← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

الفصل السابع مملكة غرناطة فى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى وذروة الصراع بين بنى مرين واسبانيا النصرانية ولاية السلطان أبى الوليد اسماعيل. زحف القشتاليين على غرناطة. هزيمتهم ومقتل أمرائهم. سوء الأحوال فى قشتالة. تجديد الصلح بين غرناطة وأراجون. غزوات المسلمين فى أراضى النصارى. مقتل السلطان إسماعيل وخلاله. ولاية ولده أبى عبد الله محمد. بطشه بوزيره ابن المحروق. الخلاف بينه وبين شيوخ الغزاة. الحاجب أبو النعيم رضوان. استنجاد ملك غرناطة بملك المغرب. أبو الحسن يرسل الأمداد مع ولده. غزو الأندلسيين للجزيرة الخضراء. حصارهم لجبل طارق واسترداده من النصارى. المؤامرة على السلطان ومصرعه. السلطان أبو الحجاج يوسف. نكبته لبنى العلاء. الحاجب رضوان وخلاله. استئثاره بالسلطة. نفيه وعوده إلى الوزارة. الوزير ابن الجياب. بداية ظهور ابن الخطيب. تحرش القشتاليين بالمسلمين. قدوم الأمداد من المغرب. هزيمة المغاربة ومقتل قائدهم. عبور السلطان أبى الحسن إلى الأندلس. موقعة سالادو وهزيمة المسلمين. سقوط طريف والجزيرة الخضراء فى يد النصارى. مسير السلطان أبى الحسن للمرة الثانية. هزيمته فى البر والبحر. تبادل المكاتبة والسفارة بين أبى الحسن وسلطان مصر. تجديد الصلح مع أراجون. الوباء الكبير. عود القشتاليين إلى الغزو. حصارهم لجبل طارق. تفشى الوباء بين النصارى ومصرع ملك قشتالة. نجاة جبل طارق. أقوال ابن الخطيب. وصف ابن بطوطة لحوادث الأندلس وأحوالها. مصرع السلطان أبى الحجاج يوسف. وصف ابن الخطيب للحادث. خلال يوسف. استعراض للعلائق بين بنى الأحمر وبنى مرين. جلس السلطان أبو الوليد اسماعيل على عرش غرناطة فى شوال سنة ٧١٣ هـ (١٣١٤ م)، وامتاز عصره بتوطد الملك، واستقرار الأمور، وإحياء عهد الجهاد. وفى أوائل عهده غزا القشتاليون كعادتهم بسائط غرناطة واستولوا على عدة من القواعد والحصون، وهزموا المسلمين هزيمة شديدة فى وادى فرتونة (٧١٦ هـ). ولما رأى القشتاليون نجاح غزوتهم اعتزموا منازلة الجزيرة الخضراء والاستيلاء عليها ليحولوا دون وصول الأمداد إلى المسلمين من عدوة المغرب. ولكن السلطان إسماعيل بادر إلى تحصينها وجهز الأساطيل لحمايتها من البحر، فعدل القشتاليون عن مشروعهم، وعولوا على مهاجمة الحاضرة الإسلامية ذاتها. وبادر ابن الأحمر بطلب الغوث والإمداد من السلطان أبى سعيد سلطان المغرب، فنكل عن معاونته،

стр. 2592

وطالب بتسليم عثمان بن أبى العلاء لما كان منه فى حق بنى مرين، فأبى ابن الأحمر خشية العواقب؛ وزحف القشتاليون على غرناطة بجيش ضخم، يقوده الدون بيدرو (دون بطره) والدون خوان الوصيان على ألفونسو الحادى عشر ملك قشتالة، ومعهما عدة من الأمراء القشتاليين، وفرقة من المتطوعة الإنجليز بقيادة أمير إنجليزى، فبادر المسلمون إلى لقائهم فى هضبة إلبيرة على مقربة من غرناطة. وكان الجيش الغرناطى لا يجاوز ستة أو سبعة آلاف جندى منهم نحو ألف وخمسمائة فارس، ولكنهم صفوة المقاتلة المسلمين، وكان قائده شيخ الغزاة أبو سعيد عثمان بن أبى العلاء، جنديا جريئاً وافر العزم والبسالة، فلم ترعه كثرة الجيش المهاجم، وعول فى الحال على لقائه فى معركة حاسمة. وفى ٢٠ من ربيع الثانى سنة ٧١٨ هـ (مايو سنة ١٣١٨ م) التقى فرسان الأندلس بطلائع النصارى وردوهم بخسارة فادحة. ثم زحف أبو سعيد فى نخبة من جنده، ونشبت بين الفريقين موقعة شديدة، كانت الدائرة فيها على القشتاليين، فمزقوا شر ممزق، وقتل منهم عدد جم، بينهم دون بيدرو ودون خوان، ورهط كبير من الأمراء والنبلاء والأحبار، وغرق منهم عند الفرار فى نهر شنيل عدة كبيرة، وأسر منهم بضعة آلاف، واستمر القتال والأسر فيهم ثلاثة أيام. وخرج أهل غرناطة فرحين مستبشرين، يجمعون الأسلاب والأسرى، وظفر المسلمون بغنائم عظيمة، منها مقادير كبيرة من الذهب والفضة. وكان على العموم نصراً مشهوداً أعاد ذكرى الجهاد المجيد. وكان معظم الفضل فى إحرازه يرجع إلى الجند المغاربة وإلى شيوخهم بنى العلاء الذين تزعموا الجيوش الأندلسية، وتولوا قيادتها فى تلك الفترة حسبما أسلفنا. ويعلل ابن خلدون ظهور القادة والجند المغاربة فى ميدان الجهاد بقرب عهدهم بالتقشف والبداوة. ووضع المسلمون جثة الدون بيدرو فى تابوت من ذهب على سور الحمراء تنويهاً بالنصر، وتخليداً لذكرى الموقعة (١). والواقع أن مملكة قشتالة كانت فى أوائل القرن الرابع عشر فى حالة سيئة، وقد نفدت مواردها من الرجال والأمول، بسبب الحروب والثورات المتواصلة، والمرض والقحط، وكان إسراف البلاط وبذخ الخلائل، واختلاس الموظفين، ومطالب رجال الدين، وجشع الأشراف، تستنفد الأموال العامة، وكانت

стр. 2593

صورة معاهدة الصلح التى عقدت بين السلطان أبى الوليد اسماعيل بن فرج بن نصر ملك غرناطة، وخايمى الثانى ملك أراجون فى ربيع الثانى سنة ٧٢١ هـ (مايو ١٣٢١ م) وهى محفوظة بدار محفوظات التاج الأرجونى ببرشلونة برقم ١٥١.

стр. 2594

الإدارة المالية فى يد اليهود ورجال الكنيسة وكلاهما يناوىء الآخر، ويعمل على إحباط مساعيه؛ وكانت الوصايات المتعاقبة، وما تعمد إليه من اغتصاب الأموال، وسوء استعمال السلطة، وفساد القضاء، وتطاول الخلائل الملكية، وسحق الحقوق العامة والخاصة، وتفشى الجريمة، تثير غضب الشعب وسخطه؛ وكان اللون الصليبى للحروب الإسبانية فى ذلك العصر يوطد نفوذ جماعات الفرسان الدينية العديدة، وهى التى كانت فى الواقع توجه مصاير الحرب والسياسة، بيد أنها كانت تخفى تحت ستار الدين رذائل كثيرة من الفجور والجشع والارتشاء وغيرها (١). وفى سنة ٧٢١ هـ (١٣٢١ م) جدد السلطان إسماعيل معاهدة الصلح مع ملك أراجون خايمى الثانى وذلك تحقيقاً لرغبته؛ ونص فى المعاهدة الجديدة على أن يعقد بين الفريقين صلح ثابت لمدة خمسة أعوام، تؤمن خلالها أرض المسلمين بالأندلس وأرض أراجون تأميناً تاماً براً وبحراً، وأن تباح التجارة لرعايا كل من الفريقين فى أرض الآخر، وأن يتعهد كل من الملكين بمعاداة من يعادى الآخر، وأن لا يأوى له عدواً أو يحميه، وأن تكون سفن كل فريق وشواطئه ومراسيه آمنة، وأن يسرح كل فريق من يؤسر فى البحر من رعايا الفريق الآخر. وتضمنت المعاهدة أيضاً نصاً خاصاً بتعهد ملك أراجون بألا يمنع خروج المدجّنين من أراضيه إلى أرض المسلمين بأهلهم وأولادهم وأموالهم، وهو نص يلفت النظر، إذ كان المدجنون فى هذا العصر يؤلفون أقليات كبيرة فى بلنسية ومرسية وشاطبة وغيرها من القواعد الشرقية، وكان ملوك أراجون يحرصون على بقائهم وعدم هجرتهم لأسباب اقتصادية وعمرانية (٢). وعلى أثر موقعة إلبيرة تعاقبت غزوات المسلمين فى أراضى النصارى وعادت الدولة الإسلامية الفتية تجوز عهداً من القوة بعد أن لاح أنها شارفت طور الفناء. ففى سنة ٧٢٤ هـ (١٣٢٤ م) زحف السلطان إسماعيل على مدينة بيَّاسة الحصينة وحاصرها بشدة، وأطلق المسلمون عليها الحديد والنار من آلات قاذفة تشبه المدافع حتى سلمت. وفى رجب من العام التالى (٧٢٥ هـ) سار اسماعيل إلى مرتش واستولى عليها عنوة، وكانت أعظم غزواته، وامتلأت أيدى المسلمين بالسبى والغنائم. ثم عاد السلطان إلى غرناطة مكللا بغار النصر. بيد أنه لم تمض على عوده

стр. 2595

ثلاثة أيام حتى قتل بباب قصره غيلة، وكان قاتله ابن عمه محمد بن إسماعيل صاحب الجزيرة، وقد حقد عليه لأنه انتزع منه جارية رائعة الحسن، ظفر بها فى موقعة مرتش، وبعث بها إلى حريمه بالقصر. ولما عاتبه محمد رده بجفاء وأنذره بمغادرة البلاط، فتربص به وطعنه بخنجره وهو بين وزرائه وحشمه، فحمل جريحاً حيث توفى على الأثر، وكان مصرعه فى السادس والعشرين من رجب سنة ٧٢٥ هـ (يونيه سنة ١٣٢٥ م). وكان السلطان إسماعيل يتمتع بخلال باهرة، وكان يشتد فى إخماد البدع وإقامة الحدود. وفى عهده حرمت المسكرات وطورد الفساد الأخلاقى، وحرم جلوس الفتيات فى ولائم الرجال، وعومل اليهود بشىء من الشدة، وألزموا أن يتخذوا لهم شعاراً خاصاً بهم، وهو عبارة عن العمائم الصفراء (١). فخلفه ولده أبو عبد الله محمد وهو فتى يافع لم يجاوز الحادية عشرة من عمره، وكانت أمه نصرانية تدعى علوة، وأخذ له البيعة وزير أبيه أبو الحسن بن مسعود، وقام بكفالته بضعة أشهر حتى توفى، ثم خلفه فى الوزارة وكيل أبيه محمد بن أحمد ابن المحروق، فاستبد بالأمور واستأثر بكل سلطة؛ فحقد عليه السلطان الفتى وكان رغم حداثته مقداما قوى النفس، ولم يلبث أن بطش بوزيره المتغلب عليه، فقتل بأمره فى المحرم سنة ٧٢٩ هـ. وكان من أوائل أعماله تجديد معاهدة الصداقة مع أراجون، وكان ملكها خايمى الثانى قد أوفد إليه سفيره يطلب إليه تجديد معاهدة الصلح والصداقة التى عقدت بينه وبين أبيه، وانقضى أجلها المحدد بانقضاء أعوامها الخمسة، فوافق السلطان على تجديدها بسائر نصوصها وشروطها، ووقعت المعاهدة الجديدة فى جمادى الثانية سنة ٧٢٦ هـ (مايو سنة ١٣٢٦ م) (٢). ولأول عهده نشب الخلاف بينه وبين شيوخ الغزاة المغاربة، وعلى رأسهم عثمان بن أبى العلاء، وامتنعوا ببعض الثغور الجنوبية ولاسيما ألمرية، وانضم إليهم عم السلطان، محمد بن فرج بن إسماعيل، فقاموا بدعوته، ونشبت بين الفريقين عدة مواقع محلية، كان النصر فيها سجالا بينهما. وانتهز القشتاليون كعادتهم تلك

стр. 2596

الفرصة، فأثخنوا فى الأراضى الإسلامية، واستولوا على ثغر بيره وعدة من الحصون (١). ولما تفاقم عيث النصارى آثر السلطان التفاهم مع الخوارج عليه، وعقدت بينهما الهدنة على أن يستقروا بوادى آش باسمه وتحت طاعته. وتولى تدبير الأمور بعد مقتل ابن المحروق، الحاجب أبو النعيم رضوان النصرى، فهدأت الفتنة واستقرت الأمور نوعاً. ولكن ابن الأحمر كان يتوجس شراً من اضطراب الأحوال فى مملكته ومن تربص النصارى بها، ورأى أن يتجه بصريحه إلى بنى مرين مرة أخرى، وكانت العلائق يومئذ على صفائها بين غرناطة وفاس. وكان بنو مرين حينما شغلوا بشئونهم الداخلية قد تركوا الجزيرة وحصونها لابن الأحمر (سنة ٧١٢ هـ)، فلما اشتدت وطأة النصارى على غرناطة، عاد ابن الأحمر فنزل عن الجزيرة إلى ملك المغرب السلطان أبى سعيد (سنة ٧٢٩ هـ)، لتكون رهينة ومنزلا للأمداد المرجوة من وراء البحر؛ ولكن النصارى استولوا على معظم حصونها، وأضحى طريق الجواز ولاسيما بعد ضياع جبل طارق عسيراً محفوفاً بالمخاطر. وعبر ابن الأحمر البحر فى أواخر سنة ٧٣٢ هـ إلى عدوة المغرب، وقصد إلى فاس مستنجداً بملك المغرب، السلطان أبى الحسن على بن عثمان بن أبى يعقوب المرينى، فاستقبله السلطان بمنتهى الحفاوة، وشرح له ابن الأحمر ما انتهت إليه شئون الأندلس، وما ترتب على سقوط جبل طارق من قطع صلة الوصل بين المملكتين، ورجاه الغوث والعون. والواقع أن استيلاء النصارى على جبل طارق فى سنة ٧٠٩ هـ (١٣١٠ م) كان أعظم نكبة منيت بها الأندلس منذ سقوط قواعدها الكبرى. وقد شعرت حكومة غرناطة بفداحة النكبة، وازداد منذ وقوعها توجسها من المستقبل. ولقد أتيح لنا أن نزور هذه الصخرة الهائلة، وأن نشهد مبلغ روعتها ومنعتها. وكان المسلمون قد جددوا تحصيناتها فى منتصف القرن السادس الهجرى حينما عبر إليها خليفة الموحدين عبد المؤمن بن على (٥٥٥ هـ)، وأسماها جبل الفتح، وأمر بتجديد حصنها الذى ما يزال قائماً حتى اليوم فوق الصخرة من ناحيتها الشمالية. وكان سلطان غرناطة يتوق إلى استرداد هذا المعقل المنيع درع مملكته من الجنوب. وكان السلطان أبو الحسن مشغوفاً بالجهاد واستئناف ما تصرم من أسبابه. وكان فوق اضطرامه بعاطفة الجهاد، يرى خطر اسبانيا النصرانية يلوح داهماً ليس على الأندلس فقط،

стр. 2597

صورة وثيقة عقدت بين السلطان أبى عبد الله محمد بن إسماعيل وخايمى الثانى ملك أراجون بتجديد معاهدة الصلح التى عقدت بين والده وخايمى فى سنة ٧٢١ هـ، مؤرخة فى جمادى الثانية سنة ٧٢٦ هـ (١٣٢٦ م) ومحفوظة بدار محفوظات التاج الأرجونى ببرشلونة برقم ١٥٤.

стр. 2598

بل وعلى المغرب أيضاً. ذلك لأن الأندلس أخذت تبدو من ذلك الحين جناح المغرب، وخطه الدفاعى الأول من الشمال، ولابد من تأمين هذا الخط والسهر على سلامته، وذلك بدعم قوة الأندلس وتأييدها، ورد خطر النصارى عنها. ومن ثم فقد استجاب أبو الحسن لدعوة ابن الأحمر وبعث معه الأمداد بقيادة ولده أبى مالك، لمنازلة جبل طارق وافتتاحها، وتلاحقت فى أثرهم السفن تحمل المدد والعُدد والمؤن. وحشد ابن الأحمر قواته، وزحف على الجزيرة واستولى عليها. وطوق المسلمون جبل طارق من البر والبحر، ورابط أسطول المغرب فى مياه المضيق ليحول دون وصول الأمداد إلى النصارى، وهرع ملك قشتالة (ألفونسو الحادى عشر) فى قوة من الفرسان لإنجاد الحامية المحصورة، فبادر ابن الأحمر إلى مهاجمة النصارى، وهزمهم أمام جبل طارق تجاه البرزخ الإسبانى. وكان أكبر الفضل فى إحراز هذا النصر راجعاً إلى همة الحاجب رضوان النصرى وإقدامه وبراعته. ثم شدد المسلمون الحصار على الثغر، وقطعوا كل صلاته من البر والبحر، فلم تمض بضعة أسابيع حتى ساءت حال الحامية النصرانية، واضطرت إلى التسليم قبل مقدم الجيش القشتالى. وبذلك استعاد المسلمون الثغر المنيع فى أواخر سنة ٧٣٣ هـ (١٣٣٣ م) بعد أن لبث فى حوزة النصارى أربعة وعشرين عاماً، وكان أكبر الفضل فى استرداده راجعاً إلى معاونة السلطان أبى الحسن فى البر والبحر. ولما رابط المسلمون والنصارى فى الميدان وجهاً لوجه، ورأى ملك قشتالة أنه لا أمل فى كسب معركة انتهت فعلا بظفر المسلمين، آثر الصلح، وانتهى الأمر بعقد الهدنة بين الملكين (١). واعتزم السلطان محمد بن اسماعيل (ابن الأحمر) العودة بجنده إلى غرناطة، ولكنه ما كاد يغادر جبل طارق فى اليوم التالى عائداً إلى عاصمة ملكه، حتى اغتاله فى الطريق جماعة من المتآمرين بتحريض بنى أبى العلاء، (ذى الحجة سنة ٧٣٣ هـ). وكان أولئك القواد المغاربة وعلى رأسهم شيخهم عثمان ابن أبى العلاء قد استفحل أمرهم فى الدولة، وأخذوا ينازعون السلطان فى أمر تصرفاته، ولما توفى شيخ الغزاة عثمان ابن أبى العلاء فى سنة ٧٢٩ هـ عين مكانه فى المشيخة ولده أبو ثابت عامر، فاستمر يمارس سلطان أبيه ونفوذه، وتدخله فى شئون الدولة، وكان يؤازره إخوته إدريس، ومنصور، وسلطان. وبدأ ابن الأحمر

стр. 2599

يتبرم بتدخلهم واستبدادهم، وكان حينما عبر السلطان أبو الحسن قد خاطبه فى شأنهم وفى سبيل الخلاص منهم، واستراب بنو العلاء منه وتوجسوا شراً، فاتمروا به للتخلص منه قبل أن يبطش بهم، ولحق به المتآمرون حين عوده واغتالوه طعناً بالرماح، وتركت جثته فى العراء حيناً حتى نقلت بعد ذلك إلى مالقة ودفنت بها (١). - ٢ - وولى العرش من بعده أخوه أبو الحجاج يوسف بن أبى الوليد إسماعيل، وهو فتى فى السادسة عشرة. وكان من أعظم ملوك بنى نصر وأبعدهم همة وأرفعهم خلالا. وكان عالماً شاعراً يحمى الآداب والفنون، وهو الذى أضاف إلى قصر الحمراء أعظم منشآته وأروعها. وما كاد يتبوأ العرش حتى عنى بتتبع بنى أبى العلاء قتلة أخيه، وتجريدهم من وظائفهم وتمزيق عصبتهم والقبض على شيوخهم، وكان ذلك فى الوقت نفسه تحقيقاً لرغبة السلطان أبى الحسن. ثم نفاهم فى السفن إلى تونس، وانتهت بذلك رياستهم بالأندلس، بعد أن طالت زهاء نصف قرن، ولما نزلوا على سلطان تونس أبى يحيى الحفصى، طالب السلطان أبو الحسن بتسليمهم فأرسلهم إليه أبو يحيى ولكن مع طلب الشفاعة فيهم، فعفا عنهم أبو الحسن، وأكرم مثواهم مدى حين، ولكنه عاد فقبض عليهم بتهمة التآمر عليه، وأودعهم ظلام السجن (٢). وعهد السلطان أبو الحجاج بمشيخة الغزاة، بعد سحق بنى أبى العلاء على النحو المتقدم، إلى زعيم آخر من قرابة بنى مرين هو يحيى بن عمر بن رحّو، فاضطلع بها على خير وجه، ولبث مضطلعاً بها طول عصر أبى الحجاج. وقام بتدبير الأمور للسلطان أبى الحجاج وزير أخيه الحاجب أبو النعيم رضران، وكان هذا الوزير القوى الذى لعب فى تاريخ غرناطة دوراً ذا شأن، من أصل نصرانى قشتالى أو قطلونى، وسبى طفلا فى بعض المواقع، فأخذ إلى الدار السلطانية، ونشأ فى بلاط السلطان أبى الوليد إسماعيل (٣). وظهرت نجابته وصفاته الممتازة، فعهد إليه بتربية ولده أبى عبد الله محمد. ولما تولى محمد الملك بعد أبيه تولى وزارته الحاجب رضوان، فأظهر فى تدبير الشئون كفاية ممتازة، وقاد بعض

стр. 2600

الغزوات الناجحة إلى أرض النصارى، فغزا فى سنة ٧٣٢ هـ أراضى قشتالة شرقاً حتى لورقة ومرسية وعاث فيها، وفى العام التالى غزا مدينة باغة واستولى عليها (١). ولما تولى الملك السلطان يوسف وقع الإجماع على اختياره للوزارة، واستقرت الأمور فى عهده وساد الأمن والرخاء. وينوه ابن الخطيب - وهو معاصر الحاجب وصديقه - بصفاته ومواهبه ويسميه " حسنة الدولة النصرية، وفخر مواليها". ويصفه فيما يلى: "وكان أصيل الرأى رصين العقل، كثير التجمل، عظيم الصبر، قليل الخوف فى العيهات، ثابت القدم فى الأزمات، ميمون النقيبة، عزيز النفس عالى الهمة، بادى الحشمة، آية فى العفة، مثلا فى النزاهة". وكان من أعظم مآثره انشاء مدرسة (جامعة) غرناطة الشهيرة. فأقام لها صرحا فخما، ووقف عليها أوقافا جليلة وغدت غير بعيد من أعظم مناهل العلم فى الأندلس والمغرب (٢)، وأمر ببناء السور الأعظم حول ربض البيازين، وأنشأ عدداً كبيراً من الأبراج الدفاعية، وأصلح كثيراً من الحصون الداخلية؛ ولكنه كسائر المتغلبين على السلطان، استبد بالأمر واستأثر بكل سلطة. فلما شعر السلطان يوسف باشتداد وطأته، وكثرت السعايات فى حقه، نكبه وأمر باعتقاله ونفيه إلى ألمرية، وذلك فى رجب سنة ٧٤٠ هـ. ولكنه اضطر إلى أن يعيده إلى الوزارة بعد ذلك ببضعة أشهر، حينما شعر بالفراغ الذى أحدثه تنحيه عن تدبير الشئون، فاستمر فى منصبه حتى نهاية عهده (٣). وكان من بين وزراء السلطان يوسف، الكاتب والشاعر الكبير الرئيس أبو الحسن علىّ بن الجياب؛ وقد تقلب فى ديوان الإنشاء حتى ظفر برياسته. وكان من زملائه وأعوانه فى ديوان الإنشاء عبد الله بن الخطيب والد لسان الدين. ولما توفى عبد الله خلفه فى خدمة القصر ولده لسان الدين، وغدا أميناً لابن الجياب. فلما توفى ابن الجياب سنة ٧٤٩ هـ فى الوباء الكبير خلفه فى الوزارة، وبزغ نجم مجده من ذلك الحين. وفى عهد السلطان يوسف كثرت غزوات النصارى لأراضى المسلمين، وكان ألفونسو الحادى عشر تحدوه نحو المملكة الإسلامية أطماع عظيمة. ولما شعر يوسف

стр. 2601

باشتداد وطأة القشتاليين، وضعف وسائله فى الدفاع، أرسل يستنجد بالسلطان أبى الحسن علىّ بن عثمان ملك المغرب، فأرسل الأمداد للمرة الثانية إلى الأندلس مع ولده الأمير أبى مالك، فاخترق سهول الجزيرة الخضراء معلناً الجهاد. وتوجست اسبانيا النصرانية من مقدم الجيوش المغربية شراً، واعتزمت أن تواجه الغزاة فى قواها المتحدة، فسار أسطول مشترك من سفن قشتالة وأراجون والبرتغال، إلى مياه جبل طارق، بقيادة الدون جوفرى تنوريو ليمنع الأمداد عن جيوش المغرب، وبارك البابا الحملة، وسارت قوى اسبانيا المتحدة للقاء المسلمين. وكان أبو مالك فى تلك الأثناء قد زحف إلى أراضى النصارى، واجتاح سهل بجانة (١) وحصل على غنائم لا تحصى؛ وهنا فاجأه الإسبان قبل أن يستطيع الارتداد إلى أراضى المسلمين، ونشبت بين الفريقين معركة دموية هزم فيها المسلمون هزيمة شديدة وقتل أبو مالك، وكان ذلك فى أواسط سنة ٧٤٠ هـ (١٣٣٩ م). وعندئذ عوّل السلطان أبو الحسن على العبور بنفسه إلى الأندلس، ليثأر لتلك الهزيمة المؤلمة، فجهز الجيوش والأساطيل الضخمة، وبلغ أسطول المغرب يومئذ مائة وأربعين سفينة منها عدد كبير من السفن الحربية، وجاز السلطان البحر إلى الأندلس فى أوائل المحرم سنة ٧٤١ هـ (يوليه سنة ١٣٤٠ م) ونزل بسهل طريف ولحق به السلطان يوسف فى قوات الأندلس. وكانت الجيوش الإسبانية قد نفذت يومئذ إلى أعماق مملكة غرناطة، ووصلت إلى بسائط الجزيرة الخضراء، ورابط الأسطول النصرانى فى مياه المضيق بين المغرب والأندلس، ليمنع قدوم الأمداد والمؤن، وضرب النصارى الحصار حول ثغر طريف وتغلبوا على حاميته، ومضت أشهر قبل أن يقع اللقاء الحاسم بين الفريقين؛ فشحت الأقوات بين المسلمين، ووهنت قواهم. وكان الجيش الإسلامى يرابط عندئذ فى السهل الواقع شمال غربى طريف على مقربة من نهر "سالادو" الصغير الذى يصب فى المحيط الأطلنطى عند بلدة كونيل التى تبعد قليلا عن رأس طرف الغار. وفى يوم ٣٠ أكتوبر سنة ١٣٤٠ (جمادى الأولى سنة ٧٤١ هـ) نشبت بين الفريقين معركة عامة على ضفاف نهر سالادو، وتولى السلطان أبة الحسن قيادة جيشه بنفسه، وتولى السلطان يوسف قيادة فرسان الأندلس، ويقال إن الأندلسيين كانت لديهم فى تلك الموقعة آلات تشبه المدافع، وهى الآلات التى تطورت فيما بعد وكانت تسمى "بالأنفاط".

стр. 2602

وتقدم ألفونسو الحادى عشر بجيشه لمهاجمة المغاربة، فصد فى البداية بقوة، واشتبك فرسان الأندلس مع جيش البرتغال. ولكن حدث عندئذ أن تسللت حامية طريف النصرانية من الجنوب وانقضت على مؤخرة الجيش الإسلامى، فدب الخلل إلى صفوفه، ونشبت بين الفريقين معركة هائلة سالت فيها الدماء غزيرة، وقتل من المسلمين عدد جم، وسقط معسكر سلطان المغرب الخاص فى يد النصارى وفيه حريمه وحشمه وبعض أولاده، فذبحوا جميعاً على الأثر بوحشية مروعة، وانتثرت قوات المسلمين وبددت؛ وفر السلطان أبو الحسن، واستطاع أن يعبر إلى المغرب مع فلوله؛ وارتد السلطان يوسف إلى غرناطة، وكانت محنة عظيمة لم يشهد المسلمون مثلها منذ موقعة "العقاب" (١) وكان لها أعمق وقع فى المغرب والأندلس (٢). وانتهز ملك قشتالة فرصة ظفره وضعف المسلمين، فغزا قلعة بنى سعيد أو قلعة يحصب من أحواز غرناطة واستولى عليها بعد حصار قصير (٧٤٢ هـ) (٣). وكان ملك المغرب فى أثناء ذلك يضطرم ظمأً للانتقام، ويحشد قواته من جديد. ولما كملت أهبته أرسل أساطيله إلى مياه المضيق، وسار بالجيش إلى سبتة، وبادر ملك قشتالة من جانبه بإرسال أسطوله للقاء المسلمين، ونشبت بين الفريقين معركة بحرية هزم فيها المسلمون ومزق أسطولهم (٧٤٣ هـ - ١٣٤٢ م). وحاصر النصارى ثغر الجزيرة الخضراء، وسار السلطان يوسف فى جيشه لإنجاد الثغر المحصور، وكان جيشه مجهزاً بالآلات القاذفة الجديدة التى تشبه المدافع، ولكنه لم يفلح واضطر المسلمون إلى التسليم، وبذلك أضحى الثغران الجنوبيان المشرفان على مضيق

стр. 2603

جبل طارق وهما الجزيرة وطريف فى أيدى النصارى، ولم يبق فى يد المسلمين سوى جبل طارق تؤدى مهمة الوصل بين المغرب والأندلس. وكانت هذه الأحداث الخطيرة التى وقعت بالأندلس بين النصارى والسلطان أبى الحسن، موضوعاً لمكاتبات سياسية، بين بلاط مراكش وبلاط القاهرة. وكان ثمة بين ملوك مصر والمغرب منذ قيام دولة بنى مرين سفارات ومكاتبات ودية متصلة. ففى سنة ٧٣٩ هـ أرسل السلطان أبو الحسن إلى السلطان الناصر محمد بن قلاوون ملك مصر والشام، سفارة من بعض أكابر دولته، وبرفقتهم والدة أخت السلطان الأميرة الحرة تريد الحج، ومعهم هدية فخمة من عتاق الخيل ونفيس المتاع والحلى قدرت بأكثر من مائة ألف دينار، ومصحف كتبه السلطان بيده، وزين بماء الذهب ووضع فى إطار فخم من الأبنوس والصندل، ليودع فى الحرم الشريف، فاستقبلهم الملك الناصر بالقاهرة أعظم استقبال وجهزهم بكل ما يلزم، وأرسل إلى ملك المغرب هدية جليلة (١). ثم عاد السلطان أبو الحسن، فكتب على أثر هزائمه أمام النصارى فى البر والبحر، إلى سلطان مصر الملك الصالح بن الملك الناصر بن قلاوون، كتاباً ينوه بما كان بينه وبين والد السلطان من رسائل الود، ويبسط له ما وقع من استغاثة أهل الأندلس به وإعداده الأساطيل لقتال النصارى، ثم مفاجأة النصارى لسفنه فى البحر بأساطيل قوية، وزحفهم على الجزيرة الخضراء ومحاولة إنجادها عبثاً، ومعاونته لصاحب الأندلس بالمال والرجال، واستطالة الحرب ونفاد الأقوات، واضطراره إلى عقد الصلح مع النصارى على تسليم الجزيرة، وما فتحه الله من أخذ جبل طارق قبل ذلك، وأنه ما زال يتأهب للجهاد بعد عوده. وقد كتب هذا الكتاب فى صفر سنة ٧٤٥ هـ (١٣٤٤ م). ورد ملك مصر على كتاب ملك المغرب، فى رمضان سنة ٧٤٥ هـ، بكتاب رقيق يبدى فيه أسفه على سقوط الجزيرة الخضراء، ويعزيه عن فقد أسطوله وما نزل به من هزائم، ويقول إن الحرب سجال، وإن فى سلامته الكفاية، وإن الله قد يمن عليه بالظفر مرة أخرى، ويبدى اغتباطه لاستيلاء السلطان على ثغر جبل طارق (٢).

стр. 2604

ولم يخل عصر السلطان أبى الحجاج يوسف من عقد العلائق الدبلوماسية مع الدول النصرانية. وكان عقدها بالأخص مع مملكة أراجون التى كانت أقرب إلى مسالمة مملكة غرناطة من زميلتها مملكة قشتالة. ففى سنة ٧٣٥ هـ (١٣٣٥ م) أرسل السلطان سفيره القائد أبا الحسن بن كُماشه إلى ألفونسو الرابع ملك أراجون ليطلب تجديد معاهدة الصلح المعقودة بين المملكتين، فأجابه إلى ذلك وجددت المعاهدة. وفى أواخر سنة ٧٤٥ هـ (١٣٤٥ م) عقد السلطان يوسف مع بيدرو الرابع ملك أراجون، معاهدة صلح ومهادنة جديدة، فى البر والبحر، لمدة عشرة أعوام على يد سفيره القائد المذكور، وطلب إلى السلطان أبى الحسن المرينى، ملك المغرب، أن يوافق على هذا الصلح فوافق عليه، وأبرمه من جانبه، بنفس الشروط ولنفس المدة التى يسرى فيها، وذلك حسبما يدل عليه عهد الموافقة التى أصدره بتاريخ صفر سنة ٧٤٦ هـ (يونيه ١٣٤٥ م) (١). وهنا طافت بالأندلس واسبانيا تلك النكبة المروعة التى عصفت بالمشرق والمغرب معا، ونعنى بذلك الوباء الكبير الذى اجتاح سائر الأمم الإسلامية وحوض البحر الأبيض المتوسط فى سنة ٧٤٩ هـ - ٧٥٠ هـ (١٣٤٨ م). وكان بدء ظهوره على على ما يرجح فى إيطاليا فى ربيع هذا العام، وحمل من الأندلس كثيراً من سكانها، وفى مقدمتهم عدة من رجالها البارزين من الكبراء والعلماء. وقد وصف لنا الوزير ابن الخطيب تلك المحنة التى كان معاصراً لها مشاهد عيان لروعها وفتكها فى رسالة عنوانها: "مُقنعة السائل عن المرض الهائل"، وكذلك وصف لنا عصف الوباء بثغر ألمرية شاعر ألمرية الكبير ابن خاتمة فى رسالة عنوانها "تحصيل غرض القاصد فى تفصيل المرض الوافد" (٢). ولبث ملك قشتالة أعواماً أخرى على خطته من إرهاق المملكة الإسلامية والعيث فيها، والمسلمون يدافعون جهد استطاعتهم، وأمراء المغرب مشغولون عن نجدتهم بما أصابهم من هزائم متوالية، وما شجر بينهم من خلاف. وفى سنة ٧٥٠ هـ (١٣٤٩ م) غزا النصارى سهول الجزيرة الخضراء مرة أخرى، وكان ملك قشتالة يرمى بهذه الغزوة إلى غاية هامة هى الاستيلاء على جبل طارق. وكان هذا

стр. 2605

صورة رسالة من السلطان يوسف أبى الحجاج إلى دون المنشة (ألفونسو) ملك أراجون يشكره فيها على حسن لقائه لسفيره، ويقرر تجديد الصلح المعقود بينهما، مؤرخة فى ذى الحجة سنة ٧٣٥ هـ (يوليه ١٣٣٥ م) ومحفوظة بمحفوظات التاج الأرجونى ببرشلونة برقم ١٣٨.

стр. 2606

الثغر ما يزال منذ عصور أمنع ثغور المسلمين وأشدها مراسا. فلما رأى النصارى استحالة أخذه عنوة، ضربوا حوله الحصار الصارم، وكانت تدافع عنه حامية مغربية قوية، ورابط ملك غرناطة بجيشه فى مؤخرة النصارى؛ واستمر حصار جبل طارق زهاء عام كامل والمسلمون صامدون كالصخرة التى يدافعون عنها، وقد عيل صبر الغزاة ودب الوهن إلى نفوسهم. ثم فشا الوباء فى الجيش النصرانى وهلك ملك قشتالة فى مقدمة من هلك من جنده، فكان ذلك نذيراً بخلاص الثغر المنيع والمدافعين عنه، واضطر النصارى إلى رفع الحصار (٧٥١ هـ - ١٣٥٠ م). وأنقذ المسلمون بذلك من كارثة فادحة، وأبدى المسلمون بهذه المناسبة ضروبا موثرة من تسامح الفروسة، فتركوا موكب الملك المتوفى، يخترق طريقه إلى إشبيلية دون تعرض، وارتدى كثير من أكابرهم شارة الحداد مجاملة وتكريما، وخلف ألفونسو على العرش فى الحال ولده بيدرو (بطره) الملقب بالقاسى (١). ووصف ابن الخطيب كاتب الأندلس وشاعرها، وقد كان يومئذ من كتاب السلطان يوسف، هذه الأحداث الخطيرة فى رسالة بعث بها السلطان إلى ملك المغرب، وفيها يشير إلى مهاجمة العدو لجبل طارق وطمعه فى الاستيلاء على الأندلس ويقول: "وانتهز الفرصة بانقطاع الأسباب وانبهام الأبواب، والأمور التى لم تجر للمسلمين بالعدوتين على مألوف الحساب، وتكالب التثليث على التوحيد، وساءت الظنون فى هذا القطر الوحيد، المنقطع بين الأمة الكافرة، والبحور الزاخرة والمرام البعيد" ثم يصف كيف تداركت رحمة الله الأندلس بعد ذلك فهزم العدو ولم يبلغ مراما (٢). وكان لحصار جبل طارق، ومصرع ملك قشتالة تحت أسواره، صدى عميق فى المغرب وفى أنحاء العالم الإسلامى. ويشير الرحالة الأشهر ابن بطوطة الطنجى الذى زار الأندلس بعد ذلك بقليل فى رحلته إلى تلك الحوادث، وإلى ما كان يتصوره ملك قشتالة، من أنه أضحى على وشك الاستيلاء على ما بقى من بلاد الأندلس، فأخذه الله من حيث لم يحتسب ومات بالوباء، وقد كان من أشد الناس خوفاً منه، ثم يصف لنا أهمية جبل طارق الدفاعية وما بذله السلطان أبو الحسن عقب استرداده من جهود فادحة لتحصينه، وتجديد أسواره وحصونه، وإنشائه لدار الصناعة، وما قام به ولده السلطان أبو عنان بعد ذلك من تجديد تحصيناته، وشحنه

стр. 2607

صورة وثيقة اعتماد صادرة من السلطان يوسف أبى الحجاج إلى وزيره القائد ابن كماشة الذى أرسله سفيراً إلى بيدرو الرابع (دون بطره) ملك أراجون ليقوم بعقد الصلح بينه وبين السلطان أبى الحسن المرينى ملك المغرب مؤرخة فى شعبان سنة ٧٤٥ هـ (ديسمبر ١٣٤٤ م) ومحفوظة بمحفوظات التاج الأرجونى ببرشلونة برقم ٤٥.

стр. 2608

بالعُدد والأقوات. ويصف لنا ابن بطوطة بعد ذلك ثغور الأندلس وقواعدها الأخرى التى طاف بها يومئذ، مثل رندة ومربلة ومالقة وبلش، وما شاهده فيها من الخيرات والصناعات الفريدة، ولاسيما صناعة الخزف بمالقة، ثم يعرج على غرناطة وينعتها بعروس الأندلس، ويصف لنا رياضها وبساتينها الغراء، ويشير إلى ملكها فى عهد دخوله إياها، وهو السلطان أبو الحجاج يوسف، ولم يوفق يومئذ إلى لتائه لمرض ألمّ به. وتدلى أوصاف ابن بطوطة بأن الأندلس كانت يومئذ، بالرغم من توالى غارات النصارى عليها وعيثهم فى ربوعها، بلاداً زاهرة نضرة، تزخر بالخيرات والنعم، وتموج بالملايين من سكانها النشطين الأذكياء، وصناعاتها الممتازة، وتحتشد فيها جمهرة كبيرة من العلماء والفقهاء والكتاب والشعراء مما يدل على أنها كانت فى هذا العصر تجوز أيضاً نهضة أدبية زاهرة (١). ولا غرو فقد كان هذا العصر هو الذى سطع فيه نجم ابن الخطيب أعظم كتاب الأندلس وشعرائها فى المائة الثامنة، وبلغ فيه الشعر والترسل يومئذ ذروة الروعة والبهاء. واستمر أبو الحجاج يوسف فى الحكم بضعة أعوام أخرى، ساد فيها السلام والأمن، ولكنه ما لبث أن قتل غيلة أثناء صلاته بالمسجد الأعظم فى يوم عيد الفطر سنة ٧٥٥ هـ (أكتوبر سنة ١٣٥٤ م)، قتله مخبول لم يفصح عن بواعثه وأغراضه، فمزق وأحرق بالنار على الأثر (٢). وكان مقتله وهو فى السابعة والثلاثين فى عنفوان فتوته ومجده. ويصف لنا ابن الخطيب، وقد كان من شهود هذا المنظر المؤسى، مقتل السلطان، فى قوله من رسالة بعث بها إلى السلطان أبى عنان ملك المغرب" ولم يرعه وقد اطمأنت بذكر الله تعالى القلوب، وخلصت الرغبات إلى فضله المطلوب، إلا شقىّ قيضه الله تعالى لسعادته، غير معروف ولا منسوب، وخبيث لم يكن بمعتبر ولا محسوب، تخلل الصفوف المعقودة، وتجاوز الأبواب المسدودة، وخاض الجموع المحشودة، ولا تدل العين عليه شارة ولا بزة، ولا تحمل على الحذر من مثله أنفة ولا عزة، وإنما هو خبيث ممرور وكلب عقور، وآلة مصرفة لينفذ بها قدر مقدور، فلما طعنه وأثبته وأعلق به شرك الحين، فما أفلته حتى قبض عليه من الخلصان الأولياء، من خير ضميره وأحكم تقريره، فلم يجب عند الاستفهام

стр. 2609

صورة وثيقة صادرة من السلطان أبى الحسن المرينى ملك المغرب بالموافقة على الصلح الذى عقده باسمه سلطان غرناطة يوسف أبو الحجاج مع بيدرو الرابع (دون بطره) ملك أراجون مؤرخة فى صفر سنة ٧٤٦ هـ (يونيه ١٣٤٥ م) ومحفوظة بمحفوظات التاج الأرجونى برقم ٥٢.

стр. 2610

جواباً يعقل ولا عثر على شىء عنه ينقل، لطفاً من الله أفاد براءة الذمم، وتعاورته للحين أيدى التمزيق. وأتبع شلوه بالتحريق" (١). ودفن السلطان الشهيد فى مقبرة الحمراء إلى جانب آبائه مبكياً عليه من شعبه بدموع غزيرة. وكان السلطان يوسف فى الواقع أعظم ملوك غرناطة همة وعزماً، وأبدعهم خلالا، وكان فوق فروسته ونجدته عالماً أديباً، شغوفاً بالعمارة وإقامة الصروح الباذخة، وهو الذى شيد البرج الأعظم بقصر الحمراء، وأنشأ به أفخم أجنحته وأبدعها، وهو الذى أسبغ على هذا الصرح العظيم بمنشآته وزخارفه، بهاءه وروعته التى ما زال يحتفظ بلمحة منها. وفى عصره زهت العلوم والآداب، وذاعت شهرة العلماء المسلمين، ولا سيما فى الفلك والكيمياء. وهكذا لبث بلاط غرناطة حقبة يقف من دولة بنى مرين مواقف متناقضة، ويتردد بين سياسة التحالف والقطيعة، وبين الثقة والتوجس؛ وليس من شك فى أن بنى مرين كانوا عضداً قيما لمملكة غرناطة الناشئة، وقد أدوا لها فى ميدان الجهاد وفى مقاتلة النصارى خدمات جليلة، وبذلوا فى ذلك السبيل تضحيات جمة، وأعادوا بانتصارهم على النصارى فى غير موقعة حاسمة، ذكريات الزلاّقة والأرك؛ ولولا غوث بنى مرين، واشتغال مملكة قشتالة بحوادثها الداخلية غير مرة، لما اشتد ساعد بنى الأحمر، وسطعت دولتهم خلال هذه الفترة المليئة بالحوادث الجسام، واستطالت أيام الإسلام بالأندلس زهاء مائة عام أخرى. وقد كان من سوء الطالع ألا يدرك بلاط غرناطة خطر الخلاف، مع الحليف الطبيعى الذى رتبه القدر فيما وراء البحر، لإنجاد الأندلس عند الخطر الداهم، وأن يجنح من آن لآخر إلى مخاصمة هذا الحليف ومحاربته، كما حدث حينما استولى ابن الأحمر على سبتة. كذلك لم تخل سياسة بنى مرين إزاء مملكة غرناطة أحياناً، من الالتواء وبث الشكوك فى نفوس أمراء بنى نصر، بما كانت تجنح إليه من مداخلة الخوارج عليهم. وهكذا كانت قوى الإسلام تبدد فى معارك أهلية، وقد كان حرباً أن تتضافر على مغالبة العدو المشترك. على أن الدولة المرينية ذاتها، تدخل منذ وفاة السلطان أبى الحسن فى سنة ٧٥٢ هـ (١٣٥١ م) فى دور انحلالها، وتنحدر ألى غمر الحرب الأهلية، وتشغل بشئونها الداخلية، وتفقد غرناطة بذلك، العضد

стр. 2611

الوحيد، الذى كانت تدخره وقت الشدائد. وقد استمرت العلائق بين غرناطة وبنى مرين عصراً آخر، ولكنها غدت غير بعيد علائق بلاط، تغلب عليها دسائس القصور، وانقطعت الجيوش المغربية عن العبور إلى الأندلس لمقاتلة النصارى، كما كانت تفعل أيام أبى يوسف وأبى يعقوب وأبى الحسن، ولم تعبر بعد ذلك سوى مرة واحدة لمعاونة الخوارج فى جبل طارق ضد ملك غرناطة حسبما يجىء؛ وتركت غرناطة من ذلك الحين إلى مصيرها داخل الجزيرة الإسبانية، تغالب قوى النصرانية بمفردها، وقدر استطاعتها، وكان ملاذها الأخير فى اختلاف كلمة النصارى، وانشغالهم بذلك الخلاف عن محاربتها.

стр. 2612

الفصْل الثامِن الأندلس بين المدّ والجزر ولاية محمد الغنى بالله. وزيره ابن الخطيب. سفارته إلى السلطان أبى عنان. ثورة حاكم جبل طارق المرينى. الثورة فى غرناطة. مقتل الحاجب رضوان. عزل الغنى بالله وفراره. ولاية أخيه إسماعيل. جواز الغنى بالله وابن الخطيب إلى المغرب. ترحيب ملك المغرب بهما. قصيدة ابن الخطيب. ابن الخطيب وابن خلدون. مصرع سلطان المغرب وتغلب الوزير عمر على الدولة. الثورة فى غرناطة ومقتل السلطان اسماعيل. عبور الغنى بالله وابن الخطيب إلى الأندلس. استرداد الغنى بالله العرش. زيارة ابن خلدون للأندلس وسفارته إلى بلاط قشتالة. الحرب الأهلية فى قشتالة. موقعة نجارا. موقعة مونتيل. مصرع بيدرو ملك قشتالة وولاية أخيه الكونت هنرى. رواية ابن الخطيب عن هذه الحوادث. وزارة ابن الخطيب الثانية. استئثاره بالسلطة وجنوحه إلى الاستبداد. تقلص نفوذه وفراره إلى المغرب. اتهامه بالزندقة ومقتله. بعد نظره السياسى. شعوره بمصير الأندلس. جهود الغنى بالله الإنشائية. توطد الصداقة بينه وبين بلاد مصر. معاهدة صداقة بينه وبين أراجون. سيادة السلام والأمن فى عصره. غزواته فى أرض النصارى. وفاته وولاية يوسف الثانى. وزيره خالد. عقد السلم بين الأندلس وقشتالة. ثورة محمد ولد يوسف. وفاة يوسف وولاية ولده محمد. اعتقاله لأخيه يوسف. الوزير ابن زمرك ومصرعه. الحرب بين المسلمين والنصارى. استنجاد الأندلس بملوك المغرب. غزو النصارى لأحواز رندة. غزو المسلمين لأراضى قشتالة. الهدنة بين الفريقين. وفاة محمد. تنظيم العلائق الدولية بين غرناطة وأراجون. ولاية يوسف الثالث. نقض القشتاليين للهدنة. زحفهم على أراضى غرناطة. سقوط أنتقيرة وهزيمة المسلمين. تجديد الهدنة. ثورة جبل طارق وإخمادها. السلم بين المسلمين والنصارى. حفلات الفروسية الأندلسية. وفاة السلطان يوسف وولاية ولده محمد الأيسر. صرامته وتكبره. الوزير يوسف بن سراج. بنو سراج وأصلهم. تعاقب الفتن فى غرناطة. غزوات النصارى. نشوب الثورة وسقوط الأيسر. ولاية محمد الزغير. خلاله وصفاته. مطاردته لبنى سراج. التجاؤهم إلى بلاط قشتالة. السعى لإعادة الأيسر. زحفه على غرناطة ودخوله الحمراء. مصرع الزغير وولاية الأيسر الثانية. الحرب بين الأيسر والنصارى. الفتن والدسائس حول غرناطة. قيام يوسف بن المول بمعاونة النصارى. عهده بالخضوع لملك قشتالة. تغلبه على الأيسر وانتزاعه العرش. وفاته وولاية الأيسر الثالثة. الحرب بين المسلمين والنصارى. مهاجمة النصارى لجبل طارق وهزيمتهم. تطور الحوادث فى غرناطة. ثورة محمد الأحنف وولايته. الأمير ابن إسماعيل وسعيه لانتزاع العرش. تدخل النصارى ودسائسهم. الحرب الأهلية فى غرناطة. هزيمة الأحنف وولاية ابن اسماعيل. تضارب الرواية فى شأن ولاية العرش. خلال ابن اسماعيل وصفاته. الخلاف بينه وبين قشتالة. غزو القشتاليين لغرناطة. سقوط جبل طارق. انحلال دولة بنى مرين وقيام دولة بنى وطاس. قصور المغرب عن إنجاد الأندلس. خضوع سلطان غرناطة لقشتالة. الصراع بين العرش والأسر الكبيرة. تفكك المملكة الإسلامية. ولاية السلطان سعد. الخلاف بينه وبين ولده أبى الحسن. رواية رحالة مصرى عن هذه الحوادث. فتح الترك لقسطنطينية وصداه فى اسبانيا. إحياء النزعة الصليبية.

стр. 2613

لم تمض ساعات قلائل على مصرع السلطان يوسف أبى الحجاج فى صبيحة يوم عيد الفطر سنة ٧٥٥ هـ، حتى خلفه فى الملك ولده محمد الملقب بالغنى بالله؛ وكان حَدَثاً يافعاً، فاستأثر بشئون الدولة حاجبه ومولى أبيه من قبل أبو النعيم رضوان. وكانت غرناطة بعد ما توالى عليها من الخطوب والأزمات فى أواخر عهد أبيه يوسف، قد تنفست الصعداء نوعاً منذ وفاة ملك قشتالة. وكان من بين كتابه ثم وزرائه لسان الدين بن الخطيب، مؤرخ الدولة النصرية وأعظم كتاب الأندلس وشعرائها يومئذ. وكان هذا المفكر البارع، أحد رجلين عظيمين شغلا يومئذ فى الغرب الإسلامى، مركز الصدارة فى التفكير والكتابة، هما ابن خلدون وابن الخطيب. وكان مولد ابن الخطيب فى لَوْشة (١) من أعمال غرناطة فى سنة ٧١٣ هـ (١٣١٣ م)، ودرس اللغة والأدب والطب والفلسفة، وبرز فى النثر والنظم (٢)، وخدم الدولة منذ حداثته، فتولى ديوان الكتابة للسلطان أبى الحجاج، ثم انتقل إلى خدمة ولده محمد، فلم يلبث أن نال ثقته ورقاه إلى مرتبة الوزارة، وأوفده بعد ولايته بقليل على رأس وفد من كبراء الأندلس سفيراً من قبله، إلى ملك المغرب السلطان أبى عنان المرينى (أواخر سنة ٧٥٥ هـ) يستنصره على مغالبة طاغية قشتالة، وليؤكد بينهما عهد الصداقة والمودة، جرياً على سنة أسلافه من ملوك بنى الأحمر، فاستقبله السلطان بحفارة، وأنشد بين يديه قصيدة هذا مطلعها: خليفة الله ساعدَ القدرُ ... عُلاك ما لاح فى الدجى قمرُ ودافعتْ عنك كفُّ قدرته ... ما ليس يستطيع دفْعَه البشرُ فتأثر السلطان لقصيدته، ووعد بإجابة سائر مطالبه؛ وهكذا أدى ابن الخطيب سفارته بنجاح، وكان له فيما تلا من حوادث الأندلس أعظم نصيب (٣). وفى أواخر سنة ٧٥٦ هـ (أواخر سنة ١٣٥٥ م)، حاول حاكم جبل طارق المرينى عيسى بن الحسن بن أبى منديل أن يثير ضرام الثورة، وكانت محاولة خطيرة ربما أفسحت للنصارى ثغرة يضربون منها الأندلس وجحافل المغرب، والآن أهل جبل طارق نكلوا عن مؤازرة الثائر، وأخمدت ثورته فى المهد، وقبض

стр. 2614

عليه وعلى ولده. وأرسلا مصفدين إلى المغرب فقضى بإعدامهما؛ وأرسل السلطان أبو عنان إلى جبل طارق ولده أبا بكر السعيد ومعه قوة من الفرسان، لحماية الثغر وتجديد تحصيناته (١). وفى أوائل عهد السلطان محمد، شغلت قشتالة بحروبها الداخلية، فأمنت غرناطة شر العدوان مدى حين. ولكن الحوادث الداخلية كانت تؤذن بتطورات جديدة. ففى رمضان سنة ٧٦٠ هـ (١٣٥٩ م) نشبت فى غرناطة ثورة فقد فيها الغنى بالله ملكه. وكان أخوه إسماعيل المعتقل فى بعض أبراج الحمراء، تؤازره جماعة من الزعماء، وفى مقدمتهم صهره الرئيس عبد الله، وتدعو له سرًّا، وتترقب الفرص للوثوب بمحمد؛ وكانت أمه المقيمة بالقصر تؤيد مشاريعه بالسعى والبذل الوفير، وكان السلطان محمد قد تحول بولده إلى سكنى قصر جنة العريف الواقع شمال شرقى الحمراء، فانتهز المتآمرون ذات مساء فرصة ابتعاده عن دار الملك، وهاجموا حصن الحمراء (٢٨ رمضان سنة ٧٦٠ هـ)، ونفذوا إلى قصر الحاجب رضوان وقتلوه بين أهله وولده، ونادوا بإسماعيل أخى السلطان ملكاً مكانه. وشعر محمد بعقم المدافعة، ففر إلى وادى آش. وحاول ابن الخطيب مصانعة السلطان الجديد، فاستبقاه فى الوزارة لمدى قصير. ثم ارتاب فى نياته وأمر باعتقاله ومصادرة أمواله، وكذلك أمر السلطان الجديد بعزل شيخ الغزاة يحيى بن عمر ابن رحّو من منصبه والقبض عليه، وعين مكانه فى مشيخة الغزاة، إدريس ابن عثمان بن أبى العلاء، وكان وقت نكبة أسرته، قد فر إلى أراجون واحتمى بملكها، فاستدعاه السلطان الجديد، وأسند إليه منصب أسرته القديم. وكانت تربط السلطان المخلوع علائق مودة وصداقة بملك المغرب، السلطان أبى سالم ولد السلطان أبى الحسن. وكان أبو سالم قد لجأ إليه حينما تغلب عليه أخوه السلطان أبو عنان ونفاه إلى الأندلس فأكرم محمد مثواه. ولما وقعت الفتنة وخلع محمد، رعى له أبو سالم عهد الصداقة والوفاء، وأرسل إلى غرناطة سفيراً يسعى لدى حكومتها، فى إجازة السلطان المخلوع ووزيره المعتقل إلى المغرب، فنجح السفير فى مهمته، وعاد إلى المغرب ومعه محمد والوزير ابن الخطيب (المحرم سنة ٧٦١ هـ). واستقبلهما أبو سالم فى فاس أجمل استقبال، واحتفل بقدومهما فى يوم مشهود، وأنشده ابن الخطيب يومئذ قصيدة رائعة، يدعوه فيها لنصرة

стр. 2615

سلطانه وغوثه، هذا مطلعها: سلا هل لديها من مخبرة ذكرُ ... وهل أعشب الوادى ونمَّ به الزهر وهل باكَرَ الوسمى داراً على اللوى ... عفت آيها إلا التوهُّم والذكر بلادى التى عاطيتُ مشمولة الهوى ... بأكنافها والعيش فينان مخضر وجوى الذى ربى جناحى وكره ... فها أنا ذا ما لى جناح ولا وكر ومنها: قصدناك يا خير الملوك على النوى ... لتنصفنا مما جنى عبدك الدهر وأنت الذى تُدعى إذا دهم الردى ... وأنت الذى ترجى إذا أخلف القطر ومثلك من يرعى الدخيل ومن دعا ... بيالمرين جاءه العز والنصر فكان لإنشاده أعظم وقع فى النفوس، وتأثر السلطان لدعوته وندائه أيما تأثر (١). ولبث السلطان المخلوع فى بلاط فاس حيناً، وتوثقت بينه وبين المؤرخ الفيلسوف ابن خلدون، وهو يومئذ من أكابر رجال الدولة المرينية، روابط المحبة والصداقة، وعقدت أيضاً بين المؤرخ وبين قرينه ابن الخطيب أواصر صداقة نمت وتوثقت فيما بعد. وكان كلا المفكرين العظيمين يقدر مواهب صاحبه ويحله أسمى مقام، وكان كلاهما أستاذ عصره وقطره فى التفكير والكتابة. وكان محمد ابن الأحمر يؤمل أن يسترد ملكه المنزوع بمعاونة بيدرو الثانى (بطره) ملك قشتالة تنفيذاً للاتفاق الذى عقد بينهما، ولكنه لم يفعل شيئاً لتحقيق هذا الأمل. والواقع أن ملك قشتالة كان مشغولا بشئون مملكته وما يسودها من اضطراب، فآثر أن يعقد السلم مع سلطان غرناطة الجديد. وفى أثناء ذلك حدث انقلاب لقى فيه السلطان أبو سالم مصرعه، واستبد بالدولة الوزير عمر بن عبد الله، فسعى لديه ابن الأحمر ليعاونه على استرداد ملكه، فاستجاب إليه الوزير، وما زال محمد يدبر أمره بمعاونته، حتى تهيأت الفرصة بوقوع الثورة فى غرناطة، ومقتل منافسه السلطان إسماعيل، على يد المتغلب عليه الرئيس أبى سعيد؛ فجاز إلى الأندلس ونزل بمالقة، ثم سار إلى رندة، وكانت عندئذ من أملاك بنى مرين، وقد نزل له عنها الوزير عمر بن عبد الله، وسار منها فى صحبه وعصبته إلى غرناطة فاستولى عليها، وفر الرئيس أبو سعيد إلى ملك قشتالة، واسترد محمد ملكه (جمادى الآخرة

стр. 2616

سنة ٧٦٣ هـ - ١٣٦١ م) وما لبث أن لحق به وزيره ابن الخطيب استجابة لدعوته، وعاد إلى سابق مكانته ونفوذه. وكان فى مقدمة ما فعله الغنى بالله أن قبض على إدريس بن أبى العلاء وقرابته من الغزاة، وأودعوا السجن، ومحا خطة مشيخة الغزاة من بنى مرين، وأسندها لابنه وولى عهده الأمير يوسف، فلبث مضطلعا بها زهاء ثلاثة أعوام. وكان علىّ بن بدر الدين بن موسى بن رحُو، مقدما على الغزاة فى منطقة وادى آش، وكان حينما فقد الغنى بالله ملكه، قد صحبه فى منفاه. ولما عاد إلى الأندلس، عاد معه. فلما فكر الغنى بالله فى إحياء مشيخة الغزاة، وبحث عمن يسندها إليه، وقع اختياره على علىّ بن بدر الدين هذا، فعينه فيها (٧٦٧ هـ)، ولكنه ما لبث أن توفى بعد عام فقط من تقلده إياها، فعندئذ قرر الغنى بالله أن يمحو هذه الخطة نهائياً من خطط مملكته، وصار أمر الغزاة والمجاهدين إلى السلطان مباشرة، وعنى بشئونهم بنفسه، وخص القرابة المضطلعين بها بعطفه وتكرمته. وانتهت بذلك رياسة بنى مرين لهذه الخطة الهامة من خطط، مملكة غرناطة بعد أن اضطلعوا بها زهاء قرن (١). ووفد المؤرخ ابن خلدون بعد ذلك بقليل على غرناطة، فاحتفى به السلطان وأكرم مثواه، وأرسله سفيراً عنه إلى بيدرو ملك قشتالة ليوثق أواصر الصداقة بينهما (٧٦٥ هـ - ١٣٦٣ م)، فقصد ابن خلدون إلى بلاط إشبيلية ومعه هدية فخمة، وأدى سفارته ببراعة، وحظى بعطف ملك قشتالة وإعجابه. وهو يعرض لنا حوادث هذه السفارة فى "التعريف" بتفصيل شائق، ويقول لنا إنه عاين آثار أسرته بإشبيلية، وقد كانت منزل بنى خلدون أيام الدولة الإسلامية، وفيها سطع نجمهم حيناً، وإن ملك قشتالة وقف على تاريخ أسرته، وعرفه به وبمكانته طبيب يهودى فى بلاطه يدعى إبراهيم بن زرور، وكان قد تعرف به فى مجلس السلطان أبى عنان من قبل، ثم يقول لنا إن ملك قشتالة عرض عليه عندئذ أن يبقى فى خدمته، وأن يسعى لدى زعماء دولته ليرد إليه تراث أسرته بإشبيلية، ولكنه أبى. ولما اعتزم ابن خلدون العودة بعد أن أتم مهمته، وهبه ملك قشتالة "بغلة فارهة بمركب ثقيل ولجام ذهبيين" فأهداهما إلى السلطان. وسُرّ السلطان لنجاحه وأقطعه قرية إلبيرة بمرج غرناطة، وعاش فى بلاط السلطان فترة أخرى، معززاً مكرماً (٢).

стр. 2617

ولم يمض قليل على ذلك حتى شغلت قشتالة مدى حين بمنازعاتها وحروبها الداخلية، وتمتعت غرناطة خلال ذلك بهدنة قصيرة؛ وكان بيدرو ملك قشتالة (دون بطره) الملقب بالقاسى، الذى خلف أباه ألفونسو الحادى عشر فى سنة ١٣٥٠ م قد غلا فى استبداده وقسوته، حتى أنه لم يحجم عن قتل زوجته الملكة بلانش دى بوربون أخت ملك فرنسا بالسم، ليتزوج من خليلته، فسخط عليه الأمراء والأشراف لما نالهم من عسفه، وخرج عليه أخوه غير الشرعى الكونت هنرى دى تراستمارا، ولد إلينورا دى كزمان، وفر إلى فرنسا، وتحالف مع ملكها شارل الخامس، على أن يجمع له جيشاً من المرتزقة يقوده إلى قشتالة؛ وأشرف على تنفيذ المشروع الدوق دى جسكلان زعيم الفروسية الفرنسية يومئذ. وقاد هنرى جيشه إلى قشتالة (١٣٦٦ م)، فلم يَقْوَ بيدرو على مقاومته لاشتداد السخط عليه، وتخلى الشعب عنه، وفر إلى ولاية جويين الفرنسية فيما وراء البرنيه، واستغاث بالأمير إدوارد ولىّ عهد انجلترا، وقد كان يحكم هذه الأنحاء المحتلة من فرنسا باسم أبيه، فاستجاب الأمير الإنجليزى لدعوته، وسار معه إلى قشتالة فى قواته، واستطاع الكونت هنرى بمعاونة شعبه، ومعاونة ملك أراجون، أن يحشد جيشاً عظيما. والتقى الفريقان فى "نجارا " فى الثالث من ابريل سنة ١٣٦٧، فهزم الكونت هنرى بالرغم من وفرة جموعه، وقتل عدد كبير من جيشه، واسترد بيدرو عرشه. ولكنه لم يف بوعده إلى الأمير الإنجليزى، ولم يؤد إليه الجزية المشترطة، فسخط عليه وارتد بقواته إلى الشمال. وعندئذ عادت الثورة إلى الاضطرام فى قشتالة، ووثب الشعب ببيدرو مرة أخرى، وعاد أخوه الكونت هنرى فغزا قشتالة فى أنصاره، ونشبت بين الفريقين فى "مونتيل" موقعة أخرى هزم فيها بيدرو وقتل، وجلس أخوه مكانه فى العرش (سنة ١٣٦٨ م) (١). وكان بين قوات الملك القتيل فرقة من حلفائه المسلمين. تعاونه وتذود عنه. وقد كان وراء هذه الحرب الأهلية، فيما يبدو خطة نصرانية موضوعة للقضاء على المملكة الإسلامية بالأندلس. ولدينا ما يلقى الضياء على ذلك فى رسالة الوزير ابن الخطيب، بعث بها فى تلك الآونة، على لسان سلطانه الغنى بالله، إلى سلطان

стр. 2618

تلمسان الأمير أبى حمّو عبد الرحمن بن موسى، ففى هذه الرسالة التى وردت على بلاط تلمسان فى شهر رمضان سنة ٧٦٧ هـ (يونيه سنة ١٣٦٦ م)، والتى وجهها بلاط غرناطة بطلب المعاونة والإنجاد، يقول لنا ابن الخطيب، إن كبير دين النصرانية (يريد البابا)، لما أعيته الحيلة فى جمع كلمة النصرانية فى قشتالة، حرك من النصارى جموعاً عظيمة لتعين القند (الكونت) على أخيه، فإذا انتصر واستقل بالملك، تحالف النصارى الإسبان جميعاً ضد المسلمين؛ وقسم البابا تراث المملكة الإسلامية (الأندلس) بين قشتالة وأراجون، فتختص منها أراجون بما يلى الشاطىء الشرقى الجنوبى حتى ألمرية، وتختص قشتالة بالباقى، وتجتمع الأساطيل النصرانية فتحتل الساحل الجنوبى، وتقطع ما بين المغرب والأندلس، ويقوم النصارى بالعيث فى أراضى المسلمين، وإتلاف سائر الغلات والأقوات. ويتوجه بلاط غرناطة بعد شرح هذه الخطة إلى أمير تلمسان بطلب الغوث والإنجاد. وقد استجاب أبو حمو إلى هذا النداء، وبعث إلى الأندلس بالأموال، والسفن المشحونة بالخيل والسلاح والأقوات. واستوجبت هذه الأريحية توجيه رسالة أخرى من سلطان غرناطة إلى الأمير أبى حمو معرباً فيها عن خالص الشكر والعرفان (١). تلك هى الخطة التى يقول لنا ابن الخطيب فى رسالته، إنها وضعت عندئذ للقضاء على مملكة غرناطة. ولكنها خطة لم يكن لها أى حظ من التنفيذ، وكانت مملكة غرناطة دائماً يقظة على أهبة الذود والدفاع. وقد فصل لنا ابن الخطيب حوادث الحرب الأهلية فى قشتالة فى تلك الفترة، وقد كان معاصراً لها وقريباً من مسرحها. وروايته تدل على حسن اطلاعه، ودقة فهمه لسير الحوادث، فهو يقول لنا مثلا بعد أن أشار إلى ثورة الكونت هنرى على أخيه واستيلائه على العرش: "ولما توسد له الأمر تحرك لاستئصال شأفة المخلوع، فأجلى عن غليسية فى البحر، واستقر وراء دروب قشتالة، وانتبذ عن الخطة القشتالية، ولجأ إلى ابن صاحب الأنتكيرة (انجلترا) وهو المعروف ببرقسين، وبين أرضه وبين قشتالة ثمانية أيام، فقبله ولد السلطان المذكور بأول ما تلقاه من تلك الأرض، وسفر

стр. 2619

بينه وبين أبيه، فأنكر الأب استئذانه إياه والمراجعة فى نصره، حمية له وامتعاضاً منه. وحال هذه الأمة غريبة فى الحماية الممزوجة بالوفاء، والرقة والاستهانة بالنفوس فى سبيل الحمية، عادة العرب الأول، وأخبارهم فى القتال غريبة ... وبعد انقضاء سبعة عشر يوما، كان رجوعه ورجوع الرئيس المذكور معه، مصاحباً بأمراء كثيرين من أخدانه، وبعد أن تسلموا مالا كثيراً ... وكان اللقاء بين الفريقين يوم السبت سادس أبريل العجمى بموافقة شعبان من عام ثمانية وستين (ابريل ١٣٦٧ م). وكان هذا الجمع الإفرنجى آتين من الأرض الكبيرة (فرنسا) وكان على مقدم القوم الدك (الدوق) أخو البرنس ( Prince of Wales) ، وكان فى مقدمة القند (الكونت) المستأثر بملك قشتالة أخوه شانجه (سانشو) ... الخ". ثم يحدثنا بعد ذلك عن هزيمة " القند " وفراره إلى فرنسا، واستمرار الفتنة بينهم إلى وقت كتابة روايته (١). تولى ابن الخطيب وزارة الغنى بالله للمرة الثانية، وهو متمتع بأقصى مراتب العطف والثقة، واستأثر فى البلاط وفى الدولة بكل نفوذ وسلطة، وقضى على نفوذ منافسه الوحيد فى السلطة وهو شيخ الغزاة عثمان بن يحيى، وما زال بالسلطان حتى نكبه، فخلا له الجو وتبوأ ذروة القوة والسلطان. وكان من معاونيه فى الوزارة تلميذه الكاتب والشاعر الكبير أبو عبد الله بن زَمْرَك، وقد تولى كتابة السر فى كنفه وتحت رعايته. والظاهر أن اجتماع السلطان والنفوذ فى يد ابن الخطيب على هذا النحو كان سبباً فى انحرافه عن جادة الاعتدال والروية، فجنح إلى الاستبداد واتباع الهوى، وبث حوله معتركا من البغضاء والخصومة، وكثرت فى حقه السعاية والوشاية، واتهمه خصومه بالإلحاد والزندقة، لما ورد فى بعض كتاباته. وشعر ابن الخطيب فى النهاية أن السعاية قد بدأت تحدث أثرها، وأن عطف مليكه قد فتر، وخشى العاقبة على نفسه، فعوّل على مغادرة الأندلس، وسار إلى الثغور الغربية فى نفر من خاصته بحجة تفقدها، فلما وصل إلى جبل طارق عبر البحر فجأة إلى سبتة (٧٧٣ هـ) وتفاهم سابق بينه وبين ملك المغرب السلطان عبد العزيز المرينى، وكانت تربطه به مودة وثيقة. وهكذا غادر ابن الخطيب الوطن والأهل والسلطان، بعد أن تربع فى الوزارة للمرة الثانية زهاء عشرة أعوام. وخلفه فى الوزارة تلميذه ابن زَمْرك، وكان قد انقلب عليه فى أواخر أيامه، وغدا من خصومه ومن أشدهم سعياً إلى نكبته.

стр. 2620

وقضى ابن الخطيب فى منفاه زهاء ثلاثة أعوام، واستقر فى فاس معززاً مكرماً، ولكن السلطان عبد العزيز ما لبث أن توفى، وساءت الأمور فى عهد ولده الطفل الملك السعيد، ووقع انقلاب انتهى بجلوس السلطان أحمد بن أبى سالم على العرش، وهو صديق الغنى بالله وحليفه. وكان بلاط غرناطة وخصوم ابن الخطيب فى الأندلس يجدّون فى ملاحقته ومطاردته، فسعوا عندئذ لدى بلاط فاس فى القبض عليه واتهامه بالزندقة، وكلل مسعاهم آخر الأمر بالنجاح، واعتقل ابن الخطيب وأفتى بعض الفقهاء المتعصبين بوجوب قتله تنفيذاً لحكم الدين، ودس عليه الوزير سليمان بن داود بعض الأوغاد، فقتلوه فى سجنه، وذلك فى أوائل سنة ٧٧٦ هـ (أواخر ١٣٧٤ م). وهكذا ذهب الكاتب والشاعر الكبير ضحية الغدر السياسى والتعصب الشائن (١). وكان ابن الخطيب سياسياً بعيد النظر، وكان يرى فى حوادث الأندلس شبح المستقبل الرهيب واضحاً، ويستشف بنافذ بصيرته ما وراء الحجب، من نهاية محتومة لهذا الوطن الذى مزقته الأهواء وأضنته الفتنة، وكان يرى هذا المصير المحزن قبل وقوعه بأكثر من قرن، ويهيب بقومه وإخوانه المسلمين فيما وراء البحر أن يبادروا إلى غوثه ونصرته، وله فى ذلك رسائل ونداءات عديدة مؤثرة تفيض قوة وبلاغة، فى الحث على اليقظة، والذود عن الدين والوطن، والنذير بما يهددهم ويهدد دينهم ووطنهم، من خطر المحو والفناء، إذا تقاعسوا أو تخاذلوا وافترقت كلمتهم (٢). وأبلغ من ذلك كله فى الدلالة على شعور ابن الخطيب بخطر الفناء الذى ينتظر الأندلس، ما وجهه فى وصيته إلى أولاده من النصح، بعدم الإسراف فى اقتناء العقارات بالأندلس إذ يقول لهم: "ومن رزق منكم مالا بهذا الوطن القلق المهاد الذى لا يصلح لغير الجهاد، فلا يستهلكه أجمع فى العقار، فيصبح عرضة للمذلة والاحتقار، وساعياً لنفسه أن يتغلب العدو على بلده فى الافتضاح والافتقار، ومعوقا عن الانتقال

стр. 2621

أمام النواب الثقال، وإذا كان رزق العبد على المولى فالإجمال فى الطلب أولى" (١). وسلك الغنى بالله فى حكمه مسلك القوة والحزم، واشتهر بصرامته وعدله، وعنى بمشاريع الإنشاء والعمران، فأمر ببناء المارستان الأعظم (المستشفى) فى غرناطة، وأنفق عليه أموالا عظيمة، وعنى بتحصين الثغور وعمل على بث روح الجهاد والحمية فى النفوس، للدفاع عن الدين والوطن، وكان داعيته فى ذلك وسفيره إلى جمهور الأمة، وزيره القوى البليغ ابن الخطيب، فعمل على إذكاء الشعور ببراعة، واستمرت رسائله وخطبه المؤثرة فى ذلك تترى أينما كان، بالأندلس أو المغرب، حتى نهاية حياته. وفى أواخر سنة ٧٦٧ هـ (١٣٦٦ م) نظم بعض الزعماء الخوارج مؤامرة لخلع السلطان وإقامة بعض قرابته مكانه. وهاجم الخوارج قلعة الحمراء فمزقتهم الجند وقبض على زعيمهم، وزاد فشل المؤامرة مركز السلطان توطدا. وفى عصر الغنى بالله توثقت أواصر الصداقة والمودة بين بلاط غرناطة وبلاط القاهرة، واتصلت بينهما السفارة والمكاتبة. ومما وقفنا عليه من ذلك رسالة بعث بها "أمير المسلمين" بالأندلس محمد بن يوسف بن اسماعيل الغنى لله، إلى سلطان مصر الأشرف شعبان، وهى من إنشاء وزيره ابن الخطيب. وفيها يعرب سلطان غرناطة عن اغتباطه بتلقى رسالة سلطان مصر، ويشيد بموقف غرناطة كمركز للجهاد، وتعرضها الدائم لمهاجمة العدو، ويتقدم إلى السلطان الأشرف بالتهنئة على ما أحرزت جنوده من نصر حاسم على الفرنج، فى موقعة الإسكندرية فى سنة ٧٦٧ هـ (١٣٦٥ م) (٢)، وأنه مما يزيد فى غبطتهم أن هذا الحادث لابد أن يذكى شعور الإشفاق والعطف على الأندلس، التى يدهمها الأعداء بشرهم من البر والبحر بلا انقطاع (٣). وفيما يختص بالعلائق الدبلوماسية، فقد عقد الغنى بالله بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن صديقه أبى فارس عبد العزيز سلطان المغرب، مع بيدرو الرابع

стр. 2622

ملك أراجون معاهدة صلح وصداقة لمدة ثلاثة أعوام من تاريخ عقدها وهو شهر رجب سنة ٧٦٨ هـ (مارس ١٣٦٧ م)، وفيها يتعهد كل من الفريقين بأن يمتنع رعاياه عن الإضرار بالفريق الآخر فى البر والبحر فى السر أو الجهر، وأن يكون لرعايا كل فريق حق التجول والمتاجرة بأرض الفريق الآخر، والمرور فى البر والبحر، دون اعتراض أو مغارم غير عادية، وأن تطلق أراجون حرية الهجرة للمدجّنين، وأن يمتنع كل فرق عن معاونة أعداء الفريق الآخر (١). واستطال حكم الغنى بالله حتى سنة ٧٩٣ هـ (١٣٩١ م) وساد الأمن والسلام فى عصره، وشغلت قشتالة عن محاربة المسلمين بحوادثها الداخلية وحروبها الأهلية، وغلب التهادن فى تلك الفترة بين غرناطة وقشتالة، واستطاعت السياسة الغرناطية أن تنتهز فرصة الحوادث الداخلية فى المملكة النصرانية، وأن تمد يد التحالف والحماية غير مرة لملك قشتالة المخلوع بيدرو القاسى، إذكاء للحرب الأهلية بين النصارى. ولم يخل عصر الغنى بالله من مواطن الجهاد واستئناف الصراع مع القشتاليين. وكانت القوات القشتالية، قد تسربت من أطراف ولاية إشبيلية الجنوبية، إلى أحواز رندة الشرقية، واحتلت فيها موقعين حصينين من أراضى المسلمين هما برغة وجيرة (٢)، واستطاعت بذلك أن تقطع الطريق بين رندة ومالقة، ففى شعبان سنة ٧٦٧ هـ (١٣٦٦ م)، زحف المسلمون على هذين المعقلين من الشمال والجنوب واحتلوهما بعد قتال شديد. وفى الوقت نفسه استؤنفت حركة الغزو لأراضى النصارى، ففى شعبان سنة ٧٦٨ هـ (١٣٦٧ م)، زحف الغنى بالله فى قواته على أراضى ولاية إشبيلية، وغزا مدينة أطريرة الواقعة جنوب شرقى إشبيلية، وافتتح حصن أشر من معاقلها، واستولى على كثير من الغنائم والسبى، وعاث فى أحواز إشبيلية ذاتها، وهى يومئذ عاصمة قشتالة. وفى أواخر هذا العام سار الغنى بالله فى قوة كبيرة إلى مدينة جيّان، وحاصرها بشدة، واقتحمها بعد معارك شديدة، واستولى المسلمون على سائر ما فيها من الأموال والسلاح والنعم، وأسروا جموعاً كثيرة، ولكنهم لم يحتلوها، لصعوبة الدفاع عنها، وتعذر الاحتفاظ بها، وهى

стр. 2623

واقعة فى قلب أراضى العدو. وكان ذلك فى أواخر شهر المحرم سنة ٧٦٩ هـ (سبتمبر ١٣٦٧ م). ثم اقتحم الغزاة فى طريقهم مدينة باغة، الواقعة على مقربة من جنوب غربى جيان، ونهبوها ودمروها. وفى شهر ربيع الأول من هذا العام، زحف الغنى بالله على مدينة أبّدة، شمال شرقى جيان، وافتتحها عنوة، ودمر صروحها وكنائسها، وأسوارها، وتركها خرابا بلقعا، وعاد إلى غرناطة مكللا بغار الظفر (١). وفى أواخر سنة ٧٦٩ هـ، سار الغنى بالله جنوبا إلى الجزيرة الخضراء، وحاصرها، وأرغم النصارى على إخلائها بعد قتال مرير، وبذا عاد الثغر القديم فترة أخرى إلى أيدى المسلمين. ثم رأى المسلمون أن يهدموا حصونها وصروحها ومعالمها، حتى لا تعود سليمة إلى أيدى النصارى، فهدمت وغدت قاعاً صفصفاً. وفى ربيع سنة ٧٧١ هـ (١٣٧٠ م) زحف المسلمون ثانية على أحواز إشبيلية، وحاصروا مدينة قرمونة الحصينة، مدى حين، واقتحموا مُرْشانة الواقعة فى جنوب شرقى قرمونة. وهكذا ظهرت المملكة الإسلامية فى تلك الفترة بمظهر من القوة لم تعرفه منذ بعيد، وكان عصر الغنى بالله عصراً ذهبياً مليئاً بالسؤدد والرخاء والدعة، لم تشهده الأمة الأندلسية منذ عصور. - ٢ - ولما توفى الغنى بالله سنة ٧٩٣ هـ (١٣٩١ م) خلفه ولده يوسف أبو الحجاج (يوسف الثانى)، وقام بأمر دولته خالد مولى أبيه، فاستبد بالأمر وقتل إخوة يوسف الثلاثة سعداً ومحمداً ونصراً فى محبسهم، ثم سخط يوسف على وزيره وقتله، لما نمى إليه من أنه يحاول اغتياله بالسم بالتفاهم مع طبيبه يحيى بن الصائغ اليهودى، وزج الطبيب إلى السجن ثم قتل بعد ذلك (٢). واستأثر يوسف بالسلطة، وكتب إلى ملك قشتالة فى طلب المهادنة والسلم، وأطلق سراح عدد من الفرسان النصارى الذين أسروا فى بعض المعارك السابقة، وأرسلهم مكرمين إلى بلاط إشبيلية، فاستجاب ملك قشتالة إلى دعوته وعقد السلم بين المملكتين.

стр. 2624

وحاول محمد ولد السلطان يوسف الثورة ضد أبيه، إذ كان يؤثر أخاه الأكبر يوسف بمحبته وثقته، وقد اختاره لولاية عهده، وزحف بالفعل فى أنصاره على الحمراء، ولكن المحاولة فشلت، وتفرق الثوار حين برز إليهم سفير المغرب وقد كان وقتئذ بالقصر، وأنّبهم على مسلكهم، وأنصحهم بالتزام الهدوء والاتحاد ضد النصارى (١). وقام المسلمون فى عهد يوسف بالإغارة على أراضى النصارى فى أحواز مرسية ولورقة، وعاث الفرسان النصارى من جانبهم فى فحص غرناطة (المرج) La Vega فردهم المسلمون وأوقعوا بهم هزيمة شديدة. ثم عاد الفريقان إلى التهادن والسلم. وتوفى السلطان يوسف فى أوائل سنة ٧٩٧ هـ (١٣٩٤ م) بعد حكم قصير لم يدم سوى ثلاثة أعوام وبضعة أشهر. وقيل إنه توفى مسموما على أثر مكيدة دبرها سلطان المغرب أبو العباس المرينى لإهلاكه، وذلك بأن أرسل إليه هدايا بينها معطف جميل منقوع فى السم، فلبسه يوسف ومسّه أثناء ركوبه وهو عرقان، فسرى إليه السم وتوفى، وهى رواية تحمل طابع الخيال المغرق (٢). وخلف يوسف ولده محمد بعد أن دبر أمره مع الزعماء ورجال الدولة لإقصاء أخيه الأكبر يوسف عن العرش، ثم قبض على أخيه يوسف وزجه إلى قلعة شلوبانية الحصينة على مقربة من ثغر المنكَّب، وشدد فى الحجر عليه حتى يأمن منازعته إياه على الملك. وكان محمد وافر العنف والجرأة بعيد الأطماع، بيد أنه كان فى الوقت نفسه أميراً موهوباً، رفيع الخلال، فياض العزم والشجاعة. ولأول ولايته استدعى الوزير أبا عبد الله بن زَمْرك لحجابته. وكان هذا الوزير الطاغية قد حلف أستاذه ابن الخطيب فى وزارة الغنى بالله مدى أعوام طويلة، فلما اشتد عيثه واستبداده نكبه الغنى بالله ونفاه من الحضرة؛ ولم يمكث فى الوزارة هذه المرة سوى أشهر قلائل أساء فيها السيرة وكثر خصومه، وفى أواخر سنة ٧٩٧ هـ (١٣٩٥ م) دهمه جماعة من المتآمرين بمنزله وقتلوه وآله (٣). وسعى السلطان محمد إلى تجديد صلات المودة والتهادن بين غرناطة وقشتالة،

стр. 2625

وعقدت الهدنة فعلا بين الفريقين. بيد أنه لم يمض قليل على ذلك حتى أغار القشتاليون على بسائط غرناطة وعاثوا فيها، فحشد محمد قواته وغزا ولاية الغرب (١) وخربها، واستولى على حصن أيامونتى (٢)، وعاد مثقلا بالغنائم والسبى. وانتقم النصارى بالعود إلى غزو أراضى غرناطة. وكان هنرى الثالث ملك قشتالة تحدوه نحو مملكة غرناطة أطماع عظيمة، وكان يجدّ فى الأهبة للحرب ويجهز الجيوش والأساطيل، وكان محمد من جانبه يتأهب للدفاع، ويراسل ملوك العدوة لإنجاده، وبعث ملك تونس وأمير تلمسان بالفعل إلى المسلمين نجدة من الوحدات البحرية، ولكنها هزمت ومزقت تجاه جبل طارق. ثم عقد بين الفريقين اتفاق هدنة وتحكيم لتقدير الأضرار لمدة عامين (٦ أكتوبر سنة ١٤٠٦ م) (٣). ولكن هنرى الثالث توفى بعد ذلك بقليل (أواخر سنة ١٤٠٦ م) وخلفه على عرش قشتالة ولده خوان (يوحنا) طفلا تحت وصاية أمه وعمه فرناندو. ولم يحترم الوصىّ الجديد أحكام الهدنة المعقودة، بل عمد إلى تنفيذ مشاريع قشتالة بمنتهى القوة والعزم، فسار إلى غزو أراضى المسلمين، واستولى على حصن الصخرة على مقربة من رندة، واقتحم حصن باغة (٤)، وعاث فى تلك الأنحاء واسترد حصن أيامونتى من المسلمين. وبادر محمد من جانبه بغزو أراضى قشتالة من ناحية الشرق وعاث فى ولاية جيان، فاضطر فرناندو أن يسير إلى الشرق لإنجاد النصارى، واستمرت المعارك بين الفريقين حينا، ثم انتهت بعقد الهدنة وبينهما لمدة ثمانية أشهر (أوائل سنة ١٤٠٨ م). ولما عاد محمد إلى غرناطة اشتد به المرض ولم يلبث أن توفى وذلك فى سنة ٨١١ هـ (١٤٠٨ م). على أنه فى الوقت الذى كانت الحرب تضطرم فيه بين غرناطة وقشتالة على هذا النحو بلا انقطاع، كانت غرناطة ترتبط بمملكة أراجون منافسة قشتالة وخصيمتها أحياناً، بصلات المودة والصادقة. ففى ربيع الأول سنة ٨٠٨ هـ الموافق سبتمبر سنة ١٤٠٥ م، عقدت بين السلطان محمد وبين مرتين ملك أراجون وولده مرتين ملك صقلية، معاهدة صداقة وتحالف، توضح لنا نصوصها الدقيقة الشاملة

стр. 2626

مجمل المسائل التى كانت فى هذا العصر، تشغل المسلمين والنصارى فى شبه الجزيرة الإسبانية. وتنص هذه المعاهدة على أن يعقد بين الدولتين "صلح ثابت" لمدة خمسة أعوام من تاريخ عقدها، وأنه يحق لرعايا كل من الفريقين أن يتردد على أراضى الفريق الآخر، آمنين فى أنفسهم وأموالهم للتجارة والبيع والشراء، وأنه متى احتاج ملك أراجون أو ملك صقلية إلى معاونة على أعدائهما، فإن سلطان غرناطة ينجدهما بأربعمائة أو خمسمائة فارس على أن يتكفلا هما بنفقاتهم، وذلك بشرط أن لا يكون هذا العدو صديقاً لمملكة غرناطة، وأن يعامل الملكان سلطان غرناطة بالمثل فيقوما بإعانته بأربعة أو خمسة سفن مشحونة بالرجال والسلاح، على أن يتكفل هو بنفقاتها، وعلى ألا يكون هذا العدو صديقاً لمملكة أراجون، وألا يساعد أحد من الفريقين الثوار الذين يخرجون على الفريق الآخر بأى نوع من أنواع المساعدة. ونصّت فيما يتعلق بالمسائل البحرية، على أنه يسمح لسفن كل من الفريقين أن ترسو فى موانىء الفريق الآخر، وأن تزاول البيع والشراء آمنة، وأن تتلقى سائر أوجه الإعانة المشروعة، وألا تتعرض سفينة لأحد الفريقين للسفن الراسية فى موانىء الآخر، وأن يسمح للسفن التى تصاب بعطب من جراء العواصف أو غيرها، وتكون تابعة لأحد الفريقين، أن تصلح فى موانىء الآخر، وتُعان على ذلك، وأنه إذا استولى عدو على سفينة تابعة لأحد الفريقين، وقصدت مياه الطرف الآخر، فإنه لا يسمح لها بأن تبيع شيئاً من حمولتها فيه، وكذلك يكون الحكم فيما يتعلق بالأشخاص أو السلع المأخوذة من أحد الطرفين. ونصت فيما يتعلق بتسريح الرعايا، على أنه إذا انتزع أحد الطرفين من عدوه مدينة أو موضعاً ما، وكان فيه أحد من رعايا الطرف الآخر، فإنه يسرح فى الحال مؤمناً فى نفسه وماله، ويكون الحكم كذلك فيما يتعلق بالسفن التى يستولى عليها أحد الطرفين من عدوه؛ وأنه إذا كان لدى أحد الطرفين أسرى من رعايا الطرف الآخر، فإنه يفك أسرهم لقاء دفع مائة دينار ذهبا عن الشخص الواحد، فإذا كان الأسير ملكاً لأحد من رعايا أى الطرفين، فإنه يسمح بافتكاك أسره نظير دفع الثمن الذى اشترى به، ويلتزم كل من الفريقين بألا يخفى أو يغيب أحداً من الأسرى؛ وأنه إذا دخل مجاورون تابعون لأحد الطرفين فى أرض الآخر واحتملوا منها أسرى أو بضائع، فإنها تطلب ممن تستقر لديه، ويأمر قائد الموضع الذى

стр. 2627

به الأسرى والبضائع بردها لمن أخذت منهم، وبالبحث عن الفاعلين ومعاقبتهم (١). ولما توفى محمد خلفه فى الملك أخوه يوسف (الثالث)، وكان سجينا طوال حكمه بقلعة شلوبانية كما قدمنا. ودخل يوسف غرناطة فى حفل فخم، واستقبله الشعب بحماسة. وكان يتمتع بخلال حسنة، ويعلق عليه الشعب آمالا كبيرة. وكان أول ما عنى به أن سعى إلى تجديد الهدنة مع قشتالة، فاستجاب بلاط قشتالة إلى دعوته فى البداية وعقدت الهدنة بين الفريقين لمدة عامين. ولكنه لما سعى بعد مضى العامين إلى تجديدها أبى القشتاليون، وطلبوا إليه الخضوع لقشتالة إذا شاء استمرار السلم، وأنذروه بإعلان الحرب، فرفض وأخذ فى الأهبة للقتال. وكان ملك قشتالة يومئذ خوان الثانى تحت وصاية أمه وعمه فرناندو، فما كادت تنتهى الهدنة حتى زحف النصارى على أرض غرناطة بقيادة فرناندو الوصى، وضربوا الحصار حول مدينة أنتقيرة فى شمال غربى مالقة، فهرع يوسف إلى لقاء الغزاة، وحاولت حامية أنتقيرة أن تحطم الحصار، وأنزلت بالمحاصرين خسائر فادحة، ثم نشبت بين المسلمين النصارى معركة كبيرة بجوار أنتقيرة، وبذل المسلمون لإنقاذ المدينة المحصورة جهوداً رائعة، ولكنهم هزموا أخيراً واضطرت المدينة الباسلة إلى التسليم، فدخلها النصارى (سنة ١٤١٢ م) وأسبغ على فاتحها فرناندو من ذلك الحين لقب "صاحب أنتقيرة". وعاث النصارى بعد ذلك فى أراضى المسلمين. وأخيراً رأى السلطان يوسف أن يسعى إلى عقد الهدنة مع قشتالة حقنا لدماء المسلمين، واجتنابا لاستمرار هذه المعارك المخربة، فارتضى بلاط قشتالة وعقد السلم بين الفريقين، على أن يطلق ملك غرناطة سراح بضع مئات من الأسرى النصارى دون فدية. وفى عهد يوسف ثار أهل جبل طارق، ودعوا ملك المغرب أبا سعيد المرينى إلى احتلال الثغر. لاعتقادهم أنه أقدر على حمايتهم من غارات النصارى، فبعث إليهم أبو سعيد أخاه عبد الله فى الجند تخلصاً منه، ولكن ابن الأحمرما كاد يقف على هذه المؤامرة حتى أرسل المدد إلى حاكم جبل طارق، واستطاع الغرناطيون أن يهزموا المغاربة فى موقعة حاسمة، وأسر زعيمهم عبد الله، فأكرم ابن الأحمر وفادته، ثم رده إلى المغرب، وزوده بالمال وبعض الجند ليناهض أخاه،

стр. 2628

فهرعت القبائل لتأييده، واستطاع أن ينتزع الملك لنفسه من أخيه (١). ولما عقدت الهدنة بين مملكتى قشتالة وغرناطة، أخذت أواصر السلم تتوثق بينهما، وسادت بين بلاط غرناطة وبلاط اشبيلية علائق المودة والاحترام المتبادل، ولم تشهد غرناطة من قبل عهداً كعهد يوسف ساد فيه الوئام بين الأمتين الخصيمتين. وكانت غرناطة يومئذ تغص بالفرسان والأشراف النصارى، تجتذبهم خلال أميرها وبهاء بلاطها وفروستها. وكانت حفلات المبارزات الرائعة تعقد بين الفرسان المسلمين والنصارى فى أعظم ساحات المدينة، وتجرى طبقاً لأرفع رسوم الفروسية الإسلامية، ويشهدها أجمل وأشرف العقائل المسلمات سافرات، وتبدو غرناطة فى تلك الأيام المشهودة فى أروع الحلل وأبدع الزينات (٢). وكانت الأمة الأندلسية تتمتع يومئذ فى ظل ملكها الرشيد العادل بنعم الرخاء والسكينة والأمن، ولكنها كانت تنحدر فى نفس الوقت فى ظل هذا السلم الخلب والترف الناعم، إلى نوع من الانحلال الخطر الذى يعصف بمنعتها وأهباتها الدفاعية. وتوفى السلطان يوسف فى سنة ٨٢٠ هـ (١٤١٧ م) بعد حكم دام نحو تسعة أعوام، وكان أميراً راجح العقل، بارع السياسة، عظيم الفروسية والنجدة، محباً لشعبه، فكان حكمه التقصير صفحة زاهية فى تاريخ مملكة غرناطة. - ٣ - وتوالى على عرش غرناطة بعد السلطان يوسف عدة من الأمراء الضعاف، أولهم ولده أبو عبد الله محمد الملقب بالأيسر. وكان أميراً صارما سيىء الخلال، متعاليا على أهل دولته، بعيداً عن الاتصال بشعبه، لا يكاد يبدو فى أية مناسبة عامة، وكان وزيره يوسف بن سراج واسطته الوحيدة للاتصال بشعبه وكبراء دولته. وكان هذا الوزير النابه، وهو يومئذ زعيم أعظم وأشرف بيوت غرناطة، يعمل ببراعته ورقّة خلاله، لتلطيف حدة السخط العام على مليكه. بيد أنه كان يحاول أمراً صعباً. ولابد لنا أن نقول كلمة فى التعريف ببنى سراج، وهم الذين يقترن اسمهم منذ الآن بحوادث مملكة غرناطة، والذين غدت سيرتهم فيما بعد مستقى خصبا للقصص المغرق. فهم بنو سراج من أعرق الأسر الأندلسية العربية، ويرجع أصلهم حسبما يشير

стр. 2629

المقرى إلى مَذْحج وطىء من البطون العربية العريقة، التى وفد بنوها إلى الأندلس منذ الفتح، وكان منزلهم بقرطبة وقبلى مرسية، بيد أنهم لم يظهروا على مسرح الحوادث فى تاريخ الأندلس إلا فى مرحلته الأخيرة أعنى فى تاريخ غرناطة، وقد كانوا بغرناطة من أعظم سادتها، وكانوا أندادا للعرش والسلاطين (١). ومنذ عهد السلطان الأيسر نرى بنى سراج فى طليعة القادة والزعماء، الذين يأخذون فى سير الحوادث بأعظم نصيب. وقد كان حكم السلطان الأيسر، بداية سلسلة من الاضطرابات والقلائل المتعاقبة. وفى عهده ساءت الأحوال، واشتد سخط الشعب ولم تُجد محاولات الوزير ابن سراج لتهدئة الأمور. وقامت ثورات متعاقبة، فقد فيها الأيسر عرشه ثم استرده غير مرة، وكان بلاط قشتالة يشجع هذه الإنقلابات ويؤازرها، وكان الزعماء الثائرون يتطلعون دائماً إلى عون قشتالة ووحيها. وسنرى فيما يلى كيف كانت دسائس قشتالة ومؤامراتها حول عرش غرناطة فى تلك الفترة، من أعظم العوامل فى انحلال المملكة الإسلامية والتعجيل بسقوطها. وفى خلال حكم الأيسر المضطرب، كان النصارى يتربصون الفرص لغزو مملكة غرناطة، فزحفوا عليها فى سنة ٨٣١ هـ (١٤٢٨ م) وتوغلوا فى أرجائها، وعاثوا فى بسائط وادى آش، فزادت الأمور فى غرناطة اضطرابا، وازداد الشعب على الأيسر سخطاً، لأنه فوق غطرسته وتعاليه، لم يفلح فى رد العدو عن أرض الوطن؛ وسرعان ما انفجر بركان الثورة وزحف الثوار على الحمراء، ونادوا بولاية الأمير محمد بن محمد بن يوسف الثالث، وهو ابن أخى الأيسر. وفى رواية أنه ولده، ومحمد هذا هو الملقب "بالزغير". وفر الأيسر فى أهله ونفر من خاصته، وركب البحر إلى تونس مستظلا بحماية سلطانها أبى فارس الحفصى. وجلس محمد " الزغير " أو أبو عبد الله الصغير، حسبما يسمى فى بعض الوثائق الرسمية (٢).

стр. 2630

على عرش غرناطة. وكان أميراً بارع الخلال، وافر الفروسية، يعشق الآداب والفنون، وكان يحاول اكتساب محبة الشعب، بفيض من الحفلات ومباريات الفروسة، ولكنه لم يوفق إلى إخماد الدسائس والفتن المستمرة. وكان بنو سراج ألد خصومه وأشدهم مراسا، فمال عليهم وطاردهم وعوّل على سحقهم، واستئصال نفوذهم القوى المتغلغل فى أنحاء المملكة، وغادر يوسف بن سراج غرناطة مع عدد كبير من السادة والفرسان من أفراد أسرته، تفاديا لانتقام "الزغير" وبطشه، وسار أولا إلى ولاية مرسية ثم سار إلى إشبيلية ملتجئاً إلى حماية ملك قشتالة خوان الثانى، فرحب بهم وأكرم وفادتهم. واتفق يوسف بن سراج مع ملك قشتالة على العمل لرد السلطان الأيسر إلى العرش. واستدعى الأيسر من تونس فلبى الدعوة، وزوده السلطان أبو فارس بفرقة من الفرسان، وهدايا ثمينة لملك قشتالة، ونزل الأيسر فى عصبته فى ثغر ألمرية، حيث استقبله الشعب بحفاوة، ونودى به ملكا. ونمى الخبر إلى الزغير، فأرسل بعض قواته لمقاتلة الأيسر والقبض عليه، ولكن معظم جنده انضموا إلى الأيسر، وسار الأيسر بعد ذلك إلى وادى آش حيث يحتشد أنصاره، ثم زحف على غرناطة فى قوة كبيرة، ورأى محمد الزغير أنصاره ينفضون من حوله تباعا، بيد أنه امتنع فى عصبته القليلة بقلعة الحمراء، معتزما الدفاع عن ملكه. ودخل الأيسر غرناطة، واستقبل بحماسة وأعلن ملكاً، وحاصر الحمراء بشدة فسلمها إليه أنصار الزغير، وفى رواية أن الأيسر قبض على الزغير وقطع رأسه، وقبض على أولاده وأهله، وفى رواية أخرى أنه قبض عليه، واعتقله هو وأخاه الأمير أبا الحسن على بن يوسف فى قلعة شلوبانية الحصينة وهى سجن الدولة الرسمى فى عهد بنى نصر. وهكذا انتهت مغامرة الزغير على هذا النحو المؤسى بعد أن حكم عامين وبضعة أشهر (سنة ١٤٣٠ م) (١). ونظم السلطان الأيسر الأمور، وأعاد يوسف بن سراج إلى الوزارة،
следующие страницы →