مجمل المسائل التى كانت فى هذا العصر، تشغل المسلمين والنصارى فى شبه الجزيرة الإسبانية.
وتنص هذه المعاهدة على أن يعقد بين الدولتين "صلح ثابت" لمدة خمسة أعوام من تاريخ عقدها، وأنه يحق لرعايا كل من الفريقين أن يتردد على أراضى الفريق الآخر، آمنين فى أنفسهم وأموالهم للتجارة والبيع والشراء، وأنه متى احتاج ملك أراجون أو ملك صقلية إلى معاونة على أعدائهما، فإن سلطان غرناطة ينجدهما بأربعمائة أو خمسمائة فارس على أن يتكفلا هما بنفقاتهم، وذلك بشرط أن لا يكون هذا العدو صديقاً لمملكة غرناطة، وأن يعامل الملكان سلطان غرناطة بالمثل فيقوما بإعانته بأربعة أو خمسة سفن مشحونة بالرجال والسلاح، على أن يتكفل هو بنفقاتها، وعلى ألا يكون هذا العدو صديقاً لمملكة أراجون، وألا يساعد أحد من الفريقين الثوار الذين يخرجون على الفريق الآخر بأى نوع من أنواع المساعدة.
ونصّت فيما يتعلق بالمسائل البحرية، على أنه يسمح لسفن كل من الفريقين أن ترسو فى موانىء الفريق الآخر، وأن تزاول البيع والشراء آمنة، وأن تتلقى سائر أوجه الإعانة المشروعة، وألا تتعرض سفينة لأحد الفريقين للسفن الراسية فى موانىء الآخر، وأن يسمح للسفن التى تصاب بعطب من جراء العواصف أو غيرها، وتكون تابعة لأحد الفريقين، أن تصلح فى موانىء الآخر، وتُعان على ذلك، وأنه إذا استولى عدو على سفينة تابعة لأحد الفريقين، وقصدت مياه الطرف الآخر، فإنه لا يسمح لها بأن تبيع شيئاً من حمولتها فيه، وكذلك يكون الحكم فيما يتعلق بالأشخاص أو السلع المأخوذة من أحد الطرفين.
ونصت فيما يتعلق بتسريح الرعايا، على أنه إذا انتزع أحد الطرفين من عدوه مدينة أو موضعاً ما، وكان فيه أحد من رعايا الطرف الآخر، فإنه يسرح فى الحال مؤمناً فى نفسه وماله، ويكون الحكم كذلك فيما يتعلق بالسفن التى يستولى عليها أحد الطرفين من عدوه؛ وأنه إذا كان لدى أحد الطرفين أسرى من رعايا الطرف الآخر، فإنه يفك أسرهم لقاء دفع مائة دينار ذهبا عن الشخص الواحد، فإذا كان الأسير ملكاً لأحد من رعايا أى الطرفين، فإنه يسمح بافتكاك أسره نظير دفع الثمن الذى اشترى به، ويلتزم كل من الفريقين بألا يخفى أو يغيب أحداً من الأسرى؛ وأنه إذا دخل مجاورون تابعون لأحد الطرفين فى أرض الآخر واحتملوا منها أسرى أو بضائع، فإنها تطلب ممن تستقر لديه، ويأمر قائد الموضع الذى
стр. 2627
به الأسرى والبضائع بردها لمن أخذت منهم، وبالبحث عن الفاعلين ومعاقبتهم (١).
ولما توفى محمد خلفه فى الملك أخوه يوسف (الثالث)، وكان سجينا طوال حكمه بقلعة شلوبانية كما قدمنا. ودخل يوسف غرناطة فى حفل فخم، واستقبله الشعب بحماسة. وكان يتمتع بخلال حسنة، ويعلق عليه الشعب آمالا كبيرة. وكان أول ما عنى به أن سعى إلى تجديد الهدنة مع قشتالة، فاستجاب بلاط قشتالة إلى دعوته فى البداية وعقدت الهدنة بين الفريقين لمدة عامين. ولكنه لما سعى بعد مضى العامين إلى تجديدها أبى القشتاليون، وطلبوا إليه الخضوع لقشتالة إذا شاء استمرار السلم، وأنذروه بإعلان الحرب، فرفض وأخذ فى الأهبة للقتال. وكان ملك قشتالة يومئذ خوان الثانى تحت وصاية أمه وعمه فرناندو، فما كادت تنتهى الهدنة حتى زحف النصارى على أرض غرناطة بقيادة فرناندو الوصى، وضربوا الحصار حول مدينة أنتقيرة فى شمال غربى مالقة، فهرع يوسف إلى لقاء الغزاة، وحاولت حامية أنتقيرة أن تحطم الحصار، وأنزلت بالمحاصرين خسائر فادحة، ثم نشبت بين المسلمين النصارى معركة كبيرة بجوار أنتقيرة، وبذل المسلمون لإنقاذ المدينة المحصورة جهوداً رائعة، ولكنهم هزموا أخيراً واضطرت المدينة الباسلة إلى التسليم، فدخلها النصارى (سنة ١٤١٢ م) وأسبغ على فاتحها فرناندو من ذلك الحين لقب "صاحب أنتقيرة". وعاث النصارى بعد ذلك فى أراضى المسلمين. وأخيراً رأى السلطان يوسف أن يسعى إلى عقد الهدنة مع قشتالة حقنا لدماء المسلمين، واجتنابا لاستمرار هذه المعارك المخربة، فارتضى بلاط قشتالة وعقد السلم بين الفريقين، على أن يطلق ملك غرناطة سراح بضع مئات من الأسرى النصارى دون فدية.
وفى عهد يوسف ثار أهل جبل طارق، ودعوا ملك المغرب أبا سعيد المرينى إلى احتلال الثغر. لاعتقادهم أنه أقدر على حمايتهم من غارات النصارى، فبعث إليهم أبو سعيد أخاه عبد الله فى الجند تخلصاً منه، ولكن ابن الأحمرما كاد يقف على هذه المؤامرة حتى أرسل المدد إلى حاكم جبل طارق، واستطاع الغرناطيون أن يهزموا المغاربة فى موقعة حاسمة، وأسر زعيمهم عبد الله، فأكرم ابن الأحمر وفادته، ثم رده إلى المغرب، وزوده بالمال وبعض الجند ليناهض أخاه،
стр. 2628
فهرعت القبائل لتأييده، واستطاع أن ينتزع الملك لنفسه من أخيه (١).
ولما عقدت الهدنة بين مملكتى قشتالة وغرناطة، أخذت أواصر السلم تتوثق بينهما، وسادت بين بلاط غرناطة وبلاط اشبيلية علائق المودة والاحترام المتبادل، ولم تشهد غرناطة من قبل عهداً كعهد يوسف ساد فيه الوئام بين الأمتين الخصيمتين. وكانت غرناطة يومئذ تغص بالفرسان والأشراف النصارى، تجتذبهم خلال أميرها وبهاء بلاطها وفروستها. وكانت حفلات المبارزات الرائعة تعقد بين الفرسان المسلمين والنصارى فى أعظم ساحات المدينة، وتجرى طبقاً لأرفع رسوم الفروسية الإسلامية، ويشهدها أجمل وأشرف العقائل المسلمات سافرات، وتبدو غرناطة فى تلك الأيام المشهودة فى أروع الحلل وأبدع الزينات (٢). وكانت الأمة الأندلسية تتمتع يومئذ فى ظل ملكها الرشيد العادل بنعم الرخاء والسكينة والأمن، ولكنها كانت تنحدر فى نفس الوقت فى ظل هذا السلم الخلب والترف الناعم، إلى نوع من الانحلال الخطر الذى يعصف بمنعتها وأهباتها الدفاعية.
وتوفى السلطان يوسف فى سنة ٨٢٠ هـ (١٤١٧ م) بعد حكم دام نحو تسعة أعوام، وكان أميراً راجح العقل، بارع السياسة، عظيم الفروسية والنجدة، محباً لشعبه، فكان حكمه التقصير صفحة زاهية فى تاريخ مملكة غرناطة.
- ٣ -
وتوالى على عرش غرناطة بعد السلطان يوسف عدة من الأمراء الضعاف، أولهم ولده أبو عبد الله محمد الملقب بالأيسر. وكان أميراً صارما سيىء الخلال، متعاليا على أهل دولته، بعيداً عن الاتصال بشعبه، لا يكاد يبدو فى أية مناسبة عامة، وكان وزيره يوسف بن سراج واسطته الوحيدة للاتصال بشعبه وكبراء دولته. وكان هذا الوزير النابه، وهو يومئذ زعيم أعظم وأشرف بيوت غرناطة، يعمل ببراعته ورقّة خلاله، لتلطيف حدة السخط العام على مليكه. بيد أنه كان يحاول أمراً صعباً. ولابد لنا أن نقول كلمة فى التعريف ببنى سراج، وهم الذين يقترن اسمهم منذ الآن بحوادث مملكة غرناطة، والذين غدت سيرتهم فيما بعد مستقى خصبا للقصص المغرق.
فهم بنو سراج من أعرق الأسر الأندلسية العربية، ويرجع أصلهم حسبما يشير
стр. 2629
المقرى إلى مَذْحج وطىء من البطون العربية العريقة، التى وفد بنوها إلى الأندلس منذ الفتح، وكان منزلهم بقرطبة وقبلى مرسية، بيد أنهم لم يظهروا على مسرح الحوادث فى تاريخ الأندلس إلا فى مرحلته الأخيرة أعنى فى تاريخ غرناطة، وقد كانوا بغرناطة من أعظم سادتها، وكانوا أندادا للعرش والسلاطين (١). ومنذ عهد السلطان الأيسر نرى بنى سراج فى طليعة القادة والزعماء، الذين يأخذون فى سير الحوادث بأعظم نصيب. وقد كان حكم السلطان الأيسر، بداية سلسلة من الاضطرابات والقلائل المتعاقبة. وفى عهده ساءت الأحوال، واشتد سخط الشعب ولم تُجد محاولات الوزير ابن سراج لتهدئة الأمور. وقامت ثورات متعاقبة، فقد فيها الأيسر عرشه ثم استرده غير مرة، وكان بلاط قشتالة يشجع هذه الإنقلابات ويؤازرها، وكان الزعماء الثائرون يتطلعون دائماً إلى عون قشتالة ووحيها. وسنرى فيما يلى كيف كانت دسائس قشتالة ومؤامراتها حول عرش غرناطة فى تلك الفترة، من أعظم العوامل فى انحلال المملكة الإسلامية والتعجيل بسقوطها.
وفى خلال حكم الأيسر المضطرب، كان النصارى يتربصون الفرص لغزو مملكة غرناطة، فزحفوا عليها فى سنة ٨٣١ هـ (١٤٢٨ م) وتوغلوا فى أرجائها، وعاثوا فى بسائط وادى آش، فزادت الأمور فى غرناطة اضطرابا، وازداد الشعب على الأيسر سخطاً، لأنه فوق غطرسته وتعاليه، لم يفلح فى رد العدو عن أرض الوطن؛ وسرعان ما انفجر بركان الثورة وزحف الثوار على الحمراء، ونادوا بولاية الأمير محمد بن محمد بن يوسف الثالث، وهو ابن أخى الأيسر. وفى رواية أنه ولده، ومحمد هذا هو الملقب "بالزغير". وفر الأيسر فى أهله ونفر من خاصته، وركب البحر إلى تونس مستظلا بحماية سلطانها أبى فارس الحفصى. وجلس محمد " الزغير " أو أبو عبد الله الصغير، حسبما يسمى فى بعض الوثائق الرسمية (٢).
стр. 2630
على عرش غرناطة. وكان أميراً بارع الخلال، وافر الفروسية، يعشق الآداب والفنون، وكان يحاول اكتساب محبة الشعب، بفيض من الحفلات ومباريات الفروسة، ولكنه لم يوفق إلى إخماد الدسائس والفتن المستمرة. وكان بنو سراج ألد خصومه وأشدهم مراسا، فمال عليهم وطاردهم وعوّل على سحقهم، واستئصال نفوذهم القوى المتغلغل فى أنحاء المملكة، وغادر يوسف بن سراج غرناطة مع عدد كبير من السادة والفرسان من أفراد أسرته، تفاديا لانتقام "الزغير" وبطشه، وسار أولا إلى ولاية مرسية ثم سار إلى إشبيلية ملتجئاً إلى حماية ملك قشتالة خوان الثانى، فرحب بهم وأكرم وفادتهم. واتفق يوسف بن سراج مع ملك قشتالة على العمل لرد السلطان الأيسر إلى العرش. واستدعى الأيسر من تونس فلبى الدعوة، وزوده السلطان أبو فارس بفرقة من الفرسان، وهدايا ثمينة لملك قشتالة، ونزل الأيسر فى عصبته فى ثغر ألمرية، حيث استقبله الشعب بحفاوة، ونودى به ملكا. ونمى الخبر إلى الزغير، فأرسل بعض قواته لمقاتلة الأيسر والقبض عليه، ولكن معظم جنده انضموا إلى الأيسر، وسار الأيسر بعد ذلك إلى وادى آش حيث يحتشد أنصاره، ثم زحف على غرناطة فى قوة كبيرة، ورأى محمد الزغير أنصاره ينفضون من حوله تباعا، بيد أنه امتنع فى عصبته القليلة بقلعة الحمراء، معتزما الدفاع عن ملكه. ودخل الأيسر غرناطة، واستقبل بحماسة وأعلن ملكاً، وحاصر الحمراء بشدة فسلمها إليه أنصار الزغير، وفى رواية أن الأيسر قبض على الزغير وقطع رأسه، وقبض على أولاده وأهله، وفى رواية أخرى أنه قبض عليه، واعتقله هو وأخاه الأمير أبا الحسن على بن يوسف فى قلعة شلوبانية الحصينة وهى سجن الدولة الرسمى فى عهد بنى نصر. وهكذا انتهت مغامرة الزغير على هذا النحو المؤسى بعد أن حكم عامين وبضعة أشهر (سنة ١٤٣٠ م) (١).
ونظم السلطان الأيسر الأمور، وأعاد يوسف بن سراج إلى الوزارة،
стр. 2631
صورة رسالة وجهها السلطان أبو عبد الله الأيسر إلى قادة وأشياخ حصن قمارش بوجوب اليقظة والحرص على الدفاع عنه مؤرخة فى شعبان سنة ٨٣١ هـ (١٤٢٨ م)، وأوردها المستشرق ريميرو فى رسالته Documentos Arabes de la Corte Nazari، منقولة من مجموعة هرناندو دى ثافرا H. de Zafra
стр. 2632
وأرسل إلى ملك قشتالة خوان الثانى فى تجديد الهدنة، فبعث إليه سفيره كونثالث دى لونا واشترط لتجديدها أن يؤدى الأيسر ما أنفقه بلاط قشتالة فى سبيل استرداد عرشه، وأن يؤدى فوق ذلك جزية سنوية ضخمة اعترافاً منه بطاعة قشتالة، وأن يفرج عن سائر الأسرى النصارى الموجودين ببلاده، فرفض الأيسر وهدد ملك قشتالة بالحرب. وبعث خوان الثانى كذلك سفراءه ومعهم هدايا نفيسة إلى أبى فارس الحفصى سلطان تونس، وإلى سلطان فاس عبد الحق بن عثمان المرينى يرجو كلا منهما أن يبتعد عن التدخل فى شئون غرناطة، فوعد كلاهما بتحقيق رغبته. وما كادت تنتهى الفتنة الداخلية التى كانت يومئذ ناشئة فى قشتالة، حتى أغار القشتاليون فى قواتهم من قرطبة وجيان وإستجه على أراضى المسلمين، وقصدوا إلى أحواز رندة، فهرع الأيسر إلى لقائهم، واستطاع أن يردهم فى البداية، ولكن ملك قشتالة قدم بعدئذ بنفسه فى قوات كبيرة، وزحف على حصن اللوز وأرشدونة، وعاث فى تلك المنطقة، ثم عاد إلى قرطبة ومعه كثير من السبى والغنائم (١٤٣١ م).
وفى أثناء ذلك عاد الأيسر إلى غرناطة، متوجسا من سير الحوادث فيها: وكانت الفتن الداخلية قد عادت تنذر بانقلابات جديدة، وغدا عرش غرناطة مرة أخرى يضطرب فى يد القدر؛ وانقسمت المملكة الإسلامية شيعاً وأحزابا متنافسة متخاصمة، وألفى النصارى فرصتهم السانحة لإذكاء الفتنة، وبسط سيادتهم على مملكة يسودها الضعف والتفرق. وكان خصوم الأيسر قد التفوا حول أمير ينتمى إلى بيت الملك عن طريق أمه، هو أبو الحجاج يوسف بن المول. وكانت أمه ابنة للسلطان محمد بن يوسف بن الغنى بالله، وأبوه ابن المول من وزراء الدولة النصرية. ودبرت مؤامرة جديدة لخلع الأيسر. وكان يوسف أميراً قويا، وافر الثراء والهيبة، وكان ملك قشتالة، خوان الثانى، يعسكر يومئذ بجيشه على مقربة من غرناطة، يتتبع سير الحوادث، ويرقب الفرص. فقصد إليه يوسف، وطلب إليه العون على انتزاع العرش لنفسه، وتعهد بأن يحكم باسمه وتحت طاعته، فلبى ملك قشتالة دعوته، وعقد معه يوسف وثيقة بالخضوع، يقرر فيها أنه من أتباع ملك قشتالة وخدامه، وأنه إذا حصل على الملك، فإنه يتعهد بتحرير جميع الأسرى النصارى، وبأن يدفع لملك قشتالة جزية سنوية قدرها عشرون ألف دينار من الذهب، وأن يعاونه بألف وخمسمائة فارس لمحاربة أعدائه سواء أكانوا نصارى أو مسلمين،
стр. 2633
صورة للجانب الأيسر من معاهدة التحالف والخضوع التى عقدت بين يوسف بن المول (يوسف الرابع) وخوان الثانى ملك قشتالة، وفوقه بضعة أسطر من النص القشتالى للمعاهدة. وهى مؤرخة فى جمادى الأولى سنة ٨٣٥ هـ (يناير ١٤٣٢ م) ومحفوظة بدار المحفوظات العامة Archivo General de Simancas برقم P, R. ١١-١٢٤
стр. 2634
وأن يحضر جلسات مجلس الكورتس (مجلس النواب القشتالى) بنفسه إن كان منعقداً جنوب طليطلة أو بإنابة أحد من أبنائه أو ذوى قرابته إن كان منعقداً داخل قشتالة. وتعهد ملك قشتالة من جانبه بأن يعقد الصلح مع يوسف طوال أيام حكمه وأيام أبنائه، وبأن يعاونه على محاربة أعدائه من المسلمين والنصارى، وألا يحمى من يلتجىء إليه من أعدائه. ووقع مشروع هذه المعاهدة بين الفريقين فى السابع من المحرم سنة ٨٣٥ هـ (١٦ سبتمبر سنة ١٤٣١ م) ونفّذت على الأثر، إذ أرسل ملك قشتالة، جنده فغزت مرج غرناطة، وسار الأيسر على رأس قواته والتقى بالنصارى فى بسائط إلبيرة، ونشبت بين الفريقين موقعة شديدة، ارتد الأيسر على أثرها منهزماً إلى غرناطة. أما يوسف فقد استطاع بمؤازرة النصارى أن يستولى على عدة قواعد اعترفت بطاعته، مثل رندة ولوشة وحصن اللوز وغيرها. وأعلن ملك قشتالة انحيازه إلى يوسف ونُودى به ملكا، وسار يوسف بعد ذلك فى قواته إلى غرناطة فلقيته جنود الأيسر بقيادة الوزير ابن سراج فهزم ابن سراج وقتل، ودخلت جنود يوسف العاصمة، ونادت بطاعته معظم الجهات، وانفض الأشراف من حول الأيسر بعد أن رأوا خسران قضيته، فاعتزم الأيسر أمره وحمل أمواله وغادر غرناطة فى أسرته ونفر من خاصته، وقصد إلى مالقة التى بقيت على طاعته، ودخل يوسف بن المول الحمراء ظافراً وتربع على العرش، وذلك فى أول يناير سنة ١٤٣٢ م.
وكان أول ما فعله يوسف أن جدد لملك قشتالة عهد الخضوع، فوقعه باعتباره سلطان غرناطة فى ٢٢ جمادى الأولى من نفس العام (٢٧ يناير سنة ١٤٣٢ م) (١). وبيد أن حكمه لم يطل إذ كان شيخاً مريضاً، فتوفى بعد ستة أشهر لم يفعل خلالها شيئاً سوى اعترافه بطاعة ملك قشتالة، وهو ما كانت تسعى إليه قشتالة دائما مذ قامت مملكة غرناطة.
ومن المدهش أن نجد تماثلا غريبا بين نصوص المعاهدة التى عقدها محمد ابن الأحمر مؤسس مملكة غرناطة بالخضوع لفرناندو الثالث، وبين عهد الخضوع الذى وقعه يوسف بن المول، والذى قطعت به قشتالة أكبر خطوة فى سبيل تحقيق
стр. 2635
أمنيتها القديمة. والواقع أن هذا العهد المؤلم كان أشنع ما انتهت إليه الخلافات الداخلية والحروب الأهلية فى مملكة غرناطة فى تلك الفترة الدقيقة من حياتها.
وعلى أثر وفاة السلطان يوسف، اتفقت الأحزاب كلها على رد الأمر للسلطان الأيسر، فجلس على العرش للمرة الثالثة، وبادر بالسعى إلى عقد السلم مع ملك قشتالة، فعقدت الهدنة بين الفريقين لمدة عام، ولكن القشتاليين ما لبثوا بالرغم من عقدها أن أغاروا على أراضى غرناطة الشرقية، فردهم المسلمون بقيادة الوزير ابن عبد البر زعيم بنى سراج، ثم هزموهم ثانية عند مدينة أرشدونة، وقتل وأسر منهم عدد كبير (٨٣٨ هـ - ١٤٣٤ م).
وفى العام التالى سار السلطان الأيسر لقتال القشتاليين، فى أحواز غرناطة ووادى آش، وهزمهم غير مرة، ثم عاد النصارى فأغاروا على بسطة ووادى آش، واحتلوا بعض الحصون والقرى المجاورة، وزحفت قوة كبيرة من النصارى بقيادة حاكم لبلة، على ثغر جبل طارق، ولكن أهل الثغر باغتوا النصارى وهزموهم، وقتل قائدهم وكثير منهم (٨٤٠ هـ - ١٤٣٦ م). ثم نشبت بعد ذلك بين المسلمين والنصارى موقعة أخرى على مقربة من كازورلا، أصيب الفريقان فيها بخسائر فادحة، وانتهت بنصر المسلمين، ولكن قائدهم الفارس ابن سراج وهو ولد الوزير السابق، سقط قتيلا فى الموقعة، فحزنت غرناطة لفقده، ,قد كان يخلب الشعب الغرناطى بظرفه وبارع فروسته (١).
وهكذا استمر الصراع بضعة أعوام سجالا بين المسلمين والنصارى. ولما رأى النصارى كثرة خسائرهم وعقم محاولاتهم، لجأوا إلى السكينة حينا. وأرسل السلطان الأيسر فى أواخر عهده إلى مصر سفارة يرجو فيها سلطان مصر الإنجاد والغوث لما رآه من اشتداد وطأة النصارى على أراضى مملكته. وقد انتهت إلينا رواية مخطوطة مبتورة عن قصة هذه السفارة (٢)، كما أشارت إليها التواريخ المصرية.
وهذه أول مرة تتجه فيها مملكة غرناطة إلى الاستنجاد بمصر، وقد كانت حتى ذلك الحين تتجه دائماً إلى ملوك العدوة. وقد رأينا كيف لبث بنو مرين عصراً ملاذ
стр. 2636
غرناطة، وساعدها الأيمن حين الخطر الداهم. ولكن الدولة المرينية، كانت قد دخلت يومئذ فى دور انحلالها، وخبت قواها التى انسابت مرارا إلى شبه الجزيرة، ومن ثم فقد وجه سلطان غرناطة صريخه إلى مصر. وتضع الروايات المصرية تاريخ هذه السفارة فى رجب سنة ٨٤٤ هـ، وهو يوافق شهر ديسمبر سنة ١٤٤٠ م. ولكنها تضطرب فى ذكر اسم سلطان غرناطة، فيسميه المقريزى "الغالب بالله عبد الله بن محمد بن أبى الجيوش نصر"، ويسميه السخاوى "عبد الله ابن محمد بن نصر" (١). وفى رأينا أن المرجح أن هذه السفارة صدرت عن السلطان أبى عبد الله محمد بن يوسف أى السلطان الأيسر، لأنه حكم حتى أوائل سنة ١٤٤١ م.
وهناك احتمال بأن يكون مرسلها هو خلفه الثائر عليه السلطان محمد بن نصر بن محمد الغنى بالله وهو المعروف بالأحنف حسبما نذكر بعد، ولعل خبر هذا الانقلاب لم يكن قد وصل إلى مصر حين وصل السفراء الغرناطيون إلى القاهرة، وقد كان وصولهم إليها فى نفس التاريخ الذى وقع فيه هذا الانقلاب بغرناطة، وهو مما يرجح كون السلطان الأيسر هو مرسل هذه السفارة.
وعلى أى حال فقد وصل السفراء الغرناطيون وعددهم أربعة، كما يستفاد من الرواية المخطوطة المشار إليها، فى شهر رجب سنة ٨٤٤ هـ، وقدموا كتاب سلطانهم إلى سلطان مصر، الظاهر جقمق، وفيه يطلب الإنجاد من مصر. وقد رد سلطان مصر بأنه سوف يبعث إلى "ابن عثمان" أعنى إلى سلطان قسطنطينية، بأن ينجد الأندلس، ولما أكد السفراء الغرناطيون أنهم يتوجهون بصريخهم إلى مصر، اعتذر السلطان بأن بُعد الشقة يحول دون إرسال الجند إلى الأندلس، فطلب السفراء عندئذ أن تساهم مصر فى المعونة بالمال والعدة، فوعدهم السلطان بذلك.
وقدم السفراء الغرناطيون إلى السلطان هدية أندلسية من الفخار المالقى والأنجبار الغرناطى، ومن ثياب الخز الأندلسية، فاستحسنها السلطان، وفرقها بين مماليكه وحشمه وأهله. ولسنا نعرف شيئاً عن نتيجة هذه السفارة ولا عن موعد عودة السفراء الأندلسيين إلى غرناطة، لأن الرواية المخطوطة تنتهى بوصف رحلة هؤلاء السفراء إلى الحجاز مع ركب الحاج لقضاء الفريضة، وتقف عند وصف كاتبها للبقاع المقدسة، بيد أننا نرجح أنها لم تسفر عن أية نتائج عملية.
стр. 2637
ولكن حوادث غرناطة كانت عندئذ تنذر بتطورات جديدة مزعجة. ذلك أن السلطان الأيسر بالرغم من حسن بلائه ضد النصارى لم يحسن السيرة فى الداخل، ولم ينجح فى اجتذاب شعبه، وكان فريق من خصومه من السادة الفرسان يلوذ بحماية ملك قشتالة، وعلى رأسهم الأمير يوسف بن أحمد حفيد السلطان يوسف الثانى، وابن عم الأيسر، وهو المعروف فى التواريخ القشتالية "بابن إسماعيل" وذلك لأن نسبه ينتهى إلى السلطان أبى الوليد إسماعيل الذى تولى العرش سنة ٧١٢ هـ. وكان ثمة فريق آخر من الزعماء الناقمين فى ألمرية يناصر الأمير محمداً بن نصر بن محمد الغنى بالله وهو المعروف بالأحنف. وكان الأحنف قد نجح فى دخول غرناطة سراً مع نفر كبير من أنصاره، وأخذ يعمل على إذكاء الفتنة. فلما آنس سنوح الفرصة، ثار فى عصبته واستولى على الحمراء والحصون المجاورة لها، وقبض على الأيسر وآله وزجهم إلى السجن، ونادى بنفسه ملكا، وذلك فى أوائل سنة ١٤٤١ أو أوائل سنة ١٤٤٢ م، حسبما تدل على ذلك وثيقة عربية، هى عبارة عن خطاب موجه منه إلى ملك قشتالة فى شهر ذى القعدة سنة ٨٤٦ هـ (مارس ١٤٤٣ م). يشير فيه إلى بعض المشاكل القائمة بين البلدين، ويطالب بإطلاق سراح سفيره المعتقل فى قشتالة (١).
ولكن الفتنة لم تهدأ ولم تستقر الأمور. وكان يعارض ولاية الأحنف فريق قوى من الزعماء والشعب، ويتزعم هذا الفريق المعارض الوزير ابن عبد البر زعيم بنى سراج. وكان يقيم فى حصن مونتى فريو فى شمال غربى غرناطة، ويؤيد ولاية الأمير يوسف (ابن إسماعيل) المقيم فى بلاط قشتالة. ولم يمض قليل حتى سار هذا الأمير من إشبيلية إلى غرناطة ومعه سرية من الفرسان النصارى أمده بها ملك قشتالة. والظاهر أن ابن إسماعيل استطاع التغلب عندئذ على الأحنف، واحتل الحمراء، وحكم مدى أشهر قلائل. ولكن الأحنف عاد فتغلب عليه واسترد عرشه (أوائل سنة ١٤٤٦ م). ورد السلطان الأحنف من جانبه بأن غزا أراضى قشتالة وهاجم قلعة بنى موريل وقلعة ابن سلامة، وقتل من فيهما من النصارى (١٤٤٦ م) وسير الوقت نفسه جزءاً من قواته لمقاتلة خصمه ابن إسماعيل، وانتهز الأحنف فرصة الخلاف القائم يومئذ بين أراجون وقشتالة، فأرسل إلى ملك أراجون يعرض
стр. 2638
محالفته ضد قشتالة، ونفذ هذا الحلف بأن غزا الأحنف أرض النصارى من ناحية
أراضى مرسية، والتقى بالقشتاليين قرب جنجالة وهزمهم هزيمة شديدة (١٤٥٠ م) ثم عادت قواته تكرر الإغارة والعيث فى أرض النصارى وتشغل قواتهم. وكان ابن إسماعيل يقيم أثناء ذلك فى حصن مونتى فريو، وقد أقرت بطاعته بعض البلاد والحصون المجاورة. وهكذا اتسع نطاق النضال، وعصفت الحرب الأهلية من جهة، وغزوات النصارى من جهة أخرى بقوى غرناطة. وكان السلطان الأحنف بالرغم من عزمه وقوة نفسه، يثير غضب الشعب بطغيانه وقسوته وعنفه، وكانت معظم الأسر الكبيرة تعمل لإسقاطه، لما لقيت من بطشه وعدوانه، وهكذا تهيأ الجو لانقلاب جديد. وهنا يحيق الغموض بولاية العرش الغرناطى ويختلف القول فى شأنها. والرواية الإسلامية مقلة فى هذا الشأن، ولم يصلنا منها عن حوادث هذه الفترة المضطربة من تاريخ غرناطة سوى القليل، ومن ثم فإن جل اعتمادنا هنا على الروايات القشتالية. وفى بعض هذه الروايات أن ملك قشتالة عاد بعد أن سوى خلافه مع أراجون إلى التدخل فى شئون غرناطة، فزود ابن إسماعيل ببعض قواته، وسار الأحنف لقتال منافسه، ونشبت بين الفريقين فى ظاهر غرناطة معركة شديدة، انتهت بهزيمة الأحنف وفراره؛ ودخل ابن إسماعيل غرناطة، وجلس على العرش، وكان ذلك فى سنة ١٤٥٤ م. وفى بعض الروايات الأخرى أن السلطان الأحنف استمر فى الحكم حتى سنة ١٤٥٨ م. ثم خلفه فى الحكم الأمير سعد بن محمد حفيد السلطان يوسف الثانى، واستمر فى الحكم أربعة أعوام. ثم عزل فى سنة ١٤٦٢ م، وأعيد السلطان يوسف الخامس (ابن إسماعيل)، وحكم حتى أواخر سنة ١٤٦٣ م (١).
ْوكان السلطان ابن إسماعيل أميراً عاقلا حازما عادلا، محبا للإصلاح والأعمال الإنشائية، فعكف على ضبط الأمور وتوطيد الأمن، وإقامة الأبنية وتحصين القواعد والثغور. وكان فارسا بارعا يشترك بنفسه أحيانا فى مباريات الفروسة. ولأول عهده أرسل إلى ملك قشتالة خوان الثانى يؤكد طاعته، وساد السلم لفترة قصيرة بين المسلمين والنصارى. ولكن خوان الثانى توفى بعد أشهر قلائل، وخلفه ولده هنرى الرابع، وأبى ابن اسماعيل أن يعترف بحماية ملك قشتالة
стр. 2639
الجديد، محاولا بذلك أن يكتسب الشعب إلى جانبه، وأن يوطد مركزه؛ وسير بعض قواته فى نفس الوقت فأغارت على الأراضى القشتالية، وأصر ملك قشتالة من جانبه على وجوب خضوع ملك غرناطة وطاعته، واعتزم أن يتابع الضغط على المملكة الإسلامية الصغيرة دون هوادة، فسار إلى أراضى غرناطة فى جيش ضخم وعاث فيها، وانتسف المروج والضياع، وقتل وسبى من أهلها جموعا كبيرة، ولقيه المسلمون فى قوات صغيرة أنزلت بجيشه خسائر كبيرة. وعاد القشتاليون فى العام التالى إلى عيثهم فى أراضى المسلمين، وغزا المسلمون من جانبهم منطقة جيّان وأوقعوا هنالك بالنصارى، واستمرت هذه المعارك كدى حين سجالا بين الفريقين. وكان النصارى قد استولوا فى تلك الفترة المضطربة من حياة المملكة الإسلامية، على عدة من القواعد والثغور الإسلامية، بعضها اختيارا بتنازل سلاطين غرناطة والبعض الآخر بالفتح. وكانت أعظم ضربة أصابت مملكة غرناطة فى عهد السلطان ابن إسماعيل، سقوط ثغر جبل طارق فى يد النصارى. ففى سنة ١٤٦٢ م (٨٦٧ هـ) سارت إليه قوة من القشتاليين بقيادة الدوق مدينا سيدونيا، واستولت عليه بطريق المفاجأة. وكان سقوط هذا الثغر المنيع فى يد النصارى، أول خطوة ناجعة فى سبيل قطع علائق مملكة غرناطة بعدوة المغرب، والحول دون قدوم الأمداد إليها من وراء البحر.
على أن خطر الفورات الإسلامية القوية فيما وراء البحر، كان قد خبا منذ بعيد، وأخذت دولة بنى مرين القوية تجوز مرحلة الإنحلال والسقوط، وكان آخر ملوكهم السلطان عبد الحق، قد خلف أباه السلطان أبا سعيد المرينى فى سنة ٨٢٣ هـ (١٤١٥ م). وفى عصره ساد الاضطراب والتفكك فى أنحاء المملكة، واستبد وزيره يحيى بن يحيى الوطّاسى بالدولة. وكان بنو وطّاس ينتمون إلى بطن من بطون بنى مرين، وينافسونهم فى طلب الرياسة والملك، فلما اشتدت وطأتهم على السلطان عبد الحق، بطش بهم وقتل معظم رؤسائهم، وفى مقدمتهم وزيره يحيى، ونجا البعض منهم وتفرقوا فى مختلف الأنحاء. وأسلم عبد الحق زمام دولته إلى اليهود فبغوا وعاثوا فى الدولة؛ وغضب الشعب على مليكه، واضطرمت الثورة، وعزل عبد الحق وقتل (٨٦٩ هـ - ١٤٦٤ م)، وانتهت بمصرعه دولة بنى مرين بعد أن عاشت زهاء مائتى عام؛ واستولى على تراث بنى مرين وملكهم، بنو وطّاس خصومهم القدماء، واستطاع زعيمهم محمد الشيخ أن يستولى على فاس فى سنة
стр. 2640
٨٧٦ هـ (١٤٧١ م) (١) وبذا قامت بالمغرب دولة فتية جديدة، بيد أنها لم تكن من المنعة والقوة بحيث تستطيع الإقدام على عبور البحر إلى الأندلس، فى سبيل الجهاد والنجدة، أسوة بما كانت تعمله دولة بنى مرين القوية الشامخة.
وهكذا كانت الأمة الأندلسية تشعر بأنها أضحت فريدة، فى مواجهة عدوها القوى، دون حليف ولا ناصر. ولم ير سلطان غرناطة بعد أن أضناه النضال، بدأً من قبول ما فرضه عليه ملك قشتالة من الاعتراف بسلطانه، وتأدية الجزية اغتناماً للمهادنة والسلم. وكانت مملكة غرناطة تجوز فى هذه الآونة العصيبة ذاتها مرحلة من الاضطراب الداخلى، وكان من أهم أسباب هذا الاضطراب الخطر، اضطرام المنافسة بين العرش وبين الأسر النبيلة القوية، مثل بنى سراج وبنى أضحى وبنى الثغرى وغيرهم (٢)، واضطرام المنافسة فيما بين هذه الأسر القوية ذاتها، وغلبة نفوذ النساء فى البلاط. وكان من أثر ذلك أن حدثت فى سنة ١٤٦٢ م فتنة خطيرة من جراء محاولة السلطان ابن إسماعيل أن يقضى على نفوذ بنى سراج أقوى هذه الأسر وأعرقها. وهكذا كانت نذر التفكك تعمل عملها المشئوم (٣). ومع أن غرناطة تمتعت بمزايا الهدنة الخادعة التى عقدتها مع قشتالة لمدى قصير، فقد كان من الواضح أن المملكة الإسلامية كانت تنحدر سراعاً إلى مصيرها الخطر، وتواجه شبح الإنحلال الأخير.
стр. 2641
ولم يمض قليل على ذلك حتى وقع انقلاب جديد فى ولاية العرش الغرناطى.
ذلك أن الأمير سعداً عاد فهاجم الحمراء مع أنصاره وانتزع العرش لنفسه (١٤٦٣ م) وفر ابن إسماعيل وخصوم السلطان الجديد. وهنا تلقى الرواية الإسلامية بعض مصرى زار المغرب والأندلس فى هذه الفترة، هو عبد الباسط بن خليل الحنفى، دونها فى مؤلفه المسمى "كتاب الروض الباسم فى حوادث العمر والتراجم" (١)؛ وهو يحدثنا عن بعض أخبار الأندلس التى سمعها أثناء زيارته للمغرب ثم بعد ذلك أثناء زيارته لغرناطة (سنة ٨٧٠ هـ)، ويروى لنا ما وقف عليه من الحوادث فى سنى ٨٦٧ - ٨٧٠ هـ، ثم يستطرد فيما بعد فيروى لنا ما سمعه من أخبار الأندلس حتى سنة ٨٨٧ هـ (١٤٨٢ م).
ويقول لنا الرحالة المصرى إن سلطان الأندلس فى سنة ٨٦٧ هـ (١٤٦٢ - ١٤٦٣ م) كان سعد بن محمد بن يوسف المستعين بالله المعروف بابن الأحمر، وإنه ما كاد يجلس على العرش حتى ثار عليه ولده أبو الحسن بتحريض بنى سراج وأخرجه عن غرناطة وامتلكها؛ فسار سعد إلى مالقة، وحكم أبو الحسن مكانه.
وفى العام التالى أعنى سنة ٨٦٨ هـ، لما اشتد ضغط النصارى على الأندلس، عاد أبو الحسن فعقد الصلح مع أبيه، وأطلق سراحه، واختار سعد الإقامة فى ألمرية فلم يعترض ولده، ولم يلبث أن توفى فى أواخر هذا العام، وعندئذ خلص العرش لأبى الحسن.
ولكن حدثت بعد ذلك منازعات حول ولاية العرش بين أبى الحسن،
وأخيه أبى الحجاج يوسف، ولم ينته هذا النزاع إلا بوفاة يوسف بعد ذلك بقليل.
ويذكر لنا الرحالة أنه قابل السلطان أبا الحسن بحمراء غرناطة فى أواخر جمادى الأولى سنة ٨٧٠ هـ (يناير سنة ١٤٦٦ م) (٢).
стр. 2642
وهذه النبذ القليلة التى يقدمها إلينا الرحالة المصرى، تلقى ضوءاً حسناً على حوادث مملكة غرناطة فى تلك الفترة الدقيقة من حياتها.
...
وفى حوادث مملكة غرناطة استولى محمد الفاتح عاهل الترك العثمانيين على قسطنطينية (سنة ١٤٥٣ م) وانهار هذا الصرح المنيع، الذى كان يحمى أوربا النصرانية من جهة الشرق، من غزوات الإسلام، وانساب تيار الفتح العثمانى إلى جنوب شرقى أوربا، يكتسح فى طريقه كل مقاومة، وروعت أوربا النصرانية لهذا الخطر الجديد الذى يهدد حريتها وسلامها، وأخذت النزعة الصليبية تضطرم من جديد بقوة مضاعفة. وتردد هذا الصدى فى اسبانيا النصرانية، حيث كانت مملكة غرناطة ما تزال بالرغم من صغرها وضعفها، تمثل صولة الإسلام القديمة فى اسبانيا وقد تغدو فى الغرب نواة لهذا الخطر الإسلامى الداهم، الذى بدت طلائعه فى الشرق على يد الغزاة الترك، ومن ثم فقد كان طبيعياً أن تجيش اسبانيا النصرانية بفورة صليبية جديدة، وأن يذكى هذا الخطر الجديد، اهتمامها بالقضاء على مملكة غرناطة. وبالرغم مما كانت تجوزه مملكة غرناطة يومئذ من فتن داخلية، وما كان يفت فى قواها من عوامل الإنحلال السياسى والاجتماعى، فقد كانت تعتبر دائماً فى نظر اسبانيا النصرانية عدواً داخلياً له خطره. وكان أشد ما تخشاه اسبانيا النصرانية أن تغدو غرناطة قاعدة لفورة جديدة من الغزو الإسلامى تنساب من وراء البحر، كما حدث فى الحقبة الأخيرة غير مرة. والحقيقة أن حياة هذه المملكة الإسلامية الصغيرة، قد استطالت أكثر مما كانت تقدره اسبانيا النصرانية.
وكانت مملكة قشتالة فى تلك الآونة بالذات تشغل بمنازعاتها الداخلية، ومضى زهاء ربع قرن آخر قبل أن تتحد اسبانيا النصرانية فى مملكة قوية موحدة. وقد كانت خلال الأحداث التى توالت عليها فى تلك الفترة، تجيش دائماً بنزعتها الصليبية المأثورة. فلما تحققت الوحدة واستقرت الأحوال واجتمعت الموارد، أخذت فرصة القضاء الأخير على المملكة الإسلامية الصغيرة، تبدو لخصيمتها القوية اسبانيا النصرانية، فى الأفق قوية سانحة.
стр. 2643
الفصْل التاسِع
تاريخ اسبانيا النصرانية منذ قيام مملكة غرناطة حتى اتحاد مملكتى قشتالة وأراجون
ألفونسو العاشر ملك قشتالة. مشاريعه نحو مملكة غرناطة. الحرب الأهلية فى قشتالة. ولاية سانشو الباسل. الخلاف بينه وبين النبلاء. عقد الهدنة بين غرناطة وقشتالة. ولاية فرناندو الرابع ووصاية أمه. اضطراب الأحوال فى قشتالة. توطد مركز فرناندو. غزو القشتاليين لأراضى الأندلس. استيلاؤهم على جبل طارق. ولاية ألفونسو الحادى عشر والوصاية عليه. زحف القشتاليين على غرناطة. هزيمتهم ومقتل زعمائهم. طغيان ألفونسو وعيثه. عبور سلطان المغرب إلى الأندلس. هزيمة المسلمين. غزو القشتاليين للجزيرة الخضراء. حصار جبل طارق وفشل النصارى. ولاية بيدرو القاسى. طغيانه وعنفه. الحرب الأهلية فى قشتالة. انتصار الكونت هنرى وارتقاؤه للعرش. ازدهار قشتالة فى عهده. ولاية خوان الأول. الخلاف بينه وبين البرتغاليين. مصرعه وولاية ولده هنرى الثالث. توطد السلام والأمن فى عهده. ولاية خوان الثانى والوصاية عليه. ضعفه ولهوه. فرناندو الوصى يُدعى لولاية عرش أراجون. الصراع بين خوان والأشراف. التهادن بين قشتالة وغرناطة. ولاية هنرى الرابع. اضطراب الأحوال فى عصره. استيلاء القشتاليين على جبل طارق. بيدرو الثالث ملك أراجون. النزاع حول عرش نابل. افتتاحه لصقلية. ألفونسو الثالث. ضغط النبلاء عليه. خايمى الثانى. الاستقرار فى عهده. ألفونسو الرابع. طغيان النبلاء وامتيازاتهم. بيدرو الرابع. الحرب الأهلية بين العرش والنبلاء. استيلاء بيدرو على الجزائر الشرقية. استرداده لصقلية. ولاية خوان الأول. ولاية مرتين الأول. الصداقة بين أراجون وغرناطة. وفاة مرتين وجلوس فرناندو صاحب أنتقيرة على العرش. حكمه المطلق. ولده ألفونسو الخامس. افتتاحه لمملكة نابل. أخوه خوان يحكم أراجون. ازدهار مملكة نابل. ولاية خوان الثانى لعرش أراجون. الحرب الأهلية فى أراجون. الحرب بين أراجون وفرنسا. وفاته وولاية ولده فرناندو. عود إلى تاريخ قشتالة. النزاع حول العرش بعد وفاة هنرى الرابع. أخته الأميرة إيسابيلا. قصة زواجها من فرناندو الأرجونى. معارضة أخيها هنرى. موافقتها على هذا الزواج. شروط الزواج وعقده. إعلان ولاية إيسابيلا عقب وفاة أخيها. خوانا ابنة الملك هنرى. مشروع زواجها من ملك البرتغال. غزو ملك البرتغال لقشتالة. ارتداده وفشل مشروعه. ارتقاء فرناندو عرش أراجون. اتحاد مملكتى قشتالة وأراجون. اسبانيا النصرانية الموحدة. فرناندو الكاثوليكى وصفاته وخلاله. إيسابيلا الكاثوليكية وصفاتها وخلالها. انحلال مملكة غرناطة. عزم فرناندو وايسابيلا على القضاء عليها.
١ - قشتالة
لما توفى فرناندو الثالث ملك قشتالة فى شهر مايو سنة ١٢٥٢ م، خلفه فى الملك ولده ألفونسو العاشر الملقب بالعالم أو الحكيم El Sabio لشغفه بالعلوم والآداب
стр. 2644
حسبما أشرنا من قبل. وشغل ألفونسو بالشئون والإصلاحات الداخلية، ولاسيما الإصلاحات التشريعية. وكان المجتمع الإسبانى فى هذا العصر يشعر بحاجة شديدة إلى تشريعات تتفق مع تطوراته، وتقضى على ما كان يعتوره من شذوذ فى تكوينه، وتحدّ من طغيان الأشراف والسادة، وتلطّف من حدة التنافس والبغضاء بين الطوائف. وقد رأينا أن خايمى الفاتح ملك أراجون كان فى الوقت نفسه يضطلع فى مملكته بمثل هذا الدور الإصلاحى الهام. وكان ألفونسو تحدوه أطماع إمبراطورية ضخمة، إذ كان يطمح إلى تاج الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وذلك بسبب انحداره من أم ألمانية من آل هوهنشتاوفن هى ابنة الإمبراطور فيليب، وقد أنفق فى سبيل هذا المشروع الخيالى أموالا طائلة، واضطر لحاجته إلى المال أن يصدر نقداً زائفاً، وأن يتخذ إجراءات، كان لها أسوأ الأثر فى سير الأحوال الاقتصادية.
وكان ألفونسو بالرغم من اشتغاله بالشئون الداخلية، يجرى على خطة أسلافه فى متابعة غزو الأراضى الإسلامية. وفى أوائل عهده استطاع أن ينتزع مدينة قادس من سكانها المسلمين، بمعاونة حليفه ابن الأحمر صاحب غرناطة. بيد أن أمير غرناطة محمداً الفقيه، لما شعر بعد ذلك بما يدبره ملك قشتالة من خطط للقضاء على المملكة الإسلامية، عبر البحر إلى المغرب يطلب الغوث والعون، من السلطان أبى يوسف يعقوب المنصور. وقد رأينا فيما تقدم كيف استجاب المنصور إلى صريخ الأندلس، وعبر البحر إلى اسبانيا غير مرة وأثخن فى جيوش قشتالة.
وفى أواخر عهد ألفونسو العاشر ساءت الأحوال فى قشتالة، وثار الأشراف على العرش، لمحاولته أن يقضى على سلطانهم وامتيازاتهم. ثم خرج على ألفونسو ولده سانشو مناديا بحقه فى العرش، وكونه أولى من ولد أخيه المتوفى المرشح لولاية العهد. واضطرمت فى قشتالة حرب أهلية خسر فيها ألفونسو عرشه، والتجأ إلى السلطان أبى يوسف فأمده بالمال والجند حسبما فصلنا ذلك فى موضعه. واستمرت الحرب الأهلية بين ألفونسو وولده سانشو، حتى توفى ألفونسو فى سنة ١٢٨٤ م فى إشبيلية، منبوذاً مهزوما، وبذلك انتهت الحرب الأهلية فى قشتالة.
واستمر ولده سانشو الملقب بالباسل El Bravo على عرش قشتالة مدى حين بلا منازع، ولكنه لم يلبث أن اختلف مع النبلاء الذين آزروه ضد أبيه من قبل، ومع إخوته الأصاغر، وكذلك مع أبناء أخيه الأكبر فرناندو الذى توفى قبل وفاة أبيه، وثارت حول عرش قشتالة من جديد منازعات واضطرابات لا نهاية
стр. 2645
لها. وعمد سانشو إلى الدس والغيلة للتخلص من خصومه، وأبدى فى مطاردتهم قسوة متناهية. وفى تلك الفترة التى اضطربت فيها شئون قشتالة، آثر سانشو أن يستجيب إلى عقد السلم مع مملكة غرناطة، وكان ابن الأحمر من جانبه يتوق إلى عقد مثل هذه الهدنة مع قشتالة، لما كان يساوره من جزع من جراء تدخل سلطان المغرب أبى يوسف المنصور فى شئون الأندلس، بصورة خشى معها على سلطانه حسبما فصلنا ذلك فى موضعه، وعلى ذلك تمتعت غرناطة ببضعة أعوام من السكينة والسلام.
ولما توفى سانشو فى سنة ١٢٩٦ م، خلفه ولده فرناندو الرابع طفلا فى السادسة من عمره، وتولت الوصاية عليه أمه ماريا دى مولينا، وبالرغم مما أبدته أمه من الشجاعة فى الذود عن العرش وعن الملك الطفل، ومن براعة فى تصريف الشئون، فقد كان عهده عهد اضطراب وفوضى، وعاد النبلاء والمتنافسون فى طلب العرش إلى تدبير الثورات المتعاقبة، واضطر الملك الطفل وأمه إلى الفرار من إشبيلية، والالتجاء إلى حماية أهل آبلة الذين آزروه واستقبلوه بترحاب وحماسة. ولما بلغ فرناندو أشده، استطاع أن يعود إلى عرشه بمؤازرة أصدقائه وأنصاره، ولكنه أبدى قصوراً وعجزاً فى تسيير الشئون، كما أبدى عقوقاً ونكراناً لأمه، التى كفلته وحمته فى طفولته. وفى عهد فرناندو ساءت العلائق بين قشتالة ومملكة غرناطة، وعاد النصارى إلى غزو أراضى المسلمين. وكان من أعظم الحوادث فى هذا العهد، استيلاء القشتاليين على ثغر جبل طارق، وذلك فى سنة ٧٠٩ هـ (١٣١٠ م).
ولما توفى فرناندو خلفه على العرش ولده الطفل ألفونسو (الحادى عشر)، ولما يبلغ الحول من عمره، وتولى الوصاية عليه الدون بيدرو والدون خوان وهما زعيما النبلاء. وبالرغم مما كان يسود قشتالة يومئذ من ضروب الاضطراب والفوضى، فقد اعتزم رهط الأمراء والنبلاء المضى فى غزو الأراضى الإسلامية، وعاث الجند القشتاليون فى بسائط غرناطة، واستولوا على عدة من الحصون، وهزموا المسلمين فى موقعة شديدة (١٣١٧ م). وكان ذلك فى بداية عصر السلطان أبى الوليد إسماعيل. وبعد ذلك بعامين زحف الجند القشتاليون، بقيادة الدون بيدرو والدون خوان الوصيين وعدد كبير من الأمراء، على العاصمة الأندلسية ذاتها، والتقى المسلمون والنصارى على مقربة من غرناطة، وكانت موقعة هائلة كتب فيها النصر للمسلمين وقتل الدون بيدرو والدون خوان ومعظم الأمراء القشتاليين (١٣١٩ م).
стр. 2646
وانتهز المسلمون هذه الفرصة، فقاموا بعدة غزوات ناجحة فى أراضى قشتالة. واستولوا على بعض القواعد والحصون حسبما فصلنا ذلك فى موضعه. وفى خلال ذلك تفاقمت الأمور فى قشتالة واشتد النزاع بين النبلاء، واستمرت هذه الحال طوال عهد الوصاية.
ولما بلغ الملك الطفل أشده، وتولى أمور الملك بنفسه، أخذت تتكشف صفاته المثيرة شيئاً فشيئاً. وبالرغم مما أبداه من مقدرة فى ضبط المملكة وتسيير الشئون، وما قام به من الإصلاحات الإدارية والقضائية، لتوطيد النظم التى يقوم عليها المجتمع القشتالى، فقد كان يلجأ إلى أشد أساليب العنف والقمع، وكان القتل وسيلته المثلى لحماية العرش وصون الدولة، وقد زهق على يديه كثير من الأمراء والنبلاء والزعماء، دون إجراءات ودون محاكمة، حتى لُقِّب من أجل ذلك "بالمنتقم". وكان البلاط القشتالى فى عهده مرتعا للفجور والإثم. وكانت الملكة الشرعية الأميرة ماريا البرتغالية تعيش منبوذة فى عزلة مطبقة، وتسيطر على القصر والدولة خليلة الملك إليونورا دى كزمان، وقد رزق منها ألفونسو بعدة أبناء غير شرعيين. وهكذا كانت قشتالة تجوز يومئذ عهداً من الإرهاب، والانحلال السياسى والاجتماعى.
ومع ذلك فقد كان ألفونسو الحادى عشر ملكا قوى البأس والعزم. وكان يضطرم نحو المملكة الإسلامية بمشاريع خطرة. وكانت غرناطة شعوراً منها بالخطر الذى يحدق بها. قد استغاثت بجارتها القوية وراء البحر مرة أخرى، وبعث السلطان أبو الحسن المرينى جيوشه لنجدة الأندلس، واجتمعت جيوش الممالك النصرانية، قشتالة وأراجون للقاء الجيوش المغربية وهزمتها فى موقعة دموية فى سنة ١٣٣٩ م؛ فاعتزم السلطان أبو الحسن أن يثأر لنفسه من تلك الهزيمة، وجاز البحر بنفسه إلى الأندلس فى أسطول وجيش عظيمين، واجتمعت الجيوش النصرانية بقيادة ألفونسو الحادى عشر، والتقت بجيوش الأندلس والمغرب على ضفاف نهر سالادو فى الجزيرة الخضراء، ونشبت بين الفريقين موقعة حاسمة هزم فيها المسلمون شر هزيمة وسقط معسكر سلطان المغرب ومخيمه فى يد النصارى حسبما فصلنا فى موضعه، وكان ذلك فى ٣٠ أكتوبر سنة ١٣٤٠ م (جمادى الأولى سنة ٧٤١ هـ)، واستولى النصارى على طريف والجزيرة الخضراء.
واستمرت غزوات النصارى لأراضى غرناطة بضعة أعوام أخرى. وفى سنة
стр. 2647
١٣٤٩ م زحف القشتاليون على سهول الجزيرة الخضراء. وكان ثغر جبل طارق الذى استولى عليه النصارى مدى حين قد عاد إلى المسلمين، واعتزم ملك قشتالة أن يحاول استرداده، فضرب حوله الحصار الصارم، واستمر الحصار زهاء عام، والمسلمون داخل الصخرة صامدين، وملك غرناطة يرابط بجيشه من وراء النصارى. ثم فشا الوباء فى جيش النصارى، وهلك منه عدد جم، وكان ملك قشتالة فى مقدمة الضحايا، فاضطر النصارى إلى رفع الحصار، وأنقذ جبل طارق بما يشبه المعجزة (سنة ١٣٥٠ م).
وهكذا توفى ألفونسو الحادى عشر ملك قشتالة فى إبان قوته ومجده، ولما يبلغ الثامنة والثلاثين من عمره، فخلفه ولده بيدرو الثانى الملقب بالقاسى الذى تعرِّفه الرواية الإسلامية "بدون بطره". وبيدرو شهير فى الرواية الإسلامية أولا لأنه هو الملك الذى أوفد إليه المؤرخ الفيلسوف ابن خلدون سفيراً من قبل ملك غرناطة، ووصف لنا فى التعريف سفارته لديه وإقامته فى قشتالة (١). وثانيا لأنه معاصر للوزير ابن الخطيب مؤرخ غرناطة، وقد تناول أخباره فى تاريخه بتفصيل ووضوح.
ولجأ بيدرو الثانى إلى نفس الأساليب الدموية التى لجأ إليها أبوه فى توطيد سلطانه، فأسرف فى قتل خصومه، وبسط على قشتالة حكم إرهاب مروع، وقيل إنه لجأ إلى قتل زوجه الشرعية بلانش دى بوربون بالسم ليتزوج من خليلته، وعهد بإدارة حكومته إلى رهط من اليهود ارتيابا منه فى أبناء وطنه، وأنشأ له حرساً من المدجَّنين. ونشب الخلاف بينه وبين إخوته غير الشرعيين أبناء إلينورا دى كزمان، ولاسيما كبيرهم الكونت هنرى دى تراستمارا. وانحاز الأشراف إليهم، واضطرمت قشتالة مدى أعوام بثورات داخلية، ثم استحالت إلى حرب أهلية ضروس، واستطاع الكونت هنرى أن يحصل على معاونة ملك فرنسا، وأن ينتزع لنفسه عرش قشتالة، وفر بيدرو واستغاث بالأمير أدوارد ولى عهد انجلترا المعروف بالأمير الأسود، فأمده بجنده واستطاع أن يسترد عرشه مدى حين.
ولكن أخاه الكونت هنرى عاد إلى محاربته فهزم وقتل فى موقعة مونتيل فى سنة ١٣٦٨ م. وقد عرضنا إلى هذه الحوادث بالتفصيل فى حديثنا عن عصر السلطان محمد الغنى بالله. وقد كانت تربطه ببيدرو الثانى معاهدة صداقة وتحالف، وكانت
стр. 2648
غرناطة إلى جانبه فى محنته، وكان لهذه الحوادث صدى خاص فى الرواية الإسلامية عرض إليه ابن الخطيب فى كتابه "الإحاطة" على نحو ما قدمنا.
وعلى أثر موقعة مونتيل استقر الكونت هنرى دى تراستمارا مكان أخيه على العرش (١٣٦٨ م)، وبدأ بذلك ثبت جديد من ملوك قشتالة. وفى عهده استتب الهدوء والنظام فى قشتالة، وأقبل الأشراف على تأييده، وكان للمدن التى آزرته فى جنوده لنيل العرش امتيازات خاصة، وكذلك ازدهر البرلمان القشتالى (الكورتيس) واشتد ساعده، ولكنه لم يوفق إلى الحد من طغيان العرش. وأبدى الكونت هنرى فى تسيير الشئون الداخلية مقدرة، وأصاب نجاحا يذكر، واستطاع فى ميدان الشئون الخارجية أن يرغم البرتغال على عقد الصلح، وأن يهزم حملة بحرية فى مياه لاروشل. وكان حكمه على العموم فترة رخاء وأمن. وفى عهده انتهزت مملكة غرناطة فرصة اشتغال قشتالة بشئونها الداخلية فنظمت قواها، وأغارت غير مرة على أراضى قشتالة فى غزوات ناجحة، حسبما أشرنا إلى ذلك فى موضعه.
ولما توفى الكونت هنرى فى سنة ١٣٧٩ م، خلفه على العرش ولده خوان (يوحنا) الأول. وكان الأمير جون أوف جونت ولد إدوارد الثالث ملك انجلترا قد تزوج كبرى بنات بيدرو الثانى، وأخذ يطالب باسمها بعرش قشتالة، وكادت تضطرم من أجل ذلك حرب أهلية جديدة، ولكن خوان الأول استطاع أن يجتنب هذا الخطر بالتفاهم مع الأمير جون، والاتفاق معه على أن يقترن ولده بالأميرة كونستانس كبرى بنات الأمير الإنجليزى، وتم بذلك الزواج اتحاد فرعى ألفونسو الحادى عشر، وزوال خطر الحرب الأهلية المترتب على خصومتهما حول العرش، وحاول خوان الأول من جهة أخرى أن يطالب بعرش البرتغال عقب وفاة ملكها فرناندو سنة ١٣٨٣ م باسم زوجه الأميرة بياتريس، وهى الإبنة الوحيدة للملك المتوفى، وثارت من جراء ذلك بين قشتالة والبرتغال حرب هزم فيها القشتاليون فى موقعة "الخبرونا" فى سنة ١٣٨٥ م، واضطر ملك قشتالة أن ينزل عن دعواه.
وتوفى خوان الأول قتيلا على أثر سقوطه عن جواده (أكتوبر سنة ١٣٩٠ م) فخلفه على عرش قشتالة ولده هنرى (إنريكى) الثالث حدثا. وكان سقيما عليلا، ولم يطل أمد حكمه حينما بلغ الرشد سوى أعوام قلائل. بيد أنه استطاع فى حكمه القصير أن يوطد النظام والأمن داخل مملكته، وأن يقضى على شغب الأشراف،
стр. 2649
وأن يسترد منهم كل الإقطاعات التى انتزعوها من العرش إبان طفولته. وفى عهده نشبت الحرب حيناً بين المسلمين والنصارى، وانتهت بعقد الهدنة بين الفريقين، ثم توفى شابا فى أواخر سنة ١٤٠٦ م.
فخلفه ولده خوان الثانى طفلا فى نحو الثانية من عمره، ووضع تحت وصاية أمه الملكة كونستانس الإنجليزية، وعمه الأمير فرناندو الذى يعرف بفرناندو صاحب أنتقيرة، نظراً لاستيلائه على هذه القاعدة من المسلمين فى سنة ١٤١٢ م.
وطال حكم خوان الثانى زهاء نصف قرن، وكان أميراً ضعيف الرأى والعزم سيئ الخلال، يعشق اللهو وينفق أوقاته فى حفلات الصيد والفروسة وقرض الشعر، وكان عمه الوصى فرناندو فى الأعوام الأولى من طفولته، يقبض على زمام الأمور بحزم وبصيرة. بيد أنه دعى منذ سنة ١٤١٢ م إلى تبوىء عرش أراجون بقرار من الكورتيس، فترك قشتالة لمصيرها. وما كاد خوان الثانى يبلغ أشده، حتى بدأ النضال بينه وبين الأشراف من أجل السلطة وفرض الضرائب، وشغلت قشتالة مدى حين بأمر هذا النضال. وفوض الملك شئون الدولة إلى وزيره وصفيه ألبارو دى لونا، فاستأثر بكل سلطة، واستطاع أن يوطد نفوذ العرش، وأن يحقق النظام والأمن. فلما اقترن خوان بزوجه الثانية إيسابيلا البرتغالية، عملت على تحريره من نفوذ وزيره القوى، وما زالت به حتى أسقطه وأقصاه. ويقال إن هذا التصرف الغادر نغص عليه حياته فى أعوامه الأخيرة. وتوفى خوان الثانى فى يوليه سنة ١٤٥٤ م فى بلد الوليد، وقد رزق من زواجه الثانى بابنته إيسابيلا وهى التى تبوأت العرش فيما بعد، وعرفت بإيسابيلا الكاثوليكية، وكان لها أعظم شأن فى تاريخ اسبانيا النصرانية.
وفى معظم عصره ساد نوع من السلام والتهادن بين غرناطة وقشتالة، وكانت حفلات الفروسية الأندلسية الشهيرة تجمع بين الأشراف والسادة من الفريقين، فى جو من التعاطف والمودة. ولكن غرناطة ما لبثت أن شغلت بثوراتها الداخلية التى تعاقبت حول العرش فى عصر السلطان الأيسر وخلفائه. وكان بلاط قشتالة يلعب عندئذ دوره المأثور، فى إذكاء عوامل الخلاف بين المتنافسين من أمراء غرناطة، وتغليب البعض على الآخر، والتمهيد بذلك لإضعاف مملكة غرناطة والقضاء عليها.
وخلف خوان الثانى ولده هنرى (إنريكى) الرابع، وكان كأبيه أميرا ضعيفاً
стр. 2650
منحل الخلال، حتى أنه لقب "بالعاجز". وكان عصره عصر ركود وفوضى، ومع ذلك فإن قشتالة لم تقعد فى عهده عن المضى فى غزو الأراضى الإسلامية، وإرهاق مملكة غرناطة، التى اضطربت شئونها وسادتها الخلافات الداخلية، واضطر ملك غرناطة السلطان ابن إسماعيل أن يتعهد بتأدية الجزية لقشتالة. وكان من أعظم الحوادث فى عصر هنرى الرابع استيلاء القشتاليين نهائيا على ثغر جبل طارق (١٤٦٢ م) حسبما ذكرنا فى موضعه. وتوفى الملك هنرى فى سنة ١٤٧٤ م.
وعلى أثر وفاته عارض النبلاء فى جلوس ابنته الوحيدة خوانا على العرش لما يحيط بنسبتها إليه من الريب. وهنا تقدمت أخته الأميرة إيسابيلا مطالبة بعرش قشتالة. وكانت قد تزوجت فى سنة ١٤٦٩ م من ابن عمها الأمير فرناندو الأرجونى، وذلك والرغم من معارضة أخيها الملك هنرى، وكان لهذا الزواج أثر بعيد المدى فى سير التاريخ الإسبانى حسبما نفصل بعد.
٢ - أراجون
لما توفى خايمى الأول أو خايمى الفاتح ملك أراجون فى سنة ١٢٧٤ م، خلفه على العرش ولده بيدرو الثالث. وتبدأ منذ عهد هذا الملك صفحة جديدة فى تاريخ أراجون، حيث يمتد سلطان العرش الأرجونى واسبانيا النصرانية فيما وراء البحر، إلى صقلية وجنوبى إيطاليا (مملكة نابل). وذلك أن بيدرو الثالث تزوج الأميرة كونستانس إبنة مانفرد دوق بنفونتوم وصاحب مملكة نابل وصقلية باعتباره سليل بيت هوهنشتاوفن الإمبراطورى. وكان البابا يريد التخلص من سلطان أولئك الأمراء الألمان، فدعا شارل دانجو ولد ملك فرنسا إلى اعتلاء عرش نابل، فاستجاب شارل إلى الدعوة وغزا نابل وقتل صاحبها مانفرد. وهنا تقدم بيدرو الثالث مطالبا بعرش نابل باسم زوجه، ونشب بين الحزب الأرجونى وبين حزب شارل دانجو نزاع طويل الأمد. وفى النهاية استطاع بيدرو أن يغزو صقلية وأن ينتزعها من يد الفرنسيين، وأسبغ عليه هذا الفتح لقب "الأكبر". ولما حاول الفرنسيون غزو قطلونية تأييداً لشارل دانجو، ردهم بيبدرو وأخفقت المحاولة. وكان افتتاح صقلية أول خطوة فى بسط السيادة الإسبانية على جنوبى إيطاليا فيما بعد. ولما توفى بيدرو الثالث فى سنة ١٢٨٥ م، كانت سيادة أراجون تمتد فضلا عن صقلية إلى بعض أنحاء بروفانس فى جنوبى فرنسا.
стр. 2651
وخلفه على العرش ولده ألفونسو الثالث، وكان ضعيفاً سيىء الخلال، ولم يطل أمد حكمه سوى بضعة أعوام. وفى عهده اشتدت وطأة النبلاء وكثرت مطالبهم، وعجز ألفونسو عن مقاومتهم، وكان تخاذل العرش أمام طغيان الأشراف على هذا النحو، سبباً فى اضطراب الأمور فى مملكة أراجون.
وتوفى ألفونسو الثالث سنة ١٢٩١ م دون عقب لأنه لم يتزوج، فخلفه على عرش أراجون أخوه الأصغر خايمى الثانى، وكان يتولى عرش صقلية منذ وفاة أبيه فى سنة ١٢٨٥ م حتى وفاة أخيه الأكبر. ورأى خايمى أن يوفق بين أراجون وبين مملكة نابل، فتزوج من بلانكا ابنة شارل دانجو، وساد السلم حينا بين أراجون وفرنسا. واستطال حكم خايمى حتى سنة ١٣٢٧ م، وكان عهده إصلاح واستقرار.
ثم خلفه فى الملك ولده ألفونسو الرابع، فحكم زهاء تسعة أعوام، وكان أميراً ضعيفاً. وفى عهده زاد طغيان النبلاء ولاسيما فى أراجون وبلنسية، واشتد إرهاقهم للعرش حتى انتهوا بإرغام ألفونسو على إصدار المرسوم المعروف بمرسوم الإتحاد، وفيه يعترف العرش لهم بأنه لا تجوز معاقبتهم فيما يتعلق بالنفس أو المال إلا بحكم القانون، وأن يكون لهم حق اختيار القاضى الأكبر الذى يصدر أحكامه مستقلا عن مصادقة العرش، وأن يقوموا بالدفاع المسلح عن أنفسهم حيثما شعروا بما يهددهم.
وكان فى صدور هذا المرسوم افتئات لم يسبق له مثيل على سلطات العرش.
وكان بيدرو الرابع الذى خلف أباه ألفونسو على العرش سنة ١٣٣٦ م، أميراً قوياً وافر العزم. وكان يتوق إلى كبح جماح أولئك النبلاء الذين طال طغيانهم، وإلغاء ذلك المرسوم الذى أرغم أبوه على إصداره. ولكن النبلاء تمسكوا بموقفهم، وتأهبوا للدفاع عن امتيازاتهم، واضطرمت أراجون بحرب أهلية بين العرش والنبلاء وانتهت بفوز بيدرو الرابع على النبلاء الخوارج فى موقعة آبلة سنة ١٣٤٨ م.
وأمعن بيدرو بعد ذلك فى مطاردة خصومه وقتلهم، وأرغم النبلاء على التنازل عن مرسوم الإتحاد، وقام بنفسه بتمزيقه أمام مجلس النواب فى سرقسطة، وبلغ من تلفهه على تمزيقه أن جرح يده بخنجره، وصاح عندئذ بأن الدم الملكى حقيق بأن يجرى فى سبيل إبطال مثل هذه الوثيقة، وعرف من جراء ذلك "بصاحب الخنجر". على أن بيدرو كان حكيما فى ظفره، فقد ترك للنبلاء الحق فى أن يحاكموا بمقتضى القانون، وأن تكفل حمايتهم من الأحكام التعسفية، وأكد احترامه لاستقلال القضاء، وترك للمدن حق الإعراب عن رأيها. وفى العام التالى (١٣٤٩ م)
стр. 2652
استطاع بيدرو الرابع أن ينتزع الجزائر الشرقية (البليار) من ابن عمه خايمى الثالث، بعد أن هزم وقتل فى موقعة دموية، وأعيدت الجزائر الشرقية إلى مملكة أراجون مرة أخرى، وكان خايمى الفاتح قد تركها بمقتضى وصيته لخايمى أحد أولاده، وقامت بها مملكة مستقلة مدى حين. ونشبت الخصومة بعد ذلك بين بيدرو ملك أراجون، وبيدرو القاسى ملك قشتالة، وانحاز ملك أراجون إلى الكونت هنرى دى تراستمارا المطالب بعرش قشتالة، واستمر يعاونه بالمال والجند، حتى انتهى أخيراً بالتغلب على أخيه بيدرو القاسى، والجلوس على عرش قشتالة سنة ١٣٦٩ م حسبما فصلنا من قبل. وظفر بيدرو كذلك باسترداد صقلية فى سنة ١٣٧٧ م، ولكنه منح حكمها لابنه مرتين، وزوج بيدرو ابنته إلينور لخوان الأول ملك قشتالة، فكان ذلك فيما بعد سبباً فى انتقال عرش أراجون إلى بيت قشتالة الملكى حينما انقرض عقبه من الذكور.
وتوفى بيدرو سنة ١٣٨٧ م، وأراجون أوفر ما تكون قوة، واستقراراً فخلفه ولده خوان (يوحنا) الأول. وكان أميراً ضعيف الخلال والعزم، يعشق الأدب والشعر وتضجره مهام الملك، ولم يطل أمد حكمه سوى بضعة أعوام، إذ توفى فى حادث سقوطه عن جواده سنة ١٣٩٥ م.
فخلفه أخوه الأصغر مرتين الأول. وكان حكمه عهد هدوء واستقرار.
ومنح عرش صقلية لولده مرتين. وفى عهده سادت علائق المودة والصداقة بين أراجون وغرناطة، وعقدت بين المملكتين معاهدة صداقة وتحالف (سنة ١٤٠٥ م).
ولما توفى مرتين فى سنة ١٤١٠ م دون عقب، ثارت حول وراثة عرش أراجون مشكلة دقيقة، وتولى مجلس الكورتيس (البرلمان) حكم البلاد، واستمر مدى عامين فى مباحثات ومناقشات مستمرة حول مسألة العرش، وفى النهاية أصدر قراره باختيار الأمير فرناندو القشتالى ولد خوان الأول ملك قشتالة، والمعروف بفرناندو صاحب أنتقيرة، للجلوس على عرش أراجون، وذلك باعتباره ولد الملكة إلينور ابنة بيدرو الرابع ملك أراجون وأخت الملك مرتين، فلبى فرناندو الدعوة وتخلى عن وصايته لابن أخيه خوان الثانى ملك قشتالة، وجلس على عرش أراجون سنة ١٤١٢ م، وبدأ بذلك ثبت جديد من ملوك أراجون.
ولم يطل أمد حكم الملك فرناندو سوى أربعة أعوام، وكان أميراً قوى الخلال ذا مقدرة وفطنة فى تصريف الشئون، ولكنه كان يضطرم بروح السلطان
стр. 2653
المطلق التى ألفها فى قشتالة، ويتبرم بالحدود والقيود التى وضعها الدستور الأرجونى للحد من سلطان العرش. والواقع أن الحريات الدستورية كانت فى أراجون، أرسخ وأكثر نضوجا منها فى قشتالة، وكان ذلك يرجع إلى طبيعة الشعب الأرجونى، وشدة مراسه، وتعلقه بمبادىء الحرية، وهى صفات لم تكن تروق فى تلك العصور لملوكية رجعية، تحرص على سلطانها المطلق.
ولما توفى فرناندو الأول فى سة ١٤١٦ م، خلفه على عرش أراجون، ولده ألفونسو الخامس المعروف بألفونسو " الشهم " El Magnanimo، على أن ْألفونسو الخامس لا يكاد يمثل فى تاريخ أراجون، وإنما يمثل بالأخص فى تاريخ إيطاليا ومملكة نابل. وقد ورث ألفونسو عرش صقلية مع عرش أراجون، واستطاع بعد حوادث وخطوب جمة أن يفتتح مملكة نابل وأن يجلس على عرشها (١٤٤٢ م). واستقر ألفونسو فى نابل، وترك حكم أراجون والأراضى التابعة لها لأخيه خوان (يوحنا)، يحكمها باسمه ومن قبله. وبسط ألفونسو على نابل وصقلية حكمه الفخم، وسطع بلاطه بين القصور الإيطالية، وكان نصيراً للعلوم والآداب والفنون، يأخذ فى تعضيدها بقسط وافر، شأن معاصريه من الأمراء والبابوات الذين ساهموا فى بعث النهضة، وسطعوا فى عصر الإحياء (الرينصانص).
ولما توفى فى سنة ١٤٥٨ م، دون عقب شرعى، ترك مملكة نابل لولده غير الشرعى فرناندو، وجلس أخوه خوان على عرش أراجون باسم خوان الثانى.
وكان خوان الثانى أميراً وافر العزم والمقدرة، ولكنه كان فى الوقت نفسه طاغية خطر الأهواء والأساليب. وشغل خوان عن شئون أراجون الداخلية، بكفاحه فى سبيل الحصول على عرش نافارا، باعتباره زوجا ووريثا لملكتها بلانش، وكذلك شغلته ثورة ولده الأمير كارلوس المعروف بأمير فيانا مدى حين، وكان ينافس أباه فى الحصول على عرش نافارا ويرى أنه أحق منه بميراث أمه. وحاول خوان بتحريض زوجه الثانية جنه هنريكيز أن يحرم ولده من نيابة العرش، فثار إلى جانبه فريق من الشعب الأرجونى، ونشبت بين الأب والإبن عدة وقائع انتهت بوفاة الإبن فى سنة ١٤٦١ م. وقيل إنه توفى مسموماً بيد زوج أبيه.
وكذلك ثار الشعب القطلونى معلناً استقلاله. وشغل خوان بضعة أعوام حتى استطاع أن يخمد هذه الثورة الخطيرة (١٤٧٢ م). وكذلك نشبت الحرب بين أراجون
وفرنسا، من أجل ولاية روسيّون الفرنسية، وهزم خوان غير مرة. على أن
стр. 2654
أعظم مهمة شغلت خوان فى أواخر عهده، هى السعى إلى تزويج ولده فرناندو من زوجه الثانية، بالأميرة (إيسابيل) القشتالية (١)، وقد كلل سعيه بالنجاح فى تحقيق هذا المشروع الخطير الذى كان إيذاناً باتحاد أراجون وقشتالة فى مملكة اسبانية موحدة.
واستطال حكم خوان الثانى حتى سنة ١٤٧٩ م، وقد بلغ الثمانين من عمره وكف بصره، فترك العرش لولده فرناندو، الذى قدر له أن يضطلع مع زوجه إيسابيلا، بأعظم دور فى العمل لإنشاء اسبانيا الكبرى.
٣ - اسبانيا النصرانية المتحدة
لما توفى هنرى الرابع ملك قشتالة فى سنة ١٤٧٤ م، ثارت حول وراثة العرش مشكلة دقيقة. ذلك أن الملك هنرى لم يترك سوى ابنة طفلة هى خوانا (جنه). وكانت مع ذلك يشك فى نسبتها إليه، وتنسب أبوتها إلى صديقه وصفيه الدوق بلتران دى لاكويفا، ومن ثم كان اسمها الذائع خوانا بلترانيخا. وكان يناصرها فريق صغير من النبلاء. بيد أن الأميرة إيسابيلا أخت الملك هنرى، كانت بالعكس تتمتع بعطف الشعب القشتالى، ويناصر وراثتها للعرش فريق كبير من النبلاء، وكان أخوها هنرى قد اعترف بحقها فى العرش، وأيدها الكورتيس (مجلس النواب) فى ذلك، عقب وفاة أخيها ألفونسو فى سنة ١٤٦٨ م، ومن ثم فقد كان حقها فى وراثة العرش أمراً واضحاً.
وكانت الملكة إيسابيلا قد تزوجت قبل وفاة أخيها ببضعة أعوام، بابن عمها الأمير فرناندو الأرجونى ولد الملك خوان الثانى. ولهذا الزواج الذى مهد لتوحيد اسبانيا النصرانية قصة طريفة. فقد كانت الأميرة إيسابيلا مذ كبرت مطمح الأنظار لما يؤهلها لعرش قشتالة من الاحتمالات القوية. وكان خوان الثانى ملك أراجون يتوق إلى خطبتها لابنه فرناندو لما يربط أسرتى قشتالة وأراجون من أواصر القربى الوثيقة، ويقرّب سبل الإتحاد بين الفريقين. وكان فرناندو أول المتقدمين لخطبة الأميرة، ولكن أخاها الملك هنرى لم يكن راضياً عن ترشيحه؛ وكان ينافسه فى خطبتها عدة من الأمراء والنبلاء منهم كبير فرسان قلعة رباح، وقد وافق أخوها
стр. 2655
صورة: الملكة إيسابيلا الكاثوليكية عن الصورة المحفوظة بمتحف سان تلمو بإشبيلية.
стр. 2656
الملك هنرى على زواجه منها، ولكنه توفى قبل إتمامه؛ وكذلك خطبها ألفونسو ملك البرتغال وأمراء آخرون، ولكن إيسابيلا رغبت عنهم جميعا، وآثرت بعد إمعان النظر أن تستجيب إلى دعوة ابن عمها فرناندو الأرجونى، لنفس البواعث التى دعت إلى تقدمه إليها، ولأنه يجمع بينهما من الجد بيت ملكى واحد. ووُضعت شروط الزواج بين الفريقين سراً نظراً لمعارضة الملك هنرى، وفيها يتعهد فرناندو بأن يحترم قوانين قشتالة وتقاليدها، وأن يجعل مقر إقامته فيها، وألا يغادرها دون إذن إيسابيلا، وألا يجرى أى قرارات أو تعيينات فى المملكة دون إذنها، وتعهد بالأخص بأن يتابع الحرب ضد المسلمين. وفى أكتوبر سنة ١٤٦٩ عقد الزواج فى مدينة بلد الوليد Valladolid، حيث كانت تقيم الأميرة، فى حفل خاص لم يشهده سوى قليل من الأصدقاء، وأخطرت الأميرة أخاها بعقد الزواج، بكتاب تشرح فيه البواعث التى حدت بها إلى إتمامه. وهكذا حققت أمنية ملك أراجون، وأثبتت الحوادث التالية بُعد نظره، وخطورة مشروعه.
وأُعلنت إيسابيلا عقب وفاة أخيها ملكة لقشتالة وليون، فى شقوبية (١) حيث كانت تقيم، وذلك فى ديسمبر سنة ١٤٧٤ م، وحذت مدن أخرى حذو شقوبية، ولكن الأمر لم يكن هيناً، ذلك أنه كان ثمة فريق من النبلاء يناصر الأميرة خوانا ابنة الملك المتوفى، وكان زوجها فرناندو يطمح فوق ذلك إلى انتزاع العرش لنفسه، باعتباره آخر عقب من الذكور لبيت قشتالة الملكى؛ ولكن إيسابيلا تمسكت بحقها، وانتهى الأمر بينهما بالاتفاق على مزاولة الملك المشترك، تعتبر فيه إيسابيلا ملكة أصلية لقشتالة، لها الرأى الأول فى الجليل من الشئون، ويجرى القضاء وتُسَك العملة باسميهما. وكان خصوم إيسابيلا فى ذلك الحين وعلى رأسهم مطران طليطلة، قد تفاهموا مع ملك البرتغال ألفونسو الخامس، على تأييد سعيهم فى تنصيب خوانا ملكة وهى ابنة أخته، وعلى الاقتران بها. وفى مايو سنة ١٤٧٥ م غزا ملك البرتغال قشتالة بقواته، واخترق هضابها الشمالية حتى مدينة سمورة، وبادر فرناندو وإيسابيلا بالسير فى قواتهما إلى لقائه، واشتبك الفريقان على مقربة من تورو بجوار سمورة، فارتد القشتاليون فى البداية، ولكن ألفونسو لم يبادر إلى الاستفادة من تفوقه، وطال الصراع بين الفريقين بضعة أشهر، وفى النهاية رجحت كفة القشتاليين، واضطر ملك البرتغال أن يرتد أدراجه (فبراير سنة ١٤٧٦ م).
стр. 2657
صورة: الملك فرناندو الخامس (الكاثوليكى) عن الصورة المحفوظة بمتحف سان تلمو بإشبيلية.
стр. 2658
وهكذا انتصر فرناندو وإيسابيلا على خصومهما، واستقرا معا على عرش قشتالة بلا منازع. وفى سنة ١٤٧٩ ارتقى فرناندو عرش أراجون على أثر وفاة أبيه خوان الثانى، وبذلك اتحدت المملكتان الإسبانيتان فى ظل عرش واحد، بعد أن فرقت بينهما المنافسات والخطوب أحقاباً، واجتمعت كلمة اسبانيا النصرانية بعد أن طال افتراقها؛ وبدأت اسبانيا فى ظل فرناندو وإيسابيلا، أو فى ظل الملكين الكاثوليكيين حسبما لُقبا بعد، عصراً من القوة والعظمة والسؤدد، لم تشهده فى تاريخها من قبل، وهو بحق فاتحة عصرها الذهبى.
وكان فرناندو الخامس أو فرناندو الكاثوليكى من أعظم ملوك اسبانيا النصرانية وأوفرهم عزماً وهمة؛ وكان يتمتع بمقدرة فائقة، سواء فى الإدارة أو فى ميادين الحرب والسياسة. بيد أن هذا الجانب الحسن من خلاله، كانت تغشاه صفات سيئة، فقد كان فرناندو أميراً لا وازع له، يجنح فى سياسته إلى الغدر، ومجانبة الوفاء، وكان رجل الفرصة السانحة، يلتمس إلى تحقيق أطماعه العظيمة أى الوسائل، مهما كانت تجانب المبادىء الأخلاقية المقررة، أو مقتضيات الفروسة والوفاء. وسوف نرى كيف تتجلى هذه الخلال البغيضة فى تصرفاته وأساليبه فى معاملة الأمة الأندلسية المغلوبة.
وكانت زوجه الملكة إيسابيلا تتمتع أيضاً بكثير من الذكاء والعزم. وكانت تثير برقتها وتواضعها واحتشامها، حب الشعب القشتالى وإعجابه. بيد أنها كانت تجيش بنزعة دينية عميقة، تذهب أحياناً مذهب التعصب المضطرم، وكانت تقع تحت تأثير الأحبار المتعصبين، وتنزل عند تحريضهم وتوجيههم؛ وكان مشروع غزو مملكة غرناطة والقضاء على الأمة الأندلسية، يذكى فى نفس هذه الملكة الورعة التى تنعت أيضاً "بالكاثوليكية"، أشنع ضروب التعصب، ويحملها على مؤازرة ديوان التحقيق الإسبانى (١)، وإقرار كل ما جنح إلى ارتكابه باسم الدين، من الأعمال والجرائم المثيرة.
وفى الوقت الذى جلس فيه فرناندو وإيسابيلا على عرش اسبانيا القوية الموحدة، كانت مملكة غرناطة تدخل بعد سلسلة طويلة من الحروب الأهلية فى مرحلة النزع الأخيرة. وكان يجلس على عرشها وقتئذ السلطان على أبو الحسن، ولد السلطان
стр. 2659
سعد المستعين بالله. وكانت مملكتا قشتالة وأراجون قد شغلتا مدى حين بطائفة من الإضطرابات والحروب الداخلية، المتعلقة بوراثة العرش وغيرها، مما سبق أن فصلناه فى مواضعه، فلم تسعفهما الفرص للاستمرار فى محاربة المسلمين. ولكن عهد الفتنة والخصومات الداخلية انتهى بجلوس فرناندو وإيسابيلا على عرش المملكة الإسبانية المتحدة. وكان شهر الحرب على مملكة غرناطة، من أهم الأغراض القومية المشتركة التى تعاهد الملكان على الاضطلاع بها، ومن ثم فإنه ما كادت تستقر شئون قشتالة الداخلية، حتى أخذ الملكان "الكاثوليكيان" يستعدان لمحاربة المسلمين بكل ما أوتيا من قوة وعزم.
وهنا نقف فى سرد تاريخ اسبانيا النصرانية، لنعود إلى استئناف حديثنا عن مملكة غرناطة والمأساة الأندلسية.
стр. 2660
الكتاب الثانى
نهاية دولة الإسلام فى الأندلس ٨٦٨ - ٨٩٧: ١٤٦٣ - ١٤٩٢ م .
стр. 2661
الفصل الأوّل
الأندلس على شفا المنحدر
انحلال مملكة غرناطة. ابن الخطيب وشعوره بمصير الأندلس. تشاؤم ابن خلدون. مملكة غرناطة وعون بنى مرين. تربص اسبانيا النصرانية. ولاية السلطان أبى الحسن. أسرة بنيغش. استرداده لبعض الحصون. خروج أخيه أبى عبد الله الزغل عليه. عقد الصلح بينهما. اتحاد اسبانيا النصرانية. العلائق بين غرناطة وقشتالة. فرناندو يطالب بالجزية. أبو الحسن يغزو أرض النصارى. استيلاؤه على قلعة الصخرة. طغيانه وانحرافه. زوجه عائشة الحرة والخلاف حول اسمها. اقترانه بثريا النصرانية. الزواج المختلط وأثره فى انحلال المجتمع الأندلسى. التنافس بين الملكة الشرعية وثريا. اعتقال الأميرة عائشة وولديها. انقسام الزعماء والقادة. استئثار ثريا بالسلطة. سعيها لسحق أبى عبد الله ولد عائشة. فرار الأميرة عائشة وولديها. ظهور دعوتهم فى وادى آش. الحرب بين المسلمين والنصارى. مهاجمة النصارى لمدينة الحامة واستيلاؤهم عليها. فشل أبى الحسن فى إنقاذها. مهاجمة فرناندو لمدينة لوشة. إنجادها وهزيمة النصارى. الثورة فى غرناطة. فر ار أبى الحسن إلى مالقة. جلوس ولده أبى عبد الله على العرش. مسير النصارى إلى مالقة. هزيمتهم الفادحة. خروج أبى عبد الله إلى الغزو. هزيمة المسلمين عند حصن اللسانة. أسر النصارى لأبى عبد الله واقتياده إلى قرطبة. الاضطراب فى غرناطة. نزول أبى الحسن عن العرش لأخيه أبى عبد الله الزغل. السعى إلى افتداء أبى عبد الله. خطة ملكى قشتالة فى استغلاله. معاهدة سرية بين الملكين وأبى عبد الله. تسريح أبى عبد الله والخلاف حوله. ضعف أبى عبد الله. زحف النصارى على رندة واستيلاؤهم عليها. هزيمتهم أمام حصن موكلين. الحرب الأهلية فى غرناطة. ظهور أبى عبد الله فى المنطقة الشرقية. دعوته إلى الصلح مع النصارى. مهاجمة النصارى للوشه واستيلاؤهم عليها. ما يقال عن اشتراك أبى عبد الله فى الدفاع عنها. سقوط الحصون الإسلامية فى يد النصارى. الأنفاط التى استعملت فى حرب عبد الله وعمه الزغل. إمداد فرناندو لأبى عبد الله. مسير فرناندو إلى بلش مالقة. إسراع الزغل إلى إنجادها. سقوطها فى يد النصارى. تأييد غرناطة لأبى عبد الله. ارتداد الزغل إلى وادى آش. انقسام مملكة غرناطة.
- ١ -
وهكذا كانت شمس الأندلس تؤذن بالغروب، وكانت تغرب فى الواقع بخطى وئيدة، ولكن مؤكدة.
ولم يك ثمة شك فى أن هذه المملكة الإسلامية الصغيرة، التى يسودها الخلاف والتفرق، وتعصف بوحدتها ومنعتها الحروب الداخلية، كانت تنتحر ببطىء، وأن هذه الأمة الأندلسية، التى أخذت تنكمش فى مدنها وثغورها القليلة، كانت
стр. 2662
تنظر إلى المستقبل بعين التوجس والجزع، وأن هذه الحياة الباهرة الساطعة التى كانت تحياها بين آن وآخر، كلما تربع على العرش أمير قوى رفيع الخلال، لم تكن إلا سويعات النعماء الأخيرة، فى حياة أمة عظيمة تالدة. وقد كان هذا الشعور يخالج رجالات الأندلس منذ بعيد، حتى قبل أن تتفاقم الأمور، وتغدو مملكة غرناطة ألعوبة فى يد بلاط قشتالة، وكانوا يستشفون من وراء ذلك خطر الفناء المحقق، وكان ابن الخطيب وزير الأندلس ومفكرها الكبير، أشدهم شعوراً بذلك الخطر الداهم، وقد استشعر به قبل وقوعه بأكثر من قرن، فعكف يهيب بقومه وإخوانه المسلمين فيما وراء البحر، ويستنفرهم إلى الجهاد. ومما يخاطبهم به قوله: "أيها الناس رحمكم الله، إخوانكم المسلمون بالأندلس قد دهم العدو قصمه الله ساحتهم، ورام الكفر خذله الله استباحتهم، وزحفت أحزاب الطواغيت عليهم، ومد الصليب ذراعه إليهم، وأيديكم بعزة الله أقوى، وأنتم المؤمنون أهل البر والتقوى، وهو دينكم فانصروه، وجواركم القريب فلا تخفروه، وسبيل الرشد قد وضح فلتبصروه. الجهاد االجهاد، فقد تعين، الجار الجار، قد قرر الشرع حقه وبيّن، الله الله فى الإسلام، الله الله فى أمة محمد ﵇، الله الله فى المساجد المعمورة بذكر الله، الله الله فى وطن الجهاد فى سبيل الله، فقد استغاث الدين فأغيثوه، قد تأكد عهد الله وحاشاكم أن تنكثوه، أعينوا إخوانكم بما أمكن من الإعانة، أعانكم الله عند الشدائد. جددوا عوائد الخير يصل الله لكم جميع العوائد ... أدركوا رمق الدين قبل أن يفوت، بادروا عليل الإسلام قبل أن يموت ... " (١).
ويشير ابن الخطيب فى إحدى رسائله إلى السلطان أبى سالم المرينى ملك المغرب إلى ما تعانيه الأندلس من المحن والأخطار، وينوه باتحاد الملوك النصارى على محاربتها والقضاء عليها فى قوله: "فاعلموا أننا فى هذه الأيام ندافع من العدو تياراً، ونكابر بحراً زخاراً، ونتوقع إلا أن وقى الله تعالى خطوباً كبارا، ونمد اليد إلى الله تعالى انتصاراً، ونلجأ إليه اضطراراً، ونستمد دعاء المسلمين بكل قطر، استعداداً به واستطهاراً" (٢).
стр. 2663
ثم يقول فى رسالة أخرى، مشيراً إلى ما يهدد الأندلس من جراء ذلك من خطر الفناء المحقق: "وقد قرَّت يا مولاى عين العبد بما رأت فى هذا الوطن المراكشى، من وفور حشودكم، وكثرة جنودكم، وترادف أموالكم، وعددكم، زادكم الله من فضله. ولاشك عند عاقل أنكم إن انحلت عروة تأميلِكم، وأعرضتم عن ذلك الوطن، استولت عليه يد عدوه" (١).
وإلى جانب رسائله المنثورة، كان ابن الخطيب، يوجه إلى المسلمين بالمغرب قصائد مؤثره فى الاستنفار للجهاد وإغاثة الأندلس، وإليك نموذج من هذه القصائد:
إخواننا لا تنسوا الفضل والعطفا ... فقد كاد نور الله بالكفر أن يطفا
وإذ بلغ الماء الزبا فتداركوا ... فقد بسط الدين الحنيف لكم كفَّا
تحكم فى سكان أندلس العدا ... فلهفاً على الإسلام ما بينهم لهفا
وقد مزجت أفواهها بدمائها ... فإن ظمئت لا رىَّ إلا الردى صرفا
أنوماً وإغفاءً على سنة الكرى ... وما نام طرف فى حماها ولا أغفا
أحاط بنا الأعداء من كل جانب ... فلا وزرا عنهم وحسدا ولا لهفا
ثغور غدت مثل الثغور ضواحكا ... أقام عليها الكفر يرشفها رشفا
ومنها:
وسيلتنا الإسلام وهو أخوة ... من الملأ الأعلى تقربنا زلفا
أخوفاً وقد لذنا بجاه من ارتضى ... وذلاًّ وقد عذنا بعز من استعفا
فهل ناصر مستبصر فى يقينه ... يحير من استعدا ويكفى من استكفا
ومنتجز فينا من الله وعده ... فلا نكث فى وعد الإله ولا خلفا
وهل بائع فينا من الله نفسه ... فلا مشتر أولى من الله أو أوفى
أفى الله شك بعد ما وضح الهدى ... وكيف لضوء الصبح فى الأفق أن يخفا
وكيف يعيث الكفر فينا ودوننا ... قبائل منكم تعجز الحصر والوصفا
غيوث نوال كلما سئلوا الندى ... ليوث نزال كلما حضروا الزحفا
فقوموا برسم الحق فقد عفا ... وهبوا لنصر الدين فينا فقد أشفا (٢).
ويبدى المؤرخ الفيلسوف ابن خلدون، تشاؤمه وتوجسه، من مصير
стр. 2664
الأندلس فى أكثر من موطن، وهو الخبير بتقلبات الدول ومصايرها، وكان قد زار غرناطة وأقام بها مدى حين، ودرس أحوالها وشئونها (١).
وقد رأينا فيما تقدم كيف كانت مملكة غرناطة، جرياً منها على السياسة الأندلسية المأثورة منذ أيام المرابطين والموحدين، تتجه كلما لاح لها شبح الخطر الداهم من عدوها القوى، ببصرها إلى جارتها المسلمة القوية فيما وراء البحر، أعنى دولة بنى مرين. وكانت صولة الإسلام فى الضفة الأخرى من البحر، تروع اسبانيا النصرانية، وترد عدوانها عن الأندلس بين آونة وأخرى. ولكن صريخ بنى الأحمر إلى ملوك العدوة، لم يكن دائماً بعيداً عن التوجس والريب، ولم يستجب بنو مرين دائماً إلى صريخ الأندلس المحتضرة، وكانت لهم أحياناً مطامع ومشاريع فى الأندلس وقواعدها الجنوبية، تزهد فى غوثهم ونصرتهم. وكانت اسبانيا النصرانية كلما آنست تصرّم العلائق بين الدولتين الشقيقتين، انقضت على الأندلس فاقتطعت منها أرضاً جديدة. ولما أشرفت دولة بنى مرين على الانهيار، وشغلت عُدْوة المغرب بالفتن الداخلية، خبا أمل الأمة الأندلسية، فى تلقى الغوث والإمداد من تلك الناحية، واضطرت مملكة غرناطة أن تعتمد فى الذود عن حياتها، على قواها ومواردها المحدودة، وعلى ما يمكن أن تفيده من تطور الحوادث فى اسبانيا النصرانية. ولم تأت فاتحة النصف الأخير من القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى)، حتى غدت غرناطة وقد انتزعت معظم أطرافها من الغرب والجنوب، وأحاطت بها قوى النصرانية من كل صوب، تدبر عدتها الأخيرة للقضاء عليها.
- ٢ -
لما توفى السلطان سعد بن محمد بن يوسف النصرى فى أواخر سنة ٨٦٨ هـ (١٤٦٣ م) كان ولده الأكبر علىّ أبو الحسن الملقب بالغالب بالله (٢) متربعاً على عرش غرناطة قبل ذلك بأكثر من عام، وكان أبو الحسن يومئذ فتى فى نحو الثلاثين من عمره، لأنه ولد قبل سنة ٨٤٠ هـ، حسبما يحدثنا الرحالة المصرى الذى سبقت الإشارة إليها (٣). بيد أنه لم يستخلص الملك لنفسه إلا بعد نضال عنيف بينه وبين منافسيه، وعلى رأسهم أخواه يوسف أبو الحجاج والسيد أبو عبد الله محمد
стр. 2665
المعروف "بالزغل"، وقد توفى يوسف قبل بعيد، وبقى "الزغل" ليخوض حياة حافلة بالأحداث والمحن. وكان أبو الحسن أميراً وافر الشجاعة والعزم، ويعشق الحرب والجهاد، وكانت له أيام أبيه غزوات موفقة فى أرض النصارى. وما كاد يستقر فى عرشه، حتى أبدى همة فائقة فى تحصين المملكة، وتنظيم شئونها، وبث فيها روحاً جديدة من القوة والطمأنينة، واستطاع أن يسترد عدة من الحصون والقواعد التى استولى عليها النصارى. وتولى وزارته، وزير أبيه من قبل، القائد أبو القاسم بن رضوان بنّيغش (١). وكان هذا الوزير، مثل سلفه الحاجب رضوان النصرى، سليل أسرة نصرانية، وأسر جده فى بعض المعارك، ورُبى فى كنف الدار السلطانية، وتبوأت أسرته بين الأسر الغرناطية مكانة رفيعة، واشتركت فى كثير من حوادث غرناطة السياسية، وتولت الوزارة.
وفى أوائل حكمه خرج عليه أخوه أبو عبد الله "الزغل" (٢) وكان يومئذ والياً لمالقة، وكان يضارعه فى الشجاعة والجرأة وحب النضال. ولجأ الزغل إلى عون ملك قشتالة هنرى الرابع يستنصره على أخيه، ولقيه فى محلته فى ظاهر أرشدونة، سنة ٨٧٤ هـ (١٤٦٩ م) فوعده بالعون والتأييد. وبادر السلطان أبو الحسن من جانبه بالإغارة على أراضى قشتالة (١٤٧٠ م). ثم عاد فى العام التالى فغزاها مرة أخرى، وانتزع من النصارى بعض المواقع التى استولوا عليها. وشغل أبو الحسن فى الأعوام الثلاثة التالية بمحاربة أخيه أبى عبد الله الزغل، الثائر عليه. وكان النضال سجالا بينهما. وشغل أبو الحسن بذلك عن غزو أرض النصارى. وشغل القشتاليون أنفسهم بما نشب بينهم من الخلاف الداخلى، وذلك حتى وفاة ملكهم هنرى الرابع فى سنة ١٤٧٤ م.
وفى تلك الأثناء خرجت مالقة عن طاعة أبى الحسن، حيث ثار بها القائد محمد الفرطوسى، وانضم إليه كثير من القواد والأجناد، فسار أبو الحسن إلى مالقة وحاصرها غير مرة، ولكنه لم يفلح فى إخماد الثورة، واستدعى القواد الثائرون أخاه أبا عبد الله محمد بن سعد (الزغل)، وكان يومئذ بقشتالة، وأعلنوه ملكاً عليهم، وانقسمت المملكة بذلك إلى شطرين متخاصمين (٣).