← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

وقد وصلت إلينا روايات عديدة عن حوادث هذا اليوم المؤسى ومناظره -يوم احتلال القشتاليين لمدينة غرناطة، آخر الحواضر الإسلامية بالأندلس-، والرواية الغالبة التى يتفق عليها معظم المؤرخين الإسبان تقدم إلينا التفاصيل الآتية عن حوادث هذا اليوم المشهود. ففى صباح هذا اليوم، كان المعسكر النصرانى فى شنتفى يموج بالضجيج والابتهاج. وكانت الأوامر قد صدرت، والأهبة قد اتخذت لاحتلال المدينة. وكان قد اتفق بين أبى عبد الله والملك فرناندو أن تطلق من الحمراء ثلاثة مدافع تكون إيذاناً بالاستعداد للتسليم. ولم يشأ فرناندو أن يسير إلى الحاضرة الإسلامية بنفسه، قبل التحقق من خضوعها التام، واستتباب الأمن والسلامة فيها. فأرسل إليها قوة من ثلاثة آلاف جندى وسرية من الفرسان، وعلى رأسها الكردينال بيدرو دى مندوسا مطران اسبانيا الأكبر. وكان من المتفق عليه أيضاً بين فرناندو وأبى عبد الله ألا يخترق الجيش النصرانى شوارع المدينة، بل يسير تواً إلى قصبة الحمراء، حتى لا يقع حادث أو شغب. ومن ثم فقد اخترق الجند القشتاليون الفحص إلى ضاحية أرميليا Armilla ( أرملة) الواقعة جنوبى غرناطة، ثم عبروا نهر شنيل، واتجهوا تواً إلى قصر الحمراء من ناحية التل المسمى "تل الرَّحى" Questa de los Molinos، الواقع غربى المدينة وجنوبى غربى الحمراء. وسار الملك فرناندو فى الوقت نفسه فى قوة أخرى، ورابط على ضفة شنيل، ومن حوله أكابر الفرسان والخاصة فى ثيابهم الزاهية، حتى يمهد الكردينال الطريق لمقدم الركب الملكى. وانتظرت الملكة إيسابيلا فى سرية أخرى من الفرسان فى أرميليا، على قيد مسافة قريبة. ووصل الجند القشتاليون إلى مدينة غرناطة من هذه الطريق المنحرفة نحو الظهر، وكانت أبواب الحمراء قد فتحت وأخليت أبهاؤها استعداداً للساعة الحاسمة. وهنا تختلف الرواية، فيقال إن الذى استقبل الكردينال مندوسا وصحبه هو الوزير ابن كماشه، الذى ندب للقيام بتلك المهمة المؤلمة، وسلم الحرس المسلمون السلاح والأبراج. وكان يسود المدينة كلها، ويسود القصبة والقصر، وما إليه، سكون الموت. وفى رواية أخرى أن أبا عبد الله قد شهد بنفسه تسليم الحمراء، وأنه حينما تقدم القشتاليون من تل الرَّحى صاعدين نحو الحمراء، تقدم أبو عبد الله من

стр. 2732

مخطط: غرناطة الإسلامية

стр. 2733

باب الطباق السبع راجلا، يتبعه خمسون من فرسانه وحشمه. فلما عرف الكردينال أبا عبد الله، ترجل عن جواده، وتقدم إلى لقائه، وحياه باحترام وحفاوة، ثم ابتعد الرجلان قليلا، وتحدثا برهة على انفراد. ثم قال أبو عبد الله بصوت مسموع: (١) "هيا يا سيدى، فى هذه الساعة الطيبة، وتسلم هذه القصور -قصورى- باسم الملكين العظيمين اللذين أراد لهما الله القادر أن يستوليا عليها، لفضائلهما، وزلات المسلمين". فوجه الكردينال إلى أبى عبد الله بعض عبارات المواساة، ودعاه لأن يقيم فى خيمته فى المعسكر اللكى طيلة الوقت الذى يمكثه فى شنتفى، فقبل أبو عبد الله شاكراً. ثم سار فى فرسانه وحشمه للقاء الملك الكاثوليكى. وتم تسليم القصور الملكية والأبراج على يد الوزير ابن كماشه، الذى ندبه أبو عبد الله للقيام بهذه المهمة. وما كاد الكردينال وصحبه يجوزون إلى داخل القصر الإسلامى المنيف، حتى رفعوا فوق برجه الأعلى، وهو المسمى برج الحراسة Torre de la Vela صليباً فضياً كبيراً، هو الذى كان يحمله الملك فرناندو خلال حرب غرناطة، كما رفعوا إلى جانبه علم قشتالة وعلم القديس ياقب، وأعلن المنادى من فوق البرج بصوت جهورى ثلاثا أن غرناطة أصبحت ملكاً للملكين الكاثوليكيين وأطلقت المدافع تدوى فى الفضاء. ثم انطلقت فرقة الرهبان الملكية ترتل صلاة "الحمد لله" Te Deum laudamus، على أنغام الموسيقى. وهكذا كان كل هنالك يؤكد الصفة الصليبية العميقة لهذه الحرب التى شهرتها اسبانيا النصرانية على الأمة الأندلسية، وعلى الإسلام فى اسبانيا. وفى أثناء ذلك كان أبو عبد الله، فى طريقه إلى لقاء الملك الكاثوليكى. وكان فرناندو يرابط كما قدمنا على ضفة نهر شنيل، على مقربة من المسجد، الذى حُوّل فيما بعد إلى كنيسة "سان سبستيان". وهنالك لقى أبو عبد الله عدوه الظافر، وسلمه مفاتيح الحمراء. وسوف نصف منظر هذا اللقاء المؤثر فيما بعد. وكذلك قدم أبو عبد الله خاتمه الذهبى، الذى كان يوقع به على الأوامر الرسمية، إلى الكونت دى تندليا الذى عين محافظاً للمدينة. وسار فى صحبه بعد ذلك فى طريق شنتفى، يتبعه أهله، أمه وزوجته وأخواته، وكانه موكباً مؤسياً. وعرج فى طريقه على محلة الملكة إيسابيلا فى أرميليا. فاستقبلته

стр. 2734

وأسرته برقة ومجاملة، وحاولت تخفيف آلامه، وسلمته ولده الصغير الذى كان ضمن رهائن التسليم. وهنا تعود الرواية فتختلف اختلافاً بيناً. فيقول البعض إن الملكين الكاثوليكيين دخلا قصر الحمراء فى نفس اليوم. وينفى البعض الآخر ذلك، ومنهم صاحب " أخبار العصر"، ويقول إنهما لم يدخلاه إلا بعد ذلك ببضعة أيام. تقول الرواية الأولى، إن الملكة إيسابيلا، سارت على أثر استقبالها لأبى عبد الله، وانضمت بصحبها إلى الملك فرناندو، ثم سار الإثنان إلى الحمراء، بينما انتشر القشتاليون فى الساحة المجاورة. ودخل الملكان من "باب الشريعة"، حيث استقبلهما الكردينال مندوسا والوزير ابن كماشه، وأعطى مفاتيح الحمراء إلى الدون ديجو دى مندوسا الذى عين حاكما للمدينة. وبعد أن تجول الملكان قليلا فى القصر، وشهدا جماله وروعته، عادا إلى شنتفى. وبقى الكونت دى تندليا فى الحمراء مع حامية قوية من خمسمائة جندى. ثم عاد الملكان فزارا الحمراء زيارتهما الرسمية فى يوم ٦ يناير، وسارا فى موكب فخم من الأمراء والكبر اء وأشراف العقائل، ودخلا غرناطة من باب إلبيرة، ثم جازا إلى الحمراء من طريق مرتفع غمارة، ودخلا قصر الحمراء وجلسا فى بهو قمارش أو المشور (١) حيث كان يجلس الملوك المسلمون فى نفس المكان على عرشهم، على عرش أعده الكونت دى تندليا، وهنالك أقبل أشراف قشتالة للتهنئة، وكذلك بعض الفرسان المسلمين، الذين أتوا ليقدموا شعائر التحية والتجلة لسادتهم الجدد. وفى خلال ذلك كان الملكان الكاثوليكيان، قد أفرجا عن رهائن المسلمين الخمسمائة، وفى مقدمتها ولد أبى عبد الله، وأفرج المسلمون من جانبهم عن الأسرى النصارى، وعددهم نحو سبعمائة أسير رجالا ونساء. وتعهد القشتاليون من جانبهم، أن يطلقوا سراح الأسرى المسلمين فى سائر مملكة قشتالة، فى ظرف خمسة أشهر بالنسبة للأسرى الموجودين بالأندلس، وثمانية أشهر بالنسبة للأسرى الموجودين فى بقية أراضى قشتالة. تلك خلاصة الرواية القشتالية عن تسليم غرناطة ومدينة الحمراء للملكين الكاثوليكيين. بيد أن هنالك رواية أخرى لشاهد عيان، كتبها فارس فرنسى كان يقاتل فى صفوف الجيش القشتالى، وشهد بنفسه حفلات التسليم، ونشرت

стр. 2735

روايته فى القرن السادس عشر ضمن مؤلف عنوانه La Mar de las Historias " بحر التواريخ". وهذه خلاصتها: أن الذى أوفده الملكان الكاثوليكيان لاستلام الحمراء فى يوم ٢ يناير، هو الأستاذ الأعظم رئيس جمعية شنت ياقب، جوتيرى دى كارديناس، وليس الكاردينال مندوسا حسبما تروى التواريخ القشتالية. وأنه تسلم القصر والأبراج وأخرج منها الحرس المسلمين، ووضع بها الحرس النصارى، وأنه رفع الصليب الكبير فوق برج الحراسة ثلاث مرات، والمسلمون من أسفل يصعدون الزفرات ويذرفون الدموع، ثم لوح بعده ذلك بعلم شنت ياقب ثلاث مرات، ونُصب إلى جانب الصليب، وصاح المنادى بعد ذلك: القديس يعقوب ثلاثاً. قشتالة ثلاثاً. غرناطة لسيدنا الدون فرناندو ودونيا إيسابيل ثلاثاً. وأن الملك فرناندو لما رأى الصليب، وهو فى جنده من أسفل، ترجل وجثا على ركبتيه، وجثا الجند جميعاً شكراً لله. ثم أطلقت المدافع ابتهاجاً. وفى اليوم التالى الثالث من يناير، سار الكردينال مندوسا والكونت دى تندليا، الذى عين محافظاً للحمراء، إلى قصبة الحمراء فى نحو ألف فارس وألفى راجل، وسلم إليه الأستاذ الأعظم مفاتيح القصر والحصن. وفى اليوم الثامن من يناير، سار الملكان الكاثوليكيان إلى غرناطة، فى موكب حافل من الأمراء والأكابر والأحبار والأشراف، وتسلم الملكان مدينة الحمراء بصفة رسمية. وأقيم القداس فى الجامع الأعظم، وحول الجامع منذ ذلك اليوم إلى كتدرائية غرناطة. وفى ذلك اليوم أقيمت مأدبة عظيمة فى قصر الحمراء، ومدت الموائد الحافلة فى أبهاء القصر العظيمة، وجلس إليها الملكان والأمراء والعظماء، وكانت مأدبة رائعة. ويستخلص من هذه الرواية، التى يؤيدها مؤرخون آخرون، أن أبا عبد الله لم يستقبل الملكين الكاثوليكيين ولا مندوبيهما وقت التسليم، ولم تقع بينه وبين الكردينال ولا بين الملكين، الأحاديث التى سبقت الإشارة إليها. وإلى جانب ذلك يرى بعض النقدة المحدثين، أن أبا عبد الله حينما خرج للقاء الملكين الكاثوليكيين، قد فعل ذلك وهو فى صحبه وحشمه فقط دون أهله، وأنه خرج يومئذ من داره الملكية الخاصة بحىّ البيازين، ولم يخرج من قصر الحمراء، وأنه كان يعيش فى هذه الدار مع أهله وولده مذ عاد من الأسر،

стр. 2736

حتى أعلن الخلاف والحرب على الملكين الكاثوليكيين (١)، وأنه كان يشعر وهو فى هذه الدار، أنه بين أنصاره ومؤيديه، وأخيراً أنه كان قد أمر بإخلاء قصر الحمراء، وندب من يقوم بمهمة التسليم فى اليوم الثانى من يناير. وفى هذا اليوم خرج فى نفر من صحبه، ليقدم إلى الملكين الكاثوليكيين شعائر التحية والخضوع، ثم عاد إلى داره فبقى بها أياماً، حتى سويت مسألة مصيره مع الملكين الكاثوليكيين. على أنه يبدو لنا من تتبع حوادث حصار غرناطة، وما تلاه من مفاوضات على التسليم، أن الرواية الراجحة فى هذا الشأن، هو أن أبا عبد الله، حتى مع افتراض أنه لم يشهد رسوم التسليم، ولم يقم بها بنفسه " كان يقيم بقصر الحمراء، يحيط به وزراؤه وقواده طيلة هذه الأحداث الخطيرة، أو على الأقل مذ بدأت مفاوضات التسليم بينه وبين الملكين الكاثوليكيين، ومذ أبرمت بينهما معاهدة التسليم، حتى يوم الحسم النهائى الذى تم فيه ذلك التسليم، وأنه خرج فى ذلك اليوم المشهود من الحمراء للقاء عدوه الظافر. ومن المعقول أن تكون الحمراء قد أخليت قبل ذلك استعداداً لتسليمها لسادتها الجدد، وذلك حسبما يشير إليه صاحب "أخبار العصر" (٢). هذا وتلقى الرواية الإسلامية المعاصرة ضوءاً على دخول ملك قشتالة مدينة غرناطة، وتصفه على النحو الآتى: "فلما كان اليوم الثانى لربيع الأول عام سبعة وتسعين وثمانمائة (٢ يناير سنة ١٤٩٢) أقبل ملك الروم بجيوشه حتى قرب من البلد، وبعث جناحاً من جيشه فدخلوا مدينة الحمراء، وأقام هو ببقية الجيوش خارج البلد، لأنه كان يخاف من الغدر، وكان طلب من أهل البلد حين وقع الإتفاق على ما ذكر، رهوناً من أهل البلد ليطمئن بذلك، فأعطوه خمسمائة رجل منهم، وأقعدهم بمحلته. فلما اطمأن من أهل البلد، ولم ير منهم غدراً، سرح جنوده لدخول البلد والحمراء، فدخل منهم خلق كثير وبقى هو خارج البلد، وأشحن الحمراء بكثير من الدقيق والطعام والعدة، وترك فيها قائداً من قواده، وانصرف راجعاً إلى محلته .. ثم إن ملك الروم

стр. 2737

سرح الناس الذين كانوا عنده مرتهنين، ومُؤمّنين فى أموالهم وأنفسهم مكرمين. وأقبل فى جيوشه حين أطمأن، فدخل مدينة الحمراء فى بعض خواصه، وبقى الجند خارج البلد، وبقى يتنزه فى الحمراء فى القصور والمنارة المشيدة إلى آخر النهار، ثم خرج بجنوده وصار إلى محلته. فمن غد أخذ فى بناء الحمراء وتشييدها، وتحصينها وإصلاح شأنها، وفتح طرقها، وهو مع ذلك يتردد إلى الحمراء بالنهار ويرجع بالليل لمحلته، فلم يزل كذلك إلى أن اطمأنت نفسه من غدر المسلمين، فحينئذ دخل البلد، ودار فيه فى نفر من قومه وحشمه ... " (١). ... وهكذا اختتمت المأساة الأندلسية، واستولى القشتاليون على غرناطة آخر الحواضر الإسلامية فى اسبانيا، وخفق علم النصرانية ظافراً فوق صرح الإسلام المغلوب، وانتهت بذلك دولة الإسلام بالأندلس، وطويت إلى الأبد تلك الصفحة المجيدة المؤثرة من تاريخ الإسلام، وقُضى على الحضارة الأندلسية الباهرة، وآدابها وعلومها وفنونها، وكل ذلك التراث الشامخ، بالفناء والمحو. شهد المسلمون احتلال العدو الظافر لحاضرتهم ودار ملكهم، وموطن آبائهم وأجدادهم، وقلوبهم تتفطر حزناً وأسى. على أن هذه المناظر المحزنة، كانت تحجب مأساة أليمة أخرى؛ تلك هى مأساة الملك التعس أبى عبد الله آخر ملوك بنى الأحمر وآخر ملوك الإسلام بالأندلس. فقد تقرر مصيره، وبينت حقوقه وامتيازاته وفقاً للمعاهدة السرية التى عقدت يينه وبين الملكين الكاثوليكيين. وقد نصت المعاهدة المذكورة على أن يقطع أبو عبد الله طائفة من الأراضى والضياع فى برجة ودلاية وأندرش وأجيجر وأرجبة ولوشار وبضعة بلاد أخرى من أعمال منطقة البشرّات، وهذه البلاد يقع بعضها فى جنوب غربى ولاية ألمرية، والبعض الآخر قبالتها فى جنوب شرقى ولاية غرناطة، وأن يحكم أبو عبد الله فى هذه المنطقة باسم ملك قشتالة وتحت حمايته، ويتمتع بدخلها وسائر غلاتها وحقوقها. وقد حددت إقامته، أو اختار هو الإقامة فى إحداها وهى بلدة أندَرَش الواقعة على النهر الأخضر شمالى ثغر أدرة الصغير. ولما اقترب اليوم المروع -يوم التسليم- قام أبو عبد الله باتخاذ أهبته للرحيل مع أهله وحشمه وخاصته. وفى صباح اليوم الثانى من يناير سنة ١٤٩٢ م، فى الوقت

стр. 2738

الذى اقترب فيه النصارى من أسوار غرناطة، كان أبو عبد الله قد غادر قصره وموطن عزه ومجد آبائه إلى الأبد، فى مناظر تثير الأسى والشجن. وهنالك روايتان، فهل خرج أبو عبد الله عندئذ لآخر مرة من الحمراء مع أهله وحشمه وأمتعته؟ أم هل خرج بمفرده فى صحبه من الحمراء للقاء الملكين الكاثوليكيين، ثم لحق به بعد ذلك ركب أهله وأمتعته؟ وهل سار تواً إلى طريق البشرّات حيث تعين محل إقامته، أم عرج على المعسكر القشتالى الملكى فى شنتفى فلبث فيه مع أهله أياماً، ثم سار بعد ذلك إلى البشرات؟ أما الرواية الأولى، وهى أكثر الروايات ذيوعاً لدى المؤرخين القشتاليين، فتجرى على النحو الآتى: فى فجر اليوم الثانى من يناير، وهو اليوم الذى حدد لتسليم الحمراء، كان رنين البكاء يتردد فى غرف قصر الحمراء وأبهائه، وكانت الحاشية منهمكة فى حزم أمتعة الملك المخلوع وآله، وقد ساد الوجوم كل محيا، واحتبست الزفرات فى الصدور. وما كادت تباشير الصبح تبدو، حتى غادر القصر، ركب قاتم مؤثر هو ركب الملك المنفى، يحمل أمواله وأمتعته، ومن ورائه أهله وصحبه القلائل، وحوله كوكبة من الفرسان المخلصين. وكانت أمه الأميرة عائشة تمتطى صهوة جوادها، يشع الحزن من محياها الوقور، وكان باقى السيدات من آله وحشمه، يرسلن الزفرات العميقة والدموع السخينة. واخترق الركب غرناطة فى صمت البكور وستره؛ وحين بلغ الباب الذى سيغادر منه المدينة إلى الأبد، ضج الحراس بالبكاء لرؤية ذلك المنظر المؤلم، ثم اتجه الركب صوب نهر شنيل فى طريق البشرات. وليس أبلغ فى وصف هذه المناظر المؤسية من قول شوقى طيب الله ثراه: (١). مشت الحادثات فى غرف الحمـ ... راء مشى النعش فى دار عرس هتكت عزة الحجاب وفضت ... سدة الباب من سمير وأنس عرصات تخلت الخيل عنها ... واستراحت من احتراس وعس ومغارة على الليالى وضاء ... لم تجد للعشى تكرار مس ... آخر العهد بالجزيرة كانت ... بعد عرك من الزمان وضرس فنراها تقول راية جيش ... باد بالأمس يين أمر وحس

стр. 2739

ومفاتيحها مقاليد ملك ... باعها الوارث المضيع ببخس خرج القوم فى كتائب صم ... عن حفاظ كموكب الدفن خرس ركبوا بالبحار نعشا ... وكانت تحت أبائهم هى العرش أمس ... وأما أبو عبد الله، فقد اتجه إلى وجهة أخرى ليتجرع كأسه المرة إلى الثمالة، وكان قد تقرر اللقاء فى صباح ذلك اليوم بينه وبين ملك قشتالة، فخرج من باب مدينة الحمراء المسمى باب الطباق السبع Siete Suelos، فى طريقه إلى لقاء عدوه الظافر، وسيده الجديد، فى نفر من الفرسان والخاصة. فاستقبله فرناندو بترحاب وحفاوة فى محلته على ضفة نهر شنيل. وتصف لنا الرواية القشتالية هذا المنظر المؤثر فتقول إن أبا عبد الله حين لمح فرناندو هَمَّ بترك جواده، ولكن فرناندو بادر بمنعه وعانقه بعطف ومودة، فقبّل أبو عبد الله ذراعه اليمنى إيماءة الخضوع. ثم قدّم إليه مفتاحى البابين الرئيسيين للحمراء قائلا: "إنهما مفتاحى هذه الجنة، وهما الأثر الأخير لدولة المسلمين فى اسبانيا، وقد أصبحت أيها الملك سيد تراثنا وديارنا وأشخاصنا. هكذا قضى الله، فكن فى ظفرك رحيما عادلا". وتضيف الرواية القشتالية إلى ذلك أن فرناندو تناول المفتاحين قائلا: "لا تشك فى وعودنا، ولا تعوزنك الثقة خلال المحنة، وسوف تعوض لك صداقتنا ما سلبه القدر منك" (١). بيد أن مؤرخاً قشتالياً عاش قريباً من ذلك العصر، يقدم إلينا رواية أخرى ربما كانت أقرب إلى الصحة والمعقول، وهى أن مفاتيح الحمراء قدمها القائد ابن كماشه مأمور التسليم إلى الملك فرناندو حينما وصل إلى الباب الرئيسى، وأن فرناندو ناولها بدوره إلى قائده لوبث دى مندوسا (كونت تندليا) الذى عينه حاكماً عسكرياً لغرناطة (٢). وسار أبو عبد الله بعد ذلك صحبة فرناندو، إلى حيث كانت الملكة إيسابيلا فى ضاحية أرمليا، فقدم إليها تحياته وطاعته. ثم ارتد إلى طريق البشرّات ليلحق بأسرته وخاصته. وهنا تقول الرواية القشتاية إن أبا عبد الله

стр. 2740

أشرف أثناء مسيره فى شعب تل البذول (بادول) على منظر غرناطة، فوقف يسرح بصره لآخر مرة فى هاتيك الربوع العزيزة التى ترعرع فيها، وشهدت مواطن عزه وسلطانه، فانهمر فى الحال دمعه، وأجهش بالبكاء. فصاحت به أمه عائشة؛ "أجل فلتبك كالنساء، ملكاً لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال". وتعرف الرواية الإسبانية تلك الأكمة التى كانت مسرحاً لذلك المنظر المحزن باسم شعرى مؤثر هو "زفرة العربى الأخيرة" El ultimo Suspiro del Moro، وما تزال قائمة معروفة حتى اليوم، يعينها سكان تلك المنطقة للسائح المتجول. ثم تقول الرواية أيضاً إن باب الحمراء الذى خرج منه أبو عبد الله لآخر مرة، وهو باب الطباق السبع قد سد عقب خروجه برجاء منه إلى ملك قشتالة، وبنى مكانه، حتى لا يجوزه من بعده إنسان (١). وما زالت الرواية تعين لنا مكان هذا الباب بين الأطلال الدارسة. وهو يقع فى طرف الهضبة فى الجنوب الشرقى منها على مقربة من "برج الماء". وقد رأيناه، وقد سد فراغه حقيقة بالبناء. وأما الرواية الأخرى، وهى الأقل ذيوعاً، فخلاصتها أن أبا عبد الله خرج من الحمراء فى صبيحة يوم التسليم بمفرده وفى نفر من صحبه إلى لقاء الملكين الكاثوليكيين وخرج بعد ذلك ركب أهله وأمتعته من الدار الملكية بحىّ البيازين ليلتقى به بعد انتهاء مهمته، وأنه لم يسر بعد ذلك تواً إلى البشرّات، بل سار بأهله وأمتعته إلى المعسكر القشتالى فى شنتفى، فقضى به أياماً، حتى سويت المسائل المتعلقة بمصيره، ثم سار الجميع بعد ذلك إلى أندرش التى اختارها أبو عبد الله مستقراً ومقاماً. ... وقد كان لمحنة الأندلس المؤلمة ونهايتها المحزنة، وقع عميق فى جنبات العالم الإسلامى، ولاسيما فى أمم المغرب، فى الضفة الأخرى من البحر. غير أن هذه المحنة الغامرة لم تثر وحى الشعر، كما أثاره من قبل سقوط الثغور والقواعد الأندلسية، أيام أن كان للدولة الإسلامية بقيو من القوة والأمل. ذلك أن دولة الشعر الأندلسى كانت قد انهارت منذ بعيد، وتحطمت الأقلام، وعقدت المحنة الغامرة كل لسان. ومع ذلك فقد صدرت فى رثاء الأندلس نفثات قوية مؤثرة تهز أوتار القلوب، معظمها من الضفة الأخرى من البحر من شعراء المغرب. ومن أشهر المراثى التى نظمت فى رثاء الأندلس عقب المحنة بقليل، رثاء طويل

стр. 2741

مؤثر لشاعر أندلسى مجهول، يبدو أنه عاصر حوادث المحنة من بدايتها حتى نهايتها. وإليك مقتطفات من تلك المرثية المشجية التى رتبت وفقاً للوقائع والتواريخ: أحقاً خبا من جو رندة نورها ... وقد كسفت بعد الشموس بدورها وقد أظلمت أرجاؤها وتزلزلت ... منازلها ذات العسلا وقصورها فيا ساكنى تلك الديار كريمة ... سقى عهدكم مزن يصوب نميرها أحقاً أخلائى القضاء أبادكم ... ودارت عليكم بالصروف دهورها فقتل وأسر لا يفادى وفرقة ... لدى عرصات الحشر يأتى سفيرها ... فواحسرتا كم من مساجد حولت ... وكانت إلى البيت الحرام شطورها وواأسفا كم من صوامع أوحشت ... وقد كان معتاد الأذان يزورها فمحرابها يشكو لمنبرها الجوى ... وآياتها تشكو الفراق وسورها وكم طفلة حسناء فيها مصونة ... إذا أسفرت يسبى العقول سفورها فأضحت بأيدى الكافرين رهينة ... وقد هتكت بالرغم منها ستورها (١) وكم فيهم من مهجة ذات ضجة ... ترد لو انضمت عليها قبورها لها روعة من وقعة البين دائم ... أساها وعين لا يكف هديرها وكم من صغير فى حجر أمه ... فأكبادها حراء لفح هجيرها وكم من صغير بدل الدهر دينه ... وهل يتبع الشيطان إلا صغيرها ... لأندلس ارتجت لها وتضعضعت ... وحق لديها محوها ودثورها منازلها مصدورة وبطاحها ... مدائنها موتورة وثغورها تهانمها مفجوعة ونجودها ... وأحجارها مصدوعة وصخورها وقد لبست ثوب الحداد ومزقت ... ملابس حسن كان بزهو حبورها فأحياؤها تبدى الأسى وجمادها ... يكاد لفرط الحزن يبدو ضميرها فمالقة الحسناء ثكلى أسيفة ... قد استفرغت ذبحاً وقتلا حجورها وجزت نواصيها وشلت يمينها ... وبدل الويل المبين سرورها

стр. 2742

وقد كانت الغربية الجنن التى ... تقيها فأضحى جنة الحرب سورها وبلِّش قطعت رجلها بيمينها ... ومن سريان الداء بان قطورها وضحت على تلك الثنيات حجرها ... فأقفر مغناها وطاشت حجورها وبالله إن جئت المنكَّب فاعتبر ... فقد خف ناديها وجف نضيرها ألا ولتقف ركب الأسى بمعالم ... قد ارتج باديها وضج حضورها بدار العلا حيث الصفات كأنها ... من الخلد والمأوى غدت تستطيرها محل قرار الملك غرناطة التى ... هى الحضرة العليا زهتها زهورها ترى الأسى أعلامها وهى خُشَّع ... ومنبرها مستعير وسريرها ومأمومها ساهى الحجى وإمامها ... وزائرها فى مأتم ومزورها وبَسْطة ذات البسط ما شعرت بما ... دهاها وأنى يستقيم شعورها وما أنس لا أنس المريَّة إنها ... قتيلة أوجال أزيل عذارها منازل آبائى الكرام ومنشىء ... وأولى أوطان غذانى خيرها (١). ثم يشير الشاعر بعد هذا الترتيب التاريخى لسقوط قواعد الأندلس، إلى محاولة الإسبان تنصير المسلمين لأول مرة، وما ترتب على ذلك من قيام الثورة فى بعض الجهات: وجاءت إلى استئصال شأفة ديننا ... جيوش كموج هبت دبورها علامات أخذ ما لنا قبل بها ... جنايات أخذ قد جناها مثيرها فلا تنمحى إلا بمحو أصولها ... ولا تتجلى حتى تخط أصورها معاشر أهل الدين هبوا لصعقة ... وصاعقة وارى الجسوم ظهورها أصابت منار الدين فانهد ركنه ... وزعزع من أكنافه مستطيرها إلا واستعدوا للجهاد عزائماً ... يلوح على ليل الوغى مستنيرها بأنفس صدق موقنات بأنها ... إلى الله من تحت السيوف مصيرها تروم إلى دار السلام عرائساً ... على الله فى ذاك النعيم مهورها (٢).

стр. 2743

هذا وقد صدرت عن أدباء المغرب، فى الضفة الأخرى من البحر، طائفة كبيرة من المراثى البليغة، فى نعى الأندلس والإشادة بفضائلها، وفداحة الخطب فيها. وكان شعراء المغرب لقربهم من مسرح الحوادث، ووقوفهم على كثير من الأخبار والسير المفجعة عن إخوانهم بالأندلس، أشد من غيرهم تأثراً بالمحنة، وأكثرهم إفاضة فى ندب ويلاتها (١).

стр. 2744

الفصل الرابع ختام المأساة وقع محنة الأندلس فى العالم الإسلامى. سفارة فرناندو إلى بلاط مصر. موضوع هذه السفارة حسبما دونها بيترو مارتيرى. صدى المأساة فى المغرب. مسير أبى عبد الله إلى أندرش وحياته فيها. خطة الملكين الكاثوليكيين لإبعاده عن الأندلس. الاتفاق على بيع حقوقه وجوازه إلى المغرب. نص قبول أبى عبد الله. جوازه إلى فاس والتجاؤه إلى ملكها. دفاع أبى عبد الله المسمى بالروض العاطر الأنفاس. الوزير العقيلى كاتب هذا الدفاع. بعض ما ورد فى الدفاع من المنظوم. بعض ما ورد فيه من المنثور. اعتذار أبى عبد الله ودفعه لتهمة التفريط والخيانة. استعراض لموقفه وتصرفاته. معترك الفتنة الذى أودى بمملكة غرناطة. تبعة أبى عبد الله. حياته بمدينة فاس. وفاته وعقبه. حمراء غرناطة. تاريخها وأوصافها. ما بقى من أبنيتها وأبهائها. تشويه الإسبان لجمالها الأثرى. روعتها وتراثها القصصى. تغدو مسرحاً لحوادث غرناطة. ما يدور حولها من الأساطير. الأساطير الغرامية. أصل هذه الأساطير ومغزاها. قصيدة شوقى فى رثاء الحمراء. لم يكن سقوط غرناطة فى يد النصارى حادثاً فجائياً، بل كان بالعكس نتيجة طبيعية، لما تقدمه من الحوادث الأندلسية، وكان خاتمة محتومة لاستشهاد طويل الأمد. ومع ذلك فقد كان لسقوط غرناطة أو بعبارة أخرى لانتهاء دولة الإسلام فى الأندلس، وقع عميق فى الضفة الأخرى من البحر، فى أمم المغرب التى لبثت عصوراً ترتبط بالأندلس بأوثق الروابط، وفى سائر أنحاء العالم الإسلامى. وكان للحادث أيضاً وقعه العميق فى سائر الأمم النصرانية؛ فقد ابتهجت له أيما ابتهاج، واعتبرته من بعض الوجوه عوضاً لسقوط قسطنطينية فى قبضة الإسلام قبل ذلك بأربعين عاماً. وخلدت ذكرى الحادث فى رومة بإقامة قداس أعظم، واستمر ابتهاج الشعب أياماً. ورجت سائر قصور أوربا بالنبأ، وأقامت لإحيائه الحفلات الدينية والمدنية، منوهة بفضل فرناندو وإيسابيلا فى تحقيق هذه الأمنية العظيمة (١). وقد كانت الأندلس تثير منذ البداية جزع الأمم الإسلامية وعطفها. ولكن الأمم الإسلامية لم تستطع أن تبذل أى مجهود عملى لإنقاذ الأندلس من قدرها المحتوم،

стр. 2745

ولم يتحقق من جهة أخرى ما كانت ترجوه مصر بتدخلها السياسى لدى ملوك النصرانية من أثر ملطف فى سير الحوادث الأندلسية. وقد كانت مصر بالرغم من بعدها تتبع أحوال الأندلس باهتمام خاص، لم ينتقص منه سوى اضطراب شئونها الداخلية فى ذلك الحين. ولما استولى النصارى على غرناطة، وحققت بذلك أمنية اسبانيا التاريخية كاملة شاملة، لم ينس ملك قشتالة ما جاء فى سفارة سلطان مصر من وعيد بأنه ينكل برعاياه النصارى، ولم يقنع بالخطاب الذى وجهه إليه على يد سفيريه الراهبين. فلما استقرت الأمور وخضعت سائر الأراضى الإسلامية، رأى فرناندو أن يسعى إلى إقناع سلطان مصر، بما يلقاه مسلمو الأندلس من الرعاية والرفق فى ظل الحكم الجديد، فأوفد إلى بلاط القاهرة سفارة جديدة. وكان سفيره إلى السلطان هو بيترو مارتيرى دى أنجلريا، وهو حبر نابه، وكاتب ومؤرخ كبير، وكان من مستشارى الملك. ندبه فرناندو لهذه السفارة فى أغسطس سنة ١٥٠١، وزوده بالكتب والوثائق اللازمة. ووصل مارتيرى إلى الإسكندرية بعد رحلة بحرية شاقة عن طريق إيطاليا واليونان فى أواخر شهر ديسمبر، ثم وصل إلى القاهرة فى آخر يناير، وكان سلطان مصر فى ذلك الحين الملك الأشرف جان بلاط، فاستقبل سفير الملكين الكاثوليكيين عقب وصوله برفق ورعاية، ولكن نقلت إليه على أثر ذلك أقاويل كثيرة من بعض الأشراف والمغاربة والأندلسيين المنفيين، الذين استنكروا مسلكه وتكريمه لسفير ملك استولى على أراضى المسلمين فى الأندلس، وهو الآن يسومهم الخسف والعذاب. فبعث إلى السفير يرجوه الانصراف من حيث أتى خوفاً من سوء العواقب، ولكن مارتيرى بعث إلى السلطان يشرح له خطورة الأمر، ويصف عظمة مليكيه، وروعة سلطانهما الباذخ الذى يمتد حتى أواسط البحر الأبيض المتوسط، وكونهما يستطيعان الانتقام والإضرار بمن يسىء إليهما. فعاد السلطان واستقبله فى مقابلة سرية خاصة استمرت من الصباح إلى الظهر. وكان ذاك فى السادس من فبراير سنة ١٥٠٢ (شعبان سنة ٩٠٧ هـ)، وألقى مارتيرى بين يديه خطاباً ضافياً فند فيه ما ينسب لمليكه من الاستيلاء ظلماً على غرناطة، واضطهاده للمسلمين، وقهرهم على التنصير؛ وبين مارتيرى حق سيده فى الفتح، وكونه يحكم مئات الألوف من الرعايا المسلمين الذين يعيشون فى بلنسية وأراجون، وهم جميعاً يتمتعون بشعائرهم أحراراً، واستطاع بكياسته وبراعته، أن يقنع السلطان بصدق رسالته، وحسن نيات مليكيه، وقدم إلى

стр. 2746

السلطان شهادات من حكام الثغور المغربية، تفيد بأن المسلمين المهاجرين إلى المغرب يصلون إلى الشواطىء مع نسائهم وأولادهم فى أمن وسلام، ويلقون من مندوبى الملكين كل رفق ورعاية (١)، واستطاع فوق ذلك بذلاقته أن يقنع السلطان بأن يجيب مطالبه فى إعفاء نصارى بيت المقدس من طائفة من المغارم والفروض. ويصف لنا مارتيرى قصر السلطان بأنه يقوم على ربوة، على نمط قصر الفاتيكان فى رومة، وقصر الحمراء فى غرناطة؛ ويصف السلطان بأنه رجل فى نحو الخمسين من عمره، ذو لحية كعادة أهل البلاد، ولكن صغيرة نحيلة، وهو مهيب الطلعة ذو وجه عبل أسمر، وهيئة حوشية نوعاً، وعينين صغيرتين غائرتين؛ وحركاته ثقيلة، وقوامه فوق المتوسط حسبما يبدو من جلسته، وهو يرتدى ثوباً لا يختلف كثيراً عما يسميه أهل غرناطة "بالجبة". ويورد مارتيرى أثناء وصف حوادث سفارته نبذة طويلة عن تاريخ مصر الإسلامية، ووصفاً ضافياً للقاهرة والنيل والأهرام، ووصفه قوىّ شائق (٢). وهكذا كان الصدى الأليم الذى أثارته حوادث الأندلس فى الأمم الإسلامية يخبو شيئاً فشيئاً. ولم تمض أعوام قلائل حتى أسدل عليها فى المشرق حجاب من النسيان ولكن ذكرى الأندلس وحوادثها، لبثت حية قوية فى عدوة المغرب عصوراً أخرى. ذلك أن المأساة الأندلسية لم تنته بسقوط غرناطة، بل كان عليها أن تجوز ثمة فصولا مفجعة أخرى، قبل أن تصل إلى نهايتها. وكانت هذه الفواجع أول ما تلقى صداها العميق فى الضفة الأخرى من البحر، حيث كانت العدوة دائما ملاذ الضحايا الأخير. - ٢ - ولنبدأ الحديث عن مصير الملك المنكود أبى عبد الله محمد بن علىّ آخر ملوك الأندلس، فقد غادر غرناطة، ساعة استيلاء النصارى عليها، وسار مع آله وصحبه وحشمه إلى منطقة البشرّات، واستقر هنالك فى بلدة أنْدَرَش، وهى إحدى

стр. 2747

البلاد التى أقطعت له فى تلك المنطقة، ليقيم فيها فى ظل ملك قشتالة وتحت حمايته، وصحبه إلى وطنه الجديد، كثير من الفرسان والسادة والفقهاء، وفى مقدمتهم وزيراه يوسف بن كماشه، وأبو القاسم عبد الملك (المليخ)، وكانا ألصق الناس به، وأقربهم إلى ثقته. وكانت أسرة السلطان المنفى تتألف من والدته السلطانة عائشة، وأخته عائشة، وزوجه مريم (أو مريمة) وولده الصغير (١). أما أخوه الأصغر يوسف فكان قد قتل فى ألمرية أيام الفتنة بتحريض أبيه السلطان أبى الحسن حسبما قدمنا. وكان أبو عبد الله عندئذ، فتى فى نحو الثلاثين من عمره. وبالرغم من أننا لا نعرف بالضبط تاريخ مولده، فإن صديقه المؤرخ القشتالى هرناندو دى بايثا، يقول لنا إنه كان فى نحو العشرين، يوم استطاع الفرار من سجن أبيه السلطان أبى الحسن فى سنة ١٤٨٢ (٨٨٧ هـ)، وبذلك يكون سنه وقت تسليم غرناطة نحو الثلاثين (٢). وقد تركت لنا الرواية القشتالية المعاصرة أيضاً، وصفاً لشخص أبى عبد الله، خلاصته أنه كان ممشوق القد، حسن الطلعة، شاحب اللون، له عينان سوداوان نجلاوان، ولحية قوية (٣). وعاش أبو عبد الله وآله وصحبه، فى تلك المملكة الصغيرة الذليلة حيناً،

стр. 2748

صورة: أبو عبد الله محمد آخر ملوك الأندلس عن الصورة التى كانت محفوظة من قبل بمتحف جنة العريف بغرناطة

стр. 2749

وأنشأ له فى أندرش بلاطاً صغيراً. وتقول لنا الرواية القشتالية، إنه كان يعيش هنالك فى ترف ورغد، وإنه كان يعشق الصيد ويقضى فيه كثيراً من أوقاته، ويجوب أطراف مملكته الصغيرة فوق جواده (١). وكان فرناندو وإيسابيلا، بالرغم من انتصارهما الشامل، وقضائهما الأخير على المملكة الأندلسية، قد لبثا يتوجسان فى أعماق نفسيهما، من بقاء السلطان المخلوع فى الأراضى الإسبانية، ويخشيان أن يكون مثار القلاقل والفتن، ويتوقان إلى إبعاده وحاشيته عنها، مبالغة فى الحيطة، واتقاء لكل خطر، وكان يفرضان على أبى عبد الله رقابة صارمة، ويتلقيان أدق التقارير والأنباء، عن حركاته وسكناته، وكانت عينهما الساهرة على رقابته، الوزيران الماكران يوسف بن كماشه وأبو القاسم عبد الملك (٢). ولم يمض على إقامة أبى عبد الله فى أندرش زهاء عام، حتى بدأ الملكان الكاثوليكيان يسعيان سرًّا، فى تحقيق غايتهما الأخيرة، وكان سبيلهما إلى ذلك أيضاً ابن كماشه وأبا القاسم. ففى مارس سنة ١٤٩٣ وقعت مفاوضات جديدة بين الوزيرين، وبين فرناندو دى ثافرا أمين الملكين الكاثوليكيين، فى شأن مغادرة أبى عبد الله الأراضى الإسبانية، والعبور إلى المغرب. ويقال إن أبا عبد الله لم يأذن لوزيريه فى إجراء هذه المفاوضات، ولم يعلم بأمرها حتى تمخضت عن مشروع جديد، يقرر فيه أبو عبد الله بتنازله عن جميع حقوقه وأملاكه، نظير ثمن معين، ويتعهد بالعبور إلى المغرب. ويقال إن الملك المنكود، حينما عرض عليه ابن كماشة هذا الاتفاق، ثار لعقده، وكاد يبطش بوزيره، ولكنه عاد فاستمع إلى شرح الوزير ونصحه، بأن البقاء فى أرض العدو، وفى ظل العبودية والهوان، لم يبق له محل، وأنه ليس مكفول السلامة والطمأنينة، وأن العبور إلى أرض الإسلام خير وأبقى. هذا ولعل أبو عبد الله نفسه قد أدرك، كما أدرك عمه مولاى الزغل من قبل، أن تلك الحياة الذليلة التى فرضت عليه، لا تخلق به ولا تجمل، وأنه يستحيل عليه البقاء فى هذا الوضع المؤلم، كتابع لملك قشتالة. وعلى أى حال فقد اقتنع أبو عبد الله، بوجهة نظر وزيره. ولكنه أرسل أمينه ومدير شئونه أبا القاسم عبد الملك (المليخ)، ليسعى إلى تعديل الاتفاق لمصلحته. وبعد مفاوضات جديدة، وضع الاتفاق النهائى، الذى قبله السلطان

стр. 2750

المخلوع. وخلاصته أنه يتعهد بالعبور إلى المغرب، فى موعد أقصاه نهاية شهر أكتوبر سنة ١٤٩٣، وأنه يتنازل عن سائر ضياعه، فى أندرش ولوشار وبرشينا وغيرها، وكذلك عن أملاكه الأخرى بغرناطة، بالبيع للملكين الكاثوليكيين، وذلك نظير ثمن إجمالى قدره واحد وعشرون ألف جنيه قشتالى (كاستليانو) من الذهب الحر، أو الدوقات المضروبة، من الذهب الخالص. كما يتنازل أبو عبد الله عن اختصاصه المدنى والجنائى. ويحمل إليه المال قبل رحيله بثمانية أيام، ويقدم إليه الملكان عربتين لحمل متاعه، وسفناً ينتقل عليها مع صحبه، إلى المغرب، ويتضمن الاتفاق نصوصاً أخرى ببيع الأميرات لأملاكهن، إلى الملكين الكاثوليكيين، وكذلك ببيع الوزير ابن كماشه والوزير أبى القاسم كل لأملاكه، نظير مقادير من المال، وبنفس الشروط. تلك خلاصة الإتفاق الأخير، الذى عقد بين الملكين الكاثوليكيين، وبين آخر ملوك الأندلس، للتنازل عن سائر حقوقه وحقوق آله وصحبه، ومغادرته لأرض الوطن القديم، بصورة نهائية. ويحمل هذا الاتفاق، تاريخ ١٥ ابريل سنة ١٤٩٣، وتملأ نسخته القشتالية عشر صفحات كبيرة. وهو يمتاز دون سائر الوثائق القشتالية الأخرى، التى تتعلق بهذه الفترة، بأنة يحمل فى ذيله موافقة أبى عبد الله والعربية ممهورة بتوقيعه وخاتمه، وإلى القارىء نص هذه الموافقة، التى تدل ألفاظها ومعانيها بكثير من العبر المؤلمة: (١) "الحمد لله إلى السلطان والسلطانة أضيافى، أنا الأمير محمد بن على بن نصر خديمكم، وصلتنى من مقامكم العلى، العقيد وفيها جميع الفصول، الذى عقدها عنى وبكم التقديم، من خديمى القائد أبو القاسم المليخ، ووصلت بخط يدكم الكريمة عليها، وبطابعكم العزيز، كيف هيت مذكورة بهذا الذى هى تصلكم. وإنى نوفى ونحلف أنى رضيت بها، بكلام الوفا مثل خديم جيد. وترى هذا خط يدى وطابعى أرقيته عليها، لتظهر صحة قولى. ووصلت بتاريخ الثالث والعشرين من شهر رمضان المعظم عام ثمانية وتسعون وثمانمائة. أنا كاتبه محمد بن على بن نصر

стр. 2751

رضيت وقبلت جميع ما فى هذا المكتوب الثابت، وتقبل بيدى، إلى أضيافى السلطان والسلطانة مدَّ لى هنا كما". وهكذا اعتزم أبو عبد الله أمره، وعول فى النهاية على مغادرة الوطن المغلوب وتوفيت زوجته أثناء ذلك، فلم يحل الرزء دون مضيه، فى اتخاذ أهبة الرحيل. وفى أوائل شهر أكتوبر سنة ١٤٩٣، غادر أبو عبد الله الوطن القديم، فى غمر من الحسرات والأسى، وجاز البحر إلى المغرب، بأسرته وأمواله وحشمه، من ثغر أدرة الصغيرة الواقع جنوبى برجة، فى سفينة كبيرة أعدت لجوازه، وعبر فى نفس الوقت من ثغر المنكب؛ عدد كبير من الوزراء والقادة والأكابر، من صحبه ممن آثروا الرحيل، وبلغ جميع الذين عبروا مع الملك المخلوع ألفاً ومائة وثلاثين شخصاً (١). ونزل أبو عبد الله أولا فى مليلة ثم قصد إلى فاس واستقر بها (٢). وتقدم إلى ملكها السلطان أبى عبد الله محمد الشيخ، زعيم بنى وَطّاس (٣) الذين خلفوا بنى مرين فى الملك، مستجيراً به، مستظلاً بلوائه ورعايته، معتذراً عما أصاب الإسلام فى الأندلس على يده، متبرئا مما نسب إليه من إثم وتفريط فى حق الوطن والدين. وهذا الدفاع الشهير الذى يقدمه إلينا أبو عبد الله عن موقفه وتصرفه، هو قطعة رائعة من الفصاحة السياسية والبيان الساحر، وهو يدل فى روحه وقوته وروعته، على فداحة التبعة التى شعر آخر ملوك الأندلس أنه يحملها أمام الله والتاريخ، وأمام الأمم الإسلامية والأجيال القادمة كلها، وعلى أن هذا الأمير المنكود لم يرد أن ينحدر إلى غمر النسيان والعدم، محكوماً عليه دون أن يبسط للتاريخ قضيته، فيصدر حكمه فيها على ضوء أقواله ودفاعه. وقد كتب هذا الدفاع الشهير، الفريد فى التاريخ الإسلامى، على لسان أبى عبد الله

стр. 2752

صورة: ذيل المعاهدة النهائية التى عقدت بين الملكين الكاثوليكيين وأبى عبد الله بتاريخ ١٥ ابريل سنة ١٤٩٣ م وفيها يتعهد ببيع أملاكه ومغادرة اسبانيا نهائياً. وقد ذيل عليها أبو عبد الله بخطه بالقبول، وبصمها بخاتمه وذلك بتاريخ ٢٣ رمضان سنة ٨٩٨ هـ (٧ أغسطس سنة ١٤٩٣). والأصل محفوظ بدار المحفوظات العامة فى سيمانقا برقم P. R. ١١-٣

стр. 2753

وزيره وكاتبه، محمد بن عبد الله العربى العقيلى، فى رسالة مستفيضة قوية مؤثرة، موجهة إلى ملك فاس، وجعل لها عنواناً شعرياً مشجياً هو: "الروض العاطر الأنفاس فى التوسل إلى المولى الإمام سلطان فاس". وقد كان العقيلى من أعلام البلاغة فى هذا العصر. ولما عول أبو عبد الله على الرحيل إلى المغرب جاز العقيلى البحر مع أميره، وجازت قبل سقوط غرناطة وبعده إلى المغرب جمهرة كبيرة من أقطاب العلم والأدب، هم البقية الباقية من مجتمع الأندلس الفكرى (١). وللعقيلى آثار فى النظم والنثر، تبدو لروعتها كأنها نفثات أخيرة، لآداب الأندلس المحتضرة، وكان دفاع أبى عبد الله من أبدعها وأروعها. ونقل إلينا المقرى مؤرخ الأندلس هذا الدفاع الشهير بنصه فى مؤلفه الجامع "نفح الطيب"، وكذلك فى كتابه "أزهار الرياض" (٢). وقد قدم له كاتبه بعد الديباجة بقصيدة رائعة جاء فى مطلعها: مولى الملوك ملوك العرب والعجم ... رعيا لما مثله يرعى الذمم بك استجرنا وأنت نعم الجار لمن ... جار الزمان عليه جور منتقم حتى غدا ملكه بالرغم مستلباً ... وأفظع الخطب ما يأتى على الرغم حكم من الله حتم لا مرد له ... وهل مرد لحكم منه منحتم وهى الليالى وقاك الله صولتها ... تصول حتى على الآساد فى الأجم كنا ملوكاً لنا فى أرضنا دول ... نمنا بها تحت أفنان من النعم فأيقظتنا سهام للردى صُيبٌ ... يُرمى بأفجع حف من بهن رُمى فلا تنم تحت ظل الملك نومتنا ... وأى ملك بظل الملك لم ينم يبكى عليه الذى كان يعرفه ... بأدمع مزجت أموالها بدم ومنها فى التوسل والاعتذار وهو لب موضوعها: وصل أواصر قد كانت لنا اشتبكت ... فالملك بين ملوك الأرض كالرحم وابسط لنا الخلق المرجو باسطه ... واعطف ولا تنحرف واعذر ولا تلم لا تأخذنا بأقوال الوشاة ولم ... نذنب ولو كثرت أقوال ذى الوخم فما أطقنا دفاعاً للقضاء وما ... أرادت أنفسنا ما حل من نقم

стр. 2754

ولا ركوباً بإزعاج لسابحة ... فى زاخر بأكنف الموج ملتطم والمرء ما لم يعنه الله أضيع من ... طفل تشكى بفقد الأم فى اليتم وكل ما كان غير الله يحرسه ... فإن محروسه لحم على وضم ... ولا تعاتب على أشياء قد قدرت ... وخط مسطورها فى اللوح بالقلم وعدِّ عما مضى إذ لا ارتجاع له ... وعُد أحرارنا فى جُملة الخدم إيه حنانيك يابن الأكرمين على ... ضيف ألم بفاس غير محتشم فأنت أنت ولولا أنت ما نهضت ... بنا إليها خطا الوخادة الرسم رحماك يا راحماً ينمى إلى رُحما ... فى النفس والأهل والأتباع والحشم فكم مواقف صدق فى الجهاد لنا ... والخيل عالكة الأشداق للجم والسيف يخضب بالمحمرّ من علق ... ما ابيضّ من سبل واسود من لمم ولا ترى صدر عضب غير منقصف ... ولا ترى متن لدن غير منحطم حتى دهينا بدهيا لا اقتدار بها ... سوى على الصون للأطفال والحرم ... تالله ما أضمرت غشا ضمائرنا ... ولا طوت صحة منها على سقم لكن طلبنا من الأمر الذى طلبت ... ولاتنا قبلنا فى الأعصر الدهم فخاننا عنده الجدُّ الخئون ومن ... تقعد به نكبات الدهر لم يقم فاسود ما اخضر من عيش دهته عِداً ... بالأسمر اللدن أو الأبيض الخذِم وشتت البين شملا كان منتظماً ... والبين أقطع للموصول من جلَم قرب مبنى شديد قد أناخ به ... ركب البلا فقرته أدمع الدِّيم قمنا لديه أصَيلانا نسائله ... أعيا جوابا وما بالربع من أرم وما ظننا بأن نبقى إلى زمن ... نرى به غرر الأحباب كالحُمم لكن رضاً بالقضا الجارى وإن طويت ... منا الضلوع على برج من الألم لبيك يا من دعانا نحو حضرته ... دعاء ابراهِمَ الحجاج للحرم وأعط الأمن الذى رصت قواعده ... على أساس وفاء غير منهدم خليفة الله وافاك العبيد فكن ... فى كل فضل وطَوْل عند ظنهم وبين أسلافنا ما قد علمت به ... من اعتقاد بحكم الإرث مقتسم وأنت منهم كأصل مطلع غصنا ... أو كالشراك الذى قد قدّ من أدم

стр. 2755

وقد خطوت خطاهم فى مآثرهم ... فلم يُذمُّوا إذن فيها ولم تُذم وهى طويلة فى أكثر من مائة بيت، وفيها يعطف الشاعر بعد ذلك على مديح ملوك فاس، وجهادهم فى الأندلس، والإشادة بعلائقهم القديمة مع بنى الأحمر ملوك غرناطة، ومما يقول فى ذلك: أهل الحفيظة يوم الروع يحفظهم ... من عصمة الله ما يربى على العِصم بأس تطير شرار منه محرقة ... لكل مدَّرع بالحزم محتزم هم بطائفة التثليث قد فتكوا ... كمثل ما يفتك السرحان بالغنم وإن يلثِّمهم يوم الوغى رهج ... أنسوْك ما ذكروه من ذوى اللُّسم تضىء آراؤهم فى كل معضلة ... إضاءة السُّرج فى داج من الظلم هذا ولو من حياء ذاب محتشم ... لذاب منهم حياء كل محتشم طابت مدائحهم إذ طابت انفسهم ... فاشتقت النسمات اسما من النَّسم وفى مديح السلطان القائم أبى عبد الله الوطاسى قوله: أنسى الخلائف فى حلم وفى شرف ... وفى سخاء وفى علم وفى فهم فجاز معتمداً منهم ومعتضداً ... وامتاز عن قائم منهم ومعتصم وناصر الدين فى الإقبال فاق وفى ... محبة العلم أزرى بابنه الحكم أفعال أعدائه معتلة أبداً ... متى يرم جزمها بالحذف تنجزم ويلى هذه القصيدة الطويلة دفاع أبى عبد الله المنثور، فى أسلوب يفيض قوة وبياناً، وفيه يشير أبو عبد الله إلى حوادث الأندلس، ويعتذر عن محنته، ويعترف بخطئه فى عبارات مؤثرة، ويقول بعد الديباجة موجهاً خطابه إلى سلطان فاس: "هذا مقام العائذ بمقامكم، المتعلق بأسباب ذمامكم، المترجى لعواطف قلوبكم، وعوارف إنعامكم، المقبل الأرض تحت أقدامكم، المتلجلج اللسان عند محاولة مفاتحة كلامكم. وماذا الذى يقول من وجهه خَجِل، وفؤاده وجل، وقضيته المقضية عن التنصل والاعتذار تجل. بيد أنى أقول لكم ما أقوله لربى، واجترائى عليه أكثر، واجترامى إليه أكبر: اللهم لا برىء فأعتذر، ولا قوى فأنتصر، لكنى مستقيل مستنيل، مستعتب مستغفر، وما أبرىء نفسى إن النفس لأمارة بالسوء". "على أنى لا أنكر عيوبى، فأنا معدن العيوب، ولا أجحد ذنوبى فأنا جبل الذنوب، إلى الله أشكو عُجرى وبُجرى وسقطاتى وغلطاتى ... "

стр. 2756

بيد أنه يدفع عن نفسه تهم التفريط والزيغ والخيانة ويقول: "فمثلى كان يفعل أمثالها، ويحمل من الأوزار المضاعفة أحمالها، ويهلك نفسه ويحيط أعمالها، عياذاً بالله من خسران الدين، وإيثار الجاحدين والمعتدين، قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين. وايم الله لو علمت شعرة فى فودى تميل إلى تلك الجهة لقلعتها، بل لقطفت ما تحت عمامتى من هامتى وقطعتها. غير أن الرعاع فى كل وقت وأوان، للملك أعداء وعليه أحزاب وأعوان ... وأكثر ما تسمعه الكذب، وطبع جمهور الخلق إلا من عصمه الله إليه منجذب، ولقد قذفنا من الأباطيل بأحجار، ورمينا بما لا يرمى به الكفار، فضلا عن الفجار، وجرى من الأمر المنقول على لسان زيد وعمرو، ما لكم منه حفظ الجبار ... أكثر المكثرون، وجهد فى تعثيرنا المتعثرون، ورمونا عن قوس واحدة، ونظمونا فى سلك الملاحدة. أكفراً أيضاً كفراً، غفراً اللهم غفراً. وهل زدنا على أن طلبنا حقنا ممن رام محقه ومحقنا، فطاردنا فى سبيله عُداة كانوا لنا غائظين، فانفتق علينا فتق لم يمكنا له رتق، وما كنا للغيب حافظين". ثم يقول أبو عبد الله، لئن كان قد نزل به القضاء فثلَّ عرشه، ونُكس لواؤه، ومُلِك مثواه، فهو مِثْل من سواه فى ذلك. ولئن كان مروعاً مصير غرناطة ومصير ملكها وأنجادها، فإنها لم تنفرد بين قواعد الإسلام بذلك المصير المحزن، ألم يقتحم التتار بغداد، عروس الإسلام ومثوى الخلافة، ومهد العلوم، ويستبيحوا ذمارها وحُرَمها، ويسحقوا الخلافة وكل معالمها ورسومها؟ وماذا كانت تستطيع غرناطة إزاء قدر محتوم، وقضاء لا مرد له؟ " والقضاء لا يرد ولا يصد، ولا يغالب ولا يطالب، والدائرات تدور، ولابد من نقص وكمال للبدور، والعبد مطيع لا مطاع، وليس يطاع إلا المستطاع، وللخالق القدير جلت قدرته، فى خليقته علم الغيب، للأذهان عن مداه انقطاع". ثم يعطف إلى التجائه إلى ساحة السلطان بقوله: "وأبيها لقد أرهقتنا إرهاقاً، وجرعتنا من صاب الأوصاب كأساً دهاقاً، ولم نفزع إلى غير بابكم المنيع الجناب، المتفتح حين سدت الأبواب، ولم نلبس غير لباس نعمائكم، حين خلعنا ما ألبسنا الملك من الأثواب. وإلى أمه يلجأ الطفل لجأ اللهفان، وعند الشدائد تمتاز السيوف من الأجفان، ووجه الله تعالى يبقى، وكل من عليها فان". ويشير أبو عبد الله إلى رفضه لما عرضه عليه ملك اسبانيا، من الإقامة فى كنفه

стр. 2757

وتحت حمايته فيقول: "ولقد عرض علينا صاحب قشتالة مواضع معتبرة خير فيها، وأعطى من أمانه، المؤكد فيه خطه وإيمانه، ما يقنع النفوس ويكفيها، فلم نر ونحن من سلالة الأحمر مجاورة الصُّفر، ولا سوغ لنا الإيمان، الإقامة بين، ظهرانى الكفر ما وجدنا عن ذلك مندوحة ولو شاسعة، وأمنّا من المطالب للشاغب، حمة شر لنا لاسعة". ثم يشير إلى أنه تلقى كذلك دعوات كريمة من المشرق للذهاب والإقامة، ولكنه آثر الجواز إلى المغرب، دار آبائه من قبل، وملاذهم دائماً عند النوائب، ولم يرتض سوى الانضواء إلا لذلك الجناب، أعنى سلاطين المغرب، الذين أوصى آباؤه وأجداده بالانضواء إليهم، وقت الخطر الداهم. ويختم أبو عبد الله دفاعه برثاء مؤثر لملكه ومصيره فيقول: "ثم عزاء حسناً وصبراً جميلا، عن أرض أورثها من شاء من عباده، معقباً لهم ومديلا، سادلا عليهم من ستور الإملاء الطويلة سدولا، "سنة الله التى قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا"، فليطر طائر الوسواس المرفرف مطيراً، كان ذلك فى الكتاب مسطوراً، ولم نستطع عن مورده صدوراً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً". ويعود أبو عبد الله بعد هذا الدفاع المستفيض المؤثر، إلى الإشادة بخلال سلاطين فاس ومآثرهم، ويقرر أنه يضع نفسه تحت حماية السلطان ورعايته منتظماً فى سلك أوليائه، مستشرفاً بخدمة عليائه"، ليقضى بقية عمره فى كنفه مصوناً من المخاطر والضيم. ... تلك خلاصة الدفاع الشهير الذى تركته آخر ملوك الأندلس للخلف من بعده. وهو دفاع حار مؤثر يذكرنا بتلك الإعتذارات الشهيرة (أبولوجيا)، التى لجأ إليها الأقدمون فى ظروف مختلفة، لتبرير بعض المواقف والآراء. وفيه يقف أبو عبد الله موقف المذنب البرىء معاً، فهو لا يتنصل من جميع الأخطاء، ولكنه يتنصل من تبعة ما حدث، ويصور نفسه قبل كل شىء ضحية القدر، ويدفع عن نفسه بالأخص تهمة التفريط والخيانة والزيغ. فإلى أى حد تتفق هذه الصورة مع الحقيقة، ومع منطق الحوادث والظروف التى وقعت فيها المأساة؟ لقد تبوأ أبو عبد الله عرش غرناطة لأول مرة وهو فتى فى الحادية والعشرين، ثم عاد إلى تبوئه بعد ذلك بعدة أعوام، وكان جلوسه فى كل مرة نتيجة حرب أهلية مخربة

стр. 2758

طاحنة. وقد نشأ هذا الأمير الضعيف فى بلاط منحل، يضطرم بصنوف الدس والخصومة، ولم تهيئه تربيته وصفاته للاضطلاع بمهام الملك الخطيرة، ولاسيما فى مثل تلك الظروف الدقيقة، التى كانت تجوزها مملكة محتضرة. أجل كانت الأندلس تسير إلى قدرها المحتوم، قبل المأساة ببعيد، ولم يك شك فى مصير غرناطة، بعد أن سقطت جميع القواعد الأندلسية الأخرى فى يد العدو القوى الظافر؛ ولكن ليس من شك أيضاً فى أن الأواخر من ملوك غرناطة، يحملون كثيراً من التبعة، فى التعجيل بوقوع المأساة. فنحن نراهم يجنحون إلى الدعة والخمول، ويتركون شئون الدفاع عن المملكة، ويجنحون إلى حروب أهلية يمزق فيها بعضهم بعضاً، والعدو من ورائهم متربص ومتوثب يرقب الفرص. وقد كان هذا شأن مملكة غرناطة وشأن بنى الأحمر، ولاسيما منذ أوائل القرن التاسع الهجرى أو أوائل القرن الرابع عشر الميلادى. ومنذ عهد الأمير على أبى الحسن، تبلغ الحرب الأهلية ذروتها الخطرة، ويغدو مصير المملكة الإسلامية رهين رحمة القدر، وقد شاء القدر أن يكون السلطان أبو الحسن، وأخوه الأمير محمد بن سعد المعروف بالزغل، وولده أبو عبد الله محمد أبطال المأساة الأخيرة، حملتهم نفس الأطماع والأهواء الخطرة، فانحدروا إلى معترك الحرب الأهلية، وشغلتهم الحرب الأهلية طول الوقت عن أن يقدروا حقائق الموقف، وأن يستشعروا الخطر الداهم، وأن يستجمعوا قواهم المشتركة لمواجهة العدو المشترك، وانحدر أبو عبد الله إلى أخطر ما فى هذه المعركة المميتة من وسائل الإغراء والتفوق، فجنح إلى مخالفة العدو الخالد، ولم يحجم عن أن يستعدى ملك النصارى على أبيه وعمه، كى ينتزع الملك لنفسه، فلما ظفر بعرش غرناطة بمؤازرة ملك قشتالة، لم يكن سوى صنيعته وأسير وحيه. وكان عمه الزغل قد بسط سلطانه على الأنحاء الشرقية والجنوبية، فلم يحجم عن مهاجمته فى نفس الوقت الذى هاجمه فيه ملك النصارى لينتزع منه ما تحت يده، وكان الزغل فى الواقع بطل المعركة الأخيرة، وقد أبدى فى مقاومة العدو بسالة رائعة خلدتها سير العصر؛ ولم يشعر أبو عبد الله بفداحة خطئه، إلا حينما تحول إليه حليفه الغادر ملك قشتالة بجيشه الضخم، ليحاصر غرناطة ويضربها الضربة الأخيرة، وكانت قوى غرناطة ومواردها قد بددت فى حروب أهلية عقيمة، فلم يغن دفاعها شيئاً أمام القوة القاهرة والقدر المحتوم، فكانت النكبة، وكانت الخاتمة المؤسية

стр. 2759

ولم يكن موقف أبى عبد الله خلال تلك اللحظات الحاسمة فى مصيره ومصير أمته، سوى موقف الأمير الضعيف المتخاذل، الذى يسعى إلى سلامة نفسه وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذلك التراث العريض الذى أصبح وشيك الزوال، وهو موقف لم يكن بلا شك مشرفاً، ولا متفقاً مع مقتضيات البسالة والتضحية والشهامة. أليس لنا بعد ذلك أن نحكم على آخر ملوك الأندلس؟ إن أبا عبد الله يحمل أمام الله والتاريخ تبعة لا ريب فيها. بيد أنه من الحق أيضاً أن نقول إنها ليست تبعة الخيانة المقصودة أو الجريمة العمد، بل هى تبعة "التفريط"، والتخاذل، والخطأ، وعدم التبصر فى العواقب. على أن أبا عبد الله، مع ما يستحقه من لوم التاريخ وإدانته على النحو المتقدم، يستحق فى نظرنا تقديراً خاصاً، لما وفق إليه من الاحتفاظ بدينه ودين آبائه وأجداده. والواقع أن فداحة المحنة التى نزلت به، وظروف الإغراء التى كانت تحيط به، والتى حملت بعض أكابر الزعماء والقادة المسلمين على التنصر، حسبما نوضح بعد، وسعى الملكين الكاثوليكيين المتعصبين إلى تنصير من يمكن تنصيره من الزعماء المسلمين بكل الوسائل: هذه الظروف كلها كانت خليقة بأن تحمل أبى عبد الله على الاستجابة إلى دواعى التحريض والإغراء فتزل قدمه إلى الدرك السحيق الذى انحدر إليه بعض قادته ووزرائه، ولكنه استطاع أن يخرج من هذه الغمار معتصما بدينه المتين، وهو ما يشير إليه بحرارة فى دفاعه المتقدم. ... استقر أبو عبد الله بعد جوازه إلى فاس فى ظل بنى وَطَّاس، وشيد بها قصوراً على طراز الأندلس، رآها وتجول فيها المقرى مؤرخ الأندلس بعد ذلك بنحو قرن وربع (١٠٢٧ هـ - ١٦١٨ م) (١). ويروى أنه لما نزل أبو عبد الله وصحبه مدينة فاس، أصابت الناس بها شدة عظيمة من الجوع والغلاء والوباء، حتى غادرها كثير من أهلها، ورجع بعض الأندلسيين إلى بلادهم، وتقاعس كثير منهم عن الجواز إلى المغرب خوف الشدة والفاقة (٢). وعاش الملك المخلوع فى منفاه طويلا يجرع كأسه المرة حتى الثمالة، ويتقلب فى غمر الحسرات والذكريات المفجعة، ويشهد خلال هذه الفترة المؤلمة، جهود السياسة الإسبانية فى سحق

стр. 2760

الإسلام بالأندلس، وسحق مدنيته وكل رسومه وآثاره، ويشهد يد الفناء والمحو، تعمل لاستئصال هذا الشعب الأندلسى النبيل التالد، من الأرض التى لبث يرعاها ثمانية قرون، وينثر فى أرجائها فيض عبقريته. وتختلف الرواية فى تاريخ وفاة أبى عبد الله اختلافاً بيناً. فيقول لنا المقرى فى "نفح الطيب"، إنه توفى بفاس سنة أربعين وتسعمائة (١٥٣٤ م) وإنه "دفن بإزاء المصلى خارج باب الشريعة" (١). ثم يعود فى "أزهار الرياض " فيقول إنه توفى بفاس فى سنة أربعة وعشرين وتسعمائة (١٥١٨ م) (٢). وتذكر لنا الرواية القشتالية القريبة من ذلك العصر أن أبا عبد الله توفى قتيلا فى موقعة أبى عقبة الشهيرة التى نشبت بين السلطان أحمد أبى العباس الوطاسى حفيد أبى عبد الله محمد الوطاسى، وبين خصومه السعديين الأشراف الخوارج عليه، واشترك فيها أبو عبد الله محارباً إلى جانب أصدقائه وحماته الوطاسيين. وقد حدثت هذه الموقعة فى سنة ٩٤٣ هـ (١٥٣٦ م) وهزم فيها بنو وطاس هزيمة شديدة (٣)، فإذا صحت هذه الرواية (٤)، فإن أبا عبد الله يكون قد توفى فى نحو الخامسة والسبعين من عمره. بيد أننا نرجح رواية المقرى الأولى، وهى أن أبا عبد الله توفى بقصره فى فاس سنة ٩٤٠ هـ. أما روايته الثانية، وهى أنه توفى فى سنة ٩٢٤ هـ، فالمرجح أنها تحريف رقمى للأولى. وترك أبو عبد الله ولدين هما أحمد ويوسف، واستمر عقبه متصلا معروفاً بفاس مدى أحقاب، ولكنهم انحدروا قبل بعيد إلى هاوية البؤس والفاقة. ويذكر لنا المقرى أنه رآهم وتتبع أخبارهم حتى سنة ١٠٣٧ هـ (١٦٢٨ م)، وأنهم كانوا معدمين يعيشون من أموال الصدقات (٥).

стр. 2761

ولم نعثر على تاريخ وفاة الأميرة الباسلة عائشة الحرة والدة أبى عبد الله، ولابد أنها توفيت قبله بمدة طويلة. ويعرف أبو عبد الله محمد آخر ملوك الأندلس بأبى عبد الله، الغالب بالله وهى شعار سائر ملوك غرناطة، ويعرف فى الرواية الإسبانية، بمحمد الحادى عشر، وبالملك الصغير El Rey Chico، تمييزاً له من عمه أبى عبد الله الزغل، ويلقب أيضاً بالزغيبى ومعناها المنكود أو عاثر الجد، تنويهاً بأحداث حياته المؤسية. ربما أصاب الإسلام على يديه من الخطوب والمحن (١). - ٣ - ولابد لنا قبل أن نختتم الكلام على تلك الصفحة المؤسية من تاريخ الأندلس، أن نتحدث عن ذلك الصرح الخالد الذى مازال رمزاً حياً لتلك المأساة المفجعة، التى اختتمت بين جدرانه الصامتة، واقترنت باسمه إلى الأبد، ونعنى بذلك حمراء غرناطة، ذلك الصرح الذى يمثل فى تاريخ الأندلس عصراً بأسره، وحضارة بأسرها، والذى ما يزال يثير بجلاله وروعته، كثيراً من المواقف والذكريات الخالدة. لبثت حمراء غرناطة زهاء قرنين عنواناً لمجد الإسلام ودولته، وملاذاً ساطعاً للحضارة الأندلسية، التى كانت أنوارها الباهرة تشع فى أرجاء أوربا، خلال حلك العصور الوسطى، فلما أشرفت الدولة الإسلامية على الفناء، غدت حمراء غرناطة قبرها الأخير، وطوت بين جدرانها صفحتها المجيدة. وما زالت الحمراء وساحاتها الشاسعة، وأبهاؤها الفخمة، وأبراجها الشامخة، منذ أكثر من أربعة قرون عنواناً للمجد الذاهب، وشاهداً صامتاً لجليل الحوادث والذكريات. وتاريخ الحمراء هو تاريخ الصروح والهياكل العظيمة، التى تتبوأ مقامها الراسخ فى تاريخ الدول التى شادتها، والعصور التى شهدتها، فهو جزء لا ينفصل من تاريخ الأندلس، كما أن قصر الفاتيكان جزء لا ينفصل من تاريخ البابوية. وما تاريخ الحمراء وسير بناتها وسادتها، إلا تاريخ مملكة غرناطة، وما الحمراء ذاتها، وما تعرضه من روعة فى الصنع والإنشاء، وما تحوى من بدائع الفن والزخرف، إلا صفحة جامعة من تاريخ الحضارة الأندلسية، فالسائح المتأمل فى جنبات هذا

стр. 2762

الصرح الخالد، لا يسعه إلا أن يرتد بذهنه إلى الماضى البعيد، فيذكر قصة أمة مجيدة، كانت سيدة هذه الأرض والمهاد، وحضارة زاهرة كانت تفيض على هذه الأرض والمهاد، عظمة ونعماء ونوراً. وللحمراء تاريخ قديم يرجع إلى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) أيام الدولة الإسلامية الكبرى. وقد كانت يومئذ قلعة متواضعة. وتتحدث الرواية الأندلسية المعاصرة عن قلعة بنيت على ضفة نهر حدرُّه El Darro اليسرى، تسمى قلعة الحمراء، وتذكرها بالأخص أيام الحروب الأهلية التى اضطرمت فى منطقة غرناطة، بين المولدين والبطون العربية، ومما قاله شاعر من شعراء ذلك العصر هو عبد الله العبلى، فى الإشارة إلى فتن غرناطة وإلى قلعة الحمراء: منازلهم منهم قفار بلاقع ... تجارى إلسَّفا فيها الرياحُ الزعازع وفى القلعة الحمراء تبديد جمعهم ... وفيها عليهم تستدير الوقائع كما جدَّلت آباءهم فى خلائها ... أسنتها والمرهفاتُ القواطع ولما تولى باديس بن حبُّوس زعيم البربر حكم غرناطة، واتخذها قاعدة لملكه فى أوائل القرن الخامس الهجرى، أنشأ سوراً ضخماً حول التل الذى تقع عليه القلعة المذكورة، وأنشأ فى داخله قصبة (قلعة) اتخذها مقاماً له، ومركزاً لحكومته، وسميت بالقلعة الحمراء، تجديداً لاسمها القديم. ثم زيد فى القلعة، واتسع نطاقها بمضى الزمن، وغدت حصن غرناطة وقصبتها أو بعبارة أخرى معقلها الرئيسى. ولما غلب محمد بن الأحمر على غرناطة فى سنة ٦٣٥ هـ (١٢٣٨ م)، أنشأ فوق هذا الموقع القديم، وداخل الأسوار، حصنه أو قصره الذى أطلق عليه اسم الحمراء، وجلب له الماء من نهر حدرُّه، واتخذه قاعدة للملك، وأنشأ فيه عدة أبراج منيعة منها البرج الكبير المسمى برج الحراسة Torre de la Vela، والبرج المقابل له، وأنشأ له سوراً ضخماً يمتد حتى مستوى الهضبة. والظاهر أنه بنى مسكنه فى الجنوب الغربى من الحصن، أعنى فى نفس المكان الذى يقوم عليه قصر الإمبراطور شرلكان. ومن المرجح أن اسم الحمراء يرجع إلى قيام قصر ابن الأحمر فوق أطلال قلعة الحمراء القديمة، وليس إلى تسميته باسمه. وقد ذكر البعض أن إطلاق اسم الحمراء على صرح غرناطة الملكى يرجع إلى احمرار أبراجه الشاهقة، أو إلى لون الآجر الأحمر الذى بنيت به الأسوار الخارجية. وقيل أيضاً إن التسمية ترجع إلى لون المشاعل الحمراء التى كان يجرى البناء ليلا على ضوئها. ولكنا نؤثر الأخذ

стр. 2763

بالتعليل الأول فهو أقوى وأرجح. وما زالت ثمة بجوار قصر الحمراء أطلال القلعة القديمة تحمل إلى اليوم اسم "قلعة الأبراج الحمراء" Castillo de Torres bermejas وهو ما يؤيد صحة هذا التعليل لاسم "الحمراء" (١). واستمر فى البناء من بعد محمد بن الأحمر، ولده محمد الفقيه الملقب بالغالب بالله، فأنشأ الحصن والقصر الملكى فى أواخر القرن السابع الهجرى، وأنشأ حفيده محمد إلى جانب القصر فى الجنوب الشرقى منه، مسجداً بديعاً افتن فى ترقيشه وزخرفته (٢) فى المكان الذى تحتله اليوم كنيسة سانتا ماريا، التى بنيت فى القرن السابع عشر؛ ولم يبق اليوم من آثار مسجد الحمراء سوى مصباح برونزى فخم محفوظ بمتحف مدريد الوطنى. وقد بنيت معظم أجنحة الحمراء الملكية فى القرن الرابع عشر فى عهد السلطان أبى الوليد إسماعيل، وولده يوسف أبى الحجاج، وابنه محمد الغنى بالله. ولسنا نعرف شيئاً محققاً عن المهندسين أو الفنانين الذين قاموا على إنشائها. وتدين الحمراء بفخامتها الرائعة إلى السلطان يوسف أبى الحجاج، الملك الشاعر والفنان الموهوب، فقد زاد فى القصر زيادة كبيرة، وأكمل بهو قمارش الضخم، والبرج الشاهق الذى يعلوه، وأسبغ عليه روائع الفن والزخرف، وأنشأ العقد الشاهق الذى يكون مدخل القصر الرئيسى، وهو المسمى "باب الشريعة" وهو يحمل فوق عقده، اسمه وتاريخ إنشائه (٧٤٩ هـ - ١٣٤٨ م). وكان اسم الحمراء يطلق على هذه المجموعة الملكية الفخمة كلها. وتقع أبنية الحمراء فوق هضبة مرتفعة يبلغ طولها ٧٣٦ متراً وعرضها نحو مائتى متر، وتشغل نحو خمسة وثلاثين فداناً. ويحيط بالحمراء سور ضخم يتخلله ثلاثة عشر برجاً، بقى منها إلى اليوم عدة، منها برج قمارش وهو أعظمها، وبرج السلاح، وبرج المتزين، وبرج العقائل، وبرج الأسيرة وغيرها (٣). ويجرى

стр. 2764

خريطة مدينة الحمراء وقصر جنة العريف

стр. 2765

نهر حدرُّه فى الوادى الواقع فى غربها، وقد جف اليوم مجراه وغطى معظمه. وموقع الحمراء ذو جمال طبيعى نادر، فهى تشرف من الشمال والغرب إشرافاً شاملا على المدينة وعلى فحص غرناطة La Vega، وتشرف من الشرق والجنوب على آكام جبال سيرّا نفادا (جبل شُلير). ولم يبق اليوم من قلعة الحمراء التى كانت تشغل منحدر الهضبة فى الشمال الغربى، سوى أسوارها الخارجية وأبراجها. وأما القصر الملكى فقد بقيت معظم أجزائه. ويعتبر قصر الحمراء من أبدع الآثار الإسلامية التى أبقت عليها حوادث الزمن، وليس له مثيل فى الحسن والروعة من حيث عمده الرخامية الرائعة، وعقوده، وسقوفه ذات الزخرف البديع، ويغمره الضوء والهواء بوفرة، ويبدو فى مجموعه فى منتهى الظرف والإناقة. ويقع إلى جنوب الهضبة وشرقها بستان عظيم من صنع الإسبان، تتخلله طرق حديثة صاعدة، وقد كان مكانه أيام المسلمين الساحة المعروفة بالسبيكة، وهو يغص أيام الربيع والصيف بالبلابل، ويتخلله خرير الماء المتدفق عن عدد كبير من الجداول والنوافير، وكان يجاور الحمراء أيام المسلمين حدائق منزرعة وأشجار البرتقال والورود والريحان. ويُدخل إلى هضبة الحمراء من بابها الرئيسى المسمى "باب الرمان" Puerta de Granadas وهو من صنع الإسبان، وقد بنى أيام الإمبراطور شرلكان، وهو عبارة عن عقد حجرى ضخم، نصبت فى أعلاه ثلاث رمانات صخرية على هيئة مثلث. ثم تسير فى طريق صاعدة حتى "باب الشريعة" وهو مدخل الحمراء، وهو عقد ضخم يبلغ ارتفاعه خمسة عشر متراً. ويفضى باب الشريعة إلى مجاز معقود، ثم إلى درب صغير صاعد، ينتهى إلى ميدان أطلق عليه الإسبان اسم "ميدان الأجباب" Plaza de los Aljibis ومنه ترى لأول مرة مجموعة الصروح والأماكن الأثرية التى تضمها قصبة الحمراء. فإلى يمينك ترى القصر الذى أنشأه الإمبراطور شرلكان جنوبى قصر الحمراء، وعلى موقع بعض أجزائه، وإلى يسارك ترى الساحة التى يطلق عليها اسم القصبة أو الحصن، وفى نهايتها البرج الضخم المسمى "برج الحراسة" Torre de la Vela وهو يشرف عالياً على مرج غرناطة كله، وهذا البرج هو الذى اختاره الإسبان عند دخولهم غرناطة لرفع الصليب، وما يزال هذا الصليب الذى وضع يوم دخول الإسبان قائماً فى مكانه، وهو صليب خشبى كبير وضع عى الزاوية الشمالية الغربية

стр. 2766

صورة: غرناطة: منظر عام لمدينة الحمراء وقد ظهرت من ورائها جبال سيرا نفادا محللة بالثلوج

стр. 2767

وأمامك ترى جانباً من قصر الحمراء، وهو الذى يسميه الإسبان "القصر العربى" Palacio Arabe. ويمكن أن نقسم أبنية قصر الحمراء إلى مجموعتين أو جناحين كبيرين، الأول قصر قمارش، الذى يضم البهو المسمى بهذا الإسم وبرجه الشاهق، وقد كان هذا الجناح هو المقام الرسمى لملوك غرناطة، وسمى بقصر قمارش نسبة إلى البهو الفخم الذى يقع تحت برج قمارش، والذى كان يعقد فيه السلطان مجالسه الرسمية، وكان به مجلس العرش. والثانى قصر السباع، وهو الذى يتوسطه بهو الأسود أو بهو السباع ونافورته الشهيرة. ١ - قصر قمارش والجناح الأول هو أول ما يرى الزائر، تتقدمه الساحة المعروفة "بفناء البركة" Patio de Al-Berca، أو فناء الريحان، وهى عبارة عن فناء كبير مستطيل مكشوف، تتوسطه بركة من الماء تظللها أشجار الريحان. ويفضى فناء الريحان من ناحيته الشمالية، إلى بهو صغير به قبلة زينت بنقوش بديعة، ويفضى هذا البهو الصغير بدوره إلى أعظم وأفخم أبهاء الحمراء، وهو بهو قمارش، أو بهو السفراء Salon de Embajadores كما يسميه الإسبان. وبهو قمارش، هو عبارة عن بهو مستطيل، طوله ثمانية عشر متراً وعرضه أحد عشر، تعلوه قبة خشبية شاهقة يبلغ ارتفاعها ثلاثة وعشرون متراً، وقد حفرت زخارفها على شكل النجوم، وزخرفت جدرانها على نفس الطراز، وفى هذا البهو كان يعقد مجلس العرش، ولهذا سمى أيضاً بالمشور. ويعلو بهو قمارش، البرج المسمى بهذا الاسم وهو برج شاهق فى مثل مساحته. وقد بدأ بإنشاء بهو قمارش، السلطان أبو اليد إسماعيل، فى أوائل القرن الثامن للهجرة (أوائل الرابع عشر الميلادى) وأكمله ولده السلطان يوسف أبو الحجاج. وأروع ما فيه زخارف قبته التى احتفظت بنقوشها الأصلية؛ أما نقوش الجدران، فإنها مع جمالها ليست إلا تجديداً مقلداً لنقوشها القديمة، قام بها الفنانون الإسبان. وقد وردت فيها العبارة الآتية مكررة "عز لمولانا السلطان أبى الحجاج"، وتخللها فى سائر جوانبها شعار بنى نصر المشهور، وهو "ولا غالب إلا الله"

стр. 2768

صورة: الحمراء: من زخارف بهو السفراء (بهو قمارش)

стр. 2769

ويفضى بهو البركة من ناحيته اليمنى إلى فناء سفلى يعرف بفناء السرو، وقد زرعت فيه بالفعل بعض أشجار السرو. وليس لهذا الفناء أهمية أثرية تذكر، وهو من صنع الإسبان، وإلى جانبه يقع جناح الحمامات السلطانية. وتقع شرقى فناء البركة، قاعة الأختين Sala de las dos Hermanas، وقد سميت بهذا الاسم لأن أرضها تحتوى على قطعتين متساويتين من الرخام، فريدتين فى ضخامة الحجم. ٢ - قصر السباع وتفضى قاعة الأختين من بابها الجنوبى، إلى أجمل وأشهر أجنحة الحمراء، ونعنى بهو السباع، أو بهو الأسود وما إليه. ويعتبر فناء السباع أو كورة السباع Patio de los Leones، أجمل وأرشق أبهاء الحمراء. وقد قام بإنشائه السلطان محمد الغنى بالله، الذى حكم من سنة ١٣٥٤ - ١٣٩١ م، وما زال اسمه ماثلا فى مواضع كثيرة من هذا الجناح. وهو عبارة عن فناء مستطيل مكشوف، طوله خمسة وثلاثون متراً، وعرضه عشرون، تحيط به من الجوانب الأربع مشرفيات أو أروقة ذات عقود، تحملها مائة وأربعة وعشرون عموداً من الرخام الأبيض، صغيرة الحجم، متناهية فى الجمال والرشاقة، وعليها أربع قباب مضلعة، تقع كل واحدة منها وسط ضلع من أضلاع المستطيل. وفى وسط الفناء نافورة الأسود الشهيرة، وهى عبارة عن نافورة ماء، يحمل حوضها المرمرى المستدير الضخم، اثنا عشر أسداً على شكل دائرة، وقد نقشت فوق دائرة هذا الحوض اثنتى عشر بيتا من قصيدة ابن زمرك الشهيرة فى وصف الحمراء، أمام كل أسد بيت منها، وهذا مطلعها: تبارك من أعطى الإمام محمدا ... مغانىَ زانت بالجمال المغانيا وإلا فهذا الروض فيه بدايع ... أبى الله أن يلقى لها الحسن ثانيا وفى منتصف الناحية الجنوبية من بهو السباع، يوجد مدخل قاعة بنى سراج Sala de los Abencerrajes، وهو اسم الأسرة الغرناطية الشهيرة، التى لعبت دوراً كبيراً فى حوادث غرناطة الأخيرة. وهى عبارة عن مستطيل طوله اثنا عشر متراً وعرضه ثمانية، وفوقه قبة عالية مضلعة، وفى وسطه حوض نافورة مرمرى

стр. 2770

صورة: نافورة الأسود ومن ورائها الشرفة الوسطى لبهو الأسود
следующие страницы →