لم يستجب إلى دعوته (١). ولم يكن ابن حفصون ثائراً عادياً يعتمد فقط على أساليب العنف، ولكنه كان صاحب دعوة سياسية يدعو الكافة إلى اعتناقها. وقد كان ابن حفصون حسبما قدمنا مولّداً، يمثل في ثورته، كل ما يجيش به المولدون نحو العرب الفاتحين ونحو حكومة قرطبة من الحفيظة والبغض. وقد أشرنا من قبل في حديثنا عن عناصر الأمة الأندلسية، إلى أولئك المولدين - وهم الإسبان الذين أسلموا منذ الفتح - وبينا كيف كانوا يؤلفون عنصراً من أهم عناصرها، من حيث الكثرة والمستوى الإجتماعي، وقد كانوا بالرغم من اندماجهم في المجتمع الإسلامي يحتفظون دائماً، بنزعة إستقلالية واضحة، ويبغضون العرب والبربر معاً، وقد ظهرت هذه النزعة الاستقلالية بالأخص في الثغر الأعلى، حيث لبث بنو موسى، وبنو عمروس، وبنو الطويل، وهم جميعاً من الأسر المولدة القوية، عصراً يتحدون السلطة المركزية ويقاومونها. وكانت ثورة ابن حفصون زعيم المولدين في الجنوب، هي المرحلة الثانية لتلك النزعة الثورية التي رفع المولدون لواءها ضد حكومة قرطبة. وهكذا كان ابن حفصون يدعو المولدين ومن إليهم من عشاق الخروج والفوضى، إلى تأييد قضية الإستقلال والحرية، ويذكرهم بما ينالهم من عسف السلطان، وانتزاعه لأموالهم، وتكليفهم فوق طاقتهم، وكيف أذلتهم العرب واستعبدتهم، وقضت على حرياتهم واستقلالهم؛ وأنه إنما ينهض ليأخذ بثأرهم، ويرفع عنهم نير الطغيان والعبودية. وناهيك بما كانت تبثه هذه الدعوة المثيرة، في نفوس سكان هذه المناطق الجبلبة من الحماسة والتعلق بقضية الحرية، وهي لا تعني في نظرهم سوى التفاني في مقاتلة حكومة قرطبة. وهكذا كانت الجموع الغفيرة تحتشد حول ابن حفصون ودعوته، ويشتد نفوذه ويمتد سلطانه بسرعة؛ وبالرغم من أن حكومته كانت تقوم على الخروج والثورة، وكان معظم صحبه من أهل البغي والشر، فقد كان الأمن يسود المناطق التي يسيطر عليها؛ وكان صارماً في أحكامه وعقوباته، شديداً على كل مخالف ومستهتر، وكان فوق ذلك كله متودداً لأصحابه، متواضعاً يكرم الشجعان ويثيبهم، فكانت هذه العوامل كلها مما يقوي نفوذه ويوطد سلطانه (٢).
стр. 317
وبلغ ابن حفصون في زحفه إلى المنطقة الوسطى أحواز جيان، وما يليها من الغرب، واستولى على باغة " بريجو " (١) وأسر حاكمها، واستولى على قبرة، الواقعتين في جنوبي غربي جيان، وعلى حصن أشرس الواقع في شمال كورة ريه.
وسير المنذر بعض قواته إلى تلك الأنحاء، فاستردت حصن أشرس وبعض القرى المجاور لقبرة. وفي ربيع العام التالي (٢٧٤ هـ - ٨٨٧ م) خرج المنذر بنفسه في قواته معتزماً أن يسحق الثائر، وأن يقضي على الثورة في الجنوب، وزحف تواً على كورة ريه، وحاصر أرشدونة الواقعة في جنوب غربي لوشة حتى سلمت، وقبض على عيشون حاكمها من قبل الثائر وعلى صحبه؛ وافتتح حصون جبل باغة (بريجو) وأسر بها بني مطروح حلفاء الثائر، وهم حرب وعون وطالوت، وبعث بهم جميعاً إلى قرطبة حيث قتلوا صلباً، وصلب مع عيشون خنزير وكلب، إمعاناً في التمثيل به. وكان ابن حفصون أثناء ذلك ممتنعاً بقلاعه في ببشتر، فطوقه المنذر بقواته وشدد في حصاره، وقطع كل علائقه مع الخارج. فلما ضاق الثائر ذرعاً بالحصار وشعر بنفاد أقواته، لجأ إلى الخديعة وعرض التسليم والخضوع، وطلب الصلح والأمان، على أن يسير بأهله وولده إلى قرطبة، فأجابه الأمير إلى طلبه، وعقد له الأمان، وأمده بالثياب والدواب والمؤن؛ وطلب الثائر من الأمير مائة بغل لتحمل أهله ومتاعه فزوده بها، وبعث بها ابن حفصون إلى قلاعه، ورفع المنذر الحصار عن ببشتر، وقفل راجعاً بجيشه إلى قرطبة. ولكن ابن حفصون فر من الجيش تحت جنح الظلام، وعاد إلى ببشتر وامتنع بها، بعد أن قويت نفسه بما حصل من الأمداد. فاستشاط المنذر حنقاً لتلك الخيانة المثيرة، وارتد راجعاً بجنده إلى ببشتر، وضرب حولها الحصار مرة أخرى، معتزماً ألا يبرحها حتى يقبض على الثائر حياً أو ميتاً، واستمر الحصار ثلاثة وأربعين يوماً. ومرض المنذر أثناء ذلك، واستقدم أخاه عبد الله من قرطبة لينوب عنه في متابعة الحصار، ولم يأت منتصف صفر سنة ٢٧٥ هـ (يونيه ٨٨٨ م) حتى قضى المنذر نحبه في أسوار ببشتر، بعد حكم لم يطل سوى عامين، وفي بعض الروايات أن المنذر توفي قتيلا بتدبير أخيه عبد الله، وأن عبد الله رغبة منه في التخلص من أخيه واعتلاء العرش مكانه، حرض طبيبه (حجامه) على قتله، ففصده الطبيب بمبضع مسموم
стр. 318
أثناء حصاره لببشتر، فتوفي من أثر السم. ويؤيد هذه الرواية من مؤرخي الأندلس، ابن القوطية وابن حزم، ويرى ابن حزم بنوع خاص أنها رواية معقولة يؤيدها خلق عبد الله وسياسته الدموية. ذلك أنه قتل فيما بعد اثنين من أبنائه، وهما محمد والد الناصر والمطرِّف، ثم قتل أخوين له وهما هشام والقاسم، فليس غريباً أن يكون هو مدبر جريمة يرتفع بها إلى العرش (١).
وعلى أثر وفاة المنذر، رفع الحصار عن بُبَشتر للمرة الثانية، وقفل الجيش راجعاً إلى قرطبة، وأنقذ ابن حفصون من خطر محقق، وعاد ينظم شئونه، ويوطد سلطانه في الأنحاء الجنوبية.
وكان المنذر أميراً وافر العزم والحزم، ذا شجاعة وبأس، وكان خلال الفتنة التي ثار ضرامها في أيام أبيه، معقد آمال الحكومة والجيش، وكان زعماء الفتنة يهابونه ويخشون جانبه، لما عرف من حدته وصرامته، وكان موته تحت أسوار ببشتر ضربة مؤلمة لحكومة قرطبة. ولو امتد به الأجل قليلا لاستطاع أن يقضي على ابن حفصون وأضرابه من زعماء الفتنة، ولأمنت الأندلس شر تفاقمها بعد ذلك. وكان المنذر فوق ذلك يعشق مجالس الشعر والأدب، ينشده الشعراء قصائدهم ويجزل لهم العطاء. وكان من شعراء دولته ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد والعكى وغيرهما (٢).
وكان المنذر أسمر طويلا، جعد الشعر، كث اللحية، بوجهه أثر جدري (٣)،
стр. 319
الفصل الثالث
ولاية عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن
١ - ثورة المولدين والعرب
عبد الله يلي العرش في ظروف صعبة. استفحال الثورة وامتدادها إلى زعماء العرب والبربر. ابن حفصون يحاول التفاهم مع الأمير. نكثه ومسير عبد الله إلى قتاله. الثورة في جيان. عيث ابن حفصون واشتداد غاراته. مسير عبد الله إلى قتاله. موقعة بلاي. هزيمة ابن حفصون وفراره. أهمية موقعة بلاي وأثرها الحاسم. أقوال الشعر فيها. ثورة القبائل العربية بعد المولدين. الثورة في كورة ريه واستفحالها. سوار بن حمدون القيسي. استيلاؤه على إلبيرة وغرناطة. مصرعه. قيام سعيد بن جودى مكانه. الحرب بين العرب والمولدين. تفاهم سعيد مع الأمير. مصرعه وشاعريته. محمد بن أضحى. تفاقم الثورة بين القبائل العربية. الثورة في جيان وتدمير. امتداد الفتنة إلى إشبيلية. بنو عبدة وبنو حجاج وبنو خلدون. رياسة بني عبدة. ثورة كريب بن خلدون وعيثه في أحواز إشبيلية. ثورة بني حجاج. مصرع أمية والى إشبيلية. الإضطراب والفوضى. مسير المطرف بن عبد الله إلى إشبيلية وهزيمته للثوار. حكم إبراهيم بن حجاج وكريب بن خلدون المدينة. مصرع كريب وانفراد إبراهيم بالحكم. خروجه على الأمير وعوده إلى الطاعة. دولة بني حجاج في إشبيلية وقرمونة. وفاة إبراهيم وخلاله.
خلف المنذر على العرش، أخوه عبد الله بن محمد، وبويع في نفس اليوم الذي توفي فيه أخوه، في محلة الجيش تحت أسوار بُبشتر، في منتصف صفر سنة ٢٧٥ هـ (يونيه ٨٨٨ م). وكان مولده بقرطبة في نفس العام الذي ولد فيه أخوه المنذر، أعني في سنة ٢٢٩ هـ (٨٤٤) وأمه أم ولد تدعى بهار، وكان حينما تولى الملك في السادسة والأربعين من عمره.
وعلى أثر البيعة ارتد عبد الله مع جيشه عائداً إلى قرطبة، ومعه جثمان أخيه المنذر، فدفن بمقبرة القصر، واستتم عبد الله البيعة دون أن يعارضه أحد من أخوته العديدين.
وبدأ عبد الله حكمه الطويل المضني في ظروف قاتمة، والخلاف يمزق أوصال المملكة، وعرش بني أمية يهتز تحت ضربات الخوارج والمتغلبين. ويصف لنا ابن الأثير عهد الأمير عبد الله في هذه العبارة الجامعة: " وفي أيامه امتلأت الأندلس
стр. 320
بالفتن، وصار في كل جهة متغلب، ولم تزل كذلك طول ولايته " (١).
والحقيقة أن الثورة كانت قد استفحلت، واندلع لهيبها في كل ناحية، ولم تبق قاصرة على المناطق الجبلية، بل تجاوزتها إلى القواعد والمدن الكبيرة، مثل إشبيلية وبطليوس وجيان ولورقة ومرسية وغيرها؛ ولم تبق كذلك قاصرة على زعماء المولدين الذين تحدوهم نحو حكومة قرطبة عاطفة بغض طبيعي، ولكنها امتدت الى زعماء القبائل العربية أنفسهم، إذ رأوا الفرصة سانحة لاستقلالهم، وتدعيم سلطانهم؛ وظهر البربر في الوقت نفسه في الميدان، فاستعصم كثير من زعمائهم بالحصون النائية، ونشبت المعارك العنصرية القديمة بين العرب والمولدين حيثما التقت حشودهم، كما حدث في كورة ريُّه وإشبيلية؛ ونشبت مثل هذه الخصومات بين العرب والبربر، وفيما بين العرب أنفسهم، واستقل زعماء العرب بإلبيرة وجيان ومنتيشة ولورقة ومدينة سالم، واستقل زعماء المولدين بالثغر الأعلى وبطليوس وباجة وجيان ومرسية، وغدت إشبيلية مسرحاً للتنافس الدموي بين العرب والبربر، وبسط ابن حفصون سلطانه على معظم الأنحاء الجنوبية الغربية فيما بين البحر ووادي شَنيل؛ وهكذ عمت الثورة معظم جنبات الأندلس، ولم يبق لحكومة قرطبة سلطان حقيقي إلا في منطقة العاصمة وأحوازها.
- ١ -
كان عبد الله يواجه هذه الخطوب كلها. وكان يرى إخماد الفتنة مسألة حياة أو موت بالنسبة لسلطان العرش، وكانت هذه مهمته الشاقة التي كرس لها كل جهوده. وكان يرى أن الثورة في الجنوب هي أخطر ما يواجه العرش، وأن ابن حفصون قد غدا قوة يخشى بأسها، وأنه يجب أن تكرس الجهود لتحطيم ثورته وسحق قواه. وكان ابن حفصون يشعر من جانبه، بأنه يواجه قوة العرش كلها، ومن ثم فقد حاول عقب ارتقاء الأمير عبد الله أن يحصل على هدنة يستطيع خلالها أن ينظم شئونه ويوطد سلطانه؛ فبعث إلى قرطبة ابنه حفصاً مع جماعة من أصحابه ليعقدوا السلم باسمه مع عبد الله، على أن يستقر في منطقة ببشتر في طاعة الأمير، فاستجاب عبد الله إلى طلبه، ورد ابنه وصحبه رداً جميلا وأجزل لهم الصلات، وبعث معهم عبد الوهاب بن عبد الرؤوف والياً من قبله على كورة ريُّه ليكون مع
стр. 321
ابن حفصون شريكاً في حكمها، ولكن لم تمض بضعة أشهر، حتى نكث ابن حفصون العهد وطرد عامل الأمير، وأغار على البلاد المجاورة، واستولى على أرشدونة، وعاث فساداً في تلك المنطقة، فسار إليه الأمير عبد الله في سنة ٢٧٦ هـ (٨٨٩ م) واجتاح منطقة ببشتر وخربها، ولكنه لم ينل من الثائر مأرباً؛ ولما ارتد إلى قرطبة خرج ابن حفصون في أثره، وتوغل حتى إستجة واستولى عليها، فبعث إليه عبد الله الجند فردته عنها.
ولبثت الثورة على اضطرامها في الجنوب. وخرج خير بن شاكر في جيّان، وطرد منها عامل الأمير واستولى عليها، فسارت إليه جند الأندلس بقيادة أحمد ابن محمد بن أبي عبدة، وحاصرته وقتلت كثيراً من أصحابه، وخربت معظم دور جيان، ثم عادت دون إخضاعه. وهنا بعث ابن حفصون جماعة من أصحابه إلى جيان بحجة معاونة ابن شاكر، ولكنهم فتكوا به وحملوا رأسه إلى ابن حفصون، فبعث بها إلى الأمير عبد الله سعياً إلى مصانعته ومطاولته (١). ولكن الأمير لم يخدع بسعيه. وسار ابن حفصون إلى جيان فعاث فيها وانتهب أموالها، وأذل أهلها، وساد الذعر والفوضى في تلك الأنحاء.
ودفع ابن حفصون غاراته شمالا حتى أحواز قرطبة، وبلغ من جرأته أن حاول إحراق مخيم الأمير في ضاحية شَقُندة على مقربة من العاصمة. فعندئذ عول الأمير عبد الله على أن يخرج لقتاله مرة أخرى، فحشد ما استطاع من قواته، واتجه نحو الجنوب إلى ناحية قبرة Cabra حيث حشد الثائر قواته في معقل بلاي أو " بَلِيّ " (بولي) (٢)، وكان حصن بلاي من أمنع حصون قبرة الواقعة على مقربة من جنوب شرقي قرطبة. وقد افتن ابن حفصون في تقويته وتحصينه، وجعله مركزاً للسيطرة على كورة قبرة كلها، والإغارة على المدن والحصون القريبة من قرطبة، وتهديد أطراف العاصمة ذاتها. وكانت قوات الثوار تبلغ زهاء ثلاثين ألفاً، ولا تعدو قوات الأندلس ثمانية عشر ألفاً، بل أربعة عشر ألفاً على قول
стр. 322
ابن حيان (١). ووقع اللقاء بين الفريقين على ضفاف نهير الفوشكة أحد فروع نهر الوادي الكبير (٢) على قيد مسافة قصيرة من بلاي، في الثاني من صفر سنة ٢٧٨ هـ (١٦ مايو سنة ٨٩١ م). وقاد جند الأندلس القائد عبيد الله بن محمد ابن أبي عبدة. وتولى ابن حفصون قيادة جنده بنفسه. ونجح فرسان الأندلس في هزيمة الجناح الأيمن للثوار وتمزيقه، فدب الذعر إلى باقي القوات الثائرة، وركنت إلى الفرار، وهرعت الخيل في آثارهم فقتلت كثيراً منهم، وفر ابن حفصون في بعض قواته إلى حصن بلاي معولا على الامتناع به، ولكن هجره معظم جنده، مؤثرين الفرار على حصار غير مأمون العاقبة؛ فلما رأى ابن حفصون عبث المقاومة ارتد في نفر من صحبه إلى شعب الجبال الجنوبية، بعد أن فقد معظم قواته، وقتل من الثوار أثناء الموقعة وخلال المطاردة ألوف عدة، واحتل عبد الله حصن بلاي وقتل من جنده زهاء ألف، واستولت جند الأمير على محتوياته. وكانت موقعة بلاي موقعة فاصلة في معنى من المعاني، وفيها أصيب ابن حفصون بضربة أليمة لم يصب بمثلها من قبل. ولم ير الأمير مطاردة الثائر جنوباً، ولكنه آثر أن يزحف غرباً إلى إستجة التي كانت تدين بطاعته، فحاصرها أياماً حتى سلمت والتمس أهلها العفو والأمان (٣).
وسار الأمير بعد ذلك في أثر ابن حفصون إلى ببشتر قاعدته الرئيسية، وكان الثائر قد التجأ إليها عقب الهزيمة، واجتمع إليه كثير من أنصاره من أهل الجزيرة.
وعاث الأمير في تلك المنطقة، ولم يخرج ابن حفصون إلى لقائه، ولكنه حينما ارتد جيش الأندلس أدراجه، حاول مطاردته، واشتبك مع مؤخرته في معركة هزم فيها ورد على أعقابه (ربيع الأول سنة ٢٧٨ هـ). وعلى أثر هذه الغزوة الموفقة،
стр. 323
اختار الأمير عبد الله قائده البطل عبيد الله بن محمد بن أبي عبدة للوزارة، إثابة له وتكريماً، وعرفاناً لما أسداه إلى العرش وإلى الدولة ببراعته وبطولته (١).
وقد أشاد الشعراء بذكر موقعة بلاي وإستجة، وما أحرزه الأمير فيها من النصر الباهر، فمن ذلك قصيدة طويلة لابن عبد ربه يقول فيها:
نجا مستكناً تحت جنح من الدجى ... وليس يودي شكرنا أنعم الجنح
يودون أن الصبح ليل عليهم ... ونحن نود الليل لو أنه صبح
أقادح نار كان طعم وقودها ... بعينك فانظر ما أضاء لك القدح
محا السيف ما زخرفت أول وهلة ... ودونك فانظر بعد ذلك ما يمح
فكم شارب منكم صحى بعد سكرة ... وما كان لولا السيف من سكره يصح
كأن " بلايا " والخنازير حولها ... مقطعة الأوصال أنيابها كلح
ديار الذين كذبوا رسل ربهم ... فلاقوا عذاباً كان موعده الصبح
فيا وقعة أنست وقيعة راهط ... ويا عزمة من دونها البطن والنطح
ويا ليلة أبقت لنا العز دهرنا ... وذلا على الأعداء صل به الترح
بدولة عبد الله ذى العز والتقى ..
. يخبر في أدنى مقاماته المدح (٢)
ولابن عبد ربه قصيدة أخرى يهنىء فيها الأمير بفتح بلاي هذا مطلعها:
الحق أبلج واضح المنهاج ... والبدر يشرق في الظلام الدّاج
والسيف يعدل ميل كل مخالف ... عميت بصيرته عن المنهاج
ومنها:
لما حفلن إلى " بلاي " عشية ... أقوت معاهدها من الأعلاج
فكأنما جاشت خلال ديارهم ... أسد العرين خلت بسرب نعاج
ونحى ابن حفصون ومن يكن الردى ... والسيف طالبه فليس بناج
في ليلة أسرت به فكأنما ... خيلت لديه ليلة المعراج
هذي الفتوحات التي أذكت لنا ... في ظلمة الآفاق نور سراج
стр. 324
خريطة:
موقعة بلاي ومنطقة ثورة ابن حفصون.
стр. 325
- ٢ -
وهنا نقف قليلا في تتبع ثورة المولدين وزعيمهم ابن حفصون، لنعطف على أخبار الثورات التي قام بها الزعماء العرب في الوقت نفسه، في مختلف القواعد والثغور.
كانت المناطق الجنوبية في الوقت الذي تجيش فيه بثورة المولدين في الغرب، تجيش في الشرق بثورة أخرى عمادها القبائل العربية. وكانت سياسة اصطفاء الموالي التي جرى عليها بنو أمية في الأندلس منذ بداية أمرهم، قد أخذت تحدث أثرها في نفوس القبائل العربية، وأضحت هذه القبائل ترى في سياسة حكومة قرطبة نوعاً من الطغيان والمهانة. ولما ثار ضرام الفتنة على يد المولدين في الثغر الأعلى وفي المناطق الجنوبية، ألفت القبائل العربية الفرصة سانحة للقيام بدورها، والانتصاف لعصبيتها وكرامتها. وكانت كورة إلبيرة مركز نشاطهم في الجنوب؛ ففي سنة ٢٧٥ هـ (٨٨٩ م) ثار في ناحية البراجلة من كورة إلبيرة يحيى بن صقالة القيسي، وكان ذا وجاهة ومال، والتفت حوله البيوتات العربية، واشتد في مطاردة المولدين والنصارى (١)، فثاروا به ولم يلبث أن قتل في بعض المواقع التي نشبت بينه وبينهم؛ فتصدر لزعامة العرب عندئذ سوّار بن حمدون القيسى، وكان سوار زعيماً مجرباً. وافر الشجاعة والبأس، فهرعت العرب إلى لوائه، وأغار على حصون المولدين والنصارى في تلك المنطقة، فانتزع معظمها، وامتدت رياسته حتى قلعة رباح، وجعل مركزه في حصن منت شقند (٢) على مقربة من إلبيرة ثم زحف على إلبيرة وفيها جعد بن عبد الغافر واليها من قبل الأمير، ونشبت بين الفريقين معركة هائلة، فهزم جعد وأسر، وقتل كثير من أصحابه (٢٧٦ هـ)، وتعرف هذه الموقعة بواقعة المدينة (٣). ثم أطلق سوار جعداً فتحالف مع ابن حفصون على قتاله. وقوى أمر سوار واشتد ساعده وكثر أنصاره، فسار إلى غرناطة واستولى عليها واتخذها قاعدة له، ونشبت بينه وبين المولدين وزعيمهم ابن حفصون عدة معارك، هزم فيها ابن حفصون وقتل بعض قواده. وكان سوار
стр. 326
فوق فروسيته شاعراً جزلاً فصيحاً يأسر الجموع بذلاقته. ولكن رياسته لم تطل سوى نحو عام، إذ قتل في كمين دبره له خصمه القديم جعد والي إلبيرة، وحفص بن المرة قائد ابن حفصون. فقد خرج سوار ذات يوم من غرناطة إلى بعض غاراته في نفر قليل من أصحابه، وكان حفص قد رتب قواته في أماكن مستورة على مقربة من المدينة، فانقضت على سوار وفتكت به وبأصحابه ومثل بجثته. فخلفه في رياسة العرب سعيد بن سليمان بن جودى السعدى زعيم قبيلة هوازن، وكان مثل صديقه سوار بطلاً شجاعاً وفارساً مجرباً، وشاعراً أديباً، وخطيباً مفوهاً، قد تفقه مع فروسيته في فنون العلم والأدب (١)، فالتفت حوله القبائل، واشتدت وطأته على المولدين وزعيمهم ابن حفصون وهزمه مراراً، وأسره ابن حفصون في بعض الوقائع ثم أطلقه لقاء فدية كبيرة. ولما رأى الأمير عبد الله غلبة العرب على كورة إلبيرة، أقر سعيداً على ولايتها فحكمها باسم الأمير، واستمرت زعامته بضعة أعوام حتى قتل غيلة في دار عشيقته اليهودية، وذلك في أواخر سنة ٢٨٤ هـ (٨٩٧ م)، ويقال إنه قتل بتدبير الأمير عبد الله، وكان من أهم أسباب قتله أبيات من الشعر قالها في ذم بني أمية جاء فيها:
يا بني مروان جدوا في الهرب ... نجم الثائر من وادي القصب
يا بني مروان خلوا ملكنا ... إنما الملك لأبناء العرب
ولسعيد بن جودى شعر كثير، وقد أورد لنا ابن الأبار بعض قصائده، وهي تنم عن مقدرته وقوة شاعريته (٢).
ولما قتل سعيد بن جودى، قام بأمر العرب من بعده في كورة إلبيرة، محمد ابن أضحى الهمذاني صاحب حصن الحامّة (الحمة)، وأقره الأمير عبد الله على رياسته، ونشبت بينه وبين ابن حفصون وقائع عديدة كانت سجالاً بينهما؛ ولبث سعيد على رياسته لتلك المنطقة، حتى قضى عليها الناصر في بداية عهده، واستولى على الحامة وغيرها من النواحي الثائرة في تلك المنطقة (٣).
стр. 327
واتسع نطاق الثورة بين القبائل والبطون العربية والمولدين، فخرج في مدينة ابن السليم (شذونة) (١) منذر بن ابراهيم، واستقل برياستها إلى أن قتله بعض أتباعه؛ وخرج آخرون من الزعماء في كورة جيان، وكان أشدهم مراساً عبيد الله ابن أمية بن الشالية، وهو من زعماء المولدين. وقد خرج في منطقة جبل شمنتان وما يليها، وامتد سلطانه حتى حصن قسطلونة (٢)، وقوى أمره وأنشأ له بلاطاً وجيشاً، وحالف ابن حفصون وصاهره بأن زوج ابنته من جعفر ولد ابن حفصون.
واستمر ابن الشالية ممتنعاً بمعاقله، طوال أيام الأمير عبد الله، ولم تنته ثورته إلا في أوائل عهد الناصر حيث عاد إلى الطاعة، وعينه الناصر والياً لمنطقة شمنتان.
وثار سعيد بن مستنه في باغة، وقوى أمره، فسار إليه الأمير عبد الله في سنة ٢٧٩ هـ (٨٩٢ م) عقب موقعة بلاي، وغزا حصن كركبوليه، الواقع بين قرطبة وجيان، وهو معقله وأمنع حصونه، واشتد في حصاره حتى اضطر إلى التسليم، وهدم الأمير جميع حصونه (٣). وثار بغربي الأندلس اثنان من زعماء المولدين أيضاً هما بكر بن يحيى بن بكر، ثار بشنتمرية الغرب وحصنها واستقل بها، وبسط سلطانه على ما حولها، وتشبه بالأمراء، فأنشأ له بلاطاً وحكومة، وكان جواداً يأوى أبناء السبيل ويحفظ الطرق، وفي أواخر عهد الأمير عبد الله عاد إلى الطاعة.
وعبد الملك بن أبي الجواد، وقد ثار في باجة وميرتلة وكان كلاهما من أتباع عبد الرحمن الجليقي وأنصاره. وثار في لَبْلة عثمان بن عمرون وأخرج منها عامل الأمير، وامتدت الفتنة إلى المنطقة كلها. وغلب إسحاق بن إبراهيم العقيلي المعروف بابن عطاف على حصن منتيشة من أعمال جيان وامتنع به، مستظلا مع ذلك بطاعة الأمير. وفي شرقي الأندلس خرج ديسم بن إسحاق في كورة تدمير وغلب على مدينتي مرسية ولورقة، واستفحل أمره، وكان أديباً يصل الأدباء والشعراء. وسير إليه الأمير عبد الله في سنة ٢٨٣ هـ (٨٩٦ م) حملة بقيادة عمه هشام بن عبد الرحمن بن الحكم، فاخترقت ولاية تدمير وعاثت فيها وهاجمت مرسية وأرغمتها على دفع الخراج، ونشبت بينهم وبين قوات ديسم في ظاهر لورَقة،
стр. 328
معركة هزم فيها الثوار، بيد أنها لم تكن معركة حاسمة (١). وقامت ثورات محلية أخرى في بعض القواعد والحصون، بيد أنها كانت على الأغلب ثورات قليلة الخطورة، محدودة الأثر، وكانت حكومة قرطبة تراها في المحل الثاني، ولم تكن ثورة القبائل العربية تصطبغ بتلك المرارة التي كانت تطبع ثورات المولدين والبربر. ولبث كثير من أولئك الزعماء الخوارج على رياستهم واستقلالهم حتى بداية عصر الناصر (٢).
- ٣ -
وكانت إشبيلية، أعظم القواعد الأندلسية بعد قرطبة، في أثناء ذلك، مسرحاً لفتنة دموية استطال أمدها. وكان سكان إشبيلية مزيجاً من العرب والمولدين والنصارى، وكانت منزل عدد كبير من البيوتات العربية العريقة التي تمتاز بالثراء والعصبية. وبالرغم مما كان يسود بين هذه العناصر في معظم الأحيان من عوامل الجفاء والشقاق، فقد استطاعت إشبيلية أن تحافظ على سكينتها وولائها مدى حين.
فلما أخذت القبائل العربية في ولاية الأمير عبد الله تجيش بعوامل الخروج والثورة، هبت ريح الاضطراب على إشبيلية وسرت إليها عوامل الفتنة، وظهر الزعماء المتطلعون إلى الرياسة على مسرح الحوادث. وكان بنو أبي عبدة، وبنو حجاج، وبنو خلدون، يومئذ أعظم البيوتات العربية في إشبيلية. فأما بنو أبي عبدة فكان منهم كثير من رجال الدولة والقادة، وكان زعيمهم يومئذ أمية بن عبد الغافر بن أبى عبدة، وكان من وجوه القوم المقربين لدى حكومة قرطبة. وأما بنو حجاج فإنهم يرجعون بنسبتهم إلى لخم، ويتصلون في الوقت نفسه من ناحية الأمومة بملوك القوط، وذلك عن طريق سارة القوطية حفيدة وتيزا ملك القوط (٣)، وكان زعيم بيتهم يومئذ عبد الله بن حجاج وأخوه إبراهيم. وأما بنو خلدون فإنهم ينتسبون إلى العرب اليمانية في حضرموت، وإليهم ينتسب المؤرخ الفيلسوف ابن خلدون، وكان زعيم بيتهم يومئذ كريب بن عثمان بن خلدون وأخوه خالد (٤).
стр. 329
وكان هنالك إلى جانب هذه الأسر العربية الصميمة، عدد من الأسر المولدة القوية الغنية. وكان التنافس بين العرب والمولدين في النفوذ والرياسة، من أهم أسباب الاضطراب في المجتمع الأندلسي يومئذ.
وكانت الرياسة في إشبيلية قديمة في بيت أبي عبدة، حيث كان جدهم أبو عبدة واليها من قبل عبد الرحمن الداخل، وكان حفيده أمية بن عبد الغافر واليها في الوقت الذي نتحدث عنه، وكان الأمير عبد الله قد أرسل إلى جانب أمية ولده محمداً، ليكون عضداً أدبياً له في حكم المدينة. وفي سنة ٢٧٦ هـ (٨٨٩ م) كان بنو خلدون أول من رفع لواء الثورة في إشبيلية، وخرج زعيمهم كريب بن عثمان ابن خلدون في أنصاره وحلفائه من المولدين والبربر، الذين رأوا أن يعملوا على إذكاء المعركة بين الأسر العربية، وتحالف مع ابن مروان الجليقي الثائر ببطليوس.
وعاث كريب وأصحابه في أحواز إشبيلية وقطعوا السبل، ولكنه لم ينل من المدينة مأرباً. ثم ثار المولدون ضد العرب اليمانية لمقتل واحد من كبرائهم، وتحرك بنو حجاج في نفس الوقت. وخشى أمية العاقبة فدس على زعيمهم عبد الله ابن حجاج من قتله، فحل في الحال مكانه أخوه إبراهيم، وحمى وطيس الفتنة، واشتد بنو حجاج وأنصارهم من العرب في قتال أمية، وقتل أمية في النهاية مدافعاً عن نفسه. فأرسل الأمير عبد الله إلى إشبيلية حاكماً جديداً من قبله، هو عمه هشام ابن عبد الرحمن، ولكنه لم ينجح في تهدئة المدينة الثائرة، وقتل الثوار ولده، وسادت الفوضى، واضطرب حبل الأمن في إشبيلية وما جاورها؛ فعندئذ أرسل عبد الله ولده المطرِّف، ومعه الوزير عبد الملك بن عبد الله بن أمية على رأس حملة قوية إلى إشبيلية (٢٨٢ هـ - ٨٩٥ م). فلما أشرف المطرف على إشبيلية وثب بالقائد عبد الملك فقتله، وندب للقيادة مكانه أحمد بن هاشم بن عبد العزيز، وأرسل إلى والده الأمير عبد الله محضراً يبرر فيه تصرفه، ونشبت الموقعة بين المطرف وبين الثوار خارج المدينة، فهزمهم وردهم إلى سور المدينة، وقتل منهم عدد كبير، وأسر إبراهيم بن حجاج وخالد بن خلدون وغيرهما من زعماء الفتنة، ولم يطلق سراحهم حتى أذعنت المدينة الثائرة لمطالبه، وسلمت الخراج المطلوب، وقدم زعماء الفتنة رهائن من الولد والأهل، واتُفق على أن يشترك
стр. 330
في حكم المدينة إبراهيم بن حجاج وكريب بن خلدون باسم الأمير وفي طاعته (١).
وكان كريب طاغية شديد الوطأة فنفر منه الشعب. أما إبراهيم فكان رفيقاً دمث الخلق فكثر أنصاره، ورجحت كفته، واستطاع في الوقت نفسه أن يحصل من الأمير عبد الله سراً على عهد بولاية المدينة. ثم اعتزم أمره ودبر مقتل كريب ابن خلدون وأخيه خالد، وانفرد بحكم إشبيلية (٢٨٢ هـ) (٢)، وأقره عبد الله على ولاية إشبيلية وقرمونة. وسطع نجم بني الحجاج وقوى أمرهم، وطالب إبراهيم الأمير بالإفراج عن ولده عبد الرحمن، المعتقل رهينة في قرطبة، فلما تباطأ الأمير في إجابته خلع الطاعة وتحالف مع ابن حفصون (٣)، وسار معه في قواته لمقاتلة قوات الأندلس (٢٨٩ هـ) حسبما نفصل بعد. وقدر الأمير عبد الله خطورة هذا التحالف وتوجس من عواقبه، وعاد فأجاب رغبة إبراهيم، وأفرج عن ولده عبد الرحمن ورده إليه مكرماً (٢٨٩ هـ)، فجنح إبرهيم إلى الطاعة مرة أخرى، وارتضى أداء الجزية للأمير، ونبذ حلف ابن حفصون، وقنع الأمير من جانبه بهذا المظهر من الخضوع والطاعة، واستقرت الأمور في إشبيلية (٤).
وأبدى إبراهيم بن حجاج في إدارة ولايته همة وبراعة، واتخذ سمة الملوك وأنشأ له بلاطاً، وحرساً خاصاً قوامه خمسمائة فارس غير المشاة، وحصن مدينة قرمونة، وجعل بها مرابط خيله (٥)، وفرض الضرائب وأصلح نظم الحكم والقضاء، وعمل على توثيق أواصر المودة بينه وبين حكومة قرطبة. وكان يبعث بالأموال والهدايا إلى الأمير عبد الله، ويمده بجنده في بعض غزواته. وكان إبراهيم فوق ذلك رضى الخلق، محبوباً من الشعب، جواداً يقصده الشعراء وينشدونه مدائحهم
стр. 331
فيجزل صلاتهم؛ وكان ممن مدحه شاعر العصر أبو عمر بن عبد ربه صاحب العقد الفريد، ومما قاله في مديحه:
ألا أن إبراهيم لجة ساحل ... من الجود أرست فوق لجة ساحل
فإشبيلية الزهراء تزهو بوجهه ... وقرمونة الغراء ذات الفضائل
إذا ما تحلت تلك من نور وجهه ... غدت هذه للناس في زي عاطل
واستمر إبراهيم بن حجاج في حكم إشبيلية وقرمونة، حتى توفي سنة ٢٩٨ هـ (٩١٠ م) (١) في سن الثالثة والستين، فخلفه في حكم إشبيلية ولده عبد الرحمن، وفي حكم قرمونة ولده محمد حتى انتهت دولتهم في بداية عهد الناصر (٢).
стр. 332
الفصل الرابع
ولاية عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن
٢ - ذروة الفتنة الكبرى
عود إلى ثورة المولدين. ابن حفصون يعود إلى الميدان. عود الصوائف إلى غزوه. إستيلاؤه عل إستجة. مسير أبان بن عبد الله لقتاله. المعارك في الجزيرة الخضراء. تحالف ابن حفصون ومحمد ابن لب. ابن حفصون يعلن اعتناقه النصرانية. تفرق أنصاره. التحالف بين ابن حجاج وابن حفصون. الحرب بين جند الأندلس وابن حفصون. هزيمة الثوار وانتهاء حلفه مع ابن حجاج. توالي الحملات والصوائف لقتال ابن حفصون. استقلال ابن مروان ببطليوس. ثورة ابن تاكيت في الثغر الأدنى. محاصرة جند قرطبة لماردة. الخلاف بين ابن مروان وابن تاكيت. وفاة ابن مروان واستمرار بنيه في حكم بطليوس. بنو ذو النون في طليطلة. استيلاء بني قسي عليها وحكمهم لها. سقوطها في يد ابن الطربيشة. بنو ذو النون في شرقي طليطلة. استيلاء ابن يحيى الأنقر على سرقسطة. بنو قسي في تطيلة وطرسونة. غزوات لب في ليون ونافار. وفاة لب وولاية أخيه عبد الله. ظهور محمد بن عبد الله الطويل في الثغر الأعلى. القتال بينه وبين بني قسي. أفول نجم بني قسي. غزوات الطويل في أراضي النصارى. مصرعه وذهاب دولته. الأمير عبد الله ومقارعته للثورة. انتهاز ملك ليون لمشاغل حكومة قرطبة. استيلاؤه على سمورة. ظهور ابن القط في أحواز طليطلة. زعمه بأن هو المهدي. القتال بينه وبين ملك ليون. مصرع ابن القط وتفرق شمله. تفاهم ملك ليون مع الثوار. افتتاح الجزائر الشرقية. وفاة الأمير عبد الله. خلاله وصفاته. صرامته وعدله وتقشفه. حجابه وقواده. اصطفاؤه للموالي. أولاده. مأساة ولديه محمد والمطرف. اغتيال المطرف لأخيه محمد. حكم عبد الله بإعدام المطرف. بطشه بأخوته. أقوال ابن حزم في صرامته وسفكه للدماء. صفة الأمير عبد الله وخلاله. أدبه وشاعريته. اصطفاؤه للعلماء والشعراء. شعراء العصر وأدباؤه وفقهاؤه.
لم تشغل ثورة القبائل العربية في إشبيلية وباجة وإلبيرة وتدمير وغيرها، حكومة قرطبة عن متابعة الجهاد لإخماد ثورة المولدين. وقد كانت ثورة المولدين في الواقع أخطر وأشد رسوخاً، وأبعد أثراً. وقد استطاع زعيم ثورة المولدين في الجنوب عمر بن حفصون، أن يستغرق معظم جهود حكومة قرطبة منذ أواخر عهد الأمير محمد، ولكن هزيمة الزعيم الثائر في موقعة بلاي (بولي) سنة ٢٧٨ هـ (٨٩١ م) وما ترتب عليها من تضعضع قواته، فلت من عزيمته ووضعت حداً مؤقتاً لطغيانه.
بيد أن حكومة قرطبة لم تركن إلى هذه الهدنة المؤقتة، فقد كانت تعرف
стр. 333
ابن حفصون وتعرف مبلغ خطره، ومقدرته على العدوان والبغي، وكان ابن حفصون من جانبه، يعمل جاهداً لتنظيم قواه واستكمال أهبته، لاستئناف صراعه المرير مرة أخرى.
ومن ثم فإنه لم يمض عامان على موقعة بلاي، حتى عادت الصوائف تتردد ْلغزو ابن حفصون ومطاردته. ففي سنة ٢٨١ هـ (٨٩٤ م) سار المطرف بن الأمير عبد الله في جند الأندلس إلى كورة ريه، وحاصر ابن حفصون في ببشتر معقله، وعاث في بسائطه. وآثر ابن حفصون في البداية أن يستعصم بمعقله، ثم خرج إلى لقاء المطرف فهزم، وقتل في هذه الموقعة حفص بن المرة أشجع قواد ابن حفصون وأشدهم مراساً (١). فلما عادت جند الأمير إلى قرطبة، عاد ابن حفصون يدبر خطط العدوان، ثم جمع جموعه وزحف على إستجة، واستولى عليها للمرة الثانية، وذلك في سنة ٢٨٤ هـ (٨٩٧ م) (٢). وإستجة تقع جنوب غربي العاصمة على مسافة غير بعيدة عنها، فبادر الأمير عبد الله باستقدام الجند من النواحي، وفي العام التالي (٢٨٥ هـ) سير ولده أبان لقتال ابن حفصون ومعه القائد أحمد بن أبى عبدة. واخترقت الحملة الجزيرة الخضراء، وعكفت على مهاجمة الحصون الخارجية حتى وصلت إلى طريف، ثم ارتدت إلى ببشتر ثم إلى أرشدونة ثم إلى إلبيرة وحصن شلوبانية؛ ونشبت بينها وبين قوات ابن حفصون عدة معارك محلية، ثم عادت إلى قرطبة عن طريق وادي آش (٣). ولكن هذه المعارك لم تسفر عن أية نتيجة حاسمة، واقتنعت حكومة قرطبة بأنه لا بد من مضاعفة الأهبة لكي تستطيع أن تضع حداً لعدوان الزعيم الثائر.
وفي سنة ٢٨٥ هـ (٨٩٨ م) عقد ابن حفصون ومحمد بن لب زعيم بني قسي حلفاً متبادلا، وأرسل محمد ولده لباً في بعض قواته إلى ابن حفصون ليوثق هذا التحالف؛ ولكن لباً لم يلبث أن تلقى نبأ موت أبيه أمام أسوار طليطلة، فغادر ابن حفصون دون أن يبرم أمراً، وهكذا فشل هذا التحالف قبل نضجه (٤)، وفي سنة ٢٨٦ هـ (٨٩٩ م) أعلن عمر بن حفصون اعتناقه للنصرانية هو وسائر
стр. 334
أفراد أسرته، واتخذ له إسماً نصرانياً هو صمويل، وكان أبوه قد فعل ذلك منذ أعوام، ولم يخلص عمر بن حفصون للإسلام قط، وكان يسرُّ النصرانية دائماً، ولم يمنعه من إعلانها سوى خوفه من تفرق أنصاره، وقد تحقق ماكان يخشاه إذ هجره كثير من أنصاره، وتبرأوا من فعلته، وخرج عليه بعض قواده المسلمين، وامتنعوا بحصونهم، وبعثوا بطاعتهم إلى الأمير، واشتد السخط عليه في شائر جنبات الأندلس، ورأى المسلمون في قتاله نوعاً من الجهاد (١). وحاول ابن حفصون من جانبه، أن يقوي مركزه بعقد محالفات جديدة، ففاوض ألفونسو الثالث ملك ليون وبني قسيّ، كما فاوض بعض أمراء المغرب، ولكن العون الحقيقي جاء من ناحية أخرى. ذلك أن إبراهيم بن حجاج سيد إشبيلية وقرمونة، لما ساءت العلائق بينه وبين الأمير عبد الله بسبب رفضه إطلاق سراح ولده، قطع الجزية، وأعلن استقلاله، وتحالف مع ابن حفصون (٢٨٨ هـ - ٩٠٠ م)، وغدا الإثنان قوة يحسب حسابها (٢).
وتوجست حكومة قرطبة شراً من هذا التحالف، فبعث الأمير إلى ابن حفصون يعرض عليه شروطاً مغرية للصلح، فقبل الثائر هذا العرض، وبعث إلى قرطبة أربع رهائن من أصحابه، منهم خازنه وحليفه سعيد بن مستنة الثائر من قبل في باغة Priego (٣) . بيد أنه لم يمض قليل على ذلك، حتى حدث خلاف في تنفيذ الشروط بين الفريقين، وعاد ابن حفصون فأعلن الخلاف وتأهب للحرب، وعاونه حليفه ابن حجاج بقوة من الفرسان، وسارت جند الأندلس بقيادة أحمد ابن أبي عبدة، وخرج ابن حفصون من إستجة التي اتخذها قاعدة لملاقاته. واشتبك الفريقان في "إستبة" الواقعة جنوبي إستجة، على مقربة من نهر شنيل، فهزم جند الأندلس في البداية، وقتل منهم بضع مئات، ولكنهم عادوا فكروا على قوات ابن حفصون بعنف، وأوقعوا بها هزيمة شديدة (٢٨٩ هـ - ٩٠٢ م)، وعلى أثر ذلك أمر الأمير عبد الله بقتل رهائن ابن حفصون، ما عدا ابن مستنة، إذ افتدى حياته بالخضوع والطاعة. وخشي إبراهيم بن حجاج على
стр. 335
ولده، ففاوض الأمير في الصلح، فأجابه إلى طلبه، وأطلق سراح ولده عبد الرحمن وعاد إلى سابق ولائه (١).
وتوالت حملات الأمير بعد ذلك على ابن حفصون. ففي سنة ٢٩١ هـ (٩٠٤ م) سار أبان بن الأمير عبد الله، ومعه القائد أحمد بن أبي عبدة إلى ريُّه، فعاث في تلك الناحية وهزم ابن حفصون في عدة مواقع. وفي العام التالي (٩٠٥ م) خرجت الصائفة لقتال ابن حفصون فاستولت على بعض حصونه، وأوقعت بقواته هزيمة شديدة في وادي بلون على مقربة من جيان، وقتل كثير من جنده (٢). وفي سنة ٢٩٥ هـ (٩٠٨ م) سارت جند الأندلس إلى ببشتر معقل الثائر، وعاثت في تلك المنطقة. وفي سنة ٢٩٧ هـ (٩١٠ م) سارت حملة قوية بقيادة أحمد بن أبي عبدة إلى كورة ريه، واشتبكت مع قوات ابن حفصون في عدة معارك شديدة، ثم سارت شمالا إلى حصون إلبيرة وجيان وحاصرت منتلون حيناً، وحاول ابن حفصون من جانبه أن يهاجم حصن جيان، فردته جند الأندلس وطاردته.
وفي العام التالي غزت جند الأندلس منطقة ببشتر مرة أخرى. ورد ابن حفصون بأن أغار وحليفه ابن مستنة، الذي خلع الطاعة مرة أخرى، على بسائط قبرة وبعض قرى قرطبة، فلقيته جند الأندلس وهزمته. وسارت في العام التالي (سنة ٢٩٩ هـ) حملة أخرى إلى ببشتر فعاثت في بسائطها (٣)، وهكذا استمرت حملات الأندلس متوالية متلاحقة على ابن حفصون زهاء ثلاثين عاماً. وبالرغم من أن حكومة قرطبة استطاعت أن تعمل باستمرار على مناهضته وإحباط خططه وإنهاك قواه، فإنها لم تفلح في القضاء عليه، وإخماد الحركة الثورية المضطرمة، التي استطاع أن يحمل لواءها بقوة وجلد وعزم لا مثيل لها.
- ٢ -
وقد أشرنا من قبل، إلى خروج عبد الرحمن بن مروان الجليقي بمدينة بطليوس منذ أيام الأمير محمد، وكيف أن حكومة قرطبة فشلت في إخضاعه، وانتهى الأمر باستقلاله ببطليوس وما جاورها. ولما تولى الأمير عبد الله، لم ير مناصاً من
стр. 336
إقراره على استقلاله بتلك القاعدة المنيعة؛ وهكذا لبث ابن مروان سيد بطليوس بلا منازع. فحصنها وجملها؛ وبسط حكمه على الأنحاء المجاورة، وكان من حلفائه في تلك المنطقة حسبما قدمنا يحيى بن يحيى بن بكر الثائر بمدينة شنتمرية الغرب (١) بولاية أكشونبة، وعبد الملك بن أبي الجواد الثائر بمدينة باجة Beja. وكان يحيى زعيماً مقداماً، فحصن شنتمرية، وأقام بها حكومة منظمة، وضبط الأمور وقمع أهل الشر (٢). وفي سنة ٢٧٦ هـ (٨٨٩ م) نكث ابن مروان بعهده، وعاون كريب بن خلدون الثائر باشبيلية، على مهاجمة المدينة ونهب أحوازها. ولم يمض قليل على ذلك حتى ثار البربر في الثغر الأدنى (٣) بزعامة محمد بن تاكيت المصمودي وزحف على ماردة في شرقي بطليوس، واستولى عليها، فسارت إليه الجند من قرطبة، فتقدم لإنجاده ابن مروان، ولبث الحصار مدة ارتحلت بعدها جند الأمير خائبة. وكان بماردة جموع من العرب والبربر من قبائل كتامة ومصمودة، فسعى ابن تاكيت في إخراج العرب وكتامة منها، واستقل بها مع شيعته. ولم يلبث أن ثار الخلاف بينه وبين جاره ابن مروان، ونشبت بينهما الحرب، فهزمه ابن مروان وظهر عليه. ثم توفي عبد الرحمن بن مروان بعد قليل، فخلفه في حكم بطليوس ابنه مروان، واشتد في مطاردة البربر، ولكن ولايته لم تدم سوى شهرين، فخلفه على بطليوس حفيد لابن مروان يدعى عبد الله، واستمر بنو مروان سادة بطليوس حتى انتزعها منهم عبد الرحمن الناصر سنة ٣١٧ هـ (٩٢٩ م)، وقضى على دولتهم (٤).
وكانت طليطلة قاعدة الثغر الأوسط، قد سقطت في يد بني ذى النون أيام المنذر. وكان بنو ذى النون من أكابر زعماء البربر في تلك المنطقة، وينتمون إلى قبيلة هوارة، وكان زعيمهم موسى بن ذى النون قد ظهر في عهد الأمير محمد،
стр. 337
واستقل بشنت برية حسبما ذكرنا من قبل. ثم زحف على طليطلة في قوة كبيرة من البربر، واستطاع بممالأة بعض زعمائها أن يستولي عليها، وذلك في سنة ٢٧٤ هـ (٨٨٨ م).
وحكم بنو ذى النون طليطلة بضعة أعوام، ثم غلبهم عليها محمد بن لب بن موسى كبير بني قسي وزعيم الثغر الأعلى، وكان بنو قسي قد فقدوا زعامتهم يومئذ في الثغر الأعلى بخروج سرقسطة من أيديهم ووقوعها في يد أبي يحيى التجيبي حسبما نذكر بعد، فتحولوا إلى الثغر الأوسط واستولوا على طليطلة سنة ٢٨٣ هـ (٨٩٧ م).
وبعث محمد بن لب ولده لبّا إلى أحواز جيان، فهاجم حصن قسطلونة واستولى عليه. والظاهر أن كانت ثمة لتلك الحملة علاقة بمشروع التحالف بين بني قسي وابن حفصون حسبما قدمنا، ولكن محمداً بن لب لم يلبث أن قتل بعد ذلك بعامين تحت أسوار سرقسطة، وهو يحاول انتزاعها من التجيبيين (١)، ولم يستطع ولده لب أن يستمر في حكم طليطلة فأبعد عنها حيناً. ولكن أهل طليطلة عادوا فدعوه إلى حكمها، فبعث إليهم أخاه المطرف فتولى حكمها. ثم خرج عليه محمد بن إسماعيل بن موسى من أبناء عمومته، فحكمها حتى مصرعه في سنة ٢٩٣ هـ (٩٠٦ م) قتيلا بيد أهلها. وعندئذ تولى حكم طليطلة زعيم من البربر المحليين هو ابن الطربيشة، وهو حليف ابن ذى النون، واستمر في حكمها حتى انتزعها منه عبد الرحمن الناصر في أوائل حكمه. واستمر بنو ذى النون أبناء موسى وهم الفتح ويحيى ومطرف بعد وفاة أبيهم، في حكم المناطق الواقعة في شرقي طليطلة، مثل إقليش ووبذة ثم قلعة رباح (٢) وغيرها، إلى نهاية عهد الأمير عبد الله وأوائل عهد الناصر. وكان مطرِّف أشهرهم وأنجبهم، وقد استمر معتصماً بوبذة حتى استنزله الناصر منها، ثم ولاه عليها واستقام بها شأنه، وحضر مع الناصر واقعة الخندق (٣). وكان لبني ذى النون هؤلاء فيما بعد شأن، وكانت لهم أيام الطوائف في طليطلة دولة سطعت مدى حين.
أما لُبُّ بن محمد فاستقر في تطيلة، وكان النزاع يضطرم في الثغر الأعلى منذ أعوام طويلة بين التجيبيين وبني قسي.
стр. 338
وتذكر لنا الرواية في أصل نباهة بني تجيب، أنه لما ثار بنو قسي في الثغر الأعلى، واحتلوا قواعده، نُوه للأمير محمد بن عبد الرحمن، بأولاد عبد العزيز ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن المهاجر التجيبي، فاستدعاهم، وبنى لهم قلعة أيوب على مقربة من سرقسطة، وعين لضبطها عبد الرحمن بن عبد العزيز التجيبي، وبنى لهم قلاعا حصينة في شميط ودَرَوْقه، وفُرتش، ونصبهم لمحاربة بني قسي، وعقد لهم على قومهم، وأجرى عليهم أرزاق الغزو.
ولما انتزع الأمير المنذر سرقسطة من محمد بن لب بن موسى في سنة ٢٧٠ هـ، توالى عليها عمال الأمير؛ وكان عليها في بداية عهد الأمير عبد الله واليها أحمد ابن البراء، فتظاهر محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز (وهو المعروف بأبي يحيى وبالأنقر) بمهاجمة والده عبد الرحمن والخروج عليه، والتجأ إلى سرقسطة تحت كنف ابن البراء وحمايته، وفي ذات يوم وثب بحاميه ابن البراء وقتله غيلة، واستولى على سرقسطة، وكان ذلك في رمضان سنة ٢٧٦ هـ (٨٨٩ م) وفقاً لرواية العذري، أو في سنة ٢٨٢ هـ (٨٩٥ م) وفقاً لرواية ابن حيان.
وكان وثوب أبي يحيى الأنقر بابن البراء على هذا النحو، فيما يبدو بتفاهم مع الأمير عبد الله، إذ كان يشك في ولاء حاكمه. ومن ثم فقد أقره الأمير عبد الله على حكم سرقسطة وأعمالها (١).
وحاول محمد بن لُبّ أن ينتزع سرقسطة من أبي يحيى، فهاجمها وحاصرها غير مرة، حتى قتل تحت أسوارها سنة ٢٨٥ هـ (٨٩٨ م) حسبما أسلفنا.
قال ابن حيان: " وهوى نجم القسويين (بني قسي) بعد مهلك محمد واعتورهم الإدبار، وغشيتهم دولة الجماعة، وجمع الثغر كله لأبى يحيى " (٢). ولبث أبو يحيى على استقلاله بسرقسطة، حتى وفاته في عهد الناصر سنة ٣١٢ هـ (٩٢٤ م).
ولما توفي محمد بن لُبّ، خلفه ولده لب في تطيلة وما جاورها. والظاهر أنه آثر يومئذ مهادنة الأمير والانضواء تحت لوائه، وأقره عبد الله على حكم تطيلة وطرسونة وما جاورها. وشغل لُب في الأعوام التالية بغزو أراضي النصارى
стр. 339
المجاورة، فغزا في سنة ٢٩٠ هـ (٩٠٣ م) أرض ليون واستولى على بعض حصونها، وهزم ألفونسو الثالث في معركة نشبت بينهما، ثم غزا ناحية بليارش Pallars، واستولى على حصون إيلاس وموله وقشتيل، وقتل بها كثيراً من النصارى. وفي العام التالي خرج لب لمحاصرة سرقسطة، وخرب ما حولها من القرى ولكنه لم ينل منها مأرباً. وفي سنة ٢٩٤ هـ (٩٠٦ م)، غزا لب نافار وزحف على طريق بنبلونة، فحشد سانشو (شانجه) ملك نافار كل قواته، ونشبت بين الفريقين معركة شديدة، هزم فيها لب وقتل كثير من جنده. وكان لب زعيماً مقداماً وافر الجرأة والشجاعة، وتوفي شاباً في الثانية والثلاثين من عمره، فكانت وفاته ضربة شديدة لسلطان بني قسيّ. وخلفه في تُطيلة أخوه عبد الله بن محمد بن لب (١)، وسار على أثره من الانضواء تحت لواء الأمير، ومتابعة الإغارة على أرض النصارى. وهنا ظهر على مسرح الحوادث في الثغر الأعلى زعيم جديد هو محمد بن عبد الملك بن شبريط المعروف بالطويل، وسمي بذلك لطوله الفائق. وكان بنو شبريط أو بنو شبراط من أكبر أسر المولدين بالثغر.
وكان منزلهم بوشقة وبربشتر (٢) وكان عميدهم شبريط قد ظهر في أواخر المائة الثانية في عصر الحكم بن هشام، وتغلب حيناً على وشقة. ولكن بني قسي غلبوا على تلك الأنحاء دهراً، وحجبوا بني شبريط وغيرهم من أعيان المولدين عن الظهور. فلما اضمحل شأن بني قسي، عاد بنو شبريط إلى الظهور، واستطاع الطويل أن يستقر في وشقة تراث أسرته، وذلك منذ بداية عهد الأمير عبد الله، ثم حاول أن يتوسع بالإغارة على بعض أملاك جيرانه بني قسي، فاستولى على لاردة، ولكنه اضطر إلى إعادتها إلى محمد بن لب باشارة الأمير عبد الله، ثم وقع الخلاف بينه وبين لب بن محمد على بعض الحصون المجاورة، ونشب بينهما قتال هزم فيه الطويل.
ومضت بعد ذلك عدة أعوام، شغل فيها الطويل على ما يظهر بمحاربة جيرانه النصارى في منطقة البرنيه، في أحواز نافار وجاقة، وسوبرابي وبليارش وغيرها.
ولما توفي لب بن محمد، رأى الطويل الفرصة سانحة لتنفيذ خطته ومشاريعه، فزحف على أراضي بني قسي مرة أخرى، واستولى على لاردة وبربشتر وحصن منتشون (٣).
стр. 340
(٢٩٥ هـ - ٩٠٧ م) وركد أمر بني قسي في الثغر من ذلك الحين. بيد أنهم استمروا في بعض القواعد والحصون حتى قضى الناصر على دولتهم في سنة ٣١٢ هـ (٩٢٤ م). أما الطويل فقد قوى أمره واشتد بأسه، وكان قد تزوج من دونيا سانشا الحسناء ابنة الكونت أسنار أحد سادة أراجون، وحفيدة غرسية إنيجيز ملك نافار. وتعرف الروايات النصرانية، من جراء هذه المصاهرة، محمداً الطويل معرفة حسنة، وتذكره بإفاضة وتسميه " الملك الطويل " (١). وعكف الطويل بعد ذلك على الإغارة على الأراضي النصرانية المجاورة، فخرج في سنة ٢٩٦ هـ (٩٠٨ م) إلى منطقة بليارش، وعاث فيها وقتل كثيراً من النصارى، واستولى على حصن روطة وهدمه، ثم استولى على حصن منت بطروش. وفي العام التالي خرج الطويل إلى منطقة بليارش مرة أخرى، وعاد مثقلا بالغنائم والسبي (٢).
ولما رأى عبد الله بن لب قوة الطويل واشتداد بأسه، آثر مهادنته، وفي أواخر سنة ٢٩٨ هـ (٩١١ م) تحالف الإثنان على غزو نافار والزحف إلى عاصمتها بنبلونة، وسار كل منهما في طريق مستقل، وأغار الطويل على بعض الحصون، وهدم الكنائس، ولكنه ارتد حينما علم بأن سانشو ملك نافار يسير لقتاله. وغزا عبد الله في طريقه حصوناً أخرى، وقتل وسبى كثيراً من النصارى. وفي العام التالي (٩١٢ م) غزا الطويل أراضي برشلونة ونشبت بينه وبين صاحبها الكونت سنير Sunier معركة هزم فيها الكونت وقتل كثير من أصحابه (٣)، ولكن الطويل لم يلبث أن قتل في العام التالي (٣٠١ هـ - ٩١٣ م). والظاهر أنه قتل خلال غزوة أخرى قام بها في قطلونية (٤)، فخلفه أولاده في حكم أراضيه (٥).
стр. 341
- ٣ -
وكان عهد الأمير عبد الله يدنو عندئذ من نهايته، ولم تشهد الأندلس منذ عهد عبد الرحمن الداخل فترة كهذه، عمت فيها الفتنة وسرى ضرامها إلى كل ولاية وقاعدة، ولم ينكمش سلطان الدولة الأموية بالأندلس قدر انكماشه في تلك الفترة.
وكان على الأمير عبد الله أن يكافح دون هوادة لإنقاذ الدولة والعرش من خطر الانهيار، فقضى حكمه الذي استطال خمسة وعشرين عاماً في سلسلة لا نهاية لها من الفتن والغزوات والمعارك المستمرة، مزقت خلالها أوصال المملكة، واهتزت أسس الدولة إلى الأعماق، ونضبت قواها ومواردها. وبالرغم من أن الأمير عبد الله لم يوفق إلى القضاء على الثورة في سائر النواحي، فإنه استطاع أن يقضي على الخطر الداهم، وأن يمزق شمل الثوار، وأن يستميل نفراً من أخطر زعمائهم، وأن يبسط سلطان العرش من الناحية الإسمية على الأقل، على بعض القواعد الهامة مثل إشبيلية وسرقسطة. وكان لهذه النتائج الأولى أثرها فيما بعد في عهد خلفه عبد الرحمن الناصر، في التمهيد للقضاء على عناصر الثورة، وتوطيد سلطان الدولة والعرش.
ويحاول الوزير المؤرخ ابن الخطيب أن يلقي ضوءاً على أسباب ذيوع الثورة في الأندلس في هذا العصر في قوله: " والسبب في كثرة الثوار بالأندلس يومئذ ثلاثة وجوه: الأول، منعة البلاد وحصانة المعاقل، وبأس أهلها بمقاربتهم عدو الدين، فهم شوكة وحدٌّ بخلاف سواهم. والثاني، علو الهمم، وشموخ الأنوف، وقلة الاحتمال لثقل الطاعة، إذ كان من يحصل بالأندلس من العرب والبرابرة، أشرافاً يأنف بعضهم من الإذعان لبعض. والثالث، الاستناد عند الضيقة والاضطرار إلى الجبل الأشم، والمعقل الأعظم من مَلِك النصارى، الحريص على ضرب المسلمين بعضهم ببعض. فكان الأمراء من بني أمية يرون أن اللجاج في أمورهم، يؤدي إلى الأضلولة، وفيها فساد الأموال، وتعذر الجباية، وتعريض الجيوش إلى الانتكاب، وأولياء الدولة إلى القتل. ولا يقوم السرور بغلبة الثائر، بما يوازنه من ترحة هذه الأمور " (١).
ولم تترك مقارعة الثورة لعبد الله فرصة للقيام بغزوات في أراضي النصارى.
стр. 342
وشغلت البعوث والصوائف كلها أعواماً متوالية، بمحاربة الخوارج والثوار في مختلف الأنحاء. ولم يقم النصارى من جانبهم بغزوات ذات شأن في الأراضي الإسلامية. وشغل ألفونسو الثالث ملك ليون (جليقية) الذي خلف أباه أردونيو على العرش في سنة ٨٦٦ م بتنظيم مملكته وتوطيد حدودها، منتهزاً فرصة الاضطراب الذي ساد المملكة الإسلامية. وكان من أعظم أعماله استيلاؤه على مدينة سمُّورة وهي من أمنع مدن الحدود الشمالية الغربية، وذلك في سنة ٢٨٠ هـ (٨٩٣ م) (١). وحصن ألفونسو سمورة وأسكنها النصارى، واتخذها قاعدة للإغارة على الأراضي الإسلامية المجاورة ومعظم سكانها من البربر (٢). ولما اشتدت الفتنة وعمت سائر النواحي، ظهر في أحواز طليطلة وطلبيرة، أحمد بن معاوية المعروف بابن القط، وهو من ولد هشام بن عبد الرحمن، ودعا لنفسه بين البربر في تلك الأنحاء، وزعم أنه المهدي، وكان عالماً ومشعوذاً وافر الذكاء والعزم، فالتفت حوله جموع غفيرة من البربر، وأعلن الجهاد وقصد إلى سمورة لافتتاحها، وكتب إلى ألفونسو رسالة عنيفة يدعوه فيها إلى الإسلام وينذره بالويل إذا أبى. وكان ألفونسو يومئذ في قواته على مقربة من سمورة، فسار إلى لقاء المهدي وقواته، ودارت الموقعة في مخائض نهر دويرة أمام سمورة، فهزم النصارى أولا وارتدوا، وحاصر المهدي سمورة. ولكن حدث عندئذ أن انسحب زعماء البربر في قواتهم خشية من تفوقه عليهم وغدره بهم. وصمد ابن القط فيمن بقى معه، ثم نشبت بينه وبين النصارى موقعة ثانية قاتل فيها ببسالة حتى قتل ومزقت قواته، واحتز رأسه وسمر فوق أحد أبواب سمورة. وكان ذلك في شهر رجب سنة ٢٨٨ هـ (يوليه سنة ٩٠١ م) وبذا انهارت حركته ووطد ألفونسو سيادته في تلك الأنحاء (٣).
وكان ألفونسو الثالث يعمل على انتهاز كل فرصة لإذكاء الفتنة والاضطراب في المملكة الإسلامية، وكان يقصده الثوار وفي مقدمتهم عميدهم ابن حفصون، للتحالف معه ضد حكومة قرطبة؛ واستدعاه أهل طليطلة في أواخر عهد الأمير
стр. 343
عبد الله ودفعوا إليه الجزية، واستولى في عودته على بعض الحصون. وكانت هذه أول غزوة للنصارى على ضفاف نهر التاجُه، بيد أنها كانت غزوة عابرة ولم تخلف أثراً ثابتاً. وأما الثغر الأعلى فقد كان بنو قسيّ، وفي مقدمتهم لب بن محمد بن لب، يحاربون ألفونسو ويحاربهم من وقت إلى آخر.
وكان من الحوادث البارزة في عهد الأمير عبد الله افتتاح الجزائر الشرقية (جزائر البليار). وقد رأينا فيما تقدم كيف أرسل عبد الرحمن بن الحكم في سنة ٢٣٤ هـ (٨٤٨ م) حملة بحرية إلى ميورقة لغزوها، ومعاقبة أهلها على تعرضهم لسفن المسلمين وكيف تعهد أهلها بالجزية والولاء. وفي أواخر عهد الأمير عبد الله في سنة ١٩٠ هـ (٩٠٣ م) سار عصام الخولاني إلى ميورقة في قوة بحرية من المجاهدين، فحاصرها تباعاً، وكان عصام قد حملته الرياح قبل ذلك وهو في طريقه إلى الحج إلى ميورقة فعرفها، واختبر أحوال هذه الجزائر الغنية، وأدرك سهولة فتحها وعرض مشروعه على الأمير عبد الله، فأقره وأمده بالسفن والقطائع. ولما وفق إلى فتحها أقره الأمير على ولايتها. ومن ذلك الحين تدخل الجزائر الشرقية في حظيرة المملكة الإسلامية (١).
وكان أيضاً من الحوادث البارزة في هذا العهد الحافل بالخطوب والمحن، المجاعة الشديدة التي وقعت في سنة ٢٨٥ هـ (٨٩٨ م) والتي قاست الأندلس منها الشدائد والأهوال.
- ٤ -
وتوفي الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن في مستهل ربيع الأول سنة ٣٠٠ هـ (أكتوبر سنة ٩١٢ م) في الثانية والسبعين من عمره، بعد أن حكم خمسة وعشرين عاماً ملؤها الاضطراب والفتن. وكان أميراً ورعاً جم التقشف والتواضع، جواداً محباً للخير، كثير البر بالفقراء وذوي الحاجات، يفرز لهم سهماً من مال الجبايات (٢)، عالماً أديباً فصيحاً رفيع البيان، ينظم الجيد من الشعر. وكان بالرغم مما شغله، طوال حكمه من الفتن والخطوب، شديد العناية بشئون الحكم وتوطيد أركانه، وتعرف أحوال الشعب ورغباته، وكان من أشد الناس حرصا على
стр. 344
إقامة العدل، وقمع الظلم والبغي، وسحق الظلمة. وكان يجلس للفقراء يوماً في كل أسبوع بباب أنشأه عند ركن القصر خصيصاً لذلك وسماه باب العدل، ليقضي في مظالم الناس بنفسه، وليستمع إلى كل ذي حاجة ومظلمة، وأنشا باباً حديدياً يتمكن الناس بواسطته من تقديم شكاويهم وظلاماتهم حتى لا يحرم بذلك ضعيف من مخاطبته (١). وكان لصرامته وشدة وطأته على الطغاة وأهل السلطان، أثر كبير في شيوع العدل في عهده، والحد من بغي ذوي الجور والظلم، كما كان لبالغ تقواه وتواضعه، واحتشامه وتقشفه في حياته الخاصة، وفي مظاهره وحياته الملوكية، أثر كبير في تقويم الأخلاق ودعم الفضيلة، والاقتصاد في اللهو والملاذ، في عصر كثرت فيه الخطوب والمحن.
وتولى الحجابة في بداية عهد عبد الله، عبد الرحمن بن أمية بن شهيد حاجب أخيه المنذر، ثم تولاها من بعده سعيد بن محمد بن السليم حيناً، ثم عزله عبد الله في أواخر عهده، ولم يول أحداً من بعده لحجابته، واقتصر في تدبير شئون الدولة على الوزراء والكتاب، وبالأخص على بدر الخصي الصقلبي وكان يؤثره ويوليه ثقته (٢).
وكان من حسن الطالع أن استطاع الأمير عبد الله، أن يعتمد في مواجهة الفتنة
الغامرة التي أحاقت بعرشه وملك أسرته، على عون نفر من أكابر رجال الحرب
والسياسة، الذين أبدوا في معالجة الخطوب مقدرة فائقة. وكان في مقدمة أولئك
الرجال بنو عَبْدة وهم من صميم موالي بني أمية. وقد تولى عدة منهم الوزارة
والقيادة للأمير عبد الله، ومنهم عبيد الله محمد بن أبي عبدة، الظافر في موقعة
بلاي، وأحمد بن محمد بن عيسى بن أبي عبدة، وسلمة بن علي بن أبي عبدة،
وقد اضطلع كلاهما بقيادة كثير من الصوائف. وينسب أعظم الفضل إلى هؤلاء
القادة في مقارعة الفتنة، وإنقاذ العرش والدولة (٣). وتولي القيادة والوزارة منهم
أيضاً عبد الرحمن بن حمدون بن أبي عبدة، وعبد الله بن محمد بن أبي عبدة ولد
القائد الشهير (٤). وكان من وزراء الأمير عبد الله أيضاً، عبد الملك بن عبد الله
стр. 345
ابن أمية، وقد قتله ولده المطرف أثناء حملة إشبيلية حسبما أسلفنا. والزعيم البربري سليمان بن وانسوس وزير أبيه من قبل، وكان من أقدر وزرائه وأعقلهم، عزله عن الوزارة ثم اضطر لإعادته للإستعانة بخبرته ونصحه (١).
وكان الأمير عبد الله، إلى جانب هؤلاء الوزراء والقادة، الذين يمثلون العصبية العربية أو البربرية، يعتمد على ولاء الموالي والفتيان، ويقدم الموالي الشاميين على البلديين، أسوة بما رتبه أبوه الأمير محمد، وكان من زعماء الفتيان في بلاطه ريّان صاحب الطراز، وبدر الوصيف وزميله أفلح. وسنرى فيما بعد كيف نما نفوذ أولئك الفتيان في بلاط قرطبة، واستفحل في عهد الناصر حتى غلب على كل نفوذ آخر (٢).
ورزق الأمير عبد الله من الولد إثنا عشر إبناً وثلاثة عشر بنتاً (٣). ووقعت داخل الأسرة الملكية في عهده عدة حوادث محزنة أسبغت على اسمه وخلاله سحباً قاتمة. من ذلك مصرع ولديه محمد والمطرّف. وكان محمد أكبر أبنائه وولى عهده، وكان أخوه الأصغر مطرف يحقد عليه، ويرى أنه أحق بولاية العهد لما كان والده يحبوه به من ثقته، ويعهد إليه به من جلائل الأمور والغزوات، فما زال يدس في حق أخيه ويغري أباه عليه ويتهمه بممالأة الثوار، والاتصال بابن حفصون، حتى توجس منه أبوه الأمير شراً، وأمر باعتقاله في جناح من القصر. ولما تواترت الأدلة بعد ذلك على براءته، واعتزم عبد الله إطلاق سراحه، بادر مطرف إليه في معتقله، وأثخنه طعاناً حتى أجهز عليه. وهنا تختلف الرواية فيقال إن الأمير عبد الله حزن أشد الحزن لمصرع ولده الأكبر، وهم بقتل أخيه وقاتله مطرف، لولا أن ثناه عن ذلك رجال دولته، ويقال من جهة أخرى إن مطرِّفاً لم يرتكب جريمته إلا بوحي أبيه وموافقته (٤). وكان مصرع محمد في شوال سنة ٢٧٧ هـ
стр. 346
(٨٩١ م) وهو في السابعة والعشرين من عمره، فتولى أبوه عبد الله كفالة ولده الرضيع عبد الرحمن، وكان قد مضى على مولده ثلاثة أسابيع فقط، وأسكنه معه في قصره، ولما بلغ أشده وظهرت نجابته، عنى بتعليمه وتربيته، وقربه إليه وأولاه ثقته ثم جعله كاتب سره (١). وقد شاء القدر أن يخلف الطفل اليتيم فيما بعد جده على العرش، وأن يغدو أعظم خلفاء الأندلس.
ولم تذهب جريمة المطرف دون عقاب. ذلك أنه لم تمض بضعة أعوام حتى ساءت العلائق بين مطرف وبين أبيه، ولما سار المطرف على رأس الصائفة إلى إشبيلية في سنة ٢٨٢ هـ (٨٩٥ م)، ومعه الوزير عبد الملك بن أمية، وثب المطرف بالوزير لعداوة بينهما وقتله، وأثمر سعي خصوم المطرف هذه المرة، وصُور لأبيه كما صور أخوه من قبل، في صورة الخارج عليه المتربص به، فقضى بإعدامه، وقطع رأسه وبذا كفر عن دم أخيه ودم الوزير (٢).
واستراب عبد الله أيضاً بإخوته، وقد أشرنا فيما تقدم إلى ما قيل من أن أخاه المنذر توفي قتيلا، وأنه هو الذي أوحى إلى طبيبه بتدبير قتله. وبطش عبد الله بأخوين آخرين له هما هشام والقاسم ابنا محمد بن عبد الرحمن. فأما هشام فاتهم بالتآمر على أخيه، فقبض عليه وقضى بإعدامه (٢٨٤ هـ). وأما القاسم فقبض عليه وزج إلى السجن، ثم دس عليه عبد الله من قتله بالسم. واعتقل كذلك عدة من أمراء بني أمية وأكابر رجال الدولة، وقتل بعضهم. وقد أسبغت هذه الوقائع الدموية سحابة قاتمة على خلال الأمير عبد الله وسيرته، ولم ينجح في محوها ورعه وزهده وحبه للخير. وقد نعى عليه الفيلسوف ابن حزم هذا الإسراف في البطش في أقوال استشهد بها ابن حيان وغيره من مؤرخي الأندلس، وجاء فيها أن الأمير عبد الله " كان قتالا تهون عليه الدماء، مع الذي كان يظهره من عفته، فإنه احتال على أخيه المنذر على إيثاره إياه، وأوطأ عليه حجامه بأن سم له المبضع الذي فصده به وهو نازل بعسكره على ابن حفصون، فكانت فيه منيته وتطوق دمه.
ثم قتل ولديه معاً بالسيف واحداً بعد آخر، محمداً والد الخليفة الناصر لدين الله،
стр. 347
وأخاه عدوه المطرف؛ ثم قتل أخوين له معاً أيضاً، قتل هشاماً بالسيف، والقاسم أخاه بالسم، إلى من قتله غيرهم " (١).
وتجمل الرواية خلال الأمير عبد الله وصفاته في العبارات الآتية: " وكانوا يعدونه من أصلح خلفاء بني أمية بالأندلس، وأمثلهم طريقة، وأتمهم معرفة، وأمتنهم ديانة، لكنه كان منغص الحال بدوام الفتنة، وتضييق نطاق الخطة، ونقصان مقدار التزكية، حتى كان يتخلله الرياء تحت قناع تقواه، والبخل يطوقه طبيعة ليست له تحط من قدره " (٢) ويزيد ابن حيان على ذلك قوله: " وغمصوا دينه بما كان من هون الدماء عليه، وإسراعه إلى سفكها، حتى من ولديه وإخوته ومن خلفهما من صحابته ورعيته، أخذاً لأكثرهم بالظنة، مقوياً في إيثامهم بالشبهة " (٣).
وكان للأمير عبد الله بالرغم من هذا الجانب المظلم، خلال مشرقة، منها أدبه
وفصاحته وشاعريته. وتنوه الرواية بهذه الموهبة فيقول لنا صاحب أخبار مجموعة،
إن الأمير عبد الله كانت له توقيعات بليغة، وأشعار بديعة في الغزل والزهد،
لا يكاد أن يقع مثلها أو تنسب إلى من تقدْمه نظيرها (٤). ويقول ابن حيان " كان
متصرفاً في فنون، متحققاً منها بلسان العرب، بصيراً بلغاتها وأيامها، حافظاً
للغريب من الأخبار، آخذاً من الشعر بحظ وافر " (٥). ويقول صاحب البيان المغرب
إنه كان شاعراً مطبوعاً له أشعار حسان (٦)، ومن شعره في الغزل قوله:
يا مهجة المشتاق ما أوجعك ... ويا أسير الحب ما أخشعك
ويا رسول العين من لحظها ... بالرد والتبليغ ما أسرعك
تذهب بالسر فتأتي به ... في مجلس يخفى على من معك
стр. 348
كم حاجة أنجزت إبرازها ... تبارك الرحمن ما أطوعك
وقوله:
ويحى على شادن كحيل ... في مثله يخلع العذار
كأنما وجنتاه ورد ... خالصة النور والبهار
قضيب بان إذا تثنى ... يدير طرفاً به أحوار
فصفو ودى عليه وقف ... ما اطّرد لليل والنهار
ومن قوله في الزهد:
يا من يراوغه الأجل ... حتى م يلهيك الأمل
حتى م لا تخشى الردى ... وكأنه بك قد نزل
أغفلت عن طلب النجاة ... ولا نجاة لمن غفل
هيهات يشغلك المنى ... ولا يدوم لك الشغل
فكأن يومك لم يكن ... وكأن نعيك قد نزل
وكان يؤثر مجالس العلماء والشعراء، ويعظمهم ويقربهم ويستدعيهم، ويرتاح لمديحهم. قال ابن حيان: " وكان مجلس الأمير عبد الله قبل الخلافة وبعدها، أعمر مجالس للفضائل، وأنزهها من الرذائل، وأجمعها لطبقات أهل الآداب والتعالم ". وكان في مقدمة أصدقائه وجلاسه زعيم شعراء العصر، أبو عمر أحمد ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد؛ وكان شاعر الدولة الأموية، ومادح أمرائها منذ الأمير محمد حتى الناصر؛ وموسى بن محمد بن حُدير المعروف بالزهد؛ وسعيد بن عمرو العكي؛ وعبيد الله بن يحيى بن إدريس الخالدي، وسعيد ابن عبد ربه ابن أخي صاحب العقد؛ وكلهم من أكابر الشعراء والكتاب.
وكان من أخص وزرائه في تلك المجالس العلمية، الوزيران العالمان الأديبان عبد الملك بن جَهور، وعبد الملك بن شُهيد. وكان من عادته أن يلجأ إلى العلماء وأهل الرأي في المشورة، ويستعين بآرائهم وأحكامهم فيما يواجه من أحداث وخطوب، وكان بقيّ بن مخلد فقيه العصر وأعظم علمائه أكثرهم حظوة لديه، وكان يبجله ويزوره في داره، ويقتبس منه، ويستمع لنصحه (١).
стр. 349
ولم يتسع عهد الأمير عبد الله الفياض بالثورات والفتن للأعمال الإنشائية، بيد أنه يمكن أن نذكر من منشآته القليلة " الساباط " الموصل بين القصر والمسجد الجامع، وهو عبارة عن ممر مسقوف مبني فوق عقد كبير يفضي من القصر إلى الجامع، ويتصل به على مقربة من المحراب.
وكان الأمير عبد الله بن محمد، أبيض، أصهب، مشرباً بحمرة، أزرق العينين، أقنى الأنف، يخضب بالسواد، إلى الطول أميل (١). ووصفه ابن حيان بقوله: " كان جميل الطلعة، ضخماً، مهيباً، نبيلاً " (٢).
стр. 350
الفصل الخامس
المملكة الإسبانية النصرانية خلال القرن التاسع الميلادي
ألفونسو الثاني ملك جليقية. النضال بين الأندلس وبين المملكة النصرانية. موقعة الصخرة. غزو ألفونسو للأراضي الإسلامية. غزو الحكم لجليقية. غزو المسلمين لألبة والقلاع. راميرو الأول. الحرب الأهلية في جليقية. غزو محمد بن عبد الرحمن لجليقية. وفاة راميرو وولاية ولده أردونيو. تحالف أردونيو مع الثوار المسلمين. غزو الأمير محمد لألبة والقلاع. التحالف بين موسى بن موسى وملك نافار. الحرب بين أردونيو وبني قسي. هزيمة موسى ومصرعه. تحالف لب بن موسى مع أردونيو. غزو أردونيو لأراضي المسلمين. غزوة المنذر بن محمد لنافار. غزوات أخرى لألبة والقلاع. وفاة أردونيو وولاية ولده ألفونسو الثالث. الحرب الأهلية في جليقية. اتساع المملكة النصرانية في عهد ألفونسو الثالث. توغله في أراضي المسلمين. عقد السلم بينه وبين محمد بن عبد الرحمن. أحوال المملكة النصرانية. نفوذ الكنيسة في توجيه العرش الإسباني. معارك بين المسلمين والنصارى. الثورة ضد ألفونسو. نزوله عن العرش. وفاته وخلاله. مملكة نافار. أصلها ونشأتها. مدافعة البشكنس عن استقلالهم. تحالف نافار مع بني قسي. المصاهرة بين الأسرتين. التنافر بين نافار وليون. سانشو ملك نافار. الحرب بين سانشو وبني قسي.
- ١ -
تحدثنا فيما تقدم عن نشأة المملكة الإسبانية النصرانية عقب افتتاح المسلمين لاسبانيا، كيف نمت هذه المملكة الوليدة المحتجبة فيما وراء الجبال الشمالية، بخطوات بطيئة ولكن ثابتة، وكيف شغل عنها ولاة الأندلس فلم ينهضوا لسحقها، انتقاصاً لشأنها وخطرها، حتى غدت في أواخر القرن الثامن عاملا يحسب حسابه، وبدأت حكومة قرطبة تنظر إلى هذه القوة الجديدة التي توالت غزواتها للأراضي ْالإسلامية بعين الاهتمام والتوجس، وتخصص لمقارعتها شطراً كبيراً من جهودها ومواردها.
وقد انتهينا في أخبار هذه الحقبة من تاريخ المملكة الإسبانية النصرانية، إلى عصر ألفونسو الثاني الملقب بالعفيف، الذي تولى الملك سنة ٧٩١ م (١٧٥ هـ).
стр. 351
وكان ألفونسو الثاني ملكاً حازماً مقداماً، فضبط المملكة ونهض بها نهضة شاملة، وحصن ثغورها وقواعدها، وعمل على تحسين شئونها الاجتماعية، وجعل عاصمتها مدينة "أوبييدو" Oviedo. وكانت مملكة جليقية أو مملكة أشتوريش (أستورياس) كما كانت تسمى يومئذ، تمتد من ولاية بسكونية شرقاً إلى المحيط غرباً، ومن خليج بسكونية شمالاً حتى نهر دويرة جنوباً، ولكنها لم تكن عندئذ كما كانت أيام ألفونسو الكاثوليكي تشمل ولاية نافار أو بلاد البشكنس، التي استطاعت أن تستقل بنفسها، وقامت بها غير بعيد مملكة نصرانية مستقلة أخرى.
واستطال حكم ألفونسو الثاني زهاء نصف قرن. عاصر فيه ثلاثة من أمراء الأندلس، هم هشام بن عبد الرحمن، وولده الحكم، وحفيده عبد الرحمن، وتوالت فيه مراحل النضال بين الأندلس والمملكة النصرانية، فنشبت الحرب بينهما مراراً عدة، وتبادلا الغزو كلٌّ لأراضي الآخر مراراً؛ وكانت أهم الأحداث البارزة في حلقات هذا النضال، هزيمة الجلالقة والبشكنس بقيادة ألفونسو الثاني على يد المسلمين في موقعة الصخرة في قاصية جليقية في سنة ٧٩٥ م (١٧٩ هـ).
وفي سنة ٨١٠ م (١٩٣ هـ) في عهد الحكم بن هشام عبر ألفونسو الثاني بقواته نهر دويرة، وغزا الأراضي الإسلامية، وتوغل في سيره حتى قُلُمرية وأشبونة، وعاث في تلك الأنحاء أيما عيث، ورد الحكم على ذلك بنفسه في صيف العام التالي غازياً إلى جليقية، وتوغل في منطقة وادي الحجارة، وأثخن في تلك الأنحاء عقاباً للنصارى وزجراً لهم على عدوانهم.
وفي عهد عبد الرحمن بن الحكم سارت الجيوش الأندلسية، بقيادة الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث في سنة ٨٢٣ م (٢٠٨ هـ)، غازية إلى ألبة والقلاع، على أثر غزو ألفونسو الثاني للثغر الأعلى، وإغارته على مدينة سالم، وهزم المسلمون النصارى في عدة مواقع، وعاثوا في أراضي جليقية، وخربوا مدينة ليون، وأملوا على النصارى صلحاً شديداً قاسياً (١).
ولما توفي ألفونسو الثاني في سنة ٨٤٢ م، خلفه على العرش ولده راميرو الأول أو رذمير كما تسميه الرواية الإسلامية. على أنه لم يخلفه دون نضال. ذلك أن
стр. 352
راميرو حينما توفي أبوه كان في ولاية بردوليا الشرقية، التي عرفت فيما بعد بقشتالة (كاستيليا) Castilla نظراً لكثرة قلاعها، يرقب حركات المسلمين. وكان عبد الرحمن بن الحكم يقوم عندئذ بغزوته الكبرى في الثغر الأعلى، ويثخن في بلاد البشكنس، وكان ألفونسو يخشى أن يتدفق هذا السيل المخرب إلى أحواز جليقية، ولكن عبد الرحمن ارتد إلى قرطبة بعد أن غزا بنبلونة، وخربها، وسحق البشكنس وحلفاءهم ثوار الثغر الأعلى. وتوفي ألفونسو بعد ذلك بقليل؛ فوثب في أوبييدو زعيم من الأشراف يدعى الكونت ريوتيانوس واستولى على العرش؛ وعلم راميرو بذلك وهو في بردوليا فهرع إلى جليقية، وجمع جيشاً في مدينة " لك " وسار الى أشتوريش ليقاتل المغتصب. ولقيه ريوتيانوس في قواته على ضفاف نهر نارسياس، وما كادت المعركة تضطرم بين الفريقين، حتى هجر ريوتيانوس معظم جنده، وهزم هزيمة شديدة، وقبض عليه، وسملت عيناه، واعتقل بقية حياته في أحد الأديار؛ واسترد راميرو عرشه، وأطاعته سائر جليقية وأشتوريش.
ولكن علاقة العرش بالأشراف لبثت على توترها، ولم تمض أعوام قلائل حتى دبر الأشراف ثورة جديدة ضد راميرو (٨٤٥ م). ثم تلتها في سنة ٨٤٨ م ثورة أخرى، واستطاع راميرو في كل مرة أن يخمد الثورة، وقبض على معظم الزعماء والخوارج وأعدم الكثير منهم.
ومما تجدر ملاحظته بهذه المناسبة أن حكومة قرطبة كانت في معاملتها للزعماء الخوارج عليها، تبدو أكثر اعتدالاً وتسامحاً. فقد كانت تعفو أحياناً عن الثوار، وكانت تؤثر اصطناع القادرين والأكفاء منهم، وكانت في عقابهم أقل قسوة ونكالاً. وقد يرجع ذلك إلى ظروف الأحوال في الأندلس، فقد كانت الثورات شعبية أو قبلية على الأغلب. أما في جليقية فكان زعماء الثورة من الأشراف والزعماء الإقطاعيين الأقوياء، وكان خطرهم على العرش أشد وأدعى إلى التوجس والحذر (١).
وشغلت المملكة النصرانية في بداية عهد راميرو، كما شغلت المملكة الإسلامية، برد خطر النورمانيين الذين فاجأوا الأندلس بغارتهم المخربة في سنة ٨٤٢ م حسبما
стр. 353
أسلفنا. وشغلت حكومة قرطبة بالأخص حيناً بتحصين أطراف المملكة، وإصلاح ما تخرب من أعمالها. وما كاد أمير الأندلس عبد الرحمن بن الحكم ينتهي من ذلك، حتى نشط إلى استئناف غزو المملكة النصرانية ورد غارات النصارى، فسير ولده محمداً في سنة ٨٤٧ م إلى جليقية فاخترق بسائطها، وحاصر مدينة ليون، وعاث في تلك المنطقة. وتقول بعض الروايات النصرانية، إن المسلمين التقوا براميرو على مقربة من مدينة سالم، وهزموه هزيمة شديدة، واستولوا على عدد من الحصون، وعلى كثير من الغنائم والأسرى. وفي رواية أخرى أن راميرو التقى بالمسلمين على مقربة من كلافينجو بجوار قلهرّة، وأنه هزمهم بالرغم من قلة جنده، وتنسب هذا النصر إلى خرافة خلاصتها أن راميرو رأى القديس ياقب في نومه ليلة المعركة ووعده بالنصر (١). على أن الروايات الإسلامية لا تذكر شيئاً من هذه الموقعة وهذا النصر المزعوم.
وأنفق راميرو بقية عهده القصير في العمل على تنظيم شئون مملكته وتوطيد الأمن فيها، وأنشأ عدداً من الكنائس والأديار، ثم توفي في ديسمبر سنة ٨٥٠ م بعد حكم دام نحو ثمانية أعوام، تاركاً عرش أشتوريش وبردوليا لولده أردونيو.
- ٢ -
وتولى أردونيو عرش المملكة النصرانية عقب وفاة أبيه بقليل، وبدأ أعماله بتحصين المدن المتاخمة لحدود المسلمين، مثل تودة وليون وأسترقة، وأصلح باقي القلاع والحصون تأهباً للدفاع، وأخمد الثورة في ولاية بسكونية، وفرض عليها سلطانه. ولما ظهرت أعراض ثورة المولدين في الأندلس في بداية عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وقامت طليطلة بثورتها على حكومة قرطبة، أرسل أردونيو مدداً إلى الثوار، ولكن جيش الأندلس هزم الثوار وحلفاءهم النصارى في موقعة وادي سليط شر هزيمة (٨٥٤ م). وفي العام التالي غزا الأمير محمد ألبة والقلاع وعاث فيها، ولكن الأندلس شغلت بعد ذلك بظهور النورمانيين وغزوهم لثغور الأندلس وبسائطها القريبة، فوقف سير الصوائف إلى الشمال بضعة أعوام.
ولكن أردونيو كان يواجه عندئذ خطر قوة جديدة، أخذت تنمو وتشتد في الولايات الشمالية. ذلك أن موسى بن موسى بن قسيّ، استطاع أن يبسط سلطانه
стр. 354
على الثغر الأعلى؛ وأن ينشىء فيه إمارة مستقلة قوية، واقترن غرسية أمير نافار بابنة موسى وتحالف معه، ليستعين به على مقاومة المسلمين، ومقاومة جيرانه النصارى من الغرب. وفي أوائل عهد الأمير محمد، عبر موسى جبال البرنيه بقواته، وغزا جنوبي فرنسا، واضطر ملكها شارل الأصلع إلى مهادنته ومسالمته، وأغدق عليه الهدايا والتحف. ولما رأى أردونيو نهوض قوة موسى وخطرها عليه، اضطر أن يسعى إلى محالفته، ولكنه ما لبث أن تركه مغضباً إذ كان موسى يؤازر البشكنس الثائرين عليه بتحريض صهره أمير نافار، ولم ير أردونيو في النهاية بداً من مخاصمة موسى ومحاربته، وهاجم أردونيو بعض الحصون الغربية التابعة لموسى، فسار موسى لقتاله ومعه صهره غرسية ملك نافار في قواته، ونشبت بين الفريقين معركة شديدة هزم فيها موسى وجرح وقتل صهره غرسية. ثم توفي موسى متأثراً بجراحه (٨٦٢ م). وكانت ضربة شديدة أصابت سلطان بني قسيّ في الشمال.
ولما شعر لب بن موسى عقب وفاة أبيه بقوة المملكة النصرانية، وخطرها، على سلطان أسرته، سعى إلى مهادنة أردونيو ومحالفته على قتال المسلمين، وردهم عن الولايات الشمالية.
وانتهز أردونيو فرصة اشتغال حكومة قرطبة بأمر النواحي الثائرة، فعبر نهر دويرة بقواته، وغزا مدينة قورية وأسر واليها، ثم غزا شلمنقة، وهزم المسلمين، وعاث في تلك الأنحاء (١). فسير محمد جيشاً إلى الشمال بقيادة ولده المنذر، فاخترق ألبة والقلاع، وهزم النصارى في كل موطن، ووصل إلى بنبلونة، وعاث في نواحيها. وتوالت حملات الأندلس بعد ذلك على ألبة والقلاع، ونشبت بين المسلمين وأردونيو معارك متعاقبة، هزم فيها النصارى جميعاً حسبما فصلنا ذلك في موضعه (٢). وأراد محمد أن يقضي نهائياً على مملكة جليقية فسير السفن إلى المياه الغربية لغزوها من البحر، ووصل الأسطول الأندلسي بالفعل إلى مصب نهر منهو، ولكن العواصف ثارت وحطمت السفن، وفشل المشروع في المهد (٨٦٦ م).
ولزم أردونيو عقب هزائمه المتوالية السكينة بقية عهده، ثم توفي في شهر مايو
стр. 355
سنة ٨٦٦ م، واختار قبيل وفاته ولده البكر ألفونسو لولاية عهده، فخلفه على العرش باسم ألفونسو الثالث ولما يبلغ الرابعة عشر من عمره.
- ٣ -
وما كاد الملك الفتى يجلس على العرش، حتى ثار عليه الكونت فرويلا حاكم ولاية جليقية وولد الملك برمند، مطالباً بالعرش، وسار في قواته إلى أوبييدو، ففر ألفونسو إلى ولاية ألبة، واستولى فرويلا على القصر، وأعلن نفسه ملكاً.
ولكن الأشراف القوط الذين يرون في العرش رمزهم وملاذهم، لم يرقهم هذا الاغتصاب، فثاروا على فرويلا وقاتلوه حتى قتل، وعاد ألفونسو إلى أوبييدو ظافراً واسترد عرشه.
ولم يمض قليل على ذلك حتى دبر أخوة ألفونسو، وهم فرويلا ونونيو وبرمند وأدفاريوس مؤامرة لعزله وانتزاع العرش منه، ولكن المؤامرة افتضحت قبل نضجها، وقبض ألفونسو على أخوته وعاقبهم بسمل أعينهم واعتقالهم، ولم ينج من بطشه سوى برمند إذ فر إلى أسترقة واستولى عليها، واستطاع بمؤازرة المسلمين أن يستقل بحكمها بضعة أعوام (١).
وكان حكم ألفونسو الثالث الذي استطال أربعة وأربعين عاماً، فاتحة عهد جديد من القوة والنهوض بالنسبة للمملكة النصرانية، وكان ألفونسو أميراً وافر العزم والكفاية، فاستطاع خلال حكمه الطويل بالحروب والزواج أن يدفع حدود مملكته حتى جبال البرنيه شرقاً؛ وعبر نهر دويرة إلى أراضي المسلمين مراراً، ووصل في غزواته إلى ضفاف التاجُه، وغزا عدة من المدن الإسلامية المتاخمة مثل ماردة وقلمرية وبازو وقورية وشلمنقة؛ ومع أنه لم يستطع أن يضم هذا البسيط إلى مملكته، فانه استطاع أن يشدد الضغط على الأندلس من هذه الناحية، وأن يرد تيار الغزوات الإسلامية. وفي سنة ٨٧٨ م حاول المسلمين غزو ليون وأسترقة، ْفبادر ألفونسو إلى لقائهم، وهزمهم في موقعتين على مقربة من سمورة، وأرغم أخاه برمند على الفرار من أسترقه، والالتجاء إلى المسلمين. وفي سنة ٨٨١ م غزا ألفونسو أراضي المسلمين وعبر دويرة والتاجه، ووصل في زحفه حتى أحواز ماردة ووادي أنة، وهو مدى لم يبلغه أحد من أسلافه. وتقول الرواية النصرانية