← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فمن ذلك ما ورد في رواية إيزيدور الباجي الذي عاش في أوائل القرن الثامن، وما ذكره ردريك الطليطلي في روايته، من أن الكونت يوليان ثار لاعتداء ردريك على ابنته أو زوجه، واعتزم أن ينتقم لنفسه بدعوة العرب إلى فتح اسبانيا، وهي قصة يرددها أيضاً التاريخ العام الذي وضع بأمر الملك ألفونسو العالم في أواخر القرن الثالث عشر (١). ففي هذه الروايات الإسبانية النصرانية كلها تأييد لهذه القصة الشهيرة. كذلك يختلف النقد الأوربي الحديث في أمر هذه القصة، فيرى البعض أنها أسطورة لا يصح الأخذ بها، ويرى البعض الآخر أنها معقولة لا أثر للاختراع فيها (٢). ونحن مع هذا الفريق نرى قصة فلورندا حادثاً طبيعيا معقولا، ونرى في إجماع الرواية الإسلامية على تدوينها دليلا آخر على صحتها. ومهما كان من أمر يوليان، ومهما كان من بواعث غضبه ونقمته على مليكه، فقد كان تدخله أكبر عامل في تذليل فتح المسلمين لشبه الجزيرة الإسبانية، والقضاء على مملكة القوط.

стр. 37

الفصل الثالث فتح أسبانيا المفاوضة بين موسى بن نصير والكونت يوليان. استئذان موسى الوليد في الفتح. فكرة يوليان وأصحابه في استدعاء العرب. حملة تمهيدية إلى الجزيرة الخضراء. حملة الفتح. طارق بن زياد. عبوره الى الأندلس واختراقه الجزيرة الخضراء. تأهب ردريك ملك القوط لملاقاة العرب. مكان اللقاء بينهما. موقعة شذونة أو وادي لكة. تفرق الجيش القوطي. هزيمة القوط ومقتل ردريك. الخطاب الذي ينسب إلى طارق والشك في صحته. هل أحرق طارق سفن الحملة. اللقاء الثاني بين القوط والعرب في استجة. هزيمة القوط الثانية. زحف طارق على طليطلة. إفتتاح قرطبة وغرناطة ومالقة. معاونة اليهود للمسلمين. افتتاح تدمير وعقد الصلح مع أميرها. طارق يخترق الأندلس. كلمة أندلس وأصلها. استيلاء طارق على طليطلة. اختراقه قشتالة وليون وجبال أستورية. عوده إلى طليطلة. موسى وموقفه من الفتح. أوامره لطارق. يقود حملة جديدة إلى اسبانيا. استيلاؤه على شذونة وقرمونة واشبيلية. حصاره لماردة وافتتاحها. غضبه على طارق ثم عفوه عنه. مسيرهما إلى الشمال وافتتاحهما لسرقسطة وطركونة وبرشلونة. مسير طارق إلى جليقية. موسى يخترق البرنيه ويغزو سبتمانيا. افتتاحه لأربونة وقرقشونة ووادي الرون. مشروعه في اختراق الأمم النصرانية شرقا إلى مقر الخلافة. إعتراض حكومة دمشق. مسيره لإخضاع جليقية. استدعاؤه وطارق إلى دمشق. بواعث هذا الإستدعاء. افتتاح عبد العزيز بن موسى لبلنسية ولبلة. معاهدته مع تيودمير. إشبيلية عاصمة الأندلس. إستخلاف موسى لولده عبد العزيز. سفره وطارق إلى المشرق. ما أصاب المسلمون من غنائم الأندلس. مصير موسى واختلاف الرواية في شأنه. وفاته وخلاله. مصير طارق. مصير الكونت يوليان والأمراء المحالفين للعرب. سارة القوطية وحفيدها المؤرخ. في الوقت الذي كانت شبه الجزيرة الإسبانية تجوز فيه هذه الحوادث والأزمات الخطيرة، كان العرب قد أتموا فتح المغرب الأقصى، واستولوا على ثغر طنجة، وأشرفوا على شواطىء الأندلس من الضفة الأخرى من البحر، ولم يبق لإتمام فتح افريقيه سوى ثغر سبتة الذي يقع مقابل طنجة في الطرف الآخر من اللسان المغربى. وكانت سبتة قد استطاعت لمنعتها وسهر حاكمها الكونت يوليان، أن تحبط كل محاولة لأخذها. وكان موسى بن نصير بتوق إلى افتتاح هذا الثغر المنيع، وتطهير افريقية من البقية الباقية من العدو. وبينا هو يرقب الفرص لتحقيق هذه الأمنية، إذ جاءته رسالة من الكونت يوليان نفسه يعرض فيها

стр. 38

تسليم معقله، ويدعوه إلى فتح اسبانيا، وجرت بينهما المفاوضة في هذا المشروع الخطير. وتختلف الرواية في أمر هذا الاتصال، فيقال إن موسى ويوليان اتصلا بالمراسلة، وقيل إنهما اتصلا بالمقابلة الشخصية، وإن الكونت استدعى موسى الى سبتة، وهنالك وقعت المفاوضة بينهما. وقيل أخيرا إنهما اجتمعا في سفينة في البحر (١). وعلى أى حال فقد استجاب موسى لدعوة الكونت، واهتم بمشروعه أعظم اهتمام، وكان قد وقف على أحوال اسبانيا وخصبها وغناها، واستطاع أن يقدر أهمية مثل هذا الفتح، وجليل مغانمه ومزاياه، فلما علم من يوليان وحلفائه ما تعانيه اسبانيا من الخلاف والشقاق، وما يسودها من الانحلال والضعف، ورأى مما يعرضه يوليان من تسليم سبتة وباقي معاقله، وتقديم سفنه لنقل المسلمين في البحر، ومعاونته بجنده وإرشاده، أن الفوز ميسور محقق، كتب إلى الوليد بن عبد الملك يخبره بأمر المشروع، فكتب إليه الوليد أن يختبره بالسرايا، أعني بالحملات الصغيرة بادىء بدء، وألا يزج بالمسلمين إلى أهوال البحر، بيد أن المسلمين كانوا قد خاضوا قبل ذلك غمر المعارك البحرية في هذه المياه، وغزوا صقلية وسردانية، ثم غزوا جزائر البليار (الجزائر الشرقية) كما قدمنا، وكان البحر الذي يفصل بين إفريقية والأندلس مجازا ضيقا سهل العبور. ولبث موسى حينا بطنجة يهيئ عُدة الفتح، والظاهر أن يوليان وحلفاءه لم يقصدوا بدعوة موسى أن يمتلك العرب اسبانيا، وأن يحكموها، بل كان مشروعهم أن يستعينوا بالعرب على محاربة المغتصب وإسقاطه، واستخلاص الملك لأنفسهم. وكان اعتقادهم أن العرب متى امتلأت أيديهم بالأسلاب والغنائم، قفلوا إلى إفريقية. وهو فرض معقول يؤيده سير الحوادث في اسبانيا، فقد كان الخوارج على ردريك يقصدون إلى انتزاع الملك من يده. وتحقيق أطماعهم يالحلول مكانه. أما الفرض الآخر - وهو أنهم كانوا يقصدون بالفعل تسليم وطنهم إلى العرب - فمعناه أنهم كانوا يعملون للقضاء بأنفسهم على مشاريعهم وأطماعهم، وهو مما يصعب قبوله وتعليله (٢)، والظاهر أن موسى بن نصير كان من جانبه

стр. 39

يؤكد ليوليان أنه لايقصد بالغزو سوى مجد الفتح وكسب الغنائم، وأنه لا ينوي إنشاء دولة مسلمة فيما وراء البحر. ونزل موسى على نصح الخليفة في اختبار الفتح الجديد بالسرايا، وبدأ مشروعه بمحاولة صغيرة، فجهز خمسمائة مقاتل بينهم مائة فارس، بقيادة ضابط من البربر يدعى طريف بن مالك، فعبروا البحر من سبتة في أربع سفن قدمها يوليان، إلى البقعة المقابلة التي سميت جزيرة طريف باسم قائد الحملة، وذلك في رمضان سنة إحدى وتسعين (يوليه سنة ٧١٠ م)، وجاست الحملة خلال الجزيرة الخضراء بإرشاد يوليان، فأصابت كثيراً من الغنائم، وقوبلت بالإكرام والترحيب، وشهدت كثيرا من دلائل خصب الجزيرة وغناها، ثم عادت في أمن وسلام، وقص قائدها على موسى نتائج رحلته، فاستبشر بالفوز، وجد في أهبة الفتح. وفي شهر رجب سنة اثنتين وتسعين (إبريل سنة ٧١١ م) جهز موسى جيشا من العرب والبربر يبلغ سبعة آلاف مقاتل بقيادة طارق بن زياد الليثي، وكان يومئذ حاكماً لطنجة كما قدمنا (١). ومن الغريب أن الرواية الإسلامية لا تحدثنا عن فاتح الأندلس بشىء قبل ولايته لطنجة، بل إنها لتختلف في أصله ونسبته، فقيل هو فارسي من همذان، كان مولى لموسى بن نصير، وقيل إنه من سبي البربر، وقيل أخيراً إنه بربري من بطن من بطون نفزة، وهذه فيما يظن أرجح رواية، وهي رواية يؤيدها صاحب البيان المغرب، بإيراد نسبة طارق مفصلة. ويبدو منها أن طارقاً تلقى الإسلام عن أبيه زياد عن جده عبد الله، وهو أول اسم عربي إسلامي في نسبته، ثم ينحدر مساق النسبة بعد ذلك خلال أسماء بربرية محضة حتى ينتهي إلى نفزة، وهي القبيلة التي ينتمي إليها (٢).

стр. 40

وتقدم إلينا الرواية الإسلامية التي يسوقها الينا صاحب كتاب " الإمامة والسياسة " وصفا لشخص طارق خلاصته أنه كان " رجلا طويلا أشقر، بعينيه قبل أى حول وبيده شلل " (١). فإذا صحت هذه الرواية، فإنها يمكن أن تقدم إلينا دليلا آخر على انتماء طارق إلى الجنس البربري. فالبربر حسبما شهدنا من التجوال في بعض ربوعهم بالمغرب، يكثر بينهم الطول والشقرة. وكان طارق جنديا عظيما ظهر في غزوات المغرب بفائق شجاعته وبراعته، وقدر موسى مواهبه ومقدرته واختاره لحكم طنجة وما يليها، وهي يومئذ أخطر بقاع المغرب الأقصى وأشدها اضطربا، ثم اختاره لفتح الأندلس. فعبر البحر من سبتة بحيشه تباعا في سفن يوليان القليلة، ونزل بالبقعة الصخرية المقابلة التي ما زالت تحمل اسمه إلى اليوم أعني جبل طارق، وذلك في يوم الإثنين الخامس من رجب سنة ٩٢هـ (٢٧ إبريل سنة ٧١١ م) (٢). واخترق طارق المنطقة المجاورة غرباً بمعاونة يوليان وإرشاده، وزحف على ولاية الجزيرة التي كان يحكها تيودومير القوطي عامل ردريك واحتل قلاعها، بعد أن هزم شراذم من القوط تصدت لوقفه. وبادر حكام الولايات المجاورة بإخطار بلاط طليطلة بالخطر الداهم. وكان ردريك يشتغل يومئذ بمحاربة بعض الخوارج في الولايات الشمالية، فهرع إلى طليطلة شاعراً بفداحة الخطر المحيق بعرشه وأمته، وبعث قائده إديكو لرد العدو حتى يستكمل أهبته. ولكن طارقا هزمه ثم اخترق بسائط " الفرنتيره " (٣) معتزماً السير صوب عاصمة القوط. وكان رُدريك أو رذريق أو لذريق كا يسميه العرب (٤)، أميراً شجاعاً وافر المقدرة والعزم، ولكنه كان طاغية يثير بقسوته وصرامته حوله كثيراً من البغضاء

стр. 41

والسخط (١). وكان عرشه يرتجف فوق بركان من الخلاف، وكانت اسبانيا قد مزقت شيعا وأحزابا، يتطلع كل منها إلى انتزاع السلطان والملك، وكان أهم هذه الأحزاب وأقواها حزب العرش القديم الذي يلتف حول ولدي وتيزا (غيطشة). ومع ذلك فقد اعتصم القوط حين الخطر الداهم بنوع من الاتحاد، واستطاع ردريك أن يجمع حوله معظم الأمراء والأشراف والأساقفة، وحشد هؤلاء رجالهم وأتباعهم، فاجتمع للقوط يومئذ جيش ضخم تقدره بعض الروايات بمائة ألف (٢)، ويقدره مؤرخ أندلسي متأخر بتسعين ألف (٣)، وسار ردريك نحو الجنوب للقاء المسلمين، وكان طارق قد وقف على أمر هذه الأهبة العظيمة، فكتب إلى موسى يستنجد به، فأمده بخمسة آلاف مقاتل، فبلغ المسلمون اثنى عشر ألفاً، وانضم إليهم يوليان في قوة صغيرة من صحبه وأتباعه. كان القوط أضعاف المسلمين، وكان المسلمون يقاتلون في أرض العدو في هضاب ومفاوز شاقة، ولكن قائدهم الجرىء تقدم إلى الموقعة الحاسمة بعزم. فكان اللقاء بين الجيشين في سهل الفرنتيره Frontera على ضفاف نهر وادي لكه أو وادي بكه. وقد اختلف البحث الحديث في تحديد المكان والنهر الذي يحمل هذا الاسم الذي تورده الرواية العربية. فذكر البعض أنه هو نهر "جواداليتي" Guadalete ( وادي لكه) الذي يصب في خليج قادس على مقربة من مدينة شريش، وأن اللقاء حدث على ضفته الجنوبية شمالي مدينة شذونة. وذكر البعض الآخر، وهي الرواية الراجحة فيما يرى البحث الحديث، أن اللقاء قد حدث جنوبي بحيرة " خَندة " Janda الصغيرة المتصلة بنهر بارباتي Barbate الصغير

стр. 42

خريطة: مواقع معركة وادي لكه وخط سير طارق.

стр. 43

الذي يصب في المحيط على مقربة من رأس " طرف الغاز " (١) وأن الرواية العربية تقصد هذا النهر بما تورده من إسم وادي لكه أو وادي بكه. ففي هذا السهل الصغير الذي تحده من الجنوب سلسلة من التلال العالية، وعلى ضفاف بحيرة خنده ونهر " بارباتي " تلاقى العرب والقوط، والإسلام والنصرانية، وذلك في الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة ٩٢ (١٧ يوليه سنة ٧١١ م) (٢). وفرق النهر بين الجيشين مدى أيام ثلاثة شغلت بالمعارك البسيطة. وفي اليوم الرابع التحم الجيشان ونشبت بينهما معركة عامة. وظهر ردريك وسط الميدان في حلل ملوكية فوق عرش تجره الخيل المطهمة، وهو منظر يثير سخرية الفيلسوف جيبون ولاذع تهكمه إذ يقول: " ولقد يخجل ألاريك (مؤسس دولة القوط) عند رؤية خلفه (ردريك) متوجا باللآلىء، متشحا بالحرير والذهب، مضطجعاً في هودج من العاج " (٣). واستمرت المعركة هائلة مضطرمة بين القوى النصرانية الضخمة، وبين القوة المسلمة المتواضعة نحو أربعة أيام (٤). ولكن الجيش القوطي كان رغم كثرته مختل النظام منحل العري، وكان يقود جناحيه إيفا وسيزبوت خصما ردريك (٥)،

стр. 44

وتتكون صفوفه من أتباعهما وأتباع حلفائهما من الأمراء والزعماء الناقمين، الذين تظاهروا بالإخلاص وقت الخطر، وكلهم يتحين الفرصة للإيقاع بالملك المغتصب (١)، فكانت الخيانة تمزق جيش القوط شر ممزق. واستمال يوليان والأسقف أوباس وهما في صف المسلمين كثيراً من جند القوط، وبثا بدعايتهما في الصفوف الموالية لردريك كثيراً من عوامل الشقاق والتفرق، فأخذ كل أمير يسعى في سلامة نفسه. وتمكن الجيش الإسلامي على ضآلة عدده، بجلده وثباته واتحاد كلمته، من جيش القوط، فلم يأت اليوم السابع من اللقاء حتى تم النصر لطارق وجنده، وهزم القوط شر هزيمة، وشتتوا ألوفاً في كل صوب. أما ردريك آخر ملوك القوط، فقد اختفي عقب الموقعة، ولم يعثر له بأثر. ويقول إيزويدور الباجي إنه بقي في ميدان الحرب حتى قتل مدافعاً عن عرشه وأمته. وتقول بعض الروايات النصرانية الأخرى إنه فر عقب الهزيمة على ظهر جواده، ولكنه غرق في مياه النهر. وتميل التواريخ الإسلامية إلى تأييد هذه الرواية، وتقول لنا إن ملك القوط مات غريقاً، وإنهم عثروا على جواده وسرجه الذهبي، ولم يعثر إنسان بجثته. وتزعم بعض الروايات النصرانية أيضا أن ردريك استطاع أن يلوذ بالفرار، ولكنه قتل بعد ذلك، أو أنه فر إلى بعض الأديار في البرتغال وترهب، وعاش متنكراً حيناً من الدهر. وينفرد صاحب كتاب الإمامة والسياسة بين المشارقة برواية أخرى، وهي أن طارقاً ظفر بجثة ردريك، فاحتز رأسه وبعث بها إلى موسى بن نصير، وبعث بها موسى إلى الخليفة، ويتابعه في هذه الرواية كاتب أندلسي هو صاحب كتاب تحفة الأنفس الذي تقدم ذكره (٢). هذا إلى روايات كثيرة أخرى. ولكن المرجح في هذه الروايات كلها هو أن ردريك فقد حياته في الموقعة التي فقد فيها ملكه، وأنه مات قتيلا أو غريقاً على الأثر (٣).

стр. 45

هكذا كانت موقعة شذونة التي دالت فيها دولة القوط، بعد أن لبثت زهاء ثلاثمائة عام منذ قيامها في غاليس، وغنم الإسلام فيها ملك إسبانيا. وتحيط الرواية الإسلامية حوادث الفتح بطائفة كبيرة من الأساطير والقصص التي لا يستطيع المؤرخ أن يقف بها (١). بيد أنه يجدر بنا في هذا المقام أن نذكر ما تعرضه الرواية من أن طارقا خطب جنده قبيل نشوب المعركة الحاسمة؛ كما أنه يجدر بنا أن نورد نص هذا الخطاب الشهير الذي ينسب لفاتح الأندلس، والذي يعتبر نموذجا بديعا من الفصاحة والحماسة الحربية وهو: " أيها الناس: أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم. وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيوشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات لكم إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم. وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمرا، ذهبت ريحكم وتعوضت. القلوب عن رعبها منكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم، بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت. وإني لم أحذركم أمرا أنا عنه بنجوة، ولا حملتكم على خطة أرخص متاعا فيها للنفوس، أبدأ بنفسي، واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلا استمتعتم بالأرفه الألذ طويلا، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفي من حظي. وقد بلغكم ما أنشات هذه الجزيرة من الحور الحسان من بنات اليونان، الرافلات في الدر والمرجان.

стр. 46

والحلل المنسوجة بالعقيان، المقصورات في قصور الملوك ذوى التيجان، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عربانا، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارا وأختانا، ثقة منه بارتياحكم للطعان، واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمها خالصة لكم من دونه، ومن دون المؤمنين سواكم. والله تعالى وليُّ إنجادكم على ما يكون لكم ذكرا في الدارين. أيها الناس: ما فعلت من شىء فافعلوا مثله، إن حملت فاحملوا، وإن وقفت فقفوا، ثم كونوا كهيئة رجل واحد في القتال، وإنى عامد إلى طاغيتهم بحيث لا أنهيه حتى أخالطه وأمثل دونه، فإن قتلت فلا تهنوا ولا تحزنوا ولا تنازعوا، فتفشلوا وتذهب ريحكم، وتولوا الدبر لعدوكم فتبدوا بين قتيل وأسير. وإياكم إياكم أن ترضوا بالدنية، ولا تعطوا بأيديكم، وارغبوا فيما عجل لكم من الكرامة، والراحة من المهنة والذلة، وما قد أحل لكم من ثواب الشهادة، فإنكم إن تفعلوا، والله معكم ومفيدكم، تبوءوا بالخسران المبين، وسوء الحديث غدا بين من عرفكم من المسلمين، وهأنذا حامل حتى أغشاه فاحملوا بحملتي " (١). ويشير صاحب كتاب تحفة الأنفس إلى خطبة طارق في قوله: " لما التقى العرب والقوط، فاقتتلوا ثلاثة أيام أشد قتال، فرأى طارق ما الناس فيه من الشدة، فقام يعظهم ويحضهم على الصبر ويرغبهم في الشهادة، وبسط في آمالهم "، ثم يورد نص الخطبة (٢). ثم تنوه الرواية الإسلامية بما كان لهذا الخطاب من أثر فعال في إذكاء همم المسلمين وشجاعتهم وثقتهم، ودفعهم إلى طريق النصر والظفر. على أنه يسوغ لنا أن نرتاب في نسبة هذه الخطبة إلى طارق؛ فإن معظم المؤرخين المسلمين، ولاسيما المتقدمين منهم لايشير إليها، ولم يذكرها ابن عبد الحكم

стр. 47

ولا البلاذري، وهما أقدم رواة الفتوحات الإسلامية؛ ولم تشر إليها المصادر الأندلسية الأولى، ولم يشر إليها ابن الأثير وابن خلدون، ونقلها المقري عن مؤرخ لم يذكر اسمه؛ وهي على العموم أكثر ظهوراً في كتب المؤرخين والأدباء المتأخرين. وليس بعيداً أن يكون طارق قد خطب جنده قبل الموقعة، فنحن نعرف أن كثيرا من قادة الغزوات الإسلامية الأولى، كانوا يخطبون جندهم في الميدان؛ ولكن في لغة هذه الخطبة، وروعة أسلوبها وعباراتها، ما يحمل على الشك في نسبتها إلى طارق، وهو بربري لم يكن عريقاً في الإسلام والعروبة. والظاهر أنها من إنشاء بعض المتأخرين، صاغها على لسان طارق مع مراعاة ظروف المكان والزمان. وتشير الرواية الإسلامية في هذا الموطن إلى واقعة أخرى جديرة بالتأمل والبحث؛ وهي واقعة قد يغلب عليها لون الأسطورة، وإن كانت مع ذلك تعرض علينا في ثوب التاريخ الحق؛ تلك هي واقعة إحراق السفن التي نقل عليها طارق جيشه من الشاطىء الإفريقى إلى شاطىء الأندلس. ونحن نعرف مما تقدم أن الكونت يوليان هو الذي قدم السفن التي ركبها العرب إلى الأندلس في بعثتهم الاستكشافية الأولى بقيادة طريف بن مالك، ثم في حملتهم الغازية بقيادة طارق. وهنا تذكر الرواية أن طارقاً ما كاد يعبر بجيشه إلى الشاطىء الأندلسي، حتى أمر بإحراق السفن التي عبر عليها جيشه، وذلك لكى يدفع جنده إلى الاستبسال والموت، أو النصر المحقق، ويقطع عليهم بذلك كل تفكير في التخاذل والارتداد. فما مبلغ هذه الرواية من الصحة؟ إن جميع الروايات الإسلامية التي تحدثنا عن فتح الأندلس لا تذكر شيئاً عن هذه الواقعة، ولا تذكرها الرواية الإسلامية إلا في موطن واحد، فقد ذكر الشريف الإدريسي في معجمه الجغرافي " نزهة المشتاق " عند الكلام على جغرافية الأندلس، أن طارقا أحرق سفنه بعد العبور بجيشه إلى الأندلس (١)، وقد نقلت بعض التواريخ النصرانية المتأخرة هذه الرواية عن الإدريسي فيما يرجح. وفيما عدا ذلك فإن جميع الروايات الإسلامية تمر عليها بالصمت المطلق. وقد يقال إن في الخطاب المنسوب إلى طارق ما يؤيد صحة هذه الرواية،

стр. 48

فطارق يستهله بقوله: " أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر ... "، وفي ذلك ما يمكن أن يحمل على أن الجيش الفاتح قد جرد من وسائل الارتداد والرجعة إلى الشاطئ الإفريقي، أو بعبارة أخرى قد جرد من السفن التي حملته في عرض البحر إلى اسبانيا، ولكنا رأينا أن هذا الخطاب لا يمكن الاعتماد عليه من الوجهة التاريخية، كوثيقة بعيدة عن شوائب الريب. ولو صح أن طارقا ألقى في جنده مثل ذلك الخطاب، فقد نجد تفسيراً لأقوال طارق في أن السفن كانت ملكاً للكونت يوليان، وفي أنها لم تكن تحت تصرف الغزاة في جميع الأوقات. ومع ذلك كله فإن رواية الشريف الإدريسي عن واقعة إحراق طارق للسفن ليست من الأمور المستحيلة؛ وهي عمل بطولة يتفق مع بطولة فاتح الأندلس. على أنها تبقى عرضة لكثير من الريب، فقد دونت لأول مرة في القرن الخامس الهجري. أعني بعد فتح الأندلس بأكثر من ثلاثة قرون، ولم تؤيدها أية رواية إسلامية أخرى (١). وعلى أثر الموقعة الحاسمة التي غلب فيها الجيش القوطي ومزق، ساد الرعب على القوط، فامتنعوا بالحصون والجبال، وقصدوا إلى الهضاب والسهول. وذاعت أنباء النصر في طنجة وسبتة وما جاورهما من أراضي العدوة، فعبر إلى الجيش الفاتح سيل من المجاهدين والمغامرين من العرب والبربر. وزحف طارق بجيشه شمالا. وكانت بقية الجيش القوطي قد اجتمعت عند إستجة لتحاول رد الجيش الفاتح، فالتقى الجيشان هناك ثانية، وهزم القوط مرة أخرى، ولم يبق إلا أن يستولى الفاتحون على المدن والقواعد الحصينة واحدة بعد الأخرى. وكان يوليان وأصحابه إلى جانب المسلمين، يعاونهم بالنصح والإرشاد كما قدمنا، ففي إستجة وضعت خطة السير، وتقرر أن يسير طارق بنفسه إلى طليطلة عاصمة المملكة القوطية، وأرسل طارق مغيثاً الرومي مولى الوليد بن

стр. 49

عبد الملك إلى قرطبة في سبعمائة فارس، فاقتحم أسوارها الحصينة واستولى عليها دون مشقة، وأرسل حملات أخرى إلى غرناطة وإلبيرة ومالقة، فافتتحت مالقة وفر سكانها إلى الجبال، ثم لحق جيشها بالجيش المتجه إلى إلبيرة وغرناطة، فحوصرت غرناطة قليلا وفتحت، ثم فتحت إلبيرة. وكان اليهود يعاونون المسلمين في كل هذه الفتوح، فكان المسلمون يضمون إليهم في كل مدينة من المدائن المفتوحة حامية صغيرة لحفظها. ثم سار المسلمون بعد ذلك شرقاً نحو ولاية مرسية، وكانت تسمى يومئذ تيودمير (أو تدمير) باسم أميرها، وقاعدتها مدينة أوريولة؛ وكان تيودمير جندياً كبيراً، وافر العزم والبأس، فالتقى بالمسلمين ونشبت بينه وبينهم معارك شديدة هلك فيها معظم رجاله، فارتد إلى أوريولة، وامتنع بها، وعرض النساء، حسبما تقول الرواية، على الأسوار بأثواب الرجال إيهاما بكثرة جنده، واستطاع بثباته وجلده، أن يعقد الصلح مع المسلمين بشروط حسنة أنقذت بها مدينته من السبي والجزية (١). وسار طارق في بقية الجيش إلى طليطلة مخترقاً هضاب الأندلس (٢) وجبال

стр. 50

سيرّا مورينا (جبل الشارّات) التي تفصل بين الأندلس وقشتالة، بإرشاد يوليان وأصحابه. وكان القوط قد فروا منها نحو الشمال بأموالهم وآثار قديسيهم. ولم يبق بها سوى اليهود وقليل من النصارى، فاستولى طارق عليها، وأبقى على من بقي من سكانها، وترك لأهلها عدة كنائس، وترك لأحبارها حرية إقامة الشعائر الدينية، وأباح للنصارى من القوط والرومان اتباع شرائعهم وتقاليدهم، واختار لحكمها وإدارتها أوباس مطرانها السابق وأخا الملك وتيزا. وتابع طارق زحفه شمالا، فاخترق قشتالة ثم ليون في وهاد ومفاوز صعبة، وطارد فلول القوط حتى أسترقة؛ فلجأت إلى قاصية جليقية واعتصمت بجبالها الشامخة. وعبر طارق جبال أشتوريش (أستورياس) (١) واستمر في سيره حتى أشرف على ثغر خيخون الواقع على خليج بسكونية (غسقونية) فكان خاتمة زحفه ونهاية فتوحاته، ورده عباب المحيط عن التقدم فعاد إلى طليطلة حيث تلقى أوامر موسى بوقف الفتح. وكان ذلك لعام فقط من عبوره إلى اسبانيا. وقد اختلف المؤرخون في تعليل البواعث التي حملت موسى على أن يصدر أوامره إلى طارق بوقف الفتح، فقيل إن موسى لم يكن يتوقع كل هذا الفوز لقائده ومبعوثه، فلما وقف على مبلغ فوزه وتقدمه، تحول إعجابه به إلى حسد وغيرة، وخشى أن ينسب ذلك الفتح العظيم إليه دونه، فكتب إليه ألا يتقدم

стр. 51

حتى يلحق به، ويتوعده بالعقاب إذ توغل بعد بغير إذنه (١). ولكن البعض يعلل غضب موسى على طارق ولحاقه به، بأن طارقا خالف الأوامر الصادرة إليه بألا يجاوز قرطبة أو حيث تقع هزيمة القوط (٢). وهذا تعليل حسن يتفق وما أثر عن موسى من الحيطة والحذر، فقد ينكب المسلمون إذا توغلوا في أراض ومسالك مجهولة. على أن ذلك لا يمنع من أن يكون للغيرة أثرها أيضاً في نفس موسى وفي تصرفه. وعلى أى حال فقد عبر موسى البحر إلى اسبانيا في عشرة آلاف من العرب وثمانية آلاف من البربر، في سفن صنعها خصيصا لذلك، يحفزه شغف الفتح بالرغم من شيخوخته، ونزل بولاية الجزيرة حيث استقبله الكونت يوليان، وذلك في رمضان سنة ثلاث وتسعين (يونيه سنة ٧١٢ م). وبدأ موسى زحفه بالاستيلاء على مدينة شَذُونة (٣)، ثم سار إلى قَرْمونة وهي يومئذ من أمنع معاقل الأندلس، فاستولى عليها بمعاونة يوليان وأصحابه. وقصد بعدئذ إلى إشبيلية أعظم قواعد الأندلس. فافتتحها بعد أن حاصرها شهرا. ثم سار إلى ماردة وحاصرها مدة، وقتل تحت أسوارها جماعة كبيرة من المسلمين في كمين دبره النصارى. وانتهت بالتسليم في رمضان أو شوال سنة أربع وتسعين، على أن تكون أموال الغائبين والكنائس، غنيمة للمسلمين دية لمن قتل منهم. وقصد موسى بعدئذ إلى طليطلة فالتقى بطارق على مقربة منها وكان قد سار إلى استقباله. فأنبه وبالغ في إهانته، وزجه مصفداً إلى ظلام السجن بتهمة الخروج والعصيان، وقيل بل هم بقتله أيضا (٤). ولكنه ما لبث أن عفا عنه ورده إلى منصبه (٥).

стр. 52

ووضع الإثنان خطة لافتتاح ما بقى من إسبانيا. ثم زحفا نحو الشمال الشرقي واخترقا ولاية أراجون (الثغر الأعلى) وافتتحا سرقسطة وطركونة وبرشلونة وغيرها من المدائن والمعاقل. ثم افترق الفاتحان، فسار طارق نحو الغرب ليغزو جليقية، وليتم القضاء على فلول القوط. وسار موسى شمالا فاخترق جبال البرنيه (جبال البرت أو البرتات أو الممرات) (١)، وغزا ولاية لانجدوك أو سبتمانيا التي كانت تابعة إذ ذاك لملوك القوط، واستولى على قرقشونة (كاركاسون) وأربونة (ناربون). ثم نفذ إلى مملكة الفرنج وغزا وادي الرون (رذونة) حتى مدينة لوطون أو لوذون (ليون)، فاضطرب أمراء الفرنج وأخذوا في الأهبة لرد الغزاة؛ ويقال إن المعارك الأولى بين العرب والفرنج وقعت في تلك السهول على مقربة من أربونة (٢). وهنا فكر القائد الجرىء في أن يخترق بجيشه جميع أوربا غازياً فاتحا، وأن يصل إلى الشام من طريق قسطنطينية، وأن يفتتح في طريقه أمم النصرانية والفرنجة كلها. وهو ما يجمله ابن خلدون في تلك العبارة القوية: " وجمع أن يأتي المشرق على القسطنطينية، ويتجاوز إلى الشام ودروب الأندلس، ويخوض مابينها من بلاد الأعاجم أمم النصرانية مجاهداً فيهم، مستلحماً لهم إلى أن يلحق بدار الخلافة " (٣). وكان موسى يقدر تنفيذ مشروعه العظيم بجيش ضخم يقتحم البرنيه، يؤيده من البحر أسطول قوي، فيبدأ بافتتاح مملكة الفرنج ثم يقصد إلى مملكة اللومبارد (٤) في شمالي إيطاليا، فيخترقها فاتحا إلى رومة قاعدة النصرانية، فيفتتحها ويقضى فيها على كرسي النصرانية. ويتابع سيره بعدئذ شرقاً إلى سهول الدانواب،

стр. 53

مثخنا في القبائل الجرمانية التي تسيطر على ضفافه، ثم يخترق أراضي الدولة البيزنطية حتى قسطنطينية فيستولى عليها، ثم يعبر إلى آسيا الصغرى قاصدا إلى دمشق فيصل بذلك أملاك الخلافة الإسلامية فيما بين المشرق والمغرب من طريق الشمال، كما اتصلت من طريق الجنوب (١). ولم يك ثمة ما يحول دون تنفيذ هذا المشروع الضخم، فقد كان الإسلام يومئذ في ذروة الفتوة والقوة والبأس، وكانت جيوشه تقتحم أرجاء العالم القديم ظافرة أينما حلت. وكانت أمم الغرب من جهة أخرى يسودها الضعف والانحلال، وكانت مملكة الفرنج وهي أضخمها وأقواها يمزقها الخلاف والتفرق، وقد بدأ العرب غزوها بالفعل. ولم تستطع النصرانية أن توحد جهودها لرد الإسلام، ولم تقم فيها زعامة قوية تجمع كلمتها وتنظم قواها في جهة دفاعية موحدة. ولم تكن أوربا في ذلك الحين سوى مزيج مضطرب من الأمم والقبائل المتنافرة، تمزقها المطامع والأهواء المختلفة. فكان الإسلام يستطيع غزوها وفتحها. ولم يكن حلما وإغراقاً ما تصوره موسى بن نصير واعتزمه. ولكن سياسة الإحجام والتردد التي اتبعها بلاط دمشق نحو الفتوح الغربية، والتي كادت تحول دون فتح اسبانيا، أودت بذلك المشروع البديع، وكتب الوليد بن عبد الملك إلى موسى يحذره من التوغل بالمسلمين في دروب مجهولة، ويأمره بالعود، فارتد موسى مرغما آسفا، ولكنه تمهل في العود حتى يتم إخضاع معاقل جليقية التي اعتصمت بها فلول القوط، ويطهر اسبانيا بأسرها من كل خروج ومقاومة، فاخترق جليقية واستولى على معظم معاقلها، ومزق كل قوة تصدت لمقاومته، ولم يبق من النصارى سوى شراذم يسيرة اجتمعت حول زعيم يدعى بلاجيوس أو بلايو، ولجأت إلى قاصية جليقية؛ وبينما كان موسى يتأهب للحاق بها وسحقها، إذ وصله كتاب آخر من دمشق يستدعيه وطارقا، ويأمرهما بتعجيل العودة ولعل أقوى البواعث التي حملت الوليد على هذا الاستدعاء ما نمى إليه من خلاف موسى وطارق، وخوفه أن ينتهي هذا الخلاف، بتفرق كلمة المسلمين ونكبتهم في تلك الأقطار

стр. 54

الجديدة المجهولة التي افتتحوها (١). أو لعله خوف الوليد أن يفكر موسى بما عرف من طمعه ودهائه، في الاستقلال بذلك الملك الجديد النائي، وهو أفضل تعليل يقبله النقد الحديث ويرجحه. وربما كان من هذه البواعث أيضا ما بلغ الوليد عن وفرة الأموال والتحف التي اغتنمت من الأندلس، وخوفه أن تمتد إليها يد التبديد. ومهما كانت العوامل التي دفعت، الوليد إلى استدعاء فاتحي الأندلس، فلا ريب أنه كان خطراً على مستقبل الإسلام في اسبانيا. ذلك أن هذه الشراذم النصرانية الصغيرة التي نجت من المطاردة واعتصمت بصخور جليقية، لم تلبث أن نمت وقويت، وكانت منشأ المملكة النصرانية التي قامت في الشمال، ولبثت قرونا تكافح دولة الإسلام في اسبانيا حتى انتهت بالقضاء عليها. وفي ذلك الحين كان عبد العزيز بن موسى قد افتتح منطقة الساحل الواقعة بين مالقة وبلنسية، وأخمد الثورة في إشبيلية وباجة، وافتتح لبلة وغيرها من المعاقل والحصون، وأبدى في معاملة البلاد المفتوحة كثيرا من الرفق والتسامح، والاعتدال في تطبيق الأحكام وفرض الضرائب. ولنا في معاهدته مع تيودمير خير شاهد باعتدال السياسة الإسلامية ولينها وتسامحها. وإليك نص هذه المعاهدة، حسبما نقله إلينا الغزيري في معجمه، نورده نموذجاً للوثائق السياسية الإسلامية في عصر الفتح: " نسخة كتاب الصلح الذي كتبه عبد العزيز بن موسى لتدمير عبدوش - بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد العزيز إلى تدمير، أنه نزل على الصلح، وأنه له عهد الله وذمته أن لا ينزع عنه ملكه، ولا أحد من النصارى عن أملاكه. وأنهم لا يقتلون ولا يسبون، أولادهم ولا نساؤهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا تحترق كنائسهم ما تعبد ونصح، وأن الذي اشترط عليه أنه صالح على سبع مدائن، أوريوالة وبلنتلة ولقنت ومولة وبقسرّة وأنة ولورقة. وأنه لا يأوى لنا عدوا، ولا يخون لنا أمناً ولا يكتم خبرا علمه. وأنه عليه وعلى أصحابه دينارا

стр. 55

كل سنة، وأربعة أمداد قمح وأربعة أمداد شعير، وأربعة أقساط طلا، وأربعة أقساط خل، وقسطي عسل، وقسطي زيت، وعلى العبد نصف ذلك. كتب في أربع من رجب سنة أربع وتسعين من الهجرة. شهد على ذلك ... الخ " (١). واتخذ موسى بن نصير أهبته للعود إلى دمشق نزولا على أوامر الخليفة. فنظم حكومة الأندلس قبل رحيله ما استطاع، وجعل حاضرتها إشبيلية (٢) لاتصالها بالبحر وكانت حاضرتها أيام الرومان، واختار لولايتها ولده عبد العزيز، واستخلف على المغرب الأقصى ولده عبد الملك، كا استخلف على إفريقية عبد الله أكبر أولاده. وفي شهر ذي الحجة سنة خمس وتسعين (أغسطس ٧١٥ م) قفل راجعاً إلى المشرق وطارق معه، وفي ركبه من نفيس التحف والغنائم ما لا يقدر ولا يوصف، ومن أشراف السبي عدد عظيم (٣).

стр. 56

وقد اختلفت الرواية العربية في مصير موسى بن نصير، واختلف الرواة في أمر لقائه بالخليفة؛ فقيل إنه وصل إلى دمشق قبل وفاة الوليد بن عبد الملك، وقدم إليه الأخماس والغنائم؛ فأكرمه وأحسن إجازته، وقيل بل وصل عقب وفاة الوليد وارتقاء سليمان بن عبد الملك أخيه عرش الخلافة، وأن سليمان غضب عليه ونكبه (١). على أنه يمكن التوفيق بين القولين أعني وفود موسى على الوليد ابن عبد الملك ثم نكبته على يد سليمان. وهنالك ما يرجح لدينا أنه لحق بالوليد قبيل وفاته، فإن ابن عبد الحكم وهو أقدم رواة فتوح الأندلس، يقول لنا إن موسى بن نصير مر بمدينة الفسطاط في أواخر شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين في طريقة إلى دمشق (٢). وقد توفي الوليد في منتصف جمادى الآخرة من هذا العام أعني بعد وصول موسى إلى مصر بأكثر من شهرين ونصف. ولما كانت مسافة السفر بين الفسطاط ودمشق لا تتجاوز في هذا العصر بضعة أسابيع، فإن الوقت كان يكفي لمقدم موسى على الوليد قبل وفاته بأسابيع. على أن الرواية من جهة أخرى تكاد تجمع على أن سليمان سخط على فاتح الأندلس ونكبه. ذلك أن موسى وصل إلى الشام والوليد في مرض موته، فكتب إليه سليمان ولي العهد أن يتمهل في السير، رجاء أن يموت الوليد بسرعة، فيقدم عليه في صدر خلافته بما يحمل من التحف والغنائم الكثيرة، فأبى موسى وجد في السير حتى قدم والوليد حى فسلم إليه الأخماس والغنائم. ثم توفي الوليد بعد ذلك بقليل مستخلفا أخاه سليمان على كرسى الخلافة. فغضب سليمان على موسى، وزاد في حقده عليه، ما قدمه في حقه طارق ومغيث من مختلف التهم (٣). وفي الحال أمر، بعزله واتهمه وبنيه باختلاس مقادير عظيمة من المال والتحف، وقضى عليه بردها، وبالغ في إهانته وتعذيبه، ثم ألقاه إلى ظلام السجن. واستجار موسى بصديقه يزيد بن المهلب من نقمة سليمان. وكان من أخصائه وذوى النفوذ عنده، فيروى أن يزيداً

стр. 57

قال له: " لم أزل أسمع عنك أنك من أعقل الناس وأعرفهم بمكائد الحروب ومداراة الدنيا. فقل لى كيف حصلت في يد هذا الرجل بعد ما ملكت الأندلس، وألقيت بينك وبين هؤلاء القوم البحر الزخار، وتيقنت بعد المرام واستصعابه، واستخلفت بلاداً أنت اخترعتها، وحصل في يدك من الذخائر والأموال والمعاقل ما لو أظهرت به الامتناع ما ألقيت عنقك في يد من لا يرحمك. ثم إنك علمت أن سليمان ولي عهد وأنه الوالي بعد أخيه، وقد أشرف على الهلاك لامحالة، وبعد ذلك خالفته وألقيت بيدك إلى التهلكة، وأحقدت مالكك ومملوكك ". وما زال يزيد بسليمان حتى عفا عن موسى، وأعفاه من الغرامة الفادحة التي قضى بها عليه، ويقال بل عفا عن حياته، ولم يعفه من الغرامة، وإن موسى استطاع أن يفتدي نفسه ببعض ما فرض عليه، وإن سليمان عفا عنه بعد ذلك (١)، وأقر ابنه عبد الله على إفريقية وابنه عبد العزيز على الأندلس. وتبالغ بعض الروايات فتقول إن سليمان أصر على معاقبة موسى وتغريمه، حتى كان يطوف أحياء العرب مع حراسه ليسأل بعض المال ليفتدي نفسه، وإنه لبث على تلك الحال حتى توفي في منتهي البؤس والذلة بوادي القرى في شمال الحجاز حيث ينسب مولده، وذلك سنة سبع وتسعين (٢). بيد أنه لا يوجد ما يبرر الأخذ بمثل هذه الرواية المغرقة. والصحيح المعول عليه أن سليمان عفا عن موسى، وأقاله من محنته؛ وتوفي موسى بعد ذلك بقليل في سنة سبع وتسعين (وقيل في سنة تسع وتسعين) وهو في طريقه إلى الحج مع سليمان، وقد جاوز الثمانين من عمره.

стр. 58

هذا ما تردده الرواية الإسلامية عن مصير موسى بن نصير. ومهما كان من الأمر، فإن فاتح الأندلس لم يلق الجزاء الحق، بل غمط حقه وفضله أشنع غمط، وأبدت الخلافة بهذا الجحود والنكران، أنها لم تقدر البطولة في هذا الموطن قدرها، ولم تقدر عظمة الفتح الباهر الذي غنمته على يد رجلها وقائدها. وكان موسى بن نصير من أعظم رجال الحرب والإدارة المسلمين في القرن الأول للهجرة. وقد ظهرت براعته الإدارية في جميع المناصب التي تقلدها، كما ظهرت براعته الحربية في جميع الحملات البرية والبحرية التي قادها. على أن هذه المواهب تبدو بنوع خاص في حكمه لإفريقية، حيث كانت الحكومة الإسلامية تواجه شعباً شديد المراس، يضطرم بعوامل الانتقاض والفتنة، وإذا كان موسى قد أبدى في معالجة الموقف وإخماد الفتنة كثيرا من الحزم والشدة، فقد أبدى في الوقت نفسه خبرة فائقة بنفسية الشعوب، وبراعة في سياستها وقيادتها. وكان موسى فوق مواهبه الإدارية والعسكرية غزير العلم والأدب، متمكنا من الحديث والفقه، عالماً بالفلك مجيداً للنثر والنظم. غير أن هذه المواهب والخلال البديعة كانت تشوبها نزعة قوية إلى الطغيان والبطش، وشهوة الحقد والحسد (١). وإلى موسى بن نصير يرجع الفضل الأول في عبور الإسلام إلى أوربا من الغرب وقيام دولته فيها، بعد أن اخفقت محاولته في العبور إليها من المشرق عن طريق قسطنطينية. ومع أن سيل الفتح الإسلامي رد غير بعيد في سهول بلاط الشهداء، فإن الإسلام استطاع مع ذلك أن يستقر في إسبانيا قروناً، يبهر بضوء مدنيته الزاهرة جميع الأمم الأوربية في العصور الوسطى. * * * هذا ما كان من شأن موسى ومصيره، فماذا كان مصير طارق؟ هذا ما تمر عليه الرواية الإسلامية بالصمت. وكل ما هنالك أنها تشير إلى ما كان من نية سليمان بن عبد الملك في تعيينه والياً للأندلس مكان موسى، وكيف عدل عن ذلك حينما وقف من مغيث الرومي فاتح قرطبة، على ماكان يتمتع به طارق في الأندلس من عظيم الهيبة والنفوذ، وذلك توجساً مما قد يجيش به من أطماع ومشاريع نحو ذلك

стр. 59

القطر النائي من أقطار الخلافة (١). وقد كان مغيث يحقد على موسى وطارق منذ الفتح ويسعى إلى منافستهما والإيقاع بهما، وكان لوقيعته ومساعيه ضدهما أكبر الأثر في استدعائهما إلى دمشق. وإذا كانت هذه الرواية لا تلقى ضوءا كافيا على مصير طارق، فإنها قد تسمح لنا مع ذلك أن نعتقد أن طارقاً لم يلق مثل المصير المحزن الذي لقيه موسى، وأنه بالعكس قد استقبل في بلاط دمشق استقبالا حسناً، وربما أحسن الخليفة فوق ذلك إثابته، بدليل أنه فكر في تعيينه واليا للقطر الذي ساهم في افتتاحه بأعظم قسط. ولكن الرواية الإسلامية لا تحدثنا بعد ذلك عن طارق بشىء، ولا تذكر لنا أين ومتى توفي، بل تسدل على نهايته حجابا عميقا من الصمت (٢). وليس في وسعنا إزاء هذا الغموض الذي يحيط بسيرة طارق أن نتحدث عن صفاته وخلاله، وكل ما نستطيعه في هذا الموطن هو أن ننوه بخلاله العسكرية الباهرة، التي ظهرت بوضوح في حروب المغرب وفتح الأندلس، وهو بهذه الخلال يتبوأ مكانته بين أعظم الفاتحين المسلمين. أما مصير الكونت يوليان الذي مهد لفتح الأندلس، فلم تشر إليه الرواية الإسلامية. وفي بعض الروايات أنه عاد بعد الفتح إلى سبتة وأقطع ما حولها من الأراضي، وقُلد إمارتها جزاء خدماته. ولكنه بقي نصرانيا هو وبنوه الأقربون، ثم دخل عقبه في الإسلام بعد ذلك. وتقول الرواية الكنسية الإسبانية إنه قتل بيد مواطنيه في معركة نشبت بينه وبينهم، أو أنه قتل بعد ذلك بأعوام في ولاية الحر الثقفي بيد العرب لريبة في ولائه. وتقول هذه الرواية أيضاً إن العرب أعدموا ابني وتيزا وأفراد أسرته لمثل هذا السبب (٣). وهذا ما تنفيه الرواية الإسلامية وتؤكد عكسه. فالمصادر الإسلامية تجمع كلها على أن العرب أحسنوا معاملة إيفا (أو إيبا) وسيزبوت ابني وتيزا وعمهما أوباس؛ فأما أوباس فقد عين كما تقدم مطراناً لطليطلة، وأقطع إيفا وسيزبوت ما كان لأبيهما من الضياع.

стр. 60

ثم توفي إيفا أكبر الأخوين بعد ذلك بأعوام عن إبنة تدعى سارة وولدين صغيرين، فاغتصب سيزبوت ميراثه وضياعه، فبادرت سارة بالسفر مع أخويها إلى دمشق، وشكت عمها إلى الخليفة هشام بن عبد الملك، فأنصفها وقضى لها برد ميراث أبيها، وبعث بذلك إلى والي الأندلس أبي الخطار الكلبي. وتزوجت سارة في دمشق من سيد عربي يدعى عيسى بن مزاحم، ورزقت منه بولدين هما إبراهيم وإسحاق. ثم عادت مع زوجها إلى الأندلس، وأحرز ولداها، مكانة ممتازة. وإليها ينتمي نسب ابن القوطية القرطبي المؤرخ، نسبة إلى لقبها العربي وهو سارة " القوطية " (١).

стр. 61

الفصل الرابع إسبانيا بعد الفتح الإسلامي (١) آثار الفتح الإسلامي. سياسة العدل والتسامح. أقوال النقد الغربي الحديث في ذلك. الحرية الدينية. المجتمع الإسلامي الجديد. عناصر الضعف فيه. العرب والبربر والمولدون. الخصومة بين اليمنية والمضرية. أسباب هذه الخصومة. رأى ابن خلدون في تعليلها. الخصومة بين العرب والبربر. أثر دعوة الخوارج في إذكائها. (٢) الأقاليم الأندلسية الجديدة. تفرق القبائل في المدن المختلفة. منازل البربر في شبه الجزيرة. ولاية عبد العزيز بن موسى. تنظيمه للحكومة الجديدة. زواجه بأرملة ردريك. التوجس من سياسته. مقتله. بواعث هذه الجريمة. ولاية أيوب ابن حبيب اللخمي. نقل قاعدة الحكم إلى قرطبة. ولاية الحر الثقفي. قمعه للمنازعات والفتن. غزوه لسبتمانيا وافتتاحه لقواعدها. محاربته لثوار الشمال. الإضطراب في قرطبة. ولاية السمح بن مالك. فصل حكومة الأندلس عن إفريقية. فكرة عمر بن عبد العزيز في جلاء المسلمين عن الأندلس. إصلاحات السمح ومنشآته. غزوه لسبتمانيا. زحفه على تولوشة. - ١ - كان فتح الإسلام لاسبانيا فاتحة عصر جديد، وبدأ تطور عظيم في حياتها العامة وفي نظمها الاجتماعية. وقد كانت لعهد الفتح كما رأينا ترزح في غمر مرهقة من الجور والعسف، وكانت أقلية باغية من الأمراء والنبلاء تسود شعباً بأسره وتستغله أشنع استغلال، وتفرض عليه رسوم الرق والعبودية، وتستبيح منه كل الحريات والحرم. فجاء الإسلام ليقضي على ذلك كله، وليحمل نعم العدل والحرية والمساواة إلى الناس جميعاً، وليعطي كل ذي حق حقه، وليقمع البغي والظلم. وبالرغم من أن العرب شغلوا حيناً بتوطيد الفتح الجديد وتوسيعه، فإنهم استطاعوا في أعوام قلائل أن يقمعوا عناصر الشر والفوضى، وأن ينظموا إدارة البلاد المفتوحة، وأن يبثوا في الجزيرة روحا جديدا من العزم والأمل، فنشطت الزراعة والصناعة والتجارة بعد ركودها، وهبت ريح من الرخاء والدعة، على مجتمع أضناه العسف والفاقة مدى عصور. قضى الفتح على سلطان الطبقات الممتازة، فتنفس الشعب الصعداء، وخف عن كاهله ما كان ينوء به من الأعباء والمغارم. وفرض المسلمون الضرائب

стр. 62

بالمساواة والاعتدال والعدل، بعد أن كان يفرضها حكم الهوى والجشع، وأمن الناس على حياتهم وحرياتهم وأموالهم. وترك الفاتحون لرعاياهم الجدد حق اتباع قوانينهم وتقاليدهم، والخضوع لقضائهم وقضاتهم، واختاروا في معظم الأحوال لهم حكاما من أبناء جنسهم، يعهد إليهم بسن الضرائب المطلوبة، والإشراف على النظام والسكينة. أما في شأن الدين وحرية العقائد والضمائر، فقد كانت السياسة الإسلامية مثلا أعلى للتسامح. فلم يظلم أحد أو يرهق بسبب الدين أو الاعتقاد، وكان أداء الجزية هو كل ما يفرض على الذميين من النصارى أو اليهود، لقاء الاحتفاظ بدينهم وحرية عقائدهم وشعائرهم, ومن دخل الإسلام منهم سقطت عنه الجزية، وأصبح كالمسلم سواء بسواء في جميع الحقوق والواجبات. ونرى في هذا الموطن أن نقدم طائفة من الأقوال والآراء التي يعلق بها المؤرخون والنقدة الغربيون، على سياسة الفتح الإسلامي وآثاره في اسبانيا. يقول العلامة المستشرق رينهارت دوزي: " لم تكن حال النصارى في ظل الحكم الإسلامي مما يدعو إلى كثير من الشكوى بالنسبة لما كانت عليه من قبل. أضف إلى ذلك أن العرب كانوا يتحلون بكثير من التسامح. فلم يرهقوا أحداً في شئون الدين. ولم تكن الحكومة - إذا لم تكن مغرقة في الدين - لتشجع إسلام النصارى، إذ كانت خزانة الدولة تخسر بإسلامهم كثيرا. ولم يغمط النصارى للعرب هذا الفضل، بل حمدوا للفاتحين تسامحهم وعدلهم، وآثروا حكمهم على حكم الجرمان والفرنج وانقضى القرن الثامن كله في سكينة، وقلما نشبت فيه ثورة. كذلك لم يبد رجال الدين في العصور الأولى كثيراً من التذمر، وإن كانت لديهم أكثر البواعث لذلك. وهذا ما تؤيده روح الرواية اللاتينية التي كتبت سنة ٧٥٤ في قرطبة، والتي تنسب لإيزيدور الباجي، فإن كاتبها رغم كونه من رجال الدين، يبدي نحو المسلمين من العطف، ما لم يبده أى كاتب إسباني آخر قبل القرن الرابع عشر ". ويقول دوزي عن آثار الفتح الإجتماعية: " كان الفتح العربي من بعض الوجوه نعمة لإسبانيا. فقد أحدث فيها ثورة إجتماعية هامة، وقضى على كثير من الأدواء التي كانت تعانيها البلاد منذ قرون .. وحطمت سلطة الأشراف والطبقات الممتازة أو كادت تمحى، ووزعت الأراضي توزيعاً كبيرا، فكان ذلك حسنة سابغة، وعاملا في ازدهار الزراعة إبان الحكم العربي. ثم كان الفتح عاملا في تحسين أحوال الطبقات المستعبدة،

стр. 63

إذ كان الإسلام أكثر تعضيداً لتحرير الرقيق من النصرانية، كما فهمها أحبار المملكة القوطية. وكذا حسنت أحوال أرقاء الضياع، إذ غدوا من الزراع تقريبا، وتمتعوا بشىء من الإستقلال والحرية " (١). ويقول الأستاذ لاين بول: " أنشأ العرب حكومة قرطبة التي كانت أعجوبة العصور الوسطى، بينما كانت أوربا تتخبط في ظلمات الجهل، فلم يكن سوى المسلمين من أقام بها منائر العلم والمدنية ". " ماكان المسلمون كالبرابرة من القوط أو الوندال، يتركون وراءهم الخراب والموت. حاشا، فإن الأندلس لم تشهد قط أعدل وأصلح من حكمهم. ومن الصعب أن نقول أنى اكتسب العرب تلك الخبرة الفائقة بالشئون الإدارية، فقد خرجوا من الصحراء إلى الغزو، ولم يفسح لهم تيار الفتح مجالا يدرسون فيه إدارة الأمم المفتوحة " (٢). ويقول المستشرق الإسباني جاينجوس: " لقد سطعت في اسبانيا (الأندلس) أول أشعة لهذه المدنية، التي نثرت ضوءها فيما بعد على جميع الأمم النصرانية. وفي مدارس قرطبة وطليطلة العربية، جمعت الجذوات الأخيرة للعلوم اليونانية بعد أن أشرفت على الانطفاء، وحفظت بعناية. وإلى حكمة العرب، وذكائهم، ونشاطهم، يرجع الفضل في كثير من أهم المخترعات الحديثة وأنفعها " (٣). وقال المؤرخ الأمريكي سكوت: " في أقل من أربعة عشر شهراً، قضى

стр. 64

على مملكة القوط قضاء تاما، وفي عامين فقط وطدت سلطة المسلمين فيما بين إلبحر الأبيض المتوسط وجبال البرنيه. ولا يقدم لنا التاريخ مثلا آخر اجتمعت فيه السرعة والكمال والرسوخ بمثل ما اجتمعت في هذا الفتح ... وقد كان المظنون في البداية أن الغزو إنما هو أمر مؤقت فقط. ولم يتوقع أحد أن يكون احتلال البلاد دائما. فلما استقرت الجماعات المستعمرة، وفتحت الثغور لتجارة المشرق، وأقيمت المساجد، أدرك القوط فداحة الخطب الذي نزل بهم. ولكن اعتدال حكامهم الجدد خفف من ألم الهزيمة. وكان دفع الجزية يضمن الحماية لأقل الناس, وكان يسمح للورع المتعصب أن يزاول شعائره دون تدخل، كمكا يسمح للملحد أن يجاهر بآرائه دون خشية المطاردة، والأحبار يزاولون شئونهم في سلام. أما أقوال الكتاب النصارى التي ينسبون فيها للعرب أفظع المثالب، فهي محض مبالغة أو افتراء " (١). أجل، لم يك ثمة ما يدعو لأن يعتبر الفتح الإسلامي لاسبانيا كارثة قومية يفزع لها الشعب ويأسو، بل كان كل ما هنالك بالعكس يدعو إلى اعتباره نذير الخلاص والأمل. ألم يكن شعار الفاتحين التسامح والعدل والمساواة؟ لقد كان تسامح الإسلام نبراساً يشع بضوئه المنقذ في هاتيك المجتمعات التي أضناها الإرهاق الديني، ولم ير الإسلام بأساً من أن يستقبل النصارى واليهود إلى جانب المسلمين في مجتمع واحد، يسوي فيه بينهم في جميع الحقوق والواجبات، ولم ير بأساً من أن تقوم الكنائس والبيع إلى جانب المساجد، ألم يكن ذلك أبدع وأروع ما في سياسة الفتح الإسلامي؟ لقدكانت حرية الضمائر والعقائد والفكر، وما زالت منذ أقدم العصور, أثمن ما تحرص عليه الشعوب الكريمة وتذود عنه. فإذا ذكرنا أن هذا التسامح الذي أبداه الإسلام نحو الأمم المغلوبة، وهذا الاحترام لضمائر الناس وعقائدهم، وهذه الحرية التي تركها لهم في إقامة شعائرهم، إنما جاءت بعد عصور طويلة من الاضطهاد الديني، اتخذت فيها مطاردة الضمائر والعقائد أشنع الأساليب والصور، استطعنا أن نقدر ما كان لذلك الانقلاب من

стр. 65

أثر عميق في نفسية الشعوب المغلوبة وعواطفها، وما كانت تحبو به حكم الإسلام من التأييد والرضى. ويبدي كثير من العلماء الإسبان أنفسهم مثل هذا التقدير، والإشادة باعتدال السياسية الإسلامية وآثار مسلكها المستنير. ذلك أن العرب تركوا الشعب المغلوب دون مضايقة، يحيا حياته الخاصة في نظمه وتقاليده. وهذا ما يسلم به المستشرق سيمونيت، بالرغم من كونه من أشد العلماء الإسبان تحاملا، فهو يقول لنا " إنه فيما يتعلق بالقوانين المدنية والسياسية، فإن النصارى الإسبان احتفظوا في ظل حكم الإسلامي بنوع من الحكومة الخاصة، واحتفظ الناس بأحوالهم القديمة دون تغيير كبير؛ وفيما يتعلق بالتشريع، فإنهم قد احتفظوا في باب النظم الكهنوتية بقوانين الكنيسة الإسبانية القديمة، واحتفظوا في الناحية المدنية بالقوانين القوطية أو قانون التقاضي " Fuero Juzgo "، يخضعون لها في كل ما له علاقة بحكومتهم. وهي حكومة بلدية محلية، وما لم يكن يتعارض مع القوانين والسياسة الإسلامية " (١). وفيما يتعلق بالناحية النظامية يقول العلامة ألتاميرا، إن أغلبية الشعب الإسباني الروماني والقوطي بقيت في ظل حكم المسلمين محتفظة برؤسائها (وهم الأقماط أو الكونتات Condes) وقضائها وأساقفتها وكنائسها، وبالجملة بقيت محتفظة بما يشبه استقلالها المدني الكامل. وقنع الولاة بأن يفرضوا على النصارى المحكومين الضرائب الشرعية " (٢). ويقول المستشرق كارديناس: " إن الفضل يرجع إلى تسامح الولاة والأمراء الأوائل، في أنه خلال العصور الأولى من الحكم الإسلامي، كان الشعبان - المسلمون والمستعربون (النصارى) - يعيشان جنباً إلى جنب عيشة حرة ". " واستطاع المستعربون في ظل الحكم الإسلامي أن يحتفظوا باستقلالهم، ولغتهم وعاداتهم وقوانينهم، وأحياناً بأساقفتهم وكونتاتهم، وأن يسهروا على صيانة الفنون القوطية التي كان العرب أنفسهم يقتبسون من أساليبها " (٣).

стр. 66

ونكتفي بما تقدم من أقوال المؤرخين والمفكرين الغربيين في الإشادة باعتدال السياسة الإسلامية وتسامحها. وفي أقوالهم أبلغ رد على ما ينسبه بعض الأحبار والعلماء المتعصبين لحكم المسلمين، من ضروب التعصب والطغيان المدني والديني. غير أن هذا الدولة الجديدة التي أنشأها الإسلام في اسبانيا، كانت تحمل منذ البداية جرثومة الخلاف الخطر. وكان هذا المجتمع الجديد الذي جمع الإسلام شمله ومزج بين عناصره، يجيش بمختلف الأهواء والنزعات، وتمزقه فوارق الجنس والعصبية. كانت القبائل العربية ما تزال تضطرم بمنافساتها القديمة الخالدة، وكان البربر الذين يتألف منهم معظم الجيش، يبغضون قادتهم ورؤساءهم العرب، وينقمون عليهم استئثارهم بالسلطهّ والمغانم الكبيرة، واحتلالهم لمعظم القواعد والوديان الخصبة، وكثيراً ما رفعوا لواء العصيان والثورة. وكان المسلمون الإسبان وهم " المولدون أو البلديون " (١) محدثين في الإسلام، يشعرون دائماً بأنهم رغم إسلامهم، أحط من الوجهة الاجتماعية، من سادتهم العرب. ذلك أن العرب رغم كون الإسلام يسوي بن جميع المسلمين في الحقوق والواجبات، ويمحو كل فوارق الجنس والطبقات، كانوا يشكون في ولاء المسلمين الجدد، ويضنون عليهم بمناصب الثقة والنفوذ، هذا إلى أن العربي في الأقطار القاصية التي افتتحها بالسيف، لم يستطع أن يتنازل عن كبرياء الجنس، التي كانت دائما من خواص طييعته، فكان مثل الإنكليزي السكسوني يعد نفسه أشرف الخليقة (٢). على أن الخلاف بن العرب أنفسهم كان أخطر ما في هذا المجتمع الجديد من عوامل التفكك والانحلال، فقد كانت عصبية القبائل والبطون، ما تزال قوية حية في الصدور، وكان التنافس على السلطان والرياسة بين الزعماء والقادة، يمزق الصفوف ويجعلها شيعا وأحزاباً، وكانت عوامل الغيرة والحسد تعمل عملها في نفوس القبائل والبطون المختلفة. وأشد ما كانت تستعر نار ذلك الخلاف والتنافس بين اليمنية والمضرية، وذلك لأسباب عديدة ترجع إلى ما قبل الإسلام. منها أن الرياسة كانت لعصور طويلة قبل الإسلام في حمير وتُبع، أعظم القبائل اليمنية، وكانت لهم دول ومنعة وحضارة زاهرة، بينما كانت مضر بدوا متأخرين يخضعون لحمير ويؤدون

стр. 67

الجزية لهم. وكان بينهما خصومات وحروب مستمرة طويلة الأمد، إذ كانت حمير تعمل للاحتفاظ برياستها وسلطانها، وتجاهد مضر في سبيل استقلالها وحريتها. ولنا في " أيام " العرب ووقائعها المشهورة، أمثلة رانعة من هذا النضال. قال ابن خلدون: " واستمرت الرياسة والملك في هذه الطبقة اليمانية أزمنة وآماداً، بما كانت صبغتها لهم من قبل، وأحياء مضر وربيعة تبعاً لهم - فكان الملك بالحيرة ْللخم في بني المنذر، وبالشام لغسان في بني جفنة، ويثرب كذلك في الأوس والخزرج. وما سوى هؤلاء من العرب فكانوا ظواعن بادية وأحياء ناجعة. وكانت في بعضهم رياسة بدوية وراجعة في الغالب إلى أحد هؤلاء. ثم نبضت عروق الملك، وظهرت قريش على مكة ونواحى الحجاز، أزمنة عرفت فيها منهم ْودانت الدول بتعظيمهم. ثم صبغ الإسلام أهل هذا الجيل، فاستحالت صبغة الملك إليهم وعادت الدول لمضر من بينهم، واختصت كرامة الله بالنبوة بهم، فكانت فيهم الدول الاسلامية كلها، إلا بعضاً من دولها قام بها العجم اقتداء بالملة وتمهيداً للدعوة " (١). وهكذا أسفر النضال لظهور الإسلام عن تحول في الرياسة، إذ انتهت إلى قريش زعيمة المضرية، بعد أن لبثت عصوراً طويلة في اليمنية، وانقلبت الآية، فأصبحت المضرية تعمل على الاحتفاظ برياستها، واليمنية تجاهد في انتزاعها منها. وكانت مسألة اللغة أيضاً من أسباب ذلك الخلاف. ذلك أن لسان حمير، كان أصل اللغة العربية التي اعتنقتها مضر، وأسبغت عليها آيات باهرة من الفصاحة والبيان، ونزل بها القرآن الكريم على النبي القرشي المضري ﷺ ، فكانت اللغة من مفاخر مضر، تغار عليها وتحافظ على سلامتها ونقائها، بينما فسدت لهجات القبائل الأخرى بالاختلاط وضعف بيانها. وفي ذلك قول ابن خلدون: " ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها، لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ثم من اكتنفهم من ثقيف وهذيل وخزاعة وبني كنانة وغطفان وبني أسد وتميم. وأما من بعد عنهم من ربيعة ولخم وجذام وغسان وأياد وقضاعة وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة، فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم " (٢). أضف إلى هذا وذاك ما كان بين الفريقين من تباين شديد

стр. 68

في الطبائع والخلال، مما كان يذكى بينها أسباب النفور والتباعد. وقد كان الإسلام مدى حين عاملا قوياً في جمع الكلمة، وتوطيد الصفوف، وتلطيف أسباب الخصومة، ولاسيما في شبه الجزيرة العربية. ولكن ما كاد ينقضي العصر الأول، حتى هبت كوامن الخصومة والنضال من مرقدها، وعادت تعصف بوحدة المجتمع الإسلامي، وكان هذا الخلاف أخطر وأشد في الأقطار القاصية التي افتتحها الإسلام، ففتحت أمام القبائل والأجناس المختلفة، التي تعمل معا تحت لوائه، مجالا واسعا للتنافس والتطاحن. وكان هذا هو بالأخص شأن المجتمع الإسلامي المضطرم المتنافر، الذي قام عقب الفتح في اسبانيا. وكانت إفريقية وهي أقرب قطر إسلامي لإسبانيا، وتتبعها حكومة الأندلس من الوجهة الإدارية، تفيض أيضاً بعناصر اضطراب خطرة. فقد نزح إليها الدعاة الخوارج منذ أواخر القرن الأول، وذاعت مبادئ الخوارج الثورية بين البربر بسرعة، لحداثة عهدهم بالإسلام، وتعددت نحلهم وطوائفهم، واشتد الخلاف والجدل فيما بينهم، وفسد من جهة أخرى مابينهم وبين العرب من علائق الإخاء والمودة، وكثر نزوعهم إلى الثورة. وهذا ما يصفه ابن خلدون في قوله: " ثم نبضت فيهم (أى البربر) عروق الخارجية، فدانوا بها، ولقنوها من العرب الناقلة ممن سمعها بالعراق، وتعددت طوائفهم، وتشعبت طرقها من الإباضية والصفرية. وفشت هذه البدعة، وعقدها رؤوس النفاق من العرب، وجرت إليهم الفتنة من البربر ذريعة الانتزاء على الأمر، فاختلفوا في كل جهة، ودعوا إلى قائدهم طغام البربر، تتلون عليهم مذاهب كفرها، ويلبسون الحق بالباطل فيها، إلى أن رسخت فيهم عروق من غرائسها. ثم تطاول البربر إلى الفتك بأمر العرب " (١). واشتد تحريض الخوارج على حكومة الأمويين في إفريقية، بعد أن أخفقوا في مقاومتها في العراق، وتوالت الثورات والحروب الأهلية حينا. وكان لذلك كله صداه في اسبانيا، وخصوصا بن البربر الذين يتألف منهم معظم الجيش، فاضطرب أمر الحكم والنظام في الأندلس، وذكا الخلاف بين الزعماء والقادة على نحو ما قدمنا، ولبثت حكومة اسبانيا العسكرية مدى حين عرضة للخروج والثورة، وذهب ضحية الفتنة جماعة من الحكام والزعماء كما نفصل بعد.

стр. 69

- ٢ - عنى الفاتحون عقب الفتح بتنظيم شئون الحكم والإدارة، فقسمت اسبانيا على ضوء تقسيمها القديم أيام الرومان والقوط، في المبدأ، إلى أربع ولايات كبيرة على رأس كل منها حاكم محلي يعينه الحاكم العام، ويُسئل أمامه مباشرة عن أعماله وشئون إدارته. أما حاكم الأندلس أو واليها العام، فكان تعيينه في المبدأ راجعا إلى حاكم إفريقية يختاره بموافقة الخليفة. وكانت الولاية الأولى تشمل إقليم الأندلس، الممتد بين البحر المتوسط ونهر الوادي الكبير، وما يلي هذا النهر حتى نهر وادي أنة أو وادي يانة، وأشهر مدنها قرطبة، وإشبيلية، ومالقة، وإستجة، وجيان. وتشمل الثانية جميع اسبانيا الوسطى، من البحر المتوسط شرقا إلى حدود البرتغال غربا (لوزيتانيا)، ثم إلى نهر دويره (دورو) شمالا، وأشهر قواعدها طليطلة، على نهر تاجُه، وقونقة وشقوبية، وبلنسية، ودانية، ولقنت، وقرطاجنة، ومرسية، ولورقة، وبسطة. وتشمل الثالثة جليقية ولوزيتانيا (البرتغال القديمة)، وأشهر قواعدها ماردة، ويابرة، وباجة، وأشبونة، وقلمرية، ولك، وأسترقة، وشلمنقة وغيرها. وتمتد الرابعة من نهر دويره إلى جبال البرنيه (جبال البرت أو الممرات) على ضفتي نهر إبره (إيبرو)، وغربا إلى جليقية. وأشهر قواعدها سرقسطة، وطرطوشة، وطركونة، وبرشلونة، وأرقلة (أرجل)، وبلد الوليد، ووشقة، وببشتر وغيرها. ولما اتسع نطاق الفتوح الإسلامية شمالا، أنشئت ولاية خامسة شمالي جبال البرنيه شاملة لأربونة، ونيمة (أونومشو)، وقرقشونة، وبزييه، وأجده، وماجويلون (أو مقلون)، ولوديف (١). ففي هذه الولايات والقواعد الجديدة تفرقت القبائل والعشائر المختلفة، فنزلت قبائل دمشق بكورة قرطبة، وحمص بإشبيلية ولبلة وأنحائهما، وقنسرين بجيان وأنحائها، وفلسطين بشذونة والجزيرة وريُّه ومالقة وأنحائها، وقبائل اليمن بطليطلة وأراضيها، ونزل الفرس بشريش وأحوازها، والعراقيون، بكورة إلبيرة (غرناطة).

стр. 70

والمصريون بتدمير وماردة وأشبونة وأراضيها، واستقر الحجازيون بالقواعد الداخلية (١). وأما البربر فقد نزل أغلبهم بالأطراف الغربية في نواحي ماردة وبطليوس وأراضي البرتغال، ونواحي الثغر الأوسط شمالي طليطلة فيما وراء نهر التاجُه، وفي بعض أنحاء الثغر الأعلى، وفي قطاع قونقة والسهلة، ونزلت أقليات منهم بين القبائل العربية، بنواحي شاطبة ولقنت، وفي أحواز شذونة وأراضي الفرنتيرة (٢). ويلاحظ من الناحية الإقليمية، أن القبائل العربية قد احتلت معظم البقاع والوديان الخصبة في شبه الجزيرة، وأن البربر نزلوا أو بعبارة أخرى أنزلوا بالعكس في معظم الأقاليم والهضاب القاحلة، ولم يحتلوا من البقاع الخصبة سوى القليل. وقد كان هذا التقسيم المجحف للأقاليم المفتوحة عاملا آخر في ازدياد الشقاق بين العنصرين الفاتحين - العرب والبربر -. وسنرى فيما بعد كيف كان استقرار البربر في تلك الأطراف الوعرة النائية، من العوامل التي شجعتهم على تحدي السلطة المركزية، ورفع لواء الثورة من آن لآخر. وقد ذكرنا أن موسى بن نصير قبل رحيله إلى المشرق في شهر ذي الحجة سنة ٩٥، اختار ولده عبد العزيز لولاية الأندلس، فكان أول ولاتها من المسلمين، وأنه استخلف ولده عبد الله في ولاية إفريقية، وأن سليمان بن عبد الملك أقر هذا الاختيار. فقضى عبد العزيز بن موسى في ولايته زهاء عامين عنى فيهما بتحصين الثغور، وقمع الخروج والعصيان، وافتتح عدة أماكن وحصون، وأبدى همة في تنظيم الحكومة الجديدة وإدارتها، وأنشأ ديوانا لتطبيق الأحكام الشرعية وتنسيقها، لتوافق مشارب الرعايا الجدد، ولتجمع حولها كلمة المسلمين من مختلف القبائل، وشجع الزواج بين العرب والإسبان، وتزوج هو بالملكة إيجلونا (٣) أرملة ردريك ملك القوط، واختار في إشبيلية عاصمة، الأندلس

стр. 71

الجديدة، دير " سانتا روفينا " ليكون مقاما له ولزوجه، وفيه أجريت أول تعديلات على الطراز العربي، ووفد عليه المهاجرون من مصر والشأم والعراق وفارس، فأحيوا بالجزيرة سبل الزراعة والصناعة والتجارة. ولكنه لم يستطع أن يوفق بين مختلف القبائل، ولا أن يهدىء من فورة الجند. هذا إلى ما ثار من ريب حول مقاصده ونياته، بانقياده إلى زوجه، واتخاذه نوعاً من رسوم الملك، حتى قيل إنه تنصر، وقيل إنه كان يبغى الملك ويسعى إليه بتحريض زوجه، ويعمل للاستقلال بإسبانيا (١). وهذا ما يراه المستشرق سيمونيت، إذ يقول إن عبد العزيز بن موسى كان يدبر مشروعا يرمي إلى الاستقلال بإسبانيا، والى أن يؤسس مملكة أو إمارة مستقلة فوق أنقاض المملكة القوطية، وقد كان مما يدفعه إلى هذا العزم، فضلا عن طموحه الشخصي، تحريض زوجه إيجلونا، التي كانت تضطرم رغبة في استرداد تاجها القديم، وأسباب أخرى تتعلق بالسياسة العليا. ولم يكن يخفى عليه أن سلطان خلفاء المشرق، غدا قاصراً عن أن يسيطر على هذا القطر الغربي، الذي كان سكانه الوطنيون أقل انحطاطا من الأمم الأخرى التي فتحها المسلمون، والذي كان يقدم إلى الفاتحين بعدده وحضارته مزية عظيمة (٢). وبالرغم من أنه ليست لدينا أدلة حاسمة على مشروع عبد العزيز بن موسى في الاستقلال باسبانيا، فإنه يبدو ممكنا ومعقولا في الظروف التي كانت تجوزها اسبانيا يومئذ. وعلى أي حال، فإن خصومه شنوا عليه وعلى تصرفاته دعاية قوية انتهت بالثورة، فوثب به جماعه من الجند على رأسهم وزيره حبيب بن أبي عبدة الفهري، وقتلوه أثناء صلاته بأحد مساجد إشبيلية، وذلك في رجب سنة ٩٧ (يناير ٧١٦ م)، وبعثوا برأسه إلى دمشق. ومن المرجح أن يد الخلافة لم تكن بعيدة عن هذه المؤامرة، وأن سليمان بن عبد الملك هو روحها والمحرض عليها، فمن المعقول أن يتوجس سليمان ريبة من عبد العزيز ومقاصده، بعد الذي أنزله بأبيه موسى، وأن يرى التخلص منه وسيلة لتأمين الخلافة على سلطانها في ذلك القطر الجديد. وفي اهتمام

стр. 72

الجناة بإرسال رأس القتيل إلى دمشق اتهام واضح للخليفة. وقد عزل سليمان، عبد الله بن موسى بن نصير عن إفريقية، في نفس الوقت. الذي قتل فيه عبد العزيز، وهو ما يؤيد هذا الفرض. أيضا. والواقع أن أكثر من رواية إسلامية وثيقة يلقى تبعة هذه الجريمة على سليمان، ويتهمه البعض صراحة بأنه مدبرها، بل لقد ذهب بعضهم إلى القول بأن سليمان لم يكتف بأن حمل الجناة إليه رأس عبد العزيز، وأنه عرضها على أبيه موسى زيادة في إيلامه والتشفي منه (١)، على أن سليمان لم يعدم من الرواة من يبرئه من ارتكاب هذه الجريمة، فقد ذكر لنا صاحب " أخبار مجموعة " أن سليمان أسف لمقتل عبد العزيز، أو بعبارة أخرى أنه برىء من تبعة مقتله، وهي الرواية الوحيدة من نوعها، وهي رواية ظاهرة الضعف (٢). وعلى أثر مقتل عبد العزيز، اتفق الزعماء في إشبيلية على تولية أيوب بن حبيب اللخمي، وهو ابن أخت موسى بن نصير، وكان عاقلا صالحا، فهدأت الخواطر نوعاً، ولبث في ولايته ستة أشهر نقلت خلالها قاعدة الحكم من إشبيلية إلى قرطبة باتفاق الجماعة (٣). ثم أقاله محمد بن يزيد الذي خلف عبد الله بن موسى في ولاية إفريقية، وعين لولاية الأندلس الحر بن عبد الرحمن الثقفي، فقدمها في ذى الحجة سنة ٩٧ في جماعة كبيرة من وجوه إفريقية. وأنفق الحر صدر ولايته في قمع الفتن والمنازعات التي كانت قائمة بين العرب والبربر، وإصلاح الجيش، ومطاردة الخوارج والمعتدين من الجند، وتنظيم الإدارة وتوطيد الأمن، وكان صارماً جائراً شديد الوطأة. ثم سار نحو الشمال في جيش ضخم ليستعيد المدن والحصون الشمالية التي غزاها المسلمون من قبل، فعبر جبال البرنيه واخترق ولاية سبتمانيا (٤) أو لانجدوك في ربيع سنة ٧١٨ (٩٩هـ)، وكانت مدن سبتمانيا قرقشونة

стр. 73

وأربونة وبزييه ونيمة تابعة لمملكة القوط، وكانت تخلفت عن الطاعة بعد أن غزاها المسلمون لأول مرة بقيادة موسى بن نصير على نحو ما قدمنا. فافتتحها الحر واستولى عليها، وتابع زحفه حتى ضفاف نهر الجارون. ولكنه اضطر أن يعود أدراجه، إذ علم أن النصارى في منطقة نافار الجبلية (نبره أو بلاد البشكنس)، قد نظموا حركة مقاومة خطيرة، وأن الأمور قد اضطربت في قرطبة. وكان النظام قد اختل، وعادت المنازعات والدسائس تعمل عملها، في تقويض الأمن والسكينة، فأنفق الحر حينا آخر في قمع الفتنة، حتى عزله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، في منتصف سنة مائة لقسوته وصرامته، واضطراب النظام في عهده، فكانت ولايته سنتان وثمانية أشهر، سادت فيها القلاقل والفتن. واختار عمر بن عبد العزيز لولاية الأندلس السمح بن مالك الخولاني. وقرر أن تكون الأندلس ولاية مستقلة عن إفريقية تابعة للخلافة مباشرة، لما رآه من أهميتها واتساع شئونها، وكانت إلى ذلك الحين تابعة لعامل إفريقية وإليه تعيين ولاتها. ويقال إن عمر بن عبد العزيز فكر في إخلاء الأندلس وإجلاء المسلمين قاطبة عنها، لانقطاعهم بها، وعزلتهم فيما وراء البحر عن باقي أقطار الخلافة، فقيل له إن المسلمين قد تكاثروا بها واستقروا، فعدل عن مشروعه. " قالوا وليت الله تعالى أبقاه حتى يفعل، فإن مصيرهم مع الكفار إلى بوار إلا أن يستنقذهم الله برحمته " (١). وقدم السمح إلى الأندلس في رمضان سنة مائة (إبريل سنة ٧١٩) مزوداً بنصح الخليفة في أن يتبع الرفق والعدل، وأن يقيم كلمة الحق والدين. وكان السمح حاكما وافر الخبرة والحكمة والعقل. فقبض على زمام الأمور بحزم وهمة، وبادر بقمع المنازعات والفتن، وإصلاح الإدارة والجيش. وخمس جميع أراضي الأندلس التي فتحت عنوة، أعني مسحها وقرر عليها الخراج بنسبة الخمس. ويقول لنا العلامة ألتاميرا، فيما يتعلق بتوزيع أراضي الأندلس ما يأتي: " وقد ترك الفاتحون للإسبان الذين أسلموا أو خضعوا، سواء أكانوا جندا

стр. 74

أم نبلاء - حقوقهم في ملكية أملاكهم كلها أو بعضها، مع فرض ضريبة عقارية عليهم مشابهة للخراج هي (الجزية)، على الأراضي المنزرعة والأشجار المثمرة، واتبعت هذه القاعدة نحو بعض الأديار، كما حدث في الامتياز الذي منح لمدينة " قُلُمرية "، وأبيح لهؤلاء الملاك فوق ذلك حرية التصرف في أملاكهم، وهو حق كان وفقا للقوانين الرومانية القديمة مقيدا أيام القوط. وأما مازاد عن الخمس في الأراضي التي استولى عليها الفاتحون، فقد وزع بين الرؤساء والجند، وبين القبائل التي يتألف منها الجيش. " وقد روعي في توزيع الأراضي أن تخصص الولايات الشمالية، وهي جليقية وليون والأسترياس للبربر، وأن تخصص الولايات الجنوبية، أعني الأندلس للقبائل العربية. وكان يفرض على العمال الملازمين siervos من القوط، الذين يشتغلون بزرع الأرض، أن يدفعوا للسيد أو القبيلة المالكة ثلثي أو ثلاثة أخماس المحصول. وكان من أثر ذلك أن تحسنت أحوال المزارعين، كما أنه أدى في نفس الوقت إلى تقسيم الملكية وتمزيق الملكيات الكبيرة. كذلك تحسنت حال العبيد، لأن المسلمين كانوا يعاملونهم بأفضل مما كان الإسبان الرومان والقوط، ولأنه كان يكفي أن يدخل العبد في الإسلام ليغدو حرا " (١). وأنشأ السمح قنطرة قرطبة الشهيرة، على نهر الوادي الكبير، تحقيقا لرغبة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وأبدى في جميع أعماله حزما ورفقا وعدلا، فالتف الزعماء حوله، وخبت الفتنة وهدأت الخواطر، واستقر النظام والأمن. وكان السمح فوق كفايته الإدارية جندياً جريئاً وقائداً عظيماً. فلما انتهي من مهمة التنظيم والإصلاح، تأهب لاستئناف الغزو، وتوطيد سلطان الخلافة في الولايات الجبلية، والقواعد الشمالية، التي لم يستطع أن يتمم إخضاعها الحر الثقفي. فزحف على لانجدوك (سبتمانيا) في أواخر سنة ٧١٩ م في جيش ضخم، وفي جماعة كبيرة من وجوه الزعماء والقادة، واخترق جبال البرنيه من الشرق من ناحية روسيون، واستعاد أربونة وقرقشونة ومعظم قواعد سبتمانيا وحصونها، وعاث في تلك الأنحاء، وشتت كل قوة تصدت لمقاومته. ووقعت هذه الغزوة

стр. 75

الشاملة في سنة ٧٢٠ م (١٠١ هـ). ويقول إيزيدور الباجي إن العرب اجتاحوا يومئذ غاليس القوطية كلها وجميع قواعد سبتمانيا (١). ثم اتجه السمح بعد ذلك نحو الشرق ليغزو مملكة الفرنج الجنوبية أو أكوتين، وزحف توا على قاعدتها تولوشة (تولوز) (٢)، وبدأ بذلك النضال بين العرب والفرنج في بسائط غاليس قوياً رائعاً.
следующие страницы →