← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

ولما شعر سانشو ملك نافارا، بما يتهدده من جراء هذا الحلف القوي، بين خصميه ملكي أراجون وقشتالة، فكر في الاستنصار بالموحدين على غرار ملك ليون، وعبر البحر وجماعة كبيرة من الفرسان إلى مراكش، ملتجئاً إلى الخليفة المنصور ومستنجدا به، ولكنه ما كاد يصل إلى العاصمة الموحدية حتى كان المنصور قد توفي، وخلفه ولده محمد الناصر (أواخر يناير سنة ١١٩٩ م) فاستقبل الناصر الملك النصراني بمنتهى الحفاوة والتكريم، وأمضى سانشو في مراكش زهاء عامين، وتوثقت علائقه بالخليفة الموحدي وبلاطه، حتى كاد وفقاً لقول الرواية الإسلامية، أن يعتنق الإسلام (١)، وفي الرواية النصرانية أن سانشو اشترك خلال إقامته بالمغرب، في حروب الناصر في إفريقية وأبلى فيها (٢)، وهو ما لم نجد له أثراً في الرواية العربية. ويجب أن نذكر أن هذه الزيارة من جانب ملك نافارا لبلاط مراكش، قد تلتها زيارته الأخرى للناصر، عقب عبوره إلى الأندلس في سنة ٦٠٧ هـ (١٢١٠ م)، وقد زاره ملك نافارا خلال إقامته بإشبيلية، وهي الزيارة التي تقدمها إلينا الرواية العربية في عبارات غامضة رنانة في نفس الوقت، وقد سبق أن أشرنا إليها تفصيلا. وفي خلال ذلك، انتهز ملك قشتالة الفرصة، وغزا أراضي نافارا، وكانت ولاية جيبوسكوا، بالرغم من كونها لبثت دهراً منضمة إلى قشتالة، قد احتلها ملوك نافارا، وضموها إلى مملكتهم، فلما نفذ ألفونسو الثامن بقواته، إلى أراضي نافارا، وحاصر مدينة فتورية، طلب إليه أهل جيبوسكوا، أن تعود ولايتهم إلى أراضي قشتالة، فترك حصار فتورية للدون دي هارو، وسار إلى جيبوسكوا واتفق مع زعمائها على شروط وضعها تحت حماية قشتالة، واحتلت قواته سان سبستيان، وفوانتى رابيا، وحصن بلاسكواجا ووادي اديارسون. كما استولى على مقاطعة ألبة (سنة ١٢٠٠ م)، وعلى أثر ذلك سلمت فتورية، وذلك بموافقة سانشو نفسه، وكان نائبه أسقف بنبلونة قد عبر البحر إلى مراكش لينبئه بما حدث وعاد بموافقته، وبذلك فقدت نافارا شطراً كبيراً من أراضيها (٣).

стр. 2312

وحاول ملك أراجون في نفس الوقت أن يحصل على نصيبه من أراضي نافارا، فهاجمها بقواته، ولكنه لم يستطع أن بفتتح منها، إلا بضعة أماكن صغيرة. ودافعت بنبلونة، وغيرها من المدن الكبيرة، عن نفسها أعنف دفاع، واستطاعت أن ترد القوي المغيرة على أعقابها. وقد أثار التجاء ملك ليون ألفونسو التاسع، وملك نافارا سانشو القوي، إلى الموحدين، صدى سيئاً في اسبانيا، واهتمت البابوية، بجنوح هذين الملكين النصرانيين إلى محالفة المسلمين أعداء الدين، وبعث البابا سلستينو الثالث، بسفير خاص من قبله، ليسدى النصح إلى الملكين الخارجين، وليهددهما بصدور القرار بنفيهما من الكنيسة، إذا لم يعدلا عن مسلكهما، فنزل سانشو مرغما على هذا الوعيد، وعقد هدنة مع خصميه، ملكى أراجون وقشتالة، ولكنه نقضها قبل بعيد، ثم توفي البابا سلستينو، وخلفه البابا إنوصان الثالث، فبعث إلى اسبانيا برسول جديد، ليرى على من تقع تبعة هذه الحروب الأهلية المتوالية، بين الملوك النصارى، وليعمل في نفس الوقت على إلغاء زواج ألفونسو التاسع من إبنة عمه الأميرة برنجيلا إبنة ألفونسو الثامن، وكان الزواج قد تم قبل ذلك ببضعة أعوام، واعتبرته البابوية باطلا لشدة القرابة بين الزوجين. وقد أثارت مطالبة البابوية بإلغاء هذا الزواج، مشكلة قومية في ليون، وخصوصاً بعد أن أصدر البابا إنوصان الثالث قراره بالحرمان الكنسى، وانقسم الأحبار في شأنه، بين مؤيد له، ومنكر لصحته. ومع ذلك فقد عاد البابا، ووافق على تخفيف نصوص الحرمان، وسمح بتنصير أول ولد جاء من هذا الزواج في كنيسة ليون الكبرى. وقد كان هذا الإبن هو فرناندو الذي احتفل الكورتيس بتعيينه وليا للعهد (سنة ١٢٠٤ م)، والذى غدا فيما بعد فرناندو الثالث ملك قشتالة الكبرى، وفاتح قرطبة وإشبيلية. وبعد ذلك ارتضت الملكة برنجيلا الطلاق من زوجها، وألغى البابا قرار الحرمان الكنسى، وانتهت بذلك مشكلة كانت تهدد سلام ليون وسكينتها. وكاد الخلاف ينشب من جديد بين قشتالة وليون، بسبب طلاق الأميرة القشتالية، ومطالبة أبيها برد ما استولت عليه ليون من الحصون والأراضي مهراً لها، ولكن تغلب صوت العقل والسلم. وكان ألفونسو الثامن، يشعر بأن مهمته الأساسية هي أن يتفرغ لمقارعة الموحدين، وفتوح الإسترداد La Reconquista

стр. 2313

وأن يبذل كل ما في وسعه لجمع كلمة الملوك النصارى في شبه الجزيرة، للتعاون في تحقيق هذه المهمة الكبرى، وقد نجح ألفونسو في سعيه. ونحن نعرف أنه كانت تربطه بملك أراجون بيدرو الثاني أواصر التحالف الوثيق، ثم كان أن زاره سانشو السابع (القوي) ملك نافارا في وادي الحجارة (سنة ١٢٠٧ م)، وتم التفاهم بين الخصمين القديمين، وعقدت بينهما الهدنة والتحالف لمدة خمسة أعوام، ووعد ملك قشتالة بتوسطه لدى بيدرو الثاني لكي يعقد مثل هذه الهدنة مع الملك سانشو (١)، وفي نفس الوقت عقد السلم بين ملكى قشتالة وليون على نسق ما تم في مؤتمر وادي الحجارة، وأخيراً تم التفاهم بين ألفونسو الثامن، وسانشو ملك البرتغال، وتوثق التحالف بينهما بزواج الأميرة أوراكا القشتالية، بألفونسو ولى عهد البرتغال. وهكذا اجتمعت الممالك الإسبانية النصرانية كلها في جبهة واحدة، تحت رعاية ملك قشتالة وقيادته. وكان اجتماع كلمة إسبانيا النصرانية على هذا النحو، لا يقصد به فقط تحقيق سلامها الداخلى، بل كان ينطوي قبل كل شىء على المضي في تحقيق الهدف الرئيسي الذي تدخر له اسبانيا النصرانية كل مواردها وقواها، وهو محاربة اسبانيا المسلمة، ودفع تيار فتوح " الاسترداد " بأقصى ما يستطاع. ولم تكن اسبانيا النصرانية تقف وحدها إزاء هذا الهدف، بل كانت البابوية والنصرانية كلها، تحبو تلك الغاية بعطفها ومؤازرتها الفعلية، ولم تبخل البابوية بأن تسبغ الصفة الصليبية على أية طور من أطوار هذا الصراع، وكان البابا إنوصان الثالث، يشمل بنصحه ورعايته كل حركة تقارب واتحاد بين الملوك الإسبان، وكان فوق ذلك يوعز إلى الأحبار في جنوب فرنسا، أن يبثوا كل دعاية ممكنة، لحشد السادة والفرسان، للتطوع إلى هذه الحرب المقدسة. وقد سبق أن أشرنا في الفصل الذي خصصناه لموقعة العقاب إلى تلك الجهود في حشد قوي النصرانية كلها ضد اسبانيا المسلمة. وكان عبور الخليفة محمد الناصر في جيوشه الجرارة إلى الأندلس في أواخر سنة ٦٠٧ هـ (١٢١١ م) عاملا جديداً في إذكاء تلك الحركة الصليبية. ولم يلبث ملك قشتالة أن بدأ أهباته لشهر الحرب على الأندلس، وبدأ القشتاليون غزواتهم المخربة للأندلس، وذلك بالرغم من قيام الهدنة بينهم

стр. 2314

وبين الموحدين، وكان عبور الناصر رداً على هذا التحدى السافر، وبدأ الناصر بالعمل على وقف هذا العدوان، فزحف أولا نحو منطقة جيان واستولى على قلعة شلبطرّة، ثم عاد إلى إشبيلية وضاعف أهباته وحشوده، وخرج للمرة الثانية، من إشبيلية في المحرم سنة ٦٠٩ هـ (يونيه ١٢١٢ م). وكان ألفونسو الثامن، وحلفاؤه الملوك الإسبان، قد استكملوا أهباتهم عندئذ، ووفد لمؤازرتهم سيل من الأحبار والفرسان، والمتطوعة من وراء البرنيه، واتخذت الحرب الصليبية شكلها الحقيقي، والتقت الجيوش النصرانية المتحدة بالجيوش الموحدية في هضبة العقاب أسفل جبال الشارات (سيرّا مورينا)، وكانت الموقعة المشئومة التي هزمت فيها الجيوش الموحدية شر هزيمة، ومزقت شر ممزق، وذلك في الخامس عشر من صفر سنة ٦٠٩ هـ (١٦ يوليه ١٢١٢ م)، وذلك كله حسبما فصلناه فيما تقدم تفصيلا شافيا. وكانت نكبة العقاب، نذير انحلال الجبهة الدفاعية الموحدية للأندلس، ونذير انهيار الأندلس ذاتها، وقد عجل بهذا الانهيار، ما اضطرمت به الأندلس على أثر ذلك من ثورات جديدة، ومن تبدد قواها ومواردها الباقية، في حروب أهلية جديدة، ومنافسات على الزعامة، كان لها أسوأ الأثر في تفكك وحدتها، وفي تمهيد الطريق إلى سقوط قواعدها، واقتطاع أراضيها. ولم يفت اسبانيا النصرانية، بعد أن خرجت من موقعة العقاب، مكللة بغار الظفر الساحق، أن تعمل لاجتناء الفرصة السانحة، وخرج ألفونسو الثامن في ربيع سنة ١٢١٣ م، لغزو أراضي الأندلس، من ناحية قلعة رباح، واستولى على بلدة الكرس، وحول مسجدها إلى كنيسة. وبالرغم مما حدث هذا العام في قشتالة، من تلف الزروع ونفق الماشية، وانتشار القحط، وموت الكثيرين من الجوع والمرض، فإن ملك قشتالة لم يحجم عن استئناف الغزو، وفي تلك المرة اخترق جبال الشارات، وسار منحدراً نحو بيّاسة، وضرب حولها الحصار، ولكن المسلمين كانوا قد أحكموا تحصينها، وطال الحصار، والمدينة صامدة، وحل القحط في المعسكر النصراني، فاضطر ملك قشتالة إلى رفع الحصار، وعاد في قواته إلى طليطلة. ولم تمض بضعة أشهر حتى غادر العاصمة، وسار غربا بقصد لقاء ملك البرتغال ومفاوضته، ولكنه ما كاد يصل إلى بلدة جوتيرى مونيوس، حتى مرض وتفاقم مرضه

стр. 2315

بسرعة، وتوفي في اليوم السادس من أكتوبر سنة ١٢١٤ م. ويوضع ألفونسو الثامن في ثبت ملوك اسبانيا العظام، وقد أسبغ عليه انتصاره في موقعة العقاب هالة من المجد، وفي ظله احتفظت قشتالة بتفوقها السياسي والعسكرى، على باقي الممالك الإسبانية النصرانية، على نحو ما كانت عليه أيام فرناندو الأول وألفونسو السابع (ألفونسو ريمونديس). وكان هذا التفوق يتخذ أحيانا صفة السيادة على هذه الممالك، وكان يثير لديها كثيراً من المرارة والاحتجاج، ويحملها أحيانا على التحالف ضد قشتالة (١). وكان ألفونسو الثامن، فضلا عما أحرزه من الظفر العسكرى الباهر، ملكاً مصلحاً، وكان من أثر عنايته بشئون الإصلاح، توسعه في إنشاء البلديات، وتوسيع مهامها واختصاصاتها، وإصداره القوانين الخاصة بذلك Fueros. وقد أنشأ ألفونسو أول جامعة إسبانية هي جامعة بالنسيا، Palencia وذلك في سنة ١٢٠٩ م، وجلب إليها الأساتذة من فرنسا وإيطاليا. وكان حسبما تصفه الرواية الإسبانية، يتسم بالتقى والورع، وقد أنشأ عدداً من الأسقفيات الجديدة، والأديار الفخمة، وكان من بينها دير برغش الشهير المسمى بالدير الملكي (لاس هويلجاس)، وأسبغ على الكنائس والأديار امتيازات جمة. وخلف ألفونسو الثامن على عرش قشتالة، ولده هنري الأول (إنريكى) ولما يبلغ الحادية عشرة من عمره، وتولت الوصاية عليه أمه الملكة إلينور، ولكن لأجل قصير فقط، إذ توفيت بعد ذلك بقليل، وعندئذ تولت الوصاية عليه أخته الملكة برنجيلا، مطلقة ألفونسو التاسع ملك ليون، بيد أنها لم تستطع مقاومة أطماع آل لارا الأقوياء في انتزاع الوصاية، وهم الكونت ألبارو نونيز وإخوته، فتنازلت إليهم عنها بشروط خاصة، أقسموا بالعمل على تنفيذها، وخلاصتها ألا يعلن الكونت دي لارا الحرب على أي ملك، ولا أن يعطى أو يتنازل عن الأراضي للاتباع، أو يفرض أية ضرائب دون موافقة الملكة برنجيلا، ولكن الكونت دي لارا لم يحترم عهوده، وكان مقصد آل لارا الأول أن يوطدوا نفوذهم على الملك الصبي، فلما اطمأنوا إلى ذلك، قرروا تزويجه من الأميرة مافالدا إبنة سانشو الأول ملك البرتغال، ولم يكن الملك الصبي قد جاوز

стр. 2316

الثانية عشرة من عمره، وكانت الأميرة قد جاوزت العشرين، ومع ذلك فقد عقد هذا الزواج بالفعل (سنة ١٢١٥)، في انتظار بلوغ الملك الصبي سن الرشد. ولكن الملكة برنجيلا وأكابر قشتالة، اعترضوا على هذا الزواج بشدة، ورفعوا أمره إلى البابا إنوصان الثالث، فأصدر البابا قرارا بإلغائه بسبب القرابة بين الزوجين، وعادت الأميرة البرتغالية إلى وطنها، ودخلت أحد الأديار. وكان الملك الصبي يتوق إلى التحرر من نير آل لارا والعودة إلى أخته برنجيلا. ولكن الكونت ألبارو نونيز حال دون ذلك. ثم سار فضرب الحصار حول قلعة أوتليو وبها برنجيلا وبعض أنصارها، فاستغاثت برنجيلا بزوجها السابق ألفونسو التاسع ملك ليون، فبعث لإنجادها ولدها وولده فرناندو في بعض قواته، فرفع آل لارا الحصار عن الملكة، وساروا إلى بالنسيا، وكان الملك الصبي قد نزل في قصر أسقف بالنسيا، وكان يلعب في فنائه مع بعض صبية في سنه، فرماه أحدهم بحجر أصابه في رأسه بجرح بالغ، لم يلبث أن توفي منه، وذلك في يوم ٦ يونيه سنة ١٢١٧ م. فبادرت أخته دونيا برنجيلا باستدعاء ولدها فرناندو وصحبها المخلصين. وسارت إلى بلد الوليد، وهنالك أعلنت نفسها ملكة لقشتالة، ولكنها نزلت في الحال عن العرش لولدها فرناندو، وكان يومئذ فتى في الثامنة عشرة من عمره (أول يوليه ١٢١٧) وكان القدر يدخر لهذا الفتى الذي تولى الملك في تلك الظروف المؤسية، مستقبلاً باهراً، حيث غدا هو فرناندو الثالث، قاهر الأندلس، والمستولى على قواعدها الكبرى. ٢ - مملكة ليون لما توفي القيصر ألفونسو ريمونديس في سنة ١١٥٧ م، قسمت مملكته بين ولديه، فاختص ولده الأكبر سانشو بملك قشتالة، واختص ولده الأصغر فرناندو بملك ليون. وتوفي سانشو بعد عام واحد من حكمه في سنة ١١٥٨، وخلفه على عرش قشتالة ولده ألفونسو الثامن الذي أتينا على سيرته فيما تقدم. أما فرناندو الثاني فاستمر ملكاً على ليون حتى توفي في سنة ١١٨٨ م. وفرناندو الثاني هذا هو الذي تعرفه الرواية الإسلامية (بالببوج) وقد لبث خلال حكمه يتردد بين محالفة الموحدين وبين خصومتهم، وكان له في إنجاد الموحدين ببطليوس، وفي التحول إلى خصومهم مواقف متناقضة، سبق أن أتينا عليها

стр. 2317

في مواضعها. وكان من أهم أعماله تصفية الخصومة بين ليون والبرتغال. وكان ألفونسو الثاني ملك البرتغال قد غزا جليقية، واستولى على بعض مواضع فيها، فسعى فرناندو الثاني إلى عقد الصلح، واجتمع الملكان، واتفقا على أن يتزوج فرناندو بالأميرة أوراكا إبنة ألفونسو الثاني، وأن تكون المواضع التي استولى عليها البرتغاليون في جليقية مهرا لها. وكذلك انتهى فرناندو بأن عقد الصلح مع ألفونسو الثامن ملك قشتالة (سنة ١١٨٠ م) بمقتضى معاهدة خططت فيها الحدود النهائية بين المملكتين، ونظمت العلائق بينهما، وعقدت محالفة للتعاون على تحقيق فتوح " الاسترداد " وتعهدت كل منهما ألا تعقد أي صلح أو هدنة مع المسلمين. وكان من أبرز أعمال فرناندو العسكرية حصاره لقاصرش، ثم انسحابه عنها ليسير إلى نجدة البرتغاليين، حينما كان الخليفة أبو يعقوب يوسف يحاصر شنترين. وكانت هذه الحركة، وفقا لبعض الروايات، هي السبب الرئيسي في انسحاب الخليفة الموحدي، وفيما تلا ذلك من نكبة الجيش الموحدي (سنة ١١٨٤ م). ولما توفي فرناندو الثاني في سنة ١١٨٨ م، خلفه على العرش ولده ألفونسو التاسع. وفي بداية حكمه وقعت في أنحاء ليون، اضطرابات كان يحركها ويغذيها ملك قشتالة، فدعا الملك لمعالجة الحالة إلى عقد مؤتمر بمدينة ليون، مثل فيه الأحبار والأشراف، ونواب المدن. ويعتبر المؤرخون الإسبان أن هذا المؤتمر كان أول " كورتيس " Cortes أو برلمان إسبانى حقيقي. وكان ألفونسو التاسع، يواجه كأبيه، مشكلة العلائق المتوترة مع جارتيه قشتالة والبرتغال. وكانت قشتالة في الواقع تحتل معظم القواعد الأمامية التي تؤلف خط الدفاع عن ليون، فسعى ألفونسو التاسع إلى الاجتماع مع ابن عمه ملك قشتالة، في كريون، حسبما قدمنا، وعقدت أواصر المودة والتفاهم بين الملكين. بيد أن ألفونسو التاسع لم يكن مخلصاً في هذا الاتجاه الودى نحو قشتالة، إذ كان يشعر دائماً أن قشتالة هي المتجنية على بلاده. وأما فيما يتعلق بالبرتغال، وتسوية مشكلة الحدود بينها وبين ليون، فقد رأى ألفونسو التاسع أن يرتبط مع ملك البرتغال سانشو الأول، برباط المصاهرة، بعد أن كان قد قطع مثل هذا الوعد لملك قشتالة، وعقد بالفعل زواج ألفونسو التاسع بالأميرة تريسا إبنة سانشو (سنة ١١٩١ م) وذلك بالرغم من القرابة الوثيقة بين الزوجين، إذ كانت أم ألفونسو دونيا أوراكا، هي أخت سانشو. ومن ثم فإن البابوية لم توافق على هذا الزواج، وأصدر البابا سلستينو قراره بإبطاله، وبالتحريم ضد المملكتين، واضطر

стр. 2318

ألفونسو التاسع أخيراً، بعد أن رزق من هذا الزواج، بثلاثة أولاد، أن ينزل عند إرادة البابوية، وأن ينفصل بالطلاق عن زوجته (١١٩٤ م). وعاد ألفونسو التاسع، أسوة بما فعل أبوه إلى التحالف مع الموحدين. وكانت الممالك الإسبانية النصرانية الأخرى، تشعر كلها في الواقع بالنفور من قشتالة، لما يدعيه ملكها من السيطرة الأدبية عليها، وكان الموحدون في تلك الآونة قد عبروا في حشودهم الجرارة إلى اسبانيا بقيادة الخليفة المنصور، ووقع اللقاء في الأرك بين الجيوش القشتالية بقيادة ألفونسو الثامن وبين الموحدين، وأسفر عن هزيمة القشتاليين وظفر الموحدين الساحق (١٩ يوليه سنة ١١٩٥ م). وعلى أثر ذلك عقد التحالف بين ليون ونافارا، وبين ليون والموحدين، وهوجمت قشتالة من الشرق والغرب (ربيع سنة ١١٩٦ م)، ولكن ألفونسو استطاع بمعاونة أراجون في الشرق، والبرتغال في الغرب، أن يصمد ضد هذا الهجوم. وفي ربيع العام التالي (١١٩٧ م) قام الموحدون بغزو أراضي طلبيرة والقلعة ومدريد وقونقة، وقام القشتاليون والبرتغاليون بغزو أراضي ليون وجليقية. ورأى ألفونسو التاسع عندئذ أن يعود إلى مسالمة قشتالة، وأن يعقد معها أواصر المودة والتفاهم. وقد تحقق ذلك بزواجه من الأميرة برنجيلا ابنة ألفونسو الثامن، ولكن البابوية عادت فاعترضت على هذا الزواج الثاني لملك ليون، وطالبت بإلغائه بسبب القرابة، وانتهى الأمر بإلغائه حسبما فصلنا ذلك من قبل. ولبث ألفونسو التاسع يتردد حيناً بين خصومة قشتالة ومسالمتها، وانتهى الأمر، بعد أن بذلت البابوية ما بذلت من ضغط ووعيد، ومن جهود متوالية في التقريب بين الملوك النصارى، إلى أن نجح ألفونسو الثامن ملك قشتالة فيما بذل من سعى لجمع كلمة الملوك النصارى في شبه الجزيرة (سنة ١٢٠٧ م) ونزل ألفونسو التاسع عند هذا المسعى، وتم التفاهم بينه وبين خصمه القديم ألفونسو الثامن، وكان من أثر ذلك أن وقف إلى جانبه في معركة العقاب (سنة ١٢١٢ م). وكان ملك قشتالة ألفونسو الثامن، قد خرج في العام التالي لموقعة العقاب (١٢١٣ م) لغزو أراضي الأندلس الوسطى، وأقام حيناً على حصار مدينة بياسة، وكان قد اتفق مع زميله ملك ليون أن يقوم من جانبه بغزو قطاع إشبيلية، وأمده في ذلك بقوة من الفرسان القشتاليين. ولكن ألفونسو التاسع، بعد أن سار في قواته نحو قاصرش، وحاول الاستيلاء عليها عبثاً، ومضى في تقدمه نحو ماردة، قرر أن يوقف الغزو

стр. 2319

نظراً لاقتراب الشتاء، وأن يعود أدراجه. وسار حلفاؤه القشتاليون غاضبين ولحقوا بملكهم، وهو على حصار أبدة، ولكن المدينة المسلمة لبثت صامدة، واضطر القشتاليون بدورهم إلى الانسحاب، والعودة إلى بلادهم (يناير سنة ١٢١٤ م). وفي هذا العام - سنة ١٢١٤ م - توفي دون فرناندو ولد ألفونسو التاسع وولي عهده، وهو فتى في الثانية والعشرين من عمره. وكان لألفونسو ولدين آخرين من مطلقته الملكة برنجيلا، هما فرناندو وألفونسو، ولكنه لم يقرر بصفة حاسمة من يخلفه منهما على العرش. ولما توفي ملك قشتالة الصبي هنري الأول في يونيه سنة ١٢١٧، بادرت أخته الملكة برنجيلا باستدعاء ولدها فرناندو، وأعلنت في الحال نفسها ملكة لقشتالة، ثم تنازلت على الأثر عن العرش لولدها فرناندو، فأصبح هو ملكاً لقشتالة. وهنا ثارت أطماع ألفونسو التاسع، ورأى وفقاً لنصح بطانته، أن يعلن نفسه إمبراطوراً لقشتالة وليون، وفي الحال دخل قشتالة بجيشه، ولكنه ما كاد يقترب من بلد الوليد، حتى علم بأن ولده فرناندو قد أعلن ملكاً لقشتالة. وبعثت إليه الملكة برنجيلا بعض أكابر الأحبار يرجونه احترام الأمر الواقع، والمحافظة على سلام المملكة، ولكنه لم يصغ إليهم ومضى في سيره نحو برغش. وهنا استعدت الملكة وولدها، وأكابر فرسان قشتالة، لرده، فعندئذ ارتضى ألفونسو، أن يعود أدراجه، بعد أن عقد مع ابنه الهدنة لمدة عامين (نوفمبر ١٢١٧ م) وتلتها بعد ذلك معاهدة سلام دائم بين قشتالة وليون عقدت في أغسطس سنة ١٢١٨ م. ولما استقر السلام على هذا النحو بين قشتالة وليون، اتجه ألفونسو التاسع إلى العناية بفتوح " الإسترداد " في القطاع الذي خصص من أراضي الأندلس لغزوات ليون. وكانت حملات الغزو من أي الممالك الإسبانية، تتخذ عندئذ صفة الحرب الصليبية، ويشترك فيها بالأخص فرسان الجمعيات الدينية، والمتطوعة الأجانب. ففي أواخر سنة ١٢١٧ م، سار ألفونسو التاسع في حملة مختلطة من قوات ليون وقشتالة، وبعض فرسان الجماعات الدينية، وضرب الحصار حول مدينة قاصرش، ولكنه لم يلبث أن رفع الحصار بعد أسابيع قلائل، وكرر ملك ليون وحلفاؤه بعد ذلك حملاتهم لافتتاح هذه القاعدة الإسلامية المنيعة، وانتهى الأمر بسقوطها في أيديهم في صيف سنة ١٢٢٧ م. وفي أواخر سنة ١٢٢٩ م، قام ملك ليون بغزوة جديدة في أراضي الأندلس، واستولى في هذه المرة على حصن منتانجش على مقربة من ماردة، ثم ضرب الحصار حول ماردة، وفي خلال ذلك وصل المتوكل بن هود في قواته لإنجاد

стр. 2320

المدينة المحصورة، واشتبك الفريقان في معركة هزم فيها ابن هود وارتد في قواته نحو الشرق، وكان من أثر ذلك أن سقطت ماردة وبطليوس في أيدي الليونيين، وذلك في صيف سنة ١٢٣٠ م (أواسط ٦٢٧ هـ). ولم تمض أسابيع قلائل على ذلك حتى توفي ألفونسو التاسع ملك ليون، وذلك في يوم ٢٤ سبتمبر سنة ١٢٣٠ م، وكانت مسألة وراثة عرش ليون، هي أهم المسائل المعلقة في الأعوام الأخيرة من حكمه. ذلك أنه لم يرد أن يوصى بعرش ليون إلى ولده فرناندو الثالث ملك قشتالة، ولكنه أوصى به إلى ابنتيه سانشا ودولثى. ولكن هاتين الأميرتين ما لبثتا أن تنازلتا عن العرش إلى أخيهما فرناندو (أواخر سنة ١٢٣٠ م)، وبذا وحدت مملكة قشتالة وليون مرة أخرى، كما كانتا قبل وفاة القيصر ألفونسو ريمونديس في سنة ١١٥٧ م، وعادت قشتالة كما كانت، أعظم ممالك اسبانيا النصرانية وأقواها. ٣ - قشتالة وعهد فرناندو الثالث لما جلس فرناندو الثالث على عرش قشتالة في يوليه سنة ١٢١٧ م، ثم على عرش ليون (١٢٣٠ م) وفقاً للظروف التي شرحناها، وعادت قشتالة بذلك إلى حدودها ووحدتها القديمة، كان القدر يدخر لهذا الملك الفتى، عهدا حافلا بصنوف الفخار والظفر. وكان من غرائب القدر، أن يقوم على عرش أراجون في نفس الوقت ملك فتىّ آخر، يدخر له القدر مثل هذا المستقبل الحافل، هو خايمى الأول، وبينما كان فرناندو يحقق فتوحه العظيمة المتوالية في أواسط الأندلس، كان خايمى يحقق مثل هذه الفتوح في شرقي الأندلس. وكان أبرز ما في حكم فرناندو الثالث، هو غيرته في متابعة فتوح الإسترداد Reconquista في أراضي الأندلس، وتكريسه لها كل جهوده وموارده. وقد بدأ بها مبكراً، وكانت أحوال الأندلس التي شرحناها، من انهيار سلطان الموحدين بالأندلس، عقب موقعة العقاب، وما تلاها غير بعيد من اضطرام الحرب الأهلية بين بني عبد المؤمن حول الخلافة الموحدية، وما كان من ثورة البياسى وانضوائه تحت لواء ملك قشتالة، وما أقدم عليه الخليفة المأمون من الاستنصار بملك قشتالة، واستعانته على أمره بالجند النصارى، ثم ما كان بعد ذلك من قيام ابن هود في شرقي الأندلس، وابن الأحمر في الأندلس الوسطى،

стр. 2321

وتنافس هذين الزعيمين، كل في بسط سلطانه، وفي مصانعة ملك قشتالة وغلبة التفكك والفوضى على شئون الأندلس: كانت هذه الظروف كلها تفسح مجالاً طيباً لنشاط فرناندو ومحاولاته العدوانية ضد الأندلس. ففي سنة ١٢٣٠ م، غزا فرناندو منطقة أندوجر وجيان، وتوغل في جنوب الأندلس. وفي سنة ١٢٣٣، غزا أحواز قرطبة وإشبيلية وعاث فيها. وفي نفس هذا العام حاصر مدينة أبدة واستولى عليها. وكان من الواضح أن تضعضع قوي الأندلس، وما يمزقها من المعارك الأهلية، يفسح لأطماع فرناندو أعظم مجال. ومن ثم فإنا نراه، بعد ذلك بعامين يستولي على قرطبة عاصمة الخلافة القديمة، وذلك في شوال سنة ٦٣٣ هـ (يونيه ١٢٣٦ م) ثم يستولي على سائر المدن والحصون القريبة منها، مثل إستجة والمدور وإشتبة وغيرها. ثم نرى ابن هود، وابن الأحمر كل يسعى إلى مصانعته والانضواء تحت لوائه. ولما توفي ابن هود في سنة ٦٣٥ هـ (١٢٣٧ م) وخلصت القواعد الجنوبية، غرناطة ومالقة وألمرية لابن الأحمر، كان فرناندو الثالث يلقى بكل ثقله ضد هذا الزعيم الأندلسي، خشية أن تلتف حوله كل القوي الباقية في الأندلس، فيغدو حجر عثرة ضد مشاريعه، ومن ثم نراه يكرر غزواته للأندلس الوسطى التي نشأ فيها ابن الأحمر، وبها موطنه ومثوى أسرته، أرجونة، ونراه يدفع غزواته جنوبا حتى غرناطة ذاتها، ونرى ابن الأحمر نزولا على هذا الضغط الخطير، يضطر إلى عقد الصلح مع ملك قشتالة، وإلى الاعتراف بطاعته، وإلى أن يسلمه مدينة جيان، وعدة كبيرة أخرى من القواعد والحصون (٦٤٣ هـ - ١٢٤٦ م)، وذلك كله حسبما فصلناه في مواضعه ولا حاجة بنا إلى تكراره. على أن أعظم أعمال فرناندو الثالث، هو افتتاحه لمدينة إشبيلية أعظم حواضر الأندلس، وذلك في سنة ١٢٤٨ م (٦٤٦ هـ)، ولم يكن فتح إشبيلية أمراً هيناً كفتح قرطبة، ولكنه كان محاولة عسكرية وبحرية ضخمة، قاومتها الحاضرة الإسلامية العظيمة، بمنتهى البسالة، وصمدت للحصار المرهق خمسة عشر شهراً، قبل أن تستسلم إلى قدرها المحتوم. وقد فصلنا أطوار هذه المأساة كلها في الفصل الذي خصصناه لذلك (١). وفتح إشبيلية هو الذي أسبغ على فرناندو الثالث أروع آيات مجده، الذي تطنب الروايات القشتالية في الإشادة به. وقد سقطت على أثر افتتاح إشبيلية، في أيدي القشتاليين، سائر القواعد الواقعة في

стр. 2322

جنوبي الوادي الكبير، مثل أركش وشذونة وشلوقة (سان لوكار) وقادس وغيرها. وبالرغم من أن فرناندو الثالث، أنفق شطراً كبيراً من حكمه، في فتوح القواعد والأراضي الأندلسية، فإنه عنى في نفس الوقت بتنظيم الشئون الداخلية، فأصلح نظم الحكم والإدارة، وأصدر طائفة من القوانين البلدية لعديد من المدن، وعنى بتدعيم الجامعات وتقدمها، وأنشأ جامعة شلمنقة التي لبثت عصورا أعظم الجامعات الإسبانية، والتي ما زالت حتى يومنا تتمتع بكثير من سمعتها العلمية القديمة. ولما افتتح إشبيلية جعل منها عاصمة قشتالة، وأنشأ بها دار صناعة بحرية عظيمة لإنشاء السفن والقطائع الحربية، وفرناندو هو أول من عنى بإنشاء قوة قشتالة البحرية، وقد غدا الأسطول القشتالي منذ أيام ولده ألفونسو العاشر خطراً جديداً، يهدد شواطىء المغرب الشمالية والغربية. بيد أن أهم ما قام به فرناندو في مجال الإصلاح الداخلى، هو تنظيم القوانين وتوحيدها، وقد أنشأ لذلك مجلساً تشريعياً خاصاً من اثنى عشر مشرعاً من أعظم فقهاء الدولة سمى " مجلس قشتالة الملكى " وعهد إليه بأن يضع مجموعة موحدة من القوانين للمملكة كلها، وقطع هذا المجلس في تحقيق المشروع خطوات كبيرة، ولكن فرناندو توفي قبل إتمامه، فقام على إتمامه ولده ألفونسو العاشر، وسميت هذه المجموعة التشريعية " بالبنود السبعة " Siete Partidas وغدت وحدها مرجع التشريع في قشتالة (١). وتوفي فرناندو الثالث في اليوم الثلاثين من مايو سنة ١٢٥٤ م، في الرابعة والخمسين من عمره، بعد حكم دام ستة وثلاثين عاما. ويعتبر فرناندو الثالث بما قام به من فتوح واسعة في أراضي الأندلس، وبما استولى عليه من قواعدها العظيمة، ولاسيما قرطبة وإشبيلية، قاهر الأندلس الحقيقي، وتعتبره الرواية القشتالية أعظم ملوك قشتالة، وتشيد بخلاله أعظم إشادة، وقد لبثت سيرته مدى عصور نموذجا للبطولة النصرانية، حتى أن البابوية أسبغت عليه صفة القداسة، وتوج قديساً في سنة ١٦٧١ م، على يد البابا كليمنضوس العاشر، وسمى من ذلك التاريخ بالقديس فرناندو (سان فرناندو). وخلف فرناندو الثالث على عرش قشتالة وليون، ولده ألفونسو العاشر، وهو الملقب بالعالم أو الحكيم El Sabio. وقد تحدثنا عن هذا الملك وعصره وعلائقه مع مملكة غرناطة وبنى مرين، في كتابنا " نهاية الأندلس " فلا حاجة بنا إلى تناوله هنا.

стр. 2323

الفصل الثاني أراجون ونافارا والبرتغال منذ أواخر القرن الثاني عشر إلى أواخر القرن الثالث عشر قيام مملكة أراجون الكبرى. ألفونسو الثاني ملك أراجون. سياسة قشتالة وأراجون الموحدة نحو فتوح الإسترداد. غزوة ألفونسو لأراضي بلنسية. شنتمرية الشرق تحول دون تقدمه. خروجه للغزو ثانية وإنشاؤه لقلعة طرويل. غزوته لأحواز بلنسية ورده. اتفاقه مع ملك قشتالة بشأن شنتمرية الشرق. اتفاق الملكين بشأن مناطق الفتح في شرقي الأندلس. تحالفهما ضد نافارا. فشل أراجون في غزو نافارا وتحالفها مع ليون والبرتغال. وفاة ألفونسو الثاني وجلوس ولده بيدرو مكانه. عقده لمجلس الكورتيس. اتفاقه مع ألفونسو الثامن على مسائل الحدود. تحالفهما في موقعة العقاب. مشروعه في زيارة رومة والتماسه لحماية البابا. البابا يقوم بتتويجه في رومة. اعترافه بطاعة أراجون للكرسى الرسولى. غضب الشعب الأرجونى لمسلكه. إتحاد الشعب والأشراف ضده. سحبه للاعتراف بالطاعة. سيطرة الأشراف الإقطاعيين على المملكة. سعى بيدرو في تخفيف هذا النظام. التنظيم القضائى. غزو بيدرو لأراضي بلنسية. تدخله في الحرب القائمة ضد الألبيين ومصرعه. ولده الطفل خايمى يخلفه. اجتماع الكورتيس واختياره للوصى. ثورة عميه ضده. الحرب بين الفريقين. انتصار خايمى على منافسيه. عقد السلم بين الخصوم. عناية خايمى بأمر الفتح. افتتاحه للجزائر الشرقية. غزواته لأراضي بلنسية. استيلاؤه على بلنسية وقواعد الشرق. تدخله في حوادث مرسية. افتتاحه إياها بالاتفاق مع صهره ألفونسو العاشر. مشروعه في إعداد حملة صليبية إلى المشرق. فشل هذا المشروع. صراع خايمى مع النبلاء. وفاته وخلاله. مصير مملكة نافارا. تربص جارتيها أراجون وقشتالة بها. سانشو السادس وإصلاحاته. ولده شانشو السابع الملقب بالقوى. خوضه لنفس المعارك القديمة ضد قشتالة وأراجون. التهادن والسلم بين الملوك النصارى. سانشو ووراثة العرش. اتفاقه مع خايمى ملك أراجون على أن يكون وارثه. تنحى خايمى وقيام الكونت تيوبالدو ابن أخت سانشو في العرش. تطور مصاير نافارا. عهد كونتات شمبانا. تيوبالدو الثاني وأمه الملكة مرجريتا. التجاؤها إلى حماية خايمى الثاني. مهاجمة قشتالة لنافارا ثم عقد الصلح بين الفريقين. تزوج تيوبالدو من ابنة لويس التاسع. مسيره معه إلى الحرب الصليبية في الشرق. وفاته وقيام أخيه إنريكى مكانه. وقوع نافارا تحت حماية فرنسا. مملكة البرتغال. ألفونسو هنريكيز وإصلاحاته. غزواته للأراضي الإسلامية. وفاته وقيام ولده سانشو الأول مكانه. غزوات سانشو للأراضي الإسلامية. استيلاؤه على شلب واستعادة المنصور إياها. الخلاف بينه وبين البابوية ورجال الدين. وفاته وجلوس ولده ألفونسو الثاني مكانه. الخلاف بينه وبين أخواته الأميرات. استيلاؤه على حصن القصر. النزاع بينه وبين البابوية. وفاته وقيام ولده سانشو الثاني مكانه. عقده الصلح مع رجال الدين ومع الأميرات. غزوه للأراضي الإسلامية. إستيلاؤه على إلفاس وشربه وجلمانية

стр. 2324

استيلاؤه على شلب وطبيرة. عود النزاع بينه وبين رجال الدين والأشراف. بواعث هذا النزاع. أخواه ألفونسو وفرناندو وعمه بيدرو يؤيدون الثورة ضده. إصدار البابوية قراراً بعزله وتنصيب أخيه ألفونسو مكانه. فراره والتجاؤه إلى ملك قشتالة فرناندو الثالث. محاولة فرناندو معاونته وفشل هذه المحاولة. استيلاء ألفونسو على شنتمرية الغرب وقضاؤه على سلطان المسلمين في أراضي البرتغال. ١ - مملكة أراجون قامت مملكة أراجون الكبرى باتحاد أراجون وقطلونية في سنة ١١٣٧ م، على يد الكونت رامون برنجير الرابع أمير برشلونة، ولما توفي هذا الأمير في سنة ١١٦٢ م، خلفه على العرش ولده ألفونسو الثاني. وبقيام هذا الأمير على رياسة أراجون، يعود إليها ثبت الملوك الأقوياء الذي انقطع بوفاة ألفونسو المحارب في سنة ١١٣٤ م. وكانت علائق قشتالة وأراجون على أتم وفاق وصفاء منذ عهد القيصر ألفونسو ريمونديس، وهكذا استمرت العلائق بينهما في عهد ألفونسو الثاني، وزميله الفتى ألفونسو الثامن ملك قشتالة. وكانت تجمع بينهما بالأخص سياسة موحدة نحو فتوح الإسترداد La Reconquista في أراضي الأندلس، وذلك وفق برنامج مشترك تحددت معالمه فيما بعد بين الملكين بمعاهدة كاسولا (سنة ١١٧٩ م) التي سبقت الإشارة إليها. وبدأ ألفونسو الثاني غزواته في الأراضي الإسلامية مبكراً، ففي سنة ١١٧٠ م سار جنوبا نحو بداية الوادي الأبيض Guadalaviar، قاصداً أن يخترق مملكة بلنسية، ولكن حال دون تقدمه من تلك الناحية، أن شنتمرية الشرق (١)، وما حولها من المواقع والحصون كانت يومئذ تحت حكم الفارس بيدرو دي أساجرا، وهو من أشراف نبرّة، وكان الأمير محمد بن سعد بن مردنيش قد أقطعه هذه المدينة المسلمة وحصونها، لمعاونات قدمها إليه، ولم يعترف هذا الفارس بطاعة أراجون ولا قشتالة، ولكنه أعلن نفسه حاكماً مستقلا باسم " صاحب شنتمرية الشرق "، واستطاع أن يحصل على موافقة مطران طليطلة، على أن ينشىء بها أسقفية خاصة. وفي العام التالي (١١٧١ م) خرج ألفونسو الثاني في قواته إلى الوادي الأبيض

стр. 2325

مرة أخرى، وأنشأ في تلك المرة عند منابع هذا النهر، قلعة سميت " طرويل " ومنح من يؤمها هي وأرضها من السكان النصارى، بعض المزايا المغرية، وتقوم اليوم مكانها مدينة طرويل الحديثة. وفي سنة ١١٧٢ م، خرج ألفونسو الثاني في غزوة إلى أراضي بلنسية، منتهزاً فرصة ضغط الموحدين على ابن مردنيش أمير مملكة الشرق أو الملك لوبى كما تسميه الرواية الإسبانية. وفي بعض الروايات النصرانية أن ملك أراجون وصل في زحفه حتى شاطبة وحاصرها، وأن أمير بلنسية عرض أن يدفع إليه الجزية، وأن يساعده في فتح مملكة بلنسية. والحقيقة أن القوات الأندلسية استطاعت أن ترد القوات الغازية سواء في البر أو البحر، ولم تنل القوات الأرجونية من أراضي بلنسية مأربا (١). وعقد ألفونسو الثاني مع زميله ملك قشتالة اتفاقا بشأن مقاطعة شنتمرية الشرق، نص فيه على أن تغدو مدينة شنتمرية الشرق ذاتها (البراثين) ملكاً لأراجون، وأن تكون حصونها ملكاً لقشتالة. وفي رواية أخرى أن الفارس بيدرو دي أساجرا صاحب شنتمرية الشرق، اعترف بطاعة ألفونسو الثامن. وفي سنة ١١٧٩ م، غزا ألفونسو أراضي بلنسية بجيش ضخم، وحاصر ثغر مربيطر. وكانت هذه الغزوات الأرجونية المتكررة لأراضي شرقي الأندلس مثار التوجس والقلق لدى قشتالة، ومن ثم فقد استدعى ألفونسو الثامن زميله ملك أراجون إلى بلدة كسولا، وعقد الملكان اتفاقهما الذي سبقت الإشارة إليه، بتقسيم مناطق الفتح في شرقي الأندلس، كما عقدا معاً حلفاً لمتابعة الحرب ضد نافارا. ولكن الأمور ما لبثت أن تطورت، وبينما نجح القشتاليون في غزو نافارا من ناحية الغرب، إذ فشل الأرجونيون وردوا إلى أراضيهم بخسارة. وقد أحدث ذلك صدى سيئاً في نفس ألفونسو الثاني، وحقد على زميله الظافر ألفونسو الثامن. ثم ذهب إلى أبعد من ذلك فعقد حلفا مع سانشو ملك نافارا لمحاربة قشتالة (١١٩٠ م) وقد انضم إلى هذا التحالف ملكا ليون والبرتغال (١١٩١ م)، ورأى ملك قشتالة في ذلك نذيراً خطراً، إذ كانت الأنباء تترامى إليه في تلك الآونة بالذات بما يقوم به الموحدون من استعدادات عظيمة للعبور إلى شبه الجزيرة، وقد رأينا ما انتهى إليه ألفونسو الثامن من اضطراره إلى لقاء الجيوش الموحدية في الأرك في القوات

стр. 2326

القشتالية وحدها، وما أصيبت به يومئذ من هزيمة فادحة (١٨ يوليه ١١٩٥ م)، وتوفي ألفونسو الثاني في ٢٥ أبريل سنة ١١٩٦ م، فخلفه في مملكة أراجون وإمارة قطلونية، ولده الصبي بيدرو، وخلفه في باقي الإمارات الفرنجية، وهي روسيون وبليارش ومونبلييه وغيرها ولده ألفونسو. وبدأ الملك بيدرو حكمه تحت وصاية أمه دونيا سانشا. وكان أول ما عمله أن دعا إلى اجتماع ممثلى الأحبار والأشراف والفرسان وممثلى الولايات والمدن، بمدينة دروقة في هيئة "كورتيس ". وفي هذا الاجتماع وافق الملك على سائر الحقوق والامتيازات، التي منحها أسلافه لمختلف الهيئات والطبقات. بيد أنه سرعان ما دب الخلاف بين الملك وأمه، ثم سوى بينهما على أن تحتفظ الملكة بملكية البلاد والحصون الواقعة في قطلونية، والتي أوصى زوجها بتركها لها. وكان ثمة بين أراجون وقشتالة خلاف على بعض مواقع الحدود، فاجتمع بيدرو الثاني وألفونسو الثامن ملك قشتالة على مقربة من طرسونة (١٢٠٤ م) واتفقا على التحكيم في مسائل الحدود، وقام المحكمون بالمهمة، وسوى الخلاف بين المملكتين. وقد رأينا فيما تقدم، أن الوئام كان سائداً بين أراجون وقشتالة، منذ عهد القيصر ألفونسو ريمونديس، وأن أواصر هذا الوئام قد توثقت بنوع خاص في عهد الملك بيدرو الثاني، وظهر ذلك في تحالف المملكتين على محاربة نافارا وليون، ثم ظهر في تحالفهما الوثيق ضد الموحدين في معركة العقاب (١٢١٢ م). وقد سبق أن أشرنا إلى الدور الذي اضطلع به الملك بيدرو في تلك الموقعة. وشغل بيدرو الثاني وقتا بشئون أملاكه فيما وراء البرنيه، وهي ولاية بروفانص وبعض الإمارات الفرنجية الأخرى. ولكنه ما كاد يفرغ من هذه الشئون حتى اعتزم أن يزور رومة، وكانت له في مصانعة البابوية والانضواء تحت لوائها، فكرة لم ترق لشعبه. وذلك أنه سار إلى رومة، في عدة من السفن وعرج في طريقه على جنوة وبيزة، ويقال إنه كان يرمى إلى التفاهم مع هاتين الجمهوريتين البحريتين القويتين، على الاتفاق والتحالف على غزو الجزائر الشرقية، وانتزاعها من المسلمين. أما في رومة فقد كانت له أمنية أخطر وأبعد أثراً، وذلك أنه التمس إلى البابا إنوصان الثالث أن يقوم بتتويجه، وقد استجاب البابا لرغبته ومنحه الشارات الملكية، وأسبغ عليه درع الفروسية، وقام بتتويجه في كنيسة

стр. 2327

القديس بطرس (سنة ١٢٠٤ م)، ومنحه هو وأعقابه من ملوك أراجون حق التتويج في سرقسطة عاصمة المملكة، وتعهد بيدرو نظير ذلك بأن يحمى الدين الكاثوليكى، وأن يحترم حريات الكنائس وامتيازاتها، وأن يطارد الكفرة، وأن يقيم العدل في سائر بلاده، واعترف ملك أراجون فوق ذلك بأنه تابع للبابا، وأنه يحكم أراجون وقطلونية بمثابة إقطاع من البابوية، وتعهد بأداء الجزية السنوية. وتعهد الكرسى الرسولى من جانبه بأن يدافع البابوات عن أراجون عن طريق سلطانهم الرسولى. وقد كان لذلك أسوأ وقع بين الأرجونيين والقطلان، وأنكروا على الملك أن يقوم بمثل هذا العمل دون موافقتهم، واتحد الأشراف والشعب ضد الملك، وأرغموه على أن يسحب اعترافه بالتبعية للبابوية، ومع ذلك فإن أراجون اضطرت أن تدفع إلى البابوية الجزية التي تعهدت بها. ومن جهة أخرى فقد بدأت معارضة السادة والفرسان فيما بعد لكثير من التشريعات التي حاول بيدرو سنها في شئون الضرائب وغيرها (١). وكان السادة والنبلاء في أراجون يبسطون سيادتهم على سائر المدن والبلاد الهامة، ويستولون على دخولها، لكي ينفقوا منها على الفرسان التابعين لهم، والذين يقودونهم في الحرب، فكان الأشراف بذلك يسيطرون على قوي المملكة العسكرية، ولا يستطيع الملك أن يفعل بذلك شيئاً لا في السلم ولا في الحرب دون مشاورتهم وموافقتهم، وكانت هذه السيادة الإقطاعية تؤول إلى عقب أصحابها. وقد بذل بيدرو جهوداً شاقة في العمل على تخفيف أوضاع هذا النظام المرهق، ونجح في أن يعدل توزيع هذه السلطات بين الأشراف بصورة أقرب إلى العدالة مع السماح لهم بتوريثها لأعقابهم، ولكنه احتفظ للعرش بالسلطات القضائية، وكان الاختصاص القضائى يمنح للأشراف والفرسان، ولا يسترد منهم إلا لسبب جوهرى، ويُزاول القضاء بالنيابة عن الملك على يد الأساقفة والأشراف. وللمحكوم عليه حق الاستئناف إلى العرش. وكان الحق الوحيد الذي يحتفظ به الأشراف لممارسة القضاء هو أن يكونوا أعضاء في مجلس الملك، أو يعينهم الملك قضاة في المدن والبلاد التي تخضع لسيادتهم. ولم يغفل بيدرو الثاني العناية بغزو الأراضي الإسلامية، وهي مهمة من مهام السياسة الأرجونية الأساسية، فخرج في حشوده سنة ١٢١٠ هـ، وسار جنوبا

стр. 2328

صوب أراضي بلنسية، واستولى بمساعدة فرسان الداوية على حصن الديموس، وعدة حصون أخرى من حصون منطقة شنتمرية الشرق. واضطر بيدرو أن يتدخل في الحرب الصليبية التي شهرها سيمون دي مونفور وزملاؤه السادة الفرنسيون على الملاحدة الألبيين (١)، وذلك لحماية أملاكه فيما وراء البرنيه، وقد كانت مسرحا لهذه الحرب وخربت فيها عدة مدن. وكان من سوء حظه أن سقط في إحدى المواقع التي خاضها ضد سيمون دي مونفور، وذلك في ١٣ سبتمبر سنة ١٢١٣ م. وترك بيدرو الثاني ولداً وحيداً هو دون خايمى، وكان عند وفاته طفلا حدثاً، وكان محجوزاً لدى سيمون دي مونفور، إذ كان ثمة قبل اضطرام الخصومة بين الفريقين، مشروع لتزويج خايمى بإبنة لسيمون، ولم يفرج سيمون عن خايمى إلا بتدخل شديد من البابوية، فأفرج عنه في العام التالي (١٢١٤ م)، واستقبل الأرجونيون والقطلان ملكهم الطفل بابتهاج وحماسة. واجتمع نواب المملكة في (الكورتيس) في لاردة، واختاروا للوصاية على خايمى أستاذ فرسان الداوية جليم دي مونرادو. ولكن الأمور ما لبثت أن تعقدت إذ ثار عماه دون فرناندو ودون سانشو في محاولة لانتزاع العرش منه، ومن جهة أخرى فقد أعلن كثير من الأشراف استقلالهم، وأخذوا يحاربون بعضهم بعضاً، وعمت الفوضى في المملكة. واستطاع أنصار الملك خايمى أن ينتزعوه من وصيه أستاذ الداوية، وكان يعتقله بقلعة مونتشون، وكان قد بلغ التاسعة من عمره. واضطرم الصراع عندئذ بين حزب خايمى وبين خصومه، وكان يؤازره بالأخص الأشراف القطلان، ونواب الكورتيس، واستطاع خايمى أن يتغلب على منافسيه في العرش، بيد أنه استمر أعواما أخرى يكافح ضد الأشراف الخوارج، وانتهى الأمر بأن عقد بينهما سلم عام، وذلك في شهر مارس سنة ١٢٢٧ م (٢). وكان الملك خايمي قد بلغ عندئذ نحو العشرين من عمره. وكان يشعر عندئذ أنه بعد أن فرغ من المشاغل الداخلية، يستطيع أن يوجه عنايته إلى تحقيق أطماع الفتح، واقتطاع ما يمكن اقتطاعه من الأراضي الإسلامية في قطاع بلنسية. بيد أنه كان يتوق إلى أن يحقق قبل ذلك أمنيته في افتتاح الجزائر الشرقية. ولقد

стр. 2329

تحدثنا فيما تقدم تفصيلا عما قام به خايمى من الاستعداد لافتتاح الجزائر، وما وفق إليه من افتتاحها بين سنتى ١٢٢٩ و ١٢٣٢ م. أما عن قطاع بلنسية فلم يكن بخاف على خايمى، ما تجوزه بلنسية، وسائر ثغور هذه المنطقة وقواعدها، من الضعف والفوضى، وافتراق الكلمة، وتوالى المعارك الأهلية الانتحارية. ولقد تحدثنا فيما تقدم كذلك تفصيلا عن حملات خايمى المتوالية على أراضي بلنسية، وافتتاحه تباعا لثغور الشرق وقواعده، وفوزه أخيراً بالاستيلاء على ثغر بلنسية العظيم وذلك في صفر سنة ٦٣٦ هـ (أكتوبر سنة ١٢٣٨ م)، ثم استيلائه بعد ذلك على دانية، ثم شاطبة، وجزيرة شقر، وغيرها من قواعد هذه المنطقة، مما كان يدخل في نطاق الفتوحات الأرجونية، وفقاً للاتفاقات التي عقدت لتقسيم مناطق الفتح، في شرقي الأندلس، بين أراجون وقشتالة، وهو ما سبقت الإشارة إليه في موضعه. وأما مرسية وأحوازها، فقد كان من المتفق عليه أن يكون ضمن حظيرة الفتوح القشتالية. وقد أعلنت مرسية خضوعها بالفعل لملك قشتالة فرناندو الثالث منذ سنة ١٢٤١ م، واستقرت فيها حامية قشتالية صغيرة، ولكنها لبثت حينا تستقل بشئونها الداخلية، ويحكمها أعقاب بني هود وغيرهم من الزعماء المسلمين، حسبما سبق أن فصلناه. ولكن تطور الحوادث في مملكة بلنسية واضطراب الأحوال فيها، وثورة المدجَّنين بها، حملت ملك أراجون دون خايمى إلى أن يسعى إلى افتتاح مرسية، وذلك بالاتفاق مع صهره، زوج ابنته ألفونسو العاشر ملك قشتالة، وكانت ظروفه غير مسعفة له على القيام بهذا الفتح، وكان الملك خايمى يخشى من أن مرسية إن بقيت تحت حكم زعمائها المسلمين، تغدو مصدر خطر على سلامة بلنسية، ومن ثم فقد زحف خايمى في قواته على أراضي مرسية واحتل لقنت وألش وغيرهما من قواعدها الأمامية، ثم استولى على مرسية ذاتها، وذلك في سنة ١٢٦٦ م (٦٦٥ هـ) وانتهى بذلك حكم المسلمين في شرقي الأندلس. وحاول خايمى بعد ذلك أن يسير إلى المشرق في حملة صليبية، وجهز بالفعل جيشاً وأسطولاً لتلك الغاية، وخرج في قواته البرية والبحرية متجهاً إلى الشرق في سنة ١٢٦٩ م، ولكن العواصف الجامحة حطمت معظم السفن الأرجونية، ودفعت بباقيها إلى الشاطىء الفرنسى، فعدل الملك خايمى عن مشروعه وسارت بضع سفن فقط، بها قوة صغيرة من القطلان والأرجونيين وفرسان شنت ياقب،

стр. 2330

ووصلت إلى ثغر حيفا بالشام، وانضمت إلى من كان هناك من القوات الصليبية في محاربة المسلمين. وكان الملك خايمي، طوال حكمه، يعانى من عنت النبلاء، ومعارضتهم لكثير من تصرفاته ومشاريعه، وقد لبث معهم في صراع مستمر، لكي يتغلب على عنتهم، ويحطم سلطانهم الإقطاعى القوي، ولكنهم قاوموه، ووقعت الحرب الأهلية بين الفريقين، ولم يهدأ ذلك الصراع إلا حينما تفاقمت الأحوال في مملكة بلنسية، واشتدت بها ثورات المدجنين، وخشى أن يؤدي ذلك إلى ضياع الفتوحات الأرجونية. وتوفي الملك خايمي في ٢٧ يوليه سنة ١٢٧٦ م، بعد حكم طويل استطاع فيه أن يضاعف رقعة مملكته أراجون، وأن يقضى على دولة الإسلام في الجزائر وشرقى الأندلس، وهو ما لقب من أجله " بالفاتح ". ويعتبر خايمى الأول مؤسس مملكة أراجون الحقيقي، وموطد استقلالها، وقد قاوم في هذا السبيل مطامع البابوية، ورفض أن يعترف لها بأي نوع من التبعية كما فعل أبوه. وقد عمل كثيراً لإصلاح القوانين، وتنظيم الإدارة والشئون المالية بالمملكة، بيد أنه يوصف بالقسوة وغلبة الشهوات عليه، ومما يؤثر عنه أن كتب تاريخا لحكمه (١). ولما توفي خايمي قسمت مملكته بين ولديه، فتولى حكم أراجون وقطلونية وبلنسية ولده الأكبر بيدرو، وتولى حكم الجزائر والإمارات الفرنجية فيما وراء البرنيه، ولده الأصغر خايمى، على أن هذا التقسيم لم يدم طويلا. ٢ - مملكة نافارا (نبرَّة) لبث الصراع قائماً دون انقطاع بين نافارا وبين جارتيها من الجانبين، أراجون وقشتالة. وقد تتبعنا فيما تقدم مصاير نافارا، منذ اتحادها مع أراجون تحت حكم ألفونسو المحارب، ثم انفصالها بعد ذلك عند وفاته في سنة ١١٣٤ م واستئنافها لحياتها المستقلة، تحت حكم ملكها غرسية راميريس حفيد سانشو الكبير. ولما توفي غرسية في سنة ١١٥٠ م، خلفه ولده سانشو السادس الملقب بالعالم. وقد خاض سانشو ضد قشتالة وأراجون بعض الأحداث المماثلة، إذ كان التربص بنافارا سياسة مرسومة تنفذ بالاعتداء عليها كلما سنحت الفرص. وعقد السلم حيناً بين قشتالة ونافارا، نتيجة لتدخل هنري الثاني ملك انجلترا، وتسوية

стр. 2331

المشاكل الإقليمية بينهما بصورة ارتضتها كل من البلدين (١). واستطاع سانشو بعد ذلك أن يتفرغ حينا لمعالجة الشئون الداخلية لمملكته، فأصدر لمختلف المدن طائفة من القوانين البلدية، وعنى بتنظيم التجارة وتوطيد الرخاء والأمن. ولما توفي سانشو السادس خلفه على العرش ولده سانشو السابع الملقب بالقوى El Fuerte. وقد خاض سانشو السابع نفس المعارك القديمة ضد أراجون وقشتالة وذلك حسبما فصلنا فيما تقدم. وقد أشرنا كذلك إلى ما سعى إليه سانشو من محالفة الموحدين والاستنصار بهم ضد ملكى قشتالة وأراجون، بعد أن تكرر ائتمارهما بنافارا واعتداءاتهم عليها، واقتطاع أراضيها من الجانبين، وإلى ما حدث بعد ذلك من تقارب بين ملوك اسبانيا النصرانية، ومن عقد الوئام والتحالف بين ملك قشتالة ألفونسو الثامن، وسانشو السابع وذلك في اجتماع وادي الحجارة في سنة ١٢٠٧ م، ثم عقد السلم والتحالف كذلك بين ملكى نافارا وأراجون، وما كان لذلك من أثر في اجتماع كلمة الملوك النصارى، على لقاء الموحدين في جبهة موحدة في معركة العقاب (١٢١٢ م)، وهي التي خرجت منها الجبهة النصرانية مكللة بغار الظفر الباهر. وقد شاء القدر أن تتطور مصاير نافارا على يد سانشو السابع. ذلك أنه لبث قائماً على عرشها بعد موقعة العقاب زهاء عشرين عاما أخرى. وكانت تزعجه مسألة وراثة العرش، لأنه لم يعقب بالرغم من زواجه. وكان يبغض مرشح العرش الوحيد وهو تيوبالدو ابن أخته الأميرة بلانكا وتيوبالدو الرابع كونت شامبانيا. وفي أواخر أيامه ارتد مريضاً إلى تطيلة، وبعث إلى ملك أراجون خايمى الأول يعرب له عن رغبته في تبنيه، وترشيحه لخلافته على العرش، فوافاه ملك أراجون، وعقدت بينهما في تطيلة معاهدة لتحقيق هذا الغرض (فبراير ١٢٣١). ثم توفي سانشو بعد ذلك بثلاثة أعوام (١٢٣٤ م). على أن خايمى لم يحاول أن ينفذ معاهدة تطيلة، ولا أن يسعى للجلوس على عرش نافارا. ذلك أنه كان مشغولا بافتتاح مملكة بلنسية، وبمسائل داخلية كثيرة أخرى، وكان يخشى أن يعرضه الطموح إلى عرش نافارا لمشاكل كثيرة لا قبل له بها، ومن ثم فقد آل عرش نافارا إلى الكونت تيوبالدو دي شمبانيا، ابن أخت سانشو، وكان هذا التحول أول خطوة في انسلاخ نافارا عن حظيرة الممالك الإسبانية النصرانية، ووقوعها تحت نفوذ فرنسا، وابتعادها عن الاندماج في مشاكل شبه الجزيرة الإسبانية. واستمر

стр. 2332

حكم تيوبالدو حتى وفاته في سنة ١٢٥٣ م. وكانت وفاته بالمشرق في الحرب الصليبية السادسة. وكانت أيام حكمه مليئة بالاضطرابات، والخلاف مع شعبه، لأنه لم يتبع في الحكم قواعده المأثورة، ولم يفهم روح الشعب النافارى. وترك تيوبالدو، ولده تيوبالدو وارث العرش طفلا في الخامسة من عمره تحت وصاية أمه الملكة مرجريتا. وعندئذ رأت مرجريتا، اتقاءا لمطامع قشتالة القديمة، أن تضع المملكة تحت حماية خايمى الثاني ملك أراجون، وقطع خايمى على نفسه العهد بحماية نافارا من كل أعدائها، وأن يزوج ابنته كونستنزا لتيوبالدو، فإذا توفي، تزوجت من أخيه الأصغر إنريكى. وتعهدت الملكة مرجريتا من جانبها أن تقف نافارا إلى جانب أراجون ضد سائر أعدائها خلا ملك فرنسا وامبراطور ألمانيا. ووقع ما توقعته الملكة مرجريتا، وقام ملك قشتالة بمهاجمة نافارا، وهرع خايمى في قواته لحمايتها وفقاً لعهوده، وكادت الحرب تنشب بين الملكين بالرغم مما كان يربطهما من رباط المصاهرة الوثيق، ولكن تدخل الأحبار، وعقدت الهدنة بين الفريقين، وهكذا استطاع الملك تيوبالدو الثاني أن يحكم مملكته في سلام (١). ولم يتزوج تيوبالدو إبنة الملك خايمى، ولكنه تزوج إبنة لويس التاسع ملك فرنسا (القديس لويس)، وصحبه إلى المشرق، وخاض معه الحرب الصليبية السابعة، ثم صحبه إلى تونس وتوفي هنالك سنة (١٢٧٠ م). وحل محله في الحكم أخوه إنريكي الأول خلال غيابه، فلما توفي أعلن ملكاً لنافارا، واستمر في الحكم أربعة أعوام أخرى ثم توفي سنة ١٢٧٤ م. واستمرت نافارا بعد ذلك عصراً تحت حماية فرنسا. ٣ - مملكة البرتغال تحدثنا فيما تقدم من تاريخ الممالك النصرانية، عن نشوء مملكة البرتغال، ثم اشتداد ساعدها وتوطد أمرها، في ظل ملكها ألفونسو هنريكيز، وكيف استطاع هذا الملك أن يوطد استقلال مملكته، وأن يحميه ضد دعاوى قيصر قشتالة في السيادة. وقد كان للبابوية، فضل معاونته على اتخاذ صفة الملك المستقل، ومن ثم فقد كان للبابوية نفوذها على العرش البرتغالي. وقد أبدى ألفونسو هنريكيز فوق ذلك، غيرة ملحوظة في إنشاء جماعات الفرسان الدينية، للاستعانة بها في محاربة المسلمين وقام بتنظيم وراثة العرش، ووضع القوانين المدنية والجنائية التي تكفل تحقيق العدل.

стр. 2333

وكرس ألفونسو هنريكيز معظم نشاطه لغزو الأراضي الإسلامية، وبدأ بمحاصرة أشبونة وافتتاحها (١١٤٧ م)، ثم استولى في نفس الوقت على مدينة شنترين حصنها الشمالي، واستولى على ثغر قصر الفتح أو قصر أبي دانس في سنة ١١٦٠ م، ولبث في أيدي البرتغاليين، حتى قام الخليفة يعقوب المنصور باسترداده في سنة ١١٩١ م، ثم غزا بطليوس في سنة ١١٦٩ م، واستولى عليها بالفعل، ولكن الموحدين استردوها في الحال بمعاونة حليفهم فرناندو الثاني ملك ليون، واستولى أخيراً على مدينة باجة في سنة ١١٧٧ م. وقد أتينا على تفاصيل هذه الغزوات كلها في مواضعها من الكتاب. ولما توفي ألفونسو هنريكيز في شهر ديسمبر ١١٨٥ م، خلفه ولده سانشو الأول. وكان سانشو كأبيه يضطرم حماسة لغزو الأراضي الإسلامية، والقضاء على بقايا الحكم الإسلامي في البرتغال، فقضى أعوام حكمه الأولى في إصلاح البلاد والحصون التي خربتها الحرب، ثم زحف نحو الجنوب، وقام بمحاصرة مدينة شلب أهم القواعد الإسلامية الباقية وافتتاحها، وذلك بمعاونة القوات الصليبية المسافرة إلى المشرق (سنة ١١٨٩ م) ولكنه لم يستطع الاحتفاظ بها أكثر من عامين، إذ قام الخليفة المنصور باستردادها من أيدي البرتغاليين في سنة ١١٩١ م، وكان قد غزا أراضي البرتغال قبل ذلك، وقام بزحفه المظفر نحو الشمال (١). ولم تقع خلال حكم سانشو حوادث خارجية ذات شأن، وهدأ الصراع حيناً بين البرتغاليين والمسلمين. ولبث المسلمون عصراً آخر يحتلون الرقعة الجنوبية من البرتغال، تتوسطها مدينة شلب، والرقعة المتصلة بولاية الغرب، وبها ميرتلة وعدة قواعد أخرى، وشغل سانشو معظم أعوام حكمه بما نشب بينه وبين البابوية من خلاف، أولا يسبب رفضه لأداء الجزية، التي تعهد والده ألفونسو هنريكيز بأدائها للكرسى الرسولى، نظير حمايته ضد دعاوى قشتالة، وثانيا بسبب النزاع المستمر بينه وبين الأحبار، ولاسيما أسقف بورتو، وأسقف قلمرية. وقد أصدر الأساقفة ضده أكثر من قرار بالحرمان الكنسى، وتوفي في مارس سنة ١٢١١ م، ولم يرفع عنه قرار الحرمان إلا بعد موته. فخلفه ولده ألفونسو الثاني وهو الملقب بالبادن لبدانته المفرطة. وفي بداية حكمه نشب الخلاف بينه وبين أخواته. وكان والدهن قد أوصى لهن ببعض القلاع والأراضي، وأبين

стр. 2334

أن يعترفن بسيادة أخيهن عليها، وقصدن إلى البابا لحمايتهن، ثم نشبت الحرب بعد ذلك بين الملك والأميرات، وتدخلت البابوية في الأمر، وأصدر مندوبو البابا قراراً بالحرمان ضد الملك، وكاد النزاع يتفاقم. وأخيراً تدخل البابا، وألغى قرار الحرمان، وقضى بأن يُعهد بالأماكن المتنازع عليها إلى فرسان الداوية على أن تكون خاضعة لسيادة الملك، وأن يعطى دخلها للأميرات، فارتضى الطرفان هذا الحل وعاد السلام إلى المملكة. وكان أهم حدث حربي وقع في عصر ألفونسو الثاني، هو استيلاؤه بمعاونة القوات الصليبية المتجهة إلى المشرق، على ثغر قصر أبي دانس، وذلك في سنة ١٢١٧ م (٦١٤ هـ) وذلك حسبما فصلناه في موضعه. وفي الأعوام الأخيرة من حكم ألفونسو، عاد النزاع بينه وبين البابوية بسبب مطاردته لمطران براجا، واعتدائه على امتيازات رجال الدين، وتدخل البابا مرة أخرى وهدد الملك بالحرمان، ولكنه لم يذعن للوعيد، وما لبث أن مرض وتوفي في مارس سنة ١٢٢٣ م. فخلفه ولده سانشو الثاني، وبدأ حكمه بأن عقد مجلساً نيابياً في قلمرية عنى بتسوية النزاع بين العرش ورجال الدين، وكذلك عقد الصلح بين الملك وعماته الأميرات وقرر أن يمنحهن مخصصات مجزية، على أن يعترفن بطاعته، وأن تؤول الأراضي والحصون التي لهن بعد وفاتهن إلى العرش. ثم تأهب سانشو بعد ذلك لمنازلة المسلمين، وانتزاع ما بقى بأيديهم من أراضي البرتغال. فاستولى على إلفاس (١٢٢٦ م)، وافتتح حصني شربة وجلمانية وغيرهما من حصون الحدود الواقعة على ضفة وادي يانه. ثم استولى على ميرتلة، وسلمها لفرسان شنت ياقب، واستولى على شلب (١٢٤٢ م) ثم استولى أخيراً على ثغر طبيرة (١٢٤٣ م) في الجنوب، وكان سانشو يستعين في معظم فتوحه بالصليبيين الوافدين، وكانت البابوية، تمده بعونها الأدبى، وتسبغ الصفة الصليبية على حروبه ضد المسلمين. على أن سانشو لم يوفق إلى تدعيم السلام في مملكته. ذلك أن النزاع عاد يضطرم بينه وبين رجال الدين، لأسباب عديدة تلخص في محاولة العرش أن يحتفظ بسلطاته الدنيوية والقضائية، ومحاولة رجال الدين أن يحافظوا على سلطانهم وامتيازاتهم، واختصاصاتهم القضائية. وكانت مبالغة الأحبار في توسيع امتيازاتهم، ينعكس أثرها على امتيازات الأشراف، فيضطر العرش إلى إرهاقهم

стр. 2335

بمطالبه المالية والعسكرية، فكانت منهم كذلك طائفة كبيرة تنقم على العرش هذا الإرهاق، وكان سانشو يشعر بقصوره عن إخماد هذه النزعات الثورية ضد العرش، خصوصاً وأن البابوية كانت دائماً تصغى إلى شكوى الأحبار وتحريضهم. ومن جهة أخرى فإن سانشو كان دون ولد، وكان أخواه ألفونسو وفرناندو وعمه بيدرو، جميعاً يمالئون الحركة الثورية، سعياً إلى انتزاع العرش من سانشو، وكان أكثر هؤلاء حظاً من التأييد الإنفانت ألفونسو، وكان قد تزوج من الأميرة ماتيلدة صاحبة بولونيا بإيطاليا، وغدا بزواجه أميراً لهذه الولاية، وكان الأحبار، والأشراف الثوار يرون فيه أداة صالحة لتنفيذ خطتهم، خصوصاً وأنه كان يتمتع بعطف البابوية. وانتهى الأمر بأن نجح هؤلاء في سعيهم لدى البابوية، وأصدر البابا إنوصان الرابع في يوليه سنة ١٢٤٥ م، قرارا بإقالة سانشو الثاني وتنصيب أخيه ألفونسو مكانه في العرش. فقطع ألفونسو على نفسه عهداً باحترام امتيازات رجال الدين، وركب البحر مع طائفة من الأحبار والأشراف البرتغاليين إلى ثغر أشبونة، وفي الحال أعلن ملكاً، واضطر سانشو إلى الفرار، والالتجاء إلى ملك قشتالة فرناندو الثالث، فوعده بتأييده، وبعث معه ولده ألفونسو في جيش جهزه لمقارعة خصومه، ولكن هذه المحاولة انتهت بالفشل، حيث استطاع ألفونسو ملك البرتغال الجديد، أن يقنع الأمير القشتالي، بأنه ارتقى العرش بأمر الكرسى الرسولى، وأن معظم الأحبار والأشراف والشعب إلى جانبه، فارتد القشتاليون أدراجهم دون قتال، وارتد سانشو معهم ليقضى أعوامه الأخيرة، في طليطلة، وهناك توفي في يناير سنة ١٢٤٨ م. وتأهب ألفونسو الثالث، بعد أن اطمأن إلى توطيد عرشه، إلى إتمام فتوح ما تبقى بأيدى المسلمين من أراضي البرتغال، وبدأ بحصار قلعة فارو أو شنتمرية الغرب، واستولى عليها في سنة ١٢٤٩ م، ولم يكن بهذه القواعد الإسلامية الأخيرة سوى حاميات ضئيلة من الموحدين وغيرهم، ثم استولى ألفونسو تباعا على سائر ما كان باقيا بأيدى المسلمين من القواعد، والحصون بهذه المنطقة وبذلك تم القضاء على سلطان المسلمين نهائيا من الأراضي البرتغالية، ولم يكتف ألفونسو الثالث بذلك بل عبر في قواته نهر وادي يانه، ومضى في فتوحه في أراضي ولاية الغرب الأندلسية، ولكنه اضطر فيما بعد أن ينزل عما فتحه من الأماكن في تلك المنطقة لملك قشتالة، إذ كانت داخلة في نطاق الفتوح القشتالية

стр. 2336

الكتاب الثاني عشر نظم الدولة الموحديّة وخواص العصْر الموحدي

стр. 2337

الفصل الأول الحكومة الموحدية بالمغرب والأندلس وأوضاعها السياسية والعسكرية والإدارية الدولة الموحدية وقيامها على أسس دينية. الفرق بينها وبين الدولتين المرابطية والفاطمية. الحكومة الإمامية في عهد المهدي. تحول الإمامة الموحدية إلى خلافة دنيوية. صفة الإمامة الشكلية. الأساس القبلى لهيكل الدولة الموحدية. قبائل المصامدة وغيرهم. غلبة نفوذ المصامدة في تسيير الدولة. تصنيف عبد المؤمن لطوائف الموحدين. وضع أسس الحكم الدنيوى الجديد. تخليده في بني عبد المؤمن. اختيار عبد المؤمن لولى عهده. زعمه بأنه يحقق بذلك رغبة القبائل البربرية والعربية. تعيينه أولاده لحكم الولايات. اختصاصهم وأعقابهم بلقب السادة. إيثار القرابة والأصهار بمناصب الحكم والوزارة. ولايات المغرب والأندلس في ظل الدولة الموحدية. إشبيلية قاعدة الحكم الموحدي بالأندلس. بواعث هذا الاختيار. الأسس الأولى للحكم الموحدي حسبما وردت في رسالة عبد المؤمن. ظهور الخلافة الموحدية بحرصها على توطيد العدل. الوزارة الموحدية. نظامها أيام المهدي. خطة الوزارة منذ عبد المؤمن. الوزارة والكتابة. اضطلاع الأبناء والقرابة بالوزارة والحجابة. تعيين الوزراء العاديين. اختيارهم من خاصة القبائل الموحدية. الكتابة من أهم الخطط. اختيار أكابر الكتاب لهذه الخطة. معظمهم من أهل الأندلس. بعض الكتاب الأندلسيين والمغاربة. الخلفاء المتعاقبون وكتابهم. حرص الخلافة الموحدية على بلاغة الترسل. العلامة وديوان العسكر. منصب أشغال البرين وأهميته. وزراء الشئون المالية. ديوان الأعمال المخزنية واختصاصاته. متولى المجابى. متولى المستخلص. صاحب الشرطة. منصب مقدم إرسال ملوك الروم وإنزالهم والترجمة عنهم. سياسة الموحدين في شئون الجباية. رسائل عبد المؤمن في ذلك. تضخم الدولة وتطور سياسة الضرائب. تكسير عبد المؤمن لأراضي الدولة. فرض الخراج وغيره من المكوس. مضاعفة وزن الدينار الموحدي. الأحوال الاقتصادية في بداية الدولة. خراب إفريقية وأثره في تحطيم رخاء المغرب. موقعة العقاب وآثارها الاقتصادية المدمرة. اضطراب شئون الخلافة وأثره. عيث العرب وقبائل البربر. القحط والغلاء. تردد صدى هذه المحن بالأندلس. الحروب الأهلية وغزوات النصارى وآثارها المدمرة. المناصب الدينية. القضاء والتعيين في مناصبه. استئثار قضاة الأندلس بمناصبه في بلادهم. توليهم أحيانا قضاء الجماعة بالمغرب. خطة الشورى. خطة الأحكام. خطة المواريث. حسبة السوق. منصب الخطابة. صاحب الصلاة. متولى شئون طلبة الحضر. تحول الخلافة إلى ملك دنيوى. الاحتفاظ برسوم المهدي. تطور الفكرة المذهبية في عصر المنصور. مرسوم المأمون بإزالة رسوم المهدي ومحو أسطورته. فتكه بالزعامة الموحدية. الرشيد وعوده إلى استرضاء الأشياخ. إعادته لرسوم المهدي. القوة العسكرية الموحدية. الحشود القبلية مصدرها الرئيسي. بداية حشدها أيام المهدي. علم المهدي الأبيض. تضخم الجيوش في عهد عبد المؤمن. تأليف عبد المؤمن للحشود القبلية وتنسيقها. طريقة مسير الجيوش الموحدية. سلا ورباط الفتح مركز

стр. 2338

لتجمع الجيوش الموحدية. مراكز التموين. طريق العبور إلى شبه الجزيرة. خطة المربع الموحدي ومنعتها. طوائف العرب بعد الحشود القبلية. عبد المؤمن يضع خطته لاستمالة العرب. مساعى ولده الخليفة أبي يعقوب في ذلك. العرب يؤلفون جناحا خاصا في الجيوش الموحدية. هدف السياسة الموحدية في حشد العرب. تقلبهم وعدم ولائهم. دورهم في الحرب الأهلية. القوات الأندلسية ودربتها وولاؤها. الخليفة قائد الجيش العام. المؤتمرات الحربية. ساقة الجيش وقبة الخليفة. الاستعانة بالمرتزقة النصارى. البنود والطبول. الإنعام والبركات. المطوعة ونظامهم. القوي البحرية. عناية الموحدين بإنشاء القطائع. أهمية الأسطول ودوره في حماية الشواطىء. مراسى الأسطول. إدارة شئون الجيش. ديوان العسكر. ديوان التمييز. التمييز وتطور غايته. الحج إلى تينملل. الثغرات في الجيش الموحدي. فوضى القيادة. اختلال التموين. تفوق الموحدين في فنون الحصار والآلات المدمرة. المدافع البدائية. تفوقهم في فن التحصينات. موقعة العقاب وانهيار الدفاع بالأندلس. انشغال الموحدين بالتنافس على الخلافة. توثب الممالك النصرانية. الحكومة الموحدية بالأندلس. ميلها إلى الطابع المدنى. أقسام الأندلس الإدارية. السادة والقرابة يتولون حكم الولايات. إشبيلية مركز الحكم الموحدي والحاكم العام. البلاط الموحدي بإشبيلية. حكومات الولايات المحلية. عناصر هذه الحكومات. استخدام السادة لكتاب الأندلس. إشبيلية مركز تجمع الجيوش المحلية الغازية. القوات الأندلسية. قيادتها ودورها في الدفاع والحراسة. مملكة الشرق. احتفاظها بالطابع الأندلسي. كونها أول مركز لقيام الحركات القومية. اللون الانتحارى لهذه الحركات. مصانعة زعمائها للنصارى واستمدادهم. حكومة إشبيلية بعد انهيار سلطان الموحدين. الاضطراب والفوضى في الأندلس. الآن وقد انتهينا من استعراض تاريخ الدولة الموحدية، بالمغرب والأندلس، منذ قيامها على يد إمامها المهدي ابن تومرت، حتى انحلالها وسقوطها، على يد آخر خلفائها، أبي العلى إدريس الملقب بأبي دبوس، فيما يملأ نحو قرن ونصف قرن، نحاول في هذا الفصل، أن ندرس طبيعة النظم، التي سارت عليها الدولة الموحدية، في حكم تلك الإمبراطورية العظيمة، خلال هذا المدى الطويل من الزمان. قامت الدولة الموحدية، حسبما رأينا، على أسس دينية محضة، وهي في ذلك قرينة الدولة المرابطية، التي قامت كذلك على أسس دينية. ولكن شتان بين الحالتين. ذلك أن الأساس الدينى، الذي قامت عليه الدولة المرابطية، كان أساس العقيدة الدينية، والجهاد في سبيل نشرها. ولكن الدولة الموحدية، تمتاز باستنادها إلى أسس الإمامة الدينية، ونظرية المهدي المنتظر، وهي في ذلك تضارع الدولة العبيدية الفاطمية. بيد أنها بالرغم من اشتراكها مع الدولة الفاطمية في وحدة المصدر، وهو الدعوة الشيعية، تمتاز باستقلالها عن الحركة الشيعية المشرقية، وبصفتها المغربية المحلية. وامتازت رياسة الدولة الموحدية، في البداية، بإمامة منشئها المهدي

стр. 2339

ابن تومرت، ولم تتخذ في حكمها مدى العشرة أعوام، التي لبثها المهدي على رياستها أي طابع آخر، وكانت هذه الإمامة مصدر السلطات الدينية والسياسية معاً. وكانت الحكومة الموحدية عندئذ، عبارة عن ثيوقراطية (حكومة دينية) يعاون الإمام فيها، صحبه العشرة الأوائل، المسمون بالجماعة، فيما يمكن أن نصفه بالوزارة، وكان هؤلاء يضطلعون بمشورة الإمام في جلائل الأمور، بيد أنه كان يوجد إلى جانب هؤلاء، أفراد آخرون من ذوى النفوذ، كان الإمام يرجع إليهم في تدبير الشئون، وذلك حسبما يخبرنا ابن القطان (١)، ثم كان هناك من صحب المهدي أهل خمسين، وهؤلاء يشتركون في بحث الشئون الأقل أهمية، ثم أهل سبعين، ويشتركون أيضاً في بحث الشئون العادية. فلما توفي المهدي، في رمضان سنة ٥٢٤ هـ (أغسطس سنة ١١٣٠ م) عقب هزيمة أنصاره الساحقة في موقعة البحيرة، بأشهر قلائل، وخلفه في رياسة الموحدين كبير صحبه وآثرهم لديه عبد المؤمن بن علي، وبزغ نجم الموحدين بعد ذلك على يد عبد المؤمن، واستمروا في صراعهم ضد المرابطين، حتى انتهوا بسحق دولتهم، وذلك بالاستيلاء على حضرة مراكش، في شوال سنة ٥٤١ هـ (مارس ١١٤٧ م)، واستكملت الدولة الموحدية بذلك سيادتها، على سائر أنحاء المغرب، لم يكن ثمة بد، من أن تتحول الإمامة الموحدية إلى خلافة دنيوية. وبالرغم من أن الإمامة الموحدية، لم تفقد في ظل هذا التحول صفتها الدينية، ولا اعتبارها كشعار للدولة الموحدية، فإنها لم تكن عندئذ سوى عنوان إسمى يتوج الخلافة الجديدة. والواقع أن الخليفة عبد المؤمن، هو المنشىء الحقيقي للدولة الموحدية الكبرى، وعلى يديه، توطد سلطانها بالمغرب وإفريقية والأندلس، وفي ظله تحولت الخلافة الموحدية شيئاً فشيئاً، من إمامة دينية إلى ملك سياسى باذخ، وذلك مع الاحتفاظ دائماً برسوم الإمامة المهدية، وتعاليم المهدي الدينية، والدعاء له في الخطبة، وفي المكاتبات الرسمية، ووصفه دائما "بالإمام المعصوم، المهدي المعلوم ". ومن ذلك الحين، نستطيع أن نتتبع ملامح النظم الموحدية، وطبائع الحكم الموحدي، بصورة واضحة. ويجب أن نذكر أولا، أن هيكل الدولة الموحدية الأساسى، كان يقوم منذ البداية، على أسس قَبَلية، وذلك سواء من الناحية المدنية أو العسكرية. وكانت القبائل، التي يرتكز إليها هذا الهيكل، ينتمي

стр. 2340

معظمها إلى مصمودة، ومنها القبائل السبع الأولى، التي اتسمت بالصفة الموحدية، وكانت أسبق القبائل إلى مبايعة المهدي، وهي هرغة قبيلة الإمام المهدي ذاته، وهنتاتة، وأهل تينملل، وجنفيسة، وهزرجة، وجدميوة، ووريكة، ويلحق بهذه القبائل التي اكتسبت قبل غيرها صفة التوحيد، قبلة كومية وهي قبيلة الخليفة عبد المؤمن، وكذلك مجموعة أخرى من قبائل المصامدة القوية، مثل هسكورة، ودُكاله، وهيلانة، وحاحة، وغيرها، ومن غير المصامدة، زناتة تيفسرت وصنهاجة القبلية (١). وقد انضم بعض هذه القبائل، إلى العصبة الموحدية بطريق الفتح، مثل هسكورة وحاحة. وكان سلطان الدولة الموحدية يقوم على تأييد هذه القبائل، وتستأثر القبائل الموحدية السبع في الدولة، بأكبر قسط من النفوذ، وتحتل معظم المناصب الكبرى، من الوزارة والولاية والقيادة، وتغذى هذه المجموعة الكبيرة من القبائل الجيوش الموحدية الجرارة، بحشودها الزاخرة المدربة على القتال. وقد وضع عبد المؤمن لتنظيم الموحدين نظاماً جديداً غير الذي وضعه المهدي ابن تومرت من قبل، وكان المهدي حسبما تقدم في موضعه، قد جعل من الجماعة أو الصحب العشرة، رأس الطوائف الموحدية، ومن بعدهم أهل خمسين ثم أهل سبعين، فطلبة العلم، فالحفاظ، فأهل الدار. بيد أنه لما تعاقبت الحوادث، وفُقد الكثير من أهل الجماعة، وأشياخ الموحدين، رأى عبد المؤمن أن يصنف الموحدين، إلى ثلاث طوائف: الأولى هي طائفة السابقين الأولين، وهم الذين سبقوا إلى مبايعة الإمام المهدي، وصحبوه أو غزوا معه، أو صلّوا خلفه، والذين اشتركوا في موقعة البحيرة الفاصلة. والثانية هي طبقة الموحدين، ممن دخلوا في زمرة الموحدين، منذ موقعة البحيرة حتى فتح وهران. والثالثة هي طبقة الذين دخلوا في التوحيد، منذ فتح وهران إلى ما هلم جرا، وهذا كله مع المحافظة على هيكل النظام القبلى الذي تقدم شرحه (٢). ولما توطد سلطان الخليفة عبد المؤمن، بما تم له من استكمال فتوح المغرب والأندلس، وإخضاع سائر القبائل الخصيمة، وغلب لون الخلافة الدنيوى، بتضخم صرحها السياسي، وتحولت في الواقع إلى ملك باذخ، وضعت القواعد الأولى لتنظيم هذا الملك، وتخليده في بني عبد المؤمن، كما وضعت الأسس التي

стр. 2341

تحكم بمقتضاها، أقطار الدولة الموحدية وشعوبها. وبدأ عبد المؤمن في ذلك، باختيار أكبر أولاده أبي عبد الله محمد لولاية عهده (سنة ٥٤٩ هـ)، وقد أوضحنا فيما تقدم كيف اختير عبد المؤمن للخلافة، عقب وفاة المهدي، وما أحاط بذلك الاختيار من ظروف خاصة. ولم يكن ثمة ما يؤذن عندئذ أو يسمح للخليفة، بأن يجعل من الخلافة أمراً وراثياً في عقبه، ومن ثم فقد أبدى عبد المؤمن، في رسائله الرسمية عن ولاية العهد، أنه لم يكن له في ذلك رغبة خاصة، وإنما حمل على تصرفه برغبة القبائل والعشائر البربرية والعربية المختلفة، وهي التي دفعته، إلى القيام باختيار ولده لولاية العهد. وقام عبد المؤمن في نفس الوقت باتخاذ الخطوة الثانية، لتنظيم الحكم، وتوكيد سيادة بني عبد المؤمن. فعين بقية أولاده، لحكم ولايات المغرب والأندلس، وذلك حسبما فصلنا في موضعه. وكان أولاد الخليفة ينعتون هم وأعقابهم بالسادة، وهو لقب اختصوا به طوال أيام دولتهم. وقد جرت الخلافة الموحدية، على نسق الدولة المرابطية، في تعيين الأبناء والقرابة والأصهار، لحكم الولايات والمدن، وأحيانا للقيادة والوزارة، هذا مع تعيين بعض الأشياخ والحفاظ المقربين أحيانا، في هذه المناصب الكبرى. وقد حرصت الخلافة الموحدية، على هذه القاعدة، حتى أواخر أيامها، سواء في المغرب أو الأندلس. وكانت ولايات المغرب أو عمالاته، في ظل الخلافة الموحدية، تشمل بلاد السوس، وسجلماسة، ومراكش، وفاس، وتلمسان، وبجاية، وإفريقية، ثم سلا فيما بعد، وكانت سبتة، أحيانا ولاية مستقلة، وأحيانا تلحق بمالقة والجزيرة الخضراء. وأما ولايات الأندلس، فكانت تشمل ولاية الغرب (شلب وأحوازها)، وإشبيلية، وقرطبة، وجيان، وغرناطة، ومالقة، ومرسية، وبلنسية. وكانت قاعدة الحكومة الموحدية بالأندلس أولا إشبيلية، وذلك لأنها كانت أول قاعدة أندلسية كبرى، نادت بطاعة الموحدين، وبعثت بيعتها إلى عبد المؤمن على يد وفد من أعيانها، وثانيا لأنها كانت أول قاعدة كبرى استولى الموحدون عليها، ولكن عبد المؤمن، قبيل وفاته بقليل، أمر ولده السيد أبا يعقوب يوسف، وكان عندئذ واليا لإشبيلية، أن ينتقل منها إلى قرطبة، وأن يجعل بها قاعدة الحكم الموحدي، ومستقر الجيوش الموحدية، لأنها " مُوسَّطة الأندلس ". بيد أن هذا التغيير لم يطل أمده، ولم يمض سوى وقت قصير، حتى

стр. 2342

أعيد مركز الحكم الموحدي إلى إشبيلية، واستقر بها بعد ذلك، طوال عهد الدولة الموحدية، وذلك بالأخص لبعدها عن حدود قشتالة، وعن خطر الغزو النصراني، ولأنها باتصالها بالبحر، بواسطة مصب نهرها الوادي الكبير، ووفرة مواردها الزاخرة من وادي الشَّرف، كانت تعتبر خير قاعدة، لنزول الجيوش الموحدية، القادمة من وراء البحر، وغدت إشبيلية في ظل الحكم الموحدي، أعظم حواضر الأندلس، وازدانت بكثير من الصروح، والمنشآت العمرانية العظيمة، التي أتينا على ذكرها في موضعها. ١ - نظم الحكم الموحدي وأما عن نظم الحكم الموحدي، فقد كان الخليفة عبد المؤمن أيضاً، هو أول من وضع أسسها الرئيسية، وكان ذلك نتيجة طبيعية، لتحول الخلافة الموحدية على يده، إلى ملك دنيوى، ووضعه لنظام ولاية العهد. ونجد هذه الأسس الأولى، لنظام الحكم الموحدي، مدونة في الرسالة التي وجهها عبد المؤمن، بتاريخ ربيع الأول سنة ٥٤٣ هـ، إلى الطلبة والأعيان والمشيخة والكافة بالأندلس والتي أوردها لنا ابن القطان، ولخصنا ما تضمنته فيما تقدم (١). وتنحصر هذه الأسس في خمس نقط هي: وجوب التزام الدقة في تطبيق الأحكام الشرعية، ووجوب الكف عن اقتضاء أية مغارم أو مكوس، لا تبيحها الشريعة ولا تتفق مع قواعد العدل، وأنه لا يجوز الحكم في مواد الحدود بالإعدام، أو تنفيده قبل الرجوع إلى الخليفة، ليصدر هو قراره في هذا الشأن، وأنه يجب تحريم الخمر، ومطاردتها في سائر أنحاء الدولة، وأنه يجب حماية أموال " المخزن " (أموال الدولة)، وصونها وعدم التصرف في شىء منها، دون استئذان الخليفة. وقد حذا الخليفة يوسف بن عبد المؤمن، حذو أبيه، بتأكيد هذه الأسس الدستورية، للحكم الموحدي، وذلك في رسالة شبيهة برسالة أبيه، وجهها في رمضان سنة ٥٦١ هـ، إلى أخيه السيد أبي سعيد والي قرطبة، وأصحابه الطلبة، وفيها يحث على وجوب تطبيق أحكام الشرع، أوامرها ونواهيها بدقة، واتباع الحق والعدل، في الفصل في قضايا العباد، وأنه فيما يتعلق بالدماء، فإنه يحظر على سائر عمال الموحدين أن يحكموا في الدماء من تلقاء أنفسهم، وأنه لابد من أن ترفع قضايا القتل إلى الخليفة، مشفوعة بتفاصيلها وأدلتها وشروحها، ويسرى ذلك حتى على القضايا

стр. 2343

التي وقع فيها اعتراف بالقتل، أو دليل أو شهادة مقبولة، أو غير ذلك، فإنه يجب في سائر الأحوال، أن يرفع الأمر إلى الخليفة، وأن ما ورد في كتاب الله من الحظر المؤكد والوعيد الشديد، نحو إراقة الدماء، واستباحة الأموال، واستحلال الحرمات إلا بوجه صحيح، يوجب عليهم اتباع ما رسم، ووجوب التوقين والبيان والتعريف، هذا مع وجوب تقوى الله، وطاعة أوامره، والجرى على سننه. وتكرار هذا النصح، بالعف عن إراقة الدماء، والتحوط في تنفيذ أحكام الإعدام، هو صدى طبيعى، لما اتسمت به الدولة الموحدية، منذ قيام المهدي ابن تومرت، من المبالغة في استباحة دماء خصومها وإراقتها. وقد ذكرنا من ذلك، طائفة من الحوادث المروعة المثيرة، أيام المهدي، وخليفته الأول عبد المؤمن. فلما انتهت الدولة الموحدية، من القضاء على خصومها، ولما توطدت دعائمها، وضخم سلطانها، لم يبق ثمة موجب لهذا الإغراق في سفك الدم، وكان من حسن السياسة، أن تؤكد الخلافة الموحدية حرصها على احترام دماء الناس، وتمسكها بتنفيذ أحكام الشريعة، وحثها عمالها على مراعاة ذلك، وبالأخص على عدم التورط في إراقة الدم، إلا بموافقة الخليفة نفسه. وكانت الخلافة الموحدية، تؤثر أن تبدو في نفس الوقت، حريصة على توطيد العدل، وقمع الظلم، وقد رأيناها منذ البداية، تتبع العمال الظلمة وتطاردهم وتقضى في أحيان كثيرة، بعزلهم ومحاسبتهم، وأحيانا باعتقالهم وإعدامهم. وقد كانت للخليفة عبد المؤمن، ولولده وخليفته أبي يعقوب يوسف، وحفيده يعقوب المنصور، في ذلك جهود ضخمة، ذكرناها في مواضعها، بل لقد حذا الخليفة الناصر نفسه، في ذلك حذو أبيه وجده، في مطاردة العمال الظلمة وإزالتهم، وكان تكرار هذه المطاردة للعمال الظلمة، وعمال المخزن وغيرهم، وتوقيع العقوبات الرادعة عليهم، مما يصل أحيانا إلى الإعدام والمصادرة، في ذاته دليلا، على ما كان يغشى الإدارة الموحدية، في بعض الأحيان، من ضروب الفساد، التي ترمى هذه المطاردة إلى قمعها. وكانت الوزارة الموحدية، وهي أداة الحكم المباشر، أوسع نطاقا منها، في عهد الدولة المرابطية. وقد رأينا أن المهدي ابن تومرت، لم يكن له وزير خاص، وإنما كان يتخذ من الجماعة، وهم الصحاب العشرة الأوائل، أعضاء

стр. 2344

وزارته، ويبحث معهم شئون الحكم، وكان يجعل من باقي الصحب، وهم أهل خمسين، وأحيانا أهل سبعين، نوعا من الجمعية الاستشارية (١). ثم بدأت خطة الوزارة، في عهد عبد المؤمن أول الخلفاء الموحدين، وانتظمت على يده أداة الحكم، بصورتها التقليدية، من الاعتماد على معاونة وزير أو أكثر، يتولون أعباء الحكم والإدارة بتوجيه الخليفة وإرشاده، ويطالعونه بمختلف الشئون الهامة، وعلى معاونة كاتب أو أكثر من الكتاب المجيدين، يكونون ترجمانا لدعوته، ويضطلعون بتوجيه رسائله وتعليماته، إلى مختلف العمال والجهات. وكان الخليفة، يعهد في بعض الأحيان بوزارته، إلى أحد أولاده أو أخوته، فقد رأينا مثلا كيف عهد عبد المؤمن، في أواخر أيامه، بالوزارة إلى ولده السيد أبي حفص (٢). ولما توفي عبد المؤمن، وخلفه ولده السيد أبو يعقوب يوسف، تولى شئون الحجابة مدى حين، أخوه السيد أبو حفص، وذلك على معنى الوزارة والإمارة (٣). ثم لما توفي الخليفة أبو يعقوب، عقب موقعة شنترين، وخلفه ولده الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور، تولى حجابته أخوه كبيره السيد أبو حفص، والحجابة هنا معناها رياسة الوزارة. ثم تولى له الوزارة أخوه السيد أبو عبد الله محمد. وأحيانا كان يضطلع بالوزارة بعض القرابة، كما حدث أيام الخليفة المستنصر والرشيد. بيد أن تعيين الحجاب والوزراء من الأبناء والإخوة أو القرابة، لم يكن يحول دون تعيين الوزراء العاديين، للاضطلاع بتدبير الشئون، وقد كان أولئك الوزراء أيضاً، في الغالب، من خاصة القبائل الموحدية الموالية. وكانت الوزارة تبقى في الأسرة الواحدة أجيالا متعاقبة، كما حدث في أسرة بني جامع، التي تولى أبناؤها الوزارة، منذ خلافة عبد المؤمن، واستمروا في توليها فترات مختلفة، حتى عصر الناصر، وأسرة بني يوجان، التي تولى أبناؤها أيضاً الوزارة غير مرة. وأما الكتابة، فقد كانت من أهم خطط الحكومة الموحدية. وكان الخليفة الموحدي، يحشد في بلاطه، أقطاب الكتاب المجيدين، وكان السادة من الولاة سواء بالمغرب أو الأندلس، يتخذون لكتابتهم أبلغ كتاب العصر. ومنذ عصر الخليفة عبد المؤمن، نرى ثبتاً طويلاً، من أئمة النثر والبلاغة، ينتظمون في

стр. 2345

بلاط مراكش، ليكونوا لسانا للخليفة الموحدي، وترجمانا له، في مخاطبة الولاة والقبائل والكافة، سواء بالمغرب أو الأندلس، وكان معظم هؤلاء الكتاب من أهل الأندلس، ومنهم كذلك عدة من أكابر الكتاب المغاربة. فكان من الأندلسيين في بلاط عبد المؤمن، أبو الحسن بن عياش القرطبي، وأخيل ابن إدريس الرندي، والخطيب أبو الحسن بن الإشبيلي. ومن المغاربة، أبو جعفر ابن عطية، وأخوه عقيل بن عطية، ولو أنهما ينتميان إلى أصل أندلسي. واستمر أبو الحسن ابن عياش في منصب الكتابة، في عهد أبي يعقوب يوسف. وكان يعاونه اثنان من ألمع الكتاب المغاربة في ذلك، هما أبو القاسم القالمي، وتلميذه أبو الفضل طاهر بن محشرة. وتولى الكتابة في عهد يعقوب المنصور، أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عياش البرشانى، وأبو الفضل بن محشرة. وكتب للناصر ولد المنصور، أبو عبد الله محمد بن عياش، وأبو الحسن على ابن عياش، ومن المغاربة أبو عبد الله محمد بن يخلفتن الفازازى، وكتب الأول كذلك للمستنصر. وحتى في أواخر عهد الدولة الموحدية حينما أدركها الانحلال والوهن، نجد مثل هذه العناية بمنصب الكتابة، والحرص على استخدام الكتاب البلغاء. فقد كتب للمأمون، وهو نفسه من الكتاب البلغاء، كاتب من أعظم أئمة البيان الأندلسيين، هو أبو المطرف بن عميرة المخزومي، وكتب معه أبو الحسن الرعينى، وأبو عبد الله بن عياش، ومن كتاب المغرب، أبو زكريا الفازازى. وكتب أبو المطرِّف بن عميرة وأبو زكريا الفازازى كذلك للرشيد. وهكذا نجد البلاط الموحدي، حتى أواخر عهد الدولة، حريصاً على الاحتفاظ لديوان الكتابة والترسل، بمستواه الرفيع، الذي بلغه منذ عهد الخليفة عبد المؤمن. وإنا لنجد ذلك الحرص، من جانب الخلافة الموحدية، على بلاغة الترسل المترجم عنها في تلك المجموعة من الرسائل، التي صدرت عن الخلفاء المتعاقبين، في مختلف الشئون، الشرعية، والإدارية، وعن سير الغزوات ْوالفتوحات الموحدية، والتي أشرنا إليها، واقتبسنا من محتوياتها، في مواطن عديدة، فيما تقدم، من فصول هذا الكتاب (١).

стр. 2346

وكان مما يلحق بديوان الكتابة، كتب التوقيعات والظهائر وكل ما يمهر بالعلامة، وكذلك ديوان العسكر، وما انضاف إليه من التنفيذات السلطانية، وتقييد الجزيات العامة في أنواع النفقات (١). وكان لديوان العسكر كتابه المختصون به، وهم غير كتاب الديوان المختصين بالشئون الأخرى. وكانت أداة الحكومة التنفيذية، تضم عدة مناصب هامة، في مقدمتها منصب " متولى أشغال البرين " أعني المغرب والأندلس، وكان لذلك المنصب أهمية خاصة، أيام عنفوان الدولة الموحدية وتماسكها، ويوصف اختصاصه " بالأعمال العلية والأشغال السلطانية ". فنراه أيام الخليفة المنصور، يسند إلى كبير الوزراء نفسه أبي زيد بن يوجان (٢) ويوصف أحيانا " بإشراف البرين وضم الأعمال وتفقد الأشغال " ويسند إلى وزير أو أكثر يسمون " أصحاب الأشغال " (٣) ويلى ذلك في الأهمية الوزراء المختصون بالشئون المالية، وهم " صاحب الأعمال المخزنية "، ومتولى المجابى، ومتولى أموال النفقات والمحاسبة، ومتولى أعمال المستخلص. وكان لصاحب ديوان الأعمال المخزنية، اختصاصات وسلطات واسعة في السهر على تحصيل الأموال العامة وإنفاقها، وفي رقابة العمال والمشرفين، ومحاسبتهم والقبض عليهم (٤)، وكان له وكلاء في سائر المدن الكبرى، يسمون بالمشرفين، ويمثله في إشبيلية عاصمة الأندلس " صاحب المخزن "، وكان للمشرف بدوره خازن على المال، وخازن على الطعام، يتولى الإشراف على حركة الوارد والصادر بالمخازن العامة، وأحيانا يقع ضمن أعمال المشرف الرقابة على تقييد المجابى (٥). وكان أولئك الوكلاء المشرفون على الأموال العامة يتحملون مسئوليات خطيرة، ونراهم من آن لآخر، عرضة لمختلف الاتهامات والمطاردات (٦) وكان من التقاليد المأثورة أن يقوم الخليفة الجديد، في بداية ولايته بالعفو عن المسجونين، ورفع الأموال المتخلفة، عن عاتق العمال المبددين، وتأمينهم من العقاب (٧). وأما متولى المجابى، فهو المختص بتحصيل الضرائب، والجزيات على مختلف صنوفها، وله عمال في المدن وفي البوادى. وكانت الحملات

стр. 2347

العسكرية، تحشد أحيانا، لإرغام القبائل المتخلفة عن أداء الجباية، على أدائها، وذلك حسبما ذكرنا فيما تقدم غير مرة. وأما متولى المستخلص، فهو المشرف على الأموال الخليفية، والمحافظة عليها، وتحصيل ما يتعلق بها، من مختلف أبواب الدخل. وقد يتولى صاحب الأشغال المخزنية أحيانا، الإشراف على ما يتعلق " بالسهام السلطانية " أي أنصبة الخليفة أو حقوقه الشرعية في الغنائم وغيرها (١). وكان منصب صاحب الشرطة، من الناصب الإدارية الهامة، وكانت أهميته تبدو بنوع خاص في الأوقات المضطربة، وعند اضطرام الفتن، وكان يشغله أحيانا، رجال من ذوى المكانة الرفيعة في الدولة من أكابر الوزراء، كما حدث أيام الرشيد (٢). وبرز في أواخر العصر الموحدي، منصب هام في الحكومة الموحدية، هو منصب وزير يقوم فيه صاحبه، بالتقديم إلى إرسال ملوك الروم، والاشتغال بإنزالهم، وتضييفهم، والترجمة عنهم (٣). ومن الواضح أن هذا المنصب، لم تبرز أهميته، إلا منذ أيام الخليفة المأمون، حينما عقد حلفه المشهور، مع فرناندو الثالث ملك قشتالة، وأمده هذا الملك النصراني، بفرقة كبيرة من جنده، ليعبر بها إلى المغرب، ويستعين بها على قتال منافسه في الخلافة، يحيى المنتصر. ومن ذلك التاريخ، يأخذ الروم بقسط بارز، في الحروب، التي يشهرها الخليفة الموحدي، على خصومه، ويقتضى أن يمثل في بلاط مراكش، شخص يتولى استقبال الوافدين من " الروم " (القشتاليين)، من أمراء وقادة وسفراء وغيرهم، ويتولى الإشراف على رعايتهم، والترجمة بينهم وبين الخليفة، وذوى الشأن من رجال الدولة. وقد أشرنا فيما تقدم، إلى سياسة الحكومة الموحدية في شئون الجباية، ووجوب التزام أحكام الشرع في شأنها، والاقتصار في ذلك، على ما يجيزه الشرع من الزكوات والأعشار. وقد نوه الخليفة عبد المؤمن، بوجوب التزام هذه السياسة، في رسائله الرسمية غير مرة، وكانت له شعاراً، في حملاته للقضاء على الدولة المرابطية، فنراه يذكرها في أولى رسائله الدستورية، وهي الرسالة الجامعة، التي وجهها إلى الطلبة والمشيخة والأعيان والكافة بالأندلس، في ربيع الأول سنة ٥٤٣ هـ، وفيها يتحدث عن المغارم، والمكوس والقبالات،

стр. 2348

وتحجير المراسى، وغيرها من المظالم، ووجوب القضاء عليها، وإجراء العدل في شأنها (١)، ونراه بعد ذلك ببضعة أعوام، يعود إلى ذكرها، في رسالة إلى إلى أهل قسنطينة عن فتح بجاية في جمادى الأولى سنة ٥٤٧ هـ، وفيها يتحدث عما فرضه " أهل الاختلاق والابتداع " من " القبالات والمكوس والمغارم وسائر تلك الأنواع " دون التفات إلى ما أوجب الله من الزكوات والأعشار، حتى قضى الله بإزالتهم، ورد الأمر إلى نصابه، بإجراء الشريعة على حقيقتها، وإراحة أهل البلاد المعمورة بالتوحيد من جميع هذه المغارم (٢). على أن هذه العهود الرسمية، التي كانت تستند في جوهرها، إلى تعاليم المهدي ابن تومرت، ودعايته ضد الدولة المرابطية، فيما جرت عليه من فرض المغارم والمكوس غير الشرعية، لم تكن سوى شعار مؤقت، تستظل به الدولة الموحدية في بداية عهدها، ذلك أنه لما توطدت دعائم الدولة الجديدة، واتسع نطاق مسئولياتها المدنية والعسكرية، سواء في المغرب والأندلس، كان من الواضح أن الاقتصار على تحصيل الفروض الشرعية في شئون الجباية، لا يمكن أن يفى بما تتطلبه نفقات الدولة، أو نفقات الجيوش الموحدية الضخمة في المغرب، أو فيما وراء البحر، ومن ثم فقد اضطرت الدولة الموحدية غير بعيد، أن تبحث عن وجوه أخرى، لتحقيق الجباية وتوفير النفقات، فكان مما فعله عبد المؤمن في ذلك، قيامه بمسح (أو تكسير) بلاد إفريقية والمغرب، من برقة إلى السوس الأقصى، وإسقاط مقدار الثلث من مساحتها، مقابل الجبال والأنهار والطرقات وغيرها، وفرض الخراج على ما بقى بعد ذلك، من الأراضي الصالحة للزرع، وألزمت كل قبيلة أن تؤدى قسطها من الزرع والمال (٣). ومن جهة أخرى فإن الخلافة الموحدية، كانت إلى جانب ما يدخل خزائنها، من غنائم الفتوحات المظفرة، وأبواب المصادرة لأموال الخصوم، ومن يلحق بهم من العمال المنكوبين، لم تحجم عن أن تفرض مختلف الضرائب والمكوس، على مختلف أنواع المعاملات، من البيع والشراء، والصادر والوارد، وغير ذلك، مما كان متبعاً في سائر دول العصور الوسطى، وهذا إلى ما كانت تستولى عليه، من أموال

стр. 2349

النصارى واليهود، الذين بقوا في أراضي الدولة، ولاسيما خلال حركات الاضطهاد ْوالمطاردة، وقد كانت تحدث من آن إلى آخر. وكان من الإجراءات المالية الهامة، التي قامت بها الخلافة الموحدية، مضاعفة وزن الدينار الموحدي، وقد تم ذلك في بداية عهد الخليفة المنصور، وكان له أثره في دعم طمأنينة التعامل، وتحسين الشئون الاقتصادية، بوجه عام. وقد لبثت الأحوال الاقتصادية بالمغرب والأندلس، في ظل الدولة الموحدية، أيام عنفوانها وقوتها، طيبة يدعمها الأمن والرخاء، وتقدم الزراعة والتجارة، وكان ذلك في عهد الخلفاء الأقوياء منذ عبد المؤمن، حتى أواخر عهد المنصور، وهي فترة دامت زهاء نصف قرن. ولم يكن يعكر هذا الرخاء، إلا فتنة محلية، أو محنة طبيعية، من جدب أو شرق أو غيره. بيد أنه لما اشتد عيث طوائف العرب بإفريقية، وخربوا مدنها، واجتاحوا بسائطها، وتفاقم هذا العيث والتخريب، أيام ثورة بني غانية، بما ترتب على مغامراتهم، من صنوف الدمار المطبق، وقطع السبل، ونهب التجار، وانقطاع المعاملات السلمية، أخذ خراب إفريقية، وهي أغنى أقطار الدولة، وأوفرها خصبا وموارد، يحدث أثره في اقتصاد المغرب، وفي تحطيم رخائه. ولما انتهت فتنة بني غانية في أوائل عهد الناصر، وعاد الأمن والرخاء لإفريقية، كانت حركة الناصر إلى الأندلس، تمهد لأعظم كارثة عسكرية، منيت بها الدولة الموحدية، ومنى بها المغرب. وكان لهزيمة العقاب الساحقة، فضلا عن آثارها العسكرية المدمرة، آثار اقتصادية بعيدة المدى، فقضى بفناء الجند على الأيدى العاملة، وانهارت الزراعة والتجارة، وعدمت الأقوات، وفشت المجاعة في المغرب والأندلس، وكان يذكى من هذه المحنة الاقتصادية، ضعف الحكومة وتواكلها، واحتجاب الخليفة، وعدم اهتمامه بآلام الشعب. وفي عهد المستنصر ولد الناصر، تفاقمت الأزمة الاقتصادية بالمغرب والأندلس، واشتدت الحال، وتناهى الغلاء (١)، واختلت أحوال الخلافة الموحدية، واضطرب الأمن، وقطعت السابلة، ووقع النهب على التجار، واستمرت هذه الأحوال طوال عهد المستنصر، وهو في غفلة عن كل ما يجرى، غير مهتم بشئون رعيته أو جاهل لها، لتواكل وزرائه، وإخفائهم عنه حقائق الشئون (٢).

стр. 2350

ثم تفاقم الأمر، باضطراب شئون الخلافة الموحدية، ووقوع الفتنة والحروب الأهلية حول كرسى الخلافة، وتدخل بعض طوائف العرب، مثل عرب الخُلط وبعض القبائل البربرية القوية، مثل هسكورة، في هذا النزاع، وتقلبهم في مناصرة المتنافسين على العرش، وعيثهم بأحواز العاصمة، ومهاجمتها أحيانا، وكانت المجاعة تقع حيثما تضطرم الفتنة، ومن ذلك ما يقصه علينا صاحب البيان المغرب، من وقوع المجاعة في مراكش، حينما هاجمها عرب الخلط، وعاثوا في أحوازها، فعدمت الأقوات وارتفعت الأسعار، وتحطمت المرافق، وعانى الناس منتهى الشدة، ووصل الربع الواحد من الدقيق إلى ثلاثة دنانير (١). وحدثت مجاعة مماثلة، حينما اضطر الخليفة الرشيد، أن يغادر الحضرة، أمام ضغط عرب الخلط، فقاسى الناس أهوالا، وخلت الأسواق من كل شىء، ووصل المد من القمح إلى سبعة دراهم، وأكل الناس فيتور الزيتون، ونوار الخروب، وغير ذلك من النباتات الطفيلية، وكانت محنة مروعة (٢). واستمرت الأزمات الاقتصادية، طوال أيام الفتنة، والحروب الأهلية بين الرشيد والخلط، والرشيد ويحيى بن الناصر، وخفت حدتها أيام السعيد والمرتضى، وكان القحط يقترن بوقوع الوباء. وفي سنة ٦٤٧ هـ، وقعت بمدينة سبتة وأحوازها مجاعة عظيمة، وغلاء فاحش، وذلك بسبب الفتن والحروب الأهلية المستمرة (٣). وكان صدى هذه الأزمات الاقتصادية، يحدث أثره في الأندلس. وكان من أثر المحن والأحداث السياسية في الأندلس، أن كانت أهوال الغلاء والجوع، تعصف بالناس من آن لآخر، وحدث ذلك في بلنسية حين حصارها، ووقعت شدة مماثلة بإشبيلية وقت حصارها ومات كثير من أهلها بسبب الجوع (٤). وكانت الفترة التي تلت قيام ابن هود، في شرقي الأندلس، وقيام ابن الأحمر في أواسط الأندلس، ثم في الجنوب، وما تخلل ذلك من فتن وحروب أهلية، وما قام به النصارى، من غزوات لأراضي الأندلس، ومن استيلائهم على معظم قواعدها الكبرى، وذلك كله في النصف الأول من القرن السابع الهجري، فيما بن سنتى ٦٢٠ و ٦٥٠ هـ، كانت هذه الفترة المدلهمة من تاريخ الأندلس، وما اقترن بها من محن ونوائب، وتشريد لأهل القواعد المفتوحة، وضياع للأموال والثروات، مليئة بالأزمات الإقتصادية
следующие страницы →