بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: دولة الإسلام في الأندلس (الجزء الأول)
تأليف: محمد عبد الله عنان
العصر الأوَّل - القسم الأوَّل
من الفتح إلى بداية عهد الناصر
стр. 2
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الرابعة
١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م
رقم الإيداع: ٨٩٨٨/ ٩٠
الترقيم الدولي: ٤ - ٠٨٢ - ٥٠٥ - ٩٧٧
مطبعة المدني المؤسسة السعودية بمصر ٦٨ شارع العباسية. القاهرة. ت: ٤٨٩٧٨٥١
стр. 3
نموذج من صفحات الجزء المخطوط من تاريخ ابن حيان المحفوظ بمكتبة جامع القرويين بفاس
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
تصدر اليوم الطبعة الرابعة من كتاب " دولة الإسلام في الأندلس "، وقد أتيح لنا بعون الله وتوفيقه، أن نكمل تاريخ الأندلس منذ بدايته إلى نهايته، وأن تظهر عصوره الأربعة على النحو الآتي:
العصر الأول - ويشمل تاريخ فتوح إفريقية والأندلس، وعصر الولاة، ثم تاريخ الدولة الأموية الأندلسية منذ قيامها في ظل الإمارة، ثم قيام الخلافة الأموية، وانحلالها على يد الدولة العامرية، ثم انهيارها وسقوطها، وبدء قيام دول الطوائف الأندلسية: ٢٢ - ٤٥٠ هـ (٦٤٣ - ١٠٥٨ م).
وهذا العصر، هو الذى نقدمه اليوم إلى القارئ في طبعته الجديدة.
العصر الثاني - " دول الطوائف "، ويشمل تاريخ الأندلس منذ قيام دول الطوائف الأندلسية، في أوائل القرن الخامس الهجرى، حتى سقوطها على يد المرابطين في أواخر هذا القرن: ٤٢٥ - ٥٠٢ هـ (١٠٣٣ - ١١٠٨ م).
العصر الثالث - " عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس " ويشمل تاريخ هاتين الدولتين المغربيتين العظيمتين، منذ بدايته حتى نهايته، وتاريخ الأندلس الكبرى في ظلهما، ثم انهيارها عقب انهيار سلطان الموحدين فى الأندلس، في أوائل القرن السابع الهجرى: ٥٠٠ - ٦٦٨ هـ (١١٠٦ - ١٢٦٩ م).
العصر الرابع - " نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين "، ويشمل تاريخ مملكة غرناطة آخر دول الإسلام في الأندلس، منذ قيامها حتى سقوطها، ثم تاريخ الأمة الأندلسية المغلوبة تحت نير اسبانيا النصرانية، بعد أن غدت طائفة الموريسكيين أو العرب المتنصرين، وما نزل بها من محن التنصير المغصوب، ومختلف ضروب الاضطهاد المفجعة، حتى إخراجها نهائيا من
стр. 5
الأراضي الإسبانية، وذلك في بداية القرن السابع عشر الميلادى: ٦٣٥ - ١٠١٩ هـ (١٢٣٧ - ١٦١٠ م).
وقد أتيح لنا إلى جانب هذه العصور الأربعة من تاريخ الأندلس، أن نصدر في نفس الوقت مؤلفا خاصا عن الآثار والنقوش الأندلسية الباقية، في شبه الجزيرة الأندلسية، وذلك بعنوان " الآثار الأندلسية الباقية، في اسبانيا والبرتغال ".
وتشغل هذه العصور الأربعة تسعة قرون من حياة الأمة الأندلسية، زاخرة بالأحداث والعبر والمآسي المشجية، لم نأل جهداً في سردها، وتحليلها، وإسنادها إلى مصادرها الوثيقة.
وقد أنفقت في كتابة هذه العصور الأربعة، من تاريخ الأمة الأندلسية، خمسة وعشرين عاماً، قمت خلالها بست عشرة رحلة في اسبانيا والمغرب، لم أدخر خلالها وسعاً في البحث والتنقيب، وتقصى مختلف المصادر والوثائق، ودراسة المخطوطات العربية، والوثائق القشتالية، في مختلف مواطنها.
ولقد كان لهذا التجوال المتكرر، في ربوع الأندلس القديمة، والزيارات المتعددة للقواعد الأندلسية الذاهبة، ولاسيما القواعد الكبرى مثل قرطبة وإشبيلية، وبلنسية، وشاطبة، ومرسية، وسرقسطة، وطليطلة، وبطليوس، وماردة، وأشبونة، وباجة وغرناطة، وألمرية، ومالقة، وغيرها، وهذه الدراسات المستفيضة لآثارها ونقوشها الأندلسية الباقية، وهذه المشاهدات لطبائع الإقليم، والبقاع، والأوساط التي حلت فيها الأمة الأندلسية، وعاشت عدة قرون، ووضعت أسس حضارتها العظيمة - كان لذلك كله في نفسي أعمق الآثار، وقد أمدني بكثير من الحقائق والفكر الجديدة.
وأود أن أنوه هنا، بأنه فضلا عن استيعاب المصادر القشتالية واللاتينية القديمة، والمصادر الغربية الحديثة، إلى جانب المصادر العربية المختلفة العامة والخاصة، قد أتيح لي أن أنتفع بكثير من المصادر المخطوطة الهامة، مما عثرت عليه خلال بحوثي في المجموعات الإسبانية (ولاسيما مجموعة الإسكوريال ومجموعة أكاديمية التاريخ)، والمجموعات المغربية في الرباط وفاس، وأن أنتفع في هذا القسم من تاريخ الأندلس، بوجه خاص، بثلاث قطع مخطوطة نادرة
стр. 6
من مؤلف ابن حيّان القيم في تاريخ الأندلس، وهو كتاب " المقتبس في تاريخ رجال الأندلس " أو " المقتبس في أخبار أهل الأندلس ".
القطعة الأولى - وتشمل حوادث سنى ١٨٠ - ٢٣٢ هـ، أعني عصري الحكم ابن هشام وعبد الرحمن بن الحكم، وتقع في نحو مائة صفحة (ص ٨٨ - ١٨٩) من القطع الكبير، وهي عبارة عن بداية السفر الثاني من كتاب " المقتبس ": ويرجع الفضل في انتفاعي بهذا القسم، إلى صديقي العلامة المرحوم الأستاذ ليفى بروفنسال، وكان قد عثر عليه في مكتبة جامع القرويين بفاس، وقد اختفى الآن هذا القسم ولا نعرف مكان وجوده.
القطعة الثانية - وهي تأتي مباشرة بعد القطعة الأولى، وتشمل حوادث سنى ٢٣٣ - ٢٦٧ هـ، أعني بقية عصر عبد الرحمن بن الحكم، ومعظم عهد ولده الأمير محمد، والبوادر الأولى للثورة الكبرى، وتقع في ٩٥ لوحة أعني مائة وتسعين صفحة من القطع الكبير، وهي عتيقة بالية كثيرة الخروم، متساقطة الحوافي، مكتوبة بخط أندلسي قديم، وقد كتب في نهايتها " كمل السفر الثاني بحمد الله تعالى، يتلوه الثالث، مبتدأ نجوم عمر بن حفصون كبير الثوار بالأندلس ". وهي تحتوى على تفاصيل ومعلومات هامة عن بلاط قرطبة وأحواله في هذا العصر، وعن الصقالبة والوزراء والعمال. وقد عثرت على هذه القطعة في مكتبة جامع القرويين بفاس، وحصلت منها على صورة فتوغرافية، وانتفعت بها منذ الطبعة الثالثة من الكتاب انتفاعاً عظيما، وذلك بالرغم من صعوبة المراجعة في هذه المخطوطة البالية (١).
ويتلو هذا القسم المخطوط الذى يشتمل على السفر الثاني من " المقتبس "، السفر الثالث، الذى قام بنشره المستشرق الإسباني الأب الأوغسطيني ملشيور أنتونيا عن مخطوطة المكتبة البودلية بأكسفورد (باريس سنة ١٩٣٧)، وهو يشتمل على عهد الأمير عبد الله بن محمد، وحوادث الفتنة الكبرى من سنة ٢٧٥ إلى سنة ٢٩٨ هـ، قبيل عهد الناصر بعامين.
القطعة الثالثة - وهي تتعلق بأعظم اكتشاف من نوعه من كتاب " المقتبس "،
стр. 7
وهو العثور على " السفر الخامس " منه المتعلق بعهد عبد الرحمن الناصر.
إن هذا الاكتشاف يتعلق بأعظم قطعة مخطوطة عثر بها البحث حتى اليوم من هذا المؤلف الكبير. وقد تم العثور عليها منذ أعوام قلائل بين موجودات الخزانة الملكية بالرباط، وقد كان من حسن الطالع أن أتيح لنا الاطلاع عليها ودراسة محتوياتها دراسة وافية.
وهي عبارة عن جزء ضخم من كتاب " المقتبس " يقع في مائة وخمسة وثمانين ورقة كبيرة تضم ٣٧٠ صفحة، ولا يحمل المخطوط عنوانا لأنه ناقص من أوله. ولكن لا يصعب على من يعرف منهج ابن حيان التاريخي وأسلوبه النقدي، ومصادره التي يقتبس منها، أن يدرك لأول وهلة أنه أمام جزء كبير من المقتبس. ومن جهة أخرى، فإنه مما يقطع بصحة هذا الاستنتاج، ما قرأناه في حوادث سنة ٣٢٧ هـ، عن موقعة الخندق، من قول المؤلف خلال حديثه عمن قتل من المسلمن في الموقعة "وفشا القتل فيمن سواهم من المستنفرين والمحشودة، فافترطنا فيهم إلى جدنا حيان الأمثل طريقة أبا سعد مروان بن محمد بن حيان ﵀".
ويضم هذا المجلد الضخم السفر الخامس من كتاب " المقتبس "، وذلك حسبما ورد في ختامه. وهو يتعلق جميعه بعصر عبد الرحمن الناصر. ومن ثم كانت أهميته البالغة، بيد أنه مع ضخامته لا يشمل عصر الناصر كله، وهو يبدأ من سنة ٣٠٠ هـ وينتهي في سنة ٣٥٠ هـ. بل تنقص هذا السفر الخامس من " المقتبس " في البداية نحو ستين صفحة، وهو يبدأ بحوادث سنة " سبع وثلاثمائة "، وينتهي بحوادث سنة ٣٣٠ هـ وإن كان يتناول أحيانا بعض الحوادث التي وقعت قبل ذلك أو بعد ذلك حتى سنة ٣٤٠ هـ.
والمخطوط قديم، ومكتوب بخط أندلسي جميل، ولكنه لا يحمل تاريخ كتابته (١).
وقد قضينا في دراسة هذا المخطوط والنقل منه فترات طويلة، وانتفعنا
стр. 8
بمحتوياته أعظم انتفاع، في هذه الطبعة الرابعة من كتابنا، وما نقلناه منه يرى الضياء لأول مرة.
وتوجد إلى جانب ذلك قطعة مخطوطة أخرى من تاريخ ابن حيّان في مكتبة أكاديمية التاريخ بمدريد (مجموعة كوديرا)، تقع في ١٣٦ صفحة صغيرة، وتشتمل على حوادث سنى ٣٦١ - ٣٦٤ هـ، وهي أواخر عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، وتحتوي على معلومات هامة عن الشؤون المالية والإدارية في هذا العصر.
فإذا ذكرنا بعد ذلك كله، ما نقله الكتاب والمؤرخون اللاحقون مثل ابن بسام صاحب الذخيرة, وابن عذارى صاحب البيان المغرب، وابن الخطيب، في الإحاطة، وأعمال الأعلام، والمقّري في نفح الطيب، من الفصول والشذور العديدة، من تاريخ ابن حيان، أدركنا أننا قد ظفرنا في الواقع بقدر كبير، وربما بمعظم محتويات هذا التاريخ العظيم الجامع، الذي يعتبر بحق من أقيم مصادر التاريخ الأندلسي، وأكثرها اتزانا، وأقواها من حيث الروح التحليلية والنقدية، ولا سيما فيما يتعلق بحوادث سقوط الخلافة الأموية، وأوائل عهد الطوائف، وهو العصر الذي أدركه ابن حيان وعاش فيه، وشاهد أحداثه المثيرة، وترك لنا عنها أبدع الصور وأقواها.
ونكتفي بهذه الإشارة إلى المصادر المخطوطة، وهي عديدة ذكرت في مواضعها، وكذلك المصادر الأخرى من عربية وقشتالية وغيرها، فقد ذكرت كذلك في مواضعها، وسوف نثبتها جميعا في نهاية الكتاب في ثبت خاص.
وأما المصادر والنصوص والوثائق اللاتينية والقشتالية، فقد راجعت معظمها في مدريد، في المكتبة الوطنية، وقسم المحفوظات التاريخية، وكذلك في مكتبة معهدنا المصرى بمدريد، وهي تضم مجموعة نفيسة من مصادر التاريخ الأندلسي.
* * *
ولا بد لي أن أكرر هنا ما سبق أن ذكرته في مقدمة الطبعة الأولى، وهو أني بذلت في كتابة هذا المؤلف الذي يمتزج فيه تاريخ الشرق والغرب، والإسلام والنصرانية، جهداً خاصا لتمحيص الروايات والنصوص العربية والإفرنجية، واستخراج الرواية الراجحة، وتكوين الرأي المستقل مهما يكن هذا الرأي
стр. 9
ومما تجدر ملاحظته أن تاريخ الأندلس كتاريخ الحروب الصليبية، يمتاز في كثير من الأحيان بتباين واضح بين الرواية الإسلامية والرواية النصرانية، وقد تتأثر هذه الرواية أو تلك، بالمؤثرات القومية أو الدينية؛ ولكن الرواية الإسلامية فيما يتعلق بتاريخ الأندلس، تبدو على العموم أقل تحاملا، وأكثر دقة واعتدالا.
وأما الرواية النصرانية فكثيرا ما يشوبها الإغراق والتحامل، وينقصها الإنصاف والدقة. ويرجع ذلك إلى أن الروايات النصرانية الأولى، التي كتبت عن تاريخ اسبانيا المسلمة، كانت من تصنيف بعض الأحبار المتعصبين، وإلى أن مؤرخي اسبانيا المحدثين، لبثوا حتى أواخر القرن الثامن عشر يكتبون تاريخ اسبانيا من ناحية واحدة، ويرجعون إلى المصادر النصرانية دون غيرها، ويجتنبون كل بحث أو تنقيب في المصادر العربية، وذلك بالرغم من أن تاريخ اسبانيا المسلمة يشغل أعظم مكانة في تاريخ اسبانيا في العصور الوسطى، ويكون صفحة من أمجد صفحاته. وقد نعى النقد الإسباني الحديث نفسه هذا المسلك على مؤرخي اسبانيا النصرانية، فمثلا يقول العلامة المستشرق الإسباني جاينجوس في مقدمة ترجمته لكتاب نفح الطيب: " إن ماريانا وأكابر المؤرخين الإسبانيين تحدوهم عاطفة بغض قومي عميق، أو نزعة تعصب ديني، أبدوا دائما أبلغ الإحتقار لمؤلفات العرب .. فكانوا يرفضون وسائل البحث التي تقدمها لهم الوثائق التاريخية العربية الكثيرة، ويهملون المزايا التي قد تترتب على المقارنة بين الروايات النصرانية والإسلامية، ويؤثرون أن يكتبوا تواريخهم من جانب واحد. وقد ترتب على هذا الروح الضيق الذي يطبع كتاباتهم أثر واضح. ذلك أن تاريخ اسبانيا في العصور الوسطى، ما يزال بالرغم من كل ما أفاض عليه النقدة المحدثون، معتركا من الخرافة والمتناقضات ".
وقد أرسل العلامة جاينجوس هذه الصيحة منذ نحو قرن. ومع ذلك فإن فريقا من المؤرخين والمفكرين الإسبان، ما زال حتى عصرنا يعتبر تاريخ الأمة الأندلسية صفحة بغيضة من التاريخ القومي، وأن القضاء على الأمة الأندلسية وعلى حضارتها إنما هو نصر قومي باهر، وأن مطاردات ديوان التحقيق المروعة لبقايا الأمة المغلوبة، إنما هي عمل إنقاذ وسلام. وينسى هذا الفريق أو يتناسى كل المزايا، وكل الجهود الإنتاجية، وكل التراث الحضاري، وكل التقدم الإنسان الذي
стр. 10
حققه المسلمون في اسبانيا؛ بل نجد في العصر الحديث عالما إسبانيا مثل المستشرق سيمونيت، يبرر، بل ويمجد العمل الوندلي الذي ارتكبه الكردينال خمنيس مطران طليطلة، بجمع الكتب العربية من المسلمن بعد سقوط غرناطة بقليل، وقد بلغت زهاء مائة ألف أو تزيد، والاحتفال بإحراقها أكداسا في ميادين غرناطة، لكى تحرم الأمة المغلوبة بذلك من غذائها الروحي والفكري.
على أن البحث الغربي الحديث، استطاع أن يستدرك كثيراً من شوائب هذا النقص، الذي يكتنف تاريخ اسبانيا في العصور الوسطى، فدرست الكتب والوثائق العربية منذ أوائل القرن الماضي، وتبوأت المصادر الإسلامية مكانها إلى جانب المصادر النصرانية، وترجم البعض منها إلى اللغات الأوربية، وظهرت طائفة كبيرة من الكتب والبحوث النقدية بمختلف اللغات الأوربية ومنها الإسبانية، تكشف للغرب عن كثير من الحقائق المتعلقة بتاريخ الأندلس، وأحوال المجتمع الإسلامي في اسبانيا، وتكشف بالأخص عن القسط البارز، الذي ساهمت به المدنية الإسلامية بالأندلس، في بناء الحضارة الإسبانية الحديثة، وحضارة عصر الإحياء الأوربي.
هذا وقد راعيت في سائر فصول هذه القصة الأندلسية المشجية، أن أسلك سبيل التبسط المعتدل، بعيداً عن الإيجاز المخل، بعيدا في الوقت نفسه عن الإسهاب والتفاصيل الكثيرة، إلا ما دعت إليه المناسبات الهامة أو المواقع الحاسمة، حريصا خلال ذلك كله على أن أبرز الحوادث والشخصيات والصور في إطارها النقدي، الذي تدعمه الوثائق والنصوص والقرائن، بعيدا كل البعد عن التأثر بالعاطفة أو الأهواء أو الاتجاهات القومية أو الدينية من أى نوع، وإني لأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك، إلى تأدية رسالة الحق والصدق والاعتدال، في كتابة هذه الصفحات المشرقة المؤسية معا من تاريخ الأمة الأندلسية.
وقد حرصت إلى جانب تاريخ اسبانيا المسلمة، أن أكتب في نفس الوقت تاريخ اسبانيا النصرانية، فاستعرضت منذ البداية نشأة المملكة النصرانية الأولى، ثم تاريخ الممالك النصرانية اللاحقة، ثم تناولت تاريخها تباعا في عصورها المتعاقبة، وعنيت بعد ذلك بتتبع أحداث المعركة الأبدية المضطرمة، التي نشبت بين الأندلس المسلمة وبين هاته الممالك النصرانية، وهي التي غدت فيما بعد محور التاريخ الأندلسي
стр. 11
كله، ثم تحولت من جانب اسبانيا النصرانية إلىَ ما يسميه المؤرخون الإسبان " معركة الاسترداد " La Reconquista، وانتهت إلى نتيجتها الطبيعية المحتومة، أعني إلى القضاء على دولة الإسلام في اسبانيا.
وهذه الطبعة الجديدة من " دولة الإسلام في الأندلس " تتضمن بعض الإضافات والنصوص الجديدة، التي استطعنا أن نقتبسها بالأخص من " السفر الخامس " من تاريخ ابن حيان، وهو الذي يتضمنه مخطوط المكتبة الملكية الذي سبق ذكره، وقد كنا لحسن الطالع، أول من وفق إلى مراجعته والانتفاع به. وقد نقلنا منه كثيرا من النصوص والوثائق الهامة، ولا سيما كتاب الناصر عن فتنة ابن مسرة، وكتابه عن موقعة الخندق، وغيرهما من الوثائق الرسمية التي ترى الضياء لأول مرة في البحوث الأندلسية. كما تتضمن هذه الطبعة فصلين جديدين ينشران لأول مرة، الأول عن نظم الحكم والأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية في عصر الإمارة والخلافة، والثاني عن الحركة الفكرية الأندلسية. هذا إلى ما تتضمنه هذه الطبعة أيضا من النصوص والتعليقات الكثيرة، المستمدة من المصادر النصرانية والقشتالية، وهو أثر من آثار المراجعة المستمرة التي عكفت عليها في مدريد، خلال رحلاتي المتوالية إلى شبه الجزيرة الإسبانية.
ولقد تمنيت في ختام مقدمة الطبعة الأولى لهذا الكتاب، أن يكون صدوره " بداية مشجعة تبعث إلى اهتمام الباحثين بهذه الصفحة المجيدة من تاريخ الإسلام في الغرب ". وإنه لما يدعو إلى الغبطة، ما يلاحظ من تقدم الدراسات الأندلسية وانتعاشها في العهد الأخير، وذلك سواء في ميدان الكتابة والتصنيف، أو ميدان نشر الآثار الأندلسية المخطوطة، وهو نشاط تساهم القاهرة في قسميه بأوفي نصيب.
القاهرة في المحرم سنة ١٣٨٩
الموافق مارس سنة ١٩٦٩
محمد عبد الله عنان
стр. 12
الكتاب الأول
فتوح العرب في إفريقية والأندلس وغاليس وعصر الولاة في الأندلس ٢٢ - ١٣٨ هـ: ٦٤٣ - ٧٥٥ م
стр. 13
الفصل الأول
فتوح العرب في إفريقية
الصراع بين الدولتين الإسلامية والرومانية. اتجاه الفتوح الإسلامية نحو الغرب. غزو برقة. جرجير حاكم إفريقية الروماني. موقعة سبيطلة وهزيمة الروم. فتح سبيطلة عقد الصلح. إفريقية وقت الفتح الإسلامي. أحوالها في ظل الحكم الروماني. انتقالها إلى الدولة الشرقية. فتحها على يد الوندال. كلمة بربر مدلولها. إستعادة الدولة الشرقية لإفريقية. ضعفها وانحلالها. وقف الفتوح العربية واستئنافها على يد الدولة الأموية. موقعة حصن الأجم. إفتتاح سوسة وحصن جالولاء. ولاية عقبة بن نافع الفهرى لإفريقية. افتتاحه لأقطار المغرب. بناؤه لمديئة القيروان. ولاية أبي المهاجر الأنصاري. ولاية عقبة الثانية. مسيره ثانية إلى المغرب. ثورة البربر وقيام كسيلة بن لمزم. هزيمته المسلمين واستيلاؤه على القيروان. ولاية زهير البلوى. زحفه على القيروان. مقتل كسيلة وافتتاح القيروان. هجوم الروم من البحر على برقة. هزيمة العرب ومقتل زهير. مسير حسان بن النعمان إلى إفريقية. غزو العرب لقرطاجنة واستيلاؤهم عليها. فقدهم إياها ثم استردادهم لها. ثورة البربر وقيام الكاهنة. القتال بين العرب والبربر. هزيمة العرب ارتدادهم إلى برقة. عود حسان إلى غزو المغرب. انصراف البربر عن الكاهنة وهزيمتها. تنظيم حكومة إفريقية وتجديد القيروان. عزل حسان وولاية موسى بن نصير. نشأة موسى وحياته الأولى. الخلاف على تاريخ توليته لإفريقية. عود البربر إلى الثورة. هزيمتهم وسحق ثورتهم. فتح موسى لطنجة. ولاية طارق بن زياد لها. إنشاء موسى للأسطول. غزو العرب لجزائر البليار وصقلية وسردانية.
كان الصراع الذي نشب بين الدولة الإسلامية الناشئة، وبين الدولة الرومانية الشرقية، يضطرم حيثما تبسط الدولة الشرقية سلطانها. وكانت بسائط الشام مهاد المعارك الأولى بين الدولتين، وكانت أول قطر غنمته الخلافة من أراضي الدولة الرومانية؛ ثم افتتح العرب مصر بعد الشام، وهي أيضا ولاية رومانية، وكان افتتاحها في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، على يد عمرو بن العاص، وذلك في المحرم سنة عشرين من الهجرة (ديسمبر سنة ٦٤٠ م). ولما كانت مصر تتصل من الغرب بأملاك أخرى للدولة الرومانية هي الولايات الإفريقية، فقد كان من الطبيعي أن يتخذ العرب مصر قاعدة لافتتاح إفريقية، توطيداً لسلطانهم في مصر
стр. 14
والشام، وإتماما لسلسلة الفتوحات الغربية. غير أن تقدمهم نحو الغرب كان محفوفاً بمشاق وصعاب لم يألفوها في فتوحهم الأولى، فقضوا زهاء نصف قرن في معارك عنيفة مع الروم (الرومان) والبربر، وأصيبوا إلى جانب انتصاراتهم، بأكثر من هزيمة شديدة، وواجهوا عدة ثورات محلية عنيفة، وانهار سلطانهم الفتي غير مرة، قبل أن يستقر نهائيا في إفريقية.
وبدأ العرب فتوحهم في إفريقية عقب افتتاحهم لمصر مباشرة. ففي سنة اثنتين وعشرين من الهجرة، أعني بعد افتتاح مصر بنحو عامين، سار عمرو ابن العاص غرباً إلى برقة، فافتتحها وصالح أهلها على الجزية، ثم افتتح طرابلس (أو إطرابلس) بعد أن حاصرها شهراً ولجأ سكانها إلى سفنهم في البحر، ولكنه تركها بعد اغتنام ما فيها (١). وفي خلافة عثمان توغل العرب في قفار إفريقية. وفي سنة سبع وعشرين (٦٤٧ م) (٢) سار عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي خلف عمراً في ولاية مصر إلى إفريقية في نحو عشرين ألف مقاتل (٣)، وسارت معه حامية برقة بقيادة عقبة بن نافع، وكان عمرو قد ولاه على تلك الأنحاء (٤). وقصد الغزاة بادئ بدء إلى طرابلس وهي يومئذ أغنى وأمنع ثغور إفريقية (٥).
стр. 15
ولكن الروم تقدموا إلى لقاء المسلمين في مائة وعشرين ألف مقاتل (١) بقيادة جريجوريوس أو جرجير حاكم إفريقية الروماني (٢). وتختلف الرواية الإسلامية في أمر جرجير هذا، ويقول البعض إنه كان من الفرنج وليس من الروم، وإنه كان ملك الفرنجة في إفريقية ما بين طرابلس وطنجة، وإن سبيطله كانت دار ملكه. والحقيقة أن إفريقية كانت في ذلك الحين ولاية رومانية، تخضع لقيصر (إمبراطور) قسطنطينية، وكان جرجير أو جريجوريوس حاكمها من قبل الإمبراطور. على أن حاكم إفريقية الروماني، كان يتمتع وقتئذ بكثير من الإستقلال، نظراً لضعف السلطة المركزية في عاصمة الدولة الشرقية. وهكذا كان شأن جرجير، فقد كان حاكما بأمره في ولايته. ولما علم العرب بتحرك جرجير، تركوا حصار طرابلس وساروا إلى لقاء الروم، ونشبت بين الجيشين مدى أيام معارك شديدة في ظاهر سبيطلة (سوفيتولا) بالقرب من أطلال قرطاجنة القديمة، وهي عاصمة إفريقية يومئذ، فهزم الروم هزيمة شديدة، وقتل قائدهم جريجوريوس، وأسرت إبنته (٢٨ هـ - ٦٤٨ م) (٣). ثم حاصر عبد الله سبيطلة، وافتتحها وخربها، وبث جيوشه في تلك الأنحاء حتى قفصة. ثم عقد الصلح مع أهلها على أن يؤدوا الجزية. وقضى في تلك الغزوات خمسة عشر شهرا، ولكنه لم ينشئ في البلاد المفتوحة حكومة جديدة. ولم يتخذ بها قاعدة إسلامية. ثم عاد إلى مصر بعد أن أنشأ حامية في برقة وأخرى في زويلة (٤).
ويجب قبل أن نمضي في الكلام على افتتاح إفريقية أن نذكر كلمة عما كانت عليه أحوالها وظروفها وقت الفتح الإسلامي. كانت إفريقية منذ زوال قرطاجَنّة القديمة، في أوائل القرن الثاني قبل الميلاد إلى أوائل القرن الخامس بعده, ولاية رومانية تخضع لسلطة رومة أولا، ثم بعد سقوطها لسلطة قسطنطينية أو الدولة
стр. 16
الرومانية الشرقية؛ ولما غزت القبائل الجرمانية رومة واستولت على معظم أقطار الدولة الرومانية الغربية، نفذ الوندال إلى غاليا أو غاليس (جنوبي فرنسا) ثم إلى اسبانيا، واستقر الوندال حيناً في جنوبي اسبانيا في ولايات الأندلس، التي سميت يومئذ باسمهم " فانداليتا " Vandalita أو فاندلوسيا Vandalusia أى بلد الوندال (١).
وكان البربر أو سكان إفريقية، قبل الفتح الروماني، يدينون بالوثنية، ولكن رومة استطاعت منذ أوائل القرن الرابع، أن تفرض النصرانية على معظم القبائل. ويقول لنا ابن خلدون من جهة أخرى، إن القبائل البربرية كانت وقت الفتح الإسلامي تدين باليهودية، وإنهم تلقوها منذ أقدم العصور عن بني إسرائيل عند استفحال ملكهم لقرب الشام وسلطانه منهم، وكان من هؤلاء قبائل جبل أوراس وملكتهم الكاهنة (٢). وكان الفتح الروماني شديد الوطأة على القبائل المغلوبة، وكانت النظم الإدارية والمالية التي فرضتها عليهم رومة غاية في التعسف والشطط، مع ما يقترن بها من اقتضاء الضرائب والمغارم الفادحة، فكان البربر يتوقون إلى التخلص من نيرها، وقد نزعوا فعلا إلى الثورة في عهد الإمبراطور تيودوسيوس في أواخر القرن الرابع، ونادوا بأحد زعمائهم ملكاً عليهم، ولكن الثورة أخفقت وأخمدت. ولما انتقلت إفريقية إلى سلطان قسطنطينية بعد سقوط رومة، كانت قد اضمحلت ثروتها، واضطربت نظمها، ومزقتها الخلافات الدينية، وضعف سلطان الدولة عليها، وكثر الخوارج من الحكام والزعماء المحليين. وفي أوائل القرن الخامس، عبر الوندال البحر من اسبانيا إلى إفريقية، بقيادة ملكهم جنسريك، وافتتحوها في سنة ٤٢٩ م، وعاونهم البربر (٣) حباً في التخلص من ْنير رومة. ولكن الوندال عاثوا في إفريقية أيما عيث، وخربوا المدن والمنشآت
стр. 17
الرومانية، واستقروا سادة في البلاد المفتوحة مدى قرن، عانى البربر فيه أمر ضروب العسف والطغيان. وفي سنة ٥٣٤ م بعث يوستنيان، إمبراطور (قيصر) الدولة الشرقية قائده الشهير بليزاريوس إلى إفريقية على رأس جيش ضخم فافتتحها وحطم سلطان الوندال وأجلاهم عنها؛ ومن ذلك الحين عادت إفريقية إلى سلطان الدولة الشرقية، وظلت كذلك حتى الفتح الإسلامى.
وكانت إفريقية يومئذ في حال يرثى لها من الانحلال والتفكك، يسود الاضطراب نظمها وإدارتها، وتمزقها الأهواء والمطامع والفتن؛ وكانت عصور من الطغيان والجور والمصادرة قد عصفت بمواردها، ولكن الثروات كانت مع ذلك تتكدس في بعض الثغور والمدن؛ وكانت الدولة الشرقية قلما تعني بإصلاح هذه الأقطار أو إعداد وسائل الدفاع عنها، وإنما كانت ترى فيها قبل كل شىء مورداً للكسب على نحو ما قدمنا، فكان البربر على استعداد للتخلص من هذا النير المرهق، ومعاونة الفاتحين الجدد.
ولكن العرب شغلوا حيناً عن متابعة الفتح حينما عصفت ريح التفرق بالخلافة الإسلامية، ونشب الخلاف بين علي بن أبي طالب، الذي ولى الخلافة على أثر مقتل عثمان، في مستهل سنة ٣٥هـ (٦٥٥ م)، وبين خصمه ومنافسه القوي معاوية بن أبي سفيان والى الشام، واضطرمت ثورة الخوارج التي كادت أن تزعزع أسس الدولة الإسلامية الناشئة، وشغلت الجزيرة العربية بضعة أعوام، بتلك الحوادث والفتن الداخلية. وكان مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في رمضان سنة ٤٠هـ خاتمة هذا النضال المؤلم، فآلت الخلافة إلى معاوية، وقامت الدولة الأموية في الشام لتفتتح في تاريخ الإسلام عصراً جديداً.
وكانت الدولة الأموية، تتشح إلى جانب ثوبها الخلافي، بأثواب الملك
стр. 18
الإمبراطوري، وهكذا قدر لها أن تكون منشئة الإمبراطورية الإسلامية الكبرى. وما كادت تستقر الأمور الداخلية، حتى نشطت سياسة الفتح مرة أخرى. وكانت الخلافة في نفس الوقت الذي تسير فيه جيوشها نحو الشمال وتقترب من عاصمة الدولة الشرقية، تتجه ببصرها نحو الغرب، حيث كانت فتوحها في إفريقية ما تزال بحاجة إلى التوسع والتوطد. وهكذا وجه معاوية عنايته إلى إتمام فتح إفريقية. وكان الروم قد عادوا إلى الأرض المفتوحة عقب انسحاب العرب، فعاد إلها الجور والإرهاق، وأثقل كاهل البربر بما فرض عليهم من الأعباء والمغارم الجديدة، فاتصل زعماؤهم بالعرب واستحثوهم إلى العود واستئناف الفتح. ففي سنة ٤٥هـ (٦٦٥ م) سار معاوية بن حُديج التجيبي (١) إلى إفريقية وهزم الروم عند حصن الأجم، وتفرق الغزاة في مختلف الأنحاء، فسار عبد الله ابن الزبير إلى سوسة وافتتحها، وافتتح عبد الله بن مروان حصن جالولاء، وافتتحت عدة أخرى من البلاد والحصون.
وفي سنة خمسين (٦٧٠ م) (٢) قام العرب بأعظم فتح في إفريقية بقيادة عقبة ابن نافع الفهري. وكان عقبة جندياً عظيماً، خبيراً بتلك الأنحاء والمسالك، وكان يتولى قيادة حامية برقة منذ فتحها، فاختاره الخليفة (معاوية) لولاية إفريقية، وبعث إليه بعشرة آلاف مقاتل ليتم فتحها. فجاز عقبة وهاد برقة، وتوغل غربا حتى المغرب الأقصى، وافتتح جميع العواصم والثغور الإفريقية تباعاً، وهزم جيوش الروم والبربر في مواقع عديدة، وتوغل في مفاوز المغرب الأقصى، ثم
стр. 19
أنشأ مدينة القَيرُوان لتكون عاصمة للولاية الإسلامية الجديدة، وحصنا للدفاع عنها، وقاعدة لرد الروم والبربر.
ولم يمض قليل على قيام عقبة بذلك الفتح الكبير, حتى عزله والي مصر مسلمة بن مخلد الذي جمع له معاوية بين حكم مصر والمغرب (١)، وولى مكانه على إفريقية أبا المهاجر الأنصاري، فلبث في ولايتها عدة أعوام لم تقع فيها حوادث تذكر. ثم عزل أبو المهاجر وأعيد عقبة سنة ٦٢هـ في بدء خلافة يزيد بن معاوية. وكانت البلاد المفتوحة ما تزال تضطرم بعوامل الخروج والثورة. وكان الروم والبربر كلاهما يترقب الفرص، ولكن عقبة شغل عن توطيد الدولة الفتية بفتوحات جديدة، وعاد فاخترق المغرب إلى أقصاه، ووصل إلى ساحل المحيط هذه المرة. وهنا تقول الرواية العربية، إن عقبة لما انتهي إلى المحيط دفع فرسه إلى الماء حتى بلغ نحره، ثم قال: " اللهم إني أشهدك أن لا مجاز، ولو وجدت مجازا لجزت " (٢).
ففي ذلك الحين ثار البربر بقيادة زعيم لهم يدعى كسيلة بن لمزم (٣) كان قد اعتنق الإسلام وحالف العرب ثم تغير عليهم، وانضمت إليه جموع كثيرة من الروم والبربر، وانتهز فرصة تفرق المسلمين في مختلف الأنحاء، وانقض بجموعه على جيش عقبة، ووقعت بين الفريقين معارك شديدة هزم فيها المسلمون، وقتل عقبة وجماعة من القادة (سنة ٦٢هـ) وزحف كسيلة على القيروان واستولى عليها، وارتد حاكمها زهير بن قيس البلوي بقواته القليلة إلى برقة، وكادت بذلك تذهب دولة العرب في إفريقية.
ولما تولى الخلافة عبد الملك بن مروان (سنة ٦٥ هـ) اعتزم أن يعمل لاستعادة إفريقية، فولى عليها زهير بن قيس البلوي، وكان منذ سقوط القيروان يتولى الدفاع عن برقة، وأمده بجيش ضخم، فزحف زهير على القيروان سنة ٦٩ هـ (٦٨٨ م) والتقى على مقربة منها بجيش كسيلة، فهزم البربر بعد معركة شديدة
стр. 20
قتل فيها كسيلة وكثير من أصحابه، ودخل زهير القيروان وترك فيها حامية للدفاع عنها، وفرق جنده لإخضاع الثوار في مختلف الأنحاء. ولكن الروم انتهزوا فرصة توغل المسلمين غربا، وأمدهم قيصر قسطنطينية (١) بأسطول من صقلية، فنزلوا في قرطاجَنة ثم زحفوا. على برقة في جموع عظيمة، وعلم زهير بتلك المفاجأة، فارتد للدفاع عن برقة، ونشبت بين الفريقين معركة هائلة هزم فيها المسلمون، وقتل زهير ومعظم ضباطه، وذهب المغرب من قبضة المسلمين مرة أخرى.
وكان وقع هذا الخطب شديداً في حكومة دمشق، وكانت تشغل يومئذ بمحاربة ابن الزبير وصحبه الخوارج عليها، فمضت أعوام أخرى قبل أن تتمكن من العناية بشئون إفريقية، فلما انتهت الثورة وقتل ابن الزبير، وجه عبد الملك عنايته إلى استعادة إفريقية، فولى عليها حسان بن النعمان الغساني سنة ٧٣ هـ (٢) (٦٩٢ م) وسيره إليها في جيش ضخم كان أعظم قوة سيرتها الخلافة إلى إفريقية، فاخترق حسان برقة وقصد قرطاجَنة عاصمة إفريقية الرومانية، وكانت لا تزال في يد الروم ولم يغزها المسلمون بعد لحصانتها واتصالها بالبحر، وقربها من صقلية حيث كانت ترسل إليها الأمداد بسرعة، فحاصرها بشدة ثم اقتحمها واستولى عليها، ولكن الإمبراطور سير إليها جيشا بقيادة حاكمها يوحنا، يعاونه أسطول من صقلية، وقوة من القوط أرسلها ملك اسبانيا القوطي الذي أزعجه اقتراب العرب من بلاده، فانسحب العرب وارتدوا إلى القيروان، حتى إذا جاءتهم الأمداد أعادوا الكرة على قرطاجنة، وهزموا الروم والقوط هزيمة شديدة، ففروا إلى سفنهم، وخربت قرطاجنة وهدمت حصونها القوية. ثم سار حسان غربا وهزم الروم والبربر في عدة مواقع، واستعاد الإسلام سلطانه فيما بين برقة والمحيط (٣).
وعاد حسان إلى القيروان لينظم جيشه. وكان البربر والقبائل الجبلية قد
стр. 21
اجتمعوا منذ مقتل زعيمهم كسيلة، في مفاوز المغرب الأقصى، تحت لواء امرأة من قبيلة جراوة يعتقدون فيها السحر والكهانة وتعرف بالكاهنة (١)، وكانت تقيم ملكها في جبل أوراس. فسار حسان لقتالها وخرجت اليه بجموعها، فالتقيا عند نهر نيني، ونشبت بينهما موقعة هائلة هزم فيها العرب هزيمة شديدة، وقتل منهم جمع كبير، وارتد حسان إلى برقة. وسارت الكاهنة شرقا حتى قابس واستولت على كثير من البلاد والحصون، وبسطت سلطانها على معظم إفريقية مدى خمسة أعوام. ولبث حسان في برقة حتى أمده عبد الملك بالجند، فزحف على المغرب ثانية سنة ٧٩هـ (٦٩٨ م)، ولم تر الكاهنة وسيلة لوقفه إلا أن تحول البلاد إلى خراب بلقع، فهدمت جميع المدن والحصون، وأحرقت جميع القرى والضياع الواقعة في طريق المسلمين، ولكن ذلك لم يثن حسانا عن عزمه، فتابع سيره حتى أقاصي المغرب في وهاد ومفاوز صعبة. وكان البربر قد سئموا نير الكاهنة وعسفها، فهرع الكثير منهم إلى حسان يطلبون حمايته، وتفرقت جموع الكاهنة، وأدركها المسلمون بجبل أوراس فمزقت جموعها وقتلت. واستأمن البربر على الإسلام والطاعة، وأن يمدوا المسلمن باثنى عشر ألف مقاتل. وولى حسان جبل أوراس ابنَ الكاهنة بعد أن استوثق من طاعته، ثم عاد إلى القيروان بعد أن محق كل مقاومة وقضى على كل نزعة إلى الخروج والثورة (٢).
ولبث حسان بن النعمان بإفريقية حينا، ينظم شؤونها العسكرية والإدارية
والمالية، وينشئ الدواوين ويرتب الخراج والجزية، ويوطد سلطان الحكم الجديد
في الثغور والنواحى. ثم جدد مدينة القيروان وأنشأ بها المسجد الجامع (٣)، ولبث
стр. 22
في منصبه حتى توفي عبد الملك بن مروان سنة ٨٦هـ (٧٠٥ م) فخلفه ابنه الوليد بعهد منه، وولى عمه عبد الله بن مروان على مصر، فعزل حسانا عن ولاية إفريقية، واختار لولايتها موسى بن نصير اللخمي، وكانت إفريقية تابعة لمصر في شؤون الحكم والولاية كما بينا. وكانت ولاية موسى بن نصير لإفريقية سنة ٨٩هـ (٧٠٨ م).
ويجب قبل أن نمضي في الكلام عن حوادث إفريقية، أن نقول كلمة عن الرجل الذي قدر أن يجوز الإسلام على يديه لأول مرة إلى القارة الأوربية، وأن يكتب فيها صفحة من أمجد صفحاته. كان موسى بن نصير من أعظم الزعماء والقادة الذين وجهتهم الخلافة إلى الغرب. ومع أن الرواية الإسلامية تتبع حياته بإفاضة منذ ولايته لحكم إفريقية، فإنها لا تقدم إلينا عن نشأته وحياته الأولى تفاصيل شافية، شأنها نحو كثير من زعماء الإسلام في القرن الأول من الهجرة. بيد أننا نعرف مع ذلك أنه من التابعين، وأنه ولد سنة ١٩هـ في خلافة أمير المؤمنين عمر، في قرية من قرى الجزيرة، أو بوادي القرى في شمالي الحجاز على قول آخر. وأما عن نسبته، فتقول الرواية إنه ينتسب إلى بكر بن وائل، وان أباه نصيرا كان ممن سباهم خالد بن الوليد في موقعة عين التمر (سنة ١٢هـ) (١). وقيل إنه ينتسب بطريق الولاء إلى بني لخم، وان أباه نصيراً كان على حرس معاوية بن أبي سفيان. ثم كان وصيفا لعبد العزيز بن مروان فأعتقه (٢).
وأما عن حياة موسى الأولى فلا تذكر الرواية سوى القليل. وكل ما نعرفه منها أنه تقلب في بعض المناصب الحربية والإدارية الهامة، قبل أن يعهد إليه بحكم إفريقية، وأنه قاد بعض الحملات البحرية في عصر معاوية بن أبي سفيان، وغزا قبرص وغيرها من الجزر القريبة (٣). وفي بعض الروايات أن عبد الملك بن مروان حينما ولى أخاه بشرا على البصرة في سنة ٧٣هـ، وكيان يتولى قيادة الجند
стр. 23
بمصر، ندب موسى بن نصير لمعاونته، وكان يومئذ بمصر في خدمة أميرها عبد العزيز بن مروان صديقه وحاميه، وأن موسى لبث وزيراً ومستشارا لبشر أيام ولايته للبصرة. فلما وُليّ الحجاج حكم العراق في سنة ٧٥ هـ، اتهم موسى باختلاس أموال البصرة، ولم ينقذه من بطش الحجاج سوى تدخل عبد العزيز ابن مروان، وكان قد وفد يومئذ على الشام بأموال مصر، وهرع إليه موسى مستجيرا به. ثم عاد موسى إلى مصر مع عبد العزيز بن مروان، ولبث بها يتبوأ لديه أسمى مراتب النفوذ والثقة حتى عين حاكما لإفريقية (١).
وتختلف الرواية في تاريخ ولاية موسى بن نصير لإفريقية اختلافا بينا، فالبعض يقول إنها كانت في سنة ٧٨ أو ٧٩ هـ في عهد عبد الملك، ويقول البعض الآخر إنها كانت في سنة ٨٦ أو سنة ٨٩ هـ في عهد ابنه الوليد (٢)؛ ونحن نؤثر الأخذ بالقول الثاني لأنه أكثر اتفاقاً مع سير الحوادث في إفريقية، ولأن معظم الروايات تجمع على أن حسان بن النعمان والى إفريقية لبث على ولايتها حتى وفاة عبد الملك، وقد توفي عبد الملك في شوال سنة ٨٦ هـ. وكان عبد العزيز بن مروان أمير مصر قد توفي قبل ذلك سنة ٨٥ هـ، وندب عبد الملك ولده عبد الله أميرا
стр. 24
على مصر، فدخلها في جمادى الآخرة سنة ٨٦ هـ قبيل وفاة أبيه بأشهر قلائل. وعزل عبد الله، حسان بن النعمان عن ولاية إفريقية، واختار لولايتها موسى بن نصير. وكانت ولاية موسى لإفريقية على أرجح الأقوال في سنة ٨٩ هـ (٧٠٨ م).
وكان موسى بن نصير قد اخترق مفاوز إفريقية من قبل، وسيره عبد العزيز ابن مروان في سنة ٨٤ هـ إلى برقة، فافتتح درنة وسبى من أهلها جموعاً غفيرة. وكان البربر لا يزالون على اضطرابهم وتمردهم، يتحينون الفرصة للثورة كلما سنحت. فما كاد موسى يلي الحكم حتى نزعوا إلى الثورة شأنهم عند كل تغيير في الحكم، ولكنهم أخطأوا تقدير عزم الحاكم الجديد وصرامته. وسرعان ما سحقت الثورة في كل ناحية، ومزق موسى جموع الثوار بيد من حديد، ودوخ هوارة وزَتانة وكتامة وصِنهاجة وغيرها من القبائل البربرية القوية، ثم سار إلى طنجة وهي آخر معقل اعتصم به الثوار، ولم يكن غزاها العرب بعد، فافتتحها، وولى عليها جندياً عظيما هو طارق بن زياد الليثى، وأثخن في مفاوز المغرب الأقصى، وطهرها من العصاة والمتآمرين، وأحرز في تلك الغزوات من الغنائم والسبي ما لا يحصى، واستمال إليه وجوه القبائل، وحشد في جيشه آلافا من البربر المسالمين، واهتم بنشر الإسلام بين البربر اهتماماً عظيماً، فأقبلوا على اعتناقه وذاع بينهم ذيوعاً كبيراً، وهبت ريح من الأمن والسكينة على البلاد المفتوحة.
وكان الروم (الرومان) بعد أن أخفقوا في الحرب البرية، ويئسوا من استرداد إفريقية، قد لجأوا إلى غزو الثغور ونهبها، فابتنى موسى داراً عظيمة للصناعة (بناء السفن) على مقربة من أطلال قرطاجنة، وأنشأ أسطولا ضخماً لحماية الثغور. وكان العرب قد بدأوا غزواتهم البحرية الأولى في تلك المياه قبل ذلك بعدة أعوام، وسير موسى ابنه عبد الله في السفن إلى الجزر القريبة فغزا جزائر البليار (الجزائر الشرقية) وكانت يومئذ من أملاك ملك اسبانيا القوطى، وافتتح مَيُورقة ومِنُورقة (٧١٠ م) ولكنه لم يكن فتحاً مستقراً (١). وسارت
стр. 25
حملات بحرية أخرى إلى صقلية وسردانية وعاثت في ثغورها، وعادت مثقلة بالسبى والغنائم. وهكذا بسط العرب سلطانهم على شمالي إفريقية كله في البر والبحر، ولم يبق من ثغوره بيد النصارى بعد افتتاح طنجة سوى ثغر سبتة (١) الواقع في نهاية البحر الأبيض المتوسط شرقي طنجة، وكانت يومئذ من أملاك اسبانيا، ويحكمها زعيم من القوط أو الفرنج يدعى الكونت يوليان. وكانت سبتة قد استطاعت لمنعتها الطبيعية ويقظة حاكمها، أن ترد هجمات العرب، رغم مجاورتهم لها من الجنوب والغرب، وكان موسى يتوق إلى افتتاح هذا المعقل الحصين. على أن مشاريعه في الفتح لم تكن تقف عند سبتة بل كانت تجاوزها إلى ما وراء ذلك البحر الشاسع، الذي عرف العرب كثيراً عن شواطئه الشرقية والجنوبية، ولكنهم لم يعرفوا بعد شيئاً أو لم يعرفوا سوى القليل عن شواطئه الشمالية والغربية: أجل، كان موسى يتوق إلى افتتاح ما وراء ذلك البحر من الممالك والأمم المجهولة.
стр. 26
الفصل الثاني
إسبانيا قبل الفتح الإسلامي
أصل القوط. نزوحهم من الشمال إلى الجنوب. عبورهم نهر الدانوب. يهزمون الإمبراطور ديسيوس. هزيمتهم على يد الإمبراطور قسطنطين ثم الإمبراطور فالنس. زحف الهذن على القوط. دخولهم في طاعة الإمبراطور. ثورة القوط في عهد هونوريوس. زعيم القوط ألاريك. عقدهم الصلح مع الإمبراطور واندماجهم في الجيش الروماني. استقرارهم في غاليس. فاليا أول ملوكهم. تيودريك الأول يعاون الدولة في محاربة آتيلا. تيودريك الثاني يفتتح إسبانيا من يد الوندال. قيام مملكة القوط في اسبانيا. اعتناقهم للنصرانية. اسبانيا وقت الفتح الإسلامي. المجتمع الإسباني. استئثار القوط بالسيادة والثراء. نفوذ رجال الدين. بؤس الشعب وانحلال الجيش. ركون القوط الى الرفاهة والدعة. يهود اسبانيا. اضطهاد الكنيسة لهم وإرغامهم على التنصير. محاولتهم الثورة والمبالغة في إرهاقهم. ملك القوط وتيزا والخوارج عليه. تفرق المملكة ونشوب الثورة. مقدم العرب إلى شواطىء الجزيرة. محاصرة العرب لسبتة. زعيم الثورة ردريك. الحرب بينه وبين وتيزا. مقتل وتيزا واستيلاء ردريك على الملك. الكونت يوليان حاكم سبتة والخلاف في شأنه. الاتفاق بينه وبين وتيزا عل الإستنجاد بالعرب. قصة فلورندا إبنة الكونت يوليان. أقوال الرواية الإسلامية في شأنها. إنكار الرواية الإسبانية لصحتها. ما يرجحها في نظر التاريخ.
كانت اسبانيا (١) في الوقت الذي امتد فيه سلطان العرب إلى الشواطىء القريبة منها، وإلى الجزر المجاورة لها، خاضعة لنير القوط وكانت قبل ذلك بنحو ثلاثة قرون كإفريقية، ولاية رومانية تخضع لسلطان رومة. فلما اضمحل سلطان رومة، وغزتها القبائل البربرية الجرمانية في أوائل القرن الخامس الميلادي،
стр. 27
اقتسمت هذه القبائل أملاك رومة الغربية، واستولت على إيطاليا وفرنسا واسبانيا وكانت اسبانيا من نصيب القوط.
والقوط هم إحدى هذه القبائل أو الشعوب البربرية. التي هبطت من شمال أوربا، وقوضت صروح الإمبراطورية الرومانية. وتقول الأساطير القديمة إنهم نزحوا من اسكندناوة، وهي رواية يؤيدها كثير من القرائن والشواهد. ويذكر المؤرخ تاسيتوس أنهم كانوا منذ ظهور النصرانية إلى أواخر القرن الثاني، يسكنون شواطىء البلطيق الجنوبية، وأن قبائل عديدة من الوندال كانت تسكن على ضفاف نهر "أودر". وهنالك من المشابهات بين القوط والوندال، في الدين والعادات والأخلاق والتقاليد، ما يدل على أنهما يرجعان في الأصل إلى شعب أو جنس عظيم واحد. وفي عهد الإمبراطور اسكندر سيفروس (٢٢٢ - ٢٣٥ م) ظهرت طلائع القوط في ولاية "داسيا" (١) الرومانية، وأغارت على بعض مدنها، وكان هذا نزوحهم الثاني حيث استقروا عندئذ في إقليم " اليوكرين ". وفي عهد الإمبراطور ديسيوس عبروا نهر الدانوب وخربوا ولاية ميزيا (٢) الرومانية، ثم تقدموا إلى قلب البلقان، فسار ديسيوس لقتالهم ولكنه هزم ومزق جيشه (٢٥٠ م) وسار القوط إلى اليونان فعاثوا فيها وخربوها. ولم ينقطع عيثهم حتى نشط الإمبراطور قسطنطين الكبير لقتالهم ورد عدوانهم، فحاربهم في عدة مواقع وهزمهم هزيمة شديدة، وردهم إلى أقاصي داسيا (سنة ٣٢٢ م) وفرض عليهم شروطا فادحة. ثم حاربهم الإمبراطور فالينس قيصر قسطنطينية وهزمهم في سنة ٣٦٩ م. وفي سنة ٣٧٥ م زحف الهون من المشرق على القوط ومزقوهم، ففروا إلى ضفاف الدانوب. واستغاثوا بالإمبراطور وطلبوا الدخول في طاعته، فأجابهم إلى ذلك، واستقروا حيناً في ولاية تراقية، ولكنهم ثاروا مراراً من جراء قسوة الحكام الرومانيين وعسفهم (٣).
وفي عهد الإمبراطور هونوريوس، قام القوط بثورة أعظم وأبعد أثرا بقيادة زعيمهم " ألاريك "، وخربوا تراقية واليونان، ثم عبروا إلى إيطاليا
стр. 28
وافتتحوا رومة ونهبوها (سنة ٤١٠ م). ولكن زعيمهم ألاريك توفي في نفس هذا العام فارتدوا إلى الشمال. ثم عقدوا الصلح مع الإمبراطور، واندمجوا في الجيش الإمبراطوري، وقاموا بقمع الثورات المحلية في غاليا أو غاليس (١) (جنوبي فرنسا) وشمالي اسبانيا، ثم استقروا في أواسط فرنسا وجنوبها، فيما بين نهري اللوار والجارون، واتخذوا تولوز (تولوشة) عاصمة لهم. وأقطع الإمبراطور ملكهم " فاليا " حكم هذا القطر، وقامت بذلك مملكة قوطية تابعة للدولة الرومانية. وعاون القوط الدولة على محاربة الوندال والآلان والسوابيين (٢)، وعاونها بالأخص ملكهم تيودريك الأول ولد ألاريك، على هزيمة آتيلا التتري وبرابرته الهون في موقعة شالون (سنة ٤٥١ م). ثم عبر خلفه وأخوه تيودريك الثاني إلى اسبانيا، لانتزاعها من الوندال والسوابيين المتغلبين عليها، مشترطاً على الدولة أن يحتفظ بما يفتتحه من اسبانيا لنفسه ولعقبه. وحارب الوندال والسوابيين وهزمهم (سنة ٤٥٦ م)، وافتتح اسبانيا ما عدا ركنها الشمالي الغربي (جليقية)، الذي استعصم به الوندال حيناً. ولم تأت نهاية القرن الخامس حتى ملك القوط شبه الجزيرة كلها، وامتد ملكهم من اللوار إلى شاطىء اسبانيا الجنوبي. ولكن الفرنج غزوهم من الشمال، وأجلوهم عن فرنسا في أعوام قلائل، فاستقروا في اسبانيا، واتخذوا طليطلة دار ملكهم، ووضعوا لمملكتهم الجديدة نظماً وقوانين خاصة، تتأثر بروح الحضارة والأنظمة الرومانية؛ وكانوا أيضاً قد اعتنقوا النصرانية منذ أواخر القرن الرابع، كما اعتنقها الوندال وغيرهم من الشعوب البربرية، التي تقاسمت تراث رومة وأملاكها. ولبث القوط زهاء قرنين سادة لإسبانيا حتى الفتح الإسلامي (٣).
стр. 29
ولنعرض بعد ذلك إلى حالة اسبانيا وقت الفتح. كانت المملكة القوطية تجوز دور انحلالها قبل ذلك بأمد طويل، وكان المجتمع الإسباني يعاني صنوف الشقاء والبؤس، وقد مزقته عصور طويلة من الظلم والإرهاق والإيثار. ولم يكن القوط في الحقيقة أمة بمعنى الكلمة، فإنهم لم يمتزجوا بسكان الجزيرة، ذلك الامتزاج الذي يجعل الغالب والمغلوب، والحاكم والمحكوم، أمة واحدة. بل كان القوط يستأثرون بمزايا الغلبة والسيادة، وينعمون بإحراز الإقطاعات والضياع الواسعة، ومنهم وحدهم الحكام والسادة والأشراف. أما سواد الشعب الأعظم، فقوامه طبقة متوسطة رقيقة الحال، وزراع شبه أرقاء يلحقون بالضياع، وأرقاء للسيد عليهم حق الحياة والموت. وإلى جانب السادة والأشراف، يتمتع رجال الدين بأعظم قسط من السلطان والنفوذ؛ ذلك أن القوط كانوا أتقياء مؤمنين رغم خشونتهم، وكان للأحبار عليهم أيما تأثير، وقد استطاعوا أن يوجهوا القوانين والنظم، وأن يصوغوا الحياة العقلية والاجتماعية، وفقا لمثل الكنيسة وغاياتها. ثم استغلوا هذا النفوذ في إحراز الضياع وتكديس الثروات، واقتناء الزراع والأرقاء. وهكذا كانت ثروات البلاد كلها تجمع في أيدي فئة قليلة ممتازة من الأشراف ورجال الدين، اختصت بترف العيش ومتاع الحياة، وكل نعم الحرية والكرامة والاعتبار.
أما الشعب فقد كان في حالة يرثى لها من الحرمان والبؤس، يعاني أمر ضروب الظلم والعسف والإرهاق، ويُخص وحده دون الطبقات الممتازة، بأعباء المغارم والضرائب الفادحة، ومشاق العمل، والسخرة في ضياع الأشراف والأحبار، وتسلبه فروض العبودية والرق، كل شعور بالعزة والكرامة. ولم يكن الشعب كما قدمنا سوى كتلة مهيضة من طبقة فقيرة وسطى، ومن جمهرة من الزراع شبه الأرقاء والأرقاء، ومع ذلك فقد كان يقع عليه إلى جانب هذه الفروض والمغارم
стр. 30
الفادحة، عبء الحرب والدفاع عن الوطن. وكما أن الجيوش الرومانية كانت وقت ظهور الإسلام، قد فقدت وحدتها وروحها القومي وقوتها المعنوية، لتكوينها من الرعايا الأجانب والمرتزقة، فكذلك كان الجيش الإسباني منذ العهد الروماني، قوامه الزراع شبه الأرقاء واليهود. فلما حل القوط في اسبانيا وذاقوا نعم السلم، بعد مشاق التجوال والغزو، وتبوأوا مراكز الغلبة والسيادة، اعتمدوا في الدفاع عن ملكهم الجديد على هذا الجيش، الذي تموج صفوفه بجماعات مضطهدة ناقمة على سادتها. " ولاريب أن شبه الأرقاء كانوا في الجيش أكثر بكثير من الأحرار، وهذا ما يعني أن الدفاع عن الدولة كان يعهد به إلى أولئك الذين يؤثرون ممالأة العدو على الذود عن ظالميهم " (١). أما القوط أنفسهم فقد فقدوا منذ بعيد خلالهم الحربية القوية، وركنوا إلى حياة النعماء والدعة، وفتت في عزائمهم وشجاعتهم نعومة الجو وترف العيش، ولم يعودوا بعد أولئك الغزاة الأشداء الذين أخضعوا رومة، وتوغلوا فيما بين الدانوب والمحيط، " بل كان خلفاء ألاريك يحتجبون بصخور البرنيه غارقين في سبات السلم، لا يعنون بتحصين مدينة، ولا يعبأ شبابهم بتجريد سيف " (٢).
وكان يهود الجزيرة كتلة كبيرة عاملة، ولكنهم كانوا موضع البغض والتعصب والتحامل، يعانون أشنع ألوان الجور والاضطهاد. وكانت الكنيسة منذ اشتد ساعدها ونفوذها تحاول تنصير اليهود، وتتوسل إلى تحقيق غايتها بالعنف والمطاردة. ففي عصر الملك سيزبوت (٣) فرض التنصر على اليهود أو النفي أو المصادرة، فاعتنق النصرانية كثير منهم كرها ورياء (سنة ٦١٦ م). ثم توالت عليهم مع ذلك صنوف الاضطهاد والمحن، فركنوا إلى التآمر وتدبير الثورة، وتفاهموا مع إخوانهم يهود المغرب على المؤازرة والتعاون. ولكن المؤامرة اكتشفت قبل نضجها (٦٩٤ م). وكان ذلك في عهد الملك إجيكا، فقرر أن يشتد في معاقبتهم، واجتمع مؤتمر الأحبار طليطلة للنظر في ذلك، وأجاب الملك إلى ما طلبه، وقرر معاقبة اليهود باعتبارهم خوارج على الدولة يأتمرون بسلامتها، ولأنهم ارتدوا
стр. 31
عن النصرانية التي اعتنقوها من قبل؛ وقرر أن ينزع أملاكهم في سائر الولايات الإسبانية، وأن تحول إلى جانب العرش، وأن يشردوا ويقضى عليهم بالرق الأبدي للنصارى، وأن يهبهم الملك عبيداً لمن شاء، وألا يسمح لهم باسترداد حرياتهم ما بقوا على اليهودية، وأن يحرر أرقاؤهم من النصارى ويمنحون بعض أملاكهم، وأن ينزع أبناؤهم منذ السابعة ويربون على دين النصرانية، وألا يتزوج عبد يهودي إلا بجارية نصرانية، ولا تتزوج يهودية إلا بنصراني (١). وهكذا عصفت يد البطش والمطاردة باليهود أيما عصف، فكانوا قبيل الفتح الإسلامي ضحية ظلم لا يطاق، وكانوا كباقي طوائف الشعب المهيضة يتوقون إلى الخلاص من هذا النير الجائر، ويرون في أولئك الفاتحين الذين يتركون لهم حرية الضمائر والشعائر مقابل جزية ضئيلة ملائكة منقذين (٢).
هكذا كانت حال اسبانيا حينما افتتح العرب إفريقية واقتربوا من شواطىء الأندلس. وكان على عرش اسبانيا يومئذ الملك وتيزا (٣) خلف الملك إجيكا وولده. وكان يحكم مملكة مزقها الخلاف وشعباً أضناه العسف. وتحمل بعض الروايات الإسبانية القديمة على وتيزا، وتصفه بأنه كان ملكاً خليعاً فاجراً، مغرقا في شهواته، وأنه كان على رأس بلاط منحل وضيع الخلال. ويقول البعض الآخر إنه كان بالعكس ملكاً فاضلا حسن السيرة، وافر الحكمة والعدالة، وإنه عمل على رد المظالم وإقامة العدل (٤). والمرجح المتداول، أنه أحسن السيرة في بداية عهده، ورد إلى اليهود سابق حقوقهم وامتيازاتهم، ولكنه حاول أن يحد من سلطة الأشراف والأحبار، وأن يجمع السلطة في يد العرش، فسخط عليه الأشراف ورجال الدين، ودبروا لإسقاطه ثورة بعد ثورة؛ ولكنه أخمدها
стр. 32
جميعاً، وهدم جميع المعاقل والحصون الداخلية لكي يحطم سلطان خصومه ويجردهم من وسائل الدفاع والمقاومة، فلم يزدهم البطش والهزيمة إلا ظمأً إلى الخروج والثورة. وكان في مقدمة خصومه الذين يخشى بأسهم دوق تيودوفريد الذي نفاه أبوه الملك إجيكا إلى قرطبة، فزاد على ذلك أن سمل عينيه مبالغة في النكاية به، وحاول أن يفعل ذلك مع بلاجيوس ولد فافيلا دوق كانتابريا، ولكنه استطاع الفرار من نقمته (١). وكان الشعب من جهة أخرى يرزح أبداً تحت نير الجور والإرهاق، فكان عرش القوط يرتجف فوق بركان مضطرم من السخط. وتقول الرواية النصرانية إن الزعماء الناقمين انتهزوا فرصة اقتراب أسطول إسلامي من جنوب اسبانيا ورفعوا لواء الثورة، وإن وتيزا استطاع أن يرد هذا الأسطول وإن تيودومير قائد الأسطول القوطي هزم المسلمين في معركة بحرية كبيرة وذلك في سنة ٧٠٨ م (٢). وكان العرب كما قدمنا قد طوقوا أسوار سبتة معقل القوط في الضفة المقابلة من البحر، وأمد وتيزا حاكمها الكونت يوليان بأشجع جنده، فانتهز خصومه فرصة ضعفه في الداخل ليدبروا الثورة مرة أخرى. وقاد الثورة عندئذ زعيم جرىء هو رُدريك ابن دوق تيودوفرد الذي سمل وتيزا عيني أبيه، فكان يحفزه باعث الانتقام أيضا، وكان يتزعم حزباً قوياً، والتف حوله رجال الدين والأشراف والأسر الرومانية، فجمع جيشاً كبيراً ونادى بنفسه ملكاً. ووقعت بين الفريقين حرب أهلية شديدة. وهنا تختلف الرواية فيقال إن وتيزا قتل في هذا النضال وخلص الملك لمنافسه، وفي رواية أخرى أن ردريك ظفر به وسمل عينيه انتقاماً لأبيه، ويقال أيضاً إنه ارتد إلى إحدى الولايات الشمالية وامتنع بها حتى وفاته. ويختلف المؤرخون كذلك في تاريخ ولاية ردريك الملك، فيقول البعض، ومنهم ردريك الطليطلي، إنه تولى سنة ٧١١ م، وحكم مع وتيزا قسما من اسبانيا، وإنه لما توفي وتيزا في سنة ٧١٣ م، استأثر بالحكم مدى
стр. 33
عام آخر حتى فتح اسبانيا، ويقول إيزودور الباجي، إن ردريك ظفر بالعرش في أواخر سنة ٧١١ م وإنه لم يحكم قبل الفتح سوى عام واحد (١)؛ وفي الروايتين تحريف ظاهر، ولا بد أن ردريك ولى الملك قبل سنة ٧١١، إذ كان فتح العرب لاسبانيا في صيف هذا العام نفسه. وعلى أى حال فإن المعركة استمرت مدى حين بين ردريك وولدي وتيزا، وهما إيفا وسيزبوت يعاونهما عمهما أوباس (٢) أسقف طليطلة وإشبيلية ورأس الكنيسة، والتفت حولهما رجال الدين وكل أنصار الحكم القديم. وكان ردريك قوى الجانب وافر الشجاعة والعزم، فاستطاع أن يخمد الثورة في كل ناحية، واستتب له الأمر حينا، ومع ذلك فقد بقيَ عرش القوط مضطربا يهتز في يد القدر، وكان الخطر يجثم في ناحية أخرى.
ذلك أن خصوم ردريك اتجهوا بأبصارهم إلى خارج الجزيرة. وكان الكونت يوليان حاكم سبتة والمضيق، محط أنظارهم ومساعيهم. وقد اختلف في أمر ْالكونت يوليان اختلافا بينا، فالروايات العربية القديمة كلها تشيد بذكره، وبالدور العظيم الذي أداه في الفتح، وينكر وجوده بعض أكابر المؤرخين الإسبان مثل ماسدي وغيره، لأن ذكره لم يرد لأول مرة إلا في روايات القرن الثاني عشر. على أنه مما يعزز إجماع الرواية العربية، إشارة إيزيدور الباجي، صاحب أقدم رواية إسبانية عن الفتح، إلى شريف نصراني كان يصحب موسى في كل غزواته. كذلك تختلف الرواية في صفة الكونت، فيقال إنه لم يكن تابعا لملك القوط، وإن سبتة كانت في ذلك الحين ما تزال تابعة لقيصر الدولة الشرقية، ولكن حاكمها الكونت رأى لبعدها وعزلتها أن يستظل بحماية اسبانيا (٣). على أنه يبدو من أقوال الرواية العربية، وهي في نظرنا أقوى وأرجح، أن الكونت يوليان كان قوطيا اسبانيا، وأنه كان يرتبط ببلاط طليطلة بصلات وثيقة. وتؤيد الرواية العربية
стр. 34
بعض التواريخ النصرانية المتأخرة، فيقول لنا ردريك الطليطلي، ولوقا التطيلي، إن الكونت يوليان كان حاكماً لسبتة، وهي يومئذ من أملاك العرش القوطي، وإنه كان رجلا شجاعاً، ولكنه كان مغامراً منتقماً، وإنه كان من أقارب الملك فامبا (١). ويقول لنا ألفونسو العاشر في تاريخه العام إن الكونت يوليان كان من أكابر الأشراف الذين يرجع أصلهم إلى القوط، وإنه كان قريبا للملك وتيزا (٢). ولما نشب الخلاف الداخلي حول العرش، انضم الكونت إلى أنصار الحكم القديم وأنصار الملك وتيزا. وكان غنيا شديد البأس، كثير الأتباع والجند، يعتصم بالبحر، بعيداً عن سلطة العرش، ويقبض على مفتاح اسبانيا بحكمه لسبتة والمضيق. وكان من خصوم الحكم الجديد يخشى عواقبه على مركزه وسلطانه. فاتصل به إبنا وتيزا وباقي الزعماء الخوارج، واستقر الرأي على الاستنجاد بالعرب جيران الكونت، وهذا هو التعليل التاريخي للتحالف الذي عقد بين يوليان وموسى ابن نصير وانتهى بفتح العرب لإسبانيا. ولكن الرواية - والرواية الإسلامية بنوع خاص - تقدم إلينا تعليلا آخر، فتقول لنا إن يوليان كان يعمل بدافع الانتقام الشخصي أيضا. فقد كانت له إبنة رائعة الحسن تدعى فلورندا أوكابا، أرسلها إلى بلاط طليطلة جريا على رسوم ذلك العصر، لتتلقى ما يليق بها من التربية بين كرائم العقائل والفرسان، فاستهوى جمالها الفتان قلب ردريك فاغتصبها وانتهك عفافها. وعلم الكونت بذلك فاستقدم ابنته إليه وأقسم بالانتقام، ونزع ردريك ذلك العرش الذي اغتصبه. فلما نشبت الحرب الأهلية بين ردريك وخصومه، والتجأ هؤلاء الخصوم إليه، رأى الفرصة سانحة للعمل، ولم ير خيرا من الاستنصار بالعرب ومعاونتهم على فتح اسبانيا.
والرواية الإسلامية تجمع على قبول هذه القصة والأخذ بها، مع أخذها في الوقت نفسه بالعوامل السياسية التي ذكرناها (٣). ولكن الرواية النصرانية تتردد
стр. 35
في قبولها، وتنكرها معظم الروايات الإسبانية الحديثة، وتعتبرها أسطورة صاغتها الأغاني والقصص القديمة. وهكذا نجد ماريانا وماسدي أعظم مؤرخي إسبانيا في مقدمة المنكرين لصحتها. ويذهب البعض الآخر مثل مونتيخار وغيره إلى أبعد من ذلك، فينكر شخصية الكونت يوليان ذاته، ويعتبرها شخصية خيالية، ويعتبر القصة كلها خرافة وأسطورة فقط (١). ويقول كوندي إن اسم كابا (فلورندا) ووصيفتها أليفا وكل أشخاص هذه الرواية تدل على أن القصة كلها إنما هي خرافة موريسكية (٢) اشتقت من الأساطير والأغاني العامية التي كانت ذائعة بين المسلمين والنصارى (٣).
ْوإنكار الرواية الإسبانية لمثل هذه القصة معقول ظاهر الحكمة، فهي تأبى الاعتراف بواقعة تسجل خيانة الوطن على نفر من زعماء اسبانيا الأوائل، وهي خيانة كان من أثرها أن افتتح العرب اسبانيا وحكمها الإسلام قروناً طويلة. على أننا نجد في القصة ما يبعث إلى إنكارها، فوقوعها ممكن معقول في مثل الظروف التي كانت تجوزها اسبانيا يومئذ، من خلاف في الرأي، وتنازع على السلطة، وانحلال أخلاقي واجتماعي. ولسنا من جهة أخرى نلمس في الرواية الإسلامية أثر الاختراع. فليس ثمة ما يدعو إليه. وليس من المعقول أن تخترع الرواية الإسلامية قصة مفادها أن المسلمين لقوا في فتح اسبانيا معاونة لم يتوقعوها، وأن هذه المعاونة سهلت لهم سبل الفتح، ولعلهم لم يقدموا بدونها على الاضطلاع به، أو لعلهم كانوا يتعرضون للإخفاق والفشل. هذا إلى أن بعض الروايات الإسبانية ْالقديمة، ومنها ما هو قريب من الفتح، يشترك مع الرواية العربية في سرد قصة فلورندا والأخذ بها.
стр. 36
فمن ذلك ما ورد في رواية إيزيدور الباجي الذي عاش في أوائل القرن الثامن، وما ذكره ردريك الطليطلي في روايته، من أن الكونت يوليان ثار لاعتداء ردريك على ابنته أو زوجه، واعتزم أن ينتقم لنفسه بدعوة العرب إلى فتح اسبانيا، وهي قصة يرددها أيضاً التاريخ العام الذي وضع بأمر الملك ألفونسو العالم في أواخر القرن الثالث عشر (١). ففي هذه الروايات الإسبانية النصرانية كلها تأييد لهذه القصة الشهيرة. كذلك يختلف النقد الأوربي الحديث في أمر هذه القصة، فيرى البعض أنها أسطورة لا يصح الأخذ بها، ويرى البعض الآخر أنها معقولة لا أثر للاختراع فيها (٢). ونحن مع هذا الفريق نرى قصة فلورندا حادثاً طبيعيا معقولا، ونرى في إجماع الرواية الإسلامية على تدوينها دليلا آخر على صحتها. ومهما كان من أمر يوليان، ومهما كان من بواعث غضبه ونقمته على مليكه، فقد كان تدخله أكبر عامل في تذليل فتح المسلمين لشبه الجزيرة الإسبانية، والقضاء على مملكة القوط.
стр. 37
الفصل الثالث
فتح أسبانيا
المفاوضة بين موسى بن نصير والكونت يوليان. استئذان موسى الوليد في الفتح. فكرة يوليان وأصحابه في استدعاء العرب. حملة تمهيدية إلى الجزيرة الخضراء. حملة الفتح. طارق بن زياد. عبوره الى الأندلس واختراقه الجزيرة الخضراء. تأهب ردريك ملك القوط لملاقاة العرب. مكان اللقاء بينهما. موقعة شذونة أو وادي لكة. تفرق الجيش القوطي. هزيمة القوط ومقتل ردريك. الخطاب الذي ينسب إلى طارق والشك في صحته. هل أحرق طارق سفن الحملة. اللقاء الثاني بين القوط والعرب في استجة. هزيمة القوط الثانية. زحف طارق على طليطلة. إفتتاح قرطبة وغرناطة ومالقة. معاونة اليهود للمسلمين. افتتاح تدمير وعقد الصلح مع أميرها. طارق يخترق الأندلس. كلمة أندلس وأصلها. استيلاء طارق على طليطلة. اختراقه قشتالة وليون وجبال أستورية. عوده إلى طليطلة. موسى وموقفه من الفتح. أوامره لطارق. يقود حملة جديدة إلى اسبانيا. استيلاؤه على شذونة وقرمونة واشبيلية. حصاره لماردة وافتتاحها. غضبه على طارق ثم عفوه عنه. مسيرهما إلى الشمال وافتتاحهما لسرقسطة وطركونة وبرشلونة. مسير طارق إلى جليقية. موسى يخترق البرنيه ويغزو سبتمانيا. افتتاحه لأربونة وقرقشونة ووادي الرون. مشروعه في اختراق الأمم النصرانية شرقا إلى مقر الخلافة. إعتراض حكومة دمشق. مسيره لإخضاع جليقية. استدعاؤه وطارق إلى دمشق. بواعث هذا الإستدعاء. افتتاح عبد العزيز بن موسى لبلنسية ولبلة. معاهدته مع تيودمير. إشبيلية عاصمة الأندلس. إستخلاف موسى لولده عبد العزيز. سفره وطارق إلى المشرق. ما أصاب المسلمون من غنائم الأندلس. مصير موسى واختلاف الرواية في شأنه. وفاته وخلاله. مصير طارق. مصير الكونت يوليان والأمراء المحالفين للعرب. سارة القوطية وحفيدها المؤرخ.
في الوقت الذي كانت شبه الجزيرة الإسبانية تجوز فيه هذه الحوادث والأزمات الخطيرة، كان العرب قد أتموا فتح المغرب الأقصى، واستولوا على ثغر طنجة، وأشرفوا على شواطىء الأندلس من الضفة الأخرى من البحر، ولم يبق لإتمام فتح افريقيه سوى ثغر سبتة الذي يقع مقابل طنجة في الطرف الآخر من اللسان المغربى. وكانت سبتة قد استطاعت لمنعتها وسهر حاكمها الكونت يوليان، أن تحبط كل محاولة لأخذها. وكان موسى بن نصير بتوق إلى افتتاح هذا الثغر المنيع، وتطهير افريقية من البقية الباقية من العدو. وبينا هو يرقب الفرص لتحقيق هذه الأمنية، إذ جاءته رسالة من الكونت يوليان نفسه يعرض فيها
стр. 38
تسليم معقله، ويدعوه إلى فتح اسبانيا، وجرت بينهما المفاوضة في هذا المشروع الخطير. وتختلف الرواية في أمر هذا الاتصال، فيقال إن موسى ويوليان اتصلا بالمراسلة، وقيل إنهما اتصلا بالمقابلة الشخصية، وإن الكونت استدعى موسى الى سبتة، وهنالك وقعت المفاوضة بينهما. وقيل أخيرا إنهما اجتمعا في سفينة في البحر (١). وعلى أى حال فقد استجاب موسى لدعوة الكونت، واهتم بمشروعه أعظم اهتمام، وكان قد وقف على أحوال اسبانيا وخصبها وغناها، واستطاع أن يقدر أهمية مثل هذا الفتح، وجليل مغانمه ومزاياه، فلما علم من يوليان وحلفائه ما تعانيه اسبانيا من الخلاف والشقاق، وما يسودها من الانحلال والضعف، ورأى مما يعرضه يوليان من تسليم سبتة وباقي معاقله، وتقديم سفنه لنقل المسلمين في البحر، ومعاونته بجنده وإرشاده، أن الفوز ميسور محقق، كتب إلى الوليد بن عبد الملك يخبره بأمر المشروع، فكتب إليه الوليد أن يختبره بالسرايا، أعني بالحملات الصغيرة بادىء بدء، وألا يزج بالمسلمين إلى أهوال البحر، بيد أن المسلمين كانوا قد خاضوا قبل ذلك غمر المعارك البحرية في هذه المياه، وغزوا صقلية وسردانية، ثم غزوا جزائر البليار (الجزائر الشرقية) كما قدمنا، وكان البحر الذي يفصل بين إفريقية والأندلس مجازا ضيقا سهل العبور.
ولبث موسى حينا بطنجة يهيئ عُدة الفتح، والظاهر أن يوليان وحلفاءه لم يقصدوا بدعوة موسى أن يمتلك العرب اسبانيا، وأن يحكموها، بل كان مشروعهم أن يستعينوا بالعرب على محاربة المغتصب وإسقاطه، واستخلاص الملك لأنفسهم. وكان اعتقادهم أن العرب متى امتلأت أيديهم بالأسلاب والغنائم، قفلوا إلى إفريقية. وهو فرض معقول يؤيده سير الحوادث في اسبانيا، فقد كان الخوارج على ردريك يقصدون إلى انتزاع الملك من يده. وتحقيق أطماعهم يالحلول مكانه. أما الفرض الآخر - وهو أنهم كانوا يقصدون بالفعل تسليم وطنهم إلى العرب - فمعناه أنهم كانوا يعملون للقضاء بأنفسهم على مشاريعهم وأطماعهم، وهو مما يصعب قبوله وتعليله (٢)، والظاهر أن موسى بن نصير كان من جانبه
стр. 39
يؤكد ليوليان أنه لايقصد بالغزو سوى مجد الفتح وكسب الغنائم، وأنه لا ينوي إنشاء دولة مسلمة فيما وراء البحر. ونزل موسى على نصح الخليفة في اختبار الفتح الجديد بالسرايا، وبدأ مشروعه بمحاولة صغيرة، فجهز خمسمائة مقاتل بينهم مائة فارس، بقيادة ضابط من البربر يدعى طريف بن مالك، فعبروا البحر من سبتة في أربع سفن قدمها يوليان، إلى البقعة المقابلة التي سميت جزيرة طريف باسم قائد الحملة، وذلك في رمضان سنة إحدى وتسعين (يوليه سنة ٧١٠ م)، وجاست الحملة خلال الجزيرة الخضراء بإرشاد يوليان، فأصابت كثيراً من الغنائم، وقوبلت بالإكرام والترحيب، وشهدت كثيرا من دلائل خصب الجزيرة وغناها، ثم عادت في أمن وسلام، وقص قائدها على موسى نتائج رحلته، فاستبشر بالفوز، وجد في أهبة الفتح.
وفي شهر رجب سنة اثنتين وتسعين (إبريل سنة ٧١١ م) جهز موسى جيشا من العرب والبربر يبلغ سبعة آلاف مقاتل بقيادة طارق بن زياد الليثي، وكان يومئذ حاكماً لطنجة كما قدمنا (١). ومن الغريب أن الرواية الإسلامية لا تحدثنا عن فاتح الأندلس بشىء قبل ولايته لطنجة، بل إنها لتختلف في أصله ونسبته، فقيل هو فارسي من همذان، كان مولى لموسى بن نصير، وقيل إنه من سبي البربر، وقيل أخيراً إنه بربري من بطن من بطون نفزة، وهذه فيما يظن أرجح رواية، وهي رواية يؤيدها صاحب البيان المغرب، بإيراد نسبة طارق مفصلة. ويبدو منها أن طارقاً تلقى الإسلام عن أبيه زياد عن جده عبد الله، وهو أول اسم عربي إسلامي في نسبته، ثم ينحدر مساق النسبة بعد ذلك خلال أسماء بربرية محضة حتى ينتهي إلى نفزة، وهي القبيلة التي ينتمي إليها (٢).
стр. 40
وتقدم إلينا الرواية الإسلامية التي يسوقها الينا صاحب كتاب " الإمامة والسياسة " وصفا لشخص طارق خلاصته أنه كان " رجلا طويلا أشقر، بعينيه قبل أى حول وبيده شلل " (١). فإذا صحت هذه الرواية، فإنها يمكن أن تقدم إلينا دليلا آخر على انتماء طارق إلى الجنس البربري. فالبربر حسبما شهدنا من التجوال في بعض ربوعهم بالمغرب، يكثر بينهم الطول والشقرة.
وكان طارق جنديا عظيما ظهر في غزوات المغرب بفائق شجاعته وبراعته، وقدر موسى مواهبه ومقدرته واختاره لحكم طنجة وما يليها، وهي يومئذ أخطر بقاع المغرب الأقصى وأشدها اضطربا، ثم اختاره لفتح الأندلس. فعبر البحر من سبتة بحيشه تباعا في سفن يوليان القليلة، ونزل بالبقعة الصخرية المقابلة التي ما زالت تحمل اسمه إلى اليوم أعني جبل طارق، وذلك في يوم الإثنين الخامس من رجب سنة ٩٢هـ (٢٧ إبريل سنة ٧١١ م) (٢). واخترق طارق المنطقة المجاورة غرباً بمعاونة يوليان وإرشاده، وزحف على ولاية الجزيرة التي كان يحكها تيودومير القوطي عامل ردريك واحتل قلاعها، بعد أن هزم شراذم من القوط تصدت لوقفه. وبادر حكام الولايات المجاورة بإخطار بلاط طليطلة بالخطر الداهم. وكان ردريك يشتغل يومئذ بمحاربة بعض الخوارج في الولايات الشمالية، فهرع إلى طليطلة شاعراً بفداحة الخطر المحيق بعرشه وأمته، وبعث قائده إديكو لرد العدو حتى يستكمل أهبته. ولكن طارقا هزمه ثم اخترق بسائط " الفرنتيره " (٣) معتزماً السير صوب عاصمة القوط.
وكان رُدريك أو رذريق أو لذريق كا يسميه العرب (٤)، أميراً شجاعاً وافر المقدرة والعزم، ولكنه كان طاغية يثير بقسوته وصرامته حوله كثيراً من البغضاء