← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

هم شيعة الأمر وهي الدار قد نهكت ... داء متى لم تباشر جسمها انتكسا فاملأ هنيئاً لك لتمكين ساحتها ... جردا سلاهب أو خطية دعسا واضرب لها موعدا بالفتح ترقبه ... لعل يوم الأعادى قد أتى وعسا (١) وكان لهذه القصيدة المبكية، التي مازالت تحتفظ حتى يومنا برنينها المحزن، والتي كانت كأنها نفثة الأندلس الجريح، أبلغ الأثر في نفس الأمير أبي زكريا الحفصى، فبادر بتجهيز أسطول شحنه بالسلاح والأطعمة والكسى والأموال، يتألف من اثنتى عشرة سفينة كبيرة، وست صغيرة، وعهد بقيادته إلى أبي يحيى ابن يحيى بن الشهيد ابن إسحق ابن أبي حفص الكبير، وتقدر الرواية الإسلامية قيمة ما شحن بهذا الأسطول بمائة ألف دينار من الذهب، وهي قيمة لها خطرها في ذلك العصر (٢). وأقلعت هذه السفن المنجدة على جناح السرعة من ثغر تونس قاصدة إلى ثغر بلنسية ومعها ابن الأبار ورفاقه، وهي رحلة تستغرق عدة أيام. وكان الأرجونيون في تلك الأثناء قد شددوا الحصار على بلنسية، وحاولوا في البداية، أن يقتحموا الرُّصافة ضاحيتها الجنوبية الشرقية، ففشلت المحاولة، وردهم المسلمون بخسارة كبيرة. وكان المسلمون يخرجون من آن لآخر لمقاتلة النصارى في جماعات صغيرة، ووقعت أعنف معركة من هذا النوع بين الفريقين حول بلدة سليا ضاحية بلنسية الجنوبية، وانتهت باستيلاء النصارى عليها. ولم تمض أيام على ذلك حتى ظهر الأسطول التونسى في مياه بلنسية، واستطاع أن يصل إلى خليج جراو Grao الواقع جنوب شرقي المدينة بحذاء مصب نهر طورية أو نهر الوادي الأبيض Guadalaviar، الذي يخترق بلنسية بعد مصبه بقليل، ولكن المحلة النصرانية كانت تحتل اللسان الواقع بين الخليج وبين المدينة، ومن ثم فإن رجال الأسطول، لم يستطيعوا الوصول إلى المدينة، ولم يستطع أهل المدينة من جهة أخرى، أن يصلوا إليهم، وعندئذ حاولت السفن المسلمة أن تبعث الأمداد إلى أهل المدينة من ناحية الشمال، فسارت شمالا بحذاء الشاطىء

стр. 2172

حتى ثغر بُنُشكلة الصغير، الواقع شمالي قسطلونة، ولكن هذه المحاولة لم تنجح أيضاً لظهور السفن الأرجونية، واضطرار السفن التونسية إلى الإقلاع صوب الجنوب، وانتهى الأمر بأن أفرغت السفن التونسية شحنتها في ثغر دانية، بعيداً عن الثغر المحصور، ثم أقلعت عائدة إلى إفريقية ومعها المال إذ لم يحضر من قبل الأمير زيان من يتسلمه. وهكذا فشلت هذه المحاولة التي نظمت لإمداد المدينة المحصورة وإنجادها، وتركت بلنسية لمصيرها. وهنا ضاعف النصارى جهودهم في التضييق على المدينة، وإرهاقها. وبينما كان أهل بلنسية، يعانون الحرمان والجوع داخل مدينتهم، كان النصارى في سعة تأتيهم المؤن من البحر بانتظام. وكان النصارى يضربون المدينة، وأسوارها ْوأبراجها، بالآلات الثقيلة باستمرار، والبلنسيون مع كل هذا البلاء يخرجون لمقاتلة النصارى، وتنشب المعارك الكثيرة بين الفريقين. وفي إحدى هذه المعارك أصيب الملك خايمى بجرح في رأسه. واستمر الحصار المرهق على هذا النحو زهاء خمسة أشهر، من أبريل حتى أوائل سبتمبر، حتى فنيت الأقوات، وعدمت الموارد، واشتد البلاء بأهل المدينة، وثلمت الأسوار والأبراج في غير موضع، وعندئذ رأى وجوه المدينة وعلى رأسهم الأمير زيان، بأنه لا مفر من التسليم قبل أن يفوت الوقت، ويقتحم النصارى المدينة، فبعث بابن أخيه أبي الحملات ليفاوض ملك أراجون في شروط التسليم. واتفق الفريقان على أن تسلم المدينة صلحاً. وإليك كيف يصف لنا ابن الأبار، وقد كان شاهد عيان، ما تلا ذلك من لقاء بين الأمير زيان والملك خايمى، ومن إبرام شروط التسليم بينهما، وذلك في يوم الثلاثاء السابع عشر من صفر سنة ٦٣٦ هـ. قال: " وفي هذا اليوم خرج أبو جميل زيان بن مدافع بن يوسف بن سعد الجذامى من المدينة، وهو يومئذ أميرها، في أهل بيته ووجوه الطلبة والجند، وأقبل الطاغية، وقد تزيا بأحسن زى في عظماء قومه، من حيث نزل بالرصافة أول هذه المنازلة، فتلاقيا بالولجة، واتفقا على أن يتسلم الطاغية البلد سلما لعشرين يوماً، ينتقل أهله أثناءها بأموالهم وأسبابهم. وحضرت ذلك كله، وتوليت العقد عن أبي جميل في ذلك. وابتدئ بضعفة الناس فسيروا في البحر إلى نواحي دانية، واتصل انتقال سائرهم براً وبحراً. وصبيحة يوم الجمعة السابع والعشرين من صفر المذكور، كان خروج أبي جميل بأهله من القصر، في

стр. 2173

طائفة يسيرة أقامت معه. وعند ذلك استولى عليها الروم أحانهم الله " (١). وتقدم إلينا الرواية النصرانية عن شروط تسليم بلنسية تفاصيل لا تخرج في جملتها عن مضمون الرواية المتقدمة، فتقول إن المفاوضة وقعت أولا بين أحد الرؤساء المسلمين، وأحد الأشراف الأرجونيين، وذلك بمحضر من الملكة، التي شاء الملك أن تشهد سائر التفاصيل، وانتهى الأمر بأن اقترح الأمير زيان على الملك خايمى، أن يسلم إليه المدينة، على أن يسمح لسائر المسلمين بها رجالا ونساء، بأن يحملوا سائر أمتعتهم دون أن يعترضهم أحد، وأن يسيروا آمنين ْحتى قلييرة (أو غلييرة) (٢) أو دانية، فوافق الملك والملكة على اقتراحه، واتفق على أن تسلم المدينة، بعد خمسة أيام، يبدأ في نهايتها جلاء المسلمين عنها. وأبلغ الملك هذا الاتفاق إلى الأحبار والأشراف، فلم يرق لبعض القادة، والفرسان، الذين كانوا يؤملون الثراء بنهب المدينة. وفي اليوم الثالث بدأ المسلمون جلاءهم عن بلنسية، وخرج منهم منها خمسون ألفا، وساروا آمنين حتى قلييرة Cullera، وهي ثغر صغير يقع على مقربة من جنوبي بلنسية، ومنحوا عشرين يوما لإتمام الجلاء. وعقد الملك خايمى كذلك مع الأمير زيان هدنة مدتها سبع سنين، وأقسم باحترامها بالنسبة لدانية وقلييرة، طوال هذه المدة. وتم ذلك في اليوم الثامن والعشرين من شهر سبتمبر سنة ١٢٣٨ م (٣). وفي يوم الجمعة التاسع من أكتوبر سنة ١٢٣٨ م، الموافق للسابع والعشرين من صفر سنة ٦٣٦ هـ دخل خايمى الفاتح ملك أراجون، وزوجه الملكة فيولانتى وأكابر الأحبار والأشراف والفرسان الأرجونيين والقطلان، وممثلو الجماعات الدينية والمدن، مدينة بلنسية، ورفع علم أراجون على قمة أعلى برج في أسوار المدينة، وحولت المساجد في الحال إلى كنائس وطمست سائر قبور المسلمين (٤). وقضى الملك خايمي بضعة أيام في تقسيم دور المدينة وأموالها بين الأحبار والأشراف والفرسان، كل وفق ما اشترك به في الفتح، وبلغ عدد من وزع عليهم من فرسان أراجون وقطلونية،

стр. 2174

ثلاثمائة وثمانون، هذا عدا الأحبار والأشراف، وجعلت هذه الأملاك وراثية بالنسبة لأعقابهم، وسموا بفرسان الفتح، وترك لهم حراسة المدينة والدفاع عنها. وأقبل النصارى من كل فج على سكنى بلنسية وتعميرها. ومع ذلك فقد بقيت بها جماعة كبيرة من أهلها المسلمين، تدجّنوا واستسلموا لمصيرهم الجديد. وهكذا سقطت بلنسية في أيدي النصارى، بعد أن حكمها المسلمون، منذ الفتح خمسة قرون وربع قرن، سطعت خلالها في شرقي الأندلس، وتزعمت قواعده، ولعبت أعظم دور في أحداثه ومصايره، ولبثت فترات طويلة، مثوى الثورة الوطنية الأندلسية، وكانت أعظم مركز للعلوم والآداب في شرقي شبه الجزيرة. وكانت بلنسية منذ بعيد هدفاً لأطماع النصارى، القشتاليين منهم والقطلان، وكانت مسرحاً لمغامرات السيد الكنبيطور (السيد الكمبيادور)، وقد استولى عليها بالفعل في جمادى الأولى سنة ٤٨٧ هـ (يونيه ١٠٩٤ م) ولبثت تحت نير النصارى زهاء ثمانية أعوام، حتى استردها المرابطون في شعبان سنة ٤٩٥ هـ (مايو ١١٠٢ م)، وذلك حسبما فصلناه في كتابنا " دول الطوائف ". على أن بلنسية وأحوازها، استمرت بعد سقوطها في أيدي النصارى، مدى عصور، مثوى لجماعات كبيرة من المدجّنين المسلمين، ثم بعد ذلك من العرب المتنصرين (الموريسكيين) وقد لعب هؤلاء في تاريخها السياسي والاجتماعى منذ القرن الرابع عشر حتى أواخر القرن السادس عشر، أدواراً ذات شأن. وهو ما فصلناه في كتابنا " نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين ". - ٣ - وقد أذكت محنة بلنسية وسقوطها في أيدي النصارى، فجيعة الشعر والنثر بالأندلس، على نحو ما فعلت محنة طليطلة، وسقوطها، وصدرت في رثائها طائفة كبيرة من القصائد والرسائل المبكية. ويرجع ذلك بالأخص إلى وجود عدد من أكابر الكتاب والشعراء المعاصرين، الذين شهدوا المحنة من أبناء بلنسية ذاتها، أو شرقي الأندلس، وفي مقدمتهم أبو عبد الله بن الأبار، وأبو المطرف بن عميرة المخزومي، وأبو عبد الله بن الجنان، وهم جميعاً من كتاب أمير بلنسية، أبي جميل زيان. وإذا كنا لا نعنى هنا إلا بتسطير الأحداث والمحن، فإنه يسوغ لنا مع ذلك أن نقف مدى لحظة، لنستعرض خلالها، بعض نماذج من النثر والنظم، في رثاء بلنسية من كلام أبنائها

стр. 2175

ولا مراء في أن ما صدر عن ابن الأبار في ذلك وهو من أعظم أبناء بلنسية، وقد قضى فيها معظم شبابه وكهولته، وشهد أدوار المحنة من بدايتها إلى نهايتها، سواء من النثر أو النظم، إنما هو غرة هذه المراثى، وأبلغها استثارة للأسى، وقد أوردنا فيما تقدم شطراً من قصيدته الرائعة: أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا ورأينا كيف يصور فيها محنة الأندلس العامة أروع تصوير وأبلغه. ولما سقطت بلنسية، بعد ذلك، صدرت عنه رسائل وقصائد أخرى، في رثاء بلنسية وبقية قواعد الأندلس الذاهبة، وبكاء أمجادها ومحاسنها، فمن ذلك قوله من رسالة إلى صديقه أبي المطرِّف ابن عميرة: " وأما الأوطان المحبب عهدها بحكم الشباب، المشبب فيها بمحاسن الأحباب، فقد ودعنا معاهدها وداع الأبد، وأخنى عليها الذي أخنى على لبد، أسلمها الإسلام، وانتظمها الانتثار والاصطلام، حين وقعت أنسرها الطائرة، وطلعت أنحسها الغائرة، فغلب على الجذل الحزن، وذهب مع المسكن السكن. كزعزع الريح صك الدوح عاصفها ... فلم يدع من جَنًى فيها ولا غصن واها وواها بموت الصبر بينهما ... موت المحامد بين البخل والجُبُن أين بلنسية ومغانيها، وأغاريد وُرْقها وأغانيها، أين حلى رصافتها وجسرها، ومنزلا عطائها ونصرها، أين أفياؤها تندى غضارة، وركاؤها تبدو من خضارة. أين جداولها الطفاحة وخمائلها، أين جناتها النفاحة وشمائلها، شد ما عطل من قلائد أزهارها نحرُها، وخلعت شعشعانية ضحاها بحيرتها وبحرها، فأية حيلة لا حيلة في صرفها مع صرف الزمان، وهل كانت حتى بانت إلا رونق الحق وبشاشة الإيمان. ثم لم يلبث داء عقرها، أن دب إلى جزيرة شُقرها، فأمرَّ عذبها النمير، وذوى غصنها النضير، وخرست حمائم أدواحها، وركدت نواسم أرواحها، ومع ذلك اقتحمت دانية، فنزحت قطوفها وهي دانية، ويالشاطبة وبطحائها، من حيف الأيام وأنحائها، ولهفاه ثم لهفاه على تُدمير وتلاعها، وجيّان وقلاعها، وقرطبة ونواديها، وحمص وودايها، كلها رُعى كَلأُها، ودهى بالتفريق والتمزيق ملأها، غض الحصار أكثرها، وطمس الكفر عينها وأثرها .. وما لأندلس أصيبت بأشرافها، ونقصت من أطرافها، قوض عن صوامعها الأذان، صُمَّت بالنواقيس فيها الآذان، أجنت ما لم تجن الأصقاع، أعَقّت

стр. 2176

الحق فحاق بها الإيقاع، كلا بل دانت للسُّنة، وكانت من البدع في أحصن جُنّة، فليت شعرى بم استوثق تمحيصها، ولم تعلّق بعموم البلوى تخصيصها، اللهم غُفْراً، طالما ضر ضجر، ومن الأنباء ما فيه مزدجر، جرى بما لم تقدّره المقدور، فما عسى أن ينفث به المصدور، وربنا الحكيم العليم، فحسبنا التفويض له والتسليم " (١) ولأبى المطرِّف بن عميره، وهو أيضاً من أبناء بلنسية، ومن أبلغ كتابها، رسائل عديدة في رثاء المدينة العظيمة، فمن ذلك رسالة خاطب بها زميله وصديقه ابن الأبار جوابا عن رسالته المتقدمة يقول فيها: " طارحني حديث مورد جف، وقطين خفَّ، فيا لله لأتراب درجوا، وأصحاب عن الأوطان خرجوا، قصت الأجنحة وقيل: طيروا، وإنما هو القتل والأسر أو تسيروا، فتفرقوا أيدي سبا، وانتشروا ملىء الوهاد والربا، ففي كل جانب عويل وزفرة، وبكل صدر غليل وحسرة، ولكل عين عبرة لا ترقأ من أجلها عَبرة، داء خامر بلادنا حين أتاها، ومازال بها حتى سجى على موتاها، وشجا ليومها الأطول كهلها وفتاها، وأنذر بها في القوم بحران أنيجة، يوم أثاروا أسْدها المهيجه، فكانت تلك الحطمة طل الشؤبوب، وباكورة البلاء المصبوب .. وبعد ذلك أخذ من الأم بالمخنق، وهي بلنسية ذات الحسن والبهجة والرونق. وما لبث أن أخرس من مسجدها لسان الأذان، وأخرج من جسدها روح الإيمان، فبرح الخفاء، وقيل على آثار من ذهب العفاء، وانعطفت النوائب مفردة ومركبة كما تعطف الفاه، وأودت الخفة والحصافة، وذهب الجسر والرُّصافة، ومزقت الحلة والسهلة، وأوحشت الجرف والرملة، ونزلت بالجارة وقعة الحرة، وحصلت الكنيسة من جآذرها وظباها على طول الحسرة، فأين تلك الخمائل ونضرتها، والجداول وخضرتها، والأندية وأرجها، والأودية ومنعرجها، والنواسم وهبوب مبتلها، والأصائل وشحوب معتلها، دار ضاحكت الشمس بحرها وبحيرتها، وأزهار ترى من أدمع الطل في أعينها ترددها وحيرتها، ثم زحفت كتيبة الكفر بزرقها وشقرها، حتى أحاطت بجزيرة شقرها، فآها لمسقط الرأس هوى نجمه، ولفادح الخطب سرى كَلْمه، وبالجنة أجرى الله تعالى النهر تحتها، وروضة أجاد أبو اسحق نعتها،، إنما كانت داره التي فيها دب، وعلى

стр. 2177

أوصاف محاسنها ألَبّ، وفيها أتته منيته كما شاء وأحب، ولم تعدم بعد محبين قشيبهم إليها ساقوه، ودمعهم عليها أراقوه ". ويقول في رسالة أخرى: " ثم ردف الخطاب الثاني بقاصمه المتون، وقاطبه المنون، ومضرمة نار الشجون، ومذرية ماء الشئون، وهو الحادث في بلنسية، دار النحر، وحاضرة البر والبحر، ومطمح أهل السيادة، ومطرح شعاع البهجة والنضادة، أودى الكفر بإيمانها، وأبطل الناقوس صوت أذانها، ودهاها الخطب الذي أنسى الخطوب، وأذاب القلوب، وعلّم سهام الأحزان أن تصيب، ودموع الأجفان أن تصوب، فيا ثكل الإسلام، ويا شجو الصلاة والصيام، يوم الثلاثاء، وما يوم الثلاثاء، يا ويح الداهية الدهياء، وتأخير الإقدام عن موقف العزاء، أين الصبر وفؤادى أنسيه، لم يبق لقومى على الرمى سيه، هيهات نجد ما مضى من أتنسيّه، من بعد مصاب حل في بلنسية. " يا طول الحسرة، ألا جابر لهذه الكسرة، أكل أوقاتنا ساعة العسرة، أخي أين أيامنا الخوالى، وليالينا على التوالى .. كل رزء في هذه الرزء يندرج، وقد اشتدت الأزمة فقل لي متى تنفرج، كيف انتفاعنا بالضحى والأصائل، إذ لك يعد ذلك النسيم الأرج، ليس لنا إلا التسليم والرضى، بما قضاه الخلاق العليم. ومن نظم أبي المطرِّف بن عميرة في رثاء بلنسية قوله: ما بال دمعك لا يني مدراره ... أم ما لقلبك لا يقر قراره اللوعة بين الضلوع لظاعن ... سارت ركائبه وشطّت داره أم للشباب تقاذفت أوطانه ... بعد الدنو وأخفقت أوطاره أم للزمان أتى بخطب فادح ... من مثل حادثة خلت أعصاره بحر من الأحزان عبّ عبابه ... وارتج ما بين الحشا زخّاره في كل قلب منه وجد عنده ... أسف طويل ليس تخبو ناره أما بلنسية فمثوى كافر ... حُفت به في عقرها كفّاره زرع من المكروه حلّ حصاده ... عند الغُدوِّ غداة لجَّ حصاره ما كان ذاك المصر إلا جنّة ... للحسن تجرى تحته أنهاره طابت بطيب بهاره آصاله ... وتعطرت بنسيمه أشجاره

стр. 2178

قد كان يشرق بالهداية ليله ... والآن أظلم بالظلال نهاره ودجا به ليلُ الخطوب بصبحه ... أعيا على أبصارنا إسفاره (١) وجاء في قصيدة طويلة، وجهها بعضهم إلى أمير إفريقية أبي زكريا الحفصي يستنهض همته لنصرة الأندلس، وذلك على أثر سقوط بلنسية: نادتك أندلس فلب نداءها ... واجعل طواغيت الصليب فداءها صرخت بدعوتك العلية فأحبها ... من عاطفاتك ما يقى حوباءها هي دارك القصوى أوت لإيالة ... ضمنت لها مع نصرها إيواءها تلك الجزيرة لا بقاء لها إذا ... لم يضمن الفتح القريب بقاءها ومنها في رثاء بلنسية: ايه بلنسية وفي ذكراك ما ... يجرى الشؤون دماءها لا ماءها كيف السبيل إلى احتلال معاهد ... شب الأعاجم دونها هيجاءها والي رُباً وأباطح لم تعر من ... حلل الربيع مصيفها وشتاءها طاب المعرس والمقبل خلالها ... وتطلعت غرر المنى أثناءها بأبي مدارس كالطلول دوارس ... نسخت نواقيس الصليب نداءها ناحت بها الورقاء تسمع شدوها ... وغدت ترجع نوحها وبكاءها (٢) ونكتفى بهذه المقتطفات النثرية والشعرية التي قيلت في رثاء بلنسية، وإنما أوردناها دليلا على شعور أبنائها بفداحة المحنة، وفداحة آثارها، التي انتهت في أعوام قليلة بسقوط سائر قواعد الشرق في أيدي النصارى. ولما سقطت بلنسية، وما يليها من القواعد القريبة في أيدي النصارى، نزح الكثير من أهلها إلى قواعد الأندلس الباقية، في الشرق والجنوب والوسط، وعبر في نفس الوقت كثير منهم البحر إلى العدوة، واستقروا في مختلف أنحائها. وقد وقفنا على نص ظهير، أصدره الخليفة الموحدي الرشيد، في الحادي والعشرين من شهر شعبان سنة ٦٣٧ هـ، من إنشاء كاتبه القاضي أبي المطرف بن عميرة

стр. 2179

المخزومي، إلى " المنتقلين من أهل بلنسية وجزيرة شقر وشاطبة ومن جرى من ساير بلاد الشرق مجراهم، وعراه من عبر الأيام ما عراهم " يأذن لهم فيه بالنزول في رباط الفتح " وأن يتخذوا مساكنه وأرضه بدلا من مساكنهم وأرضهم، ويعمروا منه بلداً يقبل منهم أولى من قبل، ويحملهم إن شاء الله تعالى، وخير البلاد ما حمل "، وأن " لهم أفضل ما عهده رعايا هذا الأمر العزيز، أدامه الله تعالى من التوسعة على قويهم حى يزداد قوة، والرفق بضعيفهم، حتى ينال يساراً وثروة "، وأن يقومو بحرث أرضه، وغرس كرومه، وأن يتأثلوا الأملاك لأنفسهم وأولادهم وأولاد أولادهم، ولا يطالبوا بغير حقوق الشرع، وأن الأوامر قد صدرت إلى الولاة والعمال بحمايتهم والرفق بهم، وعدم إلحاق الأذى بهم، أو منعهم من تحقيق مآربهم. وقد صدر هذا الظهير، حسبما نوه في بدايته بمسعى ذي الوزارتين الشيخ أبي علي بن أبي جعفر بن خلاص البلنسى. وهو وثيقة ذات أهمية خاصة، تلقى ضوءاً كبيراً على مصاير من شردتهم محنة الانهيار من أهل الأندلس، وما كانوا يلقون في أنحاء العدوة من ضروب المواساة والعطف والترحيب (١) - ٤ - لما غادر الأمير أبو جميل زيّان وطنه القديم ومقر رياسته، ورياسة آبائه وأجداده، مدينة بلنسية العظيمة، بعد أن سلمها إلى الملك خايمى الفاتح، سار في آله وصحبه إلى الجزيرة أو جزيرة شُقر، الواقعة جنوبها على ضفة نهر شقر، وسار وزيره ابن الأبار في أهله إلى تونس بعد أن أيقن أنه لا أمل في حياة مستقرة في ربوع الوطن القديم، وأخذ زيان بيعة أهل الجزيرة للأمير أبي زكريا الحفصى صاحب إفريقية، ولكنه ما كاد يستقر بها حتى زحف عليها الأرجونيون وطوقوها لأنها لم تكن داخلة في نطاق الهدنة، التي كانت تشمل فقط دانية وقلييرة، فاضطر زيان إلى التخلى عن الجزيرة للنصارى، وغادرها إلى دانية، ونزل بها وذلك في شهر رجب سنة ٦٣٦ هـ، لبضعة أشهر من تسليم بلنسية، ودعا بها للأمير أبي زكريا الحفصي، وأغضى النصارى مدى حين عن مهاجمة هذا القطاع من إقليم بلنسية. وعرض زيان خلال ذلك على الملك خايمى أن يسلمه حصن لَقَنت على أن يمنحه جزيرة مِنُرقة كإقطاع يحكمها باسمه وتحت طاعته، فاعتذر

стр. 2180

خايمى بأن لقنت لا تدخل في نطاق فتوحه، وإنما هي داخلة في نطاق فتوح قشتالة (١)، هذا إلى أن منرقه كان يحكمها عندئذ أبو عثمان سعيد بن حكم الأموى تحت حماية الملك خايمى، ويؤدى إليه الجزية حسبما تقدم في موضعه. وعندئذ اتجه نظر زيان إلى مرسية. وكانت مرسية أيام ابن هود مقر رياسته. ولما توفي بألمرية في جمادى الأولى سنة ٦٣٥ هـ، بايع أهل مرسية ولده أبا بكر محمد بن يوسف بن هود، وتلقب بالواثق، ولكن الظاهر أن عمه علي بن يوسف تغلب عليه بعد قليل، ودعا لنفسه وتلقب بعضد الدولة، بيد أن رياسته لم يطل أمدها أيضاً، إذ ثار به عميد مرسية وكبير علمائها الفقيه أبو بكر عزيز بن عبد الملك ابن محمد بن خطاب، وأخرجه من المدينة، ودعا لنفسه، وبايعه أهل مرسية، وذلك في الرابع من محرم سنة ٦٣٦ هـ، وتلقب بضياء الدولة. ثم سقطت بلنسية بعد ذلك بأسابيع قلائل في أيدي النصارى، وتجهمت الحوادث في شرقي الأندلس، وقلقت النفوس في مرسية وغيرها، ورأى جماعة من أهل مرسية استدعاء أمير بلنسية السابق أبا جميل زيان، ليتولى الرياسة عليهم، وهو يومئذ بدانية يرقب الحوادث. فسار زيان إلى مرسية ودخلها، فثار أهلها بأبي بكر عزيز ضياء الدولة وانتزع زيان منه الرياسة وقبض عليه، وذلك في الخامس عشر من شهر رمضان سنة ٦٣٦ هـ، ثم أمر بقتله، فقتل في السادس والعشرين من الشهر، وكان ابن خطاب سليل أعرق بيوت مرسية، وجده الكبير أبو عمر أحمد بن خطاب، هو الذي استضاف المنصور بن أبي عامر وسائر جيشه، حين مروره بمرسية في طريق غزاته إلى برشلونة، وذلك في أوائل سنة ٣٧٥ هـ (٩٨٥ م) (٢). ودعا زيان بمرسية للأمير أبي زكريا الحفصي صاحب إفريقية، ودخلت في طاعته معظم البلاد الباقية في شرقي الأندلس، وبعث زيان ببيعتها جميعاً مع وفد ندبه لذلك إلى الأمير أبي زكريا بتونس، فعاد الوفد يحمل إليه من الأمير تقليد ولايته على مرسية وبلاد شرقي الأندلس، وقدراً من المال لمعاونته، وذلك في سنة ٦٣٧ هـ. وقد وقفنا على نص الرسالة التي بعث بها الرئيس زيان إلى الأمير أبي زكريا على أثر تلقيه مرسوم الولاية، وهي من إنشاء الكاتب البليغ أبي عبد الله بن الجنان،

стр. 2181

وفيها يعرب زيان بعد الديباجة " والرضا عن الإمام المعصوم، المهدي المعلوم، الطالع من أنوار الهدايات "، وبعد الدعوات الجمة، عن ولائه وإخلاصه، ويقول: " فلا جرم أن الخادم يطمئن بذلك قلبا ". ثم يبدى شكره على التفات " الحضرة الكريمة "، وأنه تلقى الكتب الكريمة بارتياح، وأنه في سائر أحواله، وجميع أفعاله وأقواله " يهتدى بهدى الحضرة العلية، والانقياد لما أمره به مولاه من النظر في هذه البلاد، عاكفاً على المراسم الكريمة في كل القصد والاعتماد، باذلا مستطاعه في الجد والاجتهاد " وخصوصاً في هذه الأوقات التي اشتدت فيها نكايات الأعداء، ولكنه يؤمل أن الأحوال سوف تصلح. ثم يختتم كلامه بالدعاء. والرسالة صادرة " من مرسية حرسها الله تعالى "؛ ولكن ليس لها تاريخ (١). على أن زيان لم يتح له أن يجمع سائر الشرق تحت طاعته، فقد خرجت على رياسته أوريولة، واستقل بها ابن عصام، وكذلك خرجت لورقة، واستقل برياستها الفقيه محمد بن علي بن أحلى. واستمر الأمير زيان في رياسته لمرسية زهاء عامين. وكان كاتبه في تلك الفترة، القاضي والكاتب اللامع أبو المطرِّف بن عميرة المخزومي. وهنالك ما يدل على أن الأمير زيان، قد بذل عندئذ محاولة للتفاهم مع فرناندو الثالث ملك قشتالة، وذلك حسبما تدل عليه رسالة موجهة منه إلى فرناندو، ومحررة بقلم أبي المطرف، يذكر فيها ما تم له من فتح مرسية، ورضاء المسلمين بهذا الفتح، وأنه رأى مفاوضته في عقد السلم، وأن يكون ذلك على يد رسول أوفده إليه، وأنه على استعداد للتفاوض مع من يرسله إليه ملك قشتالة من رجاله لهذا الغرض (٢). ومن الواضح أن هذه المحاولة من جانب زيان ترجع إلى ما كان معقوداً بين مملكتى قشتالة وأراجون من أن الاستيلاء على منطقة مرسية، كان من حق ملك قشتالة. على أن الأمر لم يطل برياسة زيان لمرسية، فقد خرج عليه زعيم من بني هود، من أبناء عمومة المتوكل، يدعى محمد بن هود، والتف حوله أهل مرسية، فانتزع الحكم من زيان وتلقب ببهاء الدولة، وخرج زيان من مرسية، في أهله وأمواله ولجأ في قومه وعشيرته إلى لقنت ذلك في سنة ٦٣٨ هـ (١٢٤٠ م). وعاش بها بضعة

стр. 2182

أعوام في خمول، وهو يشهد سقوط قواعد الشرق المتوالى في أيدي النصارى، إلى أن وصل الأرجونيون إلى بلده واستولوا عليها، وذلك في سنة ٦٤٤ هـ (١٢٤٦ م) فعندئذ عول على مغادرة الأندلس قاطبة، وركب البحر في أهله إلى تونس، ونزل بها في كنف أميرها، إلى أن توفي سنة ٦٦٨ هـ (١٢٦٩ م) (١). وكان الأرجونيون خلال ذلك قد استولوا على ثغر دانية، وذلك في شهر ذي الحجة سنة ٦٤١ هـ (مايو ١٢٤٤ م)، وبعد ذلك بنحو عامين استولوا على شاطبة، وذلك في آخر صفر سنة ٦٤٤ هـ (يوليه ١٢٤٦ م). وكانت شاطبة منذ أيام المتوكل ابن هود، قد تولى رياستها من قبله يحيى بن أحمد بن عيسى الخزرجى، فلما توفي في شعبان سنة ٦٣٤ هـ، وليها من بعده، ولده أبو بكر محمد، وولي كذلك دانية حيناً، واستمر على ولايته لشاطبة أعواماً من بعد سقوط بلنسية، وهو يصانع الملك خايمى، ويؤدى إليه ما شاء من جزية، إلى أن قرر خايمي في النهاية الاستيلاء عليها، فدخلها الأرجونيون صلحاً في التاريخ المتقدم (صفر ٦٤٤ هـ) وذلك بعد حصار قصير. ولم يمض سوى عام ونصف حتى نقضوا الهدنة مع أهلها المسلمين، وأرغموهم على الجلاء عنها وذلك في رمضان سنة ٦٤٥ هـ (٢) فتفرقوا في مختلف البلاد، وغادرها واليها السابق أبو بكر في أهله ولجأ إلى أحد الحصون القريبة منها. وكان أبو بكر بن يحيى هذا، أديبا متمكناً من النثر والنظم، وقد أورد لنا ابن الأبار شيئاً من نظمه (٣). وهكذا استولى الأرجونيون من بعد بلنسية، خلال أعوام قلائل فقط على سائر القواعد القريبة منها، جزيرة شقر، ودانية، وشاطبة، والبيضاء، ولقنت (٤) وغيرها، ولم يبق من قواعد الشرق بيد المسلمين سوى مرسية وأحوازها. على

стр. 2183

أن القدر كان أيضاً بالمرصاد لمرسية، وإن كان قد طوح بها إلى مصير آخر. - ٥ - وذلك أنه لما نجح بهاء الدولة محمد بن هود، وانتزاع حكم مرسية من الأمير أبي جميل زيان، وذلك في سنة ٦٣٨ هـ، كان ابن عصام صاحب أوريولة من أنصاره والمعترفين بطاعته، ولكن لورقة لبثت مع ذلك محتفظة باستقلالها برياسة واليها ابن أحلى. على أنه لم يمض سوى قليل حتى شعر أهل مرسية أن الأمور لا يمكن أن تسير على هذا النحو، وأن توالى سقوط قواعد الشرق في يد الأرجونيين، سوف يحدد مصير مرسية، عاجلا أو آجلا، ومن جهة أخرى فإن انضواء مرسية تحت لواء أمير إفريقية الحفصى لن يغنى شيئاً، لبعد الشقة، وتعذر العون، ومن ثم فقد قرر أشياخ مرسية بالاتفاق مع بهاء الدولة أن يتفاهموا مع النصارى، رجاء صونها من الغزو والتخريب، واتجهوا في ذلك إلى ملك قشتالة، إما لأنهم آثروا القشتاليين على الأرجونيين، وإما لأنهم كانوا يعلمون أن مدينتهم تقع في منطقة الغزو القشتالي، وبعثوا إلى ملك قشتالة سفارة على رأسها أحمد بن محمد بن هود ولد واليها، يعرضون عليه الاعتراف بطاعته وتأدية الجزية إليه، وأن يسمح له بوضع حامية بالمدينة. وتضع الرواية الإسلامية تاريخ هذا العرض في سنة ٦٣٩ هـ الموافقة لسنة ١٢٤١ م، وهو التاريخ الذي تقدمه لنا الرواية النصرانية (١). وكان ملك قشتالة فرناندو الثالث يومئذ مريضاً في برغش، وكان ولده وولي عهده الإنفانت ألفونسو بمدينة طليطلة، فوفدت عليه هنالك سفارة مرسية، فاستقبلهم باسم والده الملك، وأبلغ النبأ في الحال إلى فرناندو، فوافق على عرض أهل مرسية، وصرفهم الإنفانت بعد التفاهم معهم على تسلم المدينة، ثم سار بعد قليل في نفر من صحبه صوب مرسية، حيث التقى في الكَرَس بنواب مرسية، وعقد معهم معاهدة التسليم، ودخل ألفونسو ولى عهد قشتالة وصحبه، ومعهم أحمد بن محمد بن هود مرسية، وتسلموها صلحاً، وذلك على الاعتراف بالطاعة، وأداء الجزية، وبقاء حكمها بأيدى أهلها، وذلك في اليوم العاشر من شوال سنة ٦٤٠ (٢ أبريل ١٢٤٣ م) (٢). ووضع القشتاليون بعض

стр. 2184

الجند في مرسية، وفي بعض الحصون التابعة لها، واحتفظ أمير مرسيه بسيادته التامة على لقنت، وأوريوله، وألش، وبعض الأماكن الأخرى الداخلة في أعمال مرسية. وكذلك فإن لورقة، ومولة، وقرطاجنة، وهي من أعمال مرسية، لم تدخل في هذا التسليم، واحتفظت باستقلالها حيناً، حتى استولى عليها القشتاليون في سنة ١٢٤٥ م. أما مرسية فلبثت عدة أعوام أخرى تحت حكم واليها محمد بن هود، بهاء الدولة، ثم بعد وفاته تحت حكم ولده أبي جعفر أحمد، وذلك تحت حماية ملك قشتالة. وكان والي مرسية يعرف عندئذ عند النصارى بملك مرسية. وكان من الغريب أن " تبقى مملكة مرسية " الإسلامية قائمة على هذا النحو تتمتع بنوع من الاستقلال، بعد أن سقطت بلنسية، وكل أعمالها، وأضحى النصارى يشرفون عليها من لقنت وألش وغيرها من قواعد هذه المنطقة. ولكن ذلك يمكن تفسيره أولا، بما وقع من الاضطرابات المستمرة في بلنسية ضد الأرجونيين، وقيام المسلمين المدجّنين في بلنسية، وشاطبة، ومربيطر وقسطلونة وغيرها، ومحاولتهم استرداد استقلالهم بقوة السلاح، واستردادهم بالفعل لبعض الحصون الهامة (سنة ١٢٥٤ م)، وثانيا باشتداد ساعد مملكة غرناطة، المملكة الإسلامية الجديدة التي أنشأها ابن الأحمر في جنوبي الأندلس، وتهديدها من آن لآخر بإنجاد أهل مرسية ومعاونتهم. وكان خايمى ملك أراجون حينما اشتدت الاضطرابات في بلنسية وأحوازها، قد عمل على تدعيم معظم الحصون بحاميات جديدة، وأخرج بالقوة آلافا مؤلفة من المسلمين المدجنين من أراضي بلنسية، فقصدوا إلى مرسية وأعمالها وتفرقوا فيها، وذهبت آلاف أخرى منهم إلى مملكة غرناطة. وفرض القشتاليون على المهاجرين منهم إلى مرسية وأعمالها ضريبة لدخولهم قدرها بيسانتى Besante عن كل فرد. واشتد ساعد " مملكة مرسية " بمن وفد إليها من هذه الجموع المهاجرة، واستطاعت أن تفرض احترام استقلالها الداخلى على النصارى فترة أخرى. واستمر أبو جعفر أحمد بن هود واليا لمرسية وأحوازها حتى سنة ٦٦٢ هـ (١٢٦٤ م)، وفي هذا العام خرج عليه، أبو بكر محمد بن محمد بن يوسف ابن هود، وكان قد حكم مرسية بضعة أشهر عقب وفاة أبيه المتوكل، وتسمى

стр. 2185

بالواثق، ثم تغلب عليه عمه عضد الدولة بن هود، ثم جاء أبو جميل زيان فانتزع الحكم منه حسبما فصلناه فيما تقدم، إلى أن تغلب عليه بهاء الدولة ابن هود، وفي خلال ذلك كان الواثق يعيش مغموراً هادئاً، إلى أن سنحت له الفرصة لينتزع الحكم من أبي جعفر. وكان الواثق يعتقد أنه يستطيع بمعاونة المسلمين المدجّنين في منطقة الشرق، ومعاونة ابن الأحمر ملك غرناطة، أن يخلع طاعة النصارى، وأن يسترد لمرسية كامل استقلالها. وربما كان قد شعر أيضاً أن قشتالة لم تكن من القوة كما كانت أيام فرناندو الثالث. وكان فرناندو قد توفي منذ سنة ١٢٥٢ م، وخلفه ولده ألفونسو العاشر، وشغلت قشتالة في ظله بصراعها مع مملكة غرناطة. ومن ثم فقد أعلن الواثق خلع طاعة ملك قشتالة، لأنه لم يلتزم الوفاء بما تعهد به في معاهدة التسليم، وخرق نصوصها بالاستطالة على حقوق مملكة مرسية، وبعث إلى رومة سفيراً يسعى لدى البابا، ليحمل ملك قشتالة على الوفاء بعهوده، من عدم التدخل في شئون مملكة مرسية، واستمر متمسكاً باستقلاله، ولكنه لما شعر بأن جند الملك خايمى ملك أراجون، بدأت تغير على أراضي مرسية وترهق أهلها، أعلن طاعته لابن الأحمر ملك غرناطة، وبعث إليه ابن الأحمر قوة من جنده بقيادة صهره الرئيس أبي محمد بن أشقيلولة، فقدم إلى مرسية وضبط أمورها، وخطب بها لابن الأحمر. ويقدم إلينا ابن عذارى شرحاً آخر لتطور الحوادث في مرسية فيقول، إن أهل شرق الأندلس كانوا قد صالحو الروم بمال معلوم، يدفعونه لهم في كل عام، وأعطى أهل مرسية قصبتهم للروم. فلما ذاع فيهم ضرر الروم وأذاهم، أخرجوهم بالقتال والحصر، وكتب أهل مرسية إلى الأمير ابن الأحمر ببيعتهم، فبعث إليهم الرئيس أبا محمد بن أشقيلولة والياً. فزحف النصارى إليها، ونزلوا عليها، وحصر الرئيس فيها، ثم غادرها مع صحبه. وهكذا اضطر ابن الأحمر أن يتخلى عن حماية مرسية، واضطر نائبه ابن أشقيلولة أن يغادرها مع جنده. ويضع ابن عذارى تاريخ هذا الحادث في سنة ٦٦٢ هـ (١٢٦٤ م) ويزيد على ذلك أن أهل مرسية لم يجدوا بعد ابن الأحمر حماة ولا أنصاراً، واشتد عليهم حصار العدو وتألبه، فأعطوا مرسية للنصارى وخرجوا منها بالأمان إلى " الرشاقة"، فسكنوا بها نحو عشرة أعوام، إلى أن أخرجهم النصارى منها بالأمان في سنة ثلاث وسبعين، ولكنهم غدروا بهم في الطريق بموضع يعرف ببوركال، فقتلوا الرجال، وسبوا النساء

стр. 2186

والأطفال (١). ولكن الرواية النصرانية تقول لنا بالعكس، إنه على أثر مغادرة جند ابن الأحمر لمرسية، رد أهلها الأمر ثانية إلى الواثق ابن هود، فمضى في حكمها فترة قصيرة أخرى، إلى أن افتتحها الملك خايمى، وذلك على النحو الآتي: في تلك الأثناء، كان ملك قشتالة ألفونسو العاشر، يعانى صعابا في الاحتفاظ بفتوحه الجديدة في الأندلس، ولاسيما في منطقة شريش وشذونة، ويرقب نشاط ابن الأحمر ملك غرناطة وازدياد قوته بعين التوجس والخوف. وزاد قلقه من جراء ذلك بما حدث من عبور بعض قوات بني مرين من المغزب إلى الأندلس، لمناصرة ابن الأحمر. وكان من جهة أخرى يرى نفسه عاجزاً عن قمع ثورة مرسية، واسترداد سيادته عليها، ومن ثم فقد بعث إلى حميه خايمى ملك أراجون - وكان قد تزوج بابنته الأميرة فيولانتى، وارتبط معه برباط المصاهرة والصداقة الوثيقة - يطلب إليه المعاونة في منطقة مرسية، لأن الثورة في مرسية تهدد سيادته في بلنسية، ومن ثم فقد قرر الملك خايمى، بعد استشارة الأمراء والأحبار، أن يسير لافتتاح مرسية، بالرغم من كونها تقع في منطقة نفوذ قشتالة، وذلك نزولا على رغبة ملك قشتالة نفسه (٢). فجهز حملة قوية، وسار جنوبا صوب مملكة مرسية، وزحف أولا على حصونها الأمامية ألش ولقنت وأوريوله، واستولى عليها، ثم بقى في أوريولة، وضربت جنده الحصار حول مرسية، وبذل الأرجونيون كل جهد للتضييق على المدينة المحصورة، ورد كل أمداد يصل إليها من غرناطة، واستمر الحصار بضعة أشهر. فلما رأى الواثق أنه لا مفر من التسليم، بعد أن نفدت سائر الموارد، وغاض كل أمل، فاوض الملك خايمى في التسليم، واتفق معه على أن يعوضه عن مرسية بحصن " يسر " ليقيم فيه هو وأهله وصحبه. وهكذا سلمت مرسية آخر قواعد الشرق الكبرى، ودخلها الملك خايمى الأرجونى وذلك في في شهر فبراير سنة ١٢٦٦ م. وهو يوافق التاريخ الذي تضعه الرواية الإسلامية لسقوط مرسية، وهو سنة ٦٦٤ هـ، وإن كانت ثمة روايات نصرانية أخرى تضع تسليم مرسية في سنة ١٢٦٩ أو ١٢٧٠ م (٣). ولم يطلب الملك خايمي

стр. 2187

من اهل مرسية الجلاء عن أرضهم كما حدث في بلنسية وقواعدها، ولكنه طلب إليهم فقط أن يسمح لأهل أراجون وقطلونية بالهجرة إلى أراضي مملكة مرسية. وكان قد حمل على هذا الاعتدال، بما حدث في بلنسية وقواعد الشرق الشمالية من الاضطرابات العنيفة على إثر إخراج سكانها من أوطانهم. وهكذا استولى خايمى الفاتح على سائر ثغور شرقي الأندلس وقواعده، من بنشكلة وقسطلونة شمالا، حتى قرطاجنة ولورقة جنوبا، وذلك في فترة لا تتجاوز الثلاثين عاما، وانتهت بذلك سيادة الإسلام في تلك الرقعة الكبيرة من الوطن الأندلسي القديم، بعد أن لبثت بها أكثر من خمسة قرون، وأضحى أهلها المسلمون الذين آثروا البقاء بأوطانهم القديمة، واستسلموا إلى قدرهم في ظل حكم السادة النصارى الجدد، مدجنين Mudéjares تعصف بهم إرادة الفاتح، وتسلبهم حقوقهم الدينية والمدنية، ومميزاتهم القوية شيئاً فشيئاً، ولا تنفعهم ثورتهم المتكررة في سبيل الاحتفاظ بكيانهم، حتى غدوا بمضى الزمن مجتمعاً غريبا في بلاده، وفقدوا دينهم القديم، ولغتهم العربية، وغلبت عليهم الذلة والعبودية، وحتى هذه الحياة المسكينة الذليلة في ظل آثار دينهم ولغتهم لم تدم، وكان أن أرغموا بعد ذلك على التنصر، واعتناق دين الغالب ولغته، وأضحى تاريخهم في ظل الحكم الإسباني، وظل الكنيسة الإسبانية، ومحاكم التحقيق، مأساة من أروع مآسى التاريخ، وأبلغها إيلاما للنفس، وهي التي تعرف بمأساة الموريسكيين أو العرب المتنصرين (١)

стр. 2188

الفصل الرابع سقوط إشبيلية وقواعد الغرب ابن الأحمر واشتداد ساعده. يعتزم محاربة القشتاليين. محاصرته لمرقش. هزيمته للقشتاليين. غزو فرناندو الثالث للأندلس الوسطى. عيثه في أحواز جيان. افتتاحه لأرجونة وغزوه لفحص غرناطة. يعتزم افتتاح جيان. أهبة جيان وحصانتها. مسيره إلى جيان وحصارها. استنجاد واليها بابن الأحمر. طول الحصار ونفاد المؤن. موقف ابن الأحمر. يؤثر التفاهم مع ملك قشتالة. اعترافه بطاعة فرناندو. بقية شروط المعاهدة المعقودة. دخول القشتاليين جيان. جيان ومركزها التالد بين قواعد الأندلس. الأماكن الأخرى التي نزل عنها ابن الأحمر. انهيار الأندلس الشرقية والوسطى. تحول أنظار النصارى إلى إشبيلية. إشبيلية ومركزها أيام الفتنة. تطور مصايرها منذ قيام ابن هود. عودها إلى طاعة الموحدين. استقلالها المحلى. اعترافها بطاعة الدولة الحفصية. سبتة تحذو حذوها. الأمير أبو زكريا يعين والياً لإشبيلية ويوجه رسالة إلى أهلها. سوء تصرف الحكام الإفريقيين. أهل إشبيلية يخرجونهم ويقتلون زعيمهم ابن الجد. ماذا وراء ثورة أهل إشبيلية. زعماء إشبيلية الجدد. إعلانهم إلغاء المعاهدة التي عقدت بين ابن الجد وملك قشتالة. مضمون هذه المعاهدة. غضب ملك قشتالة لمصرع ابن الجد. محاولة الزعماء تجديد المعاهدة مع فرناندو. رفض فرناندو واعتزامه فتح إشبيلية. منعة إشبيلية وظروفها الجغرافية. فرناندو يعتزم أخذها بالحصار. مسيره إليها في قواته. معاونة ابن الأحمر للنصارى. استيلاء فرناندو على قلعة جابر. عيث القوات القشتالية في فحص الشرف وفحص شريش. تجهيز السفن للحصار. معاونة البابا في المشروع. فرناندو يجهز قوات الغزو النهائي في قرطبة. البدء بمهاجمة قرمونة. اشتراك جند ابن الأحمر في ذلك. تطويق النصارى لقرمونة. عرض أهلها للتسليم. استيلاء فرناندو على لورة وقنطلانة. تسليم غليانة وجرينة. مهاجمته للقلعة. دفاعها ثم تسليمها. دور ابن الأحمر في تسليم هذه المعاقل. مقدم أسطول الحصار. يرابط في الوادي الكبير. ظروف إشبيلية الدفاعية واستعدادها للدفاع. قصور الرواية الإسلامية في التعريف بزعماء إشبيلية ودروها الدفاعى. بداية الحصار. مهمة الأسطول النصراني. اشتراك ابن الأحمر وجنده في الحصار. إشبيلية تتلقى الأمداد من النهر ومن وادي الشرف. المعارك المستمرة بين الإشبيليين والنصارى. عيث النصارى في ضواحيها. السفن المغربية تصارع السفن النصرانية وتحمى خط إمداد المدينة. محاولتها حرق السفن النصرانية. مقدم قوات الفرسان والأحبار والمدن النصرانية لتعزيز الحصار. صريخ أهل إشبيلية إلى أمراء المغرب. قصيدة ابن سهل الإشبيلي. قصيدة أبي موسى هرون. تحطيم النصارى لقنطرة طريانة. مهاجمة النصارى لطريانة. دفاع الحامية الإسلامية. محاصرة طريانة وفصلها عن إشبيلية. اشتداد محن الحصار على المدينة. وصف ابن عذارى لذلك. اجتماع الزعماء وبحث الموقف. عرض الزعماء للتسليم الجزئي. رفض ملك قشتالة وإصراره على التسليم الشامل. المفاوضة في التسليم وشروطه. إخلاء المسلمين للمدينة. تأمين

стр. 2189

النصارى للمهاجرين. مسيرهم إلى العدوة ومختلف أنحاء الأندلس الباقية. عبور القائد شقاف وزملائه إلى سبتة. مصيرهم المؤسى. دخول فرناندو الثالث إشبيلية. تحويل الجامع الأعظم إلى كنيسة. تقسيم دور المسلمين بين الفاتحين. إشبيلية تغدو عاصمة قشتالة. تأملات عن سقوط إشبيلية. افتتاح القشتاليين لقواعد هذه المنطقة. خضوع ابن محفوظ صاحب لبلة. خضوع صاحب شريش. أحوال شريش بعد ذلك. سقوط قادس. القاضي ابن محفوظ ومدى رياسته. تفاهمه مع ملك قشتالة. نزوله عن بعض الحصون والأماكن. استيلاء البرتغاليين على ميرتلة وشلب وطبيرة وشنتمرية الغرب. خروج ابن محفوظ على ملك قشتالة ألفونسو العاشر. مسير ألفونسو إلى لبلة ومحاصرتها. مناعة لبلة وصمودها. إطلاق المسلمين منها آلات تشبه المدافع. تسليم لبلة. مصير ابن محفوظ. الخلاف بين البرتغال وقشتالة على بعض قواعد الغرب. فرناندو الثالث. إشادة الرواية النصرانية بعبقريته. يعتبر قاهر الأندلس الحقيقي. البابا يسبغ عليه صفة القداسة. - ١ - في نفس الوقت الذي كانت فيه قواعد الشرق، تسقط تباعا في أيدي الأرجونيين، كان ملك قشتالة فرناندو الثالث، منذ استولى على قرطبة عاصمة الخلافة القديمة في شوال سنة ٦٣٣ هـ، يتابع غزواته وفتوحه في منطقة الأندلس الوسطى. وكان محمد بن الأحمر أمير غرناطة، يعمل خلال هذه الفترة على توطيد مركزه في الأندلس الجنوبية، وقد قوي أمره، واشتد ساعده، ونمت موارده، باستيلائه على ألمرية ومالقة عقب وفاة ابن هود، وغدا يبسط سلطانه على سائر المنطقة الممتدة من جنوبي الوادي الكبير حتى البحر، ومن ألمرية غربا حتى رندة. ولم ينس ابن الأحمر أمر المنطقة الشمالية التي بدأ منها، والتي بها موطنه ومنشأ أسرته، وهي منطقة جيان وأرجونة. وكان القشتاليون، منذ استيلائهم على قرطبة، قد عاثوا مراراً في تلك المنطقة، وخربوا ربوعها، فلما شعر ابن الأحمر باشتداد ساعده وتكاثر جمعه، اعتزم أن يسير لقتال القشتاليين، وأن يعمل على تحرير تلك المنطقة من عيثهم، فخرج من غرناطة في قوة كبيرة، وقصد إلى مرتش وهي بلدة حصينة تقع جنوب غربي جيان، وكانت بيد القشتاليين، وضرب حولها الحصار، (سنة ٦٣٦ هـ)، ولكن النصارى قدموا لإنجادها بسرعة، واضطر ابن الأحمر أن يرفع الحصار. وهنا وقعت بينه وبين القشتاليين بقيادة دون ردريجو ألونسو، وهو أخ غير شرعى لفرناندو الثالث، معركة عنيفة هزم فيها القشتاليون هزيمة شديدة، وقتل منهم وممن كان معهم من فرسان

стр. 2190

شنت ياقب عدد جم. وكان لذلك الحادث أعمق وقع في قشتالة. ومضى على ذلك نحو عامين أو ثلاثة، ثم نهض فرناندو الثالث لتدارك الموقف، وخرج في قواته قاصداً إلى الأندلس من ناحية أرجونة، وهو يخرب تلك الأنحاء، وينتسف زروعها. ثم سار جنوبا نحو جيان والقبذاق، وكان يتوق للانتقام لهزيمة جنده في مرتش، فخرب أيضاً أراضي تلك المنطقة. ثم بعث جانبا من قواته لافتتاح أرجونة، وهي موطن ابن الأحمر ومثوى أسرته، فحاصرها القشتاليون مدى يومين، وفي اليوم الثالث أشرف عليها فرناندو في بقية جيشه، فلما أيقن أهلها المسلمون أنه لا أمل لهم في الصمود والإنجاد، سلموها بالأمان وغادروها حاملين أمتعتهم وذخائرهم، وبعث فرناندو قواته صوب الجنوب لتغزو فحص غرناطة، فعاثت في أنحائه وخربت كثيراً من ربوعه. ووقعت هذه الحوادث في أواخر سنة ١٢٤٤ م (أواسط سنة ٦٤٢ هـ) ثم قصد فرناندو بعد ذلك إلى قرطبة فاستراح بها حتى أوائل العام التالي. وكان أهم هدف لملك قشتالة في تلك المنطقة، هو الاستيلاء على مدينة جيان عاصمتها التالدة، وأمنع قواعدها، وكان قد حاصرها قبل ذلك في سنة ١٢٣٠ م (٦٢٧ هـ) ولكنه أخفق في الاستيلاء عليها، وكان ابن الأحمر قد اتخذها مقرا لرياسته في مبدأ أمره. وكانت جيان مدينة عظيمة، حسنة التخطيط والبناء، ذات صروح وآثار جميلة، وكانت تتمتع بمناعة فائقة، سواء بأسوارها العالية، أو بقلعتها الحصينة الشامخة، التي مازالت أطلالها القائمة تنبىء بحصانتها القديمة، كما أنها بموقعها الطبيعي في منطقة من البسائط الخضراء اليانعة، كانت من أغنى قواعد الأندلس الوسطى وأكثرها رخاء (١). وكان الاستيلاء عليها يحقق للقشتاليين بسط سلطانهم على سائر أنحاء تلك المنطقة الغنية الخصبة. ومن ثم فقد عول فرناندو على افتتاحها، ولم يك ثمة سبيل آخر لتحقيق هذه الغاية سوى محاصرة هذه المدينة الكبيرة الغنية، حتى يرغمها الجوع على التسليم. وفي أواخر سنة ٦٤٢ هـ (أوائل سنة ١٢٤٥ م)، أشرف فرناندو الثالث بقواته على مدينة جيان، وضرب حولها الحصار. ولم يكن هذا الحصار أمراً هيناً لوقوعه في قلب الشتاء، وكان اشتداد البرد وهطل الأمطار، يضاعف متاعب الجند المحاصرين، واستمر الحصار على هذا النحو شهراً، وجيان صامدة، وقد

стр. 2191

خرج أهلها غير مرة لمقاتلة القشتاليين ففتكوا بهم وقتلوا وجرحوا الكثيرين منهم. بيد أن المدينة المحصورة كانت من جهة أخرى تعانى من الحرمان والجوع. وكان واليها أبو عمر علي بن موسى، حينما شعر بتحركات القشتاليين ومراميهم، قد أرسل قبل الحصار إلى ابن الأحمر يستغيث به، ويطلب إنجاده بالمؤن، لكي تستطيع المدينة مقاومة النصارى، فبعث إليه ابن الأحمر بقافلة كبيرة من المؤن استطاعت أن تجتنب القشتاليين، وأن تصل إلى المدينة، فلما طال الحصار نفدت الأقوات، وأخذ الموقف يتحرج، ومع ذلك فقد لبثت المدينة على صمودها. وكان ابن الأحمر خلال ذلك يرقب الحوادث بمنتهى الجزع، وكانت غزوات القشتاليين قد وصلت غير مرة، إلى فحص غرناطة، وإلى غرناطة ذاتها، وشعر ابن الأحمر أنه لابد أن يلتمس الوسيلة لتأمين سلطانه، واجتناب عادية القشتاليين، ولم يك ثمة وسيلة أنجع من التفاهم مع ملك قشتالة، والحصول على مهادنته. ومن جهة أخرى فقد أدرك ابن الأحمر، أنه لا سبيل إلى إنجاد جيان، أو اجتناب مصيرها المحتوم، وأنه يحسن تدارك الموقف، قبل أن تسقط المدينة في أيدي القشتاليين، أو يقومون باقتحامها وتخريبها. ومن ثم فقد بدأ ابن الأحمر بمفاوضة ملك قشتالة وكان فرناندو الثالث يصر على أن يكون أساس التفاهم مبدأً واحداً لا سبيل إلى تغييره، هو وجوب خضوع ابن الأحمر لسيادته، والاعتراف بطاعته. ولم ير ابن الأحمر محيصاً عن قبول هذا الشرط المؤلم، فسار بنفسه إلى المعسكر القشتالي تحت أسوار مدينة جيان، وقدم طاعته إلى ملك قشتالة. وعقدت بين الملكين معاهدة سلام وتحالف، خلاصتها أن تسلم مدينة جيان وأعمالها في الحال إلى ملك قشتالة، وأن يحكم ابن الأحمر مملكة غرناطة وسائر أراضيها، باعتباره تابعا لملك قشتالة، بكل ما يستتبعه هذا الاعتراف من فروض، ومنها أن يتعاون ابن الأحمر مع قشتالة في الحرب وفي السلم، وأن يشهد اجتماع الكورتيس (مجلس قشتالة النيابى)، وأخيراً أن يؤدي ابن الأحمر إلى ملك قشتالة جزية قدرها مائة وخمسون ألف مرافيدى تؤدى خلال عشرين عاما، وهي المدة التي اتفق أن يعقد خلالها السلم والتهادن بين الفريقين. وتم عقد هذه المعاهدة في أوائل سنة ١٢٤٦ م (أواخر سنة ٦٤٣ هـ) (١). وعلى أثر ذلك دخل القشتاليون مدينة جيان العظيمة، وحول مسجدها الجامع

стр. 2192

في الحال إلى كنيسة، وغادرها معظم أهلها المسلمين، وتفرقوا في قواعد الأندلس الجنوبية. ولما تم احتلال الجند النصارى للمدينة، دخلها ملك قشتالة، في موكب فخم، وشهد القداس الذي أقيم في جامعها ابتهاجاً بالنصر، ووزع دور المدينة على أكابر الفرسان، ومعظمهم من جماعة فرسان شنت ياقب، وجماعة فرسان قلعة رباح. وكانت جيان من مراكز العلوم والآداب بالأندلس، وإليها ينتسب عدد كبير من العلماء والأدباء، ومنهم الحافظ أبو علي الجيانى، والفقيه أبو ذر مصعب ابن محمد بن مسعود الخشنى. ومما أنشده بعض أهل جيان عند الخروج منها هذان البيتان: أودعكم أودعكم جيّاني ... وأنثر عبرتى نثر الجمان وانى لا أريد لكم فراقا ... ولكن هكذا حكم الزمان (١) ونزل ابن الأحمر للقشتاليين، عدا جيان، عن أرجونة بلده ومثوى أسرته، وعن بركونة وبيغ والحجار، وكذلك نزل إليهم عن أرض الفرنتيرة لعجزه عن الاحتفاظ بها (٢). وهكذا اشترى ابن الأحمر سلامته، وسلامة مملكته وأراضيه بهذا الثمن الفادح، وارتضى بالأخص أن يضحى باستقلاله السياسي وهيبته الملوكية إلى حين، وذلك لكي يأمن شر عدوان خصمه القوي القاهر، ولكى يتفرغ إلى تنظيم مملكته وإلى توطيد سلطانه الداخلي (٣). - ٢ - كان من الواضح، في تلك الآونة، بعد أن توالى سقوط قواعد الأندلس الكبرى، الشرقية والوسطى: قرطبة وبلنسية وشاطبة، ودانية، وبياسة، وأبدة وجيان، وكثير غيرها، وذلك كله في فترة قصيرة لا تعدو عشرة أعوام، أن الأندلس الكبرى قد انهارت دعائمها، وتحطمت منعتها، وقواها الدفاعية، وأنه باستثناء القواعد الجنوبية التي اجتمعت في ظل مملكة غرناطة، والتي يسيطر عليها

стр. 2193

ابن الأحمر، لم يبق من قواعدها الكبرى دون فتح، سوى مدينة إشبيلية العظيمة وأحوازها، والقواعد القريبة منها في الشرق والغرب والجنوب. كانت إشبيلية بعد قرطبة، هي التي تجذب عندئذ أنظار ملك قشتالة، وأنظار الأحبار وجماعات الفرسان النصارى، وهم الذين كانوا يفوزون من غنائم المدن المفتوحة، بأعظم قسط. ولكن إشبيلية لم تكن هدفاً سهل المنال، ولم تكن مثل قرطبة مجردة من وسائل الدفاع، وكانت خطوطها الدفاعية الأمامية، ماتزال تدعمها طائفة من القواعد والحصون القوية، التي كان لابد من إخضاعها قبل الإقدام على منازلة إشبيلية ذاتها. وكانت إشبيلية مذ عمت الفتنة أرجاء الأندلس، وتوالت الثورة ضد الموحدين في مختلف القواعد، تتولى مصايرها بنفسها، وترسم لنفسها خطة قيادتها وحكمها. وكانت باعتبارها أعظم حواضر الأندلس في ذلك العصر، وباعتبارها مركز الحكم الموحدي بالأندلس، تتخذ مركز القيادة في تصرفاتها واتجاهاتها، وقد لبثت تحتفظ بهذه الصفة، حتى قيام أبي العلى المأمون بها، واتخاذه لقب الخلافة، وذلك في سنة ٦٢٤ هـ، ثم مغادرته لها ليعبر إلى العدوة، وذلك في أواخر سنة ٦٢٦ هـ (أواخر سنة ١٢٢٨ م). ولما قام ابن هود بثورته في شرقي الأندلس، وبزغ نجمه، وأطاعته معظم القواعد الشرقية والوسطى، خلعت إشبيلية طاعة الموحدين، ونادت بطاعته، وولي عليها أخاه عماد الدولة. ولكن أهل إشبيلية لم يلبثوا طويلا على طاعته، فنكثوا ببيعته، وأخرجوا أخاه من المدينة، والتفوا حول قاضيهم ابن مروان الباجى، وذلك في سنة ٦٢٩ هـ. ولما قوي أمر ابن الأحمر أمير جيان يومئذ في المنطقة الوسطى، واشتدت المنافسة بينه وبين ابن هود، تفاهم ابن الأحمر مع الباجى، وتحالف الإثنان على قتال ابن هود، وهزماه على مقربة من إشبيلية (٦٣١ هـ)، ودخل ابن الأحمر إشبيلية، وغدر بحليفه الباجى، ودس عليه من قتله، فثار به أهل إشبيلية، وأخرجوه منها، ونادوا بطاعة ابن هود مرة أخرى. ولما توفي ابن هود في أوائل سنة ٦٣٥ هـ، وانهارت بوفاته دعوته في معظم القواعد، رأى أهل إشبيلية أن يعودوا إلى طاعة الدولة الموحدية. وكان زعيمهم عندئذ الفقيه أبو عمرو بن الجد، وهو حفيد الحافظ الشهير أبي بكر بن الجد، وبعث أهل إشبيلية بدعوتهم وفداً إلى الخليفة الرشيد بمراكش، وقدموا للولاية عليهم

стр. 2194

السيد أبا عبد الله بن السيد أبي عمران، وأقره الرشيد في منصبه، وهكذا عادت الحاضرة الأندلسية الكبرى إلى الانضواء تحت لواء الخلافة الموحدية. على أن هذا العود إلى طاعة الخليفة الموحدي لم يكن سوى مسألة شكلية فقط، وكان حكم المدينة الفعلي باقيا بيد زعيمها القوي ابن الجد. وكانت إشبيلية في الواقع منذ اضطرب أمر الموحدين، وعمت الفتنة أرجاء الأندلس، تتمتع في إدارة شئونها بنوع من الإستقلال المحلي، وذلك بالرغم من انضوائها تحت لواء هذا الأمير أو ذاك. ثم إن هذا العود لم يطل أمده، ذلك أن أحوال الخلافة الموحدية وما كان يضطرم حول عرش مراكش من الخلافات والحروب، كان نذيراً بانحلال الدولة الموحدية وتضعضع قواها، وعجزها عن أن تنجد الأندلس وقت الخطر الداهم. ومن جهة أخرى، فقد كانت الدولة الحفصية التي قامت بإفريقية على أنقاض سلطان الدولة الموحدية، وأخذ نجمها يبزغ في الأفق، تبدو بما تتمتع به من القوي والموارد والفتوة، ملاذاً أفضل وأقدر على تأدية رسالة المغرب القديمة في إنجاد شبه الجزيرة، وكانت مبادرة أميرها أبي زكريا الحفصى إلى إنجاد بلنسية، حينما دهمها النصارى استجابة لصريخ أميرها أبي جميل زيان سنة ٦٣٦ هـ، ماتزال بالرغم من إخفاقها في تحقيق الغاية المنشودة، مثلا يضرب في الشهامة والوفاء، والجهاد في سبيل الله. ومن ثم فقد انتهى أهل إشبيلية بتوجيه زعيمهم أبي عمرو ابن الجد، إلى خلع طاعة الخلافة الموحدية، والاتجاه إلى الدولة الحفصية، وإعلان بيعتها. وكان لهم في ذلك أسوة، بما قام به ابن الأحمر نفسه في بداية أمره، وما قام به أبو جميل زيان أمير بلنسية، من مبايعة الدولة الحفصية والانضواء تحت لوائها. وعقد أهل إشبيلية بيعتهم للأمير أبي زكريا يحيى الحفصي في سنة ٦٤٣ هـ (١٢٤٥ م)، وبعثوا بها إلى تونس مع وفد من كبرائهم. وفي نفس هذا العام أعلن أبو علي بن خلاص صاحب سبتة بيعته أيضاً إلى الأمير أبي زكريا، وبعث بها مصحوبة بهدية إلى الأمير مع ولده في سفينة خاصة، فغرقت باليم بمن فيها. ولما وصل وفد إشبيلية إلى تونس، وعلم بأمر بيعة سبتة، استقبل الأمير أبو زكريا البيعتين بمنتهى الارتياح، وندب للولاية على سبتة ابن الشهيد الهنتاني، وعلى أشغالها ابن أبي خالد البلنسى، وندب لولاية إشبيلية ابن أخيه أبا فارس عبد العزيز ابن الشيخ أبي حفص لكي يستقر في قصبتها، ويشرف على شئونها إلى جانب

стр. 2195

ابن الجد (١) ووجه الأمير إلى أهل إشبيلية بتاريخ العاشر من محرم سنة ٦٤٦ هـ رسالة، يعرب فيها عن اغتباطه ببيعتهم، ويعدهم بأن يمهد لهم سبل إصلاح شئونهم، وتوفير أمنهم وسلامتهم، والبدار إلى إنجادهم عند النوائب والخطوب، وأن يثقوا بنصر الله وإمداده (٢). وعاد وفد إشبيلية بعد إتمام مهمته، في تقديم البيعة للأمير الحفصي، وصحبهم الوالي وبعض رجاله والقائم بالأعمال، ووصلوا في جملة من السفن إلى إشبيلية، وهنالك قام أولئك النفر من أهل إفريقية بارتكاب ضروب من الفساد والأمور الشنيعة " التي لا يمكن ذكرها ". فأخرجهم أهل إشبيلية من مدينتهم، وقتلوا ابن الجد، إذ كان هو السبب فيما حدث، وأدى إلى مقدم هؤلاء القوم المفسدين. وتزيد الرواية على ذلك، أن مقتل ابن الجد كان سببا في زحف النصارى على إشبيلية وحصارهم لها، إذ كان ملك قشتالة مصادقا لابن الجد " ومصالحا له على المسلمين " فلما قتل فسد هذا الصلح، وقام النصارى بحصارهم (٣). على أن ذلك لم يكن وحده سبباً في قيام الثورة التي أودت برياسة ابن الجد وحياته، ذلك أنه كان لابن الجد خصوم ومنافسون أقوياء، وكان من أخطاء ابن الجد، أنه طرد أولئك الخصوم من ديوان الحكم، وأخرج بعضهم من قيادة الجيش، فنظمت المؤامرة، وقامت الثورة. وكان أبرز زعمائها القائد شقاف وهو الذي تسميه الرواية الإسلامية " بقائد الفحص شقّاف " (٤) وتسميه الرواية النصرانية Axataf. وفي الحال تولى الزعماء الجدد الرياسة، وأعلنوا بطلان المعاهدة التي عقدها ابن الجد مع النصارى، وجددوا الدعوة إلى طاعة أمير إفريقية الحفصى، وانضواء إشبيلية تحت لوائه (٥). - ٣ - وأما حقيقة هذه العلاقات التي كانت قائمة بين ابن الجد وبين فرناندو الثالث ملك قشتالة، والتي كانت كفيلة بقيام التهادن بينه وبين النصارى، وتأمين سلام

стр. 2196

إشبيلية، فمردها إلى معاهدة كانت قد عقدت بين ابن الجد باعتباره صاحب إشبيلية أو أميرها، وبين ملك قشتالة، على نمط المعاهدة التي عقدت بين هذا الملك وبين ابن الأحمر، وخلاصتها أن يعترف بطاعة ملك قشتالة، وأن يؤدي إليه الجزية. وأن يشهد اجتمعات " الكورتيس " باعتباره من أتباعه، وأن يقدم إليه العون متى طلب إليه ذلك. وربما كانت تتضمن فوق ذلك، تعهده بتسليم بعض المواقع والحصون في منطقة إشبيلية. وقد رأينا فيما تقدم أنه لم يكن يكفل سكون ملك قشتالة المؤقت، ومسالمة الزعماء المسلمين سوى هذه العهود وأمثالها. فلما قتل ابن الجد، وانقلب أهل إشبيلية إلى مخاصمة النصارى، غضب ملك قشتالة لما حدث، وأبدى امتعاضه لمقتل صديقه ابن الجد (١). وكان زعماء إشبيلية الجدد، قد أدركوا غير بعيد، ما قد يؤدي إليه مخاصمة النصارى من سيىء العواقب، فحاولوا السعى في تجديد الهدنة مع ملك قشتالة، ولكن فرناندو الثالث لم يرد أن يعقد التفاهم مع زعماء إشبيلية الجدد، وبالعكس فقد كان يرى أن يتخذ مصرع ابن الجد ذريعة للتدخل والانتقام، وأن هذا هو الطريق المفضل عندئذ للتصرف والعمل، وأن الوقت حان لكي ينهض إلى افتتاح إشبيلية، خصوصاً وقد أصبحت الحاضرة الأندلسية العظيمة، معزولة، لا تستطيع أن تعتمد على أية معاونة عاجلة، لا من ملك غرناطة، وقد خضع لملك قشتالة، ولا من الموحدين، وقد نكثت إشبيلية ببيعتهم غير مرة، ولا من أمير إفريقية، بعد الذي حدث نحو عماله. وهكذا استقر الأمر على غزو إشبيلية وانتهى السلم الذي كان معقوداً بينها وبين القشتاليين (٢). على أن افتتاح إشبيلية كبرى حواضر الأندلس، وهي أزخرها سكاناً، وأمنعها جانبا، وأكثرها حصوناً وقلاعاً، كان يقتضى أهبات خاصة. ومن جهة أخرى، فإن أخذها بالحصار، لم يكن أمراً ميسوراً، إذ كانت تقع في منطقة كثيرة الخصب والنماء، وكان اتصالها بالبحر عن طريق نهر الوادي الكبير، يمكنها من تلقى الأمداد والمؤن من عدوة المغرب. ومن ثم فإنه كان من الواجب إذا استقر الأمر على أخذها بالحصار، أن تخضع أولا سائر حصونها الأمامية من سائر النواحي، وثانيا أن تخرب سائر بسائطها الخضراء التي تمدها بالمحاصيل

стр. 2197

والمؤن، وثالثا أن تحكم محاصرتها من ناحية البحر بالسفن حتى لا يتسرب إليها شىء من الأمداد من وراء البحر. وقد انتهى ملك قشتالة، بعد التشاور مع أكابر قادته وفرسانه، بأن قرر أن يلتجىء إلى وسيلة الحصار لإخضاع الحاضرة الأندلسية الكبرى، وأن يسير سفنه من الثغور الشمالية إلى مصب الوادي الكبير، ليحول دون تلقى المسلمين لأية أمداد أو مؤن تأتى من عدوة المغرب. وفي خريف سنة ١٢٤٦ م (أوائل سنة ٦٤٤ هـ) حشد ملك قشتالة بعض قواته، ولاسيما من فرسان شنت ياقب وفرسان قلعة رباح، وجيش قرطبة، وسار في قواته صوب إشبيلية، وعبر الوادي الكبير تجاه قرمونة، وأخذ ينتسف زروع هذه المنطقة ويخرب ضياعها، ويأسر من يلقى من المسلمين. وهنالك على مقربة من قرمونة، وافاه ابن الأحمر حليفه وتابعه في قوة قوامها خمسمائة فارس، مقدماً عونه وفقاً لعهوده. وسارت القوات المشتركة جنوبا نحو قلعة جابر (١) حصن إشبيلية من الجنوب الشرقي، وانتهى ابن الأحمر بإقناع حاميتها الإسلامية بتسليمها حقنا للدماء، وصونا للأموال والأرزاق، وتسلم فرناندو الثالث القلعة، ووضع بها حامية نصرانية، وأخذ النصارى في إصلاحها وتحصينها (٢). وبعث فرناندو بعد ذلك بعض قواته بقيادة أخيه دون ألفونسو وبلاى كوريا أستاذ فرسان شنت ياقب، لكي تعبر الوادي الكبير غربا، وتقوم بتخريب فحص الشّرف الممتد أمام إشبيلية، وبعث حملة مشتركة من قوات غرناطة وقشتالة وفرسان قلعة رباح، لتسير جنوبا، ولتقوم بتخريب فحص شريش. وفي الوقت الذي كانت تقوم فيه هاتان الحملتان كل بمهمتها، ورد على ملك قشتالة نبأ وفاة والدته، فأمر باختتام الغزو، وصرف ملك غرناطة، في قواته، وسار إلى قرطبة ومنها إلى جيان، وهنالك قضى جانبا من الشتاء. وكانت هذه أول مرحلة في افتتاح إشبيلية. وفي أثناء ذلك كان أمير البحر رامون بونيفاس، قد حشد في ثغور كنتبريا أسطولا قويا، وشحنه بالبحارة والجند والمؤن. وحصل فرناندو من البابا على قرار بأن تخصص الكنيسة القشتالية والليونية ثلث إيراداتها للمساهمة في نفقات الحرب. ولما تمت هذه الأهبة سار

стр. 2198

خريطة: قطاع إشبيلية وأحوازها ومواقع الغزو القشتالي ٦٤٤ هـ - ١٢٤٦ م

стр. 2199

فرناندو إلى قرطبة، وهي التي اتخذها مركزاً لتجهيز الحملة (صيف سنة ١٢٤٧ م) وهنالك احتشدت قوات جماعات الفرسان الدينية، وقوات ليون وبطليوس وغيرها، وسير فرناندو بعض قواته إلى قرمونة، وهي أمنع حصون إشبيلية الأمامية من ناحية الشمال الشرقي، فخربت سائر البسائط المحيطة بها، ثم لحقت بها بعد ذلك قوات أخرى من مختلف ولايات قشتالة، وتزيد الرواية النصرانية على ذلك أن قوات غرناطة، كانت ضمن الحشود الوافدة على قرمونة، وهو ما يعنى اشتراك ابن الأحمر في جيش الغزو القشتالي لإشبيلية (١). والواقع أن الرواية الإسلامية حسبما نرى بعد، تؤيد وجود ابن الأحمر وجنده، تحت أسوار إشبيلية إلى جانب القوات القشتالية المحاصرة (٢). وطوق النصارى قرمونة بحشود ضخمة، فلما رأى أهل قرمونة ضخامة هذه الحشود، وأيقنوا بعبث الدفاع، عرضوا تسليم المدينة بعد ستة أشهر، إذا لم تصلهم خلالها نجدة ما، فقبل ملك قشتالة هذا العرض، ثم سار في قواته صوب إشبيلية من طريق شمالية بحذاء الوادي الكبير، واستولى في طريقه على لورة بالأمان، واعترف أهلها بطاعته، ثم سار بعد ذلك إلى قنطلانة، الواقعة شمالي إشبيلية على الوادي الكبير، وهاجمها، واقتحمها عنوة، وأسر منها سبعمائة مسلم، وقصد بعد ذلك إلى غليانة، فسلم أهلها اعتباراً بما حدث لقنطلانة، وكذلك سلمت جرينة القريبة منها، وبعث فرناندو بعد ذلك قوة إلى بلدة القلعة الحصينة الواقعة على الوادي الكبير (٣)، على مقربة من شمالي إشبيلية، فصمدت حاميتها وصممت على المقاومة. وكان أهل إشبيلية قد شحنوها بالجند والمؤن تقديراً لأهميتها في الدفاع عن المدينة. واضطر فرناندو أن يحاصرها، وضربها القشتاليون بالآلات، وخرجت حاميتها غير مرة لتشتبك مع النصارى في معارك عنيفة، وقام النصارى بتخريب سائر ما حولها من الكروم والزروع، وأخيرا رأى قائد الحصن أبو الحسن بن أبي على حاكم قرمونة السابق، أنه من العبث أن يستمر في الدفاع على هذا النحو، فاتفق مع ملك قشتالة على أن ينسحب في جنده، وهم ثلاثمائة فارس إلى إشبيلية، وأن

стр. 2200

تسلم المدينة بالأمان، وفقاً لأفضل الشروط الممكنة، وهكذا سقطت القلعة، وبسقوطها أصبحت سائر الحصون الأمامية لإشبيلية من جهة الشرق والشمال، والغرب كلها في أيدي القشتاليين (١). ونستطيع أن نتصور الدور الذي قام به ابن الأحمر ملك غرناطة في معاونة ملك قشتالة على إخضاع هذه المجموعة الكبيرة من البلاد والحصون الهامة، منذ قرمونة حتى القلعة، وذلك بإقناع أهلها والمدافعين عنها بالتسليم بالأمان، وإقناع ملك قشتالة من جهة أخرى بالتساهل في شروط التسليم، على أن دور الزعيم المسلم لم يقف عند هذا الحد، بل تعداه كما سنرى إلى معاونة النصارى ومؤازرة جهودهم ضد المسلمين، بطريقة إيجابية فعالة. - ٤ - وهنا وبعد أن جردت إشبيلية من سائر حصونها الأمامية وخطوطها الدفاعية الأولى، يأتى دور المرحلة الأخير في افتتاح الحاضرة الأندلسية الكبرى، ولم تكن هذه المرحلة سوى محاصرتها وإرهاقها، حتى ترغم على التسليم. وبدأ التمهيد للحصار بمقدم الأسطول النصراني بقيادة رامون بونيفاس، وكان يتألف من ثلاث عشرة سفينة كبيرة وعدة أخرى صغيرة، مشحونة بالرجال والمؤن، ودخوله إلى مياه مصب الوادي الكبير، وتخصيص قوة برية لمؤازرته على إحكام حصار المدينة من ناحية البحر، وثانيا على رد أية قوات تأتى لمناجزته، سواء من طنجة أو سبتة أو إشبيلية. وغادر فرناندو بلدة القلعة في قواته جنوبا إلى إشبيلية، وذلك في الخامس عشر من أغسطس سنة ١٢٤٧، وأخذ يضع خطته لتنظيم الحصار. ولم يكن حصار إشبيلية أمراً سهلا، وكان لابد لتحقيقه من تعاون سائر القوات البرية والبحرية، ومن جهة أخرى فقد كان من الضروري أن يعمل حساب لهجمات المسلمين على مختلف القوات النصرانية، وقد كانت إشبيلية تموج بقوات مدافعة زاخرة حسنة الأهبة، وكانت مشحونة بكميات وافرة من الطعام توقعاً لحدوث هذا الحصار، وكان من حسن الحظ أن استطاع أهل المدينة أن يجمعوا محاصيل فحص الشرف قبل مقدم النصارى. وكانت مهمة القشتاليين في المرابطة على ضفة الوادي الكبير،

стр. 2201

لحماية أسطولهم من الهجمات الفجائية من الأمور الشاقة، إذ كانت حامية حصن الفرج الإسلامية، وهو حصن إشبيلية الجنوبى الواقع على النهر، تهدد القوات القشتالية المرابطة على النهر باستمرار، وفضلا عن ذلك فقد كان طريق الشرف مفتوحا أمام ابن محفوظ صاحب لبلة، وكان بوسعه أن يفاجىء القشتاليين في أية لحظة. وفي الوقت الذي كان فيه ملك قشتالة يمهد لتنفيذ خطته في حصار إشبيلية، كان أهل إشبيلية من جانبهم يستعدون للذود عن مدينتهم بكل ما وسعوا. وقد سجل لنا التاريخ، ولاسيما عن طريق الرواية النصرانية، عن دفاع أهل إشبيلية، صحفاً رائعة من البسالة والتضحية. ولكن الرواية الإسلامية، لا تقدم إلينا مع الأسف تفاصيل شافية عن هذا الدفاع. بل هي لا تذكر لنا سوى القليل عن الزعماء الذين قادوا هذه المعركة الدفاعية المجيدة، التي استطالت خمسة عشر شهراً. فهى لا تعرفنا بشىء عن القائد شقّاف وزملائه، يحيى بن خلدون، وابن شعيب، ومسعود بن خيار، وهم زعماء إشبيلية، الذين ألقى القدر عليهم تبعة السهر على مصايرها، في تلك الفترة الدقيقة، وكل ما هنالك أنها تحدثنا عن شقاف في كلمة عابرة، وتصفه " بقائد الفحص شقاف المشهور، الذي كان السبب مع قضاء الله تعالى في دخول النصارى مدينة إشبيلية " (١). وتحدثنا الرواية النصرانية عن زعماء إشبيلية وقت حصارها، فتذكر منهم شقاف وهو لديها Axataf، وتسميه أحيانا أبو الحسن الشقاف، والرئيس ابن شعيب (٢). وإذا فلابد لنا أن نعتمد في استقاء تفاصيل الأحداث التي اقترنت بمصير إشبيلية الأخير، وكذلك أعمال الزعماء الذين قادوها عندئذ، بالأخص على أقوال الرواية النصرانية. وبدأ حصار إشبيلية في النصف الثاني من أغسطس سنة ١٢٤٧ م (جمادى الأولى سنة ٦٤٥ هـ)، وتقاسمت الكتائب القشتالية والليونية والجليقية، وغيرها من القوات النصرانية، مناطق الحصار، وضرب فرناندو الثالث محلته جنوبا على ضفة نهر الوادي الكبير، قريباً من سفن الأسطول النصراني، ولكنه اضطر إزاء هجمات المسلمين العنيفة، أن ينقل محلته إلى مكان قريب يسمى " بتلاطة ". واحتل الأسطول النصراني مياه مصب الوادي الكبير، وكانت مهمته

стр. 2202

خريطة: حصار إشبيلية ٦٤٥ - ٦٤٧ هـ = ١٢٤٧ - ١٢٤٨ م. محلات الجيوش النصرانية المحاصرة

стр. 2203

الأولى هي أن يمنع ورود الأمداد والمؤن على المدينة من طريق البحر. ولم يأت يوم ٢٠ أغسطس، حتى كانت إشبيلية قد طوقت من كل ناحية، سواء من البر أو البحر. وكان من الأحداث المؤلمة التي تنفطر لها النفس، وجود ابن الأحمر أمير غرناطة على رأس قوة من فرسانه، إلى جانب القوات النصرانية المحاصرة، وذلك وفاء بتعهداته لملك قشتالة، وكان يرابط بقواته إلى جانب فرسان شنت ياقب جنوبي حصن الفرج، وهكذا كان هذا الأمير المسلم يشترك مع أعداء أمته ودينه في تطويق الحاضرة الإسلامية، ومحاولة افتتاحها، وتشريد أهلها وسحق دعوة الإسلام بها. ويفسر لنا ابن خلدون هذا التصرف المشين من جانب الأمير المسلم، بأن ابن الأحمر كان يرمى بمعاونة النصارى على هذا النحو، إلى الانتقام من أهل إشبيلية، لأنهم خذلوه ونكلوا عن طاعته، وأخرجوه من المدينة (١). على أن ذلك لم يكن يعنى أن المدينة، قد قطعت سائر علائقها الخارجية أو أنها عدمت وسائل الاتصال، ولاسيما مع عدوة المغرب. فمن الحقائق التي تسجلها الرواية النصرانية أنه في الوقت الذي يرابط فيه الأسطول النصراني في مياه الوادي الكبير، كان يوجد في نفس المياه عدد من السفن الإسلامية، ومعظمها في الغالب سفن مغربية، قدمت من مياه سبتة وطنجة، وأن اتصال إشبيلية بوادي الشرف، كان مكفولا عن طريق حصنها الغربي طريانة الذي تربطها به عبر الوادي الكبير قنطرة من السفن المثبتة بسلاسل حديدية ضخمة. وكانت المؤن مازالت بالرغم من الحصار، ترد على المدينة المحصورة، من العدوة، ومن الشرف، وغربى الأندلس، وكان أهل إشبيلية، لاطمئنانهم إلى حالة التموين يحصرون اهتمامهم في مقاتلة النصارى، والاشتباك معهم كلما سنحت الفرص. وقد نظم المسلمون غير كمين للإيقاع بالنصارى، وأصيب النصارى بالهزيمة غير مرة، ومنى منهم فرسان القنطرة وقلعة رباح، بخسائر فادحة، وخرج المسلمون في قوة كبيرة، هاجمت المحلة الملكية، فردتها قوات ولى العهد ألفونسو والإنفانت إنريكى، فعادت إلى المدينة بعد أن تكبدت بعض الخسائر. وكان النصارى خلال الحصار يخرجون إلى القرى والضياع المجاورة، ويقومون بتخريبها وانتهابها، ومن ذلك أنهم اقتحموا منية البحيرة الغاصة بالحدائق، والرياض، الواقعة في جنوب شرقي المدينة، والتي كان قد أنشأها الموحدون،

стр. 2204

وعاثوا فيها، ونهبوا الماشية والمتاع والثياب، وقتلوا من كان بها من المسلمين، وأحرقوا دورها، وفعلوا مثل ذلك بربض مقرينه، الواقع في شمالها الشرقي. وأما، في مياه مصب الوادي الكبير، فقد كانت مهمة الأسطول النصراني، وهي قطع الإمداد والمؤن عن المدينة، من طريق البحر، مهمة شاقة، وكانت السفن الإسلامية التي وردت من مياه طنجة وسبتة، تثير في وجه السفن النصرانية، صعابا جمة، وكانت تفسح الطريق للأمداد والمؤن الواردة من العُدوة، وتعمل على حمايتها، حتى تجد سبيلها إلى المدينة، وقد حاول البحارة المسلمون فوق ذلك أن يحرقوا السفن النصرانية بالنار اليونانية، واقتربوا منها بالفعل، تحميهم من ضفة النهر بعض حشود من الجند، وأمامهم مواعين مملوءة بالزيت والمواد الملتهبة ولكن النصارى فطنوا إلى المحاولة، وهاجموا المسلمين من البر والبحر، فلجأ الجند الذين بالشاطىء إلى قلعة طريانة، ونشبت بين سفن الفريقين معركة شديدة، واستطاع المسلمون أن يقذفوا موادهم الملتهبة، ولكن النصارى استطاعوا أن يخمدوا النار قبل اندلاعها. وهكذا فشلت المحاولة، ولكن المعارك البحرية الجزئية كانت تضطرم بين الفريقين باستمرار. وفي ربيع سنة ١٢٤٨ م، وفدت على المعسكر النصراني طوائف كثيرة من الجند، منها قوة من فرسان قشتالة، بقيادة ولى العهد ألفونسو، وقوة من فرسان قطلونية، بقيادة ألفونسو ولى عهد أراجون، وقوة من الفرسان البرتغاليين بقيادة بيدرو ولى عهد البرتغال، وقوة من جند بسكونية وقشتالة القديمة بقيادة لوبيث دي هارو، وكذلك قدم يوحنا مطران شنت ياقب في قوة من جند جلّيقية، قدمت حشود أخرى من مدينة سالم، ومدلين، وقورية، وغيرها، ووفد كثير من الأساقفة والرهبان، وفرسان الجماعات الدينية، وانضمت هذه الحشود الجديدة، إلى القوات المحاصرة، في مختلف مناطق الحصار، وهكذا عزز الحصار حول إشبيلية، وأحكمت حلقاته، وعول ملك قشتالة، أن يلجأ إلى الوسيلة، المأمونة المؤكدة، وهي إرهاق المدينة بأقصى ما يستطاع، وإرغامها على التسليم بالجوع والحرمان. وكان قد مضى على حصار النصارى لإشبيلية زهاء تسعة أشهر وهي صامدة، تزداد ثباتا وإصراراً على مدافعة النصارى، ولكنها مذ أحكمت حولها حلقات الحصار، أخذت تشعر بالضيق يدب إليها حثيثاً، وشبح الجوع يقترب منها شيئاً فشيئاً. ولم يبق لديها عندئذ سبيل للتنفس البطىء سوى طريانة، قلعتها

стр. 2205

الجنوبية الغربية المشرفة على الشّرف. وهنا كرر أهل إشبيلية صريخهم إلى المغرب، وإلى سائر أمرائه وزعمائه، يصفون محنتهم الغامرة، ويلتمسون الغوث والإنجاد قبل فوات الوقت. وكان مما نظمه في هذه المناسبة شاعر إشبيلية يومئذ، إبراهيم ابن سهل الإشبيلي الإسرائيلى قصيدة مؤثرة، يستصرخ فيها أهل العدوة، ويستحثهم على المبادرة إلى نصرة إخوانهم في الدين وفيها يقول: ورداً فمضون نجاح المصدر ... هي عزة الدنيا وفوز المحشر نادى الجهاد بكم بنصر مضمر ... يبدو لكم بين القنا والضُّمر خلوا الديار لدار عز واركبوا ... عبر العجاج إلى النعيم الأخضر وتسوغوا كدر المناهل في السرى ... ترووا بماء الحوض غير مُكدّر يا معشر العرب الذين توارثوا ... شيم الحميّة كابرا عن أكبر إن الإله قد اشترى أرواحكم ... بيعوا ويهنئكم وفاء المشترى أنتم أحق بنصر دين نبيكم ... ولكم تمهد في قديم الأعصر أنتم بنيتم ركنه فلتدعموا ... ذاك البناء بكل لون أسمر (١) ونظم أبو موسى هرون بن هرون قصيدة طويلة، يصف فيها محنة أهل إشبيلية حينما طوقها النصارى، وما نزل بأهلها من صنوف الآلام والخطوب، ويهيب فيها بأهل العُدوة أن يبادروا إلى إنجادها، وتدارك أهلها، وقد جاء في أولها: يا حمص أقصدك المقدور حين رما ... لم حق فيك الردى إلا ولا ذمما جرت عليك يد الدهر ظالمة ... لا يعدل الدهر في شىء إذا حكما ما كنت أحسب أن الحادثات إذا ... همت بك السوء لا تلقى لك السلما قد كان حسنك فتان الشباب فمذ ... أصبت عوضت منها القبح والهرما يا جنة زجرتنا عن زخارفها ... ذنوبنا فلزمنا البت والندما ومنها في وصف الحصار ومصائبه، واستنهاض همم أهل العدوة: ويمموا حمص في جمع يضيق به ... ذرع الفضا بالمرهفات الماع فاكتتما واستوطنوا القبر في الوادي وقام لهم ... جسر منه الفلك لا تشكو به السأما فكم أسارى غدت في القيد موثقة ... تشكوا من الذل أقداما لها حطما

стр. 2206

وكم صريع رضيع ظل مختطفا ... عن أمه فهو بالأمواج قد فطما وكم بطريانة أبقى الأسبى ندبا ... في القلب يبعث وجدا كلما كلما يا حسنها عرف للحسن جامعة ... ما طار قط لها إلا النعيم جما يا عين فابك على حمص وقل لها ... منك البكاء إذا ما ترسليه دما وقد أصيبت بها الدنيا وساكنها ... حقاً وأصبح ركن الدين قد ثلما سطا بها الكفر إذ قل النصير بها ... فمن معز بها الإسلام ما سلما يا أهل وادي الحما بالعدوة انتعشوا ... هذا الذماء فقد أشفى به سقما فماذا يبطئكم عنا وحولكم ... أن تبصروا دار قوم أصبحت رمما وحقنا واجب فالدين يجمعنا ... مع الجوار الذي مازال منتظما وقد دعونا فأسمعنا على كثب ... بما قد استنفد القرطاس والقلما (١) وكان الاستيلاء على قلعة طريانة حصن إشبيلية من الجنوب الغربي، أهم ما يشغل بال النصارى، وكان لابد قبل محاولة الاستيلاء عليها أن تحطم القنطرة القوية الضخمة، التي تربطها بإشبيلية عبر الوادي الكبير، عند برج الذهب. وكانت هذه القنطرة، تتكون حسبما قدمنا، من مجموعة من السفن المثبتة بسلاسل ضخمة من الحديد. وهذا ما اعتزمه النصارى بالفعل. وجهز بونيفاس قائد الأسطول النصراني لهذا الغرض مركبين كبيرين، وركب في إحداهما. ودُفع المركبان نحو القنطرة، فنجحت إحداهما في قطع السلاسل الحديدية، وإحداث ثغرة في القنطرة، وأسرع الملك فرناندو في قوة كبيرة ليحمى بونيفاس ومركبه، وليحقق الفصل بين المسلمين في طريانة، وأهل المدينة، ووقع ذلك الحادث في اليوم الثالث من مايو سنة ١٢٤٨ م. وكان تحطيم القنطرة على هذا النحو ضربة شديدة للمسلمين، إذ ترتب عليه الفصل بين قلعة طريانة، وبين المدينة، وقطع طريق الشّرف، وهو الملاذ الأخير الذي كان باقيا للمحصورين، لاستيراد الأقوات والمؤن، بعد أن أضحى طريق النهر محفوفاً بأعظم المخاطر. كما ترتب عليه عزل طُريانة وتعرضها لخطر هجوم النصارى. وهذا ما عول عليه النصارى بالفعل على أثر تحطيم القنطرة.

стр. 2207

على أن الاستيلاء على طريانة لم يكن مهمة سهلة. ذلك أن المسلمين كانوا على حذر، وكانوا يدركون أهمية طريانة الدفاعية، وكانوا لذلك قد شحنوها بالرجال والسلاح والمؤن، ورتبوا بها بالأخص جماعة من الرماة يستطيعون إصابة الفرسان بقذائفهم عن بعد. ومن ثم فإنه لما هاجمها النصارى بقوات كثيفة استطاعت حاميتها القوية أن تحطم هذا الهجوم الأول بسرعة، وعندئذ كرر النصارى هجومهم بشدة، والمسلمون يحبطون كل محاولة، وكان بالقلعة عندئذ زعيم إشبيلية الأول القائد شقاف. ولما تكرر فشل النصارى في اقتحام القلعة اقترب منها فرناندو بقواته، ودفع الحفارين إلى السور لإحداث ثلمة به، ولكن المسلمين نجحوا أيضاً في إحباط هذه المحاولة، وعندئذ عمد النصارى إلى محاصرة القلعة براً وبحراً، وضربها بمختلف الآلات، واعتزموا أخذها بالحصار، وقدمت سفنهم إلى النهر أسفل القلعة فنجحت بعد مجهود عنيف في قطع كل صلة بين طريانة وبين إشبيلية. واستمر الحصار حول إشبيلية وطريانة، وهو يشتد كل يوم، والحاضرة المحصورة تشعر بالضيق، يرهقها شيئاً فشيئاً، والنصارى يوالون ضربها بالآلات المخربة، حتى نفدت الأقوات، وأخذ الجوع يفتك بالمحصورين. ويصف ابن عذارى حالة المدينة المحصورة في قوله: " وعدموا المرافق كلها، قليلها وجليلها، إلا ما كان في بعض ديار الأغنياء مثل الفقيه القاضي ابن منظور، فإنه كان يطمع في إقلاع النصارى عن المدينة، فيأمر الناس بالقتال والرمى بالنبال، والناس مع ذلك حيارى، يمشون سكارى وما هم بسكارى. ومات بالجوع خلق كثير، وعدمت الأطعمة من القمح والشعير، وأكل الناس الجلود، وفنيت المقاتلة من العامة وأصناف الجنود " (١). وهكذا فتك الجوع والحرمان والمرض بأهل إشبيلية، وأضنتهم المعارك المستمرة بعد حصار صارم مرهق استمر خمسة عشر شهراً، وغاض كل أمل في الإنقاذ والإنجاد، فلم يتحرك الموحدون لانشغالهم بمكافحة بني مرين، وأمير إفريقية الذي اتخذ لقب الخلافة، ولم يتحرك أمير إفريقية لما سبق من موقف الإشبيليين نحو عماله، وربما أيضاً اعتباراً بما حدث من فشل محاولته لإنقاذ بلنسية، وقد كان إنجادها أقرب وأيسر. فلما بلغ الضيق أشده، طلب القائد شقاف وهو في طريانة، إلى النصارى هدنة ليتمكن

стр. 2208

من الاتصال بأهل المدينة، والتفاهم معهم على التسليم. وبحث زعماء المدينة الموقف من سائر نواحيه، واتفقوا على أن يسلموا إلى ملك قشتالة القصر وجباية المدينة، على أن لا يدفعوا من المكوس أكثر مما كانوا يدفعونه لملوكهم، ولكن ملك قشتالة رفض هذا العرض الجزئي رفضاً باتا، فعاد الزعماء وعرضوا أن يسلموا القصر وثلث المدينة، فرفض هذا العرض أيضاً. واضطر الزعماء أن يتقدموا خطوة أخرى. فعرضوا أن يسلموا نصف المدينة، بعد أن يخليه المسلمون، وأن يترك النصف الآخر للمسلمين، وأن يقام بين النصفين سور فاصل. ونصح بعض مستشارى الملك إليه بقبول هذا العرض، ولكن ملك قشتالة أصر على أن يتسلم المدينة كلها حرة ودون شروط (١). وعندئذ لم ير زعماء إشبيلية وأهلها، بدّا من قبول مصيرهم المحتوم، وجرت المفاوضة بينهم وبين ملك قشتالة في تسليم المدينة، وذلك عن طريق ممثل ملك قشتالة، دون ردريجو ألباريس، وانتهت المفاوضات بين الفريقين على أن تسلم المدينة بالشروط الآتية: أن تسلم المدينة كاملة حرة سليمة، لا يهدم من صروحها شىء، وأن يغادرها سكانها مع السماح لهم بأن يحملوا معهم كل أمتعتهم المنقولة والمال والسلاح، وأن يسلم القصر في الحال بعد إخلائه عقب وضع شروط التسليم، وأن تسلم مع المدينة سائر الأراضي التابعة لها، وأن يعطى ملك قشتالة إلى القائد شقاف، والرئيس ابن شعيب، من بلاد الشرف، شلوقه وحصن الفرج، ثم لبلة متى تم افتتاحها، واتفق على أن تُمنح لأهل المدينة مهلة لا تقل عن الشهر لتسوية شئونهم وإخلاء دورهم، والتأهب للرحيل. ولما وُقع عهد التسليم بين الفريقين، سُلِّم القصر، وهو مقر الولاة، ويقع في جنوبي المدينة على مقربة من باب جَهْور، إلى ملك قشتالة، وبعث ملك قشتالة مندوبه ليرفع شعاره الملكى فوق برجه الأعلى، وكان ذلك في اليوم الثالث والعشرين من شهر نوفمبر سنة ١٢٤٨ م، وهو يوافق يوم الاثنين الخامس من شعبان سنة ٦٤٦ هـ، وهو اليوم الذي تضعه الرواية الإسلامية لسقوط إشبيلية في أيدي النصارى (٢). بيد أنه يوجد تاريخ آخر، هو

стр. 2209

تاريخ دخول النصارى المدينة، وهو يعتبر أحيانا تاريخ سقوطها. وقضى المسلمون زهاء شهر في إخلاء المدينة، وتصفية شئونهم، وبيع متاعهم، وكان ملك قشتالة، يسرح سريات من فرسانه لتأمين المهاجرين منهم بطريق البر حتى مدينة شريش، وحتى ثغر سبتة لتأمين المهاجرين منهم بطريق البحر، وخصص لذلك الغرض أسطولا يتكون من خمس سفن كبيرة، وثمانى صغيرة (١). وخرجت من إشبيلية جموع غفيرة من المسلمين يصعب تحديد عددها، وتشمل سائر الطبقات. ولم تحدد لنا الرواية الإسلامية عدد المهاجرين منها، ولكنها تقول لنا فقط إنه قد خرج الخاص منها والعام " وكل منهم في بحر المنايا غاص وعام، مماحل بهم من الأوجال والآلام " (٢). وتقدر بعض الروايات من خرج من أهل إشبيلية من المسلمين بأربعمائة ألف، منهم مائة ألف هاجروا بطريق البحر إلى سبتة، وثلاثمائة ألف ساروا براً بطريق شريش (٣). وتفرقوا في مختلف الأنحاء بالأندلس والمغرب. وقصد أكثرهم بالأندلس مملكة غرناطة، وذلك بتشجيع ابن الأحمر، وكورة لبلة وغربى الأندلس، وقصد من عبر البحر منهم إلى مختلف ثغور المغرب، ولاسيما سبتة وتونس، وكان في مقدمة من غادرها منهم زعيمها القائد شقاف، ولم يحفل بما عرضه النصارى عليه من منح وإقطاعات وعبر البحر إلى سبتة مع جماعة من القواد والأجناد، والظاهر أنه استطاع أن يتدخل في شئونها، وأن يشاطر واليها الحفصى ابن أبي خالد قسطا من السلطة، ولكن حدث بعد فترة قصيرة أن نهض زعيم سبتة الدينى الفقيه أبو القاسم العزفى، واستطاع بمعاونة حليفه القائد أبي العباس الرنداحى أن ينتزع الرياسة لنفسه، وقتل شقاف وعدة من أصحابه فيمن قتل من ضحايا الانقلاب، وذلك في شهر رمضان سنة ٦٤٧ هـ (٤). وبقيت إشبيلية، بعد أن غادرها أهلها، خالية ثلاثة أيام. وفي اليوم الثاني والعشرين من شهر ديسمبر سنة ١٢٤٨ م " (أوائل رمضان سنة ٦٤٦ هـ) دخل فرناندو الثالث ملك قشتالة، مدينة إشبيلية في موكب فخم، وكان مطران

стр. 2210

طليطلة قد قام بتحويل الجامع الأعظم إلى كنيسة، وصنع به هيكل مؤقت، فقصد إليه الملك النصراني، وحاشيته من أكابر الأحبار والقادة والفرسان، وأقيم قدّاس الشكر، ثم قصد فرناندو بعد ذلك إلى القصر وتسلمه، وعنى بوضع أسس الحكم للحاضرة المفتوحة، وجعل منها مركز مطرانية، كما كانت قبل الفتح الإسلامي، وقام بتقسيم دور المسلمين وأراضيهم، بين أولئك الذين بذلوا أكبر جهد في تحقيق الفتح. وبذلك اختتم الفتح، وأخذ النصارى في تقويض محلاتهم خارج المدينة ونزلوا بها (١). ومن ذلك التاريخ تغدو إشبيلية، عاصمة مملكة قشتالة، ومقر البلاط القشتالي، بدلا من طليطلة. وهكذا سقطت إشبيلية، حاضرة الأندلس العظمى، بعد أن حكمها المسلمون منذ افتتحها موسى بن نصير في سنة ٧١٢ م، خمسة قرون وثلث قرن، وحكمها الموحدون زهاء قرن، وكانت قاعدة حكومتهم بالأندلس، فجاء سقوطها، بعد سقوط قرطبة، وقواعد الشرق، تصفية نهائية لسلطانهم في شبه الجزيرة الإسبانية. وكانت إشبيلية إلى جانب قرطبة من أعظم مراكز العلوم والآداب في الغرب الإسلامي، وبها سطعت عبقريات فريدة في تاريخ الفكر الإنسانى، مثل بني زهر أعظم أساتذة الطب والكمياء في الغرب في العصور الوسطى، وأبي العباس بن الرومية أعظم النباتيين والعشابين، بعد ديسقوريدس. وسطعت إشبيلية أيام الطوائف في ظل بني عباد، ولبثت زهاء نصف قرن أعظم مجمع للآداب وللشعر والنثر في الأندلس. وجعل منها الموحدون قاعدة الحكم في الأندلس، وغدت في ظلهم أعظم حواضر شبه الجزيرة، وأزخرها عمرانا، وأجملها تخطيطاً وصروحاً، تتيه بمسجدها الجامع أعظم جوامع الأندلس، بعد جامع قرطبة، وبمنارته الشاهقة الرائعة، التي مازالت تقوم حتى اليوم أثراً من أعظم الآثار الأندلسية الباقية، وذلك بالرغم من تحويلها إلى برج لأجراس الكنيسة.
следующие страницы →