← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

صورة: غرناطة: منظر عام لمدينة الحمراء وقد ظهرت من ورائها جبال سيرا نفادا محللة بالثلوج

стр. 2767

وأمامك ترى جانباً من قصر الحمراء، وهو الذى يسميه الإسبان "القصر العربى" Palacio Arabe. ويمكن أن نقسم أبنية قصر الحمراء إلى مجموعتين أو جناحين كبيرين، الأول قصر قمارش، الذى يضم البهو المسمى بهذا الإسم وبرجه الشاهق، وقد كان هذا الجناح هو المقام الرسمى لملوك غرناطة، وسمى بقصر قمارش نسبة إلى البهو الفخم الذى يقع تحت برج قمارش، والذى كان يعقد فيه السلطان مجالسه الرسمية، وكان به مجلس العرش. والثانى قصر السباع، وهو الذى يتوسطه بهو الأسود أو بهو السباع ونافورته الشهيرة. ١ - قصر قمارش والجناح الأول هو أول ما يرى الزائر، تتقدمه الساحة المعروفة "بفناء البركة" Patio de Al-Berca، أو فناء الريحان، وهى عبارة عن فناء كبير مستطيل مكشوف، تتوسطه بركة من الماء تظللها أشجار الريحان. ويفضى فناء الريحان من ناحيته الشمالية، إلى بهو صغير به قبلة زينت بنقوش بديعة، ويفضى هذا البهو الصغير بدوره إلى أعظم وأفخم أبهاء الحمراء، وهو بهو قمارش، أو بهو السفراء Salon de Embajadores كما يسميه الإسبان. وبهو قمارش، هو عبارة عن بهو مستطيل، طوله ثمانية عشر متراً وعرضه أحد عشر، تعلوه قبة خشبية شاهقة يبلغ ارتفاعها ثلاثة وعشرون متراً، وقد حفرت زخارفها على شكل النجوم، وزخرفت جدرانها على نفس الطراز، وفى هذا البهو كان يعقد مجلس العرش، ولهذا سمى أيضاً بالمشور. ويعلو بهو قمارش، البرج المسمى بهذا الاسم وهو برج شاهق فى مثل مساحته. وقد بدأ بإنشاء بهو قمارش، السلطان أبو اليد إسماعيل، فى أوائل القرن الثامن للهجرة (أوائل الرابع عشر الميلادى) وأكمله ولده السلطان يوسف أبو الحجاج. وأروع ما فيه زخارف قبته التى احتفظت بنقوشها الأصلية؛ أما نقوش الجدران، فإنها مع جمالها ليست إلا تجديداً مقلداً لنقوشها القديمة، قام بها الفنانون الإسبان. وقد وردت فيها العبارة الآتية مكررة "عز لمولانا السلطان أبى الحجاج"، وتخللها فى سائر جوانبها شعار بنى نصر المشهور، وهو "ولا غالب إلا الله"

стр. 2768

صورة: الحمراء: من زخارف بهو السفراء (بهو قمارش)

стр. 2769

ويفضى بهو البركة من ناحيته اليمنى إلى فناء سفلى يعرف بفناء السرو، وقد زرعت فيه بالفعل بعض أشجار السرو. وليس لهذا الفناء أهمية أثرية تذكر، وهو من صنع الإسبان، وإلى جانبه يقع جناح الحمامات السلطانية. وتقع شرقى فناء البركة، قاعة الأختين Sala de las dos Hermanas، وقد سميت بهذا الاسم لأن أرضها تحتوى على قطعتين متساويتين من الرخام، فريدتين فى ضخامة الحجم. ٢ - قصر السباع وتفضى قاعة الأختين من بابها الجنوبى، إلى أجمل وأشهر أجنحة الحمراء، ونعنى بهو السباع، أو بهو الأسود وما إليه. ويعتبر فناء السباع أو كورة السباع Patio de los Leones، أجمل وأرشق أبهاء الحمراء. وقد قام بإنشائه السلطان محمد الغنى بالله، الذى حكم من سنة ١٣٥٤ - ١٣٩١ م، وما زال اسمه ماثلا فى مواضع كثيرة من هذا الجناح. وهو عبارة عن فناء مستطيل مكشوف، طوله خمسة وثلاثون متراً، وعرضه عشرون، تحيط به من الجوانب الأربع مشرفيات أو أروقة ذات عقود، تحملها مائة وأربعة وعشرون عموداً من الرخام الأبيض، صغيرة الحجم، متناهية فى الجمال والرشاقة، وعليها أربع قباب مضلعة، تقع كل واحدة منها وسط ضلع من أضلاع المستطيل. وفى وسط الفناء نافورة الأسود الشهيرة، وهى عبارة عن نافورة ماء، يحمل حوضها المرمرى المستدير الضخم، اثنا عشر أسداً على شكل دائرة، وقد نقشت فوق دائرة هذا الحوض اثنتى عشر بيتا من قصيدة ابن زمرك الشهيرة فى وصف الحمراء، أمام كل أسد بيت منها، وهذا مطلعها: تبارك من أعطى الإمام محمدا ... مغانىَ زانت بالجمال المغانيا وإلا فهذا الروض فيه بدايع ... أبى الله أن يلقى لها الحسن ثانيا وفى منتصف الناحية الجنوبية من بهو السباع، يوجد مدخل قاعة بنى سراج Sala de los Abencerrajes، وهو اسم الأسرة الغرناطية الشهيرة، التى لعبت دوراً كبيراً فى حوادث غرناطة الأخيرة. وهى عبارة عن مستطيل طوله اثنا عشر متراً وعرضه ثمانية، وفوقه قبة عالية مضلعة، وفى وسطه حوض نافورة مرمرى

стр. 2770

صورة: نافورة الأسود ومن ورائها الشرفة الوسطى لبهو الأسود

стр. 2771

مستدير، وفى قاعه بقع داكنة ثابتة، تزعم الأسطورة أنها آثار من دماء بنى سراج، الذين دبر لهم السلطان كميناً، واستدرجهم إلى الحمراء، ودبر مقتلهم فى هذه القاعة واحداً بعد الآخر. وفى الناحية الشرقية لفناء الأسود، يوجد مدخل القاعة التى تسمى قاعة الملوك Sala de los Reyes أو قاعة العدل، وبها ثلاث عقود أو حنايا، رسمت فى سقف الحنية الوسطى منها، صور عشرة فرسان مسلمين، يلبسون العمائم ويجلسون على وسائد، وهيئاتهم تشع بالوقار والعزة، ويقول بعض الباحثين إن هذه هى صور ملوك غرناطة العشرة، الذين سبقوا أبى عبد الله فى تولى العرش. وفى شمال فناء الأسود يقع البهو المسمى "منظرة اللندراخا" Mirador de Lindaraja. ويوجد بين قاعة الأختين وبين منظرة اللندرخا، باب يفضى إلى ساحة مستطيلة لم تكن من أبنية الحمراء الأصلية، ولكنها أنشئت أيام الإمبراطور شرلكان. ويتصل بهذه الساحة رواق ضيق يفضى إلى متزين الملكة Peinador de la Reina، وهو عبارة عن بهو صغير منخفض، وقد أنشىء فى القرن السادس عشر، ورسمت على جدرانه صور وزخارف نصرانية من طراز عصر الأحياء. تلك هى محتويات قصر الحمراء، ولا يتسع المقام هنا لننقل إلى القارىء، ما نقش على جدرانه، وما فى قبابه من النقوش والقصائد العديدة. ولكن الذى يلفت النظر بنوع خاص، أن شعار بنى نصر وهو "ولا غالب إلا الله"، قد نقش فى كل ركن من أركانه، وكل ناحية من نواحيه. وتكرار هذا الشعار على هذا النحو يبعث إلى النفوس شعور النبؤة والنذير، ويذكرها بالمأساة الخالدة، التى توالت حوادثها بين هذه الجدران الصامتة، التى يكاد الأسى يرتسم على زخارفها العربية ونقوشها الإسلامية (١). وهناك على مقربة من قصر الحمراء، يقع أثر أندلسى آخر هو قصر جنة العريف El Generalife، وهو يقوم على ربوة مستقلة عالية، تقع فى ركن منعزل فى شمال شرقى الهضبة، ويشرف من ربوته العالية على صروح قصبة الحمراء، وتبدو من ورائه آكام جبال سيرّا نفادا الشامخة (جبل الثلج). وهو عبارة عن صرح صغير أنيق المنظر، قد اختلطت أوضاعه العربية السفلى، بما أنشأه الملوك

стр. 2772

الإسبان فوقها من أبنية دخيلة، وتجوز إليه من مدخل بسيط متواضع، يفضى إلى ساحة فسيحة، قد أقيم على جانبها رواقان ضيقان طويلان، وفى وسطها بركة ماء، وقد غرست حولها الرياحين والزهور الساحرة. وقد كان قصر جنة العريف فيما يبدو مصيفاً أو متنزهاً لسلاطين غرناطة، يؤمونه للاستجمام والراحة، والاستمتاع بجمال موقعه، وروعة المناظر الطبيعية التى تحيط به. ... صورة: واجهة قصر جنة العريف ... ولم ينج هذا الأثر الإسلامى العظيم، عنوان الحضارة الأندلسية الباهرة، من يد العدوان والتشويه المنظم. فقد كان مثل بناته المغلوبين ضحية السياسة الإسبانية الغاشمة، وقد عمل الإسبان منذ سقوط غرناطة على محو جمال الحمراء الرائع بأعمال تخريب وتشويه متتالية، فمسخوا الزخارف والنقوش أو محوها، ونقلوا الأثاث والرياش أو أتلفوه، وبنى الإمبراطور شرلكان فى سنة ١٥٢٦ م إلى جانب الحمراء فى الجنوب الغربى منها قصراً جديداً، وهدم معظم القصر الشتوى القديم ليفسح مكاناً للقصر الجديد. وعمل فيليب الخامس (١٧٠٠ - ١٧٤٦) على مسخ طراز الغرف العربى، واستبداله بالطراز الإيطالى؛ وأتم تشويه القصر بإقامة حواجز

стр. 2773

سدت المنافذ والطرق بين مختلف الأجنحة. وعلى الجملة فقد تركت الحكومات الإسبانية المتعاقبة هذا الأثر الإسلامى العظيم فى زوايا الإهمال، وأسلمته إلى يد العفاء والتخريب، ولم تعن بإصلاحه وترميمه فى العصور الأولى إلا مرة واحدة، فى أواسط القرن السادس عشر. وفى سنة ١٥٩٠ وقع بالحمراء حريق تسبب عن انفجار مصنع بارود مجاور، فأصابها بأضرار كبيرة. ومنذ القرن السابع عشر تغلب مظاهر الخراب على الحمراء، ويسودها النسيان والوحشة. وفى سنة ١٨٠٢ م -أيام الغزو النابليونى- نسف الفرنسيون بعض أبراجها ولم ينج القصر إلا بأعجوبة. وفى أواسط القرن التاسع عشر، أفاقت الحكومة الإسبانية من سباتها الطويل، وعنيت بإصلاح الحمراء وترميمها، واستمر الترميم والإصلاح فيها زهاء نصف قرن، وتبدو الحمراء اليوم فى ثوبها المجدد، وقد جددت الزخارف والنقوش القديمة فى معظم الأبهاء، وفقاً لأوضاعها ونصوصها القديمة، ولكن تتخللها أخطاء المطابقة والنقل فى مواطن كثيرة. ولكن الحمراء مازالت بالرغم من كل ما أصابها من ضروب التشويه والإهمال، تعتبر أعظم الآثار الأندلسية الباقية، كما تعتبر نموذج للفن الأندلسى فى تطوره النهائى، بعد تحرره من أثر الفن البيزنطى. وهى اليوم علم على غرناطة تشتهر بها عاصمة الأندلس القديمة فى سائر الآفاق، ويهرع إليها الرواد من كل صوب ليصعدوا إلى هضبة الحمراء، ويقضون لحظات فى تأمل صرحها الرائع (١). ... وقد لبثت الحمراء بأبراجها المنيعة، وأجنحتها الملوكية البديعة، زهاء قرنين مقاماً فخماً لملوك غرناطة، وحصناً أميناً يعتصمون به وقت الخطر والأزمات العامة، حتى شهدت فى النهاية ذهاب ملكهم، كما شهدت من قبل عظمتهم وسلطانهم. وإلى جانب الحوادث التاريخية التى كانت الحمراء مسرحها، والتى فصلناها فى مواضعها، تتبوأ القصة والأسطورة فى تاريخ الحمراء مكاناً كبيراً، وتقدم للقصصى مادة شائقة مؤثرة. ويرجع معظم هذا القصص إلى الفترة الأخيرة من حياة مملكة غرناطة، وإلى حوادث مصرعها النهائى، وقد كانت الحمراء كما رأينا مسرح كثير من حوادث المأساة، وكانت بالأخص مسرح فصلها الختامى.

стр. 2774

أجل إن للحمراء إلى جانب تاريخها الحافل، تراثها من القصص والأساطير، وهو تراث يمتزج أحياناً بالتاريخ الحق، ويجنح أحياناً إلى الأسطورة الشائقة. بيد أنه يثير الشجن دائما، وينفث الإعجاب والسحر. ذلك أنه مستمد من الحوادث والذكريات العظيمة، التى ترتبط بتاريخ غرناطة، ومن الروايات المؤثرة التى ذاعت عن مصرعها، وعن بسالة فروستها، حين المعركة الحاسمة، وعن خلال مجتمعها، ومخاوفه وهواجسه وآماله. وإذا كان المؤرخ لا يجد فى هذا التراث دائماً، مادة وثيقة يستطيع الوقوف بها، فإنه يجد على الأقل صوراً مؤثرة مما تسبغه الروايات المعاصرة، على تلك الحوادث العظيمة، من ألوان الروع والشجن والأسى. وفى هذه الحوادث المشجية يغلب التاريخ على الرواية والقصة. ولكن توجد إلى جانب ذلك طائفة من الأساطير الشائقة، التى أحاطت بها الرواية الإسبانية قصة الحمراء، وقصة أبهائها وأبراجها. وأول ما يروى فى ذلك أن منشىء قصر الحمراء السلطان محمد الغالب بالله (ابن الأحمر) (٦٧١ - ٧٠١ هـ) كان ساحراً، وأنه استعان بالسحر والشياطين فى إنشاء الحصن والقصر، ومن ثم استطاعت الجدران والأبراج المنيعة أن تغالب فعل الحوادث والعواصف والزلازل حتى يومنا، دون أن تتصدع أو تنهار. والسر فى ذلك يرجع إلى الطلاسم والتعاويذ السحرية التى تحمى البناء من كل شر. وتقول الأسطورة إن الحمراء لن تنهدم أو تسقط إلا حين يميل اللسان المثبت فى أسفل البرج الخارجى، ويصل إلى موضع القفل، فعندئذ تنهار الحمراء دفعة واحدة، وتنكشف جميع الكنوز التى أودعها المسلمون فى أعماقها. وعلى ذكر هذه الكنوز تقول الأسطورة إن المسلمين عندما سقطت غرناطة فى أيدى النصارى، كانوا يعتقدون أن سقوطها حادث مؤقت، وأن دولة المسلمين فى الأندلس لن تلبث أن تعود قوية عزيزة، وأن بعدهم عن أوطانهم لن يطول، ولذلك عمدوا إلى إخفاء ذخائرهم وحليهم وأموالهم فى أعماق الحمراء، فى جوانب متعددة منها، وأنهم لجأوا فى حفظها وحمايتها إلى السحر، فرصدوا لحفظها الطلاسم والأسماء. وقد يبدو حراسها أحياناً فى صور مردة أو وحوش، أو فرسان مسلمين مدججين بالسلاح، يسهرون عليها أبد الدهر جامدين لا يغمض لهم طرف. وليس فى الحمراء برج أو بهو أو قاعة، إلا اقترن ذكرها بقصة هذه الكنوز الخفية؛ وكانت الأسطورة تضطرم من عصر إلى آخر، ولاسيما فى جنوبى اسبانيا،

стр. 2775

كلما كشفت المباحث الأثرية فى أنحاء الحمراء أو حولها، عن بعض النقود والتحف الإسلامية. وتقدم إلينا الرواية بعض الأساطير المروعة عن "بهو السباع" والبهو الذى يقابله وهو المسمى بهو بنى سراج. فأما بهو السباع فتزعم الرواية أنه كان مسرحاً دموياً لمصرع بعض أبناء السلطان أبى الحسن. وأما بهو بنى سراج فتقول الرواية إنه كان مسرحاً لمصرع بنى سراج أعرق الأسر الغرناطية وأوفرها جاهاً وفروسة، وكانت فى أواخر عهد السلطان أبى الحسن قد انتظمت إلى جانب خصومه، وأمعنت فى مناوأته، فقرر إهلاكهم (١). وقيل إن عميدهم محمد بن سراج، وهو من أكابر الفرسان والسادة، هام بحب أميرة من البيت المالك، فوجد عليه السلطان وقرر سحق الأسرة كلها، ودبر كميناً لإهلاكهم، فدعا أكابرهم ذات مساء إلى حفل أقامه، وأدخلوا واحداً بعد واحد بترتيب معين، من باب البهو المذكور، وكلما دخل أحدهم بادره القتلة ونحروه على حافة الحوض الرخامى الواقع وسطها، حتى أعدموا جميعاً، وفقدت الأسرة كل أنجادها. وسمى المكان من ذلك الحين "بهو بنى سراج". وما زالت ثمة بقع داكنة فى قاع الحوض الذى سالت فيه دماء القتلى تقول الرواية إنها بقع من دمائهم، وإنها لن تمحى قط، وتزيد الأسطورة على ذلك أنه ما زالت تسمع فى ذلك البهو فى بعض الليالى أنات خافتة، وقعقعة سلاح، وأنه حدث أكثر من مرة أى رأى حراس الحمراء فى جوف الليل، بعض الجند المسلمين، وقد لمعت أثوابهم الزاهية وأسلحتهم البراقة، يقطعون البهو جيئة وذهاباً (٢). وهناك طائفة كبيرة من الأساطير الغرامية، تروى عن الملوك والسادة الذين

стр. 2776

سكنوا الحمراء، وعن أبهائها الفخمة وأبراجها القائمة، ويقال إن كثيراً من الأميرات والغيد الحسان الذين استحقوا اللعنة الملكية زجوا إلى أقبيتها أو أبراجها السحيقة وأعدموا فى ظلماتها. ومن ذلك ما تزعمه الأسطورة من أن سلطاناً مستبداً من سلاطين غرناطة سجن بناته الثلاث فى أحد أبراج الحمراء، ولم يك يسمح لهن إلا بالتريض ليلا فى بعض التلال المجاورة بحيث لا يراهن إنسان قط، وأن أولئك الأميرات الثلاث ما زلن يظهرن فى بعض الليالى المقمرة فى هاتيك التلال، يمتطين جيادهن الفخمة، وتسطع حليهن النفيسة تحت أشعة القمر، فإذا حاول إنسان أن يخاطبهن أو يزعجهن، اختفين فى الحال تحت جنح الظلام. وقد ذاعت هذه الأساطير عن الحمراء وعن ملوكها، ودونت عقب سقوط غرناطة، فى بعض التواريخ والقصص المغرق. ومن ذلك كتاب ظهر فى أواخر القرن السادس عشر عنوانه " حروب غرناطة الأهلية " Guerras civiles de Granadas وزعم مؤلفه، وهو اسبانى من أهل مرسية يدعى خينس بيرث دى إيتا Gines Perez de Hita أنه نقله عن مؤلف لكاتب أندلسى يدعى ابن أمين، وهو مزيج من بعض الوقائع التاريخية المحرفة، وكثير من القصص الخرافية، ويدور معظمه حول حوادث غرناطة الأخيرة ومعاركها الأهلية، وأحوال بلاطها وما يقع فيه من مكائد ودسائس سياسية وغرامية، ومنافسات بنى سراج وبنى الثغرى وغيرهم من أنجاد غرناطة. وقد ذاع هذا المؤلف فى اسبانيا ولاسيما فى ريف الأندلس، وترجم إلى لغات عديدة. بيد أنه يبدو من سياقه أنه لا يمكن أن يكون ترجمة لرواية عربية، وكل ما هنالك أنه مزيج من بعض الأساطير النصرانية والشعبية، التى ذاعت فى ذلك العصر عن حوادث غرناطة، وأذكاها خيال الأحبار، والفرسان، وأذكتها بالأخص عوامل دينية وسياسية خاصة. هذا بعض ما يروى من قصص الحمراء وأساطيرها. وإذا كان المؤرخ لا يستطيع أن يقف بهذا التراث المغرق من القصص والأساطير، فإنه يستطيع على الأقل أن يستخرج منه مغزى بليغاً، وهو مغزى ينم فى كثير من الأحيان عما كان للأندلس المسلمة فى اسبانيا وفى الغرب، من عظيم الهيبة والشأن، وما كان لذكريات غرناطة وحمرائها من بالغ الروع والسحر والإجلال (١). ...

стр. 2777

ورحم الله شوقى إذ يقول فى سينيته الأندلسية الشهيرة فى رثاء الحمراء: لا ترى غير وافدين على التا ... ريخ ساعين فى خشوع ونكس نقلوا الطرف فى نضارة آس ... من نقوش وفى عصارة ورس وقباب من لازورد وتبر ... كالربى الشم بين ظل وشمس وخطوط تكفلت للمعانى ... ولألفاظها بأزين لبس وترى مجلس السباع خلاء ... مقفر القاع من ظباء وخُنس لا " الثريا "ولا جوارى الثريا ... ينزلن فيه أقمار إنس مرمر قامت الأسود عليه ... كلة الظفر لينات المجس تنثر الماء فى الحياض جمانا ... يتنزى على ترائب ملس آخر العهد بالجزيرة كانت ... بعد عرك من الزمان وضرس يا دياراً نزلت كالخلد ظلا ... وجنًى دانياً وسلسال أنس لا تحس العيون فوق رباها ... غير حور حُو المراشف لعس كسيت أفرخى بظلك ريشا ... وربا فى رباك واشتد غرسى هم بنو مصر لا الجميل لديهم ... بمضاع ولا الصنيع بمنسى من لسان على ثنائك وقف ... وجنان على ولائك حبس حسبهم هذه الطلول عظات ... من جديد على الدهور ودرس وإذا فاتك التفات إلى الما ... ضى فقد غاب عنك وجه التأسى

стр. 2778

مأساة الموريسكيّين أو العَرَب المتنصِّرين ٨٩٧ - ١٠١٨ هـ: ١٤٩٢ - ١٦٠٩ م

стр. 2779

الكتاب الثالث مراحل الاضطهاد والتنصير

стр. 2780

الفصل الأول بدء التحول فى حياة المغلوب نقص الروايات العربية عن المأساة الأندلسية. علة هذا النقص. اهتمام الرواية الإسبانية بالإفاضة فيها. هجرة الأندلسيين إلى المغرب. وإنشاؤهم لمدينة تطوان. بداية عصر الإستعباد. السياسة الإسبانية ومصير المسلمين. أقوال الرواية القشتالية. اتجاه ملكى اسبانيا إلى النكث. تعليق النقد الحديث. بدء الاضطهاد. تحوير المعاهدة. خمنيس يحاول تنصير المسلمين. بعض من تنصر من أكابرهم. إحراق الكتب العربية. تعليق النقد الحديث على هذا العمل. الروايات الإسلامية عن مأساة التنصير. صدى المحنة فى مصر. نفى المسلمين من البرتغال. أمة الموريسكيين أو العرب المتنصرين. قرار مجلس الدولة. الثورة فى بعض النواحى. التنصير المغصوب. نشاط فرناندو وإيسابيلا. إستغاثة المسلمين بملك مصر. سفارة فرناندو إليه. الثورة فى فليا لونجا وهزيمة الإسبان. جنوح فرناندو إلى اللين. أقوال الرواية الإسلامية عن هذه الحوادث. حشد المسلمين والمتنصرين فى أحياء خاصة. تحريم إحراز السلاح عليهم. حظر هجرتهم إلى غرناطة. تحريم بيع الأملاك. لم يكن ظفر اسبانيا النصرانية بالاستيلاء على غرناطة، وسحق دولة الإسلام فى الأندلس، سوى بداية النهاية فى مصير الأمة الأندلسية، ولم يكن فقد السيادة القومية، وفقد الإستقلال والحرية، والذلة السياسية، والاضطهاد الدينى والاجتماعى، وهى المحن التى تنزل بالأمة المغلوبة، سوى لمحة يسيرة مما كتب على الأمة الأندلسية أن تعانيه على يد اسبانيا النصرانية. أجل كان مصير مسلمى الأندلس بعد فقد دولتهم وزوال مملكتهم، من أروع ما عرفت الأمم الكريمة المغلوبة، وكان مأساة من أبلغ مآسى التاريخ. تلك هى مأساة الموريسكيين أو العرب المتنصرين، ومن الأسف أن الرواية الإسلامية لم تخص تاريخ الأمة الأندلسية بعد سقوط غرناطة بكثير من عنايتها، ولم ينته إلينا عن تلك المأساة سوى رسائل وشذور يسيرة، بل لم ينته إلينا سوى القليل عن مراحل التاريخ الأندلسى الأخيرة قبل سقوط غرناطة، ولا توجد لدينا عن تلك المرحلة سوى رواية إسلامية واحدة هى كتاب "أخبار العصر فى انقضاء دولة بنى نصر" الذى سبقت الإشارة إليه غير مرة، والذى كتبه فى سنة ٩٤٧ هـ (١٥٤٠ م) أعنى بعد سقوط غرناطة بخمسين سنة، كاتب مجهول كان فيما يبدو

стр. 2781

من أشراف غرناطة الذين بقوا فيها، وأرغموا على التنصر، ولكنهم بقوا مع ذلك مسلمين فى روحهم وسريرتهم. وقد كانت هذه الرواية أساساً لكل ما كتبه المسلمون المتأخرون عن سقوط غرناطة. ولم تصل إلينا إلى جانب هذه الرواية الوحيدة، سوى رسائل وشذور وقصائد نقلها إلينا المقرى مؤرخ الأندلس فى مؤلفه "أزهار الرياض"، ومعظمها مما كتبه أدباء المغرب عقب وقوع المأساة بقليل. ونستطيع أن نرجع هذا النقص فى الرواية الإسلامية عن حوادث المأساة الأندلسية إلى عاملين: الأول هو أنه فى عصور الإنحلال والسقوط تخمد الحركات الأدبية والفكرية، وتقل العناية بالتدوين التاريخى، كما تقل فى جميع نواحى التفكير والأدب، وأن نظام الطغيان المطبق والاضطهاد المروع، الذى فرض على العرب المتنصرين، كان كفيلا بإخماد كل صوت وتحطيم كل قلم. والثانى وهو ما نرجحه، هو فقد معظم الكتب والوثائق العربية التى وضعت فى هذا الوقت، والتى استطاع المقرى أن ينقل إلينا شذوراً منها، مما يدل على أن بعضها كان موجوداً حتى عصره أعنى فى القرن السابع عشر. ومن الغريب أن صاحب "أخبار العصر" لم يقدم إلينا عن مأساة العرب المتنصرين سوى نبذة يسيرة، مع أنه عاصر معظم حوادثها، وشهدها على الأغلب. ولسنا نجد ما نفسر به هذا الصمت من جانب الرواية الإسلامية الوحيدة، التى انتهت إلينا عن سقوط غرناطة، وما تلاه من الحوادث والخطوب، إلا نظام الإرهاب الشامل، الذى سحق كل متنفس للشعب المغلوب. على أن هذه المرحلة المؤلمة من تاريخ الأمة الأندلسية، تشغل بالعكس فى تاريخ اسبانيا القومى حيزاً كبيراً يمتد زهاء قرن وربع، وتخصه الرواية الإسبانية بكثير من عنايتها. ولكن الرواية الإسبانية تتأثر دائماً بالعوامل القومية والدينية إلى أبعد حد، وتنظر دائماً إلى ذلك الإستشهاد المفجع، الذى فرضته اسبانيا على العرب المتنصرين، وإلى تلك الأعمال المروعة التى كانت ترتكبها محاكم التحقيق (١) باسم الدين، وإلى تلك الوسائل البربرية، التى اتخذت لتشريد العرب المتنصرين وإبادتهم، بعين الكبرياء والرضى، وترى فيها دائماً نوعاً من الإنقاذ القومى، وتطهيراً للدين والوطن من آثار الإسلام الأخيرة. وهى تحيط هذه المرحلة من تاريخ اسبانيا، بكثير من القصص والأساطير الحماسية، التى تشيد بظفر اسبانيا

стр. 2782

النصرانية، وبما أسبغته العناية الإلهية على خطتها وسياستها، فى إبادة تراث الإسلام والعرب المتنصرين، وفى القضاء إلى الأبد على آثار تلك الدولة الإسلامية المجيدة، التى ازدهرت فى اسبانيا زهاء ثمانية قرون، وعلى حضارتها وآدابها، وكل ذلك التراث العظيم الباهر. على أن الرواية الإسبانية بالرغم من تأثرها العميق بالعوامل القومية والدينية، تعرض علينا حوادث هذا النضال الأخير فى أسلوب مؤثر. وقد لا تضن فى بعض المواطن والمواقف بعطفها، وأحياناً بإعجابها، على تلك الأمة المغلوبة الباسلة، التى لبثت تناضل حتى الرمق الأخير عن كرامتها، وعن تراثها القومى والروحى. - ٢ - لبثت السياسة الإسبانية بعد سقوط غرناطة، وبعد أن حققت اسبانيا النصرانية بالقضاء على دولة الإسلام فى الأندلس، أعظم أمانيها القومية، مدى حين تلتزم جانب الرواية والاعتدال. ولما غادر فرناندو وإيسابيلا غرناطة بعد دخولها، أوصيا حاكمها الجديد الكونت تندليا (المركيز دى مونتخار فيما بعد) بالرفق فى معاملة الرعايا الجدد، والعمل على التقريب بين العناصر. وكان من أثر ذلك فى البداية أن رغب الكثيرون فى البقاء، واشتروا الرباع العظيمة من الراحلين بأبخس الأثمان (١). وهناك من جهة أخرى ما يدل على أنه ما كاد يتم تسليم غرناطة حتى بدأ أعيان المسلمين فى بيع أملاكهم وضياعهم إلى القادة والأشراف القشتاليين الذين قدموا للتوطن فى المدينة المفتوحة، فمثلا باع القائد أبو عبد الله محمد الينشتى إلى القائد القشتالى أندريس قلدرون حديقته ومنزله بباب الفخارين، وذلك فى جمادى الثانية سنة ٨٩٧ هـ (مارس ١٤٩٢ م)، وباعت فاطمة بنت أبى القاسم الأبار إلى نفس القائد القشتالى حديقتها الكائنة بربض باب الفخارين، وذلك فى نفس التاريخ، وباع عدة آخرون من المسلمين أملاكهم فى مرج غرناطة وفى عين الدمع، إلى بعض أعيان القشتاليين، وذلك فى نفس السنة (١٤٩٢ م) (٢). واتخذت الأهبة من جهة أخرى لنقل المسلمين الراغبين فى الهجرة إلى المغرب، وهاجر كثير من أشراف غرناطة، وفى مقدمتهم

стр. 2783

بنو سراج وغيرهم من أنجاد غرناطة القدماء، وأقفرت مناطق بأسرها من أعيان المسلمين، ولاسيما منطقة البشرات. وكان تدفق سيل المهاجرين دليلا على أن الشعب المغلوب، لم يكن واثقاً فى ولاء سادته الجدد، وأنه كان ينظر إلى المستقبل بعين التوجس والريب. ويفصل لنا صاحب أخبار العصر بعض حركات الهجرة التى وقعت على أثر سقوط غرناطة، فيقول لنا إن من بقى من المسلمين فى مالقة عبروا البحر إلى باديس وعبر أهل ألمرية إلى تلمسان، وعبر أهل الجزيرة الخضراء إلى طنجة، وعبر أهل رندة وبسطة وحصن موجر وقرية قردوش وحصن مرتيل إلى تطوان وأحوازها، وعبر أهل لوشة وقرية الفخار وبعض أهل غرناطة ومرشانة وأهل البشرَّة إلى أراضى قبيلة غمارة، وعبر أهل بيرة وبرجة وأندرش إلى ما بين طنجة وتطوان، وعبر أهل بلِّش إلى سلا، وخرج كثير من أهل غرناطة إلى بجاية ووهران وقابس وصفاقص وسوسة، وخرج أهل مدينة طريف إلى آسفى وأزمور (١). وقد كان ممن هاجر من غرناطة إلى العدوة عقب سقوطها بقليل جماعة من أهلها برياسة زعيم جندى هو أبو الحسن على المنظرى (أو المندرى) وكان من أكابر جند الجيش الغرناطى، فنزلوا فى موقع قرية مرتيل (أو مرتين) الواقع على البحر على مقربة من تطوان، وكانت يومئذ خربة مهجورة، فاستأذن الأندلسيون سلطان فاس، محمداً الشيخ الوطَّاسى، فى تعميرها وسكناها، فأذن لهم، فأقاموا فوق موقعها القديم محلة حصينة بها مسجد وقصبة، وكان ذلك فى سنة ٨٩٨ هـ (أواخر سنة ١٤٩٢ م). وفى رواية أخرى أن الأندلسيين الذين عمروا تطوان لأول مرة، وفدوا إلى العدوة قبل سقوط غرناطة ببضعة أعوام فى سنة ٨٨٨ هـ (١٤٨٣ م)، وأنهم كانوا نحو ستين أو ثمانين. ثم جاء من بعدهم عقب سقوط غرناطة قوم آخرون، قاموا بتوسيعها وتحصينها، وعلى أى حال فإن المرجح أن هجرة المنظرى وقومه كانت عقب سقوط غرناطة، وأن هذا الفوج من المهاجرين الأندلسيين هو الذى يجب أن يحسب حسابه فى تعمير تطوان وتحصينها. ومن ذلك الحين تغدو تطوان ملاذا لكثير من الأسر الأندلسية التى أرغمت على التنصير، ثم آثرت الهجرة إلى دار الإسلام فراراً من اضطهاد الإسبان ومحاكم التحقيق، وعادت إلى دينها القديم، وما تزال بها أعقابهم إلى اليوم (٢).

стр. 2784

وهكذا أبدى فرناندو وإيسابيلا فى الأعوام الأولى رفقاً وليناً فى معاملة المسلمين، ولاح مدى حين أن اسبانيا النصرانية تنوى أن تحافظ على العهود التى قطعت، وعاش المسلمون بضعة أعوام فى نوع من السكينة والاطمئنان. ولكن السياسة الإسبانية كانت تخشى دائماً ذلك الشعب الذكى النابه، وكانت الكنيسة تجيش دائماً بنزعتها الصليبية القديمة، وتضطرم رغبة فى القضاء على البقية الباقية من الأمة الإسلامية فى اسبانيا؛ وكانت مملكة غرناطة القديمة ما تزال تضم كتلة مسلمة كبيرة، تربطها بثغور المغرب صلات وثيقة، هذا عدا ما كان من جموع المدجّنين فى منطقة بلنسية، وفى منطقة سرقسطة وغيرها من بلاد أراجون، وكان كثير من أولئك المدجنين، إلى ما بعد سقوط غرناطة بأعوام عديدة، يحتفظون بدينهم الإسلامى. وكان وجود هذه الكتلة المسلمة فى قلب اسبانيا النصرانية، شغلا شاغلا للسياسة الإسبانية. والظاهر أن السياسة الإسبانية، لبثت مدى حين مترددة فى انتهاج المسلك الذى تسلكه إزاء المسلمين، وقد كانوا من أهم عوامل النشاط والرخاء والعرفان فى اسبانيا، وكانت براعتهم قدوة فى الزراعة والصناعة والعلوم والفنون، وخلالهم قدوة فى النشاط والمثابرة والزهد والعفة والرفق، وكانوا على الجملة من أفضل

стр. 2785

العناصر الذين يمكن أن تضمهم دولة متمدنة (١). ولكن الكنيسة كانت تضطرم حماسة فى سبيل تحقيق مثلها، ولم تكن السياسة الإسبانية فى تلك الفترة من تاريخ اسبانيا سوى أداة لينة فى يد الكنيسة، التى بلغت عندئذ ذروة قوتها ونفوذها. ويصف لنا مؤرخ اسبانى عاش قريباً من ذلك العصر، نيات الكنيسة نحو المسلمين فى قوله: "إنه منذ استولى فرناندو على غرناطة، كان الأحبار يطلبون إليه بإلحاح، أن يعمل على سحق طائفة محمد من اسبانيا، وأن يطلب إلى المسلمين الذين يودون البقاء، إما التنصير، أو بيع أملاكهم والعبور إلى المغرب، وأنه ليس فى ذلك خرق للعهود المقطوعة لهم، بل فيه إنقاذ لأرواحهم، وحفظ لسلام المملكة، لأنه من المستحيل أن يعيش المسلمون فى صفاء وسلام مع النصارى، أو يحافظون على ولائهم للملوك، ما بقوا على الإسلام، وهو يحثهم على مقت النصارى أعداء دينهم" (٢). ولم تكن هذه السياسة فى الواقع بعيدة عما يخالج ملكى اسبانيا، فرناندو الخامس وزوجه الملكة المتعصبة إيسابيلا الكاثوليكية، من شعور نحو المسلمين، ولم تكن للعهود التى قطعت للمسلمين بتأمينهم فى أنفسهم وأموالهم، واحترام دينهم وشعائرهم، لتحول دون تحقيق أغراض السياسة القومية. ذلك أن فرناندو لم يحجم قط عن أن يقطع العهود والمواثيق متى كانت سبيلا لتحقيق مآربه، وأن يسبغ على رياسته الغادرة ثوب الدين والورع، ولكنه لم يعتبر نفسه قط ملزماً بعهود يقطعها متى أصبحت تعارض سياسته وغاياته. ويعلق النقد الغربى الحديث على ذلك بقوله: "ولو نفدت هذه العهود (العهود التى قطعها لمسلمى غرناطة) بولاء، لتغير مستقبل اسبانيا كل التغيير، ولجمع الامتزاج الرفيق بين الأجناس، ولغاض الإسلام مع الزمن، ولتفوقت المملكة الإسبانية فى فنون الحرب والسلم، وتوطدت قوتها ورخاؤها. ولكن ذلك كان غريباً على روح العصر الذى انقضى، وأفضى التعصب والجشع إلى المطاردة والظلم، وأنزلت الكبرياء القشتالية بالمغلوبين ذلة مروعة، فاتسعت الهوة بين الأجناس على كر الزمن، حتى استعصى الموقف، وأدت إلى علاج كان من جرائه أن تحطم رخاء اسبانيا" (٣).

стр. 2786

وأخذت سياسة الإرهاق تجرف فى طريقها كل شىء، ونشط ديوان التحقيق، ( Inquisition) أو الديوان المقدس، يدعمه وحى الكنيسة وتأييد العرش، إلى مزاولة قضائه المدمر. وكانت مهمة هذه المحاكم الكنسية المروعة أن تعمل على حماية الدين (الكثلكة)، ومطاردة الكفر والزيغ بكل ما وسعت، وكان جل ضحاياها فى البداية من اليهود والمسلمين، ثم الموريسكيين أو العرب المتنصرين. وسنعرض فى فصل خاص إلى تاريخ هذه المحاكم وإجراءاتها ووسائلها، التى تنافى كل عدالة وكل قضاء متمدن. وهكذا فإنه لم تمض بضعة أعوام على تسليم غرناطة، حتى بدت نيات السياسة الإسبانية واضحة نحو المسلمين، وكانت الكنيسة تحاول خلال ذلك أن تعمل لتحقيق غايتها أعنى تنصير المسلمين بالوعظ والإقناع، ومختلف وسائل التأثير المادية، ولكن هذه الجهود لم تسفر عن نتائج تذكر، فجنحت الكنيسة عندئذ إلى سياسة العنف والمطاردة، وأذعنت السياسة الإسبانية لوحى الكنيسة، ولم تذكر ما قطعت من عهود مؤكدة للمسلمين باحترام دينهم وشعائرهم. وكان روح هذه السياسة العنيفة حبران كبيران، هما الكردينال خمينس مطران طليطلة، ورأس الكنيسة الإسبانية، والدون ديجو ديسا "المحقق العام" لديوان التحقيق (١). وحاولت السياسة الإسبانية من جانبها أن تسبغ على هذه التصرفات ثوب الحق والعدالة، فأخذت فى تحوير العهود والنصوص التى تضمنتها معاهدة التسليم، وتعديلها وتفسيرها بطريق التعسف والتحكم، ثم خرقها نصاً فنصاً، واستلاب الحقوق والضمانات الممنوحة تباعاً، فأغلقت المساجد، وحظر على المسلمين إقامة شعائرهم، وانتهكت عقائدهم وشريعتهم (٢). وأدرك المسلمون ما ترمى إليه السياسة الكنسية من محو دينهم ولغتهم وشخصيتهم، ودوت فى آذانهم تلك الكلمة الخالدة والنبوءة الصادقة، التى ألقاها إليهم فارس غرناطة يوم اعتزموا التسليم للعدو: "أتعتقدون أن القشتاليين يحفظون عهودهم، وأن يكون لهذا الملك الظافر من الشهامة والكرم ما له من حسن الطالع؟ لشد ما تخطئون. إنهم جميعاً ظمئون إلى دمنا، والموت خير ما تلقون منهم، إن ما ينتظركم شر الإهانات، والانتهاك والرق؛

стр. 2787

ينتظركم نهب منازلكم، واغتصاب نسائكم وبناتكم، وتدنيس مساجدكم، تنتظركم المحارق الملتهبة، لتجعل منكم حطاماً هشيما". وكان فرناندو يخشى فى البداية عواقب التسرع فى تنفيذ هذه السياسة، لأن الأمن لم يكن قد توطد بعد فى المناطق المفتوحة، ولأن المسلمين لم ينزع سلاحهم تماماًؤ، وقد يؤدى الضغط إلى الثورة، فتعود الحرب كما كانت. ولكنه انتهى إلى الخضوع لرأى الكنيسة، واستدعى الكردينال خمينس إلى غرناطة ليعمل على تحقيق مهمة تنصير المسلمين، فوفد عليها فى شهر يوليه سنة ١٤٩٩ م (٩٠٥ هـ)، ودعا أسقفها الدون تالافيرا إلى اتخاذ وسائل فعالة لتنصير المسلمين، وأمر بجمع فقهاء المدينة ودعاهم إلى اعتناق النصرانية، وأغدق عليهم التحف والهدايا، فأقبل بعضهم على التنصير، وتبعهم جماعة كبيرة من العامة، واستعمل الوعد والوعيد والبذل والإرغام، فى تنصير بعض أعيان المسلمين. وكان قد اعتنق النصرانية قبيل سقوط غرناطة وبعدها، جماعة من الأمراء والوزراء، وفى مقدمتهم الأميران سعد ونصر، ولدا السلطان أبى الحسن من زوجه النصرانية اليزابيث دى سوليس المعروفة باسم ثريا، فقد تنصرا ومنحا ضياعاً فى أرجبة، وتسمى أحدهما باسم "الدوق فرناندو دى جرانادا" (أى صاحب غرناطة)، وخدم قائداً فى الجيش القشتالى، واشتهر بغيرته فى خدمة العرش، وتسمى الثانى باسم "ديوان خوان دى جرانادا" (١). وتنصر سيدى يحيى النيار قائد ألمرية وابن عم مولاى الزغل، عقب تسليمه لألمرية، وتسمى باسم "الدون بيدرو دى جرانادا" وتنصرت زوجه السيدة مريم ابنة الوزير بنيغش، وتنصر ابنه علىّ، باسم "الدون ألونسو دى جرانادا فنيجاس"، وتزوج من دونيا خوانا دى مندوثا وصيفة الملكة. وتنصر الوزير أبو القاسم بن رضوان بنيغش، ومعظم أفراد أسرته، وعادت أسرته تحمل لقبها القشتالى القديم Los Venegas، واشتهرت فى تاريخ اسبانيا الحديث، وأنجبت كثيراً من أكابر القادة والأحبار. ونصر آل الثغرى الذين اشتهروا فى الدفاع عن مالقة وغرناطة قسرا، وسمى عميدهم باسم "جونثالفو فرنانديث ثجرى"، وتنصر الوزير يوسف بن كماشه وانتظم فى سلك الرهبان. وهكذا اجتاحت موجة التنصير كثيراً من الأكابر والعامة معاً. وتمركزت حركة التنصير فى غرناطة بالأخص فى حىّ البيّازين، حيث حول

стр. 2788

مسجده فى الحال إلى كنيسة سميت باسم "سان سلبادور" (١). واحتج بعض أكابر المسلمين على هذه الأعمال، ولكن ذهب احتجاجهم وتمسكهم بالعهود المقطوعة سدى. وثار أهل البيازين وتحصنوا بحيهم، ونددوا بخرق العهود، فبذل الكردينال خمنيس وحاكم المدينة، جهوداً فادحة لإقناعهم بالهدوء والسكينة، وبذلا لهم من التأكيدات والضمانات الكلامية ما شاءوا (٢). ولم يقف الكردينال خمنيس عند تنظيم هذه الحركة الإرهابية، التى انتهت بتوقيع التنصير المغصوب، على عشرات الألوف من المسلمين، ولكنه قرنها بارتكاب عمل بربرى شائن، هو أنه أمر بجمع كل ما يستطاع جمعه من الكتب العربية من أهالى غرناطة وأرباضها، ونظمت أكداساً هائلة فى ميدان باب الرملة، أعظم ساحات المدينة، ومنها كثير من المصاحف البديعة الزخرف، وآلاف من كتب الآداب والعلوم، وأضرمت النيران فيها جميعاً، ولم يستثن منها سوى ثلاثمائة من كتب الطب والعلوم، حملت إلى الجامعة التى أنشأها فى مدينة ألكالا دى هنارس (٣)، وذهبت ضحية هذا الإجراء الهمجى عشرات ألوف من الكتب العربية، هى خلاصة ما بقى من تراث التفكير الإسلامى فى الأندلس (٤). ولسنا نحن فقط الذين نصف عمل خمنيس بالبربرية والهمجية، بل قالها ويقولها مفكرو الغرب أنفسهم، فمثلا يشير العلامة الإيطالى الأب سكيابرللى Schiaparelli فى مقدمة إحدى كتبه إلى "التعصب الكاثوليكى، وثورات خمنيس

стр. 2789

صورة: الكردينال خمنيس دى سيسنيروس

стр. 2790

البربرية، التى ترتب عليها حرق المصاحف والكتب الإسلامية الأخرى لمسلمى غرناطة، وذلك لكى يتوسل بذلك إلى تنصيرهم". ويقول المؤرخ الأمريكى وليم برسكوت: "إن هذا العمل المحزن لم يقم به همجى جاهل، وإنما حبر مثقف، وقد وقع لا فى ظلام العصور الوسطى، ولكن فى فجر القرن السادس عشر، وفى قلب أمة مستنيرة، تدين إلى أعظم حد بتقدمها إلى خزائن الحكمة العربية ذاتها" (١). ثم يشير إلى ما ترتب على هذا العمل بقوله: "لقد غدت الآداب العربية نادرة فى مكتبات نفس البلد الذى نشأت فيه، وإن الدراسات العربية التى كانت من قبل زاهرة فى اسبانيا، حتى فى العصور الأقل لمعاناً، انهارت لأنها عدمت غذاء يؤدها؛ وهكذا كانت النتائج المحزنة للمطاردة الأدبية، التى يراها البعض أشد تقويضاً من تلك التى توجه إلى الحياة ذاتها". على أن هذا العمل الذى يثير غضب النقد الغربى الحديث وزرايته، يجد مع ذلك بين العلماء الإسبان من يبرره بل ويمجده. وقد تولى المستشرق سيمونيت الدفاع عن الكردينال خمنيس، الذى يصفه بأنه أحد أمجاد الكنيسة الإسبانية، فى رسالة عنوانها: "الكردينال خمنيس دى سيسنيروس والمخطوطات العربية الغرناطية" (٢) يقول فيها، إن ما قام به الكردينال من حرق الكتب أمر لا غبار عليه، إذ هو إعدام للشىء الضار، وهو بالعكس أمر محمود، كما تعدم عناصر العدوى وقت الوباء، وإن الملكين الكاثوليكيين قد أمرا عقب تنصير المسلمين أن تؤخذ منهم كتب الشريعة والدين، لكى تحرق فى سائر مملكة غرناطة، وألا يبقى لديهم سوى الكتب التى لا علاقة لها بالدين الذى نبذوه، وإن تأجيل تنفيذ هذا الأمر حتى عهد الملكة خوانا، كان تسامحاً وتساهلا، وقد استشارت الملكة مجلسها، وأصدرت بتاريخ ٢٠ يونيه سنة ١٥١١ أمراً ملكياً، تلزم فيه جميع السكان الذين تنصروا حديثاً، سواء فى غرناطة أو غيرها من نواحى مملكة غرناطة، أن يسلموا سائر الكتب العربية التى لديهم سواء فى الدين أو الشريعة أو كتب الطب والفلسفة والتاريخ أو غيرها إلى قاضى الجهة، وذلك فى ظرف خمسين يوماً من تاريخ هذا الأمر،

стр. 2791

لكى يفحصها القضاة، وتؤخذ منها كتب الدين والسنة، ويرخص القضاة بعد ذلك بحيازة غيرها. ويدافع سيمونيت عن تصرف الكردينال خمنيس بحماسة، ويقول إن إحراقه للكتب، يمكن أن يقارن بما وقع من أعمال مماثلة خلال الثورات الحديثة، منذ البروتستانتية الإنجليزية والألمانية إلى الثورة الفرنسية، وأنه خلال هذه الثورات، قد أحرق أو أتلف كثير من الآثار الأدبية والفنية فى كثير من البلاد الأوربية، وأنه لا يمكن مقارنة عمل خمنيس، بما وقع من إحراق مكتبة الإسكندرية (المزعوم)، بأمر الخليفة عمر، وأن معظم الكتب العربية قد أخرج من اسبانيا مع الهجرة، ومع من هاجروا من المسلمين من القواعد الأندلسية المختلفة، وأخيراً أن كثيراً منها قد جمع أيام الملك فيليب الثانى وأودع بقصر الإسكوريال (١). ذلك هو ملخص رسالة المستشرق سيمونيت فى الدفاع عن تصرف الكردينال خمنيس، وهو دفاع يبدو ركيكاً مصطنعاً إزاء أحكام النقد الغربى المستنير، وتطبعه نزعة تحيز وتعصب واضحة، تبدو فى كل ما كتبه هذا العلامة الإسبانى عن الأمة الأندلسية، وهو لا يمكن مهما أسبغ عليه من المقارنات، أن يزيل أثر هذه الوصمة المشينة من حياة خمينس، أو من التاريخ الإسبانى. ولنعد إلى حديث تنصير المسلمين، فنقول إن ما حدث فى غرناطة، حدث فى باقى البلاد والنواحى الأخرى، فنصر أهل البشرّات وألمرية وبسطة ووادى آش فى العام التالى، أعنى فى سنة ١٥٠٠ م، وعم التنصير سائر أنحاء مملكة غرناطة. على أن هذه الحركة التى نظمت لتنصير بقية الأمة الأندلسية والتى لم تدخر فيها أساليب الوعود والوعيد والإغراء والإكراه، لم تقع دون قلاقل واضطرابات عديدة حسبما نفصل بعد. وكان الإغراء بالتنصير يتخذ أحياناً، شكل هبات ومنح جماعية لبلدة أو منطقة بأسرها، كما حدث بالنسبة لأهل وادى ألكرين (الإقليم) ولانخرون والبشرّات، فقد أصدر الملكان الكاثوليكيان مرسوماً (فى ٣٠ يوليه سنة ١٥٠٠) بإبراء سائر أهالى النواحى المذكورة، الذين تنصروا أو يتنصرون، من جميع الحقوق والتعهدات المفروضة على الموريسكيين لصالح العرش، ورفعها عن منازلهم وأراضيهم وسائر أملاكهم المنقولة والثابتة، وهبتهما لهم، وإلغاء ضريبة الرأس

стр. 2792

المفروضة عليهم لمدة ست سنوات، وإقالتهم من الغرامة التى فرضت عليهم من جراء ثورتهم، وقدرها خمسون ألف دوقية، هذا إلى منح وإبراءات أخرى تضمنها المرسوم المشار إليه (١). وصدر كذلك مرسوم مماثل من الملكين الكاثوليكيين فى ٣٠ سبتمبر سنة ١٥٠٠، إلى "المسلمين" القاطنين بحيهم Moreria بمدينة بسطة، بإقالة الذين تنصروا منهم أو يتنصرون، من جميع الفروض والمغارم التى فرضت على الموريسكيين، وتحريرهم منها سواء بالنسبة لأنفسهم أو منازلهم وأموالهم الثابتة والمنقولة من يوم التنصير، وألا يدخل أحد منازلهم ضد إرادتهم، ومن فعل عوقب بغرامة فادحة، وأن يعفوا من سائر الذنوب التى ارتكبت ضد خدمة العرش، وأن تحترم جميع العقود والمحررات التى كتبت بالعربية، وصادق عليها فقهاؤهم وقضاتهم، وأن يعامل المتنصرون منهم كسائر النصارى الآخرين فى بسطة، ولهم أن ينتقلوا وأن يعيشوا فى أى مكان آخر من أراضى مملكة قشتالة، دون قيد أو عائق، إلى غير ذلك من المنح والامتيازات (٢). وصدر أخيراً مرسوم بالعفو عن جميع سكان "حىّ المسلمين" Moreria بغرناطة والقرى الملحقة بها، بالنسبة لجميع الذنوب والأخطاء، التى ارتكبت حتى يوم تنصيرهم، وألا يتخذ فى شأنها أى إجراء، سواء ضد أشخاصهم أو أملاكهم (٣). ولم تقدم الرواية الإسلامية المعاصرة إلينا كثيراً من التفاصيل عن هذه الحوادث والتطورات، ولكنها تكتفى بأن تجمل مأساة تنصير المسلمين فى هذه الكلمات المؤثرة: "ثم بعد ذلك دعاهم (أى ملك قشتالة) إلى التنصير، وأكرمهم عليه وذلك فى سنة أربع وتسعمائة، فدخلوا فى دينهم كرهاً، وصارت الأندلس كلها نصرانية، ولم يبق فيها من يقول "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" إلا من يقولها فى قلبه، وفى خفية من الناس، وجعلت النواقيس فى صوامعها بعد الأذان، وفى مساجدها الصور والصلبان، بعد ذكر الله وتلاوة القرآن، فكم فيها من عين باكية وقلب حزين، وكم فيها من الضعفاء والمعذورين، لم يقدروا على الهجرة واللحوق بإخوانهم المسلمين، قلوبهم تشتعل ناراً، ودموعهم تسيل سيلا غزيراً، وينظرون إلى

стр. 2793

أولادهم وبناتهم يعبدون الصلبان، ويسجدون للأوثان، ويأكلون الخنزير والميتات، ويشربون الخمر التى هى أم الخبائث والمنكرات، فلا يقدرون على منعهم ولا على نهيهم، ولا على زجرهم، ومن فعل ذلك عوقب بأشد العقاب، فيالها من فجيعة ما أمرّها، ومصيبة ما أعظمها، وطامة ما أكبرها". ثم يختتم بقوله: "وانطفأ من الأندلس الإسلام والإيمان، فعلى هذا فليبك الباكون، ولينتحب المنتحبون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، كان ذلك فى الكتاب مسطورا، وكان أمر الله قدراً مقدورا" (١). ونقل إلينا المقرى نبذة من رسالة أخرى، يشير كاتبها إلى تنصير مسلمى الأندلس فيما يلى: "وتعرفنا من غير طريق، وعلى لسان غير فريق، أن قطر الأندلس طرق أهله خطب لم يجد فى سالف الدهر. وذلك أنهم أكرهوا بالقتل إن لم يقع منهم النطق بما يقتضى فى الظاهر الكفر، ولم يقبل منهم الأسر. وكان الابتداء فى ذلك من أهل غرناطة، وخصوصاً أهل واسطتها لقلة الناس، وكونهم من الرعية الدهماء، مع عدم العصبية بسبب اختلاف الأجناس، وعلم النصارى بأن من بقى بها من المسلمين إنما هم أسارى فى أيديهم، وعيال عليهم، وبعد أن انتزعوا منهم الأسلحة والمعاقل، وعتوا فيهم بالخروج والجلاء، فلم يبق من المسلمين طائل، ونقض اللعين طاغية النصارى عهوده، ونشر بمحض الغدر بنوده .... الخ" (٢). وجاء فى رواية أخرى هذا الوصف لمأساة التنصير؛ "إن طاغية قشتالة وأرغون صدم غرناطة صدمة، وأكره على الكفر من بقى بها من الأمة، بعد أن هيض جناحهم، وركدت رياحهم، وجعل بعد جنده الخاسر على جميع جهات الأندلس ينثال، والطاغية يزدهى فى الكفر ويختال، ودين الإسلام تنثر بالأندلس نجومه، وتطمس معالمه ورسومه؛ فلو رأيتم ما صنع الكفر بالإسلام بالأندلس وأهليه، لكان كل مسلم يندبه ويبكيه، فقد عبث البلاء برسومه، وعفى على أقماره ونجومه، ولو حضرتم من جبر بالقتل على الإسلام، وتوعد بالنكال والمهالك العظام، ومن كان يعذب فى الله بأنواع العذاب، ويدخل به من الشدة فى باب ويخرج من باب، لأنساكم مصرعه، وساءكم مفظعه، وسيوف النصارى

стр. 2794

إذ ذاك على رؤوس الشرذمة القليلة من المسلمين مسلولة، وأفواه الذاهلين محلولة، وهم يقولون: ليس لأحد بالتنصر إن يمطل، ولا يلبث حيناً ولا يمهل، وهم يكابدون تلك الأهوال، يطلبون لطف الله على كل حال". وقد تردد صدى هذه المحنة التى نزلت بمسلمى الأندلس بسرعة سائر فى جنبات العالم الإسلامى، فنرى ابن إياس مؤرخ مصر، وهو راوية معاصر، يدون فى حوادث صفر سنة ٩٠٦ هـ (أغسطس سنة ١٥٠٠ م) أعنى عقب محنة التنصير بأشهر قلاقل ما يأتى: "وفيه جاءت الأخبار من المغرب بأن الفرنج قد استولوا على غرناطة التى هى دار ملك الأندلس، ووضعوا فيها السيف بالمسلمين، وقالوا من دخل ديننا تركناه، ومن لم يدخل قتلناه، فدخل فى دينهم جماعة كثيرة من المغاربة خوفاً على أنفسهم من القتل، ثم ثار عليهم المسلمون ثانياً وانتصفوا عليهم بعض شىء، واستمر الحرب ثائراً بينهم، والأمر لله تعالى فى ذلك" (١). أما المسلمون الذين بقوا فى مملكة البرتغال، فقد كان مصيرهم فيما يبدو أفضل من مصير إخوانهم مسلمى الأندلس، فقد قضى العرش البرتغالى بإخراجهم من أراضى المملكة فى سنة ١٤٩٦ م، والسماح لهم بالعبور إلى المغرب أو إلى حيث شاءوا، ونظراً لما لقوه من صعاب فى اختراق الأراضى الإسبانية، فقد أصدر الملكان الكاثوليكيان، تحقيقاً لرغبة ملك البرتغال، مرسوماً (فى ابريل سنة ١٤٩٧) يصرح فيه للمسلمين البرتغاليين ونسائهم وأولادهم وخدمهم، أن يخترقوا أراضى مملكة قشتالة، وأن يذهبوا بأموالهم وأمتعتهم إلى البلاد الأخرى، وأن يبقوا فى أراضى قشتالة الوقت الذى يرغبون ثم يغادرونها بأموالهم متى شاءوا، وفقط لا يسمح لهم بحمل الذهب والفضة إلى الخارج، ويُؤمَّنون فى أنفسهم وأموالهم ضد كل اعتداء ولا يؤخذ منهم شىء بلا حق (٢). ... تلك هى المأساة التى استحالت فيها بقية الأمة الأندلسية بالتنصير المفروض، إلى طائفة جديدة، عرفت من ذلك التاريخ بالموريسكيين Moriscos، أو المسلمين الأصاغر أو العرب المتنصرين (٣). وقد فرض التنصير على المسلمين فرضاً، ولم تحجم

стр. 2795

السلطات الكنسية والمدنية، عن اتخاذ أشد وسائل العنف. ولم يستكن المسلمون إلى هذا العنف دون تذمر ودون مقاومة، وسرت إليهم أعراض الثورة ولاسيما فى المناطق الجبلية، حيث كان ما يزال ثمة قبس من الحماسة الدينية. وكانت السياسة الإسبانية تلتمس الوسيلة للتخلص نهائياً من العهود المقطوعة، فألفت فى التذمر والمقاومة سندها، وقرر مجلس الدولة بأن المسلمين أصبحوا خطراً على الدين والدولة، ولاسيما بعد ما تبين من جنوحهم إلى الثورة، ومحاولتهم الاتصال بإخوانهم فى المغرب ومصر وقسطنطينية، وقضى بوجوب اعتناق المسلمين للنصرانية، ونفى المخالفين منهم من الأراضى الإسبانية. وهكذا حاول مجلس الدولة أن يسبغ صفة الحق والعدالة على التنصير المغصوب، وعلى كل ما يتخذ لتحقيقه من إجراءات العسف والإرهاق. وقع هذا القرار على المسلمين وقع الصاعقة، وسرعان ما سرت إليهم الحمية القديمة، فأعلنوا الثورة فى معظم نواحى غرناطة، وفى ربض البيّازين وفى البشرّات واشتد الهياج بالأخص فى بلفيق، وفى أندرش حيث نسف حاكم البلدة مسجدها بالبارود، وفى نيخار وجوبخار وغيرها، واعتزم المسلمون الموت فى سبيل دينهم وحريتهم، ولكنهم كانوا عزلا، وكانت جنود النصرانية صارمة شديدة الوطأة فمزقتهم بلا رأفة؛ وكثر بينهم القتل، وسبيت نساؤهم، وقضى بالموت على مناطق بأسرها، ما عدا الأطفال الذين دون الحادية عشرة، فقد حولوا إلى نصارى. وحمل التعلق بالوطن وخوف الفاقة وهموم الأسرة، كثيراً منهم على الإذعان والتسليم، فقبلوا التنصير المغصوب ملاذاً للنجاة؛ ولجأت الحكومة بعد إخماد الهياج فى غرناطة والبيازين إلى أساليب الرفق، فبعثت بالعمال والقسس فى مختلف الأنحاء، ولم يدخر هؤلاء وسعاً فى اجتذاب المسلمين بالوعيد والوعود، وهكذا ذاع التنصر فى سائر مملكة غرناطة القديمة (١). وفى الوقت نفسه اضطر المسلمون المدجّنون فى آبلة وسمورة، وبلاد أخرى فى جلّيقية، إلى اعتناق النصرانية، وكانوا حتى ذلك الوقت يحتفظون بدينهم القديم. ونشط فرناندو إلى إخماد الهياج حيث يقع. وفى الوقت الذى غدا فيه التنصير أمراً محتوماً، وأضحى فرناندو يعتبر نفسه فى حل من عهوده المقطوعة للمسلمين، تقدم إليه ديسا المحقق العام بوجوب إنشاء ديوان للتحقيق فى غرناطة، لكى يعاون على

стр. 2796

مطاردة الزيغ بوسائله الفعالة. فألفت لجنة ملكية للتحقيق فى حوادث غرناطة، وقبض على كثير من المسلمين بتهمة التحريض، وهرع آلاف أخر منهم إلى اعتناق النصرانية خيفة السجن والمطاردة. وعارض فرناندو وإيسابيلا فى إنشاء ديوان التحقيق فى غرناطة ذاتها، واقترحا أن تحال شئونها إلى اختصاص ديوان التحقيق فى قرطبة، وألا يقدم المسلمون أو الموريسكيون إلى الديوان إلا لتهم خطيرة، ولكن الكنيسة لم تقنع باتخاذ الإجراءات الجزئية، ومضت تعمل لغايتها الشاملة. وكان فرناندو من جهة أخرى لا يزال يتوجس من المسلمين شراً، ويرى فى منطق الكنيسة قوة، وهو أن احتفاظ المسلمين بدينهم يقوى الروابط بينهم وبين إخوانهم فى إفريقية، وأن اسبانيا ما تزال تضم بين جوانحها عدواً يُخشى بأسه، وأن فى تنصير المسلمين أو إخراجهم من اسبانيا، سلام اسبانيا ونقاء دينها. وكانت الكلمة للكنيسة دائماً، ففى ٢٠ يوليه سنة ١٥٠١ أصدر فرناندو وإيسابيلا أمراً ملكياً خلاصته "أنه لما كان الله قد اختارهما لتطهير مملكة غرناطة من الكفرة" فإنه يحظر وجود المسلمين فيها، فإذا كان بها بعضهم فإنه يحظر عليهم أن يتصلوا بغيرهم، خوفاً من أن يتأخر تنصيرهم، أو بأولئك الذين نُصِّروا لئلا يفسدوا إيمانهم، ويعاقب المخالفون بالموت أو مصادرة الأموال. وحاول المسلمون فى يأسهم أن يلجأوا إلى معاونة سلطان مصر، فأرسلوا إليه كتبهم يصفون إكراههم على التنصر، ويطلبون إليه أن ينذر ملك اسبانيا بأنه سوف ينكل بالنصارى المقيمين فى مملكته، إذا لم يكف عنهم، فنزل سلطان مصر عند هذه الرغبة، وأرسل إلى فرناندو يخطره بما تقدم؛ وانتهز فرناندو هذه الفرصة فأوفد إلى بلاط القاهرة (سنة ١٥٠١) سفارته التى تحدثنا عنها فيما تقدم والتى كان سفيره فيها بيترو مارتيرى الحبر الكاتب والمؤرخ. فأدى مارتيرى سفارته ببراعة، واستطاع أن يقنع السلطان بما يلقاه مسلمو الأندلس من الرعاية، وأن يطمئنه على مصيرهم (١). وهكذا خبت آمال المسلمين تباعاً، ولم تصمد الثورة إلا فى المنطقة الجبلية الواقعة بين آكام فليا لونجا وسيرّا فرمليا (الجبال الحمراء) بجوار رندة، حيث احتشدت بعض البطون المغربية، وحيث استطاع الثوار أن يقتحموا شعب الجبال، وأن يفتكوا بعمال الحكومة وجندها. وسير فرناندو إلى تلك المنطقة حملة قوية تحت

стр. 2797

أمرة قائده الشهير ألونسو دى آجيلار دوق قرطبة، ونفذ الجند الإسبان غلى شعب فليا لونجا، ووقعت الواقعة الحاسمة بين المسلمين والنصارى، فهزم النصارى هزيمة فادحة وقتل منهم عدد جم، وكان قائدهم آجيلار وعدة آخرون من السادة الأكابر، فى مقدمة القتلى (مارس سنة ١٥٠١). فكان لهذه النكبة التى نزلت بالجنود الإسبان وقوادهم، أعمق وقع فى البلاط الإسبانى. وهرع فرناندو إلى غرناطة، ورأى بالرغم مما كان يحدوه من عوامل السخط والانتقام، أن يجنح إلى اللين والمسالمة، فأعلن العفو عن الثوار بشرط أن يعتنقوا النصرانية فى ظرف ثلاثة أشهر، أو يغادروا اسبانيا تاركين أملاكهم للدولة، فآثر معظمهم النفى والجواز إلى إفريقية، وهاجرت منهم جموع كبيرة إلى فاس ووهران وبجاية وتونس وطرابلس وغيرها، وقدمت الحكومة الإسبانية السفن اللازمة لنقلهم مغتطبة لرحيلهم (١)، إذ كانوا أشد العناصر مراساً وأكثرها نزوعاً إلى الثورة. واستقر الباقون وهم الكثرة الغالبة من المسلمين فى البلاد خاضعين مستسلمين، وقد وصفهم دى بدراثا، وهو مؤرخ من أحبار الكنيسة عاش قريباً من ذلك العصر يقوله: إنهم شعب ذو مبادىء أخلاقية متينة، أشراف فى معاملاتهم وتعاقدهم، ليس بينهم عاطل، وكلهم عامل، يعطفون أشد العطف على فقرائهم (٢). ولم يفت الرواية الإسلامية أن تشير إلى هذه الصفحة الأخيرة من جهاد المسلمين الباسل فى سبيل دينهم، فقد نقل إلينا المقرى عنها ما يأتى: "وبالجملة فإنهم (أى أهل غرناطة) تنصروا عن آخرهم بادية وحاضرة، وامتنع قوم عن التنصر، واعتزلوا النصارى فلم ينفعهم ذلك، وامتنعت قرى وأماكن كذلك منها بلفيق وأندرش وغيرها، فجمع لهم العدو الجموع واستأصلهم عن آخرهم قتلا وسبياً، إلا ما كان من جبل بلنقة (أى فليا لونجا)، فإن الله تعالى أعانهم على عدوهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، مات فيها صاحب قرطبة، وأخرجوا على الأمان إلى فاس بعيالهم وما خف من أموالهم دون الذخائر. ثم بعد هذا كله كان من أظهر التنصير من المسلمين، يعبد الله خفية ويصلى، فشدد عليهم النصارى فى البحث، حتى أنهم أحرقوا منهم كثيراً بسبب ذلك، ومنعوهم من

стр. 2798

حمل السكين الصغيرة، فضلا عن غيرها من الحديد، وقاموا فى بعض الجبال على النصارى مراراً، ولم يقبض الله تعالى لهم ناصراً (١). ومضت السياسة الإسبانية فى اضطهادها المسلمين والموريسكيين بمختلف الفروض والوسائل. وكان من الإجراءات الشاذة التى اتخذت فى هذا السبيل، تشريع أصدره فرناندو بإلزام المسلمين والموريسكيين فى المدن، بالسكنى فى أحياء خاصة بهم، على نحو ما كان متبعاً نحو اليهود فى العصور الوسطى. ونفذ هذا التشريع فى غرناطة عقب حركة التنصير الشامل، وأفرد بها المسلمين والمتنصرين حيان، أحدهما يضم نحو خمسمائة منزل وهو الحىّ الصغير وهو داخل المدينة، والثانى يضم نحو خمسة آلاف منزل، ويشمل ضاحية البيازين. وكانت الأحياء التى يشغلها المسلمون أو المتنصرون فى المدن الأندلسية تسمى "موريريا" Moreria أو أحياء الموريسكيين، على نحو ما كانت أحياء اليهود الخاصة تسمى "الجيتو" Ghetto. وكانت تفصل بينها وبين أحياء النصارى أسوار كبيرة، وكان عدد المسلمين الذين بقوا فى غرناطة يبلغ فى ذلك الحين نحو أربعين ألفاً (٢). وصدر فى نفس الوقت فى سبتمبر سنة ١٥٠١، قانون يحرم على المسلمين إحراز السلاح علناً أو سراً، وينص على معاقبة المخالفين لأول مرة بالحبس والمصادرة، ثم بالموت بعد ذلك، وهو قانون تكرر صدوره بعد ذلك غير مرة، فى ظروف وعصور مختلفة، وكان يطبق بصرامة بالأخص كلما حدث من الموريسكيين هياج أو مقاومة مسلحة تخشى عواقبها. وكانت السياسة الإسبانية تخشى احتشاد الموريسكيين وتجمعاتهم فى مملكة غرناطة، ولهذا صدر فى فبراير سنة ١٥١٥ مرسوم ملكى أعلن فى طليطلة، وفيه يحرم بتاتاً على المسلمين المتنصرين حديثاً، والمدجنين من أى جهة من مملكة قشتالة،

стр. 2799

أن يخترقوا أراضى مملكة غرناطة، ويعاقب المخالفون بالموت والمصادرة. ونص هذا المرسوم أيضاً بأنه يحرم بتاتاً على المتنصرين حديثاً فى مملكة غرناطة أو فى أية جهة أخرى من المملكة، أن يبيعوا أملاكهم لأى شخص دون ترخيص سابق، ومن فعل عوقب بالموت والمصادرة، وذلك لأنه تبين كما ورد فى المرسوم، أن كثيراً من المسلمين المتنصرين يبيعون أملاكهم، ويحصلون على أثمانها، ثم يعبرون إلى المغرب، وهنالك يعودون إلى الإسلام (١).

стр. 2800

الفصل الثانى ديوان التحقيق الإسبانى ومهمته فى إبادة الأمة الأندلسية أصل الفكرة فى محاكم التحقيق الأولى. إجراءاتها وعقوباتها. التوسع فى اختصاصاتها. قيام محاكم التحقيق فى أراجون. النزعة الصليبية فى اسبانيا. مطاردة اليهود المتنصرين. محاولة البابوية إقامة الديوان فى قشتالة. معارضة فرناندو وإيسابيلا. مساعى الأحبار والقس تركيمادا. موافقة فرناندو وإيسابيلا. صدور المرسوم البابوى بإنشاء ديوان التحقيق فى قشتالة. قيام ديوان التحقيق الإسبانى. بداية نشاطه فى إشبيلية. اتساع نطاق أعماله. إنشاء المجلس الأعلى أو السوبريما. المحقق العام. جهود تركيمادا فى تنظيم الديوان. إجراءات ديوان التحقيق. التبليغ وطرقه وآثاره. الأحبار المقررون. القبض على المتهم. سجون الديوان. المحاكمة وإجراءاتها. الإحالة على التعذيب. أحكام التعذيب. تعليق الدون لورنتى. أنواع التعذيب وإجراءاته. الإستجواب. الدفاع والمرافعات. الأحكام. تنفيذ العقوبة. حكم الإعدام. الأوتو دافى. محاكمة الغائبين والمتوفين. أثر الأحكام. بطش الديوان وحصانة المحققين. موقف العرش. خمنيس وجهوده فى إصلاح الديوان. شارل الخامس وموقفه من الديوان. بدء مطاردة المدجنين والموريسكيين. مهمة محاكم التحقيق. فكرة القضاء على الأمة الأندلسية. ديوان التحقيق يضطلع بهذه المهمة. اضطهاد الموريسكيين وريب الكنيسة فى إخلاصهم. تحرجهم من دينهم الجديد. أقوال الرواية القشتالية. وثيقة عربية تؤيد تمسكهم سراً بدينهم القديم، وتحايلهم على نبذ شعائر النصرانية. السياسة الإسبانية نحو الموريسكيين. إجراءات القمع. ذرائع الإتهام. الشبهات الخطرة. الموريسكيون فى غرناطة وبلنسية. استغاثة الموريسكيين بالسلطان بايزيد الثانى. وثيقة عربية عن أحوالهم وآلامهم. قام ديوان التحقيق ( La Inquisicion) فى مطاردة الموريسكيين بأعظم دور، وترك فى مأساتهم أعمق الأثر، ومن ثم فإنه يجدر بنا أن نتحدث عن تاريخ هذه المحاكم الشهيرة، ونظمها وأعمالها الرهيبة. ويرجع قيام محاكم التحقيق إلى فكرة الرقابة القديمة على العقيدة، والتحقق من سلامتها ونقائها. وقد ظهرت فكرة التحقيق فى أمر العقائد فى الكنيسة الرومانية فى عصر مبكر جداً، وبدىء بتطبيقها منذ أوائل القرن الثالث عشر، فكان البابا يعهد إلى الأساقفة وإلى الآباء الدومنيكيين، فى تعقب المارقين والكفرة ومعاقبتهم. وطبق هذا النظام منذ البداية فى إيطاليا وألمانيا وفرنسا. وكان مندوبو البابوية

стр. 2801

يتجولون فى مختلف الأنحاء، لتقصى أخبار الكفرة والقبض عليهم ومعاقبتهم، وكانت تعقد لذلك مجالس كنسية مؤقتة كانت هى النواة الأولى لمحاكم التحقيق، تعمل حيث يوجد الكفرة والملاحدة، ثم تحل متى تمت مهمة مطاردتهم والقضاء عليهم. ثم أنشئت بعد ذلك مراكز ثابتة لمحاكم التحقيق، أقيم معظمها فى أديار الآباء الدومنيكيين والفرنسيسكانيين. ولم تك ثمة فى هذه العصور سجون خاصة أو مراكز خاصة لمحاكم التحقيق، وإنما كان يتخذ من أى مكان صالح مركزاً أو سجناً. وكان الأساقفة يتولون رياسة هذه المحاكم، ولهم سلطة مطلقة. وكانت التحقيقات والمرافعات تجرى بطريقة سرية، وتصدر الأحكام على المتهمين نهائية غير قابلة للطعن. وكان يسمح للنساء والصبية والعبيد بالشهادة ضد المتهم وليس له، ويؤخذ الإعتراف من المتهم بالخديعة والتعذيب. وكان التعذيب يعتبر طبقاً للقوانين الكنسية وسيلة غير مشروعة للاعتراف، ولكن البابوية لم تجد بأساً من إقرار هذه الوسيلة. وكانت السجون التى يستعملها ديوان التحقيق مظلمة رهيبة، يموت فيها الكثيرون من المرض والآلام النفسية. وكان السجناء يصفدون عادة بالأغلال الثقيلة. وكانت العقوبات الرئيسية هى السجن المؤبد والإعدام والمصادرة. وكانت السلطات الدينية والبابوية تحصل على أوفر نصيب من الأموال المصادرة، وتحصل السلطات المدنية أيضاً على نصيبها منها. وألفى ديوان التحقيق ميداناً خصباً لنشاطه فى مطاردة الألبيين (١) وغيرهم من الملاحدة الذين ظهروا منذ أوائل القرن الثالث عشر فى جنوب فرنسا. وفى عهد لويس التاسع ملك فرنسا وضع أول قانون ينظم إجراءات هذه المحاكم الكنسية الجديدة. وكان ديوان التحقيق فى تلك العصور يصدر أيضاً أحكامه ضد الكتب المحرمة، ويأمر بإحراقها، ومن ذلك أحكام صدرت بإحراق التلمود وبعض كتب أرسطو وغيرها من كتب الفلسفة فى العهد القديم. ثم اتسع اختصاص محاكم التحقيق بمضى الزمن، فلم تبق مهمتها قاصرة على مطاردة الكفر، والزيغ فى العقيدة، بل تعدته إلى مطاردة السحر والسحرة والعرافة والعرافين، وشبه هؤلاء بالكفرة. وجاء بعد ذلك دور اليهود، فاتهموا بسب النصرانية وأخذت عليهم مزاولة الربا، وتتبعهم ديوان التحقيق بالمطاردة والعقاب. على أن الديوان لم ينس دائماً أن مهمته الأصلية تنحصر فى مطاردة الكفر والزيغ، والمحافظة على سلامة العقيدة الكاثوليكية ونقائها.

стр. 2802

- ٢ - تلك هى الظروف التى قامت فيها محاكم التحقيق الأولى، فى مختلف أنحاء أوربا، فى إيطاليا وألمانيا وفرنسا. ويرجع قيام ديوان التحقيق الإسبانى إلى نفس البواعث الدينية، ولكنه نشأ مع ذلك نشأة مستقلة، وأحاطت بقيامه ظروف خاصة. وقد أنشئت محاكم التحقيق فى مملكة أراجون منذ أوائل القرن الثالث عشر، ووضعت لها فى سنة ١٢٤٢ م إجراءات جديدة، كان لها فيما بعد أكبر الأثر فى صوغ نظم ديوان التحقيق الإسبانى. وعرف هذا الديوان الأرجونى بالديوان القديم وعكف حيناً على مطاردة طوائف الألبيين، وإخماد دعوتهم فى أراجون، ولم يلبث أن غدا سلطانه، وغدت وسائله وإجراءاته مثار الرهبة والروع. على أن هذه لم تكن سوى بداية محدودة المدى لنشاط ديوان التحقيق الإسبانى. ذلك أن ظروف اسبانيا النصرانية فى ذلك العصر، واضطرام الصراع الأخير بينها وبين اسبانيا المسلمة، ورجحان كفتها فى ميدان الحرب والسياسة، كانت كلها تذكى النزعة الصليبية، التى كانت تجيش بها اسبانيا دائماً. وكانت الأمة الأندلسية قد استحالت منذ القرن الرابع عشر، إلى طوائف كبيرة من المدجنين فى مهاد عزها القديم، فى قشتالة وأراجون، ولم تبق منها سوى بقية أخيرة تحتشد فى مملكة غرناطة الصغيرة، التى كان مصيرها المحتوم يلوح قوياً فى الأفق. وكان تفوّق اسبانيا النصرانية ونصرها المضطرد، يذكى عوامل التعصب الدينى الذى تبثه الكنيسة وترعاه، وتتخذه اسبانيا الظافرة يومئذ شعارها المفضل فى ميدان السياسة. وكانت موجة من التعصب تضطرم فى هذا الوقت بالذات، حول طوائف المتنصرين من اليهود ( Conversos) ؛ وكان أولئك المحدثون فى النصرانية، قد سما شأنهم ووصل كثير منهم إلى المناصب الكنسية الكبيرة، وإلى مجلس الملك، وتبوأوا بأموالهم ونفوذهم مكانة قوية فى الدولة والمجتمع، وكان أحبار الكنيسة ينظرون إليهم بعين الريب، ويعتبرونهم شراً من اليهود الخلص أنفسهم، ويتهمونهم بالإلحاد والزيغ، ومزاولة شعائرهم القديمة سراً. ولما تفاقم الإتهام من حولهم صدر فى سنة ١٤٦٥ م فى عهد الملك هنرى الرابع ملك قشتالة، أمر ملكى إلى الأساقفة، بالاستقصاء والبحث فى دوائرهم، وتتبع هذا اللون من المروق والزيغ ومعاقبة المارقين، وتلا ذلك موجة من الاضطهاد اتخذت صورة المحاكمات الدينية،

стр. 2803

وأحرق عدد من أولئك المتنصرين. ولكن قشتالة التى شغلت يومئذ بمشاكلها الداخلية، لم تعن بأمر المتنصرين ولم تزعجهم. وهنا تدخل البابا سكستوس الرابع، وحاول أن يدخل نظام التحقيق فى قشتالة، فأرسل إليها مبعوثاً بابوياً مزوداً بكل السلطات، للتحقيق والقبض على المارقين ومعاقبتهم. ولكن فرناندو وإيسابيلا وقفا فى وجه هذه المحاولة حرصاً على سلطانهما، وحداّ من سلطة الكنيسة، وأغضت إيسابيلا مدى حين عن تحريض الأحبار، على مطاردة الكبراء المنتمين إلى أصل يهودى إذ كانت تثق بهم وبصادق نياتهم وغيرتهم فى خدمة الدولة والعرش. على أن هذه المقاومة لم تلبث طويلا. ذلك أن كل الظروف كانت تمهد لظفر السياسة الكنسية، فلم تلبث أن غلبت مساعى الأحبار، وقبل الملكان إنشاء ديوان التحقيق فى قشتالة، ليضطلع بمثل المهام الخطيرة التى يضطلع بها فى أراجون. وهنا يقال إن الفضل فى إقناع الملكة إيسابيلا بتحقيق هذه الفكرة يرجع إلى القس توماس دى تُركيمادا رئيس دير الآباء الدومنيكان فى سانتا كروث بشقوبية، وقد كان معترف الملكة وله عليها نفوذ قوى، فقيل إنه استطاع أن يحصل منها قبل اعتلائها العرش، على وعد بأنها متى ظفرت بالملك، فإنها تكرس حياتها لسحق الكفر وحماية الكثلكة، وأنه كان أكثر العاملين على إقناعها بالموافقة على إنشاء ديوان التحقيق. وفى سنة ١٤٧٨ أرسل فرناندو وإيسابيلا سفيرهما إلى البابا، للحصول على المرسوم البابوى، وصدر المرسوم بالفعل فى نوفمبر من هذا العام بالتصريح بإنشاء ديوان التحقيق فى قشتالة، وتعيين المحققين "لمطاردة الكفر ومحاكمة المارقين"، واتخذت الخطوة الحاسمة لتنفيذ المرسوم فى سبتمبر سنة ١٤٨٠، حيث ندب المحققون الثلاثة الأول، وأنشئت محكمة التحقيق الأولى فى إشبيلية. وهكذا بدأ ديوان التحقيق الإسبانى نشاطه المروع فى قشتالة. - ٣ - وبدأ الديوان أعماله فى إشبيلية بإصدار قرارات يحث فيها كل شخص أن يساعد الديوان، فى البحث عن الملحدين والكفرة، وكل من فى عقيدتهم زيغ، وفى جمع الأدلة على إدانتهم، وفى التبليغ عنهم بأية وسيلة، وانقضت العاصفة بالأخص على اليهود المتنصرين، وكانت منهم طائفة كبيرة فى إشبيلية، فلم يمض عام حتى بلغت ضحاياهم ألوفاً أحرق منهم عدد كبير، وعوقب الكثيرون بالسجن والغرامات الفادحة، والمصادرة والتجريد من الحقوق المدنية

стр. 2804

وحاول كثير من المتنصرين النجاة بالفرار إلى ضياع الأشراف، فصدر أمر ملكى بتسليم الهاربين إلى محكمة التحقيق، وهدد الأشراف بفقد وظائفهم والنفى من الكنيسة، إذا تخلوا عن تنفيذ الأمر. وحاول بعض أكابر المتنصرين فى الوقت نفسه تدبير مؤامرة، لمقاومة محكمة التحقيق والفتك بأعضائها، ولكن المؤامرة اكتشفت وقبض على كثير منهم، وقضى بإعدام البعض حرقاً، وبذا سحقت كل مقاومة لنشاط الديوان الجديد. واتسع نشاط الديوان بسرعة، واستصدر الملكان من البابا مرسوماً بتعيين سبعة من "المحققين" الجدد (فبراير سنة ١٤٨٢)، وأنشئت على أثر ذلك محاكم التحقيق فى قرطبة وجيان وشقوبية وطليطلة وبلد الوليد، وشمل نشاط الديوان سائر أنحاء المملكة الإسبانية (قشتالة وأراجون). وكان فرناندو وإيسابيلا يرميان إلى أن تسبغ الصفة القومية على ديوان التحقيق، وأن يكون سلطانه مستمداً من العرش، أكثر مما هو مستمد من البابوية. ولتحقيق هذه الغاية رؤى أن ينظم الديوان على أسس جديدة. وكان الديوان قد غدا فى الواقع أداة هامة مرهوبة الجانب، ولابد لهذه الأداة من سلطة عليا تقوم بالتوجيه والإرشاد. ومن ثم فقد صدر المرسوم البابوى فى سنة ١٤٨٣ بإنشاء مجلس أعلى لديوان التحقيق ( Suprema) له اختصاص مطلق فى كل ما يتعلق بشئون الدين، ويتألف من أربعة أعضاء منهم الرئيس، وأطلق على منصب الرئيس منصب "المحقق العام" Inquisitor General، وصدر المرسوم البابوى فى أكتوبر سنة ١٤٨٣ بتعيين القس توماس دى تركيمادا معترف الملكين، فى هذا المنصب الخطير، وخول فى الوقت نفسه سلطة مطلقة فى وضع دستور جديد للديوان المقدس. وكان تركيمادا حبراً شديد التعصب، وافر البأس والعزم، فبذل فى تنظيم الديوان وتوطيد سلطانه جهوداً عظيمة، وبث إليه روحاً من الصرامة. وكان جل غايته أن يجعل من ديوان التحقيق الإسبانى، أداة قومية تعمل وفقاً لحاجات اسبانيا، وقد وفق فى تحقيق هذه الغاية إلى أبعد حد. وبدىء بوضع دستور الديوان الجديد فى سنة ١٤٨٥، على يد جمعية من المحققين العامين عقدت فى إشبيلية، ووضعت طائفة من القرارات واللوائح، ثم عقدت بعد ذلك جمعية أخرى فى بلد الوليد سنة ١٤٨٨ ووضعت عدة لوائح جديدة، وعقدت جمعية ثالثة فى آبلة سنة ١٤٩٨. وتولى المجلس الأعلى (السوبريما) بعد ذلك صياغة اللوائح وتنقيحها. وكان هذا

стр. 2805

التنظيم عظيم الأثر فى تطور ديوان التحقيق الإسبانى. ذلك أنه غدا من ذلك الحين محكمة قومية مستقلة، وغدا سلطة يخافها أعظم العظماء فى اسبانيا، ويرتجف لذكرها الفرد العادى، وأضحى نشاطها الرهيب، وقضاؤها المدمر، عنصراً بارزاً فى التاريخ الإسبانى، يقوم بدوره الفعال فى دفع اسبانيا إلى شفا المنحدر، الذى لبثت تتردى فى غمره زهاء ثلاثة قرون. ولبث تُركيمادا فى منصب المحقق العام حتى توفى فى سنة ١٤٩٨. وفى عهده اشتد نشاط محاكم التحقيق واتسعت أعمالها، وكان هذا القس المتعصب بالرغم من تقشفه، يعتبر بعد العرش أعظم سلطة فى اسبانيا، ويعيش فى قصور باذخة، وله حرس كبير من الفرسان والمشاة. وكان من جراء شدته وعسفه أن ندب البابا سنة ١٤٩٤ إلى جانبه خمسة من المحققين العامين، يتمتع كل منهم بنفس سلطته. ولما توفى خلفه فى منصب المحقق العام ديجو ديسا أسقف جيان، واستمر فى منصبه حتى سنة ١٥٠٧ م. - ٤ - ونقدم الآن عرضاً موجزاً لإجراءات ديوان التحقيق. وسنرى أنها بأصولها وتفاصيلها، أبعد ما يكون عن مبادىء المنطق والعدالة، وأشد ما يكون عسفاً وقسوة وهمجية. تبدأ قضايا الديوان أو محاكماته الفرعية، بالتبليغ أو ما يقوم مقامه، كورود عبارة فى قضية منظورة تلقى شبهة على أحد ما. ولا فرق بين أن يكون التبليغ مع شخص معين أو يكون غفلا. ففى الحالة الأولى يدعى المبلغ ويذكر أقواله وشهوده، وتعتبر أقوال المبلغ وشهوده "تحقيقاً تمهيدياً". كذلك يمكن التبليغ بواسطة "الإعتراف" الذى يتلقاه القسس، ولهم أن يبلغوا عما يقعون عليه من حالات الإشتباه فى العقائد، ولا توضح لهم الوقائع التى يُسئلون عنها بل يسئلون بصفة عامة، عما إذا كانوا قد رأوا أو سمعوا شيئاً يناقض الدين الكاثوليكى أو حقوق الديوان. ويقوم الديوان فى الوقت نفسه بإجراء التحريات السرية المحلية عن المبلغ ضده. ثم تعرض نتيجة التحقيق التمهيدى على " الأحبار المقررين " ليقرروا ما إذا كانت الوقائع والأقوال المنسوبة إلى المبلغ ضده تجعله مرتكباً لجريمة الكفر أو تلقى عليه فقط شبهة ارتكابها. وقرارهم يحدد الطريقة التى تتبع فى سير القضية. ويقسم المقررون يمين الكتمان أيضاً، وكان معظم أولئك المقررين من القسس الجهلاء المتعصبين، ومن ثم فقد كانت
следующие страницы →