وكان ألفونسو الثاني ملكاً حازماً مقداماً، فضبط المملكة ونهض بها نهضة شاملة، وحصن ثغورها وقواعدها، وعمل على تحسين شئونها الاجتماعية، وجعل عاصمتها مدينة "أوبييدو" Oviedo. وكانت مملكة جليقية أو مملكة أشتوريش (أستورياس) كما كانت تسمى يومئذ، تمتد من ولاية بسكونية شرقاً إلى المحيط غرباً، ومن خليج بسكونية شمالاً حتى نهر دويرة جنوباً، ولكنها لم تكن عندئذ كما كانت أيام ألفونسو الكاثوليكي تشمل ولاية نافار أو بلاد البشكنس، التي استطاعت أن تستقل بنفسها، وقامت بها غير بعيد مملكة نصرانية مستقلة أخرى.
واستطال حكم ألفونسو الثاني زهاء نصف قرن. عاصر فيه ثلاثة من أمراء الأندلس، هم هشام بن عبد الرحمن، وولده الحكم، وحفيده عبد الرحمن، وتوالت فيه مراحل النضال بين الأندلس والمملكة النصرانية، فنشبت الحرب بينهما مراراً عدة، وتبادلا الغزو كلٌّ لأراضي الآخر مراراً؛ وكانت أهم الأحداث البارزة في حلقات هذا النضال، هزيمة الجلالقة والبشكنس بقيادة ألفونسو الثاني على يد المسلمين في موقعة الصخرة في قاصية جليقية في سنة ٧٩٥ م (١٧٩ هـ).
وفي سنة ٨١٠ م (١٩٣ هـ) في عهد الحكم بن هشام عبر ألفونسو الثاني بقواته نهر دويرة، وغزا الأراضي الإسلامية، وتوغل في سيره حتى قُلُمرية وأشبونة، وعاث في تلك الأنحاء أيما عيث، ورد الحكم على ذلك بنفسه في صيف العام التالي غازياً إلى جليقية، وتوغل في منطقة وادي الحجارة، وأثخن في تلك الأنحاء عقاباً للنصارى وزجراً لهم على عدوانهم.
وفي عهد عبد الرحمن بن الحكم سارت الجيوش الأندلسية، بقيادة الحاجب عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث في سنة ٨٢٣ م (٢٠٨ هـ)، غازية إلى ألبة والقلاع، على أثر غزو ألفونسو الثاني للثغر الأعلى، وإغارته على مدينة سالم، وهزم المسلمون النصارى في عدة مواقع، وعاثوا في أراضي جليقية، وخربوا مدينة ليون، وأملوا على النصارى صلحاً شديداً قاسياً (١).
ولما توفي ألفونسو الثاني في سنة ٨٤٢ م، خلفه على العرش ولده راميرو الأول أو رذمير كما تسميه الرواية الإسلامية. على أنه لم يخلفه دون نضال. ذلك أن
стр. 352
راميرو حينما توفي أبوه كان في ولاية بردوليا الشرقية، التي عرفت فيما بعد بقشتالة (كاستيليا) Castilla نظراً لكثرة قلاعها، يرقب حركات المسلمين. وكان عبد الرحمن بن الحكم يقوم عندئذ بغزوته الكبرى في الثغر الأعلى، ويثخن في بلاد البشكنس، وكان ألفونسو يخشى أن يتدفق هذا السيل المخرب إلى أحواز جليقية، ولكن عبد الرحمن ارتد إلى قرطبة بعد أن غزا بنبلونة، وخربها، وسحق البشكنس وحلفاءهم ثوار الثغر الأعلى. وتوفي ألفونسو بعد ذلك بقليل؛ فوثب في أوبييدو زعيم من الأشراف يدعى الكونت ريوتيانوس واستولى على العرش؛ وعلم راميرو بذلك وهو في بردوليا فهرع إلى جليقية، وجمع جيشاً في مدينة " لك " وسار الى أشتوريش ليقاتل المغتصب. ولقيه ريوتيانوس في قواته على ضفاف نهر نارسياس، وما كادت المعركة تضطرم بين الفريقين، حتى هجر ريوتيانوس معظم جنده، وهزم هزيمة شديدة، وقبض عليه، وسملت عيناه، واعتقل بقية حياته في أحد الأديار؛ واسترد راميرو عرشه، وأطاعته سائر جليقية وأشتوريش.
ولكن علاقة العرش بالأشراف لبثت على توترها، ولم تمض أعوام قلائل حتى دبر الأشراف ثورة جديدة ضد راميرو (٨٤٥ م). ثم تلتها في سنة ٨٤٨ م ثورة أخرى، واستطاع راميرو في كل مرة أن يخمد الثورة، وقبض على معظم الزعماء والخوارج وأعدم الكثير منهم.
ومما تجدر ملاحظته بهذه المناسبة أن حكومة قرطبة كانت في معاملتها للزعماء الخوارج عليها، تبدو أكثر اعتدالاً وتسامحاً. فقد كانت تعفو أحياناً عن الثوار، وكانت تؤثر اصطناع القادرين والأكفاء منهم، وكانت في عقابهم أقل قسوة ونكالاً. وقد يرجع ذلك إلى ظروف الأحوال في الأندلس، فقد كانت الثورات شعبية أو قبلية على الأغلب. أما في جليقية فكان زعماء الثورة من الأشراف والزعماء الإقطاعيين الأقوياء، وكان خطرهم على العرش أشد وأدعى إلى التوجس والحذر (١).
وشغلت المملكة النصرانية في بداية عهد راميرو، كما شغلت المملكة الإسلامية، برد خطر النورمانيين الذين فاجأوا الأندلس بغارتهم المخربة في سنة ٨٤٢ م حسبما
стр. 353
أسلفنا. وشغلت حكومة قرطبة بالأخص حيناً بتحصين أطراف المملكة، وإصلاح ما تخرب من أعمالها. وما كاد أمير الأندلس عبد الرحمن بن الحكم ينتهي من ذلك، حتى نشط إلى استئناف غزو المملكة النصرانية ورد غارات النصارى، فسير ولده محمداً في سنة ٨٤٧ م إلى جليقية فاخترق بسائطها، وحاصر مدينة ليون، وعاث في تلك المنطقة. وتقول بعض الروايات النصرانية، إن المسلمين التقوا براميرو على مقربة من مدينة سالم، وهزموه هزيمة شديدة، واستولوا على عدد من الحصون، وعلى كثير من الغنائم والأسرى. وفي رواية أخرى أن راميرو التقى بالمسلمين على مقربة من كلافينجو بجوار قلهرّة، وأنه هزمهم بالرغم من قلة جنده، وتنسب هذا النصر إلى خرافة خلاصتها أن راميرو رأى القديس ياقب في نومه ليلة المعركة ووعده بالنصر (١). على أن الروايات الإسلامية لا تذكر شيئاً من هذه الموقعة وهذا النصر المزعوم.
وأنفق راميرو بقية عهده القصير في العمل على تنظيم شئون مملكته وتوطيد الأمن فيها، وأنشأ عدداً من الكنائس والأديار، ثم توفي في ديسمبر سنة ٨٥٠ م بعد حكم دام نحو ثمانية أعوام، تاركاً عرش أشتوريش وبردوليا لولده أردونيو.
- ٢ -
وتولى أردونيو عرش المملكة النصرانية عقب وفاة أبيه بقليل، وبدأ أعماله بتحصين المدن المتاخمة لحدود المسلمين، مثل تودة وليون وأسترقة، وأصلح باقي القلاع والحصون تأهباً للدفاع، وأخمد الثورة في ولاية بسكونية، وفرض عليها سلطانه. ولما ظهرت أعراض ثورة المولدين في الأندلس في بداية عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وقامت طليطلة بثورتها على حكومة قرطبة، أرسل أردونيو مدداً إلى الثوار، ولكن جيش الأندلس هزم الثوار وحلفاءهم النصارى في موقعة وادي سليط شر هزيمة (٨٥٤ م). وفي العام التالي غزا الأمير محمد ألبة والقلاع وعاث فيها، ولكن الأندلس شغلت بعد ذلك بظهور النورمانيين وغزوهم لثغور الأندلس وبسائطها القريبة، فوقف سير الصوائف إلى الشمال بضعة أعوام.
ولكن أردونيو كان يواجه عندئذ خطر قوة جديدة، أخذت تنمو وتشتد في الولايات الشمالية. ذلك أن موسى بن موسى بن قسيّ، استطاع أن يبسط سلطانه
стр. 354
على الثغر الأعلى؛ وأن ينشىء فيه إمارة مستقلة قوية، واقترن غرسية أمير نافار بابنة موسى وتحالف معه، ليستعين به على مقاومة المسلمين، ومقاومة جيرانه النصارى من الغرب. وفي أوائل عهد الأمير محمد، عبر موسى جبال البرنيه بقواته، وغزا جنوبي فرنسا، واضطر ملكها شارل الأصلع إلى مهادنته ومسالمته، وأغدق عليه الهدايا والتحف. ولما رأى أردونيو نهوض قوة موسى وخطرها عليه، اضطر أن يسعى إلى محالفته، ولكنه ما لبث أن تركه مغضباً إذ كان موسى يؤازر البشكنس الثائرين عليه بتحريض صهره أمير نافار، ولم ير أردونيو في النهاية بداً من مخاصمة موسى ومحاربته، وهاجم أردونيو بعض الحصون الغربية التابعة لموسى، فسار موسى لقتاله ومعه صهره غرسية ملك نافار في قواته، ونشبت بين الفريقين معركة شديدة هزم فيها موسى وجرح وقتل صهره غرسية. ثم توفي موسى متأثراً بجراحه (٨٦٢ م). وكانت ضربة شديدة أصابت سلطان بني قسيّ في الشمال.
ولما شعر لب بن موسى عقب وفاة أبيه بقوة المملكة النصرانية، وخطرها، على سلطان أسرته، سعى إلى مهادنة أردونيو ومحالفته على قتال المسلمين، وردهم عن الولايات الشمالية.
وانتهز أردونيو فرصة اشتغال حكومة قرطبة بأمر النواحي الثائرة، فعبر نهر دويرة بقواته، وغزا مدينة قورية وأسر واليها، ثم غزا شلمنقة، وهزم المسلمين، وعاث في تلك الأنحاء (١). فسير محمد جيشاً إلى الشمال بقيادة ولده المنذر، فاخترق ألبة والقلاع، وهزم النصارى في كل موطن، ووصل إلى بنبلونة، وعاث في نواحيها. وتوالت حملات الأندلس بعد ذلك على ألبة والقلاع، ونشبت بين المسلمين وأردونيو معارك متعاقبة، هزم فيها النصارى جميعاً حسبما فصلنا ذلك في موضعه (٢). وأراد محمد أن يقضي نهائياً على مملكة جليقية فسير السفن إلى المياه الغربية لغزوها من البحر، ووصل الأسطول الأندلسي بالفعل إلى مصب نهر منهو، ولكن العواصف ثارت وحطمت السفن، وفشل المشروع في المهد (٨٦٦ م).
ولزم أردونيو عقب هزائمه المتوالية السكينة بقية عهده، ثم توفي في شهر مايو
стр. 355
سنة ٨٦٦ م، واختار قبيل وفاته ولده البكر ألفونسو لولاية عهده، فخلفه على العرش باسم ألفونسو الثالث ولما يبلغ الرابعة عشر من عمره.
- ٣ -
وما كاد الملك الفتى يجلس على العرش، حتى ثار عليه الكونت فرويلا حاكم ولاية جليقية وولد الملك برمند، مطالباً بالعرش، وسار في قواته إلى أوبييدو، ففر ألفونسو إلى ولاية ألبة، واستولى فرويلا على القصر، وأعلن نفسه ملكاً.
ولكن الأشراف القوط الذين يرون في العرش رمزهم وملاذهم، لم يرقهم هذا الاغتصاب، فثاروا على فرويلا وقاتلوه حتى قتل، وعاد ألفونسو إلى أوبييدو ظافراً واسترد عرشه.
ولم يمض قليل على ذلك حتى دبر أخوة ألفونسو، وهم فرويلا ونونيو وبرمند وأدفاريوس مؤامرة لعزله وانتزاع العرش منه، ولكن المؤامرة افتضحت قبل نضجها، وقبض ألفونسو على أخوته وعاقبهم بسمل أعينهم واعتقالهم، ولم ينج من بطشه سوى برمند إذ فر إلى أسترقة واستولى عليها، واستطاع بمؤازرة المسلمين أن يستقل بحكمها بضعة أعوام (١).
وكان حكم ألفونسو الثالث الذي استطال أربعة وأربعين عاماً، فاتحة عهد جديد من القوة والنهوض بالنسبة للمملكة النصرانية، وكان ألفونسو أميراً وافر العزم والكفاية، فاستطاع خلال حكمه الطويل بالحروب والزواج أن يدفع حدود مملكته حتى جبال البرنيه شرقاً؛ وعبر نهر دويرة إلى أراضي المسلمين مراراً، ووصل في غزواته إلى ضفاف التاجُه، وغزا عدة من المدن الإسلامية المتاخمة مثل ماردة وقلمرية وبازو وقورية وشلمنقة؛ ومع أنه لم يستطع أن يضم هذا البسيط إلى مملكته، فانه استطاع أن يشدد الضغط على الأندلس من هذه الناحية، وأن يرد تيار الغزوات الإسلامية. وفي سنة ٨٧٨ م حاول المسلمين غزو ليون وأسترقة، ْفبادر ألفونسو إلى لقائهم، وهزمهم في موقعتين على مقربة من سمورة، وأرغم أخاه برمند على الفرار من أسترقه، والالتجاء إلى المسلمين. وفي سنة ٨٨١ م غزا ألفونسو أراضي المسلمين وعبر دويرة والتاجه، ووصل في زحفه حتى أحواز ماردة ووادي أنة، وهو مدى لم يبلغه أحد من أسلافه. وتقول الرواية النصرانية
стр. 356
أنه التقى بالمسلمين عند سفح جبل أريفر من جبال سيرّا مورينا (جبل الشارّات) وهزمهم وقتل منهم عدة آلاف وهي موقعة لم تشر إليها الروايات الإسلامية (١).
وكانت ريح الثورة تهب يومئذ على معظم جنبات الأندلس، وتشغل حكومة قرطبة بمقارعة بني قسي في الثغر الأعلى. وتحالف محمد بن لب زعيم الأسرة الثائرة مع ألفونسو الثالث، ليستعين به على قتال المسلمين، ولكن المسلمين نجحوا في انتزاع سرقسطة معقل ابن لب، وزحفوا على ألبة لمقاتلة النصارى، وعندئذ آثر ألفونسو أن يعقد السلم مع المسلمين، وعقدت بالفعل بينه وبين الأمير محمد بن عبد الرحمن حسبما فصلنا من قبل، معاهدة صلح استمرت ردحاً طويلاً.
ذلك أن ملك النصارى رأى بالرغم مما كان يشغل حكومة قرطبة من ثورات متعاقبة، أن يقنع بتأمين حدوده وأراضيه من خطر الغزو الإسلامي، وأن يتفرغ لشئون مملكته الداخلية، وكانت هذه الشئون تستغرق جل اهتمامه، وكانت الأزمات والقلاقل السياسية والاجتماعية تتعاقب، لأسباب وبواعث تتعلق بنظم المجتمع النصراني وظروفه. وقد وقعت في عهد ألفونسو عدة ثورات محلية ترجع بالأخص إلى المبالغة في فرض الضرائب على الضياع، وثار أصحاب الضياع لهذا الجور غير مرة في أنحاء مختلفة، وطالبوا بالحد من تغريمهم على هذا النحو لصالح الكنيسة ورجال الدين، ولكن هذه الثورات الإقطاعية أخمدت تباعا، وصودرت معظم الضياع لصالح الكنيسة، واستمر العرش في الإغداق على الأديار ورجال الدين.
ومما تجدر ملاحظته أن الملوكية الإسبانية، كانت تدين منذ نشأتها بمنتهي الولاء والطاعة للكنيسة والكرسي الرسولي. وكانت البابوية تتمتع في توجيهها بأعظم نفوذ. وكان العرش الإسباني يشعر دائماً بأنه يستمد سلطانه من الكنيسة، ويرجع إلى البابوية في كل أمر يمس شئون السلطة الروحية. ومن ذلك أن ألفونسو الثالث كتب إلى البابا يوحنا الثامن يستأذنه في عقد المؤتمر الكهنوتي وتعيين الأساقفة، فأذن له، وطلب إليه أن يبعث بفرقة من الفرسان للمعاونة في محاربة المسلمين في صقلية وجنوب إيطاليا. وعقد المؤتمر الكهنوتي بالفعل في أوبييدو سنة ٨٧١ م ونظمت فيه شئون الكنيسة الإسبانية. وكان ألفونسو الثالث ملكاً تقياً ورعاً، وكانت
стр. 357
الكنيسة ورجال الدين يحظون منه بأوفر قسط من الرعاية والإغداق، وكان هذا الجود المغرق يحمله على الإسراف في فرض الضرائب على الطوائف المدنية، وبذا يبث إليها بذور السخط والانتقاض (١).
وفي أواخر عهد ألفونسو نشبت الحرب بينه وبين بني قسي سادة الثغر الأعلى، وأغار زعيمهم محمد بن لب غير مرة على أراضي المملكة النصرانية ونافار.
وكذلك نشبت الحرب بين ألفونسو وبين ابن القط المعروف بالمهدي الذي تزعم البربر في منطقة سمورة حسبما فصلنا ذلك في موضعه. ولكن هذه المعارك التي وقعت يومئذ بين المسلمين والنصارى لم تتسم بالطابع الرسمي، وكان يضطلع بها الزعماء الخوارج على حكومة قرطبة، ومن ثم فقد استمر التهادن بين حكومة قرطبة وبين المملكة النصرانية طوال عهد الأمير محمد، فإبنه الأمير المنذر، ثم أخيه الأمير عبد الله. وبالرغم من أن ألفونسو لم يكن يترك فرصة لإذكاء الفتنة في المملكة الإسلامية وتعضيد الخوارج عليها، فإنه التزم عهده المعقود معها، ولم يقم بغزوات ذات شأن في الأراضي الخاضعة لها.
ودبرت عدة مؤامرات لخلع ألفونسو وانتزاع العرش منه. وكان المتآمرون من خاصة أسرته. وحاول المتآمرون لأول مرة تمكين أولاده وزوجه خمينا من الحكم، ولكن ألفونسو استطاع أن يقف على المؤامرة وأن يقضي عليها. وقبض على ولده غرسية واعتقله في قلعة أوبييدو. ولكن هذا الفشل لم يفت في عضد المتآمرين، فدبروا مؤامرة جديدة برياسة الملكة خمينا، وهي امرأة ذات أطماع تهيم بالسلطان، واشترك في تدبيرها الكونت نونيو صاحب برغش وأولاد الملك الثلاثة وهم: أردونيو وفرويلا وجند سالفوس، وانضم إليهم قسم من الجيش وفريق كبير من الشعب، وسيطروا على كثير من المعاقل. وخشى ألفونسو عاقبة الحرب الأهلية فقبل شروط الثوار، ونزل عن العرش لولده الأكبر غرسية، وعين أردونيو حاكماً لجليقية، وفرويلا حاكما لأشتوريش، ووقع ذلك في سنة ٩١٠ م، وبذا اختتم ألفونسو عهده الذي استطال أربعة وأربعين عاماً. ولم يمض قليل على ذلك حتى توفي في شهر اكتوبر من نفس العام وقد جاوز الثامنة والخمسين من عمره (٢).
стр. 358
وتشيد الرواية بخلال ألفونسو الثالث، وتصفه بالحزم والشجاعة، وتقول لنا إنه كان خصماً عنيداً للمسلمين شديد الوطأة في محاربتهم، ولكنه حينما عقد السلم مع حكومة قرطبة احترم عهده والتزم الوفاء به. وكان ألفونسو في الوقت نفسه نصيراً للآداب والعلوم يجزل صلاته لأهل العلم، وكان من سعة أفقه أن عهد بتربية ولده أردونيو إلى بعض العلماء المسلمين (١)، وكان حسبما أسلفنا تقياً ورعاً يخص الكنيسة بأوفر رعايته وعطائه، وقد أنشأ كثيراً من الكنائس والأديار، وابتنى كنيسة شنت ياقب الشهيرة. وقد رأينا كيف حمله إسرافه في الإغداق على الكنيسة ورجال الدين، على المبالغة في فرض الضرائب على الضياع، فكان ذلك من عوامل الإنتقاض والثورة على سياسته، وبذل ألفونسو جهوداً كبيرة في تحصين مدن الحدود، وفي مقدمتها برغش وسمورة وسيمانقة (شنت منكش)، وزودها بالسكان والجند، لكي تغدو سداً منيعاً ضد غزوات المسلمين.
ومنذ وفاة ألفونسو تسمى المملكة الإسبانية النصرانية مملكة ليون، بعد أن كانت تسمى مملكة أشتوريش وجلِّيقية؛ وقد نقل ابنه وخلفه غرسية قاعدة المملكة من أوبييدو إلى مدينة ليون لتوسط موقعها بين جلِّيقية وأشتوريش؛ وتسبغ الرواية النصرانية على ألفونسو الثالث لقب (ألفونسو الكبير) El magno، لما امتازت به المملكة النصرانية في عهده من القوة والنهوض والاتساع، وماتمتعت به خلال عهده الطويل من السلم والرخاء.
- ٤ -
إلى جانب مملكة أشتوريش أو مملكة ليون الإسبانية الشمالية، كانت تقوم في غربي البرنيه في بلاد البشكنس الجبلية، إمارة أو مملكة نصرانية أخرى هي مملكة نافار (نبرّة). ويحيط الغموض بأصل هذه المملكة الصغيرة ونشأتها. وكل ما نعرفه من ذلك هو أن قبائل البشكنس، كانت حتى أواخر القرن الثامن الميلادي تخضع لبعض السادة الإقطاعيين التابعين لمملكة الفرنج، وربما حكمها دوقات كانتابريا أو أمراء أشتوريش. وكانت قاعدتهم مدينة بنبلونة الحصينة، التي حكمها المسلمون ردحاً من الزمن، ثم فقدوها في أواخر القرن الثامن أيام غزوات الفرنج لاسبانيا الشمالية. وكانت بلاد البشكنس أو نافار منذ الفتح ميداناً للغزوات
стр. 359
الإسلامية والفرنجية. وقد حاول أمراء جليقية غزوها غير مرة، وضمها إلى المملكة النصرانية. ولكن قبائل البشكنس كانت تتفانى دائما في الذود عن استقلالها.
ولما شغلت المملكة النصرانية بمنازعاتها الداخلية، لبثت نافار مدى حين مقصد الصوائف الإسلامية، واجتاحها المسلمون مراراً.
وفي نهاية القرن الثامن الميلادي في نحو سنة ٧٩٩ م، ظهر في نافار زعيم من السادة يدعى أزوار وجعل نفسه أميراً مستقلاً. ولما توفي سنة ٨٣٦ م خلفه أخوه سانشو. ولكن أميراً آخر من الزعماء البشكنس هو غرسية إنيجيز بن إنيجو أريستا تغلب عليه وانتزع منه الإمارة. وتعرف الرواية الإسلامية إنيجو أريستا هذا وتسميه " ونقه بن شانجه ملك البشاكسة " (١). وهنا تبدو نافار لأول مرة في صورة المملكة المستقلة، ويبدأ ثبت ملوكها المتعاقبين. ومما يجدر ذكره أن مملكة نافار الناشئة، رأت أن ترتبط برباط التحالف والمصاهرة مع إمارة إسلامية مجاورة هي إمارة بني قسي سادة الثغر الأعلى، وهم حسبما قدمنا يرجعون إلى أصل نصراني أو قوطي. وقد تزوج إنيجو أريستا رأس الأسرة النافارية بأرملة موسى بن فرتون ابن قسي، وتزوج موسى بن موسى من إبنة غرسية إنيجيز، وتزوج غرسية وإخوته من بنات لب بن موسى بن فرتون، وتزوج بعض إخوة موسى وأبنائه من بنات أمراء نافار (٢).
وهكذا كانت وشائج التحالف والمصاهرة تربط بين الأسرتين المسلمة والنصرانية، وتوثقت هذه الوشائج واستطالت دهراً. وكذلك رأى غرسية إنيجيز أن يتحالف مع عمر بن حفصون زعيم الفتنة في الأندلس. وكانت علائق نافار بجارتها المملكة النصرانية الكبيرة أو مملكة ليون يشوبها الكدر. ذلك أن مملكة نافار الصغيرة كانت دائماً تخشى مطامع ليون وغدرها، وقد حارب غرسية إنيجيز أردونيو ملك ليون، إلى جانب صهره موسى بن موسى، في موقعة البلدة وقتل سنة ٨٦٢ م حسبما أسلفنا.
وخلف غرسية ولده فرتون الذي لبث أسيراً في قرطبة ردحاً طويلاً. ثم خلفه ولده سانشو غرسية. وفي رواية أن سانشو هذا لم يكن ولداً لفرتون أو لغرسية
стр. 360
ولم يكن من أمراء البيت المالك، ولكنه متغلب من نوع آخر انتزع الملك لنفسه.
وعلى أي حال فقد استقر سانشو غرسية ملكاً على نافار. وهو أول من تلقب من أمراء نافار بألقاب الملك، وبه تبدأ مملكة نافار الحقيقية. وقد حكم سانشو حتى سنة ٩٢٦ م، وخاض مع المسلمين أيام الأمير عبد الله عدة حروب ووقائع، وشغل حيناً بقتال بني قسي الذين تصرمت علائقهم مع مملكة نافار، وهاجم لب ابن محمد بن لب زعيم بني قسي نافار غير مرة، ونشبت بينه وبين سانشو على مقربة من بنبلونة وقائع متوالية انتهت بهزيمة لب ومقتله في سنة ٩٠٧ م، فخلفه أخوه عبد الله في رياسة تطيلة وما جاورها، واستمر في محاربة نافار وهزم سانشو في سنة ٩١١ م، وتقول الرواية الإسلامية إن شانجه بن غرسية البشكنسي صاحب بنبلونه أعني سانشو غرسية، غزا مدينة تطيلة في سنة ٣٠٣ هـ (٩١٤ م)، فقتل كثيراً من المسلمين، وأسر أميرها عبد الله بن محمد بن لب بن موسى القسوي. فدخلها أخوه مطرِّف بن محمد في اليوم التالي، وقام مكان أخيه.
وقد كان عبد الله وأخوه مطرف من أبطال الثغر الأعلى، وكانت لهما غزوات عديدة مظفرة في أراضي النصارى (١). وشغل سانشو أيضا بقتال الطويل وغيره من زعماء الثغر الأعلى حسبما فصلنا ذلك في موضعه. وسنعرض في فصل قادم إلى حروبه مع عبد الرحمن الناصر.
стр. 361
دولة الإسلام في الأندلس
الخلافة الأمَوِيّة والدّوْلة العَامِريّة
تأليف
محمد عبد الله عنان
العصر الأوّل - القسم الثاني
الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة
стр. 362
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الرابعة
١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م
رقم الإيداع: ٨٩٨٨/ ٩٠
الترقيم الدولى: ٤ - ٠٨٢ - ٥٠٥ - ٩٧٧
مطبعة المدني المؤسسة السعودية بمصر ٦٨ شارع العباسية. القاهرة. ت: ٤٨٩٧٨٥١
стр. 363
الكتاب الثاني
الدّوْلة الأموَّية في الأندَلسْ
القسم الثالث عبد الرحمن الناصر وقيام الخلافة الأموية بالأندلس ٣٠٠: ٣٥٠ هـ - ٩١٢: ٩٦١ م
стр. 364
الفصل الأول
ولاية عبد الرحمن الناصر وقيام الخلافة الأندلسية
ولاية عبد الرحمن حفيد الأمير عبد الله. نشأته وحداثته. أخذ البيعة له. حزمه في معالجة الثورة. غزو قلعة رباح وإخضاعها. خروج عبد الرحمن لغزو الثوار. غزوة المنتلون. غزوه لمعاقل ابن حفصون في ريه وإلبيرة. سحق الثورة في إشبيلية. عوده لغزو كورة ريه. محاصرته لقرمونة وإخضاعها. مولد ولي العهد الحكم. القحط بالأندلس. أقوال ابن حيان. إخضاع أوريولة ولبلة. ابن حفصون يطلب الصلح ويجاب إليه. عهد الناصر له. وفاة عمر بن حفصون. مبالغة النقد الغربي في تصوير شخصيته. أبناؤه يخلفونه في معاقله. مطاردتهم وإخضاع ببشتر آخر معاقلهم. استخراج جثة الثائر وصلبها. إعدام ابنته أرخنتا. كتاب الناصر عن فتح ببشتر. محاصرة طليطلة وإخضاعها. إخضاع بطليوس ونهاية بني الجليقي. إخضاع بني ذى النون. تمزيق الثوار في شرقي الأندلس. إسبانيا النصرانية وتربصها بالأندلس. عيث النصارى في أراضي المسلمين. غزو أردونيو ليابرة وماردة وبطليوس. غزو المسلمين لأراضي ليون. موقعة شنت إشتيبن وهزيمة المسلمين. عود المسلمين إلى غزو ليون. موقعة مطرانية وهزيمة النصارى. مسير عبد الرحمن إلى ليون. استيلاؤه على أوسمة وشنت إشتيبن. توغله في أراضي نافار. موقعة جونكيرا وهزيمة النصارى. إستيلاء النصارى على بقيرة وفتكهم بالمسلمين. مسير عبد الرحمن إلى الثغر الأعلى. غزوه لنافار واستيلاؤه على بنبلونة. هزيمة النصارى. وفاة أردونيو وولاية ولده راميرو. راميرو يشجع ثوار طليطلة. محاصرة الناصر لطليطلة. محاولة راميرو إنجادها. سقوطها في يد الناصر. غزو الناصر لقشتالة. مسيره إلى أوسمة. التماس طوطة للصلح. غزو ألبة والقلاع. غزوة بحرية إسلامية للثغر الفرنجي. الصلح بين الناصر وراميرو. تحالف بني هاشم أصحاب الثغر الأعلى مع النصارى. مسير عبد الرحمن إلى مقاتلة الثوار. محاصرته لسرقسطة. خروج أمية بن إسحاق والتجاؤه للنصارى. سقوط سرقسطة وخضوع محمد بن هاشم. عهد الناصر له بالأمان. غزو عبد الرحمن لنافار وخضوع ملكتها طوطه. تأهب عبد الرحمن لمحاربة راميرو. نفوذ الصقالبة في القصر والجيش. مسير عبد الرحمن إلى ليون. تحالف ليون ونافار. زحف عبد الرحمن على سمورة. موقعة الخندق وهزيمة المسلمين. أقوال الروايات العربية. رواية المسعودي. رواية ابن حيان. كتاب الناصر عن الغزوة. رواية ابن الخطيب. الروايات النصرانية. رواية ألفونسو الحكيم. الروايات الأخرى. آثار الموقعة. عود المسلمين لغزو ليون. وفاة راميرو وجلوس أردونيو. الصلح بين الأندلس وليون. بعض الحوادث الداخلية. حريق قرطبة. المحل والقحط. الدعوة الفاطمية واجتياحها للمغرب. جزع حكومة قرطبة. استيلاء عبد الرحمن على سبتة. خضوع المغرب الأقصى لعبد الرحمن. خطر الفاطميين على الأندلس. السفن الفاطمية تغزو ألمرية. غزوات عبد الرحمن لشواطىء المغرب. أثر الدعوة الفاطمية في بعث فكرة الخلافة الأندلسية. عبد الرحمن يتخذ سمة الخلافة. الوثيقة الخاصة بذلك. ابن مسرة. حركته وحقيقة أمرها. أقوال ابن حيان عنها. مطاردة منتحليها. كتاب الناصر في شأنها.
стр. 365
- ١ -
مضي زهاء قرن منذ استقر ملك بني أمية بالأندلس، وتوطدت أسس الدولة الجديدة، وأخذت تزهو وتزدهر في عهد عبد الرحمن بن الحكم. ولكن عوامل الإنتقاض والتفكك، سرت فجأة إلى هذا الصرح القوي، ولبثت الأندلس مدى النصف الأخير من القرن الثالث الهجري (أواخر القرن التاسع الميلادي) تضطرم بسلسلة لا نهاية لها من الثورات والفتن، حتى لاح مدى لحظة أن ملك بني أمية أضحى على وشك الانهيار.
توفي الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن أمير الأندلس في مستهل ربيع الأول سنة ٣٠٠ هـ (١٥ أكتوبر سنة ٩١٢ م) بعد حكم طويل عاصف، مزقت فيه أوصال المملكة ونضبت مواردها، فخلفه في نفس اليوم على العرش حفيده عبد الرحمن ابن ابنه محمد، غير متجاوز الثالثة والعشرين من عمره، وذلك بالرغم من وجود أعمامه وأعمام أبيه. وكان الأمير عبد الله قد اختار محمداً أكبر أولاده لولاية عهده، فوجد عليه أخوه المطرِّف وقتله حسبما تقدم. وولد عبد الرحمن قبيل مقتل أبيه بأسابيع قلائل في ٢٢ رمضان سنة ٢٧٧ هـ (ديسمبر سنة ٨٩٠ م) وأمه جارية إسبانية نصرانية تدعى ماريا أو مزنة حسبما تسميها الرواية العربية، فنشأ الطفل اليتيم في كفالة جده مرموقاً بعين العطف والرعاية، وأسكنه جده معه بالقصر دون ولده. وما كاد يبلغ أشده حتى ظهرت نجابته، وأبدى بالرغم من حداثته تفوقاً في العلوم والمعارف إلى درجة تسمو على سنه، ودرس القرآن والسنة وهو طفل لم يجاوز العاشرة، وبرع في النحو والشعر والتاريخ، ومهر بالأخص في فنون الحرب والفروسية، وأقبل عليه جده الأمير يخصه بحبه وثقته، ويرشحه لمختلف المهام، ويندبه للجلوس مكانه في بعض الأيام والأعياد لتسليم الجند عليه؛ وهكذا تعلقت آمال أهل الدولة بهذا الفتى النابه، وأضحى ترشيحه لولاية العهد أمراً واضحاً مقضياً، بل يقال إن جده قد رشحه بالفعل لولاية عهده وذلك بأن برىء بخاتمه إليه، حينما اشتد عليه المرض إشارة منه باستخلافه (١)
стр. 366
وما كاد الأمير عبد الله يسلم أنفاسه الأخيرة حتى بويع حفيده عبد الرحمن بالملك.
وجلس عبد الرحمن للبيعة، يوم الخميس غرة شهر ربيع الأول في قاعة " المجلس الكامل " بقصر قرطبة، فكان أول من بايعه أعمامه، وأعمام أبيه، وتلاهم أخوة جده، وقد مثلوا أمامه وعليهم الأردية والظهائر البيض عنوان الحزن على الأمير الراحل، وتكلم بلسانهم عمه أحمد بن عبد الله فقال: " والله لقد اختارك الله على علم للخاص منا والعام، ولقد كنت أنتظر هذا من نعمة الله علينا، فأسأل الله إيزاع الشكر، وتمام النعمة، وإلهام الحمد ". وتتابع للبيعة بعد ذلك وجوه الدولة والموالي، ثم أهل قرطبة من الفقهاء والأعيان، ورؤساء البيوتات، واستمرت بيعة الخاصة على هذا النحو حتى الظهر؛ وعندئذ نهض الأمير الجديد فصلى على جثمان جده، ثم واراه في مدفنه بالروضة، ومعه الوزراء ورجال الدولة. وجلس لتلقي البيعة في المسجد الجامع صاحب المدينة الوزير موسى بن محمد بن حُدير، والقاضي أحمد بن زياد اللخمي، وصاحب الشرطة العليا ابن وليد الكلبي، وصاحب الشرطة الصغرى، أحمد بن محمد بن حدير، وصاحب أحكام السوق محمد بن محمد بن أبي زيد، فاستمرت بضعة أيام. وكذلك أنفذت الكتب بأخذ البيعة إلى العمال في سائر الكور، وأخرج الأمناء إلى البلاد لأخذها، وتتابعت الردود بإنجازها من جميع النواحي (١). وساد البشر يوم البيعة في القصر والمدينة، وتوسم الجميع في الأمير الفتى آيات العظمة واليمن، وعلقوا على ولايته أكبر الآمال. وفي ذلك يقول معلمه شاعر العصر ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد، يوم أن تولى عبد الرحمن الملك في مستهل ربيع الأول سنة ٣٠٠ هـ:
بدا الهلال جديداً ... والملك غض جديد
يا نعمة الله زيدي ... ما كان فيك مزيد
إن كان للصوم فطر ... فأنت للدهر عيد
إمام عدل عليه ... تاجان: بأس وجود
يوم الخميس تبدى ... لنا الهلال السعيد
فكل يوم خميس ... يكون للناس عيد
وكانت الأندلس عندئذ أشد ما تكون حاجة إلى السكينة بعد أن هزتها الثورة
стр. 367
إلى الأعماق، وتجاذبتها الأعاصير من كل صوب، وكان الأمير الفتى يرى أن خطة التردد والرفق التي اتبعها أجداده نحو الزعماء الخوارج كانت سياسة خطرة، ولم تكن ناجعة، وأنه لابد لاستتباب الأمن واستقرار السكينة، من سحق الثورة وزعمائها بأى الوسائل. ومن ثم فإنه لم تمض على جلوسه أسابيع قلائل حتى بعث حملته الأولى إلى المناطق الثائرة بقيادة الوزير عباس بن عبد العزيز القرشي، فقصدت إلى منطقة قلعة رباح وكان قد ثار بها الفتح بن موسى بن ذى النون من زعماء البربر، ومعه حليفه الرياحي المعروف بأرذبلش، فوقعت بين جند الأمير وبين العصاة معارك شديدة، هزم فيها الفتح بن موسى، وارتد مغلولا إلى معاقله، وقتل أرذبلش، وبعثت رأسه إلى قرطبة، فرفعت فوق باب السدة، وطهرت قلعة رباح وأحوازها من الثورة، وذلك في شهر ربيع الآخر (١). وسارت حملة أخرى نحو الغرب، واستردت مدينة إستجة من أيدي العصاة أتباع ابن حفصون (جمادى الأولى)، وهدمت أسوارها وقنطرتها الواقعة على نهر شنيل، حتى تعزل وتغدو بذلك عاجزة عن التمرد والخروج.
وفي شعبان سنة ٣٠٠ هـ (مارس سنة ٩١٣ م) خرج عبد الرحمن للغزو وتولى القيادة بنفسه، فأثار ظهور الأمير الفتى في الصفوف حماسة الجند وأكبروا شجاعته وإقدامه. وسار عبد الرحمن أولا إلى الجنوب الشرقي، ومعه جند كورة إلبيرة وزعماؤها، وكان ابن حفصون قد نزعهم حصونهم ومعاقلهم، فالتجأوا إلى الأمير، وألقوا بطاعتهم إليه، واتجه صوب كورة جيان في وسط الأندلس، حيث كانت الثورة على أشدها، وحيث كان ابن حفصون أخطر الزعماء الخوارج يبسط سلطانه على طائفة من الحصون القوية؛ فاستولى على حصن مَرتُش الواقع في طريق جيان، وسير في نفس الوقت بعض قواته إلى مالقة لإنجادها، وكان يهددها الزعيم الثائر، فاحتلتها وأمنها. وقصد عبد الرحمن بعد استيلائه على مرتش، إلى حصن مونت ليون (حصن المنتلون) القريب منها، وكان يمتنع به زعيم من المولدين هو سعيد بن هذيل، فضربه بشدة، وهاجمه حتى اقتحمه، وأذعن الزعيم الثائر إلى التسليم والطاعة ومنح الأمان (رمضان سنة ٣٠٠ هـ).
وتعتبر هذه الغزوة أول غزوات عبد الرحمن، وتسمى عادة بغزوة المنتلون.
стр. 368
واتجه عبد الرحمن بعد ذلك إلى حصن شمنتان، الواقع على مقربة من بياسة، وبه عبد الله بن الشالية، فاستسلم الثائر دون مقاومة، وطلب الأمان، ونزل عن جميع حصونه ومعاقله. واستولى عبد الرحمن بعد ذلك على حصن منتيشة من يد صاحبه ابن عطاف. وافتتح سائر الحصون التي كانت بيد ابن حفصون من كورة جيان، وطهرها من آثار الخروج والعصيان. وقدم إليه سائر الزعماء الخوارج طاعتهم، فتقبلها وعفا عنهم.
وسار عبد الرحمن بعد ذلك جنوبا إلى كورة ريُّه، فاحتل منها سائر الحصون التي تدين بالطاعة لابن حفصون، واقتحم أمنع هذه الحصون، وهو حصن شبليس بعد قتال عنيف، وقتل من كان به من أصحاب الثائر، وفر أمامه جعفر ابن حفصون ليلا ولحق بأبيه، ثم استولى عبد الرحمن على حصن إشتيبن على مقربة من إلبيرة. واتجه بعد ذلك إلى وادي آش فاحتل حصونها، ثم توغل في شعب جبل الثلج (سيرَّا نفادا) وافتتح ما هنالك من المعاقل والحصون. وحاول ابن حفصون أن يزحف على غرناطة، فخرج إليه أهل إلبيرة ومعهم مدد من جيش عبد الرحمن فردوه على عقبه. وما زال عبد الرحمن يجول في تلك الأنحاء يخضع حصونها وينتسف أراضيها، حتى قضى على كل عناصر الثورة والخروج فيها، وبلغ ما استولى عليه في تلك الغزوة من الحصون زهاء سبعين حصناً من أمهات المعاقل الثائرة، ثم ارتد عائداً إلى قرطبة فوصلها في يوم عيد الأضحى بعد أن قضى في غزوته زهاء ثلاثة أشهر (١).
على أن هذه الجولة الأولى لم تكن إلا بداية الصراع المرير، الذي كان على عبد الرحمن أن يضطلع به. ذلك أنه لم تمض بضعة أشهر أخرى حتى عادت عناصر الثورة تجتمع، وتتحفز، وعاد ابن حفصون ينظم خططه وقواته. وكانت إشبيلية في مقدمة القواعد التي رفعت لواء الثورة، وقام بها منذ أيام الأمير عبد الله، بنو حجاج حسبما تقدم، وأنشأوا بها إمارة مستقلة. وقد كانوا بالرغم من انحدارهم من أصل عربي ينتمون إلى المولدين من ناحية الأم، ويشاطرونهم شعور الحفيظة ضد حكومة قرطبة. وكان عبد الرحمن يتوق إلى تحطيم سلطان أولئك المولدين ومن يمالئهم، وقد أبدوا دائماً أنهم لا يدينون بالولاء للحكومة الإسلامية التي
стр. 369
لم تدخر وسعاً في الرفق بهم ومعاملتهم دون تمييز أو إجحاف أو تحامل. وكان زعيم إشبيلية إبراهيم بن حجاج قد توفي، وخلفه في حكمها ولده عبد الرحمن، وخلفه في حكم قرمونة ولده محمد. ولما توفي عبد الرحمن في المحرم سنة ٣٠١ هـ، تطلع أخوه محمد إلى أن يحكم إشبيلية من بعده، ولكن أهل إشبيلية اجتمعوا حول زعيم قوى آخر هو أحمد بن مسلمة وهو أيضاً من بني حجاج وقدموه لحكمها، وسبق محمداً إلى الاستيلاء عليها. فسار محمد إلى قرطبة، وقدم طاعته إلى عبد الرحمن، فتقلبها وأوفد معه الجند بقيادة الحاجب بدر، فحاصر إشبيلية ثم استولى عليها في جمادى الأولى سنة ٣٠١ هـ وهدم أسوارها، وندب لها عبد الرحمن والياً من قبله، وانتهت بذلك ثورة العرب والمولدين في إشبيلية.
وفي شوال سنة ٣٠١ هـ (مايو سنة ٩١٤ م) خرج عبد الرحمن في غزوته الثانية، وقصد إلى كورة ريه والجزيرة. وكان ابن حفصون زعيم ثورة المولدين قد عاد فبسط حكمه على تلك الأنحاء، وعادت الثورة تضطرم فيها. وبدأ عبد الرحمن بحصار قلعة " طرُّش " في شرقي مالقة، ثم سار إلى حصون ريه ومعاقلها يفتتحها تباعاً؛ وهنا قدم ابن حفصون على رأس قواته والتقى بعبد الرحمن أمام قلعة طرُّش، ونشبت بين الفريقين معركة شديدة قتل فيها كثير من جند ابن حفصون وحلفائه النصارى، وارتد الثائر بفلوله صوب الغرب، واستطاع أسطول عبد الرحمن أن يضبط عدة سفن محملة بالمؤن كانت قادمة من عدوة المغرب لإمداد ابن حفصون وأن يحرقها. وزحف عبد الرحمن على منطقة الجزيرة الخضراء، واقتحم حصن لورة الواقع بجوار الجزيرة، ثم دخل الجزيرة الخضراء في أوائل شهر ذي القعدة سنة ٣٠١ (يونيه ٩١٤ م). وسار عبد الرحمن بعد ذلك إلى شذونة ثم إلى قرمونة، وكان حاكمها حبيب بن سوادة قد ثار بها، فحاصرها حتى سلم الثائر واستأمن، فمنح الأمان، وانتقل بأهله إلى قرطبة. بيد أنه نكث بعهده فيما بعد. ودخلت في طاعته سائر المعاقل والحصون التي مر بها؛ ثم عاد إلى قرطبة في شهر ذي الحجة بعد أن أصاب جبهة الثورة في تلك المرة بضربة شديدة وإن لم تكن قاضية. ومع أن عبد الرحمن كان يتوق إلى سحق الثورة بكل الوسائل، فإنه لم يلجأ إلى قسوة لا مبرر لها، بل آثر منذ البداية أن يتبع سياسة الرفق والتسامح نحو الزعماء والثوار الذين قدموا خضوعهم
стр. 370
وطاعتهم، فسمح للكثير منهم بالانتقال إلى قرطبة مع الأهل والولد، وأجرى عليهم الأرزاق والأعطية، وأبدى بالأخص نحو النصارى الذين أذعنوا إلى الطاعة منتهي الكرم والتسامح (١).
وفي سنة ٣٠٢ هـ (٩١٥ م)، وقع حادث سعيد في البلاط القرطبي، هو مولد ولي العهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر. وقد اختلف في تاريخ مولده، فيقول الرازي إنه وقع يوم الجمعة غرة رجب من هذه السنة. ويقول محمد ابن مسعود إنه وقع في يوم الجمعة ٢٤ من جمادى الأولى، وأمه مرجان الرومية، أم الولد الأثيرة، وقد سر عبد الرحمن بولادته أيما سرور، ونوه بها، وأوسع الإنعام، وتقدمت طبقات الناس إليه بالتهنئة. وأنشد الشعراء تهانيهم، فمن ذلك قول الفقيه أحمد بن محمد بن عبد ربه:
هلال نماه البدر واختاره الفجر ... تلقت به شمس وأنجمه زهر
على وجهه سيما المكارم والعلى ... فضاءت به الآمال وابتهج الشعر
سلالة أفراس وبيت خلايف ... أكفهم بحر ونايلهم غمر
بدا لصلاة الظهر نجم مكارم ... تحف به العليا ويكنفه الفخر
ثماه إلى العليا خير خليفة ... تتيه به الدنيا ويزهى به العصر (٢)
وفي أواخر سنة ٣٠٢ هـ (٩١٥ م) حل بالأندلس قحط شديد، فعزت الأقوات وارتفعت الأسعار، وأمر عبد الرحمن وزيره أحمد بن محمد بن زياد بالبروز بالناس للاستسقاء، فبرز بهم يوم الإثنين ١٣ شوال (أول مايو) فنزل فيه رذاذ مملح وندى مبلل لم يكن له كبير أثر (٣)، وعمت المحنة سائر القواعد والثغور، واستمرت خلال العام التالي (سنة ٣٠٣ هـ)، وبلغت الشدة بالناس مبلغاً عظيماً، وانتشر الوباء مع القحط، وكثر الموت، وهلك كثير من الرؤساء والوجهاء، وكانت محنة قاسية شديدة الوطأة. ولم يدخر عبد الرحمن خلال تلك الآونة العصيبة، وسعاً في بذل المعونة والغوث لشعبه بتوزيع المؤن والصدقات الوفيرة. وحذا حذوه كثير من الكبراء وأهل الدولة، فكان
стр. 371
لمجهودهم أثر كبير في التلطيف من آثار المحنة. وكان لهذا الظرف أثره في تهدئة الثورة، وألفت في عضد الثوار، ولكن عبد الرحمن لبث مع ذلك متيقظاً يرقب حركاتهم بحذر وأهبة.
ويحدثنا ابن حيان عن هذه المحنة في حوادث سنة ٣٠٣ هـ، ويقدم إلينا عنها الصورة التالية:
" فيها كانت المجاعة بالأندلس التي شبهت بمجاعة سنة ستين، فاشتد الغلاء، وبلغت الحاجة والفاقة بالناس مبلغاً لم يكن لهم عهد بمثلها، وبلغ قفيز القمح بكل سوق قرطبة ثلاثة دنانير، ووقع الوباء في الناس، فكثر الموتان في أهل الفاقة والحاجة، حتى عجز عن دفنهم، وكثرت صدقات الناصر لدين الله في هذه الأزمة على المساكين وأهل الفاقة، وعلى المتعففين عن المسئلة، وصدقات أهل الحسبة من رجاله الموتسين فيه، فنفع الله بهم كثيراً من خلقه. وكان حاجبه بدر بن أحمد، مدبر دولته، أفشاهم صدقة، وأعظمهم مواساة، فنعش الله به أمة. وعدا أصر هذه المجاعة وضيق الأحوال، السلطان عن تجريد صايفة وإعداد جيش، لما بالناس من الجهد. فأخذ الناصر لدين الله في شأنه بالوثيقة، وعول على ضبط أطراف وتحصين بيضته، والإرصاد لأهل الخلاف والخلعان خلال معاقلهم، ومجال مساربهم، إذ كانوا مع استيلاء المجاعة عليهم، لا يفترون عن العدوان، على من مر بهم من رفاق المسلمين، وطالبي المعيشة، وجالبي الميرة، فلم يجدوا منفذاً إلى ما طمعوا فيه من إشاعة، ونفع الله بذلك. وعاث الموتان في هذه الأزمة، فأودى بخلق من وجوه أهل قرطبة وعلمايهم وخيارهم " (١).
وما كادت تنقشع هذه الغمة حتى عاد عبد الرحمن إلى استئناف الغزو، فسير قائده أحمد بن محمد بن أبي عبدة غازياً إلى أرض النصارى. وسوف نتتبع غزوات عبد الرحمن لاسبانيا النصرانية مجتمعة فيما بعد. وسير وزيره إسحق بن محمد القرشي إلى كورتي تدمير وبلنسبة، فطارد فيهما أهل الخلاف، وافتتح حصن أوريولة المنيع، قاعدة تدمير التالد من يد الثوار، ثم أخضع الثوار في مدينة الحامة.
وغزا الحاجب بدر مدينة لبلة، وكان صاحبها الثائر عثمان بن نصر ممتنعاً بها.
стр. 372
فبعث إليه الحاجب يلاطفه ويبذل الأمان له ولأصحابه، ويعده بكل ما يحب، ولكن الثائر رفض كل عرض، وأصر على العصيان، فطوق بدر المدينة، وبرز له كثير من أهل الطاعة فأمنهم، وأبقاهم لديه، وجد في مهاجمة عثمان وأصحابه إلى أن اقتحم عليه المدينة يوم ٢٠ رمضان سنة ٣٠٣ هـ (فبراير ٩١٦ م)، وقبض على عثمان وصحبه وأرسلهم في الأصفاد إلى قرطبة، وأمن أهل المدينة، ونظر في مصالحهم. وقد نظم ابن عبد ربه في فتح مدينة لبلة وفي مديح الناصر والحاجب بدر قصيدة يقول فيها:
خليفة الله وابن عم رسـ ... ـول الله والمصطفي على رسله
منتك نعمى نمت سوابغها ... كما استتم الهلال في كمله
وجه ربيع أتاك باكره ... يرفل في حليه وفي حلله
وأقبل العيد لاهياً جذلا ... يختال في لهوه وفي جذله
نصر من الله تضمنه ينهـ ... ـض في ريثه وفي عجله
يجري بشأو الأمام منصلتا ... يسبق حضر الجياد في مهله
قد وقف النكث والخلاف بها ... وقوف صب يبكي على طله (١)
وفي هذا العام، سنة ٣٠٣ هـ، وقع حادث داخلي هام، هو جنوح عمر بن حفصون، أكبر ثوار الأندلس إلى الصلح والطاعة، فبعث إلى الناصر يخطب وده، ويلتمس الصلح، مستشفعاً بما كان منه في إيواء الأمير محمد والد عبد الرحمن وحمايته، حينما فر من أبيه الأمير عبد الله. وقام بالوساطة في ذلك يحيى بن إسحق طبيب عبد الرحمن، وكان صديقاً لعمر بن حفصون، فبذل في سبيل ذلك جهده، وعاونه الحاجب بدر لدى الناصر، فاستجاب الناصر لعقد الصلح مع عمر، مع الحذر من غدره ومكره، واتصل يحيى في ذلك مع جعفر بن مقسم أسقف ببشتر، وعبد الله بن أصبغ بن نبيل، وودنا ابن عطاف، وهم أكابر رجال ابن حفصون وخاصته، وكانوا يميلون إلى عقد الصلح والدخول في كنف الطاعة. وسار يحيى نفسه لمقابلة ابن حفصون، ووضع معه شروط الصلح، وعاد إلى قرطبة، وأقر الناصر تلك الشروط،
стр. 373
وعقد لابن حفصون على ذلك كتابه المشهور، الذي خط في أسفله بيده الأسطر الآتية:
" يا لله الذي لا إله إلا هو الطالب الغالب، وجميع إيمان البيعة لازمتي من العهود المشددة، والأيمان المؤكدة، والمواثيق المغلظة، لا نقضت شيئاً مما جمعه هذا الكتاب تبديله، ولا نقصان شيىء منه، ولارضيت ذلك في سر ولا جهر، وأن كل ما فيه من الشروط والعهود والمواثيق لازمتي، والله شهيد علينا، وخططنا هذه الأحرف بيدنا، وأشهدنا الله على أنفسنا، وكفانا بالله شهيداً، ما وفى عمر بن حفصون بما نص في هذا العهد وصحح فيه إن شاء الله، والله المستعان ".
ويقول لنا الرازي الذي يورد لنا نص هذه الوثيقة، إن الحصون التي دخلت في أمان عمر بن حفصون بمقتضى هذا الصلح، وسميت في كتاب العهد، مائة واثنين وستين حصناً. واغتبط عمر بن حفصون بعقد هذا العهد مع الناصر أيما غبطة، وبذل جهده في المحافظة على شروطه وأوضاعه، وسر الناصر من جانبه بما أبداه ابن حفصون في ذلك من دقة وإخلاص وقدم ابن حفصون بهذه المناسبة إلى الناصر هدية فخمة، فتقبلها الناصر، وحسن موقعها لديه، وكافأ ابن حفصون عنها بأضعافها؛ وعظم سرور ابن حفصون بها، واستحكمت طاعته طول حياته. وكان هذا من أعظم العوامل في تهدئة اضطرام الثورة، وجنوحها إلى التبدد وإلانهيار (١).
وكان حبيب بن سوادة الثائر بقرمونة قد نكث بعهده، وعاد إلى قرمونة، وأظهر الامتناع بها، فسير إليه عبد الرحمن الحاجب بدراً في حملة قوية، فحاصر بدر قرمونة وضربها بالمجانيق بشدة، ثم دخلها عنوة، وقبض على حبيب وولده وأرسلهما في الأصفاد إلى قرطبة (ربيع الأول ٣٠٥ هـ) (٢).
وفي شهر ربيع الأول من العام التالي، في سنة ٣٠٦ هـ (سبتمبر ٩١٨ م) (٣)
стр. 374
وقع حادث كان له أكبر الأثر في تفكك عرى الثورة وانحلالها. ذلك هو وفاة عمر بن حفصون زعيم الثورة الكبرى، ومثير ضرامها في غربي الأندلس، توفي بعد مرض طويل، في الثانية والسبعين من عمره. وكان ابن حفصون في الواقع أخطر ثائر عرفته الأندلس منذ الفتح، وكانت ثورته تمثل أخطر العناصر التي لا تدين بالولاء لحكومة قرطبة، وفي مقدمتها طائفة المولدين الذين ينتمي إليهم، وهم سلالة القوط والنصارى الإسبان الذين أسلموا منذ الفتح، وغدوا جزءاً من الأمة الأندلسية. وكان أولئك المولدون بالرغم مما تسبغه عليهم حكومة قرطبة الإسلامية من ضروب الرعاية والتسامح، يضمرون لها الخصومة والكيد، وينتهزون كل فرصة للخروج عليها. وكانوا يلقون العون دائما من زملائهم النصارى المعاهدين رعايا الحكومة الاسلامية. وقد رأينا كيف دبر ابن حفصون حركته ونظم ثورته في المناطق الجنوبية الغربية، فيما بين رندة ومالقة، وقد كانت فضلا عن وعورتها ومناعتها الطبيعية، تضم كثرة من المولدين والنصارى، وكان من هؤلاء معظم أنصاره وجنده. ولم ير ابن حفصون نفسه وهو يرجع إلى أصل نصراني، بأساً من أن ينبذ الإسلام ويرتد إلى النصرانية لكي يذكي حماسة أنصاره. وهكذا كانت وفاة هذا الثائر الخطر ضربة شديدة للثورة، وتنفست حكومة قرطبة لوفاته الصعداء، بعد أن شغلها زهاء ثلاثين عاماً.
قال الرازي: " وكان أول قيامه بالفتنة، وصدعه عصى الجماعة، وامتناعه بقلعة ببشتر منبر المعصية، من ثلاثين سنة، ركب فيها من العيث في الخلق، والفساد في الأرض بغير الحق، ما لم يركبه مارق بالأندلس، منذ دانت للمسلمين، فعد مهلكه فاتحة الإقبال، وطالعة السعد، واجتثاث الفتنة " (١).
وقد بالغت التواريخ النصرانية في تصوير ثورة عمر بن حفصون الطويلة المدى، واعتبارها ثورة قومية تهدف إلى غاية وطنية سامية، وهي تحرير وطنه - إسبانيا - من نير المتغلبين عليه، وأنه كان في مناوأته لحكومة قرطبة الإسلامية يجيش بهذه النزعة، ويهدف إلى هذه الغاية. وعمل النقد الحديث على إبراز هذه الصورة، وعلى اعتبار ابن حفصون بطلاً قومياً، جديرًا بالتقدير والاحترام.
стр. 375
وهذا ما نقرأه في تعليقات بعض أكابر النقدة المحدثين أمثال دوزي وسيمونيت، وذلك بالرغم من كونهم لم ينسوا أن يذكروا في نفس الوقت أن ابن حفصون قد نشأ سفاحاً وقاطعاً للطرق، لا تحدوه أية نزعة وطنية أو غاية مثلى. بيد أن سيمونيت، وهو مؤرخ النصارى المستعربين، يحاول أن يبرر حسن تقديره وتصويره لحركة ابن حفصون، بأن قيامه اتخذ فيما بعد " شكلا أكثر نبلا، وتحوله من زعيم عصابة إلى زعيم حزب وأمة " (١). ويصفه دوزي بأنه " البطل الإسباني الذي لبث أكثر من ثلاثين عاماً يتحدى المتغلبين على وطنه، والذي استطاع مراراً أن يجعل الأمويين يرتجفون فوق عرشهم " وأنه " كان بطلا خارقاً لم تنجب إسبانيا مثله منذ أيام الرومان " (٢). أما نحن فنرى في مثل هذه الآراء مبالغة وإغراقاً، وأنها ليست إلا ثمرة نزعة من التعصب الديني والجنسى، الذي يطبع النقد الغربي، في كثير من المواطن، وأن ابن حفصون بالرغم من صلابته وقوة عزمه، وبراعة خططه، لم يكن سوى قاطع طريق، وثائر من طراز قوي عنيف. أجل إن ابن حفصون، كان يدعو منذ اشتد ساعده، إلى ما يسميه قضية الاستقلال والحرية، وتحرير مواطنيه من نير المسلمين، بيد أنه لم يكن في هذا الزعم سوى مخادع سياسي، يسعى إلى كسب الصحب والأنصار لتقوية مركزه، ودعم سلطانه، ولم يكن يصدر في مغامراته وحروبه أو في أعماله خلال ثورته الطويلة، عن أية نزعة نبيلة، أو تصرف تطبعه الشهامة، والعزة القومية، بل كانت أعماله وتصرفاته كلها، بغى صراح، وإجرام في إجرام.، وامتهان لكل المبادئ الأخلاقية، وكل مقتضيات الشرف والمروءة والشهامة. ومن كان هذا شأنه، فإنه من التعسف أن تُسبغ عليه صفات البطولة، وثوب التحرير والوطنية.
وترك ابن حفصون أربعة بنين، هم سليمان وعبد الرحمن وجعفر وحفص، وإبنة هي "أرخنتا"؛ وكان له ولد آخر هو أيوب اتهمه أبوه عندما اعتل ذات مرة، بمحاولة الفتك به وقتله (٣). فقام سليمان في أبَده، وقام جعفر مكان أبيه في ببشتر بعهد منه، وكان أبوه قد قلده عهده في حياته، وأخذ له البيعة في
стр. 376
أواخر أيامه، فأظهر جعفر يوم موت أبيه لجميع نصارى ببشتر أنه يعتقد دينهم، ويدين بالنصرانية معهم، وزعم أن أباه كان يعتقد ذلك ولا يظهره، وجمع إلى نفسه ثقاته منهم، مع القسيسين والرهبان دون سائر الناس، فتولوا تجهيز والده معه، ودفنه على سنة النصارى، بعد أن أمر بسد باب القصبة، وحجاب باقي الناس من نصارى وغيرهم، ولاطف جعفر إخوته، ووعدهم بالجميل حتى سلموا له، قال الرازي: " وكان جعفر في ذاته متهوراً سخيفاً، جباناً ضعيف السيما، ذميماً، جسوراً حقوداً، منافساً لمن يعمل عنده، كنوداً لمن استرسل إليه، موالفاً للسفال، مستصحباً للأرذال، لم تسم همته إلى مروءة، ولا انطوت نيته على جميل، ولا عرف قدر ما مهده له والده مع السلطان من فراش الصلح، وبسط من ظلال الأمن، بالتسجيل له على أعماله، وإمضاء ذلك بعده لعقبه، بل غمط النعمة عليه، ورفض الساعين فيه لأبيه، وعقد شهادات جماعة من السفلة والطغام، على ابن مقسم الأسقف وابن نبيل وابن عطاف حاجبيه، فإنهم سعوا في الغدر بوالده عند السلطان، وأرادوا إراحة سلطانه عن ولده بعده " (١).
بيد أنه لم تمض أشهر قلائل حتى سير عبد الرحمن قواته إلى أبدة فاقتحمتها وأسر سليمان، وأخذ إلى قرطبة حيث عفا عنه عبد الرحمن وضمه إلى جيشه؛ وكذا استسلم عبد الرحمن بن حفصون، وكان ممتنعاً بحصن طُرُّش، وكان أخوه جعفر صاحب ببشتر، قد ضايقه، وحاول أن ينتزع منه طرش، فالتجأ عندئذ إلى الأمير، وأذعن للطاعة، على أن يسلم حصنه ويمنح الأمان لنفسه وأهله، فأجابه الأمير إلى ما طلب، وتسلم منه الحصن، واستقدمه إلى قرطبة وأجرى عليه الصلات، وكان أديباً شاعراً. واستبد جعفر بحكم ببشتر وما حولها، وآثر عبد الرحمن أن يهادنه مدى حين، وأن يقره على أعماله. وفي سنة ٣٠٨ هـ (٩٢٠ م) قتل جعفر في ببشتر ضحية مؤامرة قيل إنها من تدبير أخيه سليمان، وقيل من جهة أخرى إنه رأى أن يعود إلى الإسلام اكتساباً لمودة السكان والجند المسلمين، فاغتاله نفر من جنده النصارى (٢). فقام أخوه سليمان مكانه في ببشتر، وأقره عبد الرحمن
стр. 377
على ولايته، ولكنه نكث عهد الطاعة، فسار عبد الرحمن لقتاله وحاصره مدى حين، وكان أصحاب سليمان بحصن طُرُّش، قد نبذوا الطاعة مثله، فسار عبد الرحمن إلى طرش، ونازلهم، ثم ترك قوة استمرت في حصارهم، حتى أذعنوا إلى الطاعة، وسلموا الحصن بالأمان، وأمر عبد الرحمن بتخريبه وتسويته بالأرض. ثم سار عبد الرحمن لحصار سليمان مرة أخرى في سنة ٣١١ هـ (٩٢٣ م)، وخرب سائر المناطق التي يسيطر عليها الثائر، وأخضع معظم حصونها، واعتصم سليمان بجبل بُبَشتر، فنازله عبد الرحمن، واشتد في محاصرته، حتى ضاق الثائر وصحبه بالحصار ذرعاً، وخرج عليه معظم أنصاره، ونكل بالكثير منهم. ونازل عبد الرحمن بالأخص حصن الشط، وكان من أمنع الحصون الثائرة، حتى تغلب ْعليه وعلى ما حوله من الحصون. وأخيراً عرض عليه سليمان أن يعود إلى الطاعة، وأن يسلم بعض حصونه، فاستجاب عبد الرحمن إلى رغبته، وتسلم حصن الشط، وحصن منت ميور وغيرهما من الحصون كفالة بحسن الطاعة، وانصرف عائداً إلى قرطبة، وهو يتحين الفرصة الملائمة للقضاء على الثائر بصورة نهائية.
وفي سنة ٣١٣ هـ، صُلب على الرصيف بباب قرطبة، رجل من أصحاب ابن حفصون هو الرامي النصراني المعروف بأبى نصر، وكان من أحذق الرماة في عصره، وطار صيته أيام عمر بالحذق في الرماية وإصابة الأغراض البعيدة، قلما تخطئ رميته، وقد أودى بحياة كثير من المسلمين من الجند وغيرهم، وساد الذعر منه، وانتهى الأمر بأسره، وإحضاره إلى الحضرة، فجىء به إلى باب السُّدَّة وأمر عبد الرحمن بصلبه وشكه بالسهام، فرفع فوق جذع في مشهد حافل من الناس، وتعاورته الرماة بالسهام حتى مزق بدنه، وترك داميا فوق جذعه؛ ثم أخذت جثته بعد أيام وأحرقت (١).
وفي أواخر سنة ٣١٤ هـ، سير عبد الرحمن وزيره عبد الحميد بن بسيل إلى ببشتر، وخرج سليمان في قواته إلى لقائه فهزم وقتل، واحتز رأسه وقطعت أشلاؤه، وأرسلت إلى قرطبة فرفعت على باب السدة (يونيه سنة ٩٢٧ م).
وقام أخوه حفص مكانه في ببشتر، واستمر على المقاومة حيناً. وفي ربيع الأول سنة ٣١٥ هـ، سار عبد الرحمن بنفسه إلى ببشتر ومعه ولي عهده الحكم،
стр. 378
وكان يومئذ صبياً في الثانية عشرة من عمره، ونزل على مدينة ببشتر ذاتها، وبها حفص، وشدد عليها الحصار، وابتنى إزاءها حصناً للتضييق عليها، وفرق قواته لمنازلة بقية الحصون الثائرة، ثم ترك قوة لمتابعة الحصار. واستمر الحصار بضعة أشهر، حتى اضطر حفص أن يذعن أخيراً إلى التسليم؛ فسلم المدينة بالأمان إلى القائد سعيد بن المنذر، وذلك في أواخر شهر ذي القعدة سنة ٣١٥ هـ (يناير سنة ٩٢٨ م) وأخذ حفص بن عمر وأهله وأصحابه، أسرى إلى قرطبة، فعفا عبد الرحمن عنهم، وأحسن مثواهم، وضم حفصاً إلى جيشه.
وفي العام التالي سنة ٣١٦ هـ، سار عبد الرحمن إلى ببشتر لتنظيم شئونها، فخرج من قرطبة في منتصف شهر المحرم منها (مارس سنة ٩٢٨ م) ورافقه ولده الحكم، ووزيره أحمد بن محمد بن حُدير، واستخلف على المدينة أحمد ابن عيسى بن أبي عبدة. وقصد إلى ببشتر بطريق أشونة، فوصلها في العشرين من المحرم، ودخلها وجال في أرجائها، وألفاها منقطعة النظير من حيث الحصانة والمنعة. فعين لها والياً من قبله، وعمد إلى تطهيرها من آثار ابن حفصون، فصلى في مسجدها الجامع، وأمر أن تقام به الصلاة. وكان ابن حفصون في أواخر أيامه، قد أثار حول موقفه من تذبذبه حول إظهار الإسلام، وجنوحه إلى النصرانية، ريباً حول حقيقة الدين الذي كان يعتنقه. فأمر الناصر بنبش قبره، وإخراج جثته وفحصها. فتبين من هيئتها، وكونه ملقى على الظهر، مشبوك الذراعين على الصدر، ومستقبلا المشرق، أنه دفن على دين النصرانية، وعاين ذلك الناس من العسكر وغيرهم، وشهد بذلك الفقهاء المرافقون، واتفق الجميع على أنه هلك على دين النصرانية. فأمر عبد الرحمن بحمل الجثة، إلى قرطبة، حيث علقت في أعلى الجذوع على باب السًّدة يكتنفها أشلاء ولديه المصلوبين قبله، وهما حكم وسليمان. واستمرت أشلاؤهم معلقة على جذوعها عبرة للناظرين حتى سنة ٣٣١ هـ، حيث حملها مد النهر الطامي في تلك السنة ولأحمد بن محمد الرازي في صلب أوصال ابن حفصون قصيدة يقول فيها:
تبدي لمرأي العين مجسماً ... وقام من الأجداث خلقاً متمماً
فما كان إلا مثل من نام نومة ... فأنبه عنها حين أغفي وهوّما
стр. 379
ثوى في الثرى حتى إذا صار رمة ... أعيد إليه جسمه فتلأما
رقى فوق جذع بالهواء معلق ... يحاول منه بالنجوم تحوُّما
تبارك من أبداه للخلق سامغاً ... وبوّأ منه النفس قعر جهنما (١)
وأمر عبد الرحمن، فعمرت سائر مساجد ببشتر المهجورة، وهدمت سائر الكنائس والأديار، التي ابتناها الثائر في تلك المنطقة، واستولى عبد الرحمن على سائر معاقلها وحصونها، وطهرها من آثار الثورة الأخيرة (٢). ثم أمر بعد ذلك بالقبض على " أرخنتا " ابنة عمر بن حفصون وإعدامها، لارتدادها عن الإسلام، وتمسكها باعتناق النصرانية، فأعدمت في سنة ٩٣١ م، أو في سنة ٩٣٧ وفقاً لرواية أخرى، ونظمتها الروايات والأساطير النصرانية في سلك القديسين والشهداء (٣).
هذا، وقد أصدر الناصر عقب فتح ببشتر واستئمان حفص، كتاباً طويلا ينوه فيه بهدى الإسلام وفضله، وما خصه الله به من خلافته وأمانة عباده، ويشير إلى خروج المارقين، وميل نفوسهم المريضة إلى الشرك، وكيف أنه أصدر أمانة لأهل ببشتر، ثم يقول في خطابه ما يأتى:
" وعهدنا إلى الوزير أحمد بن محمد حدير، بالتقدم إليهم لحضور خروجهم، ومباشرة نزولهم، وإكمال الأمان لهم، وقبض الأيدي عنهم، فنهض إلى ذلك وقصد له، فلما صار بمدينة طلجير، المبتناة على مدينة ببشتر، هبت بالطاغين عنها، فتساربوا خارجين، وتهافتوا ذاهبين، وتعرفوا الذي سبا إلى جوانب شتى، فقصد كل واحد إلى منزعه، وأم مكان طماعيته، ولحق بمداين الطاعة، فصاروا في غمار الرعية، وتمكث خلفهم عميدهم حفص بن عمر طاير الفواد،
стр. 380
خافق القلب، لم تطب نفسه على الخروج خواراً، ولا سكن منه الأمان نفاراً، يخشى كل يد أن تضبط عليه، وكل شجرة أن تتعلق به، قد خامره من الرعب ما كاد أن يربى على العطب، فطمأن الوزير أحمد محمد بن حدير من جزعه، وسكن من جأشه، ووفاه من آمالنا المبسوطة ليناً وثق به واطمأن إليه، فخرج آخر الخارجين، ولحق بالآمنين، فأصبحت مدينته بقعة الضلالة، ومنبر الخلاف، ومعدن الغواية، بما أحاط بها من أسوارها وأبنيتها وقصابها، وبداخلها من جناتها ومصانعها، مغوية من قطينها، خاوية على عروشها، كأن لم يغن بها ساكن، ولا استوطنها قافل ".
ثم يقول إنه أمر بعد ذلك بتخريب ببشتر، وحط أسوارها، وإنزال جدرانها، وهدم كل قايم فيها من قصرها ودورها ومخازنها، وإعادتها جبلا أجرد، على ما كانت عليه لأول خلقها. " ثم استقدمنا حفصاً اللائذ بالتوبة إلى ما تفضلنا عليه من التأمين والتمكين، وعدنا عليه من العفو والتطمين، وأخذنا فيه بالفضل المبين، الذي جعلنا الله أهله، وغلب على مذهبنا إيثاره، وجمعنا له من ذلك ما اغتبط به، وسكن إليه، وقرر نفسه عليه، فاعلم ذلك، وقف عليه، واستشعر حمد الله، ومر بقراءة كتابنا هذا إليك على المسلمين قبلك في جامع موضعك، ليحمدوا الله عز وجهه، على عظيم ما اصطنعه إليهم، ووهبه لهم، وليحدثوا من شكره تعالى على ما درأ عنهم، والتقرب بنوافل الحمد إليه، ما يستدام له رضاه عز وجهه، ويستجلب به المزيد من نعمه، إن شاء الله وهو المستعان، وكتب يوم الخميس لخمس من ذي الحجة سنة خمس عشرة وثلث ماية ".
ويقول لنا الرازي، إن الناصر لما خرج إلى ببشتر، وأمر بهدمها، أمر بالإبقاء على القصور والقصاب، التي أبقاها لعماله وحشمه الذين ندبهم للقيام بها، فدكت أسوارها، وحطت أعلامها، وأنه أي الناصر أصدر كتاباً بحوادث ببشتر، والأمر بهدمها، وهدم مسجدها الذي أقامه ابن حفصون، لأنه كان ستاراً لفسقه المسلمين، والأمر بإحراق منبره " الذي دعى فيه للخنزير الضال، ومن خلفه من نسله الخبيث، وأعلن عليه بدعوة الشيعة " (١).
стр. 381
ولم يغفل عبد الرحمن في الوقت الذي كانت فيه ثورة ابن حفصون وأبنائه في جنوب الأندلس، تشغل معظم عنايته، عن مطاردة الثورة في الأنحاء الأخرى.
وكانت طليطلة من أمنع معاقل الثورة، فسير عبد الرحمن جنده لحصارها، وفيها لُبّ بن الطربيشة وهو من زعماء المولدين، واستمر الحصار زهاء عامين حتى نضبت موارد المدينة، وخبت عزائم أهلها واضطرت في النهاية إلى التسليم والإذعان.
وسار لبّ مع الأمير بقواته إلى الغزو في أرض النصارى (سنة ٣٠٨ هـ). وكانت بطليوس وأحوازها منذ أكثر من أربعين عاماً، معقلا من معاقل ثورة المولدين.
وكان بنو مروان الجليقي ما يزالون يسيطرون على تلك المنطقة، وكانوا من أخطر الخوارج وأشدهم مراساً، يمالئون الأمراء النصارى ويحالفونهم على حكومة قرطبة.
ففي سنة ٣١١ هـ (٩٢٣ م)، هلك عبد الله بن محمد بن مروان الجليقي صاحب بطليوس قتيلا بيد بعض المخالفين من أصحابه، فقام مكانه ولده عبد الرحمن، واستبد بمدينة بطليوس وما حولها، واستمر بضعة أعوام على خروجه وتحديه لحكومة قرطبة.
وفي ربيع الأول سنة ٣١٧ هـ (إبريل ٩٢٩ م) خرج الناصر من قرطبة متجهاً نحو الغرب، ومعه ولداه الحكم والمنذر وعدة من الوزارء، واستخلف على القصر ولده عبد العزيز. وبعث الناصر ينذر المتخلفين عن الطاعة، بوجوب الدخول في طاعته، والتخلي عن العصيان، وفي مقدمتهم. صاحب بطليوس عبد الرحمن بن عبد الله الجليقي. ووصل الناصر بجيشه إلى بطليوس في أواخر ربيع الآخر من هذه السنة وحاصر بطليوس، وقاتل المتصدين للمقاومة حتى هزموا واقتحم أرباضهم، وأحرقت ديارهم، فامتنعوا داخل المدينة؛ فعهد الناصر بقتالهم إلى القائد أحمد بن إسحق القرشي في قوة كثيفة، فشدد في حصار المدينة، واقتحم ما حولها من الحصون، ثم ضربها بالمجانيق بشدة، وقطع عنها كل مورد، واشتد بأهلها الضيق، واضطر الجليقي إلى الإذعان وطلب الأمان، فأجابه الناصر إليه، وأسكنه هو وأهله وأكابر رجاله بحضرة قرطبة، وعين لبطليوس والياً جديداً هو عثمان بن عبد الله، وكان خضوع بطليوس في سنة ٣١٨ هـ (٩٣٠ م).
ولما غادر الناصر بطليوس سار إلى مدينة باجة، أقصى قواعد الغرب،
стр. 382
وفيها الثائر عبد الرحمن بن سعيد بن مالك، فنزل عليها، وأنذر صاحبها بالدخول في الطاعة، فلم يقبل النصح، فطوقها وحاصرها بشدة، حتى أجهد أهلها الجوع والعطش، وتساقطوا من الإعياء، وعندئذ اضطر صاحبها إلى الإذعان، فمنحهم عبد الرحمن الأمان، وأمن صاحبها وآله، وخرجوا إليه تائبين مستسلمين، فبعثهم إلى قرطبة. وكان افتتاح باجة في منتصف جمادى الآخر سنة ٣١٧ هـ. ونظر الناصر في مصالح المدينة، ثم عين لها والياً من قبله، هو عبد الله بن عمرو ابن مسلمة، وزوده بحامية كافية.
وتحول عبد الرحمن بعد ذلك إلى مدينة أكشونبه على مقربة من ساحل المحيط الجنوبي، وبها الثائر خلف بن بكر، فبادر إلى الطاعة معتذراً، وأقره الناصر على ولايته، على أن يلتزم بأداء الجباية وبحسن السيرة.
وقضى الناصر في هذه الغزوة زهاء ثلاثة أشهر، طهر خلالها أنحاء ولاية الغرب من آثار الخروج والثورة، ثم قفل إلى قرطبة فوصل إلى القصر في منتصف رجب (١). وكان الناصر قد سار بنفسه إلى تدمير وبلنسية، وذلك في سنة ٣١٢ هـ (٩٢٤ م) أثناء مسيره إلى غزوة بنبلونة الكبرى، حسبما نفصل بعد. فطارد الخوارج والعصاة في شرقي الأندلس، واستولى على معاقلهم ومزق شملهم. وفي سنة ٣١٤ هـ (٩٢٦ م) سير الناصر وزيره القائد عبد الحميد ابن بسيل إلى الثغر الأعلى لمقاتلة بني ذى النون، وكانوا قد عادوا إلى الخلاف والعصيان، وأكثروا من الفساد والعدوان على من جاورهم من المسلمين وأهل الذمة، فقصد إلى معقلهم شنت بَرِيَّة واقتحمها، وقتل كبيرهم محمد بن محمد ابن ذى النون، وعدة أخر من رجالهم، وافتتح مدينة سُرية من مدنهم، وولى عليها عاملا للسلطان. وخضعت شنت برية وما والاها للطاعة، ودرت جبايتها من ذلك الحين (٢). وفي سنة ٣١٧ هـ، افتتحت مدينة شاطبة، واستنزل عنها صاحبها عامر بن أبي جوشن الثائر بها، بعد أن ترددت الحملات عليه، مدى خمسة أعوام، وكان خضوعه على يد صاحب الشرطة العليا درِّى بن
стр. 383
عبد الرحمن، واشترط عامر عند استسلامه أن يمنح الإقامة مدة في حصن " شنت مريّة " من حصونه، حتى ينظم شئونه ويسير في أهله إلى قرطبة، فأجيب إلى طلبه (١). وهكذا أخمدت الثورة في سائر النواحي، بعد أن لبثت زهاء نصف قرن تستنفد قوى الأندلس ومواردها، وتفت في عضدها، وتقعدها عن الكفاح ضد عدوها الحقيقي المتربص بها، ونعني اسبانيا النصرانية.
- ٢ -
كانت إسبانيا النصرانية في خلال تلك الفترة التي اضطرمت فيها الأندلس بالفتن، وشغلت حكومة قرطبة بأمر الثورة في النواحي، تسير قدماً في سبيل القوة والتوطد، وتعمل جاهدة لانتهاز كل فرصة للكيد للأندلس، وممالأة ثوارها والعيث في أراضيها. وكانت تنقسم عندئذ إلى إمارتين أو مملكتين متحالفتين، هما مملكة ليون (أو مملكة جليقية)، ومملكة نافار (نبره أو بلاد البشكنس).
وكانت ليون وهي الواقعة في الشمال الغربي بين المحيط ونهر دويرة، أكبر المملكتين وأوفرهما قوة ومنعة، وكانت بذلك تتولى قيادة إسبانيا النصرانية، في ميدان الكفاح الخالد بينها وبين إسبانيا المسلمة. وكانت قواعد الأندلس الشمالية التي تتاخم مملكة ليون، مثل أسترقة وسمورة وشلمنقة وشقوبية وميراندة، قد خلت منذ أواخر القرن الثامن من معظم سكانها المسلمين، واستوحش العرب والبربر، لقلتهم في تلك الأنحاء، وكثر اعتداء النصارى عليهم، وتوالي القحط في تلك الربوع، فهاجروا إلى الجنوب، وجاء ملك ليون ألفونسو الثالث (أواخر القرن التاسع)، فعاث في تلك المنطقة، وفتك بمن فيها من المسلمين، ثم ارتد إلى جباله. ولبثت هذه المنطقة قفراً خالية تقريباً، يتبادلها المسلمون والنصارى من وقت إلى آخر، وشغلت حكومة قرطبة بأمر الثورة فلم تستطع رد الاعتداء، وانتهز ألفونسو الثالث تلك الفرصة، فدفع حدود مملكته جنوباً حتى نهر دويرة.
واختط هنالك عدة قلاع منيعة، كان يتخذها النصارى قواعد للإغارة على الحدود الإسلامية، واجتياح المسلمين العزل بالنار والسيف، وقتل النساء والأطفال والشيوخ، ونهب الأموال والمتاع. وجرى ولده غرسية على هذه السياسة الدموية الغاشمة. وكانت إسبانيا النصرانية تنظر من خلال هضابها القفرة، ومواردها
стр. 384
الضئيلة، وفقرها المدقع، إلى وديان الأندلس النضرة، وإلى نعمائها الوافرة، وحضارتها الزاهرة، بعين المقت والحسد، وتعمل جاهدة لبث الدمار والويل إلى هاتيك الربوع السعيدة. وكان على حكومة قرطبة أن تعمل على حماية الأندلس وحماية تراثها وحضارتها، من هذا العدوان الخرب الذي أخذ يشتد يوماً عن يوم.
وكان عبد الرحمن حينما ولي الملك، يؤثر الإغضاء حيناً عن محاربة النصارى، لكي يكرس جهوده وقواه لقمع الثورة، وتطهير الأندلس من عناصر الفتنة، ولكن النصارى رأوا بالعكس أن يعملوا على انتهاز الفرصة، وإذكاء نار الفتنة والفوضى في الأندلس. فما كاد عبد الرحمن يلي الملك، حتى بادر أردونيو الثاني (أرذون) ملك ليون بالإغارة على الأراضي الإسلامية، واتجه أولا نحو منطقة الغرب لنأيها وضعف وسائل الدفاع عنها، وقصد إلى مدينة يابُرة، الواقعة غربي بطليوس. ويقول لنا الرازي إن أردونيو نزل على يابرة في يوم ١٣ من المحرم سنة ٣٠١ هـ (أغسطس ٩١٣ م) وأنه كان في جيش يقدر بثلاثين ألفاً من الخيل والرجل والرماة، وكان على يابرة يومئذ عاملها مروان بن عبد الملك، فبذل جهده لمدافعة الغزاة؛ وطوق أردونيو المدينة من سائر نواحيها، وهاجمتها قواته من كل صوب، ودافع المسلمون عن مدينتهم من فوق الأسوار، حتى أرغموا بفعل السهام على النزول عنها وتسلق النصارى الأسوار، ودخلوا المدينة، واضطرمت بينهم وبين المسلمين داخلها معارك شديدة، وفنى المسلمون شيئاً فشيئاً حتى قتلوا جميعاً، ولم تنج منهم سوى شرذمة قليلة، فرت تحت جنح الظلام إلى مدينة باجة. وسبى النصارى سائر النساء والذرية، وقتل مروان بن عبد الملك عامل المدينة مدافعاً عنها، وبلغ السبي أكثر من أربعة آلاف من النساء والولدان. وترك أردونيو المدينة خراباً يباباً، وعاد في قواته إلى جليقية.
وبث هذا الحادث الروع والفزع في سائر قواعد الغرب، فأخذ أهلها في إصلاح أسوارهم، وقام أهل بطليوس بالأخص في ذلك بمجهود ضخم، ودعموا أسوارهم، وزادوا في عرضها وارتفاعها، بقيادة عاملهم عبد الله بن محمد الجليقي (١). وفي سنة ٣٠٣ هـ (٩١٥ م)، سار أردونيو في قواته مرة أخرى إلى منطقة الغرب، في جيش تقدره الرواية الإسلامية بستين ألفاً،
стр. 385
فعبر نهر التاجُه، واشترك في إرشاده إثنان من الأدلاء المسلمين، من بربر مصمودة من البرانس، ولكنهما كانا يضمران عكس ما طلب إليهما؛ واتجه أردونيو جنوباً صوب حصن مدلين، وقاده الدليلان المسلمان من طريق صعبة وعرة، فلم يخرج منها إلا وقد نهك جيشه، فأمر بالدليلين فأعدما، وسار حتى وصل إلى الحصن، فاستولى عليه دون مقاومة وأصاب فيه بعض الغنائم، ثم سار إلى قلعة الحنش (ألانية)، الواقعة جنوبي ماردة، وكان يسكنها يومئذ برانس كتامة، وكانوا في عدد وافر وعلى أتم استعداد للمقاومة، وكان المقدم عليهم يسمى بابن راشد؛ فهاجم النصارى الحصن، ودافع المسلمون عن أنفسهم أشد دفاع، ولكنهم هزموا في النهاية وقتل معظمهم، وقتل ابن راشد فيمن قتل، ودخل النصارى الحصن فقتلوا كل من وجدوه، وسبوا النساء والذرية، وهدموا الحصن. ثم سار أردونيو في اليوم التالي إلى ماردة، ولكنه وقف أمامها ذاهلا من حصانتها، واعتزم الكف عن قتالها، وبعث إليه قائد المدينة محمد بن تاجيت رسولا يستلطفه، وأهدوا إليه فرساً رائعاً من عتاق الخيل بسرجه وعدته، فقبله وأعجب به، وتركهم ورحل عنهم.
ولكنه عاث حين قفوله في تلك المنطقة، وقتل وسبى كثيراً من سكانها، واستولى على بعض قلاعها؛ ثم قصد إلى مدينة بطليوس، فارتاع أهلها واسترضوه بالمال والحلي، وعبر النصارى نهر دويرة قافلين إلى ديارهم مثقلين بالغنائم والسبي دون أن يعترض سبيلهم معترض (١).
وبقيت يابرة خراباً نحو عام، حتى بعث عبد الله بن محمد الجليقي، صاحب بطليوس حليفه مسعود بن سعدون المعروف بالسرنباقي، ومن معه من قومه الشاردين عن الجماعة إلى مدينة يابرة، فنزلها مسعود بأهله وولده وصحبه ومن معهم، وكان منهم كثير ممن لجأ من قبل من أهل يابرة إلى باجة وأكشونبه؛ وابتنى لهم الجليقي أسوار المدينة، وأمدهم بالأطعمة والدواب والكسى؛ وعلى أثر ذلك قصد الناس إلى يابرة فاستوطنوها، وعمرت بسكانها مرة أخرى (٢).
стр. 386
وكانت هذه المنطقة التي غزاها النصارى وهي منطقة ماردة، من المناطق الثائرة. ولكن عبد الرحمن كان أبعد نظراً من أن يغضى عن عدوان يقع في صميم الأراضي الإسلامية. هذا إلى أنه رأى أن يأسر قلوب الثوار، بإنجادهم والانتقام لهم، وأن يرد عدوان النصارى بمثله. ففي فاتحة سنة ٣٠٤ هـ (٩١٦ م) سير عبد الرحمن وزيره وقائده أحمد بن محمد بن أبي عبدة في جيش قوي، غازياً إلى أراضي مملكة ليون، فالتقى بالنصارى وهزمهم في عدة وقائع محلية، وعاث في أراضيهم وسبى وغنم غنائم كثيرة (١). وفي العام التالي أراد أردونيو الثاني الانتقام لهزائمه، فعاث في منطقة طلبيرة (٢)، وأحرق مدنها وانتسف ضياعها، فضج المسلمون لهذا البلاء، وتضرعوا إلى مليكهم أن ينقذهم من هذا العدوان الصارخ.
فسير عبد الرحمن قائده أحمد بن أبي عبدة ثانية إلى أرض النصارى في جيش ضخم من المدونين، والمتطوعة، وانضم إليه حين دخوله إلى الثغر (الحدود) خلق كثير، واخترق المسلمون أراضي قشتالة، وزحفوا إلى قلعة شنت إشتيبن الواقعة على نهر التاجُه، وكانت تسمى أيضاً قلعة قاشترو مورش (٣)، وهي من أمنع قلاع النصارى على الحدود، وضربوا حولها الحصار الصارم، ثم نازلوها بشدة، وكادت تسقط في أيديهم، لولا أن هرع إلى إنجادها أردونيو في جموع ضخمة من النصارى؛ وكان الجيش الإسلامي بالرغم من تفوقه في الكثرة مختل النظام، مفكك العرى، يتألف سواده من البربر والمرتزقة الذين لا يعتمد على ولائهم وشجاعتهم، وكانوا يحرصون على غنائمهم أكثر من حرصهم على مقاتلة العدو، فلما انقض أردونيو بقواته على المسلمين، تسللت منهم وحدات كثيرة، وارتدت أمام المهاجمين، ودب الهرج إلى صفوف المسلمين. ولكن قائدهم الشجاع أحمد بن أبي عبدة فضل الموت على الارتداد، فصمد في مكانه في نفر من أشجع ضباطه وجنده، فقتلوا جميعاً، وهلك معهم عدة من أكابر الفقهاء والمجاهدين. وكانت هزيمة مروعة. وكان ذلك في الرابع عشر من ربيع الأول سنة ٣٠٥ هـ (٤ سبتمبر سنة ٩١٧ م). وتقول
стр. 387
الرواية الإسلامية إن فلول الجيش الإسلامي، استطاعت أن ترتد بعتادها ومتاعها سالمة إلى الأراضي الإسلامية (١). ولكن الرواية الإسبانية تقول بالعكس إن هزيمة المسلمين كانت ساحقة، وبلغ من روعتها أن غصت سائر التلال والسهول والغابات الممتدة جنوباً من دويرة إلى أنتيسة (٢)، بقتلاهم وأشلائهم (٣).
وكان لذلك الخطب وقع عميق في بلاط قرطبة. وكان عبد الرحمن يعتزم المبادرة إلى غزو ليون بنفسه، لولا أن شغلته عندئذ حوادث إفريقية، على أنه اضطر غير بعيد أن ينهض لرد اعتداء النصارى. ذلك أنه لم تمض بضعة أشهر حتى عاد أردونيو الثاني وحليفه سانشو (شانْجُه) ملك نافار، إلى غزو الأراضي الإسلامية في منطقة الثغر الأعلى، وذلك في ربيع سنة ٩١٨ م. وكانت موقعة شنت إشتيبن قد ضاعفت من جرأة النصارى واستهتارهم، فعاثوا في أحواز ناجرة وتطيلة.
واستولى سانشو على بلدة بلتيرة (٤) وأحرق مسجدها الجامع ونكل بأهلها.
يقول ابن حيان: " وانقلب الكفرة لعنهم الله إلى بلادهم أعزة، فكان هذا مما أحفظ الناصر لدين الله وحرّكه لمجاهدة أعداء الله، ورغبه في الانتقام منهم بمن الله تعالى " (٥). وكان عبد الرحمن في الواقع يتوق إلى الانتقام لهزيمته الفادحة في شنت اشتيبن ومقتل قائده الشهم، ولم ينس أن أردونيو سمر رأسه في جدران شنت إشتيبن، فحشد جيشاً ضخماً لمقاتلة النصارى بإمرة حاجبه بدر بن أحمد، وبعث الأوامر والكتب إلى أهل الثغور بالنهوض لتأييده، ومعاونته على معاقبة النصارى ورد عدوانهم والإيقاع بهم. وخرج بدر في جيشه الضخم من قرطبة في المحرم سنة ٣٠٦ هـ (أوائل يوليه سنة ٩١٨ م)، وهرع إليه أهل الثغور (الأطراف) من كل ناحية، ظمئين إلى الجهاد والانتقام.
وكذلك احتشد النصارى من سائر الأنحاء لرد الغزاة. ونفذ المسلمون كالسيل
стр. 388
إلى حدود ليون، فاعتصم النصارى بالجبال لما رأوا من كثرة العدو وأهبته، ولكن المسلمين هاجموهم في مواقعهم، ونشبت بين الفريقين موقعتين دمويتين على مقربة من مكان يسمى " مطونية ". فهزم النصارى هزيمة ساحقة، وأمعن المسلمين فيهم قتلا وأسراً، ولم تنج منهم سوى فلول يسيرة، وكان ذلك في الثالث والخامس من ربيع الأول سنة ٣٠٦ هـ (١٣ و١٥ أغسطس سنة ٩١٨ م) (١).
على أن هذه الهزيمة الساحقة لم تفت في عضد النصارى، فلم يمض سوى قليل حتى عادوا إلى الاحتشاد والإغارة على الأراضي الإسلامية، واستمر القتال سجالا بين المسلمين والنصارى مدى أشهر، وكثر العيث والسبي في مناطق الحدود. فاعتزم عبد الرحمن أن يسير إلى مقاتلة النصارى بنفسه، فخرج من قرطبة في الثالث عشر من المحرم سنة ٣٠٨ هـ (أوائل يونيه ٩٢٠ م) في جيش ضخم، وانضم إليه أثناء سيره كثير من أهل الثغور. واخترق أراضي الثغر الأوسط من طليطلة شمالا، حتى مدينة الفرج أو وادي الحجارة ومدينة سالم، فوصل إليها في الرابع والعشرين من المحرم. وفي ذلك اليوم ولى خطة الوزارة لسعيد بن منذر القرشي، وعينه والياً لوادي الحجارة، واتجه إلى طريق ألبة والقلاع (قشتالة) ثم عبر نهر دويرة وزحف على مدينة أوسمة (وخشمة) وأحرقها، وفر منها النصارى ولاذوا بالجبال. ثم سار إلى قلعة شنت إشتيبن (قاشترو مورش)، وهي التي كانت مسرحاً لهزيمة المسلمين المروعة، ففرت حاميتها النصرانية، واستولى عليها وخربها، وغنم ما فيها. وخرب في تلك المنطقة كثيراً من المعاقل والأبراج والكنائس والديارات. ثم سار إلى مدينة قلونية وهي مدينة قديمة لم تبق منها اليوم سوى أطلال دارسة، وكان أهلها قد فروا إلى الجبال، فاجتاح تلك المنطقة كلها، وانتسف أراضيها وخرب قلاعها، وهدم قلونية وخرب دورها وكنائسها، ولم يعترض سبيله أحد من النصارى. وكان أردونيو ملك ليون وسانشو (شانجه) ملك نافار قد حشدا حشودهما، واجتمعت لهما قوات كثيرة. ولكنهما بقيا في الشمال انتظاراً لمقدم المسلمين، وعرج عبد الرحمن بعد ذلك على مدينة تطيلة إستجابة لصريخ أهلها، حيث أزعجها النصارى
стр. 389
باعتدائهم المتكرر، وبعث بعض قواته بقيادة محمد بن لب بن قسي صاحب تطيلة لاحتلال قلعة قلقرة (١) التي كان سانشو يتخذها قاعدة للإغارة عليها، فألفوها خالية، وزحف عبد الرحمن في الوقت نفسه على حصن قلهرّة وكان به سانشو في قواته، ففر عند اقترابه، واحتله المسلمون وغنموا كل ما فيه ثم دمروه، وانتسفوا الأراضي المحيطة به، ولجأ سانشو إلى حصن أرنيط (أورنيدو) الواقع جنوب غربي قلهرة. والظاهر أن النصارى اعتزموا ألا يعترضوا سبيل المسلمين في تلك المنطقة كلها، وفقاً لخطة وضعوها لاستدراج المسلمين. فلما عبر عبد الرحمن بقواته نهر إيبرو (إبرة) فاجأه سانشو في قواته، وهاجم مقدمة المسلمين، ولكن عبد الرحمن كان يقظاً متأهباً، فتعاون الفرسان والرماة المسلمون على النصارى، وأثخنوا فيهم، فارتدوا إلى شعب الجبال واعتصموا بها. ولجأ سانشو إلى حليفه أردونيو ملك ليون، وجمع الملكان قواتهما من سائر النواحي وتربصا للقاء المسلمين في مواقع منيعة، وعلم عبد الرحمن باجتماع القوات النصرانية على هذا النحو، فأمر بإحكام التعبئة، ومضاعفة الاستعداد، فلما نفذ الجيش الإسلامي إلى شعب الجبال، انحدر النصارى لمهاجمته واشتبكوا بمؤخرته وأحدثوا بها اضطراباً وخسائر، فشعر عبد الرحمن بخطر المأزق، وبادر بالخروج من الشعب الضيقة إلى السهل المنبسط. وهنالك عسكر بجيشه في مكان يسمى " خونكيرا " Junquera على مقربة من غربي بنبلونة، واستعد للقاء النصارى. وهنا طمع النصارى في محاربة المسلمين فانحدروا إلى السهل بعد أن كانوا في حمى الجبال، ولكنهم دفعوا ثمن جرأتهم هزيمة فادحة، وأمعن المسلمون فيهم قتلا وأسراً، ولم ينقذهم من الفناء الشامل سوى دخول الليل، وقتل وأسر كثير من أكابر فرسانهم وزعمائهم، ومن بينهم أسقفان هما دولثديو أسقف شلمنقة وأرمخيو أسقف توى، وقد كانا يحاربان كجنديين، ولجأ نحو ألف من النصارى، أو أزيد من خمسمائة على قول آخر، إلى قلعة مويش القريبة، فاقتحمها المسلمون، واستخرج النصارى الذين بها، ومنهم عدد من القوامس ووجوه الفرسان، فأمر عبد الرحمن بإعدامهم جميعاً، ومزق النصارى كل ممزق، وانهارت كل مقاومة،
стр. 390
وقضى عبد الرحمن أربعة أيام يجمع الأسلاب والنعم، ويهدم الديار ويقطع الأشجار، وأصاب المسلمون كثيراً من الأسلاب والغنائم. وحدثت هذه الوقيعة الساحقة على النصارى، في اليوم السادس من شهر ربيع الأول سنة ٣٠٨ هـ (٢٦ يوليه ٩٢٠ م). وهدم عبد الرحمن حصون العدو، وأصلح حصون المسلمين، وفي مقدمتها حصن بقيرة Viguera المشرف على حدود نافار، وزودها بالعتاد والمؤن.
وفي اليوم السابع والعشرين من ربيع الأول، قفل عبد الرحمن عائداً إلى قرطبة، وتوقف في طريقه يوماً بمدينة أنتيسة على مقربة من مدينة سالم، وفرق الأموال والكسى في أهل الثغر، وأذن لهم بالعودة إلى ديارهم، ووصل إلى قصر قرطبة في يوم الخميس الثالث عشر من ربيع الآخر سنة ٣٠٨ هـ (أواخر سبتمبر سنة ٩٢٠ م) بعد أن قطع في غزوته هذه ثلاثة أشهر، وكانت غزوته الأولى في مقاتلة النصارى، وكان ممن شهدها معه سليمان بن عمر بن حفصون المستأمن إليه، فأبلى فيها بلاء حسناً، وبها ارتفع شأوه، وتوطدت سمعته (١).
وكان عبد الرحمن يرجو أن يكون هذا الدرس بعيد الأثر في ردع النصارى ووقف عدوانهم. ولكنه أخطأ الظن. ذلك أنه لم يمض سوى عامين حتى أغار أردونيو على ناجرة واستولى عليها، وسار حليفه سانشو إلى بقيرة، وكان يتولى الدفاع عنها عبد الله بن محمد بن لب، ومعه نفر من زعماء بني لب وبني ذى النون وغيرهم من الوجوه الأكابر، فحاصرها سانشو واستولى عليها، وأسر من فيها من الزعماء وحملهم إلى بنبلونه ثم قتلهم، ولم ينج منهم سوى مطرف بن موسى ابن ذى النون حيث استطاع الفرار من سجنه. فضجت الأندلس من أقصاها إلى أقصاها لتلك الفعلة البشعة، ووجهت سهام اللوم إلى عبد الرحمن لقصوره أو تقصيره، في حماية الثغور وحماية الزعماء والقادة، ولم يك ثمة مناص من العمل على تهدئة الخواطر، والانتقام لذلك الاجتراء. وسير عبد الرحمن مولاه ووزيره