من الموحدين والعرب والأغزاز والروم (النصارى المرتزقة)، وعهد بقيادته إلى أبي زكريا يحيى بن وانودين. فسار هذا الجيش إلى وادي أم الربيع شمالي مراكش، وكان السلطان أبو يوسف قد استعد هنالك للقاء الموحدين أتم استعداد. ووقع اللقاء بين الجيشين، عند مكان من الوادي (النهر) تبدو فيه كدى، أو جزائر صغيرة، ينحسر عنها الماء وكأنها أرجل، ومن ثم فقد سميت الواقعة، التي نشبت هنالك بين الجيشين، موقعة " أم الرجلين ". وكانت موقعة عنيفة انتهت بوقوع الهزيمة على الموحدين، وتمزيق صفوفهم، ومقتل العدد الجم منهم. فولوا الأدبار واستولى بنو مرين على محلتهم وسائر عتادهم ومتاعهم. وكان ذلك في سنة ٦٦٠ هـ (١٢٦٢ م). وارتد ابن وانودين في فلوله إلى مراكش، واعتذر للخليفة بأن الهزيمة، ترجع إلى تخاذل عرب بني جابر وغدرهم. وكان للهزيمة أعمق وقع في العاصمة الموحدية وخشى الناس أن يزحف المرينيون إليها، فأغلقت بعض أبوابها، ثم ساد الهدوء بعد ذلك، بعد أن جاءت الأخبار بانصراف بني مرين إلى بلادهم (١).
وفي نفس هذا العام، خرجت عقب موقعة " أم الرجلين "، حملة موحدية جديدة، إلى بلاد السوس، بقيادة محمد بن علي بن آصلماط، وذلك لإخماد ثورة علي بن يدر، ولكنها ما كادت تشتبك مع قوات الثائر، حتى هزم الموحدون، وقتل قائدهم ابن آصلماط، فكان لتلك الكسرة الجديدة، أسوأ صدى. وعندئذ قدّم المرتضى على بلاد السوس أبا زيد بن يخيت أحد وزرائه، وبعث معه قائد الروم (النصارى المرتزقة) المسمى ذا اللب (دون لوبى) في قوة من جنده، واضطرمت الحرب بين الموحدين وبين علي بن يدر مرة أخرى، فصمد على ابن يدر، وافترق الجيشان دون حسم، وأبدى دون لوبى تهاونا وتخاذلا، وكان على غير تفاهم مع ابن يخيت، فكتب ابن يخيت بذلك إلى الخليفة، فاستدعاه وأمر سراً بقتله وزملائه، فقتلوا في طريق العودة على يد أبي زيد بن زكريا الجدميوى (٢). وكان السلطان أبو يوسف يعتزم بعد موقعة (أم الرجلين)، أن يسير أخيراً إلى مراكش، لافتتاحها والقضاء على الدولة الموحدية المحتضرة،
стр. 2277
ولكن أخّره عن ذلك حادث لم يكن في الحسبان. وذلك أن أبناء أخيه الأمير أبي يحيى وهم أبو مظهر وأبو سالم وأبو حديد، ساروا إلى طنجة في ثلاثمائة فارس من بني مرين وغيرهم، ونزلوا بها، فأكرم صاحبها ابن الأمين وفادتهم، ولكنهم غدروا به وقتلوه، فثار لذلك رجال ابن الأمين، وقتلوا من بالقصر من بني مرين واستدرجوا من كان منهم بالمدينة إلى القصبة، وقتلوهم تباعا، ووقع الهرج بالمدينة، وخشى أهلها من انتقام بني مرين، فخاطبوا الفقيه العزفى صاحب سبتة، فبعث إليهم بسفنه وعلى رأسها القائد الرنداحى، فاستولى على طنجة، وقبض على أولاد ابن الأمين وصحبه، واستاقهم إلى سبتة، وولي العزفى على طنجة واليا من قبله هو ابن حمدان. ولما وقف الأمير أبو يوسف على ما حدث من مقتل قرابته وفرسانه، وحماية العزفى لأهل طنجة، سار في بعض قواته إلى سبتة، فحاصرها وقتا، وقاتله أهلها من فوق السور، ولم يستطع أن ينال منها مأربا (٦٦٢ هـ) (١).
- ٧ -
وهنا أزفت الخطوة الحاسمة، واعتزم أبو يوسف أن يقوم بضربته الأخيرة، بالسير إلى مراكش، فسار في قواته وعبر وادي أم الربيع، واستمر في تقدمه، حتى نزل بجبل إيجليز، على مقربة من العاصمة الموحدية، وتقدمت عساكر الموحدين لصده، ونشبت عدة معارك محلية، كانت سجالا بين الفريقين، وقتل ولد أبي يوسف الأمير عبد الله، في إحدى هذه المعارك، وكانوا يسمونه برطانهتم " العجوب " أو" العجب "، وذلك لفائق جماله، وفروسته وشجاعته، وعلو همته. فوقف القتال، وساد الحزن والوجوم في المحلة المرينية، وبعث المرتضى رسولا خاصاً إلى أبي يوسف، يعزيه في فقد ولده، فتأثر أبو يوسف لذلك أيما تأثر، ووافق رسل المرتضى على الارتحال، على مال معلوم، يدفع إليه كل عام. وتضع الرواية تاريخ هذه الحملة في سنة إحدى وستين أو اثنتين وستين وهو الأرجح (٢).
بيد أنه وقع حادث جديد، أذكى من عزم أبي يوسف، ومهد له السبيل
لتنفيذ مشروعه. وذلك أن السيد أبا العلاء إدريس بن السيد عبد الله بن السيد
стр. 2278
أبي حفص بن الخليفة عبد المؤمن، وهو كما يبدو من نسبه، من أبناء عمومة المرتضى، ويعرف بالأخص بأبي دبوس لأنه كان وقت وجوده بالأندلس، يحمل الدبوس باستمرار فشهر به (١)، كان السيد أبو العلاء هذا أو أبو دبوس، ناقما على المرتضى، لأمور تختلف في شأنها الرواية، فمن ذلك ما يقوله روض القرطاس من أنه كان يخشى أن يقتله المرتضى، لوشاية رفعت إليه في حقه (٢)، وما يقوله لنا ابن خلدون من أن أبا دبوس، كان من قادة الجيش الموحدي، في موقعة " أم الرجلين "، فلما وقعت الهزيمة على الموحدين، سعى بعض خصومه، في حقه لدى الخليفة، فشعر بهذه السعاية، وخشى سطوة المرتضى. ويزيد الأمر إيضاحا ما يقوله صاحب الذخيرة السنية، من أن السعاية في حق أبي دبوس للمرتضى، كانت تتلخص في أنه يكاتب بني مرين ويصانعهم، وأنه يفكر في القيام ضد المرتضى، ويعتمد في ذلك على محبة الناس له لشجاعته (٣). وأخيراً يقول لنا ابن عذارى، إن نقمة أبي دبوس على المرتضى، كانت ترجع إلى " اهتضام جانبه في أحواله ". وهكذا اضطرب الجو بين الخليفة، وبين ابن عمه، وشعر أبو دبوس، أن حياته أصبحت في خطر، ففر من القصبة، مع ابن عمه السيد أبي موسى، وذلك في المحرم سنة ٦٦٣ هـ، وقصد توا إلى فاس، ملتجئاً إلى السلطان أبي يوسف. فلما وقف المرتضى على ما حدث أمر بالقبض على أولاد السيدين الفارين، والتحوط على دورهما، ومطاردة كل من يشتبه في اتصاله بهما. وسأل أبو دبوس أبا يوسف العون والنصرة، وعرض عليه مشروعه، في أن يعينه بقوة من بني مرين، وما يلزم من النفقة، لافتتاح مراكش وأحوازها، وأنه يتمتع في ذلك بتأييد معظم الموحدين والكافة، وأن يكون هذا الفتح مشتركا، ومناصفة بينهما، فوافق أبو يوسف على مشروعه، وأمده بجيش من بني مرين، قوامه ألف فارس أو ثلاثة أو خمسة آلاف وفقاً لأقوال أخرى، وزوده بالخيل والعتاد والسلاح والمال، وبالكتب اللازمة، لحث زعماء العرب والقبائل، الذين في طريقه، للنهوض إلى معاونته. وخرج أبو دبوس في حشوده من فاس، في شهر ذي القعدة سنة ٦٦٣ هـ (أغسطس ١٢٦٥ م)، وسار أولا إلى مكناسة،
стр. 2279
ثم إلى المعدن ثم إلى تادلا، ثم سار إلى هسكورة، في جنوب شرقي مراكش، فنزل بها، على زعيمها مسعود بن جلداسن، ولبث هنالك مدى حين (١).
وتوافد على أبي دبوس، خلال إقامته بجبال هسكورة، كثير من الأنصار من كل صوب، وأطاعته قبائل هزرجة، وسائر بطون هسكورة، ووفد عليه كثير من الموحدين، والجند الراغبين في خدمته، فقوى أمره بالجبل، وتوجس المرتضى لما بلغه من ذلك، وقبض على مسعود بن كانون شيخ سفيان، وزجه إلى السجن، وقبض كذلك على شيخ بني جابر، وقائد الروم غرسية، وذلك لشبهة تواطئهم مع أبي العلاء. على أنه لم يفعل شيئاً، للتحوط ضد الهجوم المنتظر، بل لقد بعث بعسكره في تلك الآونة الدقيقة، لقتال حاحة ورجراجة، والظاهر أن ذلك كان بتحريض الوزراء، الضالعين مع أبي دبوس، وذلك لكي تخلو العاصمة، من أسباب الدفاع. وكان من جراء مطاردة المرتضى للزعماء، والقبض عليهم، أن هرع كثير من جند سفيان وبنى جابر، وكذلك فر كثير من الجند الروم، مع قائدهم زنار، وانضموا إلى قوات أبي دبوس.
ولما وقف أبو دبوس، من أنصاره في مراكش على مجرى الحوادث، وعلم أن العاصمة أضحت بلا دفاع، وأنه من جهة أخرى قد استكمل أهباته، وكثرت حشوده وعساكره، عول على تحقيق مشروعه، في انتزاع العاصمة الموحدية، والاتشاح بثوب الخلافة. فسار في قواته صوب أغمات، فخرج إليه واليها أبو زيد ابن يخيت، في جند الموحدين، لصده عن أغمات، فهاجمتهم فرسان أبي دبوس، فهزموا شر هزيمة، وقتل ابن يخيت وجنده، وسار أبو دبوس بعد ذلك إلى مراكش، بعد أن تحقق من أخبار أنصاره وعيونه في العاصمة، أن الفرصة قد أضحت مؤاتية، وتقدمه عرب سفيان الموالين له، حتى وصلوا إلى باب الشريعة، فسرى الاضطراب إلى المدينة، كل ذلك والمرتضى صامت جامد، إلى أن قرر أخيراً مواجهة الموقف، وبعث رجاله فتفقدوا الأسوار فلم يجدوا بها حراسة ولا حراسا، وكان الوقت قد فات لاتخاذ أي إجراء مجدى، وصعد بعض رجال هسكورة إلى السور، وهبطوا إلى الداخل، وفتحوا باب الصالحة، الواقع في جنوبي المدينة، وكان أبو دبوس قد وصل إليها في حشوده، ووقف المرتضى
стр. 2280
على ما تقدم، وشهد بنفسه اجتماع الجند القادمين بين الأبواب، وسمع قرع الطبول، وأدرك أنه لم يبق أمل في المقاومة، فقرر الفرار، وأخذ في الأهبة له. وقرر أبو دبوس من جانبه دخول المدينة، فدخلها من باب الصالحة أو باب الكحل، وذلك في ضحى يوم السبت الثاني والعشرين من المحرم سنة ٦٦٥ هـ (أكتوبر سنة ١٢٦٦ م)، ولكنه لم يستطع دخول القصبة حتى العصر، حينما أيقن بفرار المرتضى، وخلو القصر من عاهله، ودخل رجال هسكورة إلى المدينة، وانقضوا على القيسارية، ونهبوها وأحرقوها، ونهبوا الدور وعاثوا فيها (١).
أما المرتضى فإنه فر من القصر في عصر ذلك اليوم، وخرج من باب النحل، ومعه اثنان من وزرائه وبعض أولاده، وقصد إلى الجبل، صوب منازل كيك. ولكنه لم يجد بينهم نصيراً يلتجىء إليه، وألفى معظمهم بالعكس، قد انضم إلى جانب خصمه، فسار مع أولاده إلى مدينة أزمور، وكان واليها عبد العزيز ابن عطوش صهره، وكان قد افتداه من أسر بني مرين بمال كثير، ولكنه لم يستطع دخول المدينة، لأن واليها الغادر، كان قد بعث ببيعته إلى أبي دبوس، ولجأ المرتضى وأولاده، إلى غار على شاطىء البحر، حتى يظفر بمثوى أمين. وكان أبو دبوس مذ دخل القصر، قد أرسل في أثره جماعة من الخيل والرجال، فطاردوه حتى أزمور، وظفروا به، وكبله الوالي هو وأولاده، في انتظار إرسالهم إلى أبي دبوس (٢).
وهكذا استولى أبو العلاء إدريس، أبو دبوس، على العاصمة الموحدية، وبويع بالخلافة بجامع المنصور، وبايعه كافة الموحدين، والأشياخ والوزراء والقضاة، وذلك في اليوم التالي لدخوله المدينة، يوم الأحد الثالث والعشرين من المحرم سنة ٦٦٥ هـ، وتلقب بالواثق بالله. وكان هذا الأمير الموحدي، الذي شاء القدر، أن تنتهي على يديه الدولة الموحدية، حسبما تصفه الرواية، داهية شجاعا، وافر الفروسة، حازما مقداما في الأمور، وكانت أمه أم ولد رومية اسمها شمس الضحى. وكان أبيض اللون أشقر الشعر واللحية، أزرق العينين، طويل القامة، كبير اللحية، مهيب الطلعة (٣).
стр. 2281
ووزر للخليفة الجديد، السيد أبو زيد عبد الرحمن بن السيد أبي عمران، وأخوه السيد أبو موسى عمران بن أبي عمران، وكتب له أبو الحسن الرعينى، وأبو عبد الله التلمسانى، وهما من كتاب سلفه.
وما كاد الواثق بالله يستقر بالحضرة، حتى أجمع الناس على طاعته، وتوافدوا على الحضرة، من كل مكان، ورأى اجتذابا لعطف الشعب وتأييده، أن يرفع المغارم والكلف عن الناس، سواء في الحواضر أو البوادى، وأن يقتصر على الفروض الشرعية، التي جرى عليها العمل في بداية الدولة، وأمر بالعفو عن المجرمين. ولكن كانت تنقصه الموارد والأموال، ولم يجد شيئاً منها بالقصر أو بيت المال، فكتب وزيره السيد أبو موسى عمران عن لسانه، إلى الخليفة المعتقل - المرتضى - كتابا، يسأله عن مصير الأموال التي كانت بيده، وأن يعرفه بمكان إيداعها، إذ هي أموال المسلمين، وأنه إن فعل " شمله عفو أمير المؤمنين " فكتب إليه المرتضى بخطه، يؤكد أنه لا يعرف أي مستودع للمال، وأنه لم يودع ولم يدفن شيئاً، وأن المال كان كثيراً، وقت وصول المرينى، ولكنه نفد بعد ذلك، ثم يقسم له على صحة كلامه ويناشده أن يحقن دمه، ويبقى على حياته، ويسترحمه ويدعو له، في عبارات مؤثرة (١). فلما وقف الواثق بالله على كتابه، تأثر لمحنته، وبعث السيد أبا موسى عمران، مع أبي سرحان بن كانون، وجماعة من سفيان، للقيام باستقدام المرتضى، واستحضاره إليه. ولكن حدث بعد مسيرهم، أن نصح السيد أبو زيد إلى الواثق، بعدم الإبقاء على المرتضى، وحذره مما قد يترتب على مقدمه، من التأثير في موقف الجند والرعية، فبعث الواثق براءة بخطه، إلى السيد أبي موسى، وحملها إليه عمر بن آصلماط، تتضمن وجوب قتل المرتضى، في أول مكان يلتقى به فيه. فالتقى به في موضع يسمى " فرزغون " من أرض دكاله، وكان السيد أبو موسى، قد وصل إلى هذا المكان، ومعه المرتضى وأولاده، وهم في الأصفاد على الدواب، فلما وقف على أمر الخليفة الواثق، أخذ المرتضى جانبا، وأنزله عن دابته، وأعدم قتلا بالسيف، ودفن حيث قتل، وكان مصرعه في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من صفر سنة ٦٦٥ هـ (٢٢ نوفمبر سنة ١٢٦٦ م) (٢)
стр. 2282
وهكذا هلك الخليفة المرتضى بالله، بعد أن تولى الخلافة، زهاء تسعة عشر عاما، وهي فترة طويلة، لم تتح لخليفة موحدى آخر، من بعد عبد المؤمن وولده أبي يعقوب يوسف، وكانت فترة حاسمة في تاريخ الدولة الموحدية. ففي خلالها تم تفكك الإمبراطورية الموحدية الشاسعة، وأخذت أشلاؤها المقتطعة، تسقط تباعا في أيدي خصومها، فانفصلت سبتة وطنجة، وقامت في كل منهما حكومة مستقلة، ثم توالى استيلاء بني مرين، بعد انتزاعهم لرباط تازا، على حضرة فاس، ثم سجلماسة ودرعة، ثم على سلا ورباط الفتح، وقامت ببلاد السوس ثورة وحكومة مستقلة. وهكذا فقدت الإمبراطورية الموحدية، في عصر المرتضى سائر أقطارها وحواضرها الهامة، ولم يبق منها بيد الخلافة الموحدية، سوى حضرة مراكش، ورقعة تمتد بين وادي أم الربيع ووادي تانسيفت، حتى ثغر أزمور، ولقد حاول المرتضى غير مرة، أن يكافح وأن يصد بني مرين، وقد خاض أكثر من موقعة، ولكنه لم يبد في أية مرة، من صدق العزم والجلد، ما كان يبديه أسلافه، في الدفاع عن تراثهم وعن أراضيهم، وكان أكثر اهتماما بالدعة والاستقرار، وحياكة الدسائس، والبطش بخصومه بأساليبه الغادرة، التي جرى عليها طوال حكمه، ولم يكن للمرتضى خلال أو مناقب بارزة، يمكن أن يشيد بها المؤرخ، ولم يكن ما تذكره الرواية عن علمه وورعه وزهده، سوى ستار، يحجب ما يضطرم داخل نفسه، من مشاعر الحقد والضغن، وشهوة البطش والغدر.
ووزر المرتضى رجال غير لامعين، مثل أبي محمد بن يونس، وأبي عبد الله محمد الجنفيسى، وأبي زيد بن عزوز، وأخيه السيد أبي اسحق، وأبي محمد بن أصناج، وأبي يوسف بن تيجا الجدميوى، وأبي موسى بن عزوز الهنتاتى، وغيرهم، وقد صاهر المرتضى هذين الوزيرين الأخيرين، وزوج كل منهما ابنة من بناته. وكتب للمرتضى أبو الحسن الرعينى، وأبو عبد الله التلمسانى، وكلاهما من كتاب العصر البلغاء (١).
وكان الخليفة المرتضى فقيها عالما، وأديباً شاعراً. ويقول لنا ابن عذارى إنه قد وقف على مجلد من شعره ونثره، بيد أن شعره كان ضعيفاً، ثم يورد لنا شيئاً من نظمه. فمن ذلك قوله من قصيدة نظمها في شهر ربيع:
стр. 2283
وافى ربيع قد تعطر نفحه ... أذكى من المسك العتيق نسيما
بولادة المختار أحمد قد بدا ... يزهو به فخرا وحاز عظيما
وقوله في معنى الزهد:
ولما مضى العمر إلا الأقل ... وحان لروحى فراق الجسد
دعوت إلآهى مستعطفا ... ليصلح منى ما قد فسد
وكان شغوفا بالكتب والتصانيف، وكان ممن يتمتع بعطفه ورعايته، من علماء عصره، الفقيه أبو محمد ابن القطان، وقد ألف له جملة من الكتب، منها كتاب " نظم الجمان وواضح البيان فيما سلف من أخبار الزمان " وهو الذي انتفعنا به، وأشرنا إليه فيما تقدم. في غير موطن. وكتاب " شفاء الغلل في أخبار الأنبياء والرسل " ركتاب " الأحكام لبيان آياته ﵇ " وكتاب " المناجاة " وكتاب " المسموعات " وفيه قصائد مختارة في فضائل المولد النبوى، وشهور رجب وشعبان ورمضان، وغير ذلك (١). وقد أشاد ابن القطان في كتابه " نظم الجمان " بذكر المرتضى ومديحه، مما يدل على أنه كان متمتعاً بسابغ رعايته وجزيل صلاته (٢).
وتصف الرواية المرتضى، بأنه كان معتدل القامة، ساطع البياض، عالى الأنف، أسيل الخد، أشيب، لا يخضب بحناء أو غيرها (٣).
أما أولاد الخليفة المرتضى، فقد زجهم أبو دبوس إلى السجن، فلبثوا معتقلين فيه طوال مدته، حتى أطلق سراحهم الأمير أبو يوسف المرينى، حينما دخل مراكش في أوائل سنة ٦٦٨ هـ، إلاّ كبيرهم محمد، فكان قد قتل في سجنه بأمر أبي دبوس. ولما أطلق سراحهم، غادروا المغرب وعبروا إلى الأندلس، والتجأوا إلى حماية ألفونسو العاشر ملك قشتالة، وعاشوا بإشبيلية تحت كنفه أعواما طويلة، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى غرناطة، وأقاموا بها تحت رعاية ملكها ابن الأحمر، وأطلق لهم ملك غرناطة، ما يكفيهم من الأرزاق الشهرية. ويقول ابن عذارى إنهم كانوا بغرناطة حتى هذا الوقت الذي كتب فيه قصتهم. ويزيد على ذلك أن أخاهم أبا زيد، غادر الأندلس في سنة ٦٨٤ هـ، وعبر إلى المغرب وسار إلى السوس راكبا على حمارة، وسمته العامة من أجل ذلك بأبي حمارة،
стр. 2284
وأنه نزل بجبل سكسا وعاش هنالك، وهو يرتزق من النسخ، وأنه كان مايزال بقيد الحياة، هو وأخوه محمد المقيم بغرناطة، حتى الوقت الذي كتب فيه ابن عذارى هذه السطور، وهو عام اثنى عشر وسبعمائة (١).
هذا، وتقدم إلينا الرواية الإسلامية، قصة أخرى عن أخ لأبي دبوس، آخر الخلفاء الموحدين، هو السيد أبو زيد بن السيد عبد الله، حفيد الخليفة عبد المؤمن، خلاصتها أن هذا السيد، أو السويد حسبما تنعته الرواية، كان مقيما بالأندلس، وكان قد لجأ إلى ملك قشتالة ألفونسو العاشر، وعاش تحت رعايته بمدينة إشبيلية. وفي أواخر سنة ٦٥٩ هـ (١٢٦١ م)، أعلن هذا السويد اعتناقه لدين النصرانية، في حفل عام أقيم لهذا الغرض، فقام ملك قشتالة بحلق لحيته بيده، وكساه حلة ملوكية، وعندئذ صعد السويد الموحدي، إلى كرسى عال يشرف منه على الناس، ثم قال: " أشهدكم يا من حضر من المسلمين والنصارى واليهود، أننى قدمت على دين النصرانية منذ أربعين سنة، وكنت أكتمه، وأنا الآن قد أبحته وأظهرته، وأن دين المسيح بن مريم، هو الدين القديم الأزلى "، ثم تحدث ملك قشتالة، فأثنى على السويد وهنأه باعتناق النصرانية. على أن هذا السويد المتنصر لم يعش طويلا بعد تنصره، فقد توفي بإشبيلية بعد ذلك بأربعة أشهر فقط، وذلك في أوائل سنة ٦٦٠ هـ (١٢٦٢ م) (٢).
وإنا لنقف قليلا، عند هذه الظاهرة الأليمة، التي تكررت بين بعض السادة من بني عبد المؤمن، وهي إقبالهم على اعتناق النصرانية، وخروجهم بهذه الطريقة المثيرة، على دين آبائهم وأجدادهم العريق، الذين جاهدوا في سبيل إعزازه أيما جهاد، وعلى إمامتهم الموحدية، ومقام خلافتهم العظيمة. وليس من شك في أن هذه الرِّدة، التي تكررت على يد أبي محمد عبد الله البياسى، وأخيه السيد أبي زيد والي بلنسية، ثم على يد هذا السويد أبي زيد، لم تكن ترجع إلى بواعث تتعلق بالإيمان أو العقيدة، وإنما كانت ترجع إلى بواعث مادية ودنيوية، وذلك حسبما تدلى به بالأخص حالة البياسى وأخيه السيد أبي زيد. ولا ريب أن في هذه الصفحة المؤلمة ما يصدع من هيبة الخلافة الموحدية، ومن عظمة تاريخها.
стр. 2285
الفصل الرابع نهاية الدولة الموحدية وعوامل تفككها وسقوطها
مبايعة أبي العلاء إدريس الواثق. الوحشة بينه وبين زعيم هسكورة. خروج الواثق في قواته. تصرفاته ومحاولاته لدى هسكورة. مخاطبته ووعوده للأمير أبي يوسف. مؤامرة في مراكش ضد الواثق. ضبطها وإخمادها. تأهب الواثق للزحف على بلاد السوس. ورود مبايعة يغمراسن وتحذيره من بني مرين. مسير الواثق ونزوله في جبال السوس. مهاجمته لحصن تيزغت واقتحامه. مسيره إلى حصن تيوينوين. مهاجمة الحصن وصموده. علي بن يدر يتظاهر بعرض الطاعة. مسير الواثق إلى الحضرة في موكبه الخلافى الفخم. أبو يوسف يطالب الواثق بتنفيذه عهوده. شعور الواثق بقوته وكثرة حلفائه. رده الجاف على أبي يوسف. غضب أبي يوسف وزحفه على الحضرة الموحدية. استنجاد الواثق بيغمراسن. مهاجمة يغمراسن لأطراف الأراضي المرينية. ارتداد أبي يوسف لمحاربته. اللقاء بينهما في وادي تلاغ. المعركة العنيفة. هزيمة يغمراسن وفراره إلى تلمسان. عود أبي يوسف إلى التأهب لمحاربة الواثق. مسيره إلى مراكش وغزواته المخربة في طريقه. أبو دبوس يحشد سائر قواته. خروجه للقاء بني مرين. ارتداد أبي يوسف نحو الشمال ومطاولة الموحدين. اللقاء بين الفريقين في وادي غفو. المعركة المضطرمة. بلاء أبي دبوس وجيشه. صمود بني مرين. مصرع أبي دبوس وتمزيق قواته. تعليق رأسه على سور فاس. مسير أبي يوسف إلى مراكش. فرار الموحدين إلى تينملل. دخول أبي يوسف مراكش واستقباله ومبايعته. انتهاء الدولة الموحدية. سيطرة بني مرين على سائر المغرب الأقصى. أبو يوسف يرسل حملة لإخضاع بلاد السوس. خروجه لمطاردة العرب في قطاع درعة وإخماد حركتهم. عوده إلى مراكش. مطاردته لبقايا الموحدين. ظفره بالقبض على بعض أكابرهم وإعدامهم. أبو يوسف يعقد ولاية العهد لولده أبي مالك. مسيره صوب سبتة وطنجة. استيلاؤه على طنجة. إذعان العزفى صاحب سبتة وإقراره بالطاعة. مسير أبي يوسف إلى سجلماسة وافتتاحها. جهاد أبي يوسف بالأندلس ونصرته لمملكة غرناطة. كون هذا الجهاد استمرار لرسالة المغرب التاريخية. وفاة السطان أبي يوسف. الدولة الموحدية وعوامل تفككها. موقعة العقاب وآثارها. العوامل الأدبية. الحكومة الموحدية وصفتها الإقطاعية والعائلية. ضعف هذا النظام وقصوره. استطالة الممالك النصرانية على الأندلس. قصور الجيوش الموحدية عن حمايتها. التنافس على عرش الخلافة. خروج البياسى وأخيه السيد أبي زيد وما ترتب على ذلك. ثورة بني غانية وتخريبها لبلاد إفريقية. إنسلاخ إفريقية وقيام الدولة الحفصية. إنسلاخ تلمسان وسبتة وطنجة. نهوض بني مرين واستيلاؤهم تباعا على المغرب الأقصى. العوامل الأدبية. تحول الإمامة إلى ملك دنيوى. إلغاء الإمامة الموحدية ورسومها. ما خسرته الخلافة الموحدية بذلك. تقلب القبائل البربرية وطوائف العرب. الحرب الأهلية بين الخلفاء. انهيار الدولة الموحدية وكونه لم يحدث صدى قويا. انهيار الصرح القبلى الموحدي. عناصر هذا الصرح من القبائل والبطون. مصير هذه القبائل. اندثار هرغة قبيلة المهدي. قبر المهدي بتينملل. هنتاتة وفوزها بسلطان إفريقية. مصير جدميوه وغيرها.
- ١ -
لما دخل أبو العلي إدريس، الملقب بأبي دبوس حضرة مراكش في اليوم الثاني والعشرين من محرم سنة ٦٦٥ هـ، واحتل القصر عقب فرار الخليفة المرتضى بايعه سائر الأشياخ والطلبة والكافة، وتلقب حسبما تقدم بالواثق بالله. وكان أول
стр. 2286
ما قام به أن ركب في اليوم التالي، وطاف بأحياء الحضرة، للعمل على توطيد السكينة والنظام، وتهدئة روع الناس، وقمع المعتدين والمفسدين، ثم كتب إلى حليفه، الأمير أبي يوسف عاهل بني مرين، ينبئه بما تم، وما انتهى إليه مجرى الحوادث، ولبثت المخاطبات بينهما مدى حين.
بيد أنه وقعت وحشة، بين الواثق وبين ابن جلداسن زعيم هسكورة، لم توضح لنا الرواية أسبابها، وكان ابن جلداسن من حلفائه، ومعاونيه في حركته إلى افتتاح مراكش، حسبما ذكر في موضعه، ومن ثم فإنه لم تمض بضعة أشهر حتى أخذ الواثق في الأهبة للحركة والخروج، فخرج في قواته من مراكش، في الثاني عشر من شعبان سنة ٦٦٥ هـ، فنزل أولا بالبحيرة، ثم سار إلى بلاد هيلانة فوادى أغمات، ونزل فيه بمكان يسمى تادارت معطاسة، وهنالك وفد عليه بعض أشياخ هسكورة، ومنهم الشيخ حميدى بن مخلوف الهسكورى، وكان يقوم من قبل الواثق بالاتصال بالأمير أبي يوسف، ويتردد بينهما في مراسلات ومفاوضات مختلفة. وقدم الواثق أبا موسى بن عزوز على بلاد حاحة، ليقوم بالنظر في أعمالها وتحصيل جبايتها، وبعث رجلا من ثقاته، هو عبد العزيز بن عطوش إلى ابن جلداسن زعيم هسكورة، ليستطلع الأمر، وليحادثه في بعض الشؤون، فعاد هذا الرسول، وأبلغه ما وقف عليه، والظاهر أن الأمور كانت قد هدأت عندئذ ولم ير الواثق في موقف ابن جلداسن ما يستدعى الغضب والمؤاخذة، فتركه على حاله، وقنع منه بالطاعة، مؤثراً مودته على خصومته (١).
وسار الواثق بعد ذلك من تادارت إلى الولجة الواقعة في شرقها، وفي أثناء ذلك جاءت الأنباء بانصراف بني مرين، وإجازتهم لوادى أم الربيع ومسيرهم إلى بلادهم، وكان الأمير أبو يوسف يعقوب، قد خرج في حشوده من فاس، وسار إلى بلاد دُكاله وانتسف زروعها، نذيرا لأبي دبوس، فبعث إليه أبو دبوس الشيخ الصالح أبا العباس الهسكورى بهدية سنية، ليطمئنه وليؤكد له أنه سوف يفى بعهوده وينفذ ما اشترطه على نفسه، فتقبل أبو يوسف ذلك الوعد، وارتد منصرفا إلى بلاده. فكان ذلك من بواعث الارتياح في المحلة الموحدية (٢). بيد أنه وصلت في نفس الوقت، أنباء تدل على أنه يخشى من وقوع أحداث في الحضرة، من جراء نشاط مريب، يقوم به السيد عبد العزيز بن الخليفة السعيد، فسار الواثق في
стр. 2287
ْجنده، إلى تاونزرت على مقربة من الحضرة، وبعث من هنالك بعض قواته لتحصيل الجباية من حاحة ورجراجة، وكان السيد عبد العزيز هذا، من ولد الخليفة الراحل السعيد، وكان يرى أن قيام الواثق في الخلافة، وهو ليس من عقب المنصور، اغتصابا يجب منعه، وانضم إليه في ذلك بعض الزعماء، وكاتب ابن جلداسن شيخ هسكورة سراً، ليقوم بمعاونته، ووقف الواثق على ذلك من صهره، السيد أبي زيد ابن السيد أبي عمران والي مراكش، وضبطت بعض كتب كانت مرسلة، من السيد عبد العزيز إلى جلداسن، وكان السيد عبد العزيز يلزم داره متحرزاً على نفسه، فعمل السيد أبو زيد على استدراجه واستدعائه، فقصد إليه مع بعض أشياخ الموحدين، فواجهه بما نسب إليه، وأبرز له كتبه المكتوبة بخطه، فأسقط في يده وبهت، وعندئذ قبض عليه، وأعدم بأمر الواثق، وأخمدت هذه المؤامرة في مهدها (١).
وعلى أثر ذلك أخذ الواثق في الأهبة للزحف على السوس، وفي خلال وجوده بوادي تانسيفت، وردت إليه هدية ومكاتبة، من الأمير يغمراسن بن زيان صاحب تلمسان، يقدم فيها بيعته للخليفة الموحدي، ويحذره من أطماع بني مرين فيما بقى من أقطار الدولة الموحدية، ويعد بمحالفته، وتعهده بأن يكفيه شر بني مرين. وذاع أمر هذه البيعة الهامة بين الجند، وضربت الطبول ابتهاجا بها، وعم السرور لذلك في المحلة الموحدية (٢). ثم تحرك الواثق صوب بلاد السوس، وتقدمه الشيخ أبو زكريا ابن وانودين، ليستنفر القبائل للخدمة، والحركة ضد علي بن يدر الثائر بالسوس، واستمرت الحملة في مسيرها حتى وصلت إلى جبال السوس (وهي شعبة من جبال الأطلس)، ونزلت هنالك في بعض البسائط، وهنالك قضى الواثق عيد الفطر.
وأخذت الحملة بعد ذلك في التنقل بين القبائل، وأصدر الواثق عدداً من الظهائر لبطون جزولة وغيرها، يبلغهم عزمه، على القضاء على ثورة علي بن يدِّر وتأمين أرجاء نواحي السوس. ثم مرت الحملة بتارودنت حاضرة السوس، وقد خرب أكثرها، ونزلت المحلة هنالك في واد أخضر، في أسفل حصن تيزغت المنيع، وكانت به حامية قوية، من جند علي بن يدر، فاستعد الجند لمهاجمته، ونشبت بينهم وبين حاميته معارك عنيفة، استمرت بضعة أيام، حتى اضطر قائده أخيراً، واسمه حمدين، إلى طلب الأمان، وقرر بأن علي بن يدر، على
стр. 2288
استعداد لإعلان الطاعة، وقبل الواثق طلبه، ولكن لم يتم التسليم، وانتهى الأمر، بأن اقتحم الموحدون أحواز الحصن، بعد قتال شديد، ولجأت الحامية إلى الداخل، بعد أن قتل منهم عدد جم. وأخيراً اقتحم الحصن نفسه، وأبيدت حاميته قتلا وأسراً، وكانت أخت علي بن يدر ضمن الأسرى، وكتب بالفتح إلى الحضرة، وكان ذلك في ١٣ شوال سنة ٦٦٥ هـ (١).
وفي اليوم الحادي والعشرين من شوال، استأنفت الحملة سيرها داخل بلاد السوس، وقدم عندئذ أبو زكريا بن وانودين مع جمع كبير من واوزجيت، وهم من خصوم علي بن يدر، وبعد يومين نزلت الحملة قرب تارودنت، وكان ابن يدر قد خرب حصنها الكبير وهدمه، فأمر الواثق بتجديده وإعادة بنائه، ولكن لم يتم أمره بذلك. واتجهت الحملة بعد ذلك، إلى حصن تيوينوين، وهو من أعظم حصون السوس وأمنعها، وكان في معظم الأحيان مركزاً للعصيان والثورة، فاستعدت حاميته القوية للدفاع، وهاجم الموحدون الحصن، وذلك في الثاني من ذي القعدة، فدافعت حاميته دفاعا شديداً، ووصل عندئذ كتاب من السيد أبي زيد والي مراكش، ومعه كتاب ببيعة أبي الحسن علي بن أبي على، من زعماء الخلط، ودخوله في الطاعة، فكان لذلك أطيب وقع. ولما رأى الواثق مناعة الحصن، وشدة بأس حاميته، قرر اتخاذ الأهبة لاقتحامه، بمعاونة من كان معه، من حشود العرب وزناتة، ولمطة وبني واوزجيت، وهوجم الحصن بشدة، وضرب بالمنجنيق، ولكن حاميته استمرت في المقاومة.
واستمر الأمر كذلك حتى مر عيد الأضحى. وفي الحادي والعشرين من ذي الحجة، وصل رسل علي بن يدر، يعرضون التوبة، ويعدون البيعة والطاعة، ولكن لم يتم شىء من ذلك، واستمر حصن تيوينوين على امتناعه. وورد على المحلة خلال ذلك كثير من عرب المعقل في أهلهم وأموالهم برياسة شيخهم عبد المؤمن بن أبي الطيب لتقديم بيعتهم، فتلقاهم الوزير أبو موسى ومعه العسكر، وأكرم الواثق وفادتهم، وأجزل صلاتهم، وسمح لهم برؤية إخوانهم من المعتقلين، فاطمأنوا عليهم، ووعدوا بتسريحهم، ثم عادوا إلى منازلهم (٢).
وفي الثامن والعشرين من المحرم سنة ٦٦٦ هـ، تأهب الواثق للعود إلى
стр. 2289
حاضرته، وانتظم الموكب الخلافى، في أكمل وضع وأفخمه، على نسق المواكب الموحدية، فحمل المصحف الكريم (مصحف عثمان)، في هودجه بزينته القديمة، وجعلت قلائد الفضة في عنق الجمل الذي يحمله، وجملت البغال بالكسى الجميلة، وارتدى العبيد الذين يقودونها الثياب البيض، وسار الواثق وراء المصحف، ومعه الأهل والقرابة والحاشية، ومن بعدهم الوزراء في الساقة، ومعهم الأعلام الخلافية السبعة، وقبائل الموحدين كل منها رافعة علامتها التقليدية، وسار الموكب على هذا النمط حتى أشرف على الحضرة، فبرزت الناس والفرسان لاستقباله أعظم بروز، وهم يحملون البنود والطبول، واحتشد العرب من سائر البطون، وكان يوماً مشهوداً (١). ولم يكن يخطر يومئذ ببال أحد أن الخلافة الموحدية تشهر آخر مواكبها، وأنه سيكون لها بمثابة موكب الوداع، الذي تنهار من بعده، وتلفظ أنفاسها الأخيرة.
- ٢ -
وكان قد مضى عندئذ زهاء عام، مذ دخل أبو العلى إدريس أو أبو دبوس حضرة مراكش، وتبوأ الخلافة، بمعاونة أبي يوسف، ولم تبدر أية بادرة من أبي دبوس، تدل على أنه يعتزم الوفاء بعهوده، وإشراك العاهل المرينى، فيما افتتحه من بقايا الدولة الموحدية القديمة، بمعاونة جنده وأمواله، وعندئذ كتب أبو يوسف إلى أبي دبوس ينذره بوجوب تنفيذ عهوده، وتمكينه من نصف البلاد التي غلب عليها، وفاء بعهوده. وكان أبو دبوس مذ وعده يغمراسن صاحب تلمسان بحلفه ومعاونته، ومذ توالت عليه بيعات القبائل من العرب والبربر، خلال زحفه على السوس، قد شعر بتوطد سلطانه، واشتداد ساعده، واعتزم أن يدافع عن عرشه، وعن تراث الدولة الموحدية. فلما جاءه نذير أبو يوسف، رد رسوله بجفاء، وطلب إليه أن يبلغ سيده، بأن يقنع بما في يده من البلاد، وإلا جرد عليه جنوداً لا قبل له بها، وكتب إلى أبي يوسف كتابا شديد اللهجة، يخاطبه فيه مخاطبة الخلفاء والرؤساء إلى عمالهم. فثار لذلك أبو يوسف، وخرج من فاس في حشود بني مرين والمغرب، وعبر وادي أم الربيع، وزحف على العاصمة
стр. 2290
الموحدية، وهو ينتسف الزروع، ويخرب المنازل والضياع، فاضطربت الأحوال في مراكش، وانقطعت عنها الموارد، وقلت المؤن، وارتفعت الأسعار فامتنع أبو دبوس بالحضرة، وبعث إلى حليفه يغمراسن بن زيان أمير تلمسان، يستغيث به، ومع رسله إليه هدية سنية. فنهض يغمراسن في حشوده، منتهزاً فرصة ابتعاد أبي يوسف بالقوات المرينية، وأخذ يغير على أطراف المغرب الخاضعة لبني مرين، ولاسيما في وادي ملوية، أصل منازلهم، ويعيث فيها تخريباً ونهبا وسلبا. فلما وقف أبو يوسف على ذلك اعتزم لفوره، أن يترك أمر العاصمة الموحدية مؤقتا، وأن يسير لقتال يغمراسن، والقضاء على حركته أولا، ثم يعود لمناجزة الموحدين. ومن ثم فقد غادر وادي تانسيفت، وارتد راجعا في قواته إلى فاس، فأقام بها أياما يستكمل أهبته، ثم غادرها في جموع عظيمة، حسنة الأهبة والسلاح، وذلك في منتصف شهر ربيع الأول سنة ٦٦٦ هـ وكان يغمراسن في تلك الأثناء قد استكمل من جانبه أهباته، وحشد سائر قواته لملاقاة المرينيين. وسار أبو يوسف نحو وادي ملوية، من طريق أجرسيف أو كرسيف، وكان اللقاء بوادي تلاغ، فنشبت بين الفريقين معركة عنيفة طاحنة، قاتل فيها كلاهما بمنتهى الإقدام والشجاعة، وامتازت بالأخص بمثول النساء في الهوادج والمراكب سافرات بين الفريقين، وتحريضهن للشجعان على الثبات والإقدام، وانتهت بانتصار بني مرين، وهزيمة يغمراسن وقومه بني عبد الواد، وتمزيق صفوفهم، ومصرع جماعة من أكابرهم، وفي مقدمتهم أبو حفص ولد يغمراسن. وفر يغمراسن بفلوله صوب تلمسان، وتبددت جموعه، واستولى بنو مرين على سائر ما في محلته، من السلاح والعتاد والأموال، ووقعت هذه الهزيمة الشنيعة على يغمراسن في الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة ٦٦٦ هـ (١).
وهكذا قضى أبو يوسف، على الجبهة المعادية في مؤخرته، بالقضاء على قوي أمير تلمسان، وارتد بقواته إلى فاس فاستراح بها حينا، وهو يستكمل أهباته للمعركة التالية. ثم غادر فاس في شهر شعبان من نفس العام (٦٦٦ هـ) في حشود ضخمة، وعبر وادي أم الربيع، وهبط إلى البسائط المؤدية إلى مراكش، وهو يسرح جنده في كل ناحية لانتساف الزروع، وتخريب الضياع، والنهب والسبي، وأنفق بقية سنة ٦٦٦ هـ في القيام بتلك الغزوات المخربة، ثم غزا عرب الخلط
стр. 2291
ومنازلهم بناحية تادلا، وأثخن فيهم، ومزق جموعهم ثم غزا وادي العبيد، ونفذ إلى منازل صنهاجة، وهي الواقعة في شمالي وادي تانسيفت، وعاث فيها. واستغرقت هذه الغزوات المحلية عاما آخر هو عام ٦٦٧ هـ (١٢٦٨ م) (١).
وكان البلاط الموحدي خلال ذلك، قد ساده الاضطراب والجزع، وأخذ أشياخ الموحدين والعرب، يهيبون بأبي دبوس أن ينهض لرد بني مرين، ودفع عاديتهم، بعد أن تفاقم الأمر، وخربت الديار، وقتل الأهل والإخوة أو شردوا، ولم يكن أمام أبي دبوس في الواقع أي سبيل آخر سوى خوض هذه المعركة الحاسمة، فحشد سائر قواته من الموحدين والعرب والأغزاز وبقايا الروم، واجتمع له من ذلك جيش ضخم، وخرج في قواته من مراكش يريد لقاء بني مرين، وكان آخر الخلفاء الموحدين شجاعا مقداما، وكان يعرف أنه سوف يخوض المعركة الأخيرة والحاسمة، فإما أن يكتب له النصر علي بني مرين، وعندئذ يستطيع أن يردهم إلى منازلهم، فيما وراء وادي أم الربيع، وإما أن يلقى هزيمته الحاسمة ويسقط مدافعا عن عرشه وقومه الموحدين. ولما علم أبو يوسف بخروج أبي دبوس في قواته لمحاربته، رأى أن يلجأ إلى خطة لاستدراجه وإبعاده عن قواعده، فارتد في قواته صوب الشمال. وتصور لنا الرواية ارتداد بني مرين، أمام زحف أبي دبوس، في صورة الخدعة الحربية، وقد يكون ذلك صحيحاً، ولكنه قد يدل من جهة أخرى على أن الأمير المرينى، وقف على ضخامة الجيش الموحدي وحسن استعداده، وأنه خشى أن يخوض معه المعركة الحاسمة، قبل العمل على مطاولته وإنهاكه. وعلى أي حال فقد ارتد أبو يوسف في قواته نحو الشمال، وسار الجيش الموحدي في أثره، وهو يطاوله من موضع لآخر، واعتقد أبو دبوس من جهة أخرى أنه يطارد جيشاً يخشى لقاءه، واستمرت هذه المطاردة حتى وادي غفو، وهنالك وقف بنو مرين واستعدوا للقاء الموحدين. ونشبت في وادي غفو بين الجيشين معركة عنيفة، قاتل فيها الفريقان بمنتهى الشجاعة والجلد، وكان الموحدون يوالون الهجوم علي بني مرين، وأبو دبوس يقود المعركة بنفسه، ولكن بنو مرين ثبتوا كالصخر وقاتلوا بشدة حتى اختلت صفوف الموحدين، وتمكنت جماعة من أنجاد فرسانهم، من تطويق أبي دبوس وصحبه الذين حوله، والتحمت بينهما معركة عنيفة، أثخن فيها أبو دبوس
стр. 2292
خريطة:
تفكك الدولة الموحدية الكبرى والدول التي قامت مكانها في المغرب االأندلس ٦٣٠ - ٦٦٠ هـ = ١٢٣٢ - ١٢٦٢ م
стр. 2293
طعناً بالرماح، وسقط صريعا عن جواده، وقتل معه وزيره أبو موسى عمران، وكاتبه علي بن عبد الله المغيلى، ومزقت صفوف الموحدين وبدد شملهم، وسقطت محلتهم، بسائر ما فيها من الأمتعة والأموال، في أيدي بني مرين، واحتز رأس آخر الخلفاء الموحدين، وحمل إلى أبي يوسف، فخر ساجداً شكراً لله على ما أولاه من النصر، وأرسلت الرأس فعلقت على سور فاس " ليعتبر برؤيتها جميع الناس ". ووقعت هذه الهزيمة الساحقة على الموحدين وهلك آخر خلفائهم في يوم الأحد الثاني من شهر المحرم سنة ٦٦٨ هـ (أول سبتمبر ١٢٦٩ م) (١).
وعلى أثر هذا النصر الحاسم، سار الأمير أبو يوسف إلى مراكش، وكان قد فر من كان بها من قرابة الخليفة وأشياخ الموحدين، على أثر وقوفهم على نبأ النكبة المروعة، ولجأوا إلى جبال الموحدين في تينملل، وهنالك بايعوا بالخلافة السيد أبا اسحاق أخا الخليفة المرتضى. بيد أنها لم تكن سوى شبح باهت ومهزلة تدعو إلى الرثاء. وفي يوم الأحد التاسع من المحرم سنة ٦٦٨ هـ، دخل عاهل بني مرين أبو يوسف يعقوب حضرة مراكش في موكب فخم، فاستقبله سائر الأكابر والوجوه، من الفقهاء والقضاة والأشياخ، وبايعوه بالطاعة، والتمسوا إليه الأمان والحماية، فأمنهم أبو يوسف وطمأنهم، وأذاع الأمان لسائر أهل المدينة، وأحوازها فاطمأن الجميع، وسادت السكينة والأمن، واستقرت الأمور، ونزل أبو يوسف بالقصبة، وتم له بفتح مراكش ملك المغرب الأقصى، وقامت على أنقاض الدولة الموحدية الأخيرة، دولة جديدة هي دولة بني مرين الفتية، تسيطر على سائر أنحاء المغرب الأقصى، من وادي ملوية وجبال الأطلس الوسطى شرقا، حتى المحيط الأطلنطى غربا، ومن رباط تازا وجبال غمارة شمالا حتى وادي تانسيفت جنوبا، وتسمى أبو يوسف منذ دخوله حضرة مراكش " بأمير المسلمين "، وخرجت كتبه إلى القبائل بهذا اللقب، وكان قبل ذلك يكتفي بلقب " الأمير " (٢).
ولبث أمير المسلمين أبو يوسف يعقوب، مقيما بمراكش إلى شهر رمضان سنة ٦٦٩ هـ، وهو ينظر في شئونها وينظم أحوالها، وترد إليه الوفود مهنئة من كل صوب، وفي خلال ذلك، بعث ابنه الأمير أبا مالك عبد الواحد في حملة قوية إلى بلاد السوس لغزوها، وإخضاع من بها، من الثوار والقبائل الخارجة
стр. 2294
عن الطاعة، فسار إليها، وغزا مختلف نواحيها، واستمر في توغله حتى ماسة، ثغر السوس الأقصى، وفرض الطاعة على سائر النواحي والقبائل، ثم عاد إلى الحضرة. وبعد ذلك خرج أبو يوسف بنفسه، إلى غزو طوائف العرب، التي بسطت سلطانها على منطقة درعة، وملكت حصونها، وعاثت فيها قتلا ونهبا، فسار إليهم في رمضان، واخترق منطقة درعة، واستنزلهم تباعا، وقتل منهم عدداً كبيراً، واستولى على أموالهم ودوابهم، وسبي نساءهم، وافتتح سائر بلاد درعة وحصونها، وقضى في غزوته هذه زهاء شهرين، ثم عاد إلى مراكش في منتصف شهر شوال، فأقام بها فترة قصيرة، وعقد عليها وعلى أعمالها لمحمد ابن علي بن يحيى، وهو من أكابر قرابته ووزرائه، وأنزله بالقصبة، وفوض إليه النظر في شئونها، وعهد إليه بالقضاء على آثار بني عبد المؤمن وتتبع آثارهم أينما كانوا (١). وكان من آثار هذه المطاردة أن قبض في سنة ٦٧٤ هـ، بأحواز تينملل، على السيد إسحق بن السيد أبي ابراهيم، أخي الخليفة المرتضى، وكان قد نصبه الموحدون هنالك خليفة كما تقدم، وقبض كذلك على ابن عمه السيد أبي الربيع وغيره من القرابة، وسيقوا مع أولادهم إلى مراكش وقتلوا جميعا (٢).
وغادر أبو يوسف مراكش في منتصف ذي القعدة (٦٦٩ هـ) فسار إلى رباط الفتح، وقضى بها عيد الأضحى، ثم أخذ البيعة لولده الأمير أبي مالك بولاية عهده (٣)، وعاد بعد ذلك إلى حاضرته فاس.
وعنى أبو يوسف بأمر سبتة وطنجة لما لهما من أهمية بارزة بموقعهما على المضيق، وكونهما معبر المغرب إلى الأندلس، ومعبر الأندلس إلى المغرب، ولاسيما بعد ما ظهر من نيات إسبانيا العدوانية نحو المغرب، منذ غزو سفنها لثغر سلا، فاعتزم الاستيلاء على هذين الثغرين الهامين، وكان ابنه الأمير أبو مالك قد زحف على طنجة في سنة ٦٦٦ هـ، ولكنها امتنعت عليه، وكان يسيطر على كلا الثغرين، الفقيه العزفي حسبما تقدم ذكره. فسار أبو يوسف في قواته إلى طنجة في أوائل سنة ٦٧٢ هـ، واستولى عليها، ومنح الأمان لأهلها، ثم بعث ولده الأمير أبا يعقوب في قوة كبيرة إلى سبتة فنازلتها أياما، ثم أذعن العزفى إلى الطاعة، وتعهد بأداء
стр. 2295
الجزية، فتقبل السلطان منه ذلك، وارتد عائداً في قواته إلى فاس (١).
ولم يكن باقيا من قواعد المغرب الأقصى دون فتح سوى سجلماسة، وكانت بيد يغمراسن بن زيان صاحب تلمسان، وحلفائه من عرب المنبّات من بطون المعقل، فسار إليها أبو يوسف في جيش ضخم، وضرب حولها الحصار، ثم اقتحمها عنوة، وكان افتتاحها في شهر صفر سنة ٦٧٣ هـ. وتم بذلك افتتاح بني مرين لسائر أمصار المغرب الأقصى وأقطاره، وبسطهم لسيادتهم عليه كاملة شاملة.
ووقعت قبل ذلك في سنة ٦٧٠ هـ، حروب ومعارك طاحنة بين أبي يوسف ويغمراسن في أحواز تلمسان، ووجدة، كان النصر فيها لأبي يوسف، وهي أحداث ليس من موضوعنا أن نتناولها هنا، لأنها تتعلق بتاريخ بني مرين وبنى عبد الواد، ولا علاقة لها بتاريخ الدولة الموحدية.
أما عبور السلطان أبي يوسف إلى الأندلس بعد ذلك غير مرة، استجابة لنداء ابن الأحمر صاحب غرناطة، وجهاده بها ضد النصارى، وانتصاراته الباهرة في ذلك الميدان، وما كان بينه وبين ابن الأحمر طوراً بعد طور، من التحالف والقطيعة، فقد تناولناه مفصلا في كتابنا " نهاية الأندلس ". وإنما نود أن نشير هنا إلى أن نزول بني مرين ميدان الجهاد بالأندلس، إنما كان قياما بنفس الرسالة التاريخية، التي بدأ بها المغرب منذ عصر المرابطين، وأن بني مرين خلفوا الموحدين، في القيام بأعمال الجهاد في الأندلس، ولكن بعد فوات الوقت، وبعد سقوط معظم القواعد الأندلسية التالدة، في أيدي النصارى، خلال الفترة التي انهار فيها سلطان الدولة الموحدية، وتضاءلت قواها ومواردها بالأندلس ثم المغرب. بيد أن تدخل بني مرين في سير الحوادث بالأندلس، ومناصرتهم لمملكة غرناطة، آخر الممالك الإسلامية بالأندلس، عصراً امتد زهاء ثمانين عاما، كان أكبر عون لها في كفاحها ضد إسبانيا النصرانية، وفي صمودها الطويل، في ميدان الصراع، ولولا عون بني مرين وعبورهم المتوالى إلى شبه الجزيرة، ليشدوا بأزر المملكة الإسلامية الصغيرة، لما كتب لغرناطة كل هذا العمر الطويل الذي عاشته، والذى امتد بعد انهيار الأندلس الكبرى زهاء قرنين آخرين.
وتوفي السلطان أبو يوسف يعقوب المرينى، قاهر الدولة الموحدية ومبيدها
بعد حياة حافلة بالفتوح المظفرة، في أنحاء المغرب، وأعمال الجهاد الجليلة بالأندلس
стр. 2296
وذلك بثغر الجزيرة الخضراء، في المحرم سنة ٦٨٥ هـ (مارس سنة ١٢٨٥ م) وقد أسبغت عليه انتصاراته الباهرة بالأندلس لقب المنصور بالله (١).
- ٣ -
والآن نقف لحظة تأمل، نحاول فيها أن نستعرض بعض العوامل والأسباب التي أدت إلى سقوط الدولة الموحدية، بعد أن عاشت منذ قيامها، بإعلان المهدي ابن تومرت لإمامته ورياسته، في جبل إيجليز في رمضان سنة ٥١٥ هـ، حتى سقوط حاضرتها مراكش، في يد السلطان أبي يوسف يعقوب المرينى في المحرم سنة ٦٦٨ هـ، مائة واثنتين وخمسين عاما، قضت منها زهاء نصف قرن، في القضاء على الدولة المرابطية بالمغرب، وافتتاح سائر أقطاره، ثم افتتاح إفريقية وثغورها، وافتتاح قواعد الأندلس بعد ذلك، والقضاء على ثورة ابن مردنيش والاستيلاء على مملكة مرسية، آخر مهاد الثورة والمقاومة بالأندلس، وذلك في سنة ٥٦٧ هـ، وقامت الإمبراطورية الموحدية الكبرى من ذلك التاريخ، تمتد من لوبية وساحل تونس شرقا، حتى المحيط الأطلنطى غربا، ومن ضفاف نهر التاجُه بالأندلس شمالا، حتى وادي درعة وبلاد السوس ومشارف الصحراء الكبرى جنوبا. على أن هذه الإمبراطورية العظيمة المترامية الأطراف، لم تمكث على وحدتها وتماسكها أكثر من نحو نصف قرن، هو الذي يشغله الشطر الأخير من عهد الخليفة عبد المؤمن، وعهد ولده الخليفة أبي يعقوب يوسف، ثم عهد الخليفة المنصور. ومنذ عهد ولد المنصور، الخليفة محمد الناصر (٥٩٥ - ٦١٠ هـ)، تعمل عوامل الانحلال والتفكك، التي بدأت قبل ذلك حتى في عهد المنصور، وحجبتها قوته وعزمه وانتصاراته الباهرة، عملها الفعال، في تقويض دعائم الدولة الموحدية، وتمزيق وحدتها. ويمكننا أن نعتبر موقعة العقاب المشئومة (صفر ٦٠٩ هـ - يوليه ١٢١٢ م) أخطر العوامل الحاسمة، في تسرب هذا الانحلال، إلى ذلك الصرح الشامخ، فقد هزت هذه الكارثة العظيمة أسس الدولة الموحدية إلى الأعماق، وكان ما وقع فيها من إفناء مروع للجيوش الموحدية وسحق لقوى الدولة ومواردها العسكرية، نذيراً واضحاً بانحلالها، وتضعضع قواها، وتضاءل مواردها. ثم جاء عصر الخلفاء الأحداث والخلفاء الضعاف،
стр. 2297
وعصر التنافس على عرش الخلافة، والحروب الأهلية المستمرة، وذلك كله في ظل دولة تقتص أطرافها وتنهار مواردها تباعا.
على أن موقعة العقاب الحاسمة، جاءت لتعزز عوامل خطيرة أخرى، كانت تجتمع تباعا، لتحدث آثارها المخربة المادية والأدبية، في صرح الدولة الموحدية. وقد كانت هذه العوامل تعمل عملها حتى في ظل عصر النهضة، وعصر الخلفاء الأقوياء، وقد كان في مقدمة هذه العوامل، نظام الحكومة الموحدية ذاته، وأسلوب الحكم الموحدي. فقد كانت الحكومة الموحدية تقوم على أساس العصبية والقبيلة والأسرة، وكان الخليفة الموحدي وهو رأس الدولة، يجعل من أقطار الدولة وعمالاتها إقطاعات قبلية وعائلية، فلا يتولى الحكم في الأقطار والعمالات سوى السادة من أبناء الخليفة، وأبناء عمومته وقرابته، إلا في أحوال نادرة، وكانت هذه القاعدة تطبق في المغرب والأندلس في وقت واحد. ولم يكن أولئك السادة أو الحفاظ، أو الزعماء القبليين، الذين يتولون الحكم، في المقاطعات والمدن، يتمتعون دائما بمستوى عال، من الكفاية والحزم والنزاهة، وإن كان منهم في أحيان كثيرة، رجال من ذوى المقدرة، والنباهة والعفة، وقادة من أقدر رجال الحرب. ولا شك أن هذا الأسلوب الإقطاعى الضيق، في حكم العمالات والمدن، لم يكن دائماً كفيلاً بتحقيق النظام والأمن والرخاء، أو بالدفاع عن مختلف أقطار الإمبراطورية وثغورها، ومن ثم فقد كشفت حوادث الأندلس وإفريقية، غير بعيد، عن ضعف هذا النظام وقصوره. فأما في الأندلس فقد استطالت إسبانيا النصرانية والبرتغال على الأراضي الإسلامية، ونفذت قشتالة بغزواتها إلى ما وراء جبل الشارات (سيرّا مورينا)، ووصلت جيوشها إلى بسائط قرطبة وإشبيلية، ونفذت مملكة ليون الصغيرة حتى ضفاف نهر وادي يانه، واستطاعت مملكة البرتغال الناشئة من جانبها، أن تستولى على قواعد ما وراء التاجه، وأن تنفذ بغزواتها جنوبا حتى شلب، وشرقا حتى بطليوس. ولم تستطع القيادة الموحدية بالأندلس بالرغم مما كان لديها من الموارد والحاميات العديدة، وبالرغم مما كان يتدفق عليها من القوات من وراء البحر، أن تقمع هذا العدوان المستمر من جانب النصارى، أو أن تقف في وجه الغزوات النصرانية بطريقة ثابتة، بل لم يستطع الخلفاء الموحدون أنفسهم، بالرغم من عبورهم إلى شبه الجزيرة غير مرة، في جيوشهم الزاخرة، وعُددهم الهائلة، حماية الأندلس
стр. 2298
واسترداد قواعدها وثغورها المفقودة، وكان ما أصابهم من مرارة الإخفاق أكثر مما حققوا من الفتح والنجح، ولم يكن بين غزواتهم الموفقة اللامعة سوى غزوات المنصور وانتصاره الباهر في معركة الأرك العظيمة (شعبان ٥٩١ هـ - يوليه ١١٩٤ م) وهو انتصار لم تلبث أن محت آثاره هزيمة العقاب الساحقة (٦٠٩ هـ). وتفاقمت هذه الآثار في الأندلس بقيام الخليفة العادل، خروجا على خلافة أبي محمد عبد الواحد بمراكش، ثم اضطرام ثورة البياسى (٦٢١ - ٦٢٣ هـ)، وجنوحه إلى ممالأة ملك قشتالة، وتسليمه إليه عديد الأراضي والحصون، ثم خروج الخليفة المأمون على أخيه العادل ٦٢٤ هـ، والتجائه إلى ملك قشتالة، واستعانته بالجند النصارى على تحقيق أمره، وتسليمه بدوره لملك قشتالة طائفة جديدة من الحصون الأندلسية. ويجب أن نضيف إلى ذلك مأساة السيد أبي زيد والي بلنسية وأخى عبد الله البياسى، فقد رأينا ما كان من أمر هذا السيد، حينما نهض الأمير أبو جميل زيان وانتزع منه حكم بلنسية، فقد التجأ إلى حماية ملك أراجون، واعتنق النصرانية وأصبح حربا على أمته ودينه، يسلم للنصارى ما كان بيده من الحصون، ويقودهم إلى غزو الأراضي الإسلامية. وقد كانت هذه الأحداث المبيرة كلها، نذيراً بانهيار الأندلس، وتمزيق وحدتها، وتفكك أوصالها، والتمهيد لسقوط قواعدها الكبرى، وكان في الوقت نفسه نذيراً بفقد الدولة الموحدية لهذا القطر العظيم من أقطارها. وأما في إفريقية، فقد كان غزو بني غانية لثغورها وقواعدها الغنية، وعيثهم في بسائطها، وقتلهم لسكانها وانتهابهم لأموالها، وذلك مدى ثلاثين عاما، وما اضطرت الخلافة الموحدية أن تخوضه من المعارك المستمرة في إفريقية، خلال هذه الفترة، وما تكبدته من الجهود والنفقات الهائلة، في سبيل هذه المعارك، وما هلك من جيوشها في ميدان القتال لمدافعة بني غانية، وللذود عن سلطانها في إفريقية: كان لذاك كله أثر بالغ في تقويض مواردها، وإضعاف قواها. وتخريب قطر من أعظم أقطارها، وأغناها وأزخرها بالموارد. وبالرغم من أن الخلافة الموحدية، استطاعت في النهاية أن تقضى على فورة بني غانية، وأن تسترد منهم سائر الثغور والأراضي الإفريقية، وأن تفتتح ميورقة موطنهم الرئيسي، ومثوى حكومتهم ورياستهم، فإن ذلك لم يكن كافيا لتوطيد سلطان الدولة الموحدية بإفريقية، ولم يكن ليحول دون تيار الحوادث الجارف، وقد كان يندفع بإفريقية إلى قدر آخر غير البقاء في ظل الدولة الموحدية
стр. 2299
وقد كان انسلاخ إفريقية عن الدولة الموحدية، وقيام الدولة الحفصية بها منذ سنة ٦٢٧ هـ (١٢٢٩ م) في الواقع نتيجة لفورة بني غانية، والأحداث العظيمة التي أثارتها، وكان هذا الانفصال، بعد ضياع الأندلس، أخطر ضربة أصابت الإمبراطورية الموحدية من الناحية الإقليمية، ثم تبعتها تلمسان فاستولى عليها يغمراسن بن زيان وقومه من بني عبد الواد، وقامت بها إمارة مستقلة، أخذت في التوطد والنماء، وبذلك فقدت الدولة الموحدية إفريقية والمغرب الأوسط وفقدت في نفس الوقت ثغرى سبتة وطنجة، حيث قامت كلتاهما أولا بالدعوة الحفصية، ثم استقلت سبتة برياسة الفقيه العزفى (سنة ٦٤٧ هـ) وتبعتها طنجة، فاستقلت برياسة ابن الأمين. وبذلك فقدت الدولة الموحدية سائر ثغورها الشمالية. ثم كانت المرحلة الأخيرة في تفكك الدولة الموحدية، وهي المرحلة التي ظهر فيها بنو مرين، وقوى أمرهم بوادي ملوية، وغلبوا تباعا على أطراف المغرب الأقصى. وفي الوقت الذي شغلت فيه الخلافة الموحدية بمصانعة طوائف العرب من الخلط وغيرهم، ومعالجة غدرهم وخياناتهم، وبقمع الثورة في الأنحاء الجنوبية، كان بنو مرين يتوغلون تباعا في الأنحاء الشمالية. ولما شعر الموحدون بخطر بني مرين، على ما تبقى من إمبراطوريتهم الشاسعة، في المغرب الأقصى، كان الوقت قد فات للتغلب على تلك القوة الناهضة الدافعة، وكان سقوط مكناسة في أيدي بني مرين في سنة ٦٤٣ هـ، بداية النهاية في ضياع أمصار المغرب الأقصى، وتلتها فاس عاصمة المغرب القديمة التالدة، فسقطت لأول مرة في أيدي بني مرين في سنة ٦٤٦ هـ، ثم استولوا عليها نهائيا بعد ذلك بعامين، وكان سقوط فاس أعظم أمصار المغرب الأقصى بعد مراكش، عنوان الانهيار الأخير، فلم تمض عشرون عاما أخرى هي عهد الخليفة المرتضى، حتى اجتاح بنو مرين سائر أراضي المغرب الأقصى، فيما وراء وادي أبي رقراق ووادي أم الربيع، واستولوا على سائر تلك المنطقة، ثم كان استيلاؤهم على مراكش في المحرم سنة ٦٦٨ هـ من يد صنيعتهم أبي دبوس، خاتمة ذلك الصراع المرير المؤلم، وكان خاتمة الدولة الموحدية.
وإذا تركنا العوامل والأسباب المادية جانبا، فإن العوامل الأدبية قد لعبت أيضاً، دوراً في هذه المأساة التاريخية. ذلك أن الدولة الموحدية، قامت على أسس الإمامة المهدية، والعقيدة الموحدية، وكانت هذه الأسس بغض النظر عن حقيقة أمرها، توثق أواصر الزعامة الموحدية، وتجمع كلمة الموحدين القبلية
стр. 2300
والعقيدية، حول إمامة واحدة، فلما تحولت الإمامة الموحدية، إلى خلافة دنيوية، وانحصرت في بني عبد المؤمن، ضعفت هذه الأواصر العقيدية، التي كانت توثق بين الزعامة الموحدية، ولم يبد الخلفاء الموحدون من بعد عبد المؤمن أية حماسة ظاهرة في تمجيد الإمامة المهدية. وكان الخليفة المنصور بالعكس، يبدى ريبه في صحة إمامة المهدي، وفي عصمته، ولكنه لم يجرأ على أن يحدث أي تغيير ظاهر، في رسوم الإمامة الموحدية. فلما تولى ولده أبو العلا إدريس المأمون الخلافة، كان في ذلك أشد منه جرأة وإقداما، فأصدر مرسومه الشهير بإلغاء الإمامة المهدية، ومحو رسومها وآثارها (٦٢٧ هـ) وقام بذلك بثورة حقيقية في كيان العقيدة الموحدية. وكان من أثر هذا الاجتراء على محو تراث المهدي ووصيته الدينية، أن خرج معظم الأشياخ الموحدين على خلافة بني عبد المؤمن، ولجأوا إلى منازلهم في جبال المصامدة. وبالرغم من أن هذا الانفصام لم يكن له أثر مباشر من الناحية المادية، فقد كان له من الناحية الأدبية أعمق وقع، وفقدت خلافة مراكش من جرائه كثيراً مما كانت تتمتع به، من التأييد الروحى والقبلى، ولاسيما في منطقة جبال المصامدة وبلاد السوس. فلما كان عهد الرشيد ولد المأمون، وقع التقرب بين الزعماء الموحدين وبين الخلافة الموحدية، وأعاد الرشيد رسوم الإمامة المهدية، وتقاليدها السابقة، إرضاء لهؤلاء الزعماء، وجمعا للكلمة. ولكن الخلافة الموحدية لم تبرأ من ذلك الصدع الذي أصابها، ولم يكن ذلك التقرب الجديد بينها وبين أوليائها القدماء، وثيق العرى، بل كانت تغشاه الريب المتبادلة والحذر الدائم.
وكذلك كان أمر الروابط القبلية بين الخلافة الموحدية، وبين بعض القبائل البربرية القوية، وطوائف العرب من أنصارها القدماء. وقد كانت هسكورة وهي من أقوى هذه القبائل وأكثرها عدداً، تتردد بين تأييد الخلافة الموحدية وبين الخروج عليها، لا بسبب العقيدة أو المبدأ، ولكن لبواعث المصلحة الشخصية، وقد لعبت بذلك دورا هاما في المرحلة الأخيرة، من مصاير الخلافة الموحدية. وأما طوائف العرب مثل عرب الخلط وعرب المعقل وبنى جابر وغيرهم، فقد كان موقفهم من الخلافة الموحدية، موقفاً ذميما مؤلما، ولم يكن يحدوهم في تأييدها أية عاطفة من الولاء الثابت، أو شكر الصنيعة، مهما أغدقت عليهم، وكان تقلبهم في تأييد الجهات المختلفة، لا تمليه سوى البواعث المادية الوضيعة. وكانت أعمال التخريب والعيث والسفك والنهب، هي جل ما يستغرق نشاطهم أينما حلوا، وكانت خياناتهم
стр. 2301
وتخاذلهم عن نصرة حلفائهم، في مختلف المعارك، مضرب الأمثال، وقد عانت الخلافة الموحدية كثيراً من أعمال غدرهم ونكولهم، وذلك حسبما فصلناه في مختلف المواطن.
ويجب ألا ننسى تبعة الخلفاء الموحدين أنفسهم، في العمل على تقويض أسس سلطانهم ودولتهم. فقد رأينا الخلفاء، منذ وفاة يوسف المستنصر، ينحدرون إلى هاوية الحرب الأهلية، ويشتغلون بالصراع فيما بينهم، حول اغتنام العرش، ويبددون قوي الدولة ومواردها، في معارك أهلية عقيمة، وقد استغرقت معارك المأمون، ثم ولده الرشيد، ويحيى المعتصم، فترة طويلة وموارد زاخرة، في الوقت الذي كان فيه بنو مرين يتوغلون داخل أنحاء المغرب، ويوطدون سلطانهم فيها، وقد اجترأ الموحدون في أواخر عهدهم على قتل خلفائهم، فقتل الخليفة أبو محمد عبد الواحد، ثم قتل خلفه الخليفة العادل، وقتل المأمون أشياخ الموحدين، الذين نكثوا بيعته، وقد كانوا نحو مائة أو تزيد، وقد أفنيت بهذا العمل الدموى، خلاصة الزعامة الموحدية، وانهار نفوذها القوي في توجيه الشئون.
ومما تجدر ملاحظته أن الدولة الموحدية، جازت عهداً طويلا من الانحلال والتفكك، استطال زهاء ستين عاما، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، وتدرجت في هذا الانحلال أطواراً متعاقبة، فلم يكن سقوطها أمراً سريعاً مفاجئاً، كما حدث في أمر الدولة المرابطية، وإنما كانت كل مرحلة تنبىء عن المرحلة التالية، ومن ثم فإن سقوطها لم يحدث في الأمة المغربية هزة عميقة، كتلك التي أحدثها سقوط الدولة المرابطية، ولم يقع في مراكش أو غيرها من المدن المغربية، عند انهيار الحكم الموحدي، شىء من تلك المناظر المروعة، التي اقترنت بدخول الموحدين مراكش، وغيرها من الحواضر، واستقبلت الأمة المغربية دولتها الحاكمة الجديدة - دولة بني مرين - بشعور الاستبشار والرضى، ولم يلبث أن تألق الحكم الجديد، وسطعت دولة بني مرين الزاهرة، وساد الأمن والنظام، وعم اليسر والرخاء في الحواضر والبوادى، واختفت تلك الهزات والأحداث العنيفة، التي لبثت تعكر صفاء السلم والحياة الوادعة، أكثر من نصف قرن.
- ٤ -
وعلى أثر انهيار الدولة الموحدية، انهار ذلك الصرح القبلى الشامخ، الذي كان ينتظم عقده، من سائر قبائل المصامدة، والموحدين، كلما جد الجد أو أقبل الجهاد، فيغدو عماد الجيوش الموحدية الجرارة، وكانت هذه القبائل تنقسم
стр. 2302
إلى مجموعتين: الأولى قبائل المصامدة، والثانية قبائل الموحدين. فأما المجموعة الأولى، فكانت تضم قبائل هسكورة ودُكالة وهيلانة وحاحة وغيرها، من قبائل المصامدة، وكانت هسكورة أكبر هذه القبائل عددا وأكثرها بطونا، ومن بطونها قبيلة جنفيسة (كنفيسة)، وكانت لضخامتها ووفرة حشودها، تحتل مكانة ملحوظة، بين قبائل الدولة الموحدية، بيد أن أهلها كانت تغلب عليهم البداوة، لا يخالطون الموحدين، فيما انغمسوا فيه من حياة الحضر والترف، بل يؤثرون التزام جبالهم المتشعبة من جبال الأطلس الشامخة، والممتدة في جنوب شرقي مراكش حتى مشارف السوس الأقصى. ولما غلب بنو مرين على الدولة الموحدية ومحوا آثارها، اضطهدوا هسكورة وفرضوا عليها المغارم الثقيلة، فلزموا السكينة، ولبثوا معتصمين بجبالهم، ولم يرتضوا خدمة الدولة الجديدة، ولم يدينوا بدعوتها، وكانت كلما اشتدت عليهم وطأة عسكر بني مرين ردوهم بدفع الإتاوات من آن لآخر. وكان رؤساؤهم يتمتعون بنوع من الاستقلال المحلى، ويحشدون حولهم الحشود لحماية سلطانهم، وتحصيل جباياتهم، ويستعينون أحيانا ببعض قبائل الجبل من أهل بسائط السوس من بطون هسكورة وجنفيسة، وكذلك ببعض بطون العرب مثل بني الحارث من سفيان، والشبانات من عرب المعقل. وهكذا لبثت هسكورة بعيدة عن الولاء لبني مرين، لا تدين بطاعتهم، إلا عن طريق الجزية، كما حدث أيام السلطان أبي الحسن المرينى، وأحيانا تناوئهم متى شعرت بضعف الدولة وتراخيها (١).
وكذلك استقلت بقية قبائل المصامدة غربي مراكش، مثل دكالة وهيلانة وحاحة، بأمرها ورياستها، وكانت منازلهم تمتد غربا حتى شاطىء المحيط (٢).
وأما المجموعة الثانية فكانت تضم قبائل الموحدين، ومنازلها على مقربة من مراكش، وكانت منها سبع قبائل امتازت بالسبق والإيثار على غيرها، لاعتناقها دعوة المهدي ابن تومرت، قبل أن يتوطد أمره، أو بعبارة أخرى قبل افتتاح مراكش. وهذه القبائل السبع تنتمى إلى المصامدة، وهي هرغة قبيلة الإمام المهدي، وهنتاتة، وتينملّل وهم الذين بايعوه مع هرغة في بداية أمره، وجنفيسة، وهزرجة، وجدميوة (كدميوة) ووريكة. وتلحق بها قبيلة ثامنة، هي كومية قبيلة الخليفة عبد المؤمن ابن علي كبير صحابة المهدي. وكانت هذه القبائل الثمان لسبقها في البيعة والطاعة، تتمتع بمزايا الإيثار في السلطان والنفوذ، وتولى المناصب والقيام بمهام الأمور. فلما
стр. 2303
انهارت الدولة الموحدية ضعف أمرهم، وأضحوا من الرعايا العاديين للدولة الغالبة (١). وقد دثرت قبيلة هرغة - قبيلة المهدي - بعد سقوط الدولة بقليل، وفقدت كل مكانة ونفوذ، وكذا كان مصير قبيلة أو أهل تينملّل، وهم الذين نزل بينهم المهدي وأعلن إمامته، وأنشأ داره ومسجده، وكان لهم شأن في مناصب الدولة، وعمالاتها، ولكن رجالاتهم انقرضوا غير بعيد، وملك أمرهم غيرهم من زعماء المصامدة. وكان قبر المهدي لديهم بتينملّل، مايزال حتى العصر الذي كتب فيه ابن خلدون تاريخه، حوالى سنة ٧٨٠ هـ، مايزال مزاراً مرموقاً، وعلى ما كان عليه من التجلة والتعظيم، يتلى به القرآن والأحزاب باستمرار ويقوم عليه الحجاب والحفاظ، وتترى إليه الوفود من كل فج، وتقدم الصدقات نذرا وتبركا. وكان أهل تينملل ومعهم كافة المصامدة، يعتقدون اعتقاداً جازماً، بأن أمر المهدي سيعود، وأن الدولة ستظهر على أهل المشرق، ويملأ المهدي الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وذلك وفق ما وعدهم به (٢).
وأما هنتاتة، فكانت من أشد قبائل الموحدين بأسا وتمكنا في الدولة، وذلك لما كان عليه زعيمها الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتى، أحد الصحب العشرة، من مكانة ملحوظة لدى المهدي، وقد لبث آبناؤه يتبوأون أرفع مناصب الدولة، وانتهى زعيمهم أيام الناصر، الشيخ أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص، بأن غلب على ولاية إفريقية، ومهد ملكها لعقبه، فأقاموا بها دولة مستقلة عظيمة. ولما انتهت الدولة الموحدية، لبثت هنتاتة في موطنها القديم بجبال درن، على مقربة من مراكش، وكانوا أيام بني مرين، من القبائل الخاضعة لسلطان الدولة الجديدة، يولون عليها من شاءوا لضبطها وتحصيل جبايتها.
وكانت قبيلة جدميوة تابعة لهنتاتة، وتينملل، وجبلهم بجوار جبل هنتاتة، فلما انهارت الدولة افترق أمرهم، وخضع بعضهم لبني مرين، وامتنع البعض الآخر عن الطاعة. وكانت وريكة كذلك من القبائل المجاورة لهنتاتة، وكانت بينهم فتن وحروب مستمرة هلك فيها كثير من الفريقين المتخاصمين (٣).
وهكذا كانت الخاتمة المؤسية، لتلك المجموعة من القبائل البربرية والبدوية، التي هزتها دعوة المهدي ابن تومرت إلى الأعماق، ومكنتها من أن تنشىء دولة من أعظم الدول، في الغرب الإسلامي، هي الدولة الموحدية الكبرى.
стр. 2304
الكتاب الحادي عشر الممالك الإسبانية النصرانية خلال العصْر الموحّدى
стр. 2305
الفصل الأول قشتالة وليون منذ عهد الفونسو الثامن حتى عهد فرناندو الثالث
ألفونسو الثامن الملقب بالنبيل. الممالك النصرانية الإسبانية في عهده. ألفونسو الثاني ملك أراجون. العلائق بين قشتالة وأراجون. اجتماع ألفونسو الثامن وألفونسو الثاني. تسوية العلائق بينهما وتحالفهما. زواج ألفونسو الثامن من إبنة ملك انجلترا هنري الثاني. ألفونسو الثامن يشهر الحرب على نافارا. غزوه للأراضي الإسلامية. استيلاؤه على قونقة. توثق العلائق بين قشتالة وأراجون. التحكيم بين قشتالة ونافارا. تنظيم فتوح الإسترداد بين قشتالة وأراجون. اضطراب العلائق بين قشتالة ونافارا. وفاة فرناندو ملك ليون. يخلفه ولده ألفونسو التاسع. غزوات القشتاليين لأراضي الأندلس حتى موقعة الأرك. غزوات الموحدين لأراضي قشالة. تحالف ملك قشتالة وبيدرو الثاني ملك أراجون. تعاونهما في محاربة نافارا وليون. استنصار سانشو ملك نافارا بالموحدين. عبوره إلى المغرب وزيارته للخليفة الناصر. غزو ملك قشتالة لنافارا واستيلاؤه على جيبوسكوا. اهتمام البابوية بالتجاء ملكى نافارا وليون إلى الموحدين. مطالبتها بإلغاء زواج ألفونسو التاسع من ابنة عمه برنجيلا. إلغاء هذا الزراج وآثاره. إهتمام ألفونسو الثامن بفتوح الإسترداد. سعيه في جمع كلمة الملوك النصارى. تكتل اسبانيا النصرانية ضد اسبانيا المسلمة. تأييد البابوية والنصرانية لهذا التكتل. عبور الناصر إلى الأندلس. موقعة العقاب ونتائجها المشئومة. غزوات ألفونسو الثامن لأراضي الأندلس. وفاته وخلاله. إصلاحاته الداخلية. ولده الطفل إنريكى يخلفه على العرش. وقوعه تحت وصاية آل لارا. مشروع لزواجه وإلغاء البابوية لهذا المشروع. وفاة إنريكى في حادث. الملكة برنجيلا تنصب ولدها فرناندو الثالث على عرش قشتالة. فرناندو الثاني ملك ليون. يعقد الصلح مع ألفونسو الثامن. وفاته وقيام ولده ألفونسو التاسع في العرش. عقده لمجلس الكورتيس. يعقد الصلح مع قشتالة والبرتغال. زواجه من الأميرة تريسا البرتغالية وإلغاء البابوية لهذا الزواج. تحالفه مع الموحدين. عقد التحالف بين نافارا وليون والموحدين. عود ألفونسو التاسع إلى التفاهم مع قشتالة. زواجه من الأميرة برنجيلا ثم إلغاء هذا الزواج. تردده بين مخاصمة قشتالة ومسالمتها. إجتماع كلمة الملوك النصارى تحت ضغط البابوية. غزوات القشتاليين لقطاع أبدة، ومحاصرة ألفونسو التاسع لقاصرش. قيام فرناندو الثالث في عرش قشتالة أثر وفاة ألفونسو الثامن. محاولة ملك ليون معارضته وانتزاع العرش منه. فشل هذه المحاولة. عقد السلام بين قشتالة وليون. عود ألفونسو التاسع لمحاصرة قاصرش وافتتاحها. استيلاؤه على ماردة وبطليوس. وفاته. يترك العرش لإبنتيه. تنازلهما عنه لفرناندو الثالث. عود اتحاد قشتالة وليون. فرناندو الثالث ملك قشتالة وليون، وخايمى الأول ملك أراجون. اهتمام فرناندو الثالث بفتوح الإسترداد. ظروف الأندلس تمهد لهذه الفتوح. غزوات فرناندو في الأندلس الوسطى. استيلاؤه على أبدة. استيلاؤه على قرطبة وأحوازها. تنافس ابن هود
стр. 2306
وابن الأحمر على مصانعته. وفاة ابن هود واحتواء ابن الأحمر على معظم تراثه. اهتمام فرناندو بالضغط على ابن الأحمر. ابن الأحمر يعقد الصلح مع فرناندو ويعترف بطاعته. أعظم أعمال فرناندو استيلاؤه على إشبيلية. استيلاؤه على بقية قواعد هذه المنطقة. عنايته بالشئون الداخلية. إصلاحه لنظم الحكم والإدارة. إنشاؤه لجامعة شلمنقة. إنشاؤه لدار الصناعة بإشبيلية. مشروعه في توحيد القوانين القشتالية. إتمام هذا المشروع في عهد ولده ألفونسو العاشر. وفاته وخلاله.
١ - مملكة قشتالة
انتهينا فيما تقدم، من تاريخ الممالك الإسبانية النصرانية حتى وفاة القيصر ألفونسو ريمونديس (١١٥٧ م) وما أعقب وفاته من تقسيم مملكته، بين ولديه سانشو وفرناندو، حيث اختص أكبرهما سانشو بعرش قشتالة، واختص الأصغر فرناندو بمملكة ليون وجلّيقية، وما حدث بعد ذلك من وفاة سانشو فجأة في سنة ١١٥٨ م، لعام فقط من حكمه، دون أن يترك لوراثة العرش سوى طفل في الثالثة من عمره هو ألفونسو، وما أثارته مسألة الوصاية على هذا الأمير الطفل في قشتالة من حرب أهلية مضطرمة بين أسرتى كاسترو ولارا، استمرت بضعة أعوام، وانتهت حينما بلغ الطفل الحادية عشر من عمره بإعلانه ملكاً على قشتالة، تحت كنف أسرة لارا القوية.
كما تحدثنا فيما تقدم، عن قيام جماعات الفرسان الدينية، في الممالك الإسبانية النصرانية، وعن قيام مملكة البرتغال، واشتداد ساعدها، في عصر ملكها ومنشئها الحقيقي ألفونسو هنريكيز.
ونود الآن أن نتابع تاريخ هذه الممالك الإسبانية النصرانية، خلال العصر الموحدي، وذلك في شىء من الإيجاز، ولاسيما فيما يتعلق بمراحل الصراع، بينها وبين الأندلس المسلمة، أو بعبارة أخرى بينها وبين الدولة الموحدية، صاحبة السيادة على الأندلس في تلك الفترة، وذلك لأننا تتبعنا مراحل هذا الصراع خلال كتابنا بإفاضة وافية.
بدأ ملك قشتالة الصبي ألفونسو الثامن، الملقب بألفونسو النبيل، حكمه حينما بلغ الرابعة عشرة في سنة ١١٦٩ م. وكانت إسبانيا النصرانية، تنقسم يومئذ إلى أربع ممالك، هي قشتالة وليون وأراجون ونافارا (نبرّة)، هذا عدا مملكة البرتغال، وكانت تشق طريقها الخاص في غربي شبه الجزيرة، وتتخذ لنفسها سياسة مستقلة، عن باقي الممالك الإسبانية. وكانت قشتالة، بالرغم من انفصال ليون عنها، وقيامها مملكة مستقلة، ما تزال أكبر المالك الإسبانية رقعة،
стр. 2307
وأوفرها قوة وموارد، تليها في ذلك مملكة أراجون التي اتسعت رقعتها، ونمت قوتها باتحاد إمارة قطلونية أو إمارة برشلونة معها، وذلك منذ سنة ١١٣٧ م حسبما سبق أن فصلناه في موضعه. وكانت ليون ثالثة الممالك الإسبانية، بيد أنها لم تكن في الواقع، بالرغم من استقلالها وانفصالها عن قشتالة، وفقاً لوصية القيصر ألفونسو ريمونديس، سوى إمارة ضعيفة تشق طريقها بصعوبة، ولم يكن لها كبير شأن، في سير الحوادث الهامة في شبه الجزيرة، وكان التوتر سائداً بينها وبين شقيقتها الكبرى قشتالة. وكانت نافارا وهي رابعة هذه الممالك كعهدها دائماً، مملكة صغيرة الرقعة، ولكن قوية الشكيمة، ممتنعة وراء جبالها الوعرة، وحرصها المأثور على استقلالها.
وكان على عرش أراجون في الوقت نفسه ملك فتى آخر، هو رامون برنجير الذي سمى ألفونسو الثاني، وقد تولى العرش عقب وفاة أبيه رامون برنجير الرابع في سنة ١١٦٢ م، ولقب كأبيه بملك أراجون وقطلونية، وكانت علائق أراجون وقشتالة، منذ أواخر عهد القيصر ألفونسو ريمونديس، على أتم صفاء ووفاق، وذلك لما كان يربط القيصر بعاهل أراجون رامون برنجير الرابع، من وشائج المصاهرة، بزواجه، من ابنته الملكة برنجيلا. وكان أول عمل قام به ألفونسو الثامن، أن اجتمع في ساهاجون بزميله الفتى ملك أراجون ألفونسو الثاني، وذلك في سنة ١١٧٠ م، وقد شهد هذا الاجتماع أكابر الأحبار، والأشراف من المملكتين، واتفق الملكان على تسوية سائر الشئون والخلافات القائمة بين المملكتين، وعقدا معا حلفا ضد باقي الملوك والأمراء، ما عدا ملك انجلترا هنري الثاني، وذلك لأن ألفونسو الثامن كان قد عقد خطبته على ابنته الأميرة إلينور، ثم سار الملكان إلى سرقسطة عاصمة أراجون، وقضى ألفونسو الثامن في سرقسطة زهاء شهرين في انتظار مقدم عروسه الأميرة الإنجليزية، وكانت قادمة من انجلترا في حاشية فخمة من الأحبار والفرسان الإنجليز والنورمان والغسقونيين، وكانت قد سارت بعثة ملكية قشتالية، على رأسها أسقف طليطلة حتى ثغر بوردو، وعادت بالأميرة الإنجليزية إلى اسبانيا. وسار الملكان إلى طرسونة حيث عقد زواج ألفونسو الثامن بالأميرة إلينور في حفلات باذخة، في تلك المدينة الأرجونية المتواضعة.
وكانت أول حركة قام بها ألفونسو الثامن هو شهره الحرب على نافارا،
стр. 2308
وكان سانشو السادس ملك نافارا قد انتهز فرصة قصر ألفونسو، وانتزع جزءاً كبيراً من أراضي قشتالة المجاورة، فلما عقد التحالف بين أراجون وقشتالة، زحف ألفونسو على نافارا في جيش ضخم في صيف سنة ١١٧٣ م، واستولى على بريفسكا ولوجرينو وناباريتي، وهزم ملك نافارا، وطارده حتى أحواز بنبلونة. وبعد ذلك بعامين عاد ملك قشتالة وحليفه ملك أراجون، فشهرا الحرب ضد نافارا، وأوقعا بها هزائم أخرى.
وكانت فكرة غزو الأراضي الإسلامية، هي الهدف الأول للسياسة القشتالية. ولم يشذ ألفونسو الثامن عن هذه القاعدة، ففي أواخر سنة ١١٧٦ م، خرج ألفونسو ووصيه السابق الكونت نونيو دي لارا، واتجها صوب حدود شرقي الأندلس، وكانت مدينة قونقة إحدى قواعد الحدود الإسلامية، هدف هذه الغزوة، خصوصاً وقد كان الموحدون، يتخذونها قاعدة للإغارة على أراضي شرقي قشتالة، واضطرت القوات القشتالية، نظراً لمناعة المدينة، أن تضرب حولها الحصار، واستمرت قونقة، صامدة نحو تسعة أشهر، ولم تستطع الأمداد الموحدية أن تصل إليها، حيث اعترضتها قوات ملك أراجون حليف ملك قشتالة، وسقطت المدينة المسلمة في النهاية، في أيدي القشتاليين، في سبتمبر سنة ١١٧٧ م، وذلك كله حسبما سبق أن فصلناه في موضعه (١).
وجدد ملك قشتالة وملك أراجون تحالفهما، بمناسبة ما أبداه ملك أراجون، من المعاونة في فتح قونقة، وأحلّ ملك قشتالة زميله الفتى، من عهد الولاء الذي كانت ترتبط به أراجون نحو قشتالة، منذ عهد رامون برنجير الرابع. وفي الوقت نفسه اتفق ملك قشتالة مع خصمه سانشو السادس ملك نافارا، على تسوية ما بينهما من خلاف، واتفقا على أن يخضعا في ذلك لتحكيم هنري الثاني ملك انجلترا، وبعث كل من الملكين سفراء إلى لندن، ليعرضا ما بينهما من أوجه الخلاف. وبعد أن درس هنري الثاني، وجوه النظر المختلفة، وأخذ رأى البرلمان في ذلك، أصدر قراره بأن يرد كل من الملكين إلى الآخر بعض القواعد والأراضي، التي كان يدعى كل ملكيتها، وأن يرد ملك قشتالة بالأخص إلى نافارا، لوجرينو وأوسيخو ووناباريتى، وأن يدفع ملك قشتالة لملك نافارا مدى عشرة أعوام ثلاثة آلاف مرافيدى كل عام، فقبل الملكان هذا القرار،
стр. 2309
وعقد بينهما السلم لمدة عشرة أعوام.
وكانت فكرة التحالف بين قشتالة وأراجون، وهما أقوى الممالك الإسبانية النصرانية، تنطوى قبل كل شىء على التكتل ضد الجبهة الإسلامية في شبه الجزيرة، والتعاون في دفع حركة الإسترداد النصرانية La Reconquista ضد الأندلس، ومن ثم فقد كان لابد من تنظيم هذه الحركة، وتحديد مناطقها بالنسبة لكل من المملكتين، وقد عقد اتفاق جديد من هذا النوع بين الملكين في بلدة كسولا Cazola حيث التقيا، وذلك في سنة ١١٧٩ م، وفيه خصت مملكة أراجون بالفتوح في منطقة بلنسية الإسلامية جنوبا حتى ثغر لقنت، وخصت مملكة قشتالة بالفتوح في سائر الأراضي الواقعة جنوب هذا الثغر، وجاء هذا الاتفاق، مؤيداً لأول اتفاق عقد بهذا الشأن، بين القيصر ألفونسو ريمونديس، والكونت رامون برنجير، بمدينة كربون في سنة ١١٥٠ م، حسبما سبق أن أشرنا إليه في موضعه (١).
وعقد ملكا قشتالة وأراجون أيضاً، حلفاً جديداً ضد ملك نافارا، لأنه بدأ يعارض في قرارات التحكيم التي أصدرها ملك انجلترا، والتزم كل من الفريقين بتنفيذها، واضطر ملك قشتالة من جراء ذلك أن يحتل لوجرنيو وناباريتى وبريفيسكا وغيرها، وهي الأماكن التي تقرر ردها إلى نافارا، لأن ملك نافارا أبي من جانبه أن يرد الأماكن التي تقرر ردها إلى ملك قشتالة. وقد اقترح ملك أراجون، أن يعقد اجتماع جديد بين الملكين المتخاصمين، وعقد هذا الاجتماع بالفعل في جريدا، في سنة ١١٨٥ م، ولكنه لم يسفر عن نتائج حاسمة، واستمر التوتر في العلائق قائما بين نافارا وقشتالة.
وفي سنة ١١٨٨ م. توفي فرناندو الثاني ملك ليون وجليقية، وهو كما نذكر عم ملك قشتالة، وخلفه في الحكم ولده ألفونسو التاسع، ورأى ملك ليون الجديد، أن يعدل سياسة الخصومة التي كان يتبعها أبوه نحو قشتالة، وأن يعقد معها أواصر الود، فقابل ألفونسو الثامن في كريون، وقدم إليه طاعته، وأسبغ عليه ملك قشتالة ثوب الفروسية، وهكذا ارتدت ليون إلى التفاهم مع قشتالة، بعد أن لبثت حينا تناصبها العداء.
ولسنا في حاجة لأن نكرر هنا، الحديث عند الغزوات المتوالية، التي قام
стр. 2310
بها القشتاليون في أراضي الأندلس، منذ استيلائهم على حصن شنتفيلة في سنة ١١٨٢ م، حتى غزوة مطران طليطلة وفرسان قلعة رباح لأراضي جيان وقرطبة في سنة ١١٩١ م، وخروج ملك قشتالة في قواته لاختراق جبال الشارات، وغزو أراضي الأندلس مرة أخرى في سنة ١١٩٤ م، على أثر انتهاء أجل الهدنة التي سبق أن عقدها الخليفة يعقوب المنصور، منتهزاً فرصة انشغال المنصور بحوادث إفريقية، وما كان لهذا العدوان من أثر، في تحرك الخليفة الموحدي، وعبوره إلى الأندلس في جيوشه الزاخرة، لقمع هذا العدوان، وما تلا ذلك من نشوب موقعة الأرك العظيمة بين الموحدين وبين قوي قشتالة، وذلك في ١٨ يوليه سنة ١١٩٤ م (٩ شعبان سنة ٥٩١ هـ)، وهي معركة انتهت بنصر الموحدين الباهر، وذلك كله حسبما فصلناه فيما تقدم من كتابنا.
وقد وضعت هزيمة الأرك، حدا مؤقتا، لتفوق قشتالة العسكرى في شبه الجزيرة، ولنشاطها المخرب في أراضي الأندلس، وكانت فرصة انتهزها سانشو ملك نافارا، فأغار على أراضي قشتالة من ناحية سُرية وعاث فيها، وهذا إلى ما قام به الموحدون من جانبهم، من استردادهم لقلعة رباح، ومن غزوات مخربة متوالية، في منطقة طلبيرة وطليطلة والقلعة، ووادي الحجارة وغيرها، وما قام به ألفونسو التاسع ملك ليون من غزو أراضي قشتالة بمعاونة الموحدين، واجتياحها حتى مدينة كريون، وهي غزوة تعاونت قوات قشتالة وأراجون في دفعها (١).
ولم يجد ملك قشتالة، إزاء هذه الخطوب المتوالية، ملاذا إلا في محالفة أراجون وكان ملكها ألفونسو الثاني قد توفي في سنة ١١٩٦ م، وخلفه ولده الملك بيدور الثاني، وتوثقت أواصر هذا الحلف مع أراجون، وغدا ملكها الجديد، أكبر عون لملك قشتالة. وبدت ثمار هذا الحلف في معاونة ملك أراجون لقشتالة في محاربة نافارا وليون وحلفائها الموحدين، وشهر الملكان الحرب على نافارا، ثم على ليون، ونفذت الجيوش المتحدة إلى ليون وعاثت فيها. وترتب على هذه الحرب أن ألغى مشروع زواج ألفونسو التاسع ملك ليون، من الأميرة برنجيلا إبنة ملك قشتالة، وكان ألفونسو الثامن قد جعل مهرها رد الأراضي والحصون التي اقتطعها من ليون.
стр. 2311
ولما شعر سانشو ملك نافارا، بما يتهدده من جراء هذا الحلف القوي، بين خصميه ملكي أراجون وقشتالة، فكر في الاستنصار بالموحدين على غرار ملك ليون، وعبر البحر وجماعة كبيرة من الفرسان إلى مراكش، ملتجئاً إلى الخليفة المنصور ومستنجدا به، ولكنه ما كاد يصل إلى العاصمة الموحدية حتى كان المنصور قد توفي، وخلفه ولده محمد الناصر (أواخر يناير سنة ١١٩٩ م) فاستقبل الناصر الملك النصراني بمنتهى الحفاوة والتكريم، وأمضى سانشو في مراكش زهاء عامين، وتوثقت علائقه بالخليفة الموحدي وبلاطه، حتى كاد وفقاً لقول الرواية الإسلامية، أن يعتنق الإسلام (١)، وفي الرواية النصرانية أن سانشو اشترك خلال إقامته بالمغرب، في حروب الناصر في إفريقية وأبلى فيها (٢)، وهو ما لم نجد له أثراً في الرواية العربية.
ويجب أن نذكر أن هذه الزيارة من جانب ملك نافارا لبلاط مراكش، قد تلتها زيارته الأخرى للناصر، عقب عبوره إلى الأندلس في سنة ٦٠٧ هـ (١٢١٠ م)، وقد زاره ملك نافارا خلال إقامته بإشبيلية، وهي الزيارة التي تقدمها إلينا الرواية العربية في عبارات غامضة رنانة في نفس الوقت، وقد سبق أن أشرنا إليها تفصيلا.
وفي خلال ذلك، انتهز ملك قشتالة الفرصة، وغزا أراضي نافارا، وكانت ولاية جيبوسكوا، بالرغم من كونها لبثت دهراً منضمة إلى قشتالة، قد احتلها ملوك نافارا، وضموها إلى مملكتهم، فلما نفذ ألفونسو الثامن بقواته، إلى أراضي نافارا، وحاصر مدينة فتورية، طلب إليه أهل جيبوسكوا، أن تعود ولايتهم إلى أراضي قشتالة، فترك حصار فتورية للدون دي هارو، وسار إلى جيبوسكوا واتفق مع زعمائها على شروط وضعها تحت حماية قشتالة، واحتلت قواته سان سبستيان، وفوانتى رابيا، وحصن بلاسكواجا ووادي اديارسون. كما استولى على مقاطعة ألبة (سنة ١٢٠٠ م)، وعلى أثر ذلك سلمت فتورية، وذلك بموافقة سانشو نفسه، وكان نائبه أسقف بنبلونة قد عبر البحر إلى مراكش لينبئه بما حدث وعاد بموافقته، وبذلك فقدت نافارا شطراً كبيراً من أراضيها (٣).
стр. 2312
وحاول ملك أراجون في نفس الوقت أن يحصل على نصيبه من أراضي نافارا، فهاجمها بقواته، ولكنه لم يستطع أن بفتتح منها، إلا بضعة أماكن صغيرة. ودافعت بنبلونة، وغيرها من المدن الكبيرة، عن نفسها أعنف دفاع، واستطاعت أن ترد القوي المغيرة على أعقابها.
وقد أثار التجاء ملك ليون ألفونسو التاسع، وملك نافارا سانشو القوي، إلى الموحدين، صدى سيئاً في اسبانيا، واهتمت البابوية، بجنوح هذين الملكين النصرانيين إلى محالفة المسلمين أعداء الدين، وبعث البابا سلستينو الثالث، بسفير خاص من قبله، ليسدى النصح إلى الملكين الخارجين، وليهددهما بصدور القرار بنفيهما من الكنيسة، إذا لم يعدلا عن مسلكهما، فنزل سانشو مرغما على هذا الوعيد، وعقد هدنة مع خصميه، ملكى أراجون وقشتالة، ولكنه نقضها قبل بعيد، ثم توفي البابا سلستينو، وخلفه البابا إنوصان الثالث، فبعث إلى اسبانيا برسول جديد، ليرى على من تقع تبعة هذه الحروب الأهلية المتوالية، بين الملوك النصارى، وليعمل في نفس الوقت على إلغاء زواج ألفونسو التاسع من إبنة عمه الأميرة برنجيلا إبنة ألفونسو الثامن، وكان الزواج قد تم قبل ذلك ببضعة أعوام، واعتبرته البابوية باطلا لشدة القرابة بين الزوجين.
وقد أثارت مطالبة البابوية بإلغاء هذا الزواج، مشكلة قومية في ليون، وخصوصاً بعد أن أصدر البابا إنوصان الثالث قراره بالحرمان الكنسى، وانقسم الأحبار في شأنه، بين مؤيد له، ومنكر لصحته. ومع ذلك فقد عاد البابا، ووافق على تخفيف نصوص الحرمان، وسمح بتنصير أول ولد جاء من هذا الزواج في كنيسة ليون الكبرى. وقد كان هذا الإبن هو فرناندو الذي احتفل الكورتيس بتعيينه وليا للعهد (سنة ١٢٠٤ م)، والذى غدا فيما بعد فرناندو الثالث ملك قشتالة الكبرى، وفاتح قرطبة وإشبيلية. وبعد ذلك ارتضت الملكة برنجيلا الطلاق من زوجها، وألغى البابا قرار الحرمان الكنسى، وانتهت بذلك مشكلة كانت تهدد سلام ليون وسكينتها.
وكاد الخلاف ينشب من جديد بين قشتالة وليون، بسبب طلاق الأميرة القشتالية، ومطالبة أبيها برد ما استولت عليه ليون من الحصون والأراضي مهراً لها، ولكن تغلب صوت العقل والسلم. وكان ألفونسو الثامن، يشعر بأن مهمته الأساسية هي أن يتفرغ لمقارعة الموحدين، وفتوح الإسترداد La Reconquista
стр. 2313
وأن يبذل كل ما في وسعه لجمع كلمة الملوك النصارى في شبه الجزيرة، للتعاون في تحقيق هذه المهمة الكبرى، وقد نجح ألفونسو في سعيه. ونحن نعرف أنه كانت تربطه بملك أراجون بيدرو الثاني أواصر التحالف الوثيق، ثم كان أن زاره سانشو السابع (القوي) ملك نافارا في وادي الحجارة (سنة ١٢٠٧ م)، وتم التفاهم بين الخصمين القديمين، وعقدت بينهما الهدنة والتحالف لمدة خمسة أعوام، ووعد ملك قشتالة بتوسطه لدى بيدرو الثاني لكي يعقد مثل هذه الهدنة مع الملك سانشو (١)، وفي نفس الوقت عقد السلم بين ملكى قشتالة وليون على نسق ما تم في مؤتمر وادي الحجارة، وأخيراً تم التفاهم بين ألفونسو الثامن، وسانشو ملك البرتغال، وتوثق التحالف بينهما بزواج الأميرة أوراكا القشتالية، بألفونسو ولى
عهد البرتغال.
وهكذا اجتمعت الممالك الإسبانية النصرانية كلها في جبهة واحدة، تحت رعاية ملك قشتالة وقيادته.
وكان اجتماع كلمة إسبانيا النصرانية على هذا النحو، لا يقصد به فقط تحقيق سلامها الداخلى، بل كان ينطوي قبل كل شىء على المضي في تحقيق الهدف الرئيسي الذي تدخر له اسبانيا النصرانية كل مواردها وقواها، وهو محاربة اسبانيا المسلمة، ودفع تيار فتوح " الاسترداد " بأقصى ما يستطاع. ولم تكن اسبانيا النصرانية تقف وحدها إزاء هذا الهدف، بل كانت البابوية والنصرانية كلها، تحبو تلك الغاية بعطفها ومؤازرتها الفعلية، ولم تبخل البابوية بأن تسبغ الصفة الصليبية على أية طور من أطوار هذا الصراع، وكان البابا إنوصان الثالث، يشمل بنصحه ورعايته كل حركة تقارب واتحاد بين الملوك الإسبان، وكان فوق ذلك يوعز إلى الأحبار في جنوب فرنسا، أن يبثوا كل دعاية ممكنة، لحشد السادة والفرسان، للتطوع إلى هذه الحرب المقدسة. وقد سبق أن أشرنا في الفصل الذي خصصناه لموقعة العقاب إلى تلك الجهود في حشد قوي النصرانية كلها ضد اسبانيا المسلمة. وكان عبور الخليفة محمد الناصر في جيوشه الجرارة إلى الأندلس في أواخر سنة ٦٠٧ هـ (١٢١١ م) عاملا جديداً في إذكاء تلك الحركة الصليبية. ولم يلبث ملك قشتالة أن بدأ أهباته لشهر الحرب على الأندلس، وبدأ القشتاليون غزواتهم المخربة للأندلس، وذلك بالرغم من قيام الهدنة بينهم
стр. 2314
وبين الموحدين، وكان عبور الناصر رداً على هذا التحدى السافر، وبدأ الناصر بالعمل على وقف هذا العدوان، فزحف أولا نحو منطقة جيان واستولى على قلعة شلبطرّة، ثم عاد إلى إشبيلية وضاعف أهباته وحشوده، وخرج للمرة الثانية، من إشبيلية في المحرم سنة ٦٠٩ هـ (يونيه ١٢١٢ م). وكان ألفونسو الثامن، وحلفاؤه الملوك الإسبان، قد استكملوا أهباتهم عندئذ، ووفد لمؤازرتهم سيل من الأحبار والفرسان، والمتطوعة من وراء البرنيه، واتخذت الحرب الصليبية شكلها الحقيقي، والتقت الجيوش النصرانية المتحدة بالجيوش الموحدية في هضبة العقاب أسفل جبال الشارات (سيرّا مورينا)، وكانت الموقعة المشئومة التي هزمت فيها الجيوش الموحدية شر هزيمة، ومزقت شر ممزق، وذلك في الخامس عشر من صفر سنة ٦٠٩ هـ (١٦ يوليه ١٢١٢ م)، وذلك كله حسبما فصلناه فيما تقدم تفصيلا شافيا.
وكانت نكبة العقاب، نذير انحلال الجبهة الدفاعية الموحدية للأندلس، ونذير انهيار الأندلس ذاتها، وقد عجل بهذا الانهيار، ما اضطرمت به الأندلس على أثر ذلك من ثورات جديدة، ومن تبدد قواها ومواردها الباقية، في حروب أهلية جديدة، ومنافسات على الزعامة، كان لها أسوأ الأثر في تفكك وحدتها، وفي تمهيد الطريق إلى سقوط قواعدها، واقتطاع أراضيها.
ولم يفت اسبانيا النصرانية، بعد أن خرجت من موقعة العقاب، مكللة بغار الظفر الساحق، أن تعمل لاجتناء الفرصة السانحة، وخرج ألفونسو الثامن في ربيع سنة ١٢١٣ م، لغزو أراضي الأندلس، من ناحية قلعة رباح، واستولى على بلدة الكرس، وحول مسجدها إلى كنيسة.
وبالرغم مما حدث هذا العام في قشتالة، من تلف الزروع ونفق الماشية، وانتشار القحط، وموت الكثيرين من الجوع والمرض، فإن ملك قشتالة لم يحجم عن استئناف الغزو، وفي تلك المرة اخترق جبال الشارات، وسار منحدراً نحو بيّاسة، وضرب حولها الحصار، ولكن المسلمين كانوا قد أحكموا تحصينها، وطال الحصار، والمدينة صامدة، وحل القحط في المعسكر النصراني، فاضطر ملك قشتالة إلى رفع الحصار، وعاد في قواته إلى طليطلة. ولم تمض بضعة أشهر حتى غادر العاصمة، وسار غربا بقصد لقاء ملك البرتغال ومفاوضته، ولكنه ما كاد يصل إلى بلدة جوتيرى مونيوس، حتى مرض وتفاقم مرضه
стр. 2315
بسرعة، وتوفي في اليوم السادس من أكتوبر سنة ١٢١٤ م.
ويوضع ألفونسو الثامن في ثبت ملوك اسبانيا العظام، وقد أسبغ عليه انتصاره في موقعة العقاب هالة من المجد، وفي ظله احتفظت قشتالة بتفوقها السياسي والعسكرى، على باقي الممالك الإسبانية النصرانية، على نحو ما كانت عليه أيام فرناندو الأول وألفونسو السابع (ألفونسو ريمونديس). وكان هذا التفوق يتخذ أحيانا صفة السيادة على هذه الممالك، وكان يثير لديها كثيراً من المرارة والاحتجاج، ويحملها أحيانا على التحالف ضد قشتالة (١).
وكان ألفونسو الثامن، فضلا عما أحرزه من الظفر العسكرى الباهر، ملكاً مصلحاً، وكان من أثر عنايته بشئون الإصلاح، توسعه في إنشاء البلديات، وتوسيع مهامها واختصاصاتها، وإصداره القوانين الخاصة بذلك Fueros. وقد أنشأ ألفونسو أول جامعة إسبانية هي جامعة بالنسيا، Palencia وذلك في سنة ١٢٠٩ م، وجلب إليها الأساتذة من فرنسا وإيطاليا. وكان حسبما تصفه الرواية الإسبانية، يتسم بالتقى والورع، وقد أنشأ عدداً من الأسقفيات الجديدة، والأديار الفخمة، وكان من بينها دير برغش الشهير المسمى بالدير الملكي (لاس هويلجاس)، وأسبغ على الكنائس والأديار امتيازات جمة.
وخلف ألفونسو الثامن على عرش قشتالة، ولده هنري الأول (إنريكى) ولما يبلغ الحادية عشرة من عمره، وتولت الوصاية عليه أمه الملكة إلينور، ولكن لأجل قصير فقط، إذ توفيت بعد ذلك بقليل، وعندئذ تولت الوصاية عليه أخته الملكة برنجيلا، مطلقة ألفونسو التاسع ملك ليون، بيد أنها لم تستطع مقاومة أطماع آل لارا الأقوياء في انتزاع الوصاية، وهم الكونت ألبارو نونيز وإخوته، فتنازلت إليهم عنها بشروط خاصة، أقسموا بالعمل على تنفيذها، وخلاصتها ألا يعلن الكونت دي لارا الحرب على أي ملك، ولا أن يعطى أو يتنازل عن الأراضي للاتباع، أو يفرض أية ضرائب دون موافقة الملكة برنجيلا، ولكن الكونت دي لارا لم يحترم عهوده، وكان مقصد آل لارا الأول أن يوطدوا نفوذهم على الملك الصبي، فلما اطمأنوا إلى ذلك، قرروا تزويجه من الأميرة مافالدا إبنة سانشو الأول ملك البرتغال، ولم يكن الملك الصبي قد جاوز