله بن أبي سعد بن المنصور، فأنزله الرشيد أكرم منزل وولاه وزارته، وكانت له في الدولة مكانة رفيعة. ولما استقر الرشيد بمراكش، اجتمع الناس على طاعته، ووصلته البيعات من مختلف الجهات من الحواضر ومن القبائل. وكان عهد الرشيد الذي استطال زهاء عشرة أعوام، عهداً بعيداً عن الهدوء والاستقرار، مليئاً على قصره بالأحداث والانقلابات العنيفة. بيد أنه قد امتاز في نفس الوقت بوقوع بعض الظواهر الهامة، وفي مقدمتها عود الموحدين الخوارج، إلى تأييد الدولة الموحدية، وإحياء ما اندثر من رسوم المهدي، والقضاء على تمرد عرب الخلط، وقبيلة هسكورة، وتحرير البلاد من عيثهم، وطغيانهم، وامتاز أخيراً بتقدم دعوة بني مرين، وسيطرتها على معظم الأنحاء الشمالية. وفي أوائل سنة ٦٣٠ هـ، قدم إلى مراكش عمر بن وقاريط زعيم هسكورة من جبله، ومعه أولاد الخليفة المأمون إخوة الرشيد الصغار، ومنهم السيد أبو الحسن، وكان أبوه قد تركه بإشبيلية في كفالة بعض الأشياخ، ثم أخرجه أهلها، فأخذ

стр. 2221

إلى عمه أبي موسى بسبتة، ولجأ أولئك الصبية أثناء احتلال يحيى لمراكش إلى هسكورة، تحت كنف ابن وقاريط ورعايته. وكان ابن وقاريط منذ البداية من أنصار الخليفة المأمون، وخصوم ابن أخيه يحيى، ولكنه لما تولى الرشيد شعر نحوه بشىء من التوجس، بيد أنه توسل باستصحاب إخوته الصغار أبناء المأمون إلى الحضرة، إلى نيل عطفه وثقته، ولما وصل إلى مراكش واستقر بها، توثقت أواصر المودة بينه وبين السيد أبي محمد ابن أبي سعد عم الرشيد، وصديقه الحميم العلامة الفقيه أبي إسحاق بن الحجر، وكان من أقطاب عصره علما ومكانة، بيد أن ابن وقاريط لم يكن صادق الولاء، وكانت نفسه تجيش بنيات ونوازع مختلفة، لم تلبث أن كشفت عنها الحوادث. وكان ابن وقاريط، شعوراً منه بكثرة جمعه، وتوطد نفوذ قبيلته، يكثر من الرغبات والمطالب، وخصوصاً منذ توفي صديقه وناصحه السيد أبو محمد بن أبي سعد، وكان الرشيد يستجيب إلى معظم رغباته، ومن ذلك أنه منحه جباية هزرجة وأغمات وريكة، وغير ذلك. بيد أنه لم تهدأ ثائرة نفسه، وفي ذات يوم - آخر سنة ٦٣٠ هـ - غادر مراكش بحجة الاتصال بإخوانه وإصلاح شئونه، ولكنه لم يعد، ولم يلبث أن كشف القناع، وأظهر العصيان للرشيد، والانضواء تحت طاعة منافسه يحيى المعتصم، وسار إليه بمقره ببلاد مزالة، وكان من الواضح أن عمله كان نذيراً ببدء فصل جديد، من الصراع بين الرشيد، وبين يحيى وحلفائه. - ١ - وذلك أن الرشيد لما علم بما وقع من عقد التحالف بين هسكورة ويحيى، حشد قواته، وخرج لقتال خصومه، واستخلف على مراكش صهره زوج أخته السيد أبا العلى إدريس، فقام على ضبطها وتسيير أمورها بحزم وكفاية. ولما وقف ابن وقاريط ويحيى، على أهبة الرشيد للقتال، أخذا في استنفار أنصارهما، واجتمعت حشود هسكورة ومزالة وجلاوة، وأخذت تتأهب للسير صوب مراكش، فبعثت أم الرشيد إلى ولدها تستحثه وتهيب به أن يستدرك الموقف قبل أن يهدد الأعداء العاصمة، فحول الرشيد خط سيره، وقصد إلى بلاد هزرجة، واخترق في طريقه بلاد هسكورة وخرب بسائطها، واستعد يحيى وحلفاؤه لمنازلته في حمى بعض الجبال، فسار الرشيد لقتالهم، ولما اضطرمت المعركة بين الفريقين، تخاذل أنصار يحيى وولوا الأدبار، واعتصموا بالجبال،

стр. 2222

وتركوا محلاتهم، فاستولى عسكر الرشيد على ما فيها، وفر يحيى في فلوله إلى بلاد سجلماسة، وعاد الرشيد ظافر إلى مراكش (١). وقدم عندئذ إلى الحضرة الزعيم غنصلة (كونثالو) أخو شانجه (سانشو) قائد الروم (الجند النصارى) مع طائفة من الجند النصارى، وكان قبل مقدمه، قد جاز على مدينة قادس، وانقض عليها في عصبته، وفتك بأهلها، وحمل منهم عدداً من الأسرى. وكانت قادس يومئذ تدين بالطاعة لابن هود، ألد خصوم الخلافة الموحدية، واستاق غنصلة الأسرى المسلمين معه حتى ثغر آسفى، فقام أهله بافتدائهم، وتم تسريحهم، وبقيت قادس بعد ذلك خرابا حتى تملكها النصارى فيما بعد، في عهد ألفونسو العاشر (٢). وكان أهم ما حدث في هذا العام - ٦٣١ هـ - هو التقرب بين زعماء الموحدين وبين الرشيد، وذلك على يد أبي عثمان سعيد بن زكريا الجدميوى. وكان يتردد على جدميوه، وهي من منازل الموحدين القديمة، بعض التجار النصارى، وكان من هؤلاء مبعوث " للرومى " جوان كيس وكيل شانجه قائد النصارى، وكان هذا المبعوث يتردد على أبي عثمان، ويقدم إليه مختلف الهدايا تسهيلا لمهامه، وأبو عثمان من جانبه يقوم بخدمته ومعاونته. ولما علم بذلك جوان كيس قرر أن يزور أبا عثمان وأن يوثق معه علائقه، فاستقبله الزعيم الجدميوى أجمل استقبال، وانتهز الفرصة فأبدى له رغبته في العودة إلى الطاعة، وأن يقوم بذلك المسعى القائد شانجُه، لمكانته من الرشيد، فأبدى جوان كيس اغتباطه بذلك، ووعد بتحقيقه. وكان الزعماء الموحدون الخوارج على الرشيد، قد برموا بحركات يحيى، وارتمائه في أحضان هسكورة وابن وقاريط، وهو خصمهم الأكبر، وسرت بينهم فكرة العودة إلى الطاعة، وعقد الصلح مع الرشيد. وكان أبو عثمان يسره أن يكون البادئ بهذا المسعى الحميد. ولما وقف القائد شانجه على ذلك أدرك ما لهذا المسعى من الأهمية والفائدة، وعرض الأمر على الرشيد وطلب موافقته، فأبدى الرشيد اغتباطه، وإصدر عهده لأبي عثمان بالأمان والقبول، فلما وصل العهد إلى أبي عثمان، بادر بالسير إلى الحضرة في أهله وإخوانه، ومن اتبعه من قبيلته، فاستقبله شانجه أجمل استقبال، وصحبه إلى الدار التي خصصت له، وشمله الخليفة هو وسائر

стр. 2223

صحبه بعنايته ورعايته وجزيل صلاته. وأخذ أبو عثمان يعمل على توثيق علائقه برجال الدولة من جهة، وعلى بث سعيه الحثيث، لدى زملائه الموحدين من جهة أخرى، ليجمع كلمتهم على الطاعة، والعود إلى الالتفاف حول كرسى الخلافة. واستمرت مساعيه ومفاوضاته في سبيل ذلك حينا، واستطاع في النهاية، أن يقنع زملاءه الموحدين بالعود إلى الطاعة، على أن يشملهم العفو التام، وعلى أن تعاد رسوم إمامهم وقوانينهم وتقاليدهم كما كانت، وهو ما وعد الخليفة بتنفيذه، وبذل الرشيد من جانبه، مساعيه لاستجلاب الموحدين، واستدعائهم إلى الحضرة، لما فيه خيرهم وصلاحهم، فبعث الموحدون إليه بالشكر والدخول في الطاعة، وأخذوا في الأهبة للسير إلى الحضرة، وندب الرشيد لمصاحبتهم والوصول معهم، عمه موسى بن الناصر، ولكن حدث أن وقف على ذلك شيخ الخلط مسعود بن حميدان، ورأى في انضمام الموحدين إلى الرشيد تقوية لشوكته، وإضعافا لمركز الخلط، فرتب قوة من رجاله، لتعترض الموحدين وتفتك بهم، وعلم الموحدون بتلك الخطة الغادرة، فارتدوا إلى جبلهم سالمين. ولما نمى ذلك إلى الرشيد، استشاط غيظاً، وتشاور في الأمر مع وزارائه وخاصته، واستقر الرأي على استدراج زعيم الخلط والقضاء عليه. وكان ابن وقاريط خلال ذلك، يجد في وضع خططه وإحكام وسائله، وكان يوحى إلى حليفه القديم، شيخ الخلط بمختلف المشاريع العدوانية، وشيخ الخلط مسعود من جانبه، يعيث فسادا في الأرض أينما حل، ويفرض سلطانه الغاشم على الناس، ويرهقهم بالمغارم والفروض، ويستبيح الأموال والحُرم، وكان وكيله، واسمه موسى الكافر، رجلا فاجراً يستطيل على رجال الخليفة وخدامه، دون حياء ولا وازع، وكان الرشيد يشهد ذلك كله، مظهراً الصبر والإغضاء، وهو يضطرم في قرارة نفسه رغبة في التخلص من هذا الزعيم المتجبر الباغى، ويرقب الفرص لتحقيق بغيته. ولم يكن القضاء على شيخ الخلط بالأمر الهين، فقد كان يعتمد على قوة محاربة تتألف من نيف وإثنى عشر ألف فارس، غير الأتباع والحشود التي لا تحصى، وكانت فرسانه وجنده، حسنة الأهبة كاملة السلاح، ولديه من الأموال والثياب والدواب والإبل مقادير وافرة، وبالجملة فقد كان مسعود ابن حميدان ملكاً غير متوج، قوي الشوكة، وافر البأس، وكان لابد للقضاء عليه

стр. 2224

وعلى سلطانه، من التذرع بكثير من الحكمة والصبر والدهاء (١). ووضع الرشيد خطته لذلك بالاتفاق مع وزرائه ونصحائه، وخلاصتها، أن يرسل الجيش مع وزيره السيد أبي محمد الكبير في مهمة إلى بلاد حاحة. ذلك لأن شيخ الخلط كان يخشى المثول في الحضرة، مع وجود الجيش، ومن ثم فقد تحرك السيد أبو محمد بالجيش إلى حاحة برسم جبايتها. وعلى أثر ذلك بدأ الرشيد مسعاه في استدعاء مسعود بن حميدان إلى الحضرة، فقبل الدعوة بعد لأى وتسويف، واستقبل بمنتهى المودة والإكرام، وصار يتردد إلى باب الخليفة في جموعه، وكان يقيم بالحضرة معاوية بن وقاريط عم عمر بن وقاريط، وهو يظهر التبرؤ من عمر وفعله، والولاء للرشيد، بيد أنه كان من جهة أخرى، يبدى صداقته لمسعود، وقد أعد له هو وإخوانه ذات صباح مأدبة حافلة، ولكن الرشيد لم يصبر على تلك المظاهرة فأمر بالقبض على معاوية وإعدامه، وكان مسعود في ذلك الوقت نفسه في دار الخلافة لمصالح يقضيها، فلما نمى إليه الخبر لم يهتز له، وقال لقد أفسد علينا غذاء الخلط، فأقيمت له ولأصحابه في الحال مأدبة عظيمة، وبولغ في إكرامه والحفاوة به. وهنا وضع الرشيد خطته للإيقاع بمسعود، حينما يفد على القصر، وبث له الكمائن من الفتيان والعبيد والحشود، داخل القصر وحواليه. فلما حضر مسعود أذن له بالدخول، فطلب أن يدخل مع أصحابه، ولكنه أجيب إلى الدخول بمفرده، ومنع الصحب، فتردد أولا ثم ارتضى أن يدخل وحده، فلما وصل إلى مكان معين احتاط به يحيى بن عبد الرحيم، ونفر من العبيد والفتيان، فشعر بالخطر يحدق به، وشهر سيفه وصاح برفاقه الدين تخلفوا ورائه، وتمكن من اللحاق بهم، فشهروا سلاحهم وحاولوا الخروج، ولكن الأبواب كانت قد أغلقت، ففتحوا الباب الأول، بعد جهد، ولكن لقيهم من ورائه ابن ماكسن صاحب الشرطة وأعوانه، ولكنهم استطاعوا التغلب عليهم، ووثبوا إلى الباب الثاني، ولكنه كان أيضاً مغلقاً، وهجم عليهم في ذلك الفناء، كل من كان كامنا في الرياض من الفتيان والكتاب والخدم، وعرف الجميع أن العرب هم المطلوبون، ودافع مسعود ورفاقه عن أنفسهم أعنف دفاع، ولكن السيوف تلقفتهم من كل ناحية، وتساقطوا حول زعيمهم واحداً بعد الآخر، ثم كانت الخاتمة بمصرع

стр. 2225

مسعود، فسقط مضرجا بدمه، واحتز رأسه في الحال، وحمل إلى الرشيد، فحمد الله على ما حقق من هلاك هذا الخصم الخطر، وفي الحال أمر الرشيد بالقبض على من كان بالحضرة من عرب الخلط، وقتلهم، والطواف بجثثهم، وكان مصرع مسعود بن حميدان، وانهيار سلطانه على هذا النحو، عمل انقاذ لموقف شديد الحرج، إذ كان عرب الخلط قد اشتد عيثهم في أنحاء البلاد، واغتصبوا جباياتها وعشورها، وأصاب البلاط الموحدي من جراء ذلك منتهى الضيق والإرهاق (١). ولم يمض على مصرع زعيم الخلط سوى أيام قلائل، حتى عاد الجيش الذي أوفد إلى بلاد حاحة، بقيادة السيد أبي محمد، بعد أن قام بمهمته. وعلى أثر ذلك قام الرشيد بتوجيه كتبه إلى الموحدين بالوفادة عليه، بعد أن مهد السبيل، وزالت العقبات، فبعث الموحدون إليه منهم رسولين، هما أبو بكر بن يعزى التينمللى، ومحمد بن بزريجن الهنتاتى، فاستقبلا في الحضرة بمنتهى الترحاب والبشر والتكريم، وغمرهما الرشيد بعطفه ورعايته. وأبديا للخليفة شروط الموحدين للعودة، وهي إعادة ما نسخه أبوه الخليفة المأمون، من رسوم الإمام المهدي، وذلك بإعادة اسمه في الخطبة، ونقشه في السكة، وإعادة الدعاء له بعد الصلاة، والنداء " بتاصليت الإسلام " " وسودوت " " وناردى " " وأصبح ولله الحمد" وغير ذلك مما جرى عليه التقليد، منذ قيام الدولة الموحدية، وقضى المأمون بإزالته، وتبعه في ذلك ولده الرشيد، فوعد الرشيد بتحقيق مطالبهم. وعلى أثر ذلك قدم الموحدون إلى الحضرة، ونزلوا فيما خصص لهم من الدور، وانتظموا كما كانوا في طاعة الخلافة، وتمهل الرشيد وقتاً في تنفيذ ما وعد به من إحياء رسوم المهدي، ولكنه لما شهد قلقهم وتوجسهم من ذلك، بادر بتنفيذ عهده، وأعيدت رسوم المهدي ابن تومرت كما كانت قبل إلغائها، واستقبل الموحدون ذلك بمنتهى العرفان والرضى (٢)، وقرن الرشيد ذلك بأن رد على الموحدين دورهم وأملاكهم وأموالهم، وسائر حقوقهم وامتيازاتهم القديمة، فطابت نفوسهم، واتسعت أحوالهم، وأقبلوا على الانضمام إلى الجيش، والاضطلاع بنصيبهم من المسئوليات والشئون، ولاح أن الدولة الموحدية قد استردت سابق تماسكها ووحدتها وقوتها (٣).

стр. 2226

- ٢ - على أن الأمر لم يكن كذلك في الواقع. ذلك أن الدولة الموحدية لم تكن عندئذ سوى بقية هزيلة مما كانت عليه. ولم يكن سلطان الخليفة الموحدي يتعدى يومئذ أحواز العاصمة الموحدية - مراكش - وما إليها، وكانت أطرافها قد قصت من كل ناحية، ففضلا عن انسلاخ إفريقية، وقيام دولة بني حفص المستقلة بها، فقد غلب بنو مرين على معظم الأنحاء الشمالية الشرقية، ولبثت طوائف العرب، ولاسيما عرب الخلط، مسيطرة على الأنحاء القريبة من العاصمة، واستقر يحيى المعتصم مع فلوله في قطاع سجلماسة. ومن جهة أخرى، فقد كان لمقتل مسعود ابن حميدان زعيم الخلط، نتائج بعيدة المدى. ذلك أن طوائف الخلط هاجت وماجت، وأزمعت الانتقام، واختارت لزعامتها يحيى بن هلال بن حميدان، واضطرمت كلها بنار الفتنة، وانتهز ابن وقاريط تلك الفرصة، ليضع يده مع الخلط، وليذكى فيهم ظمأ الانتقام والعيث، وكان منذ هزيمته في هزرجة، قد لبث إلى جانب يحيى المعتصم. واستنفر الخلط سائر حشودهم، فاجتمعت منهم جموع غفيرة، وانضم إليهم يحيى وابن وقاريط بقواتهما، وزحفت الجموع المشتركة على مراكش، وعاثت في أحوازها، وانتسفت الزروع والرياض والبحائر القريبة، وضربت المدائن والقرى، وانقطعت المؤن والأمداد عن الحضرة، واشتد بها الضيق، وأخذ الجند في التسلل إلى الخلط، فعندئذ رأى الرشيد أن يدفع بقواته لمقاتلة المهاجمين، فخرج غنصالة، (كونثالو) قائد الروم في فرسانه، ومعه جند الرشيد، إلى وادي تانسيفت، حيث اجتمع الخلط وهسكورة، وكان معه أيضاً عبد الصمد بن يلولان الهسكورى، خصم ابن وقاريط الألد في جمع من أنصاره، ونشب بين الفريقين قتال عنيف، وقاتل الروم ومن معهم بمنتهى الشجاعة، ولكن تكاثرت عليهم الخلط وهسكورة وفتكت بهم، فهزموا هزيمة شديدة، وارتدت فلولهم عند دخول الليل إلى المدينة، فأغلقت أبوابها، وساد بها الاضطراب والفزع، وزاد الضيق وعدمت الأقوات، وانهارت هيبة الخلافة والخليفة، وأخذت الأمور تنذر بأخطر العواقب (٦٣٢ هـ - ١٢٣٤ م) (١). وعندئذ اقترح الموحدون على الرشيد، صونا للمدينة، وانقاذاً لها من الحصار والخراب، وانقاذاً لأهلها من الهلاك والأسر، أن يغادرها الرشيد، وأن يلجأ

стр. 2227

إلى جبال الموحدين في قاصية جبال الأطلس، فقبل الرشيد هذا الرأي، ولكن كان لابد لتنفيذه من أن يلتمس الرشيد له طريقاً للخروج والإفلات، من خصومه المتربصين به خارج الحضرة، ومن ثم لجأ الرشيد إلى الحيلة، فأمر بأن يكتب خطابان على لسان جرمون شيخ عرب سفيان، موجهان إليه، بانتصار عرب سفيان على الخلط، وأنهم مرابطون في وادي أم الربيع، وأنهم مازالوا على ولائه وطاعته. وقد كان عرب سفيان دائماً من أنصار المأمون وولده الرشيد، وكانوا من أعداء الخلط، ثم عهد بالخطابين المزورين إلى رسولين (رقاصين) أجزل لهما العطاء، وأمرا بأن يمرا قرب محلة الخلط، وأن يتظاهرا بأنهما قادمين من لدن عرب سفيان إلى الرشيد، فتمت الحيلة، وقبض الخلط على الرسولين، وضبط الكتابان، فقررا أنهما قدما من لدن جرمون، وأنه مقيم بحشوده في وادي أم الربيع، وخشى الخلط أن يكون قد وقع مكروه لباقى مواطنيهم، فقوضوا محلتهم خارج الحضرة، وساروا مع حلفائهم بني هسكورة صوب وادي أم الربيع (١). وما كاد الخلط وحلفاؤهم يبتعدون عن الحضرة، حتى بادر الرشيد فجمع أمواله وعتاده ومتاعه، وغادر مراكش في أهله وولده، ووجوه دولته، وأشياخ الموحدين، واستخلف على المدينة أبا محمد عبد الله بن زكريا، وخرج في أثره كثير من الناس بأهلهم، ولحسن الطالع لم يتعرض له أحد في ذلك اليوم، فسار في أمن حتى وصل ومن معه إلى أغمات. ولما علم الخلط بما حدث بعد يوم أو اثنين، هرعوا في أثر الخليفة الفار، وحاصروه بأغمات مدى يومين، شغلوا خلالها بالبحث عن الأقوات والمؤن، وتحيل الرشيد من جهة أخرى في الخروج صوب الجبل، فنجح، ووصل إلى أطراف الجبل، قبل أن يفطن إلى ذلك خصومه، ثم بعث بجنده إلى تينملل، ولما أدرك الخلط ما حدث، ولم يجدوا أحداً بالمحلة، ارتدوا على أعقابهم إلى حيث أتوا. وسار الرشيد، في قواته جنوبا، فاخترق بلاد هرغة، ثم اتجه شرقاً صوب سجلماسة، وكان واليها أرقم بن يحيى بن شجاع بن مردنيش، فامتنع، واستعد للمقاومة. ولكن طائفة من النصارى كانت بالمدينة، فتحت الأبواب وأعلنت الطاعة، فدخل الناس المدينة وأسعفوا بالأقوات، وهدأت الأحوال. وكانت مراكش، منذ غادرها الرشيد، قد ساد بها الاضطراب والضيق،

стр. 2228

وعزت الأقوات واشتد الكرب، وأكل الناس كل ما وصل إلى أيديهم من صنوف النبات والحشائش، ومات كثير من الجوع، وكان العرب خارج المدينة يحولون دون إغاثتها وتموينها، ويقيمون هم في خصب وسعة. ثم كان أن تسور المدينة السيد أبو ابراهيم بن أبي حفص الملقب بأبي حاقة، وفر الوالي أبو محمد بن أبي زكريا، وضبط السيد أبو ابراهيم البلد، وأمل الناس أن ينقذهم من عيث العرب وبطشهم، وبدأت تباشير الفرج بوصول الناس إلى الحقول والزرع الأخضر. وفي تلك الأثناء وصل يحيى المعتصم وابن وقاريط وطوائف الخلط إلى المدينة، فتوجس الناس شراً، ودخل يحيى في الحال مراكش واحتلها، واستولى أصحابه من العرب والهساكرة على الدور، ووزر ليحيى يومئذ أبو محمد بن وانودين، وأبو يحيى بن زكريا بن يجلد، ودخل ابن وقاريط في أشياعه، ونزل بدار الوزير السابق أبي سعيد بن جامع، واقتسم الزعماء القصور والرباع الفخمة، وغلب ابن وقاريط والعرب على الخليفة الضعيف يحيى. وكان المسيطر عليه يومئذ فتى أفاق يدعى بلال ويكنى أبا حمامة، وأوقع بلال هذا بعلى أخي يحيى ووشى به، فأمر يحيى بالقبض عليه ثم إعدامه، بالرغم من شفاعة ابن وقاريط والخلط، وكثر الإرجاف، وساءت الظنون، وخرج الموحدون الذين كانوا بالمدينة، وغادروها تباعا بمختلف الوسائل والحيل، وساروا إلى الجبل، وانتظروا يرقبون الحوادث. وكان دخول يحيى مراكش على هذا النحو في أواخر سنة ٦٣٢ هـ (١٢٣٥ م) فلبث بها حتى أوائل العام التالي، وكان الرشيد في تلك الأثناء بسجلماسة، ينظم شئونه، ويتخذ أهبته للمعركة المرتقبة. فلما شعر بعد بضعة أشهر بتحسن أحواله وازدياد قواته، واستجاب إلى نصرته عرب سفيان، وشيخهم جرمون بن عيسى، عول على التحرك والعمل. فخرج في قواته من سجلماسة، قاصداً إلى مراكش، وترامت هذه الأنباء إلى الحضرة، فسرى إليها الاضطراب، وخرج منها يحيى، وضرب محلته في ظاهرها استعداداً للقاء الرشيد، وقد تزايدت قواته بحشود حلفائه من الخلط وهسكورة. وسار الرشيد في قواته أولا صوب وادي أم الربيع، ثم هبط منه نحو العاصمة، وهنالك في مكان يسمى أوجدام التقى الفريقان، ونشب بينهما قتال هائل، استمر طول اليوم دون حسم، ثم استؤنفت المعركة بعد بضعة أيام، ونشبت بينهما معركة عنيفة أخرى، انقض خلالها الروم من عسكر الرشيد، على ناحية

стр. 2229

الخلط، وهاجموهم بشدة، وفتكوا بهم، فولى الخلط الأدبار مع أميرهم، وتحطمت جبهة يحيى وحلفائه، وانتهبت محلاتهم، وسبي أولادهم ونساؤهم، وتحقق للرشيد نصر كامل، ودخل الرشيد حاضرته في حفل فخم، فأغدق صلاته على حلفائه من عرب سفيان، فاتسعت أحوالهم، وزادت جموعهم، وأعلن الصفح عن خصومه، وساد التهادن والسلم، وتم ذلك في أواسط أو أواخر سنة ٦٣٣ هـ (١٢٣٦ م) (١). وكانت هزيمة الخلط على هذا النحو الشامل، ضربة شديدة لتلك الطوائف الباغية المفسدة، أنقذت بها الخلافة الموحدية، وأنقذت مراكش من كابوس خانق، فانتظمت الأحوال وانتعشت النفوس، وعمرت الديار، وارتفعت المظالم المرهقة، التي كانت هذه الطوائف تنزلها بالناس، وأخذ الرشيد يستعد لمطاردة الخلط، والقضاء عليهم، وكانوا عندئذ قد انفضوا عن يحيى، وفر يحيى في نفر يسير من صحبه مفلولا كسيراً، والتجأ إلى جماعة من عرب المعقل. وحدث في هذا العام - سنة ٦٣٣ هـ - الذي بلغت فيه الحرب الأهلية ذروتها من الاضطرام، حادث لم يلتفت البلاط الموحدي إلى خطورته، وإلى خطورة دلالته، وهو غزو الجنويين لثغر سبتة، ومحاولة الاستيلاء عليه. وكان الجنويون يفدون في سفنهم على سبتة للاتجار مع أهلها، ومع القبائل المجاورة، وترتب على ذلك أن نزل بها وبأرباضها كثير منهم، ففكر جماعة منهم في الاستيلاء عليها، لأهميتها البحرية والتجارية، فنمى ذلك إلى واليها عندئذ، وهو أبو العباس اليانشتى، فكتب إلى القبائل المجاورة يستنفرهم، وحدد لوفودهم يوما معينا. وفي ذلك اليوم، وفدت على سبتة، منهم جموع غفيرة، وخرج اليانشتى للقائهم، فأدرك الجنويون فشل مشروعهم، وأسرعو إلى باب المدينة، يحاولون امتلاكه فردتهم عساكر البربر، وقتلوا منهم عددا كبيرا، ورمى كثير منهم أنفسهم إلى البحر، ووصلوا إلى سفنهم الراسية فيه، ونهبت أموال الجنويين وفنادقهم، وهرع من بقى منهم إلى جنوة، وأبلغوا أهلها ما حدث، فحشد أهل جنوة في الحال نحو مائة مركب، وساروا لمحاصرة سبتة، ولما وصلوا إليها نصبوا عليها المجانيق، وضيقوا عليها، وعولوا على ضربها وأخذها بالحصار، فبادر صاحب المدينة اليانشتى إلى مفاوضتهم، واتفق معهم على تعويضهم عن كل ما حدث من الخسائر

стр. 2230

لمواطنيهم، وقدر هذا التعويض بمبلغ أربعمائة ألف دينار دفعها أهل سبتة، فتسلم الجنويون المال، وأقلعوا عن المدينة، ووقع ذلك في سنة ٦٣٣ هـ (١٢٣٦ م)، أو في سنة ٦٣٢ هـ (١٢٣٥ م) وفقاً لرواية صاحب روض القرطاس، وتضع بعض الروايات تاريخ هذا الحادث في سنة ٦٣٦ هـ (١٢٣٨ م) (١). وفي تلك الأثناء كان عرب الخلط يجمعون فلولهم ويدبرون خططهم. ذلك أنهم لم ييأسوا من المقاومة، واقترح عليهم ابن وقاريط أن يعترفوا بطاعة صاحب الأندلس، محمد بن يوسف بن هود، وأن يستنصروا به، لكي يرسل إليهم جنداً لمحاربة الرشيد، فوافق العرب على ذلك، وندبوا ابن وقاريط وجماعة من أعيانهم للسير إلى ابن هود. وكان ابن وقاريط في الواقع يتوق إلى مغادرة المغرب، بعد أن شعر بفداحة هزيمته وخسران قضيته، فعبر البحر مع رفاقه إلى الأندلس، ووفد على ابن هود، فرحب بمقدمهم، وشملهم بعطفه وجوده، ولبثوا بإشبيلية في ضيافته وتحت كنفه، حتى سنة ٦٣٥ هـ، وانتظر عرب الخلط وأمرهم فوضى، نتيجة هذه السفارة، حتى تحرك الرشيد حركته الثانية.، فدب إليهم الذعر وتفرقوا في مختلف الأنحاء. وكان الرشيد عندئذ، قد استعد لحرب خصومه أعظم استعداد، وبذل الأعطية على نطاق واسع، وشمل الموحدين بسابغ عطفه وكرمه، وندب لولاية مراكش الشيخ أبا علي بن أبي محمد عبد العزيز، ولأشغالها أبا عبد الله بن أبي زيد التينمللى، ولقضائها أبا زيد المكادى، ولشرطتها يوسف بن عثمان الهنتاتي. وسار الرشيد في قواته أولا إلى فاس، والناس يرحبون به أينما حل. وفي فاس نظر في الشئون، وطلب تحصيل الجبايات، وأرسل الجيش إلى غُمارة بقيادة الوزير السيد أبي محمد سعيد بن المنصور. وخلفه في الوزارة الشيخ أبو موسى ابن عطوش. وبقى الموحدون في فاس. وحصلت الجبايات العظيمة من قبائل غمارة وفازاز، ومنح الجند أعطيتهم، ووسع عليهم، واستقامت الأمور، وتحسنت الأحوال. ووقع خلال إقامة الرشيد بفاس حادث حسم، هو مصرع يحيى المعتصم. وذلك أنه كان عقب هزيمته الأخيرة الساحقة، قد لجأ إلى عرب المعقل بقرب رباط تازا، واستجار بهم، فآووه ووعدوه بمؤازرتهم ونصرتهم، ولكنهم

стр. 2231

أخذوا يرهقونه بمطالبهم، في إصدار الظهائر لهم بامتيازات وحقوق معينة، أملا منهم في عوده إلى الخلافة، فأبى يحيى ذلك عليهم، فقتلوه غيلة، ودفنوا شلوه، وذلك في يوم الاثنين ٢٨ رمضان سنة ٦٣٣ هـ (مايو سنة ١٢٣٦ م)، وذلك بمكان يسمى فحص الزاد، يقع بين فاس ورباط تازا، ثم بعثوا برأسه إلى الرشيد وهو بفاس (١)، فبعث بها الرشيد " في زق عسل " إلى مراكش، ومعها كتاب إلى الوالي أبي علي بن أبي محمد، فاستدعى الوالي الناس، وقرأ عليهم كتاب الخليفة، وعلق الرأس على باب الشريعة (٢). وقام الوالي أبو علي في نفس الوقت، بناء على أمر الخليفة، بإعدام بعض زعماء العرب من سفيان وجابر، وكانوا معتقلين بسجن الحضرة. وهكذا كانت خاتمة يحيى المعتصم بن الناصر بن المنصور، بعد حياة مضطربة شريدة، استطالت مذ بويع بالخلافة لأول مرة في شوال سنة ٦٢٤ هـ، حتى مصرعه في رمضان سنة ٦٣٣ هـ، تسعة أعوام، لم ينعم خلالها بالاستقرار، والاتشاح بثوب الخلافة، سوى فترات يسيرة، كانت تتخللها مغامرات ومعارك مستمرة، أولا مع عمه ومنافسه القوي، أبي العُلى المأمون، ثم بعد ذلك مع ابنه الرشيد. وكان يحيى شخصية ضعيفة، لا تتميز بشىء من الإرادة أو حسن التصرف، وكان طول الوقت آلة في يد أنصاره، يوجهونه كيفما شاءوا، وإذا كنا نضعه من حيث الشكل في ثبت الخلفاء الموحدين، فإن عهد خلافته المتقطع، لم يقترن من الناحية العملية، بأي تصرف أو أثر يذكر. - ٣ - وفي أوائل سنة ٦٣٤ هـ، غادر الرشيد فاس عائداً إلى مراكش، فدخلها في موكب فخم، واستقرت الأمور، وانتظمت الأحوال، وساد الهدوء والسلام، وقام الرشيد بتعيين عمال النواحي، واستقام أمر الموحدين، وأخذوا في تنظيم شئونهم، وحرث أراضيهم، وتذوق الحياة الوديعة الهادئة. وحدث في هذا العام أن استطاع أبو محمد بن وانودين والي درعة، الاستيلاء على سجلماسة، وكانت قد خرجت عن الطاعة. وذلك أن الرشيد لما غادر سجلماسة

стр. 2232

عين يوسف بن علي التينمللى والياً لها، فاستعمل قريبا له وهو يحيى بن أرقم ابن مردنيش لإدارتها، وثار بيحيى ثائر من صنهاجة وقتله، فقام ولده أرقم، واستطاع أن يتغلب على المدينة، وأن يفوز بحكمها مكان أبيه، وخشى أرقم أن يعزله الرشيد، فاستقل بالمدينة، وامتنع بها، فمازال أبو محمد بن وانودين به، حتى أقنعه بالعودة إلى الطاعة، واستطاع أن يسترد منه المدينة، وعفا عنه الرشيد (١) وغادر الرشيد الحضرة إلى فاس مرة أخرى، واستخلف على مراكش الشيخ أبا محمد بن أبي ابراهيم. وفي أثناء إقامته بفاس، وفد عليه رسل بني مرين، فأكرم مقدمهم، وأجزل صلتهم. وكان الخليفة الموحدي يدرك ما انتهى إليه بنو مرين يومئذ من القوة والشأن، ويبذل وسعه في مصانعتهم واسترضائهم. ووقع عندئذ حادث مزعج، هو مفاجأة ابن وقاريط سلا بالهجوم عليها، ومحاولة أخذها. وكان ابن وقاريط مذ عبر إلى الأندلس لاستنصار ابن هود، قد لبث في إشبيلية يرقب الفرص، ثم اقترح على ابن هود مشروعاً لفتح سلا ورباط الفتح، وطلب منه بعض السفن، ليستعين بها في تنفيذ مشروعه، فوافق ابن هود، وقدم لابن وقاريط سفينتين. وكان على ولاية سلا يومئذ، السيد أبو العُلى صهر الرشيد زوج أخته فاطمة بنت المأمون، فسار ابن وقاريط في حملته البحرية الصغيرة، وفاجأ سلا بالهجوم عليها، ولكنه لقى مقاومة شديدة، واضطر أن يرتد أدراجه. واهتم الرشيد لذلك الحادث وبعث إلى سلا فاستقدم أخته وأمه إليه، وكانت معها، حرصا على سلامتهما (٢). وكانت هذه خاتمة محاولات ابن وقاريط. ذلك أنه ما كاد يعود إلى إشبيلية حتى تطورت الحوادث، وتوفي المتوكل ابن هود في ألمرية في جمادى الأولى سنة ٦٣٥ هـ، حسبما فصلنا ذلك في موضعه، وعندئذ قام أهل إشبيلية بزعامة أبي عمرو ابن الجَد وأعلنوا خلع طاعة بني هود، والعودة إلى طاعة الخلافة الموحدية، وعقدوا بيعتهم للرشيد، وبعثوا إلى مراكش وفداً لتقديم بيعتهم. وحدث مثل ذلك في سبتة، حيث قام أهلها بخلع صاحبها أبي العباس اليانشتي، وبايعوا للرشيد، وبعثوا ببيعتهم وفداً إلى الحضرة. وحدث في نفس الوقت أن قام أهل إشبيلية بالقبض على ابن وقاريط، وكان الفضل في ذلك راجعاً إلى فقيه من أهل فاس يدعى

стр. 2233

أبو عبد الله المومنانى كان مقيما بإشبيلية، وبه ولاء للدولة الموحدية، فحرض أهل المدينة على القبض على الزعيم الخارج، وإرساله إلى المغرب، لما في ذلك من إرضاء للخلافة، وتحقيقاً لسلامها، فقبض على ابن وقاريط، وأرسل إلى المغرب محروساً في سفينة، رست به على ثغر أزمُّور، وهنالك تسلمه الوزير الشيخ أبو زكريا بن عطوش، وكان في سجن أزمور عدة من زعماء الخلط، كان الرشيد قد تحيل في استدعائهم وقبض عليهم، وبعث جنده فاستباحت محلاتهم وسبت أولادهم ونساءهم، ثم اعتقلوا بأزمور، فأمر الرشيد بإعدامهم، فأعدموا وحزت رؤوسهم، وأودعت في سفط وضع فوق جمل، أركب عليه ابن وقاريط وأرسل إلى مراكش على تلك الحالة. فلما وصل إلى الحضرة، احتاط به الناس، وأخذوا في لعنه، ثم أودع السجن، وأعدم بعد أيام قلائل، وعلقت جثته على باب الشريعة (أواخر سنة ٦٣٥ هـ) وبذلك انتهى أمره، واستراح الرشيد من خصم من أخطر خصومه، وأشدهم عناداً وجلداً (١). وفي العام التالي (٦٣٦ هـ)، وصلت إلى الرشيد بيعة محمد بن الأحمر صاحب غرناطة ومالقة، وكان ابن الأحمر، يتردد في الطاعة بين الانضواء تحت طاعة ابن هود، والخلافة الموحدية والخلافة العباسية، وقد لبث يدعو للرشيد وللخلافة الموحدية، حتى وفاة الرشيد في سنة ٦٤٠ هـ. وحدث في هذا العام أيضا - ٦٣٦ هـ - أن خرج ببلاد السوس ثائر يدعى بابن ياوجى، وامتنع بحصن تيوينوين، والتف حوله كثير من الناس، وانضم إليه عرب المعقل، فدس إليه أبو محمد بن أبي زكريا والي السوس رجلا من جزولة، استطاع أن يدخل الحصن وأن يقتله، ثم قطع رأسه وحمل إلى مراكش، وبذلك أخمدت ثورته في مهدها، وقد عرف حصن تيوينوين هذا من قديم، بأنه كان دائماً مركزاً للشقاق والعصيان، وبه خرج من قبل أبو قصبة، ثم ثار به ابن الفرس وامتنع به حتى اغتيل وقتل (٢). وفي سنة ٦٣٧ هـ، وقعت بسبتة وأحوازها مجاعة عظيمة، واشتد القحط والغلاء، وسمى هذا العام " عام سبعة " وكان ذلك من جراء الفتن المتوالية، التي عصفت بالمناطق الغربية، ومن جراء الشرق وقلة الأمطار حتى عدمت الموارد،

стр. 2234

وهلكت الزروع، وتفاقم الضر بعيث طوائف العرب، ولاسيما عرب رياح، في أحواز مكناسة، وفاس، ونشوب المعارك المتوالية بينهم وبين زناتة، وأحيانا بينهم وبين بني مرين. وقد أوقع بهم بنو مرين ومزقوا جموعهم، واستولوا على أموالهم ودوابهم وسلاحهم، وكان بنو مرين يجوبون عندئذ سائر الأقطار الغربية، ويفرضون سلطانهم، على معظم القبائل والطوائف النازلة في تلك الأنحاء، ويقمعون أهل الشر والفساد، من العرب وغيرهم، ممن يعيثون في تلك المناطق فساداً، حتى أمنت السبل، واستقامت الأمور، وعلت كلمة بني مرين وهيبتهم، ودخل الناس في طاعتهم، وأخذوا في جباية الضرائب والمكوس، فاتسعت أحوالهم، وقويت شوكتهم، وغلب لديهم الرخاء والنماء (١). وقد سبق أن تناولنا نشأة بني مرين، وخروجهم من منازلهم القفرة بوادي ملوية، إلى أنحاء المغرب، وما وقع بينهم وبين الموحدين، أيام يوسف المستنصر من المعارك، وكيف أنهم وصلوا في زحفهم داخل أنحاء المغرب حتى أحواز فاس، وكيف أنه لم ينقذ الدولة الموحدية يومئذ من خطر تقدمهم الداهم، سوى ما وقع بينهم من الشقاق الداخلى. وقد لبث بنو مرين في تلك الفترة التي اشتغلت فيها الخلافة الموحدية بحروبها الداخلية، يعملون على توطيد مركزهم، وتوسيع سلطانهم، والاندفاع غربا داخل أقطار المغرب، حتى أنهم فرضوا الإتاوة على مكناسة وغيرها من البلاد المجاورة، وكان أميرهم في الوقت الذي نتحدث عنه، هو أبو سعيد عثمان بن عبد الحق، ولم يكن الرشيد غافلا عن خطورة حلول بني مرين في تلك المنطقة الهامة من مناطق المغرب، ولكنه نظراً لازدياد قوتهم، كان يؤثر مصانعتهم وعقد السلم معهم. ولما دخلت طنجة وسبتة في طاعة الرشيد، واستقامت الأمور نوعا في أواخر سنة ٦٣٥ هـ، عين الرشيد لولاية المناطق الغربية أبا محمد عبد الله بن وانودين. وكان ابن وانودين من خيرة زعماء الموحدين، وكان يمت إلى بيت الخلافة بصلة المصاهرة، إذ كان متزوجاً بالسيدة بنت يوسف المستنصر، وكانت له بذلك مكانة في الدولة. وكان قد وزر ليحيى المعتصم، ثم تركه ولحق بخدمة الرشيد، فولاه بلاد درعة في سنة ٦٣٢ هـ، ونجح ابن وانودين أثناء ذلك في استخلاص سجلماسة، من يد أرقم ابن مردنيش حسبما تقدم، فولاه الرشيد عليها، ثم عاد إلى مراكش في سنة ٦٣٤ هـ.

стр. 2235

ولما عين الرشيد ابن وانودين لولاية الغرب، عين معه في نفس الوقت أبا علي بن خلاص البلنسى لولاية سبتة، وعين للنظر على دار الصناعة أبا زكريا ابن مزاحم الكومي. وخرج ابن وانودين من مراكش في عسكر كبير، من الموحدين والمطوعة والعرب، وفوض له الرشيد النظر في أحوال البلاد، فسار أولا إلى بلاد غمارة، لينظر في شئونها، فثارت عليه بعض قبائلها، وكان عدد من هذه القبائل قد دخل في طاعة بني مرين. وكان الرشيد يعتمد على فطنة ابن وانودين، ولباقته في معالجته الأمور مع بني مرين بالكياسة والحسنى، وقد بعث معه بعض أحمال من الكسى الفاخرة برسم بني عبد الحق وأشياخ بني مرين، ولكن ابن وانودين ما كاد يصل إلى مقربة من أحيائهم، حتى بادرهم بالخصومة والعداء، وطالبهم برد الفارين إليهم من بني غمارة، فرفضوا، ووقع النزاع بين الفريقين، وانتهى إلى القتال بينهما، فأغار بنو مرين على محلة ابن وانودين، وقتلوا جملة كبيرة من أجناده، وعلم الرشيد بما حدث، فأمره بالاستقرار في تلك المنطقة، تحوطا لحركات بني مرين (١). واستمر أمر بني مرين في تقدم، وأطاعتهم معظم القبائل في تلك المنطقة ومنها هوارة وتسولة ومكناسة، وصالحتهم بعض المدن على أموال معلومة، يؤدونها في كل عام، وكان منها فاس ومكناسة ورباط تازا وغيرها. وكان بنو مرين يرون، بعد أن ضعفت الدولة الموحدية، وعجز الخلفاء الموحدون عن ضبط البلاد، وخرجت معظم المدن والقبائل عن طاعتهم، وانتشرت الفوضى في معظم الأنحاء، أنهم غدوا أولى بالنظر في شئون الدين، وصون مصالح المسلمين وحمايتهم من العدوان والفوضى (٢). وفي سنة ٦٣٧ هـ، وقيل في محرم سنة ٦٣٨ هـ (١٢٤٠ م) قتل أمير بني مرين أبو سعيد عثمان بن عبد الحق، اغتاله فتى من علوجه رباه صغيراً، ثم هرب هذا العلج إلى ابن وانودين. وقيل عندئذ أن ابن وانودين هو الذي حرضه على ارتكاب جريمته (٣). فخلفه في رياسة بني مرين أخوه الأمير أبو معرف محمد ابن عبد الحق. فأطاعه بنو مرين، ولكن خالف عليه أبناء عمومته بنو حمامة، وعاد

стр. 2236

الشقاق القديم بين بني حمامة وبنى عسكر يمزق صفوفهم. وبعث ابن وانودين، بقلم كاتبه أبي الحسن السرقسطى إلى الرشيد، يعرفه بما تقدم من شئون بني مرين، وقد اغتر ابن وانودين بما حدث بينهم من شقاق، وأظهر المودة لبني عسكر وتحالف معهم، ونهض معهم بالفعل إلى مقاتلة بني عبد الحق (بني حمامة)، والتقى الفريقان على مقربة من سلفات، وخسر كل من الفريقين قتلى، وارتد ابن وانودين مع الموحدين وبنى عسكر، ونزل بظاهر مكناسة، واشتد في معاملة أهلها، وفرض عليهم المغارم الفادحة، لأنهم كانوا يدينون بطاعة بني عبد الحق، ثم سار إلى فاس ففعل بها مثل ما تقدم، ثم عاد إلى مكناسة، ونزل على مقربة من جبل زرهون الواقع في شمالها، ففر منه الناس في مختلف الأنحاء (١). واجتمع بنو مرين حول أميرهم محمد بن عبد الحق، وانضمت إليهم حشود من زناتة، وغيرها، وساروا إلى مقربة من مكناسة واصطدموا هنالك بقوة من النصارى (الروم) كان ابن وانودين قد بعثها لحراسة تلك المنطقة ففتكوا بها، وعندئذ وضع ابن وانودين خطة لمهاجمة بني مرين، وسار في قواته من الموحدين والعرب وبنى عسكر، وتأهب بنو مرين للقائه. ونشبت المعركة بين الفريقين على قيد نحو ثمانية أميال من مكناسة، فقاتل بنو مرين بعنف وشجاعة، وفتكوا بالموحدين وحلفائهم، وحقت الهزيمة الفادحة على ابن وانودين، ومزق عسكره، من العرب وبنى عسكر، فلجأ ابن وانودين إلى مكناسة، وامتنع بها. واستولى بنو مرين على محلته، وسائر ما فيها من المتاع والدواب، ثم غادر ابن وانودين مكناسة في جملة من الخيل، ومعه ابنه أبو زكريا، وقصد إلى قصر عبد الكريم (القصر الكبير) حيث لحق هنالك بأسرته وامتنع به. ووقعت هذه الحوادث في أواخر سنة ٦٣٧ هـ (٢). وكانت هزيمة ابن وانودين على هذا النحو، ضربة شديدة للخلافة الموحدية وكسبا جديداً لبني مرين زاد في قوتهم وفي هيبتهم، وامتد سلطانهم بذلك إلى جهة القصر الكبير، ومن فيها من عرب رياح، ودخل في طاعة الأمير محمد بن عبد الحق، من تخلف من قبائل بني مرين، وسائر قبائل غُمارة وغيرها، وأصبح

стр. 2237

بنو مرين يتجولون في تلك الأنحاء سادة أحراراً، وجنح الرشيد إلى مهادنتهم، ومصانعتهم، وكانت بينه وبينهم مراسلات ودية. وعلم ابن وانودين وهو في ملجئه بقصر عبد الكريم، أن كثيراً من أهل البلاد التي كانت تحت حكمه، قد كتبوا في حقه إلى الرشيد، وشكوا مما كان ينزله بهم من المظالم، واتهموه بأنه كان يقصد أن يحذو في منطقته حذو بني حفص، وأن يستقل بحكمها، وأن الرشيد قد صدق هذه الاتهامات، فغادر قصر عبد الكريم، وقصد إلى جبال الموحدين، وسار ليلا ونهاراً حتى وصل إليها، بالرغم من مطاردة بني مرين، وبقى لاجئاً إليها، حتى نمى إليه أن الرشيد، تحقق في النهاية من براءته مما نسب إليه، فعاد إلى مراكش، وأكرم الرشيد وفادته. وفي سنة ٦٣٩ هـ (١٢٤١ م)، بطش الرشيد بوزيره وكاتبه أبي حفص ابن المومنانى، وكان من أكابر الدولة وأعلام الكتاب، وله عند الرشيد حظوة ومكانة رفيعة. ولكنه ارتكب زلة خطيرة حينما وجه خطابا خاصاً إلى صديقه السيد أبي حفص عمر بن عبد العزيز بن المنصور، يهنئه فيه بإسناد إحدى الولايات إليه، ويقول له في خطابه إنها " إن شاء الله ابتداء الخلافة "، وأخطأ الرسول، ودفع الخطاب إلى أهل القصر، فوقع في يد القائد أبي المسك، ودفعه أبو المسك إلى الرشيد، فلما وقف عليه الرشيد، أمر من فوره بقتل المومنانى والسيد أبي حفص، فنفذ أمره في الحال وهلك الرجلان ضحية عبارة طائشة (١). بيد أنه لم تمض بضعة أشهر على ذلك الحادث الدموى، حتى هلك الرشيد نفسه. ذلك أنه خرج ذات يوم للتنزه في إحدى الرياض التي كان قد أنشأها بجوار القصر، وكانت توجد في تلك الروضة بحيرة صغيرة، أو صهريج وفقا لوصف المؤرخ، فنزل في هذه البحيرة مع بعض جواريه في زورق برسم التنزه، فانقلب الزورق بمن فيه، وغرق الرشيد ومات لوقته، وقيل إنه انتشل محموما من الماء، وحمل إلى القصر، وهنالك توفي بعد ثلاثة أيام. وكان غرق الرشيد في يوم الثلاثاء السابع من جمادى الآخرة سنة ٦٤٠ هـ (٢ ديسمبر سنة ١٢٤٢ م) فإذا أخذنا بالرواية الثانية، فتكون وفاته في اليوم العاشر من جمادى الآخرة الموافق ليوم ٥ ديسمبر. وفي رواية ثالثة ينقلها إلينا ابن عذارى عن مصادر مسندة عن حاجب الرشيد، أن الرشيد نزل بزورقه في الصهريج في ليلة باردة،

стр. 2238

ثم خلع عمامته، فلما أزالها أصابته نزلة شديدة، فأخرج من الزورق، وحمل إلى قصره حيث توفي، في يوم الجمعة العاشر من جمادى الثانية سنة ٦٤٠ هـ (١). وكان الرشيد حينما توفي في الرابعة والعشرين من عمره، وقد استطالت خلافته أكثر من عشرة أعوام. ... وكان الرشيد، كأبيه الخليفة المأمون، يتمتع بطائفة من الخلال القوية اللامعة، من الذكاء والجرأة، وحدة النفس، وقوة العزم، وبعد النظر، ولو لم ترغمه الحوادث على أن ينفق أعوامه العشرة في مقارعة خصومه، والدفاع عن عرشه، لكان لنا أن نتوقع منه خططا وأعمالا إنشائية أخرى، ربما كان لها أثرها في إنقاذ الدولة الموحدية، وإطالة حياتها. بيد أنه تولى العرش وحكم في ظروف سيئة، وكانت التيارات الخصيمة، قد سارت قدما في تقويض هيكل الدولة الموحدية، وتحطيم أسسها، ولم يكن باقيا منها سوى شبح باهت، يرتكز من الناحية المادية، على رقعتها الجنوبية. وكان من أهم ما عمله الرشيد لتقوية الدولة من الناحية المعنوية، هو استدعاء بقية الزعماء الموحدين إلى مؤازرته، بعد أن بطش بهم أبوه، ومزق شملهم، ولو أنه اضطر في سبيل ذلك إلى إعادة العمل برسوم المهدي الدارسة. وقد وزر للرشيد، السيد أبو محمد عبد الله بن أبي سعد بن المنصور، وأبو زكريا بن أبي الغمر، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الجنفيسى، وأبو علي بن أبي محمد عبد العزيز، وذلك بالتعاقب، ثم تولى الجنفيسى مرة أخرى، وبالرغم من أن الرشيد لم يكن كأبيه المأمون أديبا ولا كاتبا، فقد استخدم لكتابته، عدة من أعلام كتاب العصر المغاربة والأندلسيين، مثل أبي زكريا الفازازى، وأبي عبد الله القباجى، وأبي عبد الله ابن أبي عشرة، وأبي عبد الله الفازازى، وأبي المطرِّف ابن عميرة المخزومي، وأبي الحسن الرُّعينى، وأبي عبد الله التلمسانى. وكان من هؤلاء من كتب لأبيه من قبل مثل أبي زكريا الفازازى، وأبي المطرف بن عميرة، وأبي الحسن الرعينى. وتصف الرواية الرشيد، بأنه كان فتى أزهر اللون، أشقر، كث اللحية، حسن القد، في وجهه نمش يسير (٢).

стр. 2239

الفصل الثاني عصر الخليفة أبي الحسن على السعيد مبايعة الخليفة، أبي الحسن على السعيد. شخصيته القوية. وزراؤه وكتابه. مطاردته لخصومه. مصانعته لعرب الخلط وغيرهم. عنايته بأمر الروم. خروج الهزرجى بسجلماسة. تلمسان والمغرب الأوسط. بطون زناتة الخارجة على الموحدين. استيلاء يغمراسن زعيم بني عبد الواد على تلمسان. يقيم بها إمارة مستقلة. خصومته لبني مرين وبنى حفص. علائقه الودية ببلاط مراكش. توجس الأمير أبي زكريا من ذلك. تأهبه لغزو تلمسان. محاصرته لها. فرار يغمراسن واستيلاء أبي زكريا على تلمسان. استدعاؤه ليغمراسن وتأمينه وتعيينه لولايتها. اهتمام الخليفة السعيد بأمر سجلماسة. فرار بعض أشياخ الموحدين والتجاؤهم إليها. مسير السعيد إلى درعة. مخاطبته لأشياخ سجلماسة ووعوده لهم. سعى أبي زيد بن زكريا الجدميوى لرد المدينة إلى الطاعة. نجاحه في ذلك بمداخلة الجند النصارى. القبض على الهزرجى وإعدامه. خلع سبتة وإشبيلية لطاعة الخلافة الموحدية ومبايعتهما لأمير إفريقية. خروج السعيد لمقاتلة بني مرين. هزيمة بني مرين ومصرع أميرهم. رواية أخرى عن حركة السعيد وعلاقته الودية ببنى مرين. قبض السعيد على ابن وانودين والوزير ابن عطوش وغيرهم. إعتقالهم بأزمور. فرار ابن وانودين والتجاؤه إلى جبل هنتاتة. ما تدلى به محنته من اضطراب البلاط الموحدي. خروج كانون زعيم عرب سفيان وتحالفه مع بني مرين. تأهب السعيد للحرب. مسيره في قواته صوب تامسنا. القتال بينه وبين بني مرين وحلفائهم. هزيمة بني مرين ومسيرهم نحو الغرب. مسير عرب سفيان لمهاجمة أزمور. مسير السعيد إلى مطاردتهم. مهاجمة السعيد لهم وتمزيقهم. فرار كانون في فلوله. تولى الأمير أبي يحيى لزعامة بني مرين. خروج بني عسكر عليه. تحالفهم مع الموحدين ثم نكثهم. محاولة السعيد لاستمالة يغمراسن وفشل محاولته. محاصرة بني مرين لمكناسة. ثورة أهلها على الموحدين. إقناع بني مرين لزعيمها أبي العافية بمبايعته أمير إفريقية. صدى هذه الحوادث في البلاط الموحدي. ما أصاب الدولة الموحدية من التمزق. أهبة السعيد لتدارك الموقف. عود عرب سفيان وغيرهم من العرب إلى الطاعة. مسير السعيد في حشوده صوب وادي ملوية. نزوله قبالة بني مرين. توجس بني مرين وإيثارهم للسلم. نزولهم عن البلاد التي احتلوها. عقد الصلح بين الفريقين. مسير السعيد إلى مكناسة. خروج أهلها إليه والتماسهم العفو. العفو عنهم وتأمينهم. بيعتهم الجديدة. مسير السعيد إلى فاس ثم تلمسان. مشروع السعيد في استردادها ثم محاربة أمير إفريقية. التقرب بين صقلية وبين الموحدين. استدعاء السعيد ليغمراسن ورفض يغمراسن الحضور. فراره والتجاؤه إلى تامزجدرت. مسير السعيد لمطاردته. سلوكه شعب الجبال. خروج كمائن بني عبد الواد عليه. مصرعه ووزيره. تمزق قوي الموحدين وارتداد فلولهم إلى مراكش. السعيد وعزمه وخلاله. صفته. في نفس اليوم الذي توفي فيه الرشيد، وهو يوم الجمعة العاشر من جمادى الآخرة سنة ٦٤٠ هـ (٥ ديسمبر سنة ١٢٤٢ م)، تم اختيار الخليفة الجديد،

стр. 2240

وهو أبو الحسن علي بن أبي العُلا إدريس بن يعقوب المنصور، وهو أخو الخليفة الراحل. وكان أكابر الدولة، وأشياخ الموحدين، قد اتجهوا أولا إلى اختيار ولد الخليفة المتوفى الصبي، فاعترض بعضهم على ذلك، وقالوا سئمنا خلافة الصغار، ولم يلتفت الجماعة في البداية إلى أبي الحسن على، أخي الخليفة، لأنه كان أسود، شديد السواد، ولد جارية نوبية، ولكن أبا محمد بن وانودين كبير أشياخ الموحدين، نهض فبايع السيد أبا الحسن، وكان موجوداً ضمن السادة من القرابة، وأقعده في مجلس الخلافة، فتتابع في أثره القرابة والأشياخ، وبايعوه، وبذا تم اختياره لكرسي الخلافة (١). وتلقب الخليفة الجديد بالسعيد، وبالمعتضد بالله، ولكن غلب عليه اللقب الأول، وكان اختيار أبا الحسن للخلافة أمراً موفقاً، فقد كان بشخصيته القوية، وعزمه، وسطوته، أقوى رجل في الدولة، وكان وجوده في كرسى الخلافة في تلك الظروف العصيبة، التي تجوزها الدولة الموحدية، من العوامل المطمئنة المشجعة، الباعثة على الاستبشار والأمل. واستوزر السعيد، السيد أبا اسحق بن أبي ابراهيم، وأبا زكريا بن عطوش، وأبقى في منصب الكتابة، الكاتبين البليغين، أبا الحسن الرعينى، وأبا عبد الله التلمساني. وكان أول عمل قام به السعيد، هو أن قبض على جملة من أشياخ الموحدين، المعارضين لبيعته، وسجنهم، وأغرمهم أموالا، وسجن كذلك أم أخيه الرشيد، حبابة الرومية وأغرمها أموالا، وذلك اتقاء لشرها ودسائسها، ثم أخذ في مصانعة عرب الخُلط، واستدعى طوائفهم من بلاد السوس وغيرها، وقربهم، وأغدق عليهم صلاته، وكذلك استدعى زعماء العرب، من جشم وغيرهم، ليستظهر بهم، وكان شيخ سفيان كانون بن جرمون من أوثق حلفائه، ولم ينس كذلك أمر المرتزقة، وهم فرقة الجند " الروم " التي جلبها معه أبوه المأمون، فعنى بأمرهم أشد عناية، وكانوا يقيمون بكنيستهم التي بنوها في العاصمة الموحدية، ويشتركون في سائر حملات الخليفة الحربية (٢). وفي بداية عهده خرج عليه عبد الله بن زكريا الهزرجى بسجلماسة، وكان

стр. 2241

من المعارضين لبيعته، ودعا للأمير أبي زكريا الحفصى صاحب إفريقية، ومن جهة أخرى فقد حدثت بالمغرب الأوسط حوادث مقلقة حول تلمسان. وكانت تلمسان، كإفريقية، قد خرجت عن سيادة الموحدين، وقام على رياستها زعيم بني عبد الواد القوي يَغمُراسن بن زيان. ويجدر بنا أن نشرح ظروف هذا التحول في مصاير تلمسان. وذلك أنه على أثر غزوات ابن غانية للمغرب الأوسط وأحواز تلمسان، وتخريبه لهذه النواحي، نهضت قبائل زناتة الخارجة على الموحدين، وفي مقدمتهم بنو عبد الواد، وبنو راشد، وبنو توجين، ونفذوا إلى أحواز تلمسان والمغرب الأوسط، وكانت أمصار المغرب الشرقية، قد خربت من جراء غزوات ابن غانية، فلم تجد قبائل زناتة، الضاربة في المغرب الأوسط أمامها من الحواضر الغنية سوى تلمسان، تعيث في أحوازها، وتقوم بأعمال النهب والسلب المستمرة. وكان الموحدون قد عنوا بتحصين تلمسان، وتشييد أسوارها، حتى غدت من أمنع أمصار المغرب، ولكن ذلك لم ينجها من قدرها المحتوم. وكان آل زيان من بني عبد الواد من أقوى وأبرز بطون زناتة المغامرة، وكانت منازلهم تقع فيما بين البطحاء ووادي ملوية غربي تلمسان، وكان زعيمهم يَغمُراسن بن زيّان بن ثابت من أشد زعماء هذا الحى بأسا، وأعظمهم مكانة، وقد تولى رياسة قومه منذ سنة ٦٣٣ هـ، وانضم إليه بنو مظهر وبنو راشد الخارجان من قبل على قومه، ولم يجد يغمراسن صعوبة في الاستيلاء على تلمسان، وانتزاعها من حاميتها الموحدية الضعيفة، فجعل منها قاعدته، وجند الجند وتزيا بزى الإمارة، ومحا آثار الدولة المؤمنية، ولم يترك من رسومها سوى الدعاء للخليفة بمراكش، ووفد عليه من الأندلس لفيف كبير من شرقها، وعلى رأسهم ابن وضّاح، فأكرم وفادتهم، وقرب ابن وضاح وقدمه للشورى، ووفد عليه أيضاً أبو بكر بن خطاب وكان كاتبا بليغا، وشاعراً جزلا، فعينه لكتابته، ولاسيما في مخاطبته للخلفاء الموحدين، وأمراء تونس. وكان يغمراسن يتحرز من نيات بني عبد المؤمن وبنى حفص، وكذلك من أطماع بني مرين، وكان بينه وبينهم وقائع متعددة (١). ولكنه كان يرتبط مع البلاط الموحدي برباط المودة، وكان الرشيد يحبوه بصداقته، ويهاديه حتى لا ينحرف إلى محالفة بني مرين،

стр. 2242

وكان عند جلوس الخليفة السعيد، قد بعث إليه بهدية من الخيل العتاق، وكتب إليه يعاهده على قتال بني مرين، فلما وقف الأمير أبو زكريا، أمير إفريقية على ذلك، خشى أن يعقد السلم كذلك بين يغمراسن وبنى مرين، ثم يقع التحالف بين الثلاثة على محاربة إفريقية، ورأى أن يبادر بالعمل لإحباط مثل هذه الخطة، ووفد عليه عندئذ بعض زعماء زناتة، وشجعوه في مشروعه، لغزو تلمسان وأخذها، وجمع كلمة زناتة بذلك، والتمهيد لخطته في الاستيلاء على ملك الموحدين. وقام الأمير أبو زكريا بأهبات عظيمة، وسار إلى تلمسان في جيش ضخم، ومعه عدد وافر من الرماة، وضرب حولها الحصار (أواخر سنة ٦٣٩ هـ) وضربها الرماة بشدة، فأدرك يغمراسن أنه لا أمل في المدافعة، وخرج من تلمسان في أهله وخاصته، فلما اعترضه الجند المحاصرون فتك بهم، وشق لنفسه طريقا، ولحق بالصحراء، ولجأ إلى جبل قريب، ودخل أبو زكريا تلمسان، وعفا عن أهلها، ولما بحث مع خاصته من الموحدين، في أمر من يوليه عليها، أشاروا عليه بتقديم يَغمُراسن، باعتباره أصلح من يقوم بأمرها، فاستدعاه، وأمنه، وولاه عليها وعلى أعمالها، وفق عهود وشروط معينة، وذلك لكي تغدو حاجراً بين مملكة إفريقية، وبين شمال المغرب، حيث أخذ سلطان بني مرين ينمو بصورة مزعجة، وكان ذلك في شهر ربيع الأول سنة ٦٤٠ هـ (أوائل ١٢٤٣ م) (١). وعنى الخليفة السعيد أولا بأمر سجلماسة، وكان واليها الثائر يدعو بها للأمير أبي زكريا الحفصى، ويستجلب إليه العرب من كل صوب، وقد فوض إليه الأمير أبو زكريا الأمور، ووعده بالعون والإمداد، وكان جماعة من أشياخ الموحدين، ممن خشوا بطش السعيد وغدره، يعتزمون الفرار والالتجاء إلى سجلماسة، وكان السعيد قد خرج عندئذ في قواته من مراكش، ونزل في وادي تانسيفت على مقربة منها، واستطاع الفرار من أولئك الأشياخ، أبو زيد عبد الرحمن ابن زكريا الجدميوى، وابن واجاج، وأبو سعيد العود الرطب الهنتاتى، ولكن قبض على أبي عثمان سعيد أخي أبي زيد، وهو زعيم حركة التقرب الموحدي من الخلافة، وأمر السعيد بقتله، بعد أن استصفى سائر أمواله بمراكش. ولحق الزعماء الفارون بسجلماسة بعد جهد ومشقة، ونزلوا في كنف واليها الثائر، وسار

стр. 2243

أبو سعيد الهنتاتى إلى تونس، فتلقاه أميرها بترحاب وإكرام (١). وكان والي سجلماسة عبد الله بن زكريا الهزرجي يجد عندئذ في الحركة والأهبة للمدافعة، والامتناع بمدينته الحصينة، وكان السعيد من جانبه ينوى أن ينكل بالثائر، وأن يسحق حركته، لتكون عبرة لأمثاله، فسار في قواته إلى درعة، فبعث إلى أشياخ سجلماسة بظهير يعدهم فيه بالاعتناء والتكريم، وعندئذ رأى أبو زيد بن زكريا الجدميوى فرصة سانحة للعمل والعود إلى الطاعة، فداخل قواد النصارى بالمدينة، وقام النصارى بالضغط على العرب، من حراس باب القصبة، واستطاع أبو زيد أن يدخل القصبة مع أشياخ سجلماسة، وأن يشحنها بالرماة والحماة، وفي الحال بعث إلى السعيد ينبئه بما حدث، فشكره السعيد أجزل الشكر، وعفا عنه، وحظى لديه، وقبض في تلك الأثناء على عبد الله بن زكريا، وساقه بعض العرب مصفدا إلى السعيد، فأمر بإعدامه، وأعدم بالرغم مما بُذل لإنقاذه من شفاعة وضراعة، وحمل رأسه وعلق على باب الكحول بمراكش. وعاد السعيد إلى الحضرة، دون أن يدخل سجلماسة، وذلك في سنة ٦٤٢ هـ (١٢٤٤ م) (٢). ووقعت عندئذ حوادث أخرى تدلى بتفكك الدولة الموحدية، وتصدع هيبتها، ومن ذلك ما عمد إليه أبو علي بن خلاص البلنسى والي سبتة، من خلع طاعة الدولة الموحدية، وما عمد إليه أيضاً أهل إشبيلية بالأندلس، حيث خلعوا كذلك طاعة الدولة الموحدية، وذلك بتوجيه زعيمهم أبي عمرو بن الجد، واتجهت المدينتان سبتة وإشبيلية إلى مبايعة صاحب إفريقية، الأمير أبي زكريا الحفصى، وبعثت إشبيلية بيعتها إلى تونس مع وفد من كبرائها، وكذلك بعث ابن خلاص ولده ببيعته في سفينة خاصة ومعه هدية للأمير الحفصى، فغرقت السفينة بمن فيها، وذلك كله حسبما فصلناه في موضعه من قبل، أضف إلى ذلك ما كان من تقدم الدعوة المرينية في شمال المغرب، وزحف بني مرين باضطراد داخل الأقاليم المغربية. ومن ثم فقد خرج السعيد في نفس العام - ٦٤٢ هـ - من مراكش مرة أخرى قاصدا إلى الأقاليم الغربية، ومعه حشود المصامدة والعرب والروم،

стр. 2244

في جيش ضخم، تقدره بعض الروايات بعشرة آلاف فارس، والبعض الآخر بأكثر من عشرين ألفا. وهنا تختلف الرواية ويحيق الغموض بما تلا من تحركات السعيد، ذلك أنه يقال تمشياً مع هذه الرواية، أن السعيد زحف نحو بني مرين، واستعد بنو مرين بقيادة أميرهم أبي معرِّف محمد بن عبد الحق للقاء الموحدين، ووقع اللقاء بين الفريقين بموضع من أحواز فاس يسمى " أغلان " فنشبت بينهما معركة عنيفة، واستمر القتال حتى دخل الليل، وكان أمير بني مرين يتقدم جنده، فقصد إليه فارس من فرسان الروم يدعى خوان جايتان، وطعنه بحربته فسقط صريعاً، وانكشف بنو مرين، وطاردهم الموحدون فلحقوا بجبال غياثة على مقربة من أحيائهم، فامتنعوا بها، واختاروا للولاية عليهم مكان أميرهم القتيل، أخاه أبا يحيى أو أبا بكر بن عبد الحق، وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة ٦٤٢ هـ (أواخر ١٢٤٤ م) (١). هذا ما يقوله لنا صاحب الذخيرة السنية وابن خلدون، ولكن توجد ثمة رواية أخرى هي رواية ابن عذارى، وهي أن السعيد حينما خرج في سنة ٦٤٢ هـ، إلى الأقاليم الغربية، قصد أولا إلى مدينة فاس، وأقام بها أياما، نظر في شئونها وعزل بعض عمالها وعين آخرين غيرهم، ثم غادر فاس إلى المقرمدة، ضاحيتها الشرقية مستطلعاً لأحوال بني مرين وأخبارهم. ثم يقول ابن عذارى أن جو المهادنة كان يسود بين الفريقين، وأنه وقعت بين السعيد وبين زعيم بني مرين الأمير أبي يحيى، مراسلات ودية، فارتد السعيد أدراجه إلى مراكش، دون أن يعكر صفو السلم بين الفريقين (٢). فهل يمكن أن يكون الصلح قد عقد بين السعيد وبني مرين، عقب هزيمتهم ومقتل أميرهم، وبذلك يمكن التوفيق بين الروايتين؟ على أن ما حدث بعد ذلك، من تصرفات بني مرين العدائية، ضد الدولة الموحدية، مما سوف نذكره بعد، لا يمكن أن يؤيد هذا الفرض. وتتمة لأحداث سنة ٦٤٢ هـ، نقول إنه حدث في هذا العام أيضاً أن أمر السعيد بالقبض على أبي محمد بن وانودين، وهو كما تقدم قطب أشياخ الموحدين، وإليه يرجع الفضل في اختيار السعيد لكرسى الخلافة، وذلك دون أسباب واضحة، وقبض معه في نفس الوقت على أبي زكريا بن مزاحم، وأبي زكريا بن عطوش،

стр. 2245

وأرسلوا جميعاً إلى أزمور، فسجنوا بها تحت حراسة قوية، ولكن ابن وانودين لم يستكن إلى محنته، وأخذ يدبر الحيلة في فراره، حتى أتيح له أن يشترى أحد حراسه، وأن يفر من السجن بمعاونته وتدبيره، وخرج من سجنه تحت جنح الظلام، فقصد إلى منازل عرب سفيان، فوصلها عند الصبح، وبعث معه زعيمهم كانون بن جرمون، لفيفاً من الفرسان، سار في صحبتهم، حتى وصل إلى جبال الموحدين، ولحق بقومه هنتاتة. ولما علم السعيد بما حدث أمر بضرب رقاب الحراس، وعلقت رؤوسهم على السور، كما أمر بالإفراج عن ابن عطوش وابن مزاحم، وبعث إلى ابن وانودين عشرة من وجوه الموحدين مع خاصته، فقصدوا إليه بتامزاورت وأبلغوه أسف السعيد لما حدث، وبزوال ما كان في نفسه، فأعرب ابن وانودين عن شكره للخليفة، ولكنه تمسك ببقائه في جباله، ليعيش بها مع أهله وولده، فوافق السعيد على مطلبه، وعاش ابن وانودين بتيفنوت حتى توفي (١)، وكانت محنة ابن وانودين هذه، مثلا بارزا، لما كان عليه البلاط الموحدي في ذلك الوقت، الذي غرب فيه نجم الخلافة الموحدية، من اضطرام بمختلف الأهواء العنيفة، والخيانات المزرية، التي لا يبررها أي باعث معقول أو أية مصلحة عامة. ثم خرج على السعيد كانون بن جرمون وقومه عرب سفيان، وعاد إلى طاعته بالعكس عرب الخُلط وبنو جابر. وتحالف كانون مع الأمير أبي يحيى ابن عبد الحق، أمير بني مرين، وحشد بنو مرين حشوداً كبيرة، في منطقة الغرب، واجتمعت حولهم بنو راشد الزناتيين، وبنو وراو، وبنو سفيان. وأدرك السعيد خطورة هذه الحركة، فتأهب للحرب، ومنح الموحدين والجند بركاتهم وأعطياتهم التقليدية، واستدعى حشود العرب من بني جابر والخلط وغيرهم، وخرج من مراكش في قوات غفيرة، وسار موكبه وفقاً للترتيب القديم المأثور لدى بني عبد المؤمن، من تعاقب السادات والوزراء والأشياخ، وكان وزيراه يومئذ أبو زكريا بن عطوش الكومي والسيد أبو اسحق بن أبي ابراهيم. واستخلف على مراكش أخاه أبا زيد، وندب أخاه أبا حفص عمر واليا لسلا، واستمر سير الخليفة وجيشه، على هذا النحو شمالا، حتى منطقة تامسنا، وقد اجتمعت هنالك حشود بني مرين، تحت إمرة الأمير أبي يحيى، ومعهم حلفاؤهم الذين
следующие страницы →