← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

لدين الله من جماعتهم بمكاتبته، واجتذبه بوصلته " (١). - ٤ - هذا وربما كان قيام الخلافة الفاطمية في الضفة الأخرى من البحر، وانسياب دعوتها إلى المغرب الأقصى، على مقربة من شواطىء الأندلس، في مقدمة البواعث التي حدت بعبد الرحمن إلى العمل على إحياء تراث الخلافة الأموية الروحي، بعد أن توطدت دعائم دولتها السياسية بالأندلس، وكان مؤسسها عبد الرحمن الداخل قد أمر بمنع الدعاء لبني العباس، ولكنه لم يتخذ سمة الخلافة واكتفى بلقب الإمارة. وسار بنوه على أثره. وبالرغم من أن الدولة الأموية قد استطاعت غير مرة، أن تستعيد مجدها السالف، في عهد الحكم بن هشام وولده عبد الرحمن الأوسط، فإن أمراء بني أمية لم يفكروا في الإقدام على منافسة بني العباس في ألقاب الخلافة. وقيل في تعليل ذلك إنهم كانوا يرون الخلافة تراثاً لآل البيت، ويدركون قصورهم عن ذلك " بالقصور عن ملك الحجاز أصل العرب والملة، والبعد عن دار الخلافة التي هي مركز العصبية " وأنهم بعبارة أخرى كانوا يرون أن الخلافة تكون لمن يملك الحرمين (٢). بيد أننا نعتقد أن هذا الإحجام يرجع بالأخص إلى بواعث الحكمة والسياسة، والتحوط من إثارة الفتنة والخلافات الدينية والمذهبية. فلما ظهرت الدعوة الفاطمية في إفريقية، ونمت بسرعة في أوائل القرن الرابع الهجري، ولما تواترت الأنباء من جهة أخرى، عما انتهت إليه الدولة العباسية في المشرق من الإضطراب والفوضى، وما حدث من استبداد موالي الترك بالأمر وحجرهم على الخلفاء، رأى عبد الرحمن أن يتسم بسمة الخلافة، وأن يسترد بذلك تراث أسرته الروحي، وأنه بما وفق إليه من النهوض بالدولة الإسلامية وتوطيد أركانها، أحق بألقاب الخلافة من دولة منحلة وأخرى طارئة. ونفذ الأمر بذلك في يوم الجمعة مستهل ذي الحجة سنة ٣١٦ هـ، حيث قام صاحب الصلاة القاضي أحمد بن أحمد بن بقى بن مخلد بالدعاء له بالخلافة، على منبر المسجد الجامع بقرطبة (٣). وإليك نص الوثيقة الرسمية التي صدرت بذلك وهو:

стр. 422

" بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على نبيه محمد الكريم. أبا بعد فإنا أحق من استوفي حقه، وأجدر من استكمل حظه، ولبس من كرامة الله تعالى ما ألبسه، فنحن للذي فضلنا الله به، وأظهر أثرتنا فيه، ورفع سلطاننا إليه، ويسر على أيدينا دركه، وسهل بدولتنا مرامه، وللذي أشاد في الآفاق من ذكرنا، وأعلى في البلاد من أمرنا، وأعلن من رجاء العالمين بنا، وأعاد من انحرافهم إلينا، واستبشارهم بما أظلهم من دولتنا إن شاء الله، فالحمد لله ولي الإنعام بما أنعم به، وأهل الفضل بما تفضل علينا فيه. وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين، وخروج الكتب عنا وورودها علينا بذلك - إذ كل مدعو بهذا الإسم غيرنا، منتحل له، ودخيل فيه، ومتسم بما لا يستحقه منه، وعلمنا التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق أضعناه، واسم ثابت أسقطناه، فمر الخطيب بموضعك، أن يقول به، وأجر مخاطبتك لنا عليه إن شاء الله. والله المستعان. وكتب يوم الخميس لليلتين خلتا من ذي الحجة سنة ٣١٦ " (١). وهكذا اتخذ عبد الرحمن سمة الخلافة عن يقين بأفضليته، وأولوية حقه وحق أسرته، وتسمى بأمير المؤمنين الناصر لدين الله، وذلك في الثاني من شهر ذي الحجة سنة ٣١٦ هـ (يناير سنة ٩٢٩ م) فكان أول أمير من بني أمية بالأندلس ينعت بأمير المؤمنين. وبدأت الدعوة من ذلك الحين لبني أمية بألقاب الخلافة في الأندلس والمغرب الأقصى، ونقشت ألقاب الخلافة على السكة. ويضع بعض المؤرخين اتخاذ لقب الناصر لسمة الخلافة في سنة (٣٢٧ هـ) أى بعد وقوعه بنحو عشرة أعوام، وهو تحريف واضح تنقضه وثيقة الدعوة الرسمية (٢). - ٥ - وكان من أبرز الحوادث الداخلية في عصر الناصر، حركة الفيلسوف المتصوف ابن مَسَرَّة الجبلي، واهتمام الناصر بمقاومتها وقمعها، وذلك حتى بعد أن توفي زعيمها بأعوام طويلة، وإصدار كتابه الشهير في شأنها.

стр. 423

وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مَسَرَّة من أهل قرطبة، وبها ولد سنة ٢٦٩ هـ (٨٨٢ م)، ودرس على أبيه وعلى ابن وضاح والخشني وغيرهم، ولكنه جاهر ببعض الآراء الدينية المغرقة في التأويل والقدر وإنفاذ الوعيد وغيرها، فاتهم بالزندقة، فغادر الأندلس فارًّا إلى المشرق، وأنفق هنالك بضعة أعوام، وتفقه على يد المعتزلة والكلاميين وأهل الجدل. ثم عاد إلى الأندلس، وهو يخفي آراءه ونحلته الحقيقية تحت ستار من النسك والورع، وكان ذلك في بداية عهد الناصر، فاختلف إليه الطلاب من كل صوب، وكان يستهويهم بغزير علمه، وسحر بيانه، ومنطقه الخلاب، حتى التف حوله جمهرة كبيرة من الصحب والأتباع، أضحت تكون مدرسة خاصة من الآراء الدينية والكلامية المتطرفة. واختلف الناس في أمر ابن مسرة، فمنهم من كان يرتفع به إلى مرتبة الإمامة في العلم والزهد والورع، ومنهم من كان يرميه بالزندقة وترويج البدع، والانحراف عن مبادىء الدين الصحيحة. وتوفي ابن مسرة بقرطبة في شوال سنة ٣١٩ هـ (٩٣١ م) (١). ولكن آراءه وتعاليمه بقيت من بعده ذائعة بين تلاميذه وأتباعه، وتكونت من حولها فرقة سرية، اتهمت بالمروق والإلحاد، تتابع دعايته، وتعمل على بث تعاليمه، حتى برم بهم المتزمتون من أهل السنة، وأخذوا يسعون لدى السلطات المختصة، لتعمل على قمع هذه الجماعة، والقضاء على تعاليمها. وإليك كيف يصور لنا ابن حيان بقلمه البارع خطة ابن مسرة في بث تعاليمه، واستهواء أتباعه. قال: " كان مذهب الظنين، المرتب المرائي بالعبادة، المنطوى على دخل السريرة، محمد بن عبد الله بن مسرة، الرابض للفتنة، دب في الناس صدر دولة الخليفة الناصر لدين الله، واستهواهم بفضل ما أظهره من الزهد، وأبدى من الورع. " وكان يستهوي العقول، ويصور الأفئدة. وكان من شأنه أن يلقي أول من يأتيه، مقتبساً من أهل السلامة، بالمساهلة، إلى أن يحيله عن رأيه بالمفاضلة، فإذا أصغى إلى عذوبة منطقه، وعلق في شرك حجاجه، غره رفقاً بباطله من

стр. 424

الطاير فرخه، فلا يبعد أن يلفته عن رأيه، ويشككه في اعتقاده ... ويحصله في اتباعه، فاستهوى خلقاً من الناس، صدّهم عن سبيل الله، وأوحشهم من الجماعة، واتخذ من رأى غيهم في مذهبه وايمة دخل في عرضهم رجال من ذوي الفهم. ولم يزل يستظهر عليهم بالمواثيق في الكتمان إلا من الثقات الوثاق العقدة، فاكتتم بذلك شأنه، إلى أن عاقصته منيته، صدر دولة الناصر لدين الله، أيام شغله بحروب أهل الخلاف المتصلة. فرفع الله بموته عن الناس فتنة، ولم يلبث دعاته مع انتشارهم في البلاد أن تلبسوا بعده بما أودعه من مكنون علمه، فكثر القول في شأنه، وشيم أهل الخلاف من تلقايه، فذعر له أهل السنة من أهل قرطبة، وتوقعوا منه البلية، ففزع فقهاؤهم وكبراؤهم بها إلى أصحاب الخليفة الناصر لدين الله فنبهوا ... " (١). ومضت أعوام طويلة، قبل أن تصل أصوات أهل السنة المعارضين لتعاليم ابن مسرة إلى المسئولين، ولم يصدر قرار السلطة العليا في شأنه وشأن تعاليمه، إلا بعد أن مضى أكثر من عشرين عاماً على وفاته، مما يدل على أن دعوته وتعاليمه لبثت حية ذائعة. قال ابن حيان: " وفي يوم الجمعة لتسع خلون من ذي الحجة سنة أربعين وثلاث ماية، قرئ على الناس بالمسجدين الجامعين بالحضرتين، قرطبة والزهراء، كتاب أمير المؤمنين الناصر لدين الله إلى الوزير صاحب المدينة عبد الله بن بدر، بإنكاره لما ابتدعه المبتدعون، وشذ فيه الخارجون، من رأي الجماعة المنتمون إلى صحبة محمد بن عبد الله بن مسرة، وانتحلوه في الديانة، فافتتن العوام بما أظفره من التقشف والشظف في المعيشة، واستتروا لبدعهم بسكنى الأطراف البعيدة، حتى استمالوا بفعلتهم عصابة ... وفرقة، فتنت بمذاهبهم، وأن ذلك بلغ أمير المؤمنين، ففحص عليه، وعلم صحته، فتعاظمه، واستوحش من اجتراء تلك الطايفة الخبيثة عليه، فأوعز إلى وزيره ومتولي أحكامه ومدينته، تتبع هذه الطائفة، وإخافتها والبسط عليها، والقبض على من عثر عليه منها، وإنهاء خبره إلى أمير المؤمنين ". وأورد لنا ابن حيان بعد ذلك، نص الكتاب الذي صدر باسم الخليفة

стр. 425

الناصر لدين الله، في الحملة على تلك الطائفة، والتبرؤ منها، وهو من إنشاء كاتبه ووزيره عبد الرحمن بن عبد الله الزجالي. ويبدأ الكتاب بالتنويه بشأن الإسلام، وأفضليته على سائر الأديان، وبرسالة محمد خاتم النبيين، الذي اصطفاه الله، وأرسله إلى الناس، وكرم به أمته على ساير الأمم، وما نبه به الإسلام من إقامة الدين، وعدم افتراق الكلمة. وانه لما شملت النعمة، وعم الأقطار بعدل أمير المؤمنين السكون والدعة، طلعت فرقة لا تبتغي خيراً، ولا تأتمر رشداً، من طغام السواد، " وأبدت كتباً لم يعرفوها، ضلت فيها حلومهم، وقصرت عنها عقولهم " واستولى عليهم الشيطان بخيله ورجله، فقالوا بخلق القرآن، واستيئسوا، وآيسوا من روح الله، وأكثروا الجدل في آيات الله، وحرموا التأويل في حديث رسول الله، فبريت منهم الذمة، ووعدهم الله ببالغ نكاله، لما انطوت عليه قلوبهم من الزيغ، ولما كذبوا من التوبة، وأبطلوا من الشفاعة، ونالوا محكم التنزيل، والقدح في الحديث، والقول بمكروه في السلف الصالح، فشذوا عن مذهب الجماعة، حتى تركوا رد السلام على المسلمين، وهي التحية التي نسخت تحية الجاهلين، وقالوا بالاعتزال عن العامة. ولما فشي غيهم، وشاع جهلهم، واتصل بأمير المؤمنين، من قدحهم في الديانة، وخروجهم عن الجادة، أغلظ في الأخذ فوق أيديهم، وأنذرهم إنذاراً فظيعاً، واعتزم أن يوقع بهم العقاب الشديد، وأمر بقراءة كتابه هذا على المنبر الأعظم بحضرة قرطبة، ليفزع قلب الجاهل، ويضطر الغواة إلى الآثار الصحيحة التي يتقبلها الله منهم، وأن يقرأ هذا الكتاب في سائر الأقطار والكور، وفي البدو والحضر، وأن ينفذ عهده بذلك إلى ساير قواده، وجميع عماله. لكي يقوموا بمطاردة هذه " الطغمة الخبيثة، التي اجترأت على تبديل السنة، والاعتداء على القرآن العظيم، وأحاديث الرسول الأمين ". ويختتم الكتاب بمطالبة العمال ببث العيون، وتتبع أولئك المارقين، وإخطار أمير المؤمنين بأسمائهم ومواضعهم، وأسماء الشهود عليهم، حتى يحملوا إلى باب سدته، وينكلوا بحضرته (١).

стр. 426

قال ابن حيان: " وتمادي الطلب لهذه الفرقة المسرِّية، والإخافة لهم، وتخويف الناس من فتنتهم بقية أيام الناصر لدين الله ". وهنا ولأول مرة نجد شرحاً وافياً، بقلم ابن حيان القوي الناقد، لتلك الحركة الدينية الخطيرة، حركة ابن مسرَّة وتلاميذه، وهي التي استحالت أيام الناصر لدين الله إلى جمعية سرية واسعة الانتشار. فهل كانت حقاً، كما يصورها ابن حيان، وكما تصورها لنا الوثيقة الخلافية، التي ينقلها إلينا، جمعية مارقة ملحدة، تهدد العقائد والنظام والأمن؟ أم هل كانت حركة تفكير فلسفي حر، لم يتسع لها أفق التفكير المعاصر، وكانت كمعظم الحركات المماثلة ضحية لنقمة المتزمتين الرجعيين من الفقهاء والحكام، يدافعون بسحقها عن نفوذهم وسلطانهم المطلق؟.

стр. 427

الفصل الثاني خلال الناصر ومآثره عصر الناصر أعظم عصور الإسلام بالأندلس. منشآت الناصر. مشروع بناء الزهراء. البدء في إنشاءها. قصر الزهراء وفخامته وروعته. منشآت الزهراء الأخرى. بعض أوصاف وأرقام عن الزهراء. نهاية الزهراء كقاعدة ملوكية. تخريبها أيام الثورة. بعض ما قيل في رثائها. أطلال الزهراء واختفاؤها. جهود العلماء الإسبان للكشف عن مواقعها. وصف لما ظهر من آثارها ومعالمها. منشآت الناصر بالمسجد الجامع. تنظيم الناصر للجيش والأسطول. الأحوال المالية في عهد الناصر. غنى الدولة الأموية وبذخها. إنشاء دار السكة بقرطبة. قرطبة وعظمتها. اصطفاء الدولة الأموية للموالي والصقالبة. حرص الناصر على السلطان المطلق. الصقالبة ونفوذهم. أثر هذا الاصطفاء. قرطبة مركز الجاذبية الدبلوماسية. تقدم الصلات الدبلوماسية بين الإسلام والنصرانية. سفارة قيصر قسطنطينية إلى الناصر. حفل استقبال السفراء وروعته. هدايا قيصر إلى الناصر. خطاب القاضي منذر بن سعيد. سفارات ملوك النصرانية. سفارة إمبراطور ألمانيا. سفارة الناصر إلى الإمبراطور. موضوع المفاوضات بين العاهلين. رأي الناصر في نظام الحكم. سفارات نصرانية أخرى إلى الناصر. مرض الناصر ووفاته. خلاله وصفاته. حجابه ووزراؤه وقواده. الوزراء وأصحاب الخطط. تنويه الشعر بعظمة عصره. صفة الناصر. أبناؤه. إشادة النقد الحديث بمناقبه. ننتقل الآن إلى ناحية أخرى من نواحي عصر الناصر. كان عصر عبد الرحمن الناصر بالرغم مما شغله من فتن وحروب مستمرة، عصر عظمة ورخاء ومجد، بل كان في الواقع أعظم عصور الإسلام بالأندلس، ولاسيما من نواحيه المعنوية والحضارية. وإذا كانت الأندلس قد بلغت فيما بعد في عصر المنصور بن أبي عامر، ذروة تفوقها السياسي والحربي في شبه الجزيرة الإسبانية، فإن الدولة الأموية بالأندلس بلغت في عهد الناصر ذروة القوة والبهاء؛ وكان هذا العهد حد الفصل بين مراحل تقدمها وازدهارها، ومراحل انحلالها وسقوطها. ولم تحل مهام الحرب والسياسة دون قيام الناصر بأعمال الإنشاء العظيمة، وكان في مقدمتها إنشاء مدينة الزهراء أعظم قواعد الأندلس الملوكية. وكانت قرطبة عاصمة الأندلس قد بلغت يومئذ أوج العظمة والازدهار، وأضحت تفوق بغداد منافستها في المشرق بهاء وفخامه. وكان الناصر قد ابتنى إلى جانب القصر الزاهر

стр. 428

وهو مقام الملك، قصراً جديداً سماه دار الروضة، جلب إليه الماء من فوق الجبل، واستدعى المهندسين والبنائين من كل فج، وأنشأ في ظاهر قرطبة متنزهات عظيمة ساق إليها الماء من أعلى الجبل فوق قناطر بديعة. ومع ذلك فقد كانت قرطبة بمعاهدها ودورها وطرقها الزاخرة، وسكانها الخمسمائة ألف، تضيق بما يتطلبه ملك عظيم كملك الناصر، من استكمال الفخامة الملوكية، والقصور والميادين والرياض الشاسعة، بل كانت تضيق بهذه المرافق الملوكية منذ عهد عبد الرحمن الداخل، حيث أنشأ الرصافة في ظاهرها لتكون له منزلا ومتنزها ملوكياً. وقد كان بناء القواعد الملوكية دائماً سنة العروش القوية الممتازة. فلما بلغ الناصر لدين الله ما أراد من توطيد ملكه، وسحق أعدائه في الداخل والخارج، عنى بأن يعرض آيات من ملكه الباذخ، وثاب له رأي في أن يقيم بجوار قرطبة ضاحية ملوكية عظيمة، فأنشأ مدينة الزهراء. ولإنشاء الزهراء قصة، وربما كانت أسطورة على مثل الأساطير التي ترتبط بقيام المدن والمنشآت العظيمة. ولم تقل لنا الرواية إن الناصر رأى حلماً كالذي رآه قسطنطين، وأوحى إليه بإنشاء قسطنطينية، ولكنها تقول لنا إن الذي أوحى إلى الناصر ببناء هذه الضاحية الملوكية هي جاريته وحظيته "الزهراء" وأنه ورث من إحدى جواريه مالا كثيراً، فأمر أن يخصص لافتداء الأسرى المسلمين، ولكنه لم يجد من الأسرى من يفتدى، فأوحت إليه "الزهراء" بأن ينشئ بهذا المال، مدينة تسمى باسمها وتخصص لسكناها (١). بيد إنا نفضل أن نرجع مشروع الناصر إلى بواعث الملك والسياسة، وإلى عرض فخامة الملك، والترفع بمظاهره وخصائصه، عن المظاهر العامة، لعاصمة مكتظة زاخرة. والظاهر أيضاً أن شغفاً خاصاً بالعمارة والبناء، كان يحفز الناصر ويذكي رغبته في إقامة هذه الضاحية الملوكية، وقد كانت المنشآت والهياكل العظيمة على كر العصور مظهر الملك الباذخ، والسلطان المؤثل، وقد نسبت إلى الناصر في ذلك أبيات قالها في هذا المعنى: همم الملوك إذا أرادوا ذكرها ... من بعدهم فبألسن البنيان أو ما ترى الهرمين قد بقيا وكم ... مُلْك محاه حوادث الأزمان إن البناء إذا تعاظم شأنه ... أضحى يدل على عظيم الشان

стр. 429

وهكذا اختطت الزهراء في ساحة تقع شمال غربي قرطبة، على قيد خمسة أميال أو ستة منها، في سفح جبل يسمى جبل العروس (١). وكان البدء في بنائها في فاتحة المحرم سنة خمس وعشرين وثلثمائة (نوفمبر سنة ٩٣٦ م). وعهد الناصر إلى ولده وولي عهده الحكم، بالإشراف على بناء العاصمة الجديدة (٢)، وحشد لها أمهر المهندسين والصناع والفنانين من سائر الأنحاء، ولا سيما من بغداد وقسطنطينية (٣). وجلب إليها أصناف الرخام الأبيض والأخضر والوردي من ألمرية وريُّه، ومن قرطاجنة إفريقية وتونس، ومن الشام وقسطنطينية، وجلب إليها من سواري الرخام أربعة آلاف وثلاثمائة وأربعة وعشرين سارية (٤). وكان يشتغل في بنائها كل يوم من العمال والفعلة عشرة آلاف رجل، ومن الدواب ألف وخسمائة، ويعد لها من الصخر المنحوت نحو ست آلاف صخرة في اليوم؛ وقدرت النفقة على بنائها بثلثمائة ألف دينار كل عام طوال عهد الناصر، أعني مدى خمسة وعشرين عاماً، هذا عدا ما أنفق عليها في عهد ولده الحكم (٥). وابتنى الناصر في حاضرته الجديدة قصراً منيف الذرى، لم يدخر وسعاً في تنميقه وزخرفته، حتى غدا تحفة رائعة من الفخامة والجلال، تحف به رياض وجنان ساحرة، وأنشأ فيه مجلساً ملوكياً جليلا سمي بقصر الخلافة، صنعت جدرانه من الرخام المزين بالذهب، وفي كل جانب من جوانبه ثمانية أبواب، قد انعقدت على حنايا من العاج والأبنوس المرصع بالذهب والجوهر، وزينت جوانبه بالتماثيل والصور البديعة، وفي وسطه صهريج عظيم مملوء بالزئبق، وكانت الشمس إذا أشرقت على ذلك المجلس سطعت جوانبه بأضواء ساحرة (٦). وزود الناصر مقامه في قصر الزهراء، وهو الجناح الشرقي المعروف بالمؤنس بأنفس التحف والذخائر، ونصب فيه الحوض الشهير المنقوش بالذهب، الذي أهدي إليه من قيصر

стр. 430

قسطنطينية، والذي جلبه من هنالك إلى قرطبة، ربيع الأسقف. وجلب إليه الوزير أحمد بن حزم من الشام حوضاً ثانياً رائعاً، يقوم عليه اثنا عشر تمثالا من الذهب الأحمر المرصع بالجواهر، وهي تمثل بعض الطيور والحيوانات وتقذف الماء من أفواهها إلى الحوض (١). وقد دون هذه الروايات والأوصاف العجيبة، التي تشبه أوصاف قصور ألف ليلة وليلة المسحورة، عن قصر الزهراء، أكثر من مؤرخ معاصر وشاهد عيان، وأجمعت الروايات على أنه لم يبن في أمم الإسلام مثله في الروعة والإناقة والبهاء (٢). وأنشأ الناصر في الزهراء أيضاً مسجداً عظيماً، تم بناؤه في ثمانية وأربعين يوماً. وكان يعمل فيه كل يوم ألف من العمال والصناع والفنانين، وزوده بعمد وقباب فخمة، ومنبر رائع الصنع والزخرف، فجاء آية في الفخامة والجمال (٣). وأنشئت بها مجالات فسيحة للوحوش متباعدة الساح، ومسارح للطير مظللة بالشباك، ودار عظيمة لصنع السلاح، وأخرى لصنع الزخارف والحلي (٤). والخلاصة أن الناصر أراد أن يجعل من الزهراء قاعدة ملوكية حقة، تجمع بن فخامة الملك الباذخ، وصولة السلطان المؤثل، وعناصر الإدارة القوية المدنية والعسكرية. واستمر العمل في منشآت الزهراء طوال عهد الناصر، أعني حتى وفاته في سنة خمسين وثلثمائة، واستمر معظم عهد ابنه الحكم المستنصر، واستغرق بذلك من عهد الخليفتين زهاء أربعين سنة (٥)؛ ولكنها غدت منزل الملك والخلافة مذ تم بناء القصر والمسجد في سنة تسع وعشرين وثلثمائة، وبذا كانت (إلى جانب قرطبة) أول منزل للخلافة الإسلامية بالأندلس. وقد انتهت إلينا عن هذه الضاحية الملوكية الشهيرة أوصاف وأرقام مدهشة، تنبىء عما كانت عليه من الضخامة. فقد ذكر ابن حيان مؤرخ الأندلس أن الزهراء كانت تشغل مسطحاً قدره تسعمائة وتسعون ألف ذراع، وأن مبانيها اشتملت على أربعة آلاف سارية ما بين صغيرة وكبيرة، منها ما جلب من مدينة

стр. 431

رومة، ومنها ما أهداه قيصر قسطنطينية، وأن مصاريع أبوابها كانت تبلغ زهاء خمسة عشر ألفاً، وكلها ملبسة بالحديد والنحاس المموه. وذكر مؤرخ آخر أن عدد الفتيان بالزهراء ثلاثة عشر ألفاً وسبعمائة وخمسين فتى، وعدد النساء والحشم بالقصر ستة آلاف وثلثمائة، يصرف لهم في اليوم ثلاثة عشر ألف رطل من اللحم، سوى الدجاج والحجل وغيرها (١). قد لا نجد في المنشآت الملوكية الحديثة ما يذكرنا بهذه الأرقام المدهشة، سوى القصر البابوي أو قصر الفاتيكان الشهير برومة، وما انتهى إليه خلال العصور المتعاقبة من الضخامة والفخامة والجلال، فإن هذا المقام الكنسي الملوكي الفخم، يحتوي على أربعة آلاف غرفة، وعلى مئات الأبهاء والساحات والأروقة، ويضم عدة أجنحة ومجالس رائعة، أسبغ عليها أبدع ما عرف الفن الرفيع من آيات الزخرف والنقش والتصوير. ويحدثنا الرحالة البغدادي ابن حوقل عن الزهراء - وقد زارها أيام الحكم ولد الناصر - فيصف موقعها، ويقول " إن العمارة اتصلت بينها وبين قرطبة، وإن لها مسجداً جامعاً دون جامع البلدة (قرطبة) في المحل والقدر، وعلى سورها سبعة أبواب حديد، وليس لها نظير بالمغرب فخامة حال وسعة تملك، وابتذال لجيد الثياب والكسى، وفراهة الكراع وكثرة التحلي، وإن لم يكن لها في عيون كثير من الناس حسن بارع " (٢). ولكن الزهراء لم تعمر طويلا كقاعدة ملوكية، فقد لبثت قاعدة الملك والخلافة زهاء أربعين عاماً فقط، مذ نزل بها الناصر سنة ٣٢٩ هـ حتى نهاية عهد ابنه الحكم المستنصر سنة ٣٦٦ هـ، ولم يكن ذلك لأن الزهراء قد عفت كقاعدة ملوكية، ولكن لأن تحولا خطيراً قد وقع في سلطان بني أمية عقب وفاة الحكم، إذ استطاع الوزير محمد بن أبي عامر (الحاجب المنصور) أن يتغلب على الدولة وأن يحجر على الخليفة هشام المؤيد ولد الحكم حسبما نفصل بعد؛ ثم رأى أن ينقل قاعدة الحكم إلى ضاحية ملوكية جديدة أنشأها لنفسه بجوار قرطبة (سنة ٣٦٨ هـ) على نهر الوادي الكبير وسماها الزاهرة، ونقل إليها خزائن الأموال والأسلحة ودور الحكومة، واتخذ لنفسه سمة الملك، وتسمى بالحاجب المنصور.

стр. 432

وهكذا فقدت الزهراء صفتها كقاعدة رسمية، وشاءت الأقدار ألا تكون منزل الملك والخلافة إلا في عهد مؤسسها، وعهد خلفه الذي أكمل بناءها. وكان قيام الحاجب المنصور في الواقع خاتمة لسلطان بني أمية، ولم يبق بعد ذلك من دولتهم سوى الإسم. وقد بقيت الزهراء حيناً مقاماً ملوكياً للخليفة المحجور عليه - هشام المؤيد - ولكنها فقدت من ذلك الحين أهميتها السياسية وهيبتها الملوكية. ثم كانت المحنة الكبرى بانهيار هذا الصرح البديع الذي شاده بنو أمية بالأندلس، وانهيار الخلافة الأموية والدولة العامرية معاً، وسقوط الأندلس صرعى الحرب الأهلية. ففي ربيع الأول سنة ٤٠١ هـ (نوفمبر سنة ١٠١٠ م) زحفت قوات البربر ومعها سليمان المستعين زعيم الثورة الأموية على قرطبة لينتزعها من الخليفة هشام المؤيد، والفتى واضح الحاجب المتغلب عليه، واقتحموا في طريقهم مدينة الزهراء، وفتكوا بحاميتها وسكانها، وعاثوا في معاهدها ورياضها، وأحرقوا المسجد والقصر، ولبثوا فيها بضعة أشهر. والظاهر أن الضربة كانت قاضية فلم يبق من الضاحية الملوكية الباهرة بعد أن غادروها سوى أطلال دارسة. ولا يكاد اسم الزهراء، يذكر بعد ذلك في التاريخ الأندلسي، إلا كأثر عصفت به صروف الدهر، وقد كانت الزهراء أيام روعتها وازدهارها، وحي الشعر الرائع والخيال الرفيع، وقد أشاد بجمالها وفخامتها، جمهرة من أكابر شعراء الأندلس وأمراء البيان، ثم رثوها بعد ذلك في مقطوعات مؤثرة. ومما قاله ابن زيدون وهو من أعظم شعراء عصر الطوائف، يشيد بالزهراء، ورائع ذكرياتها: خليلي لا فطر يسرُّ ولا أضحى ... فما حال من أمسى مشوقاً كما أضحى لئن شاقني شرق العقاب فلم أزل ... أخص بمخصوص الهوى ذلك السفحا معاهد لذات وأوطان صبوة ... أجلت المعلى في الأماني بها قدحا ألا هل إلى الزهراء أوبة نازح ... تقضت مبانيها مدامعه نزحا مقاصير ملك أشرقت جنباتها ... فخلنا العشاء الجون أثناءها صبحا يمثل قرطيها لي الوهم جهرة ... فقبتها فالكوكب الرحب فالسطحا محل ارتياح يذكر الخلد طيبه ... إذا عز أن يصدى الفتى فيه أو يضحا

стр. 433

هناك الحمام الزرق تندى خفافها ... ظلال عهدت الدهر فيها فتى سمحا تعوضت من شدو القيان خلالها ... صدى فلوات قد أطار الكرى صبحا (١) ونقل إلينا الشيخ محيى الدين بن عربي (٢) أبياتاً، قال إنه قرأها على بعض جدران الزهراء بعد خرابها، رثاء في المدينة الشهيرة وهي: ديار بأكناف الملاعب تلمع ... وما إن بها من ساكن وهي بلقع ينوح عليها الطير من كل جانب ... فيصمت أحياناً وحيناً يرجع فخاطبت منها طائراً متغرداً ... له شجن في القلب وهو مروع فقلت على ماذا تنوح وتشتكي ... فقال على دهر مضى ليس يرجع ويرثى الفتح بن خاقان معاهد الزهراء خلال رواية نقلها عن جولة لبعض الكبراء في تلك الأطلال: " وآثار الديار قد أشرفت عليهم كثكالي ينحن على خرابها، وانقراض أطرابها، والوهى بمشيدها لاعب، وعلى كل جدار غراب ناعب، وقد محت الحوادث ضياءها، وقلصت ظلالها وأفياءها، وطالما أشرقت بالخلائف وابتهجت، وفاحت من شذاهم وأرجت، أيام نزلوا خلالها، وتفيأوا ظلالها، وعمروا حدائقها وجناتها، ونبهوا الآمال من سناتها، وراعوا الليوث في آجامها، وأخجلوا الغيوث عند انسجامها، فأضحت ولها بالتداعي تلفع واعتجار، ولم يبق من آثارها إلا نؤى وأحجار، وقد هوت قبابها، وهرم شبابها، وقد يلين الحديد، ويبلى على طيه الجديد ... " (٣). وكانت أطلال الزهراء ما تزال قائمة حتى القرن السابع الهجري (القرن الثالث عشر). وقد ذكرها الشريف الإدريسي في معجمه الجغرافي الذي وضعه في منتصف القرن السادس الهجري (منتصف القرن الثاني عشر)، وذكر أن بينها وبين قرطبة خمسة أميال (٤)؛ وذكرها أيضاً ياقوت الحموي في معجمه الجغرافي الذي

стр. 434

وضعه في أوائل القرن السابع الهجري (١). وفي شوال سنة ٦٣٣ هـ (١٢٣٦ م) كانت نكبة الأندلس ونكبة الإسلام، بسقوط قرطبة في أيدي الإسبان؛ فطويت بذلك أسطع صحف الإسلام وصحف الخلافة في الأندلس. وكانت قرطبة قد فقدت أهميتها السياسية منذ الثورة وسقوط الدولة الأموية، ولكنها لبثت بعد ذلك عصراً تحتفظ بهيبتها الخلافية القديمة. ومن المرجح أن أطلال الزهراء بقيت بعد سقوط قرطبة في أيدي الإسبان عصراً يصعب تحديده، غير أن قرطبة فقدت في ظل سادتها الجدد صبغتها ومعالمها الإسلامية بسرعة، ولم يبق اليوم من آثارها وصروحها الإسلامية سوى مسجدها الجامع، الذي ما يزال بالرغم من تحويله إلى كنيسة جامعة، يحتفظ إلى اليوم بكثير من روعته الإسلامية السالفة. * * * هذا وما زالت سيرة مدينة الزهراء وذكريات فخامتها الذاهبة، تحتل المقام الأول في تاريخ إسبانيا المسلمة الأثري والفني. وقد اهتم العلماء الإسبان منذ نحو قرن بالكشف عن معالمها وأطلالها، لما يلقيه ذلك الكشف من أضواء هامة على أحوال الخلافة الأندلسية ونظمها الإدارية والاجتماعية، وعلى تطور الفن الأندلسي في أزهي عصوره. وعنيت الحكومة الإسبانية منذ بداية القرن الحالي، بإجراء الحفريات الأثرية للكشف عن صروح المدينة الخلافية. وبالرغم من أن جهود اللجان الأثرية المتعاقبة التي اضطلعت بهذا العمل، لم تكن متواصلة أو ذات نطاق واسع، فقد استطاع الأثريون الإسبان أن يكشفوا عن كثير من معالم الزهراء، ومواقع صروحها، وأبهائها الملوكية. وقد أتيح لنا أن نزور معالم الزهراء وأطلالها غير مرة، خلال زياراتنا لعاصمة الخلافة القديمة (٢). وتقع هذه الأطلال الضخمة غربي قرطبة على بعد نحو سبعة أميال منها، وشمالي نهر الوادي الكبير على قيد ميلين، وتحتل منحدراً صخرياً وعراً يقع أسفل الأكمة التي يحتلها دير سان خيرنمو San Jeronimo الشهير، الذي يقال إنه بني بأنقاض قصر الزهراء. وتسمى هذه المنطقة التي تحتلها أطلال الزهراء " قرطبة القديمة " Cordoba la vieja.

стр. 435

وتشمل الحفريات الأثرية التي يقوم بها العلماء الإسبان منذ سنة ١٩١٠ منطقة واسعة، تمتد ١٥١٨ متراً من الشرق إلى الغرب و٧٤٥ متراً من الشمال إلى الجنوب. ومع أن هذه المنطقة لم تكشف كلها فإن ماكشف حتى الآن من الأطلال الضخمة، ومن نقوشها وزخارفها التي مازال بعضها قائماً في بعض الجدران، والتي تتمثل بالأخص في مئات القطع الرخامية الزخرفية التي وجدت، يكفي لتكوين فكرة عامة، عن هندسة المدينة الملوكية ومنعتها وفخامة صروحها الذاهبة. وتنقسم أطلال الزهراء بصفة عامة إلى مجموعات ثلاث، مدرجة من أعلى إلى أسفل. وتشمل المجموعة الأولى مواقع القصر الخليفي والمقام الخاص. وتشمل الثانية فيما يبدو مساكن الحاشية والحرس. وتشمل المجموعة الثالثة، وهي الواقعة أسفل الربوة، في بسيط معتدل من الأرض، أربعة أفنية كبيرة عالية، هي التي يجرى اليوم ضمها وإعادة تشكيلها، فيما يظن أنه البهو العظيم الذي كان مخصصاً لاستقبال الملوك وأكابر السفراء. وقد تم الكشف عن هذا البهو الذي يعتبر أعظم ما كشف حتى اليوم من آثار الزهراء في سنة ١٩٤٤ م، ووجدت سائر حطامه وزخارفه مدفونة تحت الأنقاض. ويعكف الأثريون الإسبان منذ أعوام على إقامة الصرح وتنسيقه، مما وجد من أنقاضه وأعمدته وزخارفه. وقد أقيم حتى اليوم في وسطه ما اصطلح على تسميته " بهو السفراء " أو باسمه التاريخي " المجلس المؤنس "، وهو عبارة عن أربعة أفنية متلاصقة تبلغ واجهتها نحو أربعين متراً، وقد قسمت من الداخل إلى ثلاث أروقة مستطيلة، يتوسطها رواق رابع ذو عقود من الجانبين. ويقوم كل فناء منها على خمسة عقود، وقد ركب على هذه العقود ما وجد بين الأطلال من رؤوس وقواعد رخامية مزخرفة، وفي وسط الرواق الثالث عقد جميل عال يفضي إلى بهو داخلي، زين جانباه بالزخارف الرخامية. ويبلغ طول كل رواق من الأروقة المذكورة نحو عشرين متراً، وعرضه نحو ثمانية أمتار. وقد صنعت العقود كلها على نمط واحد، وزينت من أعلاها بما أمكن جمعه من قطع الزخارف الرخامية التي وجدت. وقد شيدت هذه الأروقة على ارتفاع يبلغ نحو عشرة أمتار. وقد كشفت الحفريات الأخيرة عن مجموعة جديدة من الأطلال تقع أعلى هذه الأبهاء من اليسار، وهي عبارة عن مجموعة من الغرف السكنية وبهو مستطيل.

стр. 436

وهي لا تفترق كثيراً عن غيرها من المجموعات الأخرى المماثلة من حيث التخطيط، ولكنها تكشف لنا عن حقائق معمارية وفنية هامة، فهي المجموعة الوحيدة التي وجد بها أثر الدهان واضحاً. وقد تبين أن لون الدهان الذي كان مستعملا في هذه المجموعات من المساكن (مساكن الحاشية) هو اللون الأحمر، يحف به على ارتفاع نحو متر ونصف خط أبيض، يعلوه خط أحمر، وتبين كذلك أن البلاط المستعمل في تغطية أرض الغرف هو أيضاً أحمر اللون، وهو قطع مربعة يبلغ ضلع الواحدة منها أربعن سنتمتراً. وتبين أخيراً أن الأحجار المستعملة في أسفل البناء، هي أحجار كبيرة بعضها يبلغ طوله نحو ٨٠ سنتيمتراً وعرضه ٤٠ سنتيمتراً. وإلى جانب هذه المجموعات الجديدة من أطلال الزهراء، توجد المجموعات القديمة، وهي تشمل موقع القصر الخليفي والجدار الشمالي، والفناءين التوأمين المتصلين بالمنحدر، والفناء الصغير المتصل بقصر الخلفاء، ومجموعة من مساكن الحرس. وترجع منطقة الجدار الشمالي إلى عصر الناصر ذاته، وهي من منشآته في المرحلة الأولى من بناء الزهراء، وقد أصلحت على امتداد سبعين متراً. وهذا الجزء من الجدار أمتن وأحكم صنعاً، من قسمه الذي بني فيما بعد في عهد الحكم المستنصر. أما عن الفناءين المتماثلين أو الفناءين التوأمين، فيقع أولهما على بعد ثمانية أمتار أسفل القصر الخليفي، ويشتمل كل منهما على بهو كامل، وهناك ما يدل على أن كلا منهما كان يحتوي على مجموعة من المساكن المتماثلة المخصصة لسكنى طائفة هامة من البطانة أو الجند. ويشغل الفناء الغربي رقعة ضخمة مربعة تقريباً تبلغ مساحتها نحو خمسمائة متر، وبه أيضاً بقايا أبنية سكنية. بيد أنه لم يكتشف في هذه المنطقة أبواب أو مداخل تكشف عن حقيقة نوع هذه الأبنية، والظاهر أن الفناء الشرقي كان موقع مسكن " للحريم "، أو بعبارة أخرى كان جناحاً للقصر الذي تسكنه النساء والأولاد حسبما تدل على ذلك آثار أبنيته ومرافقه. وعثر المكتشفون إلى جانب هذه المجموعات الضخمة من أطلال المدينة الخليفية، بطائفة كبيرة من القطع الزخرفية والعقود والأعمدة والألواح والأحواض الرخامية، ومئات من القطع والأواني الزخرفية والبللورية، وقد جمعت كلها في متحف خاص أقيم عند مدخل " مدينة الزهراء "، وعرضت فيه بعض القطع

стр. 437

والأحواض الرخامية البديعة الزخرف والنقوش، وبعض الأواني الخزفية والبللورية المصححة، وهذا إلى ما يوجد من تحف الزهراء ونقوشها الزخرفية بمتحف قرطبة الأثري، وفي مقدمتها الوعل البرونزي الشهير الذي يعتبر من أروع القطع الفنية. نقول، ولعل حفائر الزهراء المستقبلة تكشف لنا عن معالم كثيرة أخرى من ضروب الفخامة والجلال، التي كانت تتسم بها المدينة الخلافية، والتي تحدثنا عنها الروايات المعاصرة (١). هذا ولم ينس الناصر أن يشمل المسجد الجامع بعنايته، أسوة بسائر أسلافه من بني أمية، فجدد واجهته، وزاد فيه زيادات كبيرة (٣٤٦ هـ - ٩٥٧ م). وكان قبل ذلك قد هدم منارته القديمة، وأنشأ مكانها المنارة العظمى، وذلك في سنة ٣٤٠ هـ (٩٥١ م). وكانت منارة الناصر تمتاز بفخامتها وارتفاعها الشاهق، وكانت مربعة الواجهات، ولها أربعة عشرة شباكاً ذات عقود، وتحتوي على سلمين أحدهما للصعود، والآخر للنزول، وقد ركب في قمتها ثلاث تفاحات كبيرة، إثنتان منها من الذهب، والثالثة من الفضة (٢)، وكانت إذا أرسلت الشمس أشعتها عليها، تكاد تخطف الأبصار ببريقها. وقد أزال الإسبان فيما بعد، تلك المنارة العظيمة، تتمة لبرنامجهم في تشويه المسجد الجامع، وأقاموا مكانها برج الأجراس الحالي. وما زالت اللوحة التي تنوه بما قام به الناصر من تجديد واجهة الجامع قائمة إلى اليوم، في مكانها في الجانب الأيمن من بابه الرئيسي المسمى "باب النخيل" (٣) وقد كتب بها ما يأتي بخط كوفي جميل: " بسم الله الرحمن الرحيم. أمر عبد الله عبد الرحمن أمير المؤمنين الناصر لدين الله أطال الله بقاءه، ببنيان هذا الوجه، وإحكام إتقانه، تعظيماً لشعائر الله،

стр. 438

ومحافظة على حرمة بيوته، التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ولما دعاه على ذلك من تقبل عظيم الأجر، وجزيل الذخر، مع بقاء شرف الأثر، وحسن الذكر، فتم ذلك بعون الله، في شهر ذي الحجة سنة ست وأربعين وثلث مائة على يد مولاه ووزيره وصاحب مبانيه عبد الله بن بدر، عمل سعيد بن أيوب " (١). - ٢ - تولى عبد الرحمن الناصر عرش مملكة تفاقمت من حولها الخطوب، واستنفدت مواردها الثورة، فتداركها بعزمه وقوة نفسه، واستطاع أن يسحق خصومها في الداخل والخارج، في سلسلة طاحنة من الحروب والغزوات المستمرة، وأن يوطد دعائمها وأن يخضع الجزيرة لصولتها، وأن يكفل لها الأمن والسكينة والرخاء. ولم يفت الناصر منذ البداية أن الجيش عماد الدولة وسياج الملك، فعكف على إصلاح الجيش الذي أضناه الكفاح ضد الثورة، وحشد له الجند من سائر أنحاء الأندلس والمغرب، واستكثر من الأسلحة والذخائر، وصقلت الحروب والغزوات المستمرة كفاية الجيش ودربته، وأمدته بطائفة من أمهر القادة وأشدهم بأساً، ورفعت القوة المعنوية بين الصفوف، وكان إقدام الأمير على تولي القيادة بنفسه مجدداً لعهد الحماسة الحربية والانتصارات الباهرة. وعنى عبد الرحمن في الوقت نفسه بأمر الأسطول وإصلاحه، فأنشأ له وحدات جديدة قوية. وكانت ألمرية عندئذ مركز الأسطول الأندلسي الرئيسي، وبها أكبر دار للصناعة. وبلغ الأسطول في عهد الناصر زهاء مائتي سفينة مختلفة الأنواع والأحجام، وهذا عدا الأسطول المخصص لشئون المغرب البحرية، وقد كان يضم كذلك عدداً كبيراً من السفن. وهكذا كان أسطول الأندلس في ذلك العهد من أقوى الأساطيل يومئذ، وكان بضخامته وأهباته، يسيطر على مياه إسبانيا الجنوبية والشرقية، وينازع الفاطميين سيادة الشق الغربي من البحر المتوسط. وكان عهد الناصر بالرغم من استمرار الحروب والغزوات، كما قدمنا عهد رخاء ويسر، توطدت فيه مالية الدولة وامتلأت خزائنها بالأموال الوفيرة، وزاد الخراج والدخل زيادة عظيمة باستتباب السكينة والأمن، وازدهار الزراعة والتجارة والصناعة، وكثرة الأخماس والغنائم. وإن فيما احتوته الزهراء من القصور

стр. 439

والمنشآت الباذخة، وما بذل لإقامتها من النفقات مدى أعوام طويلة، لما يستوقف النظر، ويحمل على تأمل ذلك المدى المدهش الذي بلغته الدولة الأموية بالأندلس في عهد الناصر من القوة والضخامة والغنى. وقد انتهت إلينا في ذلك أرقام مدهشة، منها أن جباية الأندلس بلغت في عهد الناصر من الكور والقرى خمسة آلاف ألف وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستين ألف دينار، هذا عدا أخماس الغنائم التي لا تحصى. وقيل إن الناصر خلف عند وفاته في بيوت الأموال ما تبلغ قيمته خمسة آلاف ألف ألف (خمسة آلاف مليون) دينار. وكان يقسم الجباية من أجل النفقة إلى ثلاثة أثلاث: ثلث لنفقة الجيش، وثلث للبناء والمنشآت العامة، وثلث يدخر للطوارئ (١). ولم يتردد المؤرخ الحديث في قبول هذه الأرقام حتى أن العلامة دوزي ينقلها، ويقدر أن الناصر ترك عند وفاته في بيت المال عشرين مليوناً من الذهب (٢). ويقول لنا ابن حوقل الرحالة البغدادي الذي زار قرطبة في هذا العهد، إن الناصر كان أغنى ملوك عصره، وإنه وبني حمدان ملوك حلب والجزيرة أغنى ملوك العالم في ذلك العصر (٣). وهذه أرقام وروايات تشهد بضخامة الدولة الأموية وغناها الطائل في عصر الناصر، وتفسر لنا كيف استطاع الناصر إلى جانب حروبه وغزواته، أن يضطلع بكثير من المنشآت العظيمة. هذا، وقد كان مما عنى به الناصر تنظيم العملة، وتثبيتها، فأمر في سنة ٣١٦ هـ، باتخاذ دار السِّكة داخل مدينة قرطبة لضرب العين من الدنانير والدراهم، فاتخذت هناك على رسمه، وولى خطتها أحمد بن محمد بن حدير، وذلك في ١٧ من شهر رمضان من هذه السنة، فقام بالضرب فيها من هذا التاريخ، من خالص الذهب والفضة، وبذل جهده في الاحتراس من المدلسين، فأصبحت دنانيره ودراهمه عياراً محضاً. وقد كان ضرب النقد معطلا قبل الناصر، وكان لهذا الإجراء أثره في تثبيت العملة واستقرار التعامل (٤).

стр. 440

وبلغت الأندلس في عهد الناصر ذروة الرخاء والنعماء والأمن والعزة، وازدهرت الزراعة والتجارة والصناعة والعلوم والآداب والفنون، وشمل الأمن سائر أطراف المملكة، ورخصت كلفة العيش. ونمت قرطبة نمواً عظيماً حتى بلغ سكانها أكثر من خمسمائة ألف، وبلغت مساجدها ثلاثة آلاف، ومنازلها أكثر من مائة ألف، وحماماتها العامة ثلاثمائة، وبلغت أرباضها أو ضواحيها ثمانية وعشرين، هذا عدا المدينة الوسطى، وكان لقرطبة يومئذ سبعة أبواب: باب القنطرة، وباب اليهود، وباب عامر، وباب العطارين، وباب طليطلة، وباب عبد الجبار، وباب الجوند. وكان للقصر الأموي ستة أبواب: باب السُّدة، وباب الجنان، وباب العدل، وباب الصناعة، وباب الملك، وباب الساباط، وهو في المسجد الجامع. وازدانت قرطبة بعدد كبير من القصور والمتنزهات الفخمة، ودوت شهرتها في الآفاق، ووصلت إلى قاصية الشمال، حتى أن الراهبة السكسونية هروسوفيتا التي اشتهرت بنظمها في أواخر القرن العاشر، أشادت في قصائدها اللاتينية بمحاسن قرطبة ووصفتها بأنها " زينة الدنيا " (١). - ٣ - كانت سياسة الدولة الأموية بالأندلس تقوم منذ البداية على اصطناع الموالي والصقالبة واتخاذهم أداة وبطانة، وكان مؤسسها عبد الرحمن الداخل قد عمد بتأثير الظروف العصيبة التي أحاطت بقيام ملكه، والخطوب والثورات الجمة التي أثارها خصومه ومنافسوه من زعماء القبائل العربية، إلى الاسترابة بالعرب، واصطناع البربر والموالي الذين آزروه وقت المحنة، ومكنوه من توطيد زعامته وإمارته. وقد حافظ خلفاء الداخل على هذه السياسة في جوهرها. ومنذ عهد الحكم المنتصر (١٨٠ - ٢٠٦ هـ) نرى نفوذ الموالي والصقالبة يشتد في البلاط وفي الدولة. وكان الحكم يعشق مظاهر الفخامة والملك والبذخ، فغص البلاط الأموي في عهده بالخدم والحشم، من المماليك والصقالبة، بيد أن نفوذهم لبث مدى حين بعيداً عن شئون الدولة العليا، قاصراً على شئون القصر والخاص. واقتفى عبد الرحمن الناصر سياسة جده الداخل، في الاسترابة بالقبائل

стр. 441

خريطة: خطط قرطبة الإسلامية. خريطة العلامة الأثري القرطبي رافائيل كستيخون.

стр. 442

العربية ذات البأس والعصبية، وفي إقصاء زعمائها عن مناصب النفوذ والثقة، واستأثر بكل سلطة حقيقية في الدولة، وجمع مقاليد الحكم كلها في يده، فلم يبق سلطة فعلية لحاجب أو وزير. وكان الناصر حريصاً على سلطانه المطلق، لايني عن سحق كل من حدثته نفسه بالوقوف في سبيله، ولو كان أقرب الناس إليه. ولما نمى إليه أن ولده عبد الله يأتمر به مع بعض فتيان القصر ورجال الدولة، لأنه آثر أخاه الحكم بولاية العهد وتصريف الشئون، وأن جماعة من أهل قرطبة بايعوه بالخلافة، لم يحجم عن أن يقضي بإعدامه، وإعدام جميع من اتجهت إليهم شبهة الاشتراك معه، وكان ذلك في سنة ٣٣٨ هـ (٩٤٩ م). وكان عبد الله من أفضل أبناء الناصر علماً وعقلا وبصراً بالأمور، وكذلك قضى الناصر بإعدام بعض أبناء عمومته وأخيه القاضي ابن محمد حين قامت الأدلة على ائتمارهم به (١). وعهد الناصر بالمناصب الكبيرة إلى رجال وضيعي المنبت من الصقالبة والموالي المعتقين أو الأرقاء، وهم رجال لا إرادة لهم يوجههم كيفما شاء، وكان يثق بالصقالبة بنوع خاص، ويوليهم من السلطان والنفوذ ما لا يوليه سواهم (٢). وقد كانت كلمة " الصقالبة " تطلق في الأندلس على الأسرى والخصيان من الأجناس الصقلبية (السلافية) الحقيقية، ثم غدت تطلق بمضي الزمن على جميع الأجانب الذين يعملون في البطانة وفي القصر. وكان أولئك الصقالبة مزيجاً من الجليقيين (النصارى الإسبان) والألمان والفرنسيين واللونبارد والإيطاليين (٣)، وكان معظمهم يؤتى بهم أطفالا بواسطة خوارج البحر (القراصنة) وتجار الرقيق، وكانوا يختارون من الجنسين، ويربون منذ الحداثة تربية عربية حسنة، ويلقنون مبادىء الإسلام، وقد نبغ بعضهم في النثر والنظم وصنفوا الكتب والقصائد. ومنذ عهد الناصر يشتد نفوذ الصقالبة في شئون الإدارة والحكم، فضلا عن القصر والخاص، ويعهد إليهم بالمناصب الكبرى في القصر والإدارة والجيش. وما لبث أن سما شأنهم وتوطد سلطانهم، وأحرزوا الضياع والأموال الوفيرة، وفاق عددهم في عهد الناصر أى عهد آخر، حتى قدر بعض المؤرخين عددهم

стр. 443

يومئذ في القصر والبطانة، بثلاثة عشر ألفاً وسبعمائة وخمسين، وبلغوا في رواية أخرى سبعة آلاف وثمانين ويقول لنا ابن الخطيب إن عدد الفتيان الصقالبة بمدينة الزهراء كان عند وفاة الناصر ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسين، وعدد النساء بالقصر ستة آلاف وسبعمائة وخمسين، تجري عليهم جميعاً رواتب الطعام بسائر صنوفه (١). وعلى أي حال فقد كان من أولئك الصقالبة الحرس الخليفي، ورجال الخاص والحشم، وكان الناصر يمد لهم في السلطان والنفوذ، ويرغم أشراف العرب وزعماء القبائل على الخضوع لهم، ليذل بذلك أنوفهم ويسحق هيبتهم (٢). بل كان منهم في عهد الناصر قائد الجيش الأعلى نجدة، ومعظم أكابر القادة والضباط، وكان منهم أفلح صاحب الخيل، ودرِّي صاحب الشرطة، ومنهم ياسر وتمام صاحبا النظر على الخاص (٣). وكان لهذه السياسة غير بعيد، أسوأ الأثر في انحلال الجيش وفتور قواه المعنوية، لما جاشت به صدور الضباط والجند العرب، من الحفيظة والسخط على هذه السياسة المهينة، وكانت هزيمة الناصر في موقعة الخندق الشهيرة (ألانديجا) (٣٢٧ هـ)، ترجع من وجوه كثيرة إلى هذا الانحلال المعنوي، الذي سرى إلى الجيش من جراء الأحقاد القومية والطائفية (٤). - ٤ - كانت الأندلس بما اجتمع لها في عهد الناصر من أسباب القوة والسلطان، قد تبوأت مركز الصدارة بين الدول الإسلامية، وكانت الدولة العباسية قد دخلت يومئذ في دور انحلالها، ولم تكن الدولة الفاطمية الفتية منافستها في المشرق، قد بلغت يومئذ ذروة قوتها ونفوذها، فكانت الأندلس تستأثر يومئذ بزعامة الإسلام. وكانت قرطبة مركز الجاذبية الدبلوماسية في العالم الإسلامي، تتجه إليها أبصار الدول النصرانية في طلب المودة، وعقد العلائق الدبلوماسية؛ وكانت قسطنطينية مركز هذه الجاذبية الدبلوماسية بين أمم النصرانية حتى القرن الثامن. ثم نافستها في ذلك مملكة الفرنج القوية مدى حين، فلما اضمحل شأن المملكة

стр. 444

الفرنجية، استردت قسطنطينية زعامتها الدبلوماسية في النصرانية. ولما قامت الإمبراطورية الجرمانية في القرن العاشر، استطاعت أن تبسط زعامتها السياسية على أواسط أوربا وغربيها، وهكذا كانت زعامة النصرانية تتردد في هذه الحقبة بين شرقي أوربا وغربيها. هذا بينما لبثت قرطبة تستأثر وحدها بزعامة الإسلام في الغرب حتى نهاية القرن العاشر. وقد كان هذا العصر الذي اجتمعت فيه تلك الزعامات الدينية والسياسية القوية، أحفل العصور بصلات الإسلام والنصرانية. فكانت ثمة معاهدات وسفارات ومراسلات وعلائق دبلوماسية، بين قرطبة وبين معظم الأمم النصرانية، وقد بلغت هذه الصلات ذروتها في عصر الناصر لدين الله، وتوالت وفود الأمم النصرانية يومئذ على بلاط قرطبة، تنشد الحلف والصداقة والمهادنة، من زعيم الإسلام في الغرب. وكان بلاط قسطنطينية بالرغم من نأيه عن مقر الخلافة الأندلسية، وعدم اتصاله بها، بأية حدود أو صلات جغرافية مشتركة، في مقدمة الساعين إلى توثيق الروابط الودية مع بلاط قرطبة. ففي سنة ٣٣٦ هـ (٩٤٨ م) (١)، وفدت على الناصر رسل قسطنطين السابع قيصر قسطنطينية المعروف " ببورفيروجنتوس " (٢) ومعهم طائفة من الهدايا النفيسة. وتقدم إلينا الرواية الأندلسية عن هذه السفارة تفاصيل شائقة، تلقي ضوءاً على نظم الرسوم الدبلوماسية في هذا العصر، فتقول لنا إن الناصر بعث رسله للقاء السفراء البيزنطيين حين وصولهم إلى الشاطىء لإرشادهم وخدمتهم، ولما وصل الركب إلى مقربة من قرطبة، بعث بعض قواته للاحتفاء بهم، ثم بعث الفتيين ياسراً وتماماً فصحباهم إلى دار الضيافة، بقصر ولي العهد الحكم، في ربض قرطبة، ومنعوا من لقاء الخاصة والعامة، ورتب لخدمتهم طائفة من الموالي والحشم. وفي اليوم الحادي عشر من

стр. 445

ربيع الأول من السنة المذكورة، خرج الناصر من قصر الزهراء إلى قصر قرطبة لاستقبالهم، وجلس في بهو المجلس الزاهر، وكان يوماً مشهوداً من أيام الأندلس. فركبت الجند بالسلاح في أكمل شكل، وزين القصر الخلافي بأنواع الزينة وأصناف الستور، وحفل السرير الخلافي بمقاعد الأبناء والإخوة والأعمام والقرابة، وجلس عن يمين الخليفة ولده وولي عهده الحكم، وجلس باقى أولاده يميناً وشمالا، ورتب الوزراء في مراتبهم، وغص المجلس برجال الدولة والقادة والعظماء والزعماء من كل ضرب. ودخل سفراء ملك الروم، فبهرهم ما رأوا من روعة الملك وفخامة السلطان، وقدموا الهدايا التي يحملونها. وذكر لنا الطبيب الأندلسي أبو داود سليمان بن حسان المعروف " بابن جُلجل " الذي عاش في عصر هشام المؤيد حفيد الناصر، أنه كان في مقدمة هدايا أرمانيوس ملك الروم إلى الناصر سفران جليلان من كتب الأقدمين، أحدهما نسخة مصورة أبدع تصوير من كتاب ديسقوريدس (١) عن الحشائش، مكتوبة بلغة مؤلفها أي باليونانية؛ والثاني نسخة من تاريخ أورسيوس (هروسيس) (٢) مكتوبة باللاتينية، وهو المتضمن لتاريخ العالم القديم، وأقاصيص الملوك السابقين (٣). وقدم الرسل كتاب القيصر قسطنطنين السابع، وقد كتب في ورق ذى لون سماوي باللغة اليونانية، وداخل الكتاب مدرجة مصبوغة ومكتوبة بنفس اللغة، فيها وصف لهدايا الإمبراطور، وعلى الكتاب طابع ذهبي، على إحدى وجهيه صورة للمسيح، وعلى الوجه الآخر صورة الإمبراطور قسطنطين، مصنوعة من الزجاج الملون البديع. وكان في ترجمة عنوان الكتاب في سطر منه: " قسطنطين ورومانين

стр. 446

المؤمنان بالمسيح الملكان العظيمان ملكا الروم " (١)، وفي سطر آخر صيغة التوجيه: " العظيم الإستحقاق للفخر، الشريف النسب عبد الرحمن الخليفة، الحاكم على العرب بالأندلس، أطال الله بقاءه ". وذكر لنا ابن جُلجل أن ملك الروم كتب إلى الناصر في شأن كتاب ديسقوريدس أنه لا تجني فائدته إلا بواسطة شخص يجيد اليونانية، وأنه لم يكن في قرطبة يومئذ من يحسن هذه اللغة، وأن الناصر كتب في خطابه إلى " أرمانيوس " فيما بعد، أن يرسل إليه برجل يتكلم اليونانية واللاتينية، فبعث إليه براهب يدعى نيقولا، فحظى عند الناصر، وتوفر على تفسير كتاب ديسقوريدس وشرح محتوياته لأطباء قرطبة. وأما كتاب أورسيوس المكتوب باللاتينية فقد كان في بلاط قرطبة من يجيدها (٢). وكان الناصر قد أمر أن يخطب الأعلام في ذلك الحفل، وأن يعظموا من شأن الإسلام والخلافة، وأن يشكروا نعمة الله على ظهور دينه، وإعزاز كلمته، وذلة أعدائه، واستعد بعض الخطباء لذلك، ولكن بهرهم هول المجلس فوجموا وأرتج عليهم القول، وكان منهم اللغوي الكبير أبو علي القالي وافد العراق وضيف الخليفة - وكان قد وفد على الأندلس في سنة ٣٣٠ هـ، ندبه الناصر لذلك تكريماً له وتقديراً لبلاغته، ولكنه ما كاد يبدأ خطابه، حتى بهت وتلعثم ثم صمت؛ فعندئذ نهض الفقيه منذر بن سعيد البلوطي دون استعداد ولا سابق توقع، وارتجل خطاباً بليغاً ضافياً يشيد فيه بعهد الناصر ومآثره، ثم أعقبه بقصيدة في نفس المعنى (٣)، فأثار بذلاقته وثبت

стр. 447

جنانه أيما إعجاب، وأكبر الناصر همته وعلمه، وكان هذا الخطاب المرتجل فاتحة مجده، فأغدق عليه الناصر عطفه، وولاه القضاء، وأصبح من رجال الدولة المشهورين. ومن شعر منذر بن سعيد في وصف ذلك الحفل المشهود قوله: مقالي كحد السيف وسط المحافل ... فرقت به ما بين حق وباطل بقلب ذكي ترتمي جمراته ... كبارق رعد عند رعش الأنامل فما دحضت رجلي ولا زل مقولي ... ولا طاش عقلي يوم تلك الزلازل وقد حدقت حولي عيون أخالها ... كمثل سهام أثبتت في المقاتل لخير إمام كان أو هو كائن ... لمقتبل أو في العصور الأوائل ترى الناس أفواجاً يؤمون بابه ... وكلهم ما بين راج وآمل وفود ملوك الروم وسط فنائه ... مخافة بأس أو رجاء لنائل فعش سالماً أقصى حياة مؤملا ... فأنت رجاء الكل حاف وناعل ستملكها ما بين شرق ومغرب ... إلى درب قسطنطين أو أرض بابل (١)

стр. 448

ولما انصرف رسل قسطنطين، بعث الناصر معهم سفيراً هو هشام بن هذيل بهدية حافلة، ليؤكد المودة ويوثق عرى التحالف بين قرطبة وقسطنطينية، فعاد بعد سنتين وقد أدى سفارته خير أداء، وعادت معه رسل قسطنطين (١). وتفيض الرواية الإسلامية في تفاصيل هذه السفارة إفاضة واضحة، ولكنها لا تلقى كبير ضوء على موضوعها وغايتها الحقيقية، وأكبر الظن أنها لم تكن إلا تجديداً لعلائق الدولة البيزنطية مع دولة الإسلام بالأندلس، وتوطيداً للصداقة القديمة التي رأى بلاط قسطنطينية أن يعقدها مع بلاط قرطبة منذ عهد عبد الرحمن ابن الحكم (٢) لتكون شبه تحالف ضد الدولة العباسية خصيمتهما المشتركة. وربما كانت ترى في الوقت نفسه إلى تنظيم الخطط المشتركة بين الدولتين، لمقاومة الدولة الفاطمية الفتية، التي بدأت تزعج البيزنطيين في أواسط البحر المتوسط، وتزعج حكومة قرطبة بتوغلها في المغرب الأقصى. ثم توالت سفارات ملوك النصرانية بعدئذ على الناصر فوفدت عليه رسل ملك الصقالبة وهو يومئذ الملك بيتر أو بطرس (٣)، فاحتفل بقدومهم كذلك وبعث معهم ربيعاً (ريفا) الأسقف سفيراً إلى ملكهم؛ ثم وفدت رسل ملك فرنسا وهو يومئذ لويس الرابع في طلب الصداقة والمودة، فأجابهم إلى ما طلبوا. على أن أهم سفارة تلقاها الناصر يومئذ، هي سفارة أوتو الأكبر إمبراطور ألمانيا، وقد كان أوتو يومئذ زعيم النصرانية، كما كان عبد الرحمن الناصر زعيم الإسلام. وتشير الرواية الإسلامية إلى تلك السفارة في غموض وإيجاز، وتصف أوتو بملك الصقالبة أو ملك " اللمان " وتسميه " هوتوا " أو " هوتو " (٤)، ولكنها تتفق مع الرواية الفرنجية في تاريخ هذه السفارة وهو سنة ٣٤٤ هـ الموافقة سنة ٩٥٦ م. ففي ذلك العام وفد على قرطبة سفير، وهو حبر يدعى يوحنا الجورزيني نسبة إلى الدير الذي ينتمي إليه في جورزني على مقربة من متز، وكان يوحنا من أكابر

стр. 449

العلماء وأقطاب البحث والمناظرة. والظاهر أنه قد وقعت فعلا قبل ذلك مراسلات كلامية بين الناصر وأوتو عن الإسلام والنصرانية، وأن الناصر قد عرض في بعض رسائله بالنصرانية وتعاليمها، فألفى أوتو الفرصة سانحة لأن يدافع سفيره العلامة الذلق عن قضية النصرانية لدى خليفة قرطبة (١). بيد أنه يبدو من أقول الروايات الكنسية أن هذه المهمة الجدلية، لم تكن إلا مهمة ثانوية إلى جانب موضوع سفارته الأصلية، وأن مهمته الحقيقية كانت تتعلق بشأن توغل المستعمرات العربية المغامرة، في جنوبي فرنسا وفي ليجوريا وسويسرة، وعيثها في تلك الأنحاء، بصورة تبث الرعب والروع إلى كثير من المدن والجماعات النصرانية، والاستعانة بنفوذ خليفة الأندلس الذي تنتمي إليه هذه المستعمرات من الناحية الأدبية، لوقف عدوانها وتوغلها (٢). وقدم يوحنا إلى قرطبة عن طريق الرون وقطلونية برفقة راهب آخر، ومعه طائفة نفيسة من الهدايا برسم الخليفة، فاستقبل بحفاوة، وأنزل في إحدى الدور الرسمية. ولكن الناصر لم يبادر باستقباله حين وقف على موضوع رسالته، ولم يقبل بالأخص أن تكون المسائل الدينية موضوع جدل بينهما. ولما ألح يوحنا في طلب المقابلة والمحادثة، أجاب الناصر بأنه سبق أن أرسل رسولا أسقفاً إلى أوتو فاعتقله مدى ثلاثة أعوام، وأنه سيعتقله أى يوحنا، أضعاف هذه المدة، لأنه أرفع مقاماً من ملك النصرانية. وأخيراً تقرر أن يرسل الناصر إلى ملك الألمان رسولا آخر يستوثق من عواطفه ونياته نحوه، وأن يبقي يوحنا معتقلا حتى يعود السفير. واختير لهذه السفارة كالعادة قس من رعايا الخليفة هو ربيع أو ريفا الأسقف، وكان عالماً متمكناً يشغل في البلاط منصباً هاماً، ويحبوه الناصر بعطفه وتقديره، لعلمه وجليل خدماته (٣)، فاخترق فرنسا إلى ألمانيا، ومثل لدى الإمبراطور أوتو في تورنجن، حيث كان ينفق معظم أوقاته. وكان أوتو يجوز يومئذ بعض المتاعب الداخلية من جراء ثورة ولده عليه، فأبدى تساهلا في قبول وجهات نظر الخليفة، وأكرم مثوى سفيره، وعاد ربيع الأسقف إلى قرطبة، بعد سنتين من سفره (٣٤٧ هـ - ٩٥٨ م). فارتاح الناصر لنتائج سفارته، وأذن برؤية يوحنا سفير

стр. 450

الإمبراطور، واستقبله بقصر قرطبة في احتفال فخم، ظهرت فيه روعة البلاط الأموي، وأفضى إلى الخليفة بموضوع سفارته. ولسنا نعرف ماذا كانت نتائج هذه السفارة، لأن الرواية العربية لا تحدثنا عن موضوعها، ولا تحدثنا الرواية الكنسية عن نتائجها. ولكن المرجح أن وجهة النظر التي أبدتها حكومة قرطبة لسفير الإمبراطور، فيما يتعلق بأمر المستعمرات العربية المغامرة، وغزواتها في غاليس وشمالي إيطاليا وسويسرة، أنها ليست لها علاقة بتلك المستعمرات، وأنها لا تتحمل تبعة أعمالها، ولا تستطيع أن تتدخل في شأنها، أو تبذل نصحها لأولئك المغامرين الخارجين عن طاعتها، وهو استنتاج يؤيده صمت الرواية العربية عن ذكر أخبار هذه المستعمرات، مما يدل على أن حكومة الأندلس، لم تكن ذات علائق رسمية بها، ولم تكن تعني بأمرها، وإن كانت بلا ريب تنظر إلى غزواتها وتوغلها في الأراضي النصرانية، بعين العطف والرضى. ولكن لوتبراند وهو مؤرخ كنسي معاصر، يؤكد لنا أن الخليفة كان يحمي هذه المستعمرات، ويمدها بالتشجيع والعون (١). بيد أن الرواية الكنسية تقدم إلينا بهذه المناسبة حديثاً طريفاً عن آراء الناصر في نظم الحكم، فقد وقف الناصر من مستشاريه أو من يوحنا نفسه على طرق نظام الحكم الإقطاعي السائد في ألمانيا، وما يتمتع به بعض الأمراء المحليين في ظل هذا النظام، من الاستقلال الداخلي، وأبدى ليوحنا اعتراضه على هذا النظام، قائلا إن ملككم أمير حكيم ماهر، ولكن في سياسته شيئاً لا أستسيغه، وهو أنه بدلا من أن يقبض بيديه على جميع السلطات، ينزل عن بعضها لأتباعه، ويترك لهم بعض ولاياته، معتقداً أنه يكسب بذلك، وهذا خطأ فادح، فإن مداراة العظماء لا يمكن إلا أن تزيد في كبريائهم، وتذكي رغبتهم في الثورة (٢). وفي ذلك ما يوضح لنا فكرة الناصر في الحكم المطلق، وسياسته في سحق أولي الشأن والعصبية من زعماء القبائل العربية، واعتماده على بطانة ذليلة من الفتيان الصقالبة والمولدين. تلك تفاصيل المراسلات والسفارة الشهيرة التي تبادلها أوتو الأكبر وعبد الرحمن الناصر، زعيما النصرانية والإسلام في عصرهما، بيد أنها لم تكن خاتمة الصلات

стр. 451

الدبلوماسية بين الناصر وملوك النصرانية. فقد تلقى الناصر كذلك في سنة ٣٤٤ هـ (٩٥٥ م) سفارة من أردونيو الرابع ملك ليون يرجو عقد السلام والمودة، فأجابه إلى طلبه؛ وأرسل في السنة التالية سفيره محمد بن الحسين إلى ليون، فعقد مع أردونيو معاهدة صادق عليها، ولكن حال دون تنفيذها منافسة سانشو لأخيه أردونيو. وفي سنة ٣٤٧ هـ (٩٥٨ م) وفدت طوطة ملكة نافار بنفسها إلى قرطبة، ومعها ولدها غرسية وسانشو أمير ليون، وطائفة من الأحبار والعظماء النصارى، فاستقبلهم الناصر في قصره بالزهراء استقبالا حافلا، وعقد السلم مع طوطة، وأقر ولدها ملكاً على نافار، ووعد سانشو بالعون على استرداد عرشه. ثم وفدت على الناصر رسل البابا يوحنا الثاني عشر في طلب السلم والمودة، بين الإسلام والنصرانية فأجابهم إلى ما طلبوا (١) , وكانت سفارة ذات مغزى واضح في الاعتراف بزعامة الناصر للعالم الإسلامي. وفي أخبار هذه السفارات المتبادلة بين زعيم الإسلام وملوك النصرانية، وفي تفاصيلها الشائقة، ما يلقى كبير ضوء على طبيعة التقاليد والرسوم الدبلوماسية في العصور الوسطى. - ٥ - وفي أوائل سنة ٣٤٩ هـ مرض الناصر من برد شديد أصابه، واحتجب حيناً، وأكب الأطباء على معالجته حتى تحسنت حالته نوعاً، وعاد إلى الجلوس في القصر، ولكنه أصيب بنكسة، وعاد إلى احتجابه، ولبث أشهراً تشتد به العلة حيناً، وتخف حيناً، حتى وافاه القدر المحتوم، في الثاني من شهر رمضان سنة ٣٥٠ هـ (١٥ أكتوبر سنة ٩٦١ م). وكانت وفاته بقصر الزهراء في الحادية والسبعين من عمره، واستطال حكمه زهاء خمسين عاماً، وهي أطول مدة حكمها خليفة من خلفاء الإسلام، إذا استثنينا عهد المستنصر بالله الفاطمي بمصر. وكان عبد الرحمن الناصر أعظم أمراء الإسلام في عصره، بل ربما كان أعظم أمراء عصره قاطبة. ولم تصل الدولة الإسلامية في الغرب، إلى ما وصلت إليه في عصر الناصر، من القوة والسؤدد والهيبة والنفوذ. وكان يتمتع بخلال باهرة قلما تجتمع في شخصية واحدة، سياسية وعسكرية وإدارية. وكان يشبه في

стр. 452

حزمه وصرامته وبعد نظره، بجده الأكبر عبد الرحمن الداخل (١). ويجمل ابن الأبار خواصه وخواص عصره في تلك العبارة: " وظهر لأول ولايته من يمن طائره، وسعادة جده، واتساع ملكه، وقوة سلطانه، وإقبال دولته، وخمود نار الفتنة على اضطرامها بكل جهة، وانقياد العصاة لطاعته، مما تعجز عن تصوره الأوهام " (٢). وتولى حجابته لأول ولايته مولاه بدر بن أحمد، وما لبث أن اصطفاه وأولاه كل ثقته، وفوض إليه الأمر والنهي، وجعله على حد قول المؤرخ " شمساً لملكه وبدراً " (٣). وولى أبناءه الثلاثة عبد الرحمن وعبد الله وإسماعيل مناصب في القصر والخاص. ولما توفي بدر بن أحمد في شهر رجب سنة ٣٠٩ هـ، ولى الناصر مكانه في الحجابة موسى بن محمد بن حُدير. وتولى وزارته عدة من أنبه رجال العصر، منهم أحمد بن محمد بن حُدير، وجَهْور بن عبد الملك، وعبد الله بن محمد الزجّالي. وتولى إدارة الشئون المالية عبد الملك بن جهور، وأحمد بن عبد الملك بن شُهَيد (٤). وأهدى ابن شهيد إلى الناصر هديته المشهورة، التي أفاض في وصفها مؤرخو الأندلس، وكان منها خمسمائة ألف مثقال من الذهب، ومائتا أوقية من المسك والعنبر، وثلاثون شقة من الحرير المرقوم بالذهب، ومائة فرس مسرجة، وعشرون بغلا عالية الركاب، وأربعون وصيفاً، وعشرون جارية بكسوتهن وزينتهن، وأصناف عديدة أخرى. قال ابن خلدون " وهي مما يدل على ضخامة الدولة الأموية واتساع أحوالها ". ويجمع مؤرخو الأندلس على أنه لم تقدم هدية في قدرها ونفاستها إلى ملك من ملوك الأندلس. قدمها ابن شهيد إلى الناصر في سنة ٣٢٧ هـ، ومعها خطاب رقيق يشيد فيه بعظمة الناصر ومآثره، فوقعت لديه أحسن موقع، وزاده حظوة واختصاصاً، وأسمى منزلته على سائر الوزراء، وأسبغ عليه لقب ذي الوزارتين، فكان أول من حظى بهذا اللقب من وزراء الأندلس، وضاعف له رزق الوزارة، وجعله ثمانين ألف دينار في العام (٥). وولي قيادة الجيش لأول عهد الناصر أحمد بن محمد

стр. 453

ابن أبي عبدة، سليل الأسرة الشهيرة، التي تولى زعماؤها قيادة الجيوش الأندلسية خلال الفتنة الكبرى. وكذلك وليها الحاجب بدر غير مرة، ووليها الفتيان الصقالبة مثل نجدة وميسور وغيرهما. وقد رأينا كيف انتهت سياسة عبد الرحمن في إيثار الصقالبة بالقيادة إلى كارثة الخندق. وممن ولى القضاء في عهد الناصر أحمد بن محمد بن زياد، وأسلم بن عبد العزيز بن هشام، ومنذر بن سعيد البلوطي (١). وقد أورد لنا ابن حيان ثبتاً طويلا من الوزراء وأصحاب الخطط والموالي الذين تولوا المناصب الكبرى في عهد الناصر. فمن الوزراء: محمد بن سليمان بن وانسوس. سعيد بن المنذر القرشي. عبد الحميد بن بسيل، خالد بن أمية بن شهيد. عيسى بن أحمد بن أبي عبدة. جهور بن عبد الملك البختي، أحمد بن محمد بن إلياس. ومن أصحاب الخطط: محمد بن سعيد بن المنذر القايد. عيسى بن فطيس الكاتب. عبد الله بن بدر بن أحمد صاحب الشرطة. محمد بن قاسم بن طملس صاحب المظالم. محمد بن عبد الله بن موسى الخازن. إسماعيل بن بدر بن اسماعيل العارض. ومن الموالي: جهور بن عبيد الله بن محمد بن أبي عبده. أحمد بن خالد ابن أمية بن عيسى بن شهيد. محمد بن جهور بن عبد الملك البختي. مروان بن جهور بن عبد الملك البختي، أحمد بن سهل بن محمد. عبد الله بن أحمد بن محمد ابن عيسى. محمد بن عباس بن محمد بن أبي عبدة. عبيد الله بن عباس بن أحمد ابن أبي عبده، عبد الله بن يحيى بن إدريس. عبد الوهاب بن محمد بن بسيل. محمد بن مروان بن عبد الله بن بسيل. عبد الرحمن بن أحمد بن زكريا بن عاصم. محمد بن أحمد بن قابوس. أحمد بن محمد بن عيسى. محمد بن عبد السلام بن كليب بن ثعلبة (٢).

стр. 454

وذكر لنا ابن حيان، في حوادث سنة ٣٢٤ هـ، أن الوزراء في هذه السنة كانوا عشرة، وهم: سعيد بن المنذر القرشي المرواني. أحمد بن محمد بن حدير. عبد الحميد بن بسيل. أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الرؤوف. خالد بن أمية ابن شهيد. عيسى بن أحمد بن أبي عبدة. عبد الملك بن جهور. فطيس بن اصبغ بن فطيس. أحمد بن محمد بن إلياس. يحيى بن إسحق. وذكر لنا في حوادث سنة ٣٢٥ هـ، أنه قد عزل عن الوزارة يحيى بن إسحق، ووليها أحمد بن عبد الملك بن شهيد، وعبد الرحمن بن عبد الله الزجالي، وأن الوزراء بلغ عددهم في هذه السنة واحداً وعشرين وزيراً، منهم تسعة من العشرة الذين سبق ذكرهم عدا يحيى بن إسحق (١). وكان عبد الرحمن الناصر عالماً أديباً، يهوى الشعر وينظمه، ويقرب الأدباء والشعراء؛ وكان في مقدمة دولته وأكثرهم حظوة لديه، الفقيه ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد، وشاعر الدولة المروانية منذ محمد بن عبد الرحمن. ويفيض ابن عبد ربه في مناقب الناصر، ويستعرض غزواته منذ ولايته حتى سنة ٣٢٢ هـ، في أرجوزة طويلة رتبت وفق السنين (٢). ومن شعره في وصف عصر الناصر، واعتزاز الإسلام بدولته قوله: قد أوضح الله للإسلام منهاجا ... والناس قد دخلوا في الدين أفواجا وقد تزينت الدنيا لساكنها ... كأنها ألبست وشياً وديباجا يا ابن الخلائف إن المزن لو علمت ... نداك ما كان منها الماء ثجّاجا والحرب لو علمت بأساً تصول به ... ما هيجت من حمياك الذي اهتاجا مات النفاق وأعطى الكفر رمته ... وذلت الخيل إلجاماً وإسراجا وأصبح النصر معقوداً بألوية ... تطوي المراحل تهجيراً وإدلاجا أدخلت في قبة الإسلام بارقة ... أخرجتها من ديار الشرك إخراجا بجحفل تشرق الأرض الفضاء به ... كالبحر يقذف بالأمواج أمواجا يقوده البدر يسري في كواكبه ... عرمرماً كسواد الليل رجراجا

стр. 455

إن الخلافة لن ترضى ولا رضيت ... حتى عقدت لها في رأسك التاجا (١) ومما ينسب إلى الناصر من النظم، قوله: لا يضر الصغير حدثان سن ... إنما الشأن في سعود الصغير كم مقيم فازت يداه بغنم ... لم تنله بالركض كف مغير (٢) وكان الناصر سمحاً وافر الجود. ويصفه ابن الأثير بأنه كان، أبيض، أشهل، حسن الوجه، عظيم الجسم، قصير الساقين (٣) وترك الناصر من البنين أحد عشر ولداً منهم ولي عهده وخلفه الحكم المستنصر بالله. وقال الوزير جعفر بن عثمان المُصْحفي في رثاء الناصر: إلا إن أياماً هفت بإمامها ... لجائرة مشتطة في احتكامها فلم يؤلم الدنيا عظام خطوبها ... وأحداثها إلا قلوب عظامها تأمل فهل من طالع غير آفل ... لهن وهل من قاعد لقيامها وعاين فهل من عائش برضاعها ... من الناس إلا ميت بفطامها كأن نفوس الناس كانت بنفسه ... فلما توارى أيقنت بحمامها فطار بها يأس الأسى وتقاصرت ... يد الصبر عن أعوالها واحتدامها ويشيد النقد الحديث بمناقب عبد الرحمن الناصر وعصره أعظم إشادة. وربما كان أبلغ ما قيل في ذلك تلك العبارات القوية التي يختتم بها العلامة دوزي حديثه عن عصر عبد الرحمن الناصر: " لقد كانت هذه نتائج باهرة، ولكنا نجد إذا ما درسنا ذلك العصر الزاهر، أن الصانع يثير الإعجاب والدهشة، بأكثر مما يثيرهما المصنوع: تثيرهما تلك العبقرية الشاملة التي لم يفلت شىء منها، والتي كانت تدعو إلى الإعجاب في تصرفها نحو الصغائر، كما تدعو إليه في أسمى الأمور. إن ذلك الرجل الحكيم النابه، الذي استأثر بمقاليد الحكم، وأسس وحدة الأمة، ووحدة السلطة معاً، وشاد بواسطة معاهداته نوعاً من التوازن السياسي، والذي اتسع تسامحه الفياض لأن يدعو إلى نصحه رجالا من غير المسلمين، لأجدر بأن يعتبر قريناً لملوك العصر الحديث، لا خليفة من خلفاء العصور الوسطى " (٤).

стр. 456

الفصل الثالث غزوات المسلمين في غاليس وشمال إيطاليا وسويسرة توقف الغزو الإسلامي عقب بلاط الشهداء. استئناف الغزو في عهد هشام. غزو الفرنج لشمالي الأندلس. الغزوات الاسلامية المغامرة. صمت الرواية الإسلامية عن ذكرها. غزو قورسقة وشواطىء فرنسا الجنوبية. غزو مرسيليا وبروفانس. غزو موسى بن موسى لسبتمانيا. غزو جزيرة كاماراج. اضطراب الأحوال في جنوبي فرنسا. غزو المسلمين لشواطىء سان تروبيه. معاقلهم في تلك الأنحاء. تدخلهم بين النصارى. اختراق الغزاة لدوفينه. عبورهم مون سني. احتلالهم لممرات الألب. جوازهم الى سهول بييمون. عودهم إلى غزو بروفانس. غزوهم لمرسيليا وإيكس. غلقهم لممرات الألب. تقدمهم إلى ليجوريا. غزوهم لمنطقة فاليه وسافوا. وصولهم إلى قلب سويسرة وشرقها. غزوهم لثغر فريجوس. اتحاد الأمراء النصارى على مقاومتهم. استنجادهم بقيصر قسطنطينية. مهاجمة المسلمين وتمزيقهم. الصلح بينهم وبين ملك بروفانس. احتلالهم لممر سان برنار. استيلاؤهم على جرينوبل. غاراتهم في بييمون. الحرب بينهم وبين المجر. وصولهم إلى سان جالن. قتالهم وهزيمتهم. صدى الغزوات الإسلامية في جنوبي أوربا. سعي البابوية وإمبراطور ألمانيا لوقفها. محاربة الغزاة في دوفينه وبروفانس. هزيمتهم وارتدادهم إلى الجنوب. سقوط حصن فراكسنيه. سقوط المستعمرات الإسلامية في الألب. غزوات بحرية إسلامية لشواطىء فرنسا. غزو قورسقة وسردانية. ظروف هذه الغزوات الإسلامية. خواصها وبواعثها. آثارها المادية والأدبية. أثر العرب في تقدم الزراعة في الأنحاء المفتوحة. نقلهم لكثير من المحاصيل والغراس. أثرهم في تحسين سلالة الخيل. الآثار الاجتماعية. أقوال النقد الحديث. - ١ - تحدثنا فيما تقدم عن غزوات العرب في غاليس (جنوبي فرنسا) منذ الفتح، ورأينا كيف وضع ارتداد العرب في موقعة بلاط الشهداء في سنة ١١٤ هـ (٧٣٢ م) حداً لغزواتهم في غاليس، وكيف فقدوا تباعاً قواعدهم في لانجدوك وسبتمانيا، حتى انتهت رياستهم فيما وراء البرنيه بسقوط ثغر أربونة، آخر قواعدهم في سبتمانيا، في يد الفرنج في سنة ١٤٢ هـ (٧٥٩ م) (١). وكانت الأندلس خلال هذه الفترة تضطرم بالفتن الداخلية والحرب الأهلية. ولما استطاع عبد الرحمن الأموي أن ينتزع الرياسة لنفسه من غمر الفتنة، وأن يعيد

стр. 457

ملك الدولة الأموية بالأندلس، لبث بقية عهده يعمل على توطيد ملكه الفتى، وحمايته من الثوار والخوارج، ولم تتح له فرصة للتفكير في الغزوات الخارجية. بل لقد اضطر أن يقف موقف المدافع من مملكة الفرنج ومن عاهلها شارلمان، الذي حاول أن يغزو الولايات الإسلامية، بمؤازرة الزعماء الخوارج في الثغر الأعلى، واضطر أن يغضي مدى حين عن غزوات المملكة النصرانية الناشئة، لأراضي الأندلس وقواعدها الشمالية. فلما تولى ولده هشام الملك، واستطاع أن يقضي على ثورة أخويه سليمان وعبد الله، وجه عنايته إلى مقارعة المملكة الفرنجية، ورد خطرها عن الأندلس، وبعث إلى الشمال في سنة ١٧٦ هـ (٧٩٢ م) بجيش كثيف بقيادة حاجبه عبد الملك ابن عبد الواحد بن مغيث، فعبر جبال البرنيه، ونشبت بين المسلمين والفرنج في بسائط سبتمانيا عدة معارك كانت سجالا، وجدد بذلك عهد الغزو والجهاد فيما وراء البرنيه. وعاد الفرنج في عهد الحكم بن هشام، فعبروا جبال البرنيه في سنة ١٨٥ هـ (٨٠١ م) وغزوا الثغر الأعلى وافتتحوا ثغر برشلونة، واقتطعوا بذلك جزءاً من الأندلس الشمالية. ولم تمض بضعة أعوام أخرى، حتى عبر الفرنج البرنيه للمرة الثانية (١٩٣ هـ - ٨٠٩ م) وحاولوا الاستيلاء على مدينة طرطوشة، ولكن المسلمين استطاعوا إنقاذها. وفي عهد عبد الرحمن بن الحكم سارت حملة بحرية أندلسية لغزو الجزائر الشرقية، وقد رأينا فيما تقدم كيف غدت مياه الأندلس الشرقية مركزاً لحملات البحارة المسلمين، يسيرون منها نحو الشمال والشرق إلى الشواطىء والجزائر القريبة، ينقضون عليها طلباً للغنيمة والسبي، وكيف بدأت من ذلك الحين محاولات المجاهدين المسلمين، لغزو شواطىء فرنسا الجنوبية وأحواز مصب الرون. وقد فصلنا فيما تقدم من كتابنا أخبار الغزوات الأندلسية الرسمية فيما وراء البرنيه، وأشرنا بإيجاز إلى بداية عهد الحملات البحرية الأندلسية الخاصة (١). سنحاول في هذا الفصل أن نستعرض لمحة من أخبار هذه الحملات والغزوات الإسلامية غير الرسمية البحرية والبرية، إلى شواطىء فرنسا الجنوبية، وما يجاورها

стр. 458

من سهول ليجوريا وهضاب سويسرة، ومما يجدر ذكره أن الرواية الإسلامية قلما تشير إلى هذه الغزوات بكلمة؛ وربما كان ذلك راجعاً إلى طبيعة هذه الغزوات والمغامرات غير الرسمية، التي كانت تنظمها جماعات خاصة من المجاهدين لا تربطها بحكومة قرطبة صلة رسمية، ولا تعتمد إلا على جهودها ومواردها الخاصة. بدأت هذه الغزوات الأندلسية للشواطىء والثغور الفرنجية منذ أوائل القرن التاسع. وكان معظمها حملات بحرية، قوامها جماعات من المجاهدين والزعماء المغامرين. ففي سنة ٨٠٦ م غزت إحدى هذه الجماعات البحرية المجاهدة جزيرة كورسيكا (قورسقة)، وهزمت الأسطول الفرنجي الذي بعثه ببين ابن شارلمان ملك إيطاليا لقتالهم، وعادت بكثير من الغنائم والسبي. وتوالت بعد ذلك غزوات البحارة الأندلسيين لشواطىء كورسيكا وسردانية، وهما يومئذ أغنى جزر البحر المتوسط. وكذلك توالت غارات البحارة المسلمين على شواطىء فرنسا الجنوبية. وتعني الرواية الكنسية والفرنجية المعاصرة بتدوين هذه الغزوات الإسلامية، وتصف عصفها وعيثها، وما كانت تحدثه من الرعب بين السكان النصارى، وتقول لنا إن البحارة المسلمين، ذهبوا في الجرأة إلى حد التجول في مياه الأطلنطيق، والإغارة على شواطىء فرنسا الغربية، وإن سفينة عربية كبيرة اجتازت في ذلك الحين مياه الأطلنطيق حتى مصب نهر اللوار (١). وفي سنة ٨٣٨ م سار أسطول أندلسي من مياه طرّكونة ومياه الجزائر الشرقية إلى مياه بروفانس، وغزا ثغر مرسيليا وما حوله من الأراضي، وأثخن فيها، وحمل الغزاة كثيراً من الغنائم والسبي. ولم يستطع ملك فرنسا الضعيف لويس ابن شارلمان مقاتلة الغزاة. ثم عاد البحارة المسلمون وغزوا شواطىء بروفانس مرة أخرى، ونفذوا إلى مصب نهر الرون، واقتحموا مدينة آرل وخربوا كنائسها. وتوالت بعد ذلك غزواتهم لهذه المنطقة. وفي سنة ٨٥٠ م في أواخر عهد عبد الرحمن ابن الحكم، عبر موسى بن موسى بن قسي صاحب سرقسطة وزعيم الثغر الأعلى، جبال البرنيه، وغزا سبتمانيا وأثخن في نواحيها، واضطر شارل الأصلع ملك فرنسا أن يهادنه، وأن يعقد الصلح معه، وأن يسترضيه بالهدايا والتحف. ومن

стр. 459

المرجح أن هذه الغزوة لم تكن ذات طابع رسمي، ولم تكن لها صلة بحكومة قرطبة. ذلك أن بني قسيّ زعماء الثغر الأعلى في ذلك الحين، كانوا يتمتعون باستقلال محلي، ولا يدينون بالولاء لحكومة قرطبة، وكانوا بالعكس ينزعون إلى مقاومتها والخروج عليها. وفي سنة ٨٦٩ م هاجمت جماعة من البحارة والمجاهدين المسلمين شواطىء بروفانس مرة أخرى، واستولت على جزيرة كاماراج الواقعة في مصب الرون، وأسرت أسقف آرل الذي كان يقيم بها، وعادت مثقلة بالغنائم والأسرى. - ٢ - وأذكى نجاح هذه الغزوات المتوالية، في نفوس المغامرين والمجاهدين من مسلمي الأندلس وإفريقية، حب التوغل في هاتيك الأنحاء، ورغبة في استعمارها والاستقرار فيها. وكانت أحوال غاليس (جنوبي فرنسا) قد اضطربت يومئذ، وغلب سيد من سادة هذه الأنحاء يدعى بوسون على ولايتي دوفينه وبروفانس، وتلقب بملك آرل. وقام يناوئه بعض منافسيه، ونشبت بينه وبينهم حرب أهلية (نحو سنة ٨٩٠ م). ففي تلك الآونة رست سفينة عربية صغيرة عليها عشرون بحاراً من المسلمين، في خليج جريمو أو خليج سان تروبيه، ونزلوا إلى الشاطىء ولجأوا إلى غابة كثيفة، تظلها الجبال، ثم هاجموا بعض الضياع القريبة وفتكوا بسكانها. ولما رأوا منعة معقلهم من البر والبحر، عولوا على الاستقرار فيه، ودعوا إخوانهم من الثغور الإسلامية القريبة إلى القدوم، وأرسلوا في طلب العون والتأييد من حكومات الأندلس والمغرب، فوفد عليهم كثير من المغامرين البواسل. ولم تمض أعوام قلائل، حتى استقروا في ذلك المكان، وأنشأوا لهم سلسلة من المعاقل والحصون، أمنعها وأشهرها حصن تطلق عليه الرواية الفرنجية المعاصرة، اسم (فراكسنتم) Fraxinetum. والمظنون أنه هو المكان الذي تقوم عليه اليوم قرية (جارد فرينيه) Garde - Frinet الواقعة في سفح جبال الألب (١). وما زالت ثمة آثار تدل على قيام معاقل قديمة في ذلك المكان، ولما كثر جمعهم، واشتد ساعدهم، اخذوا في الإغارة على الأنحاء المجاورة، وأصبحوا قوة يخشى بأسها. وسعى إليهم بعض الأمراء والسادة المتنافسين يستظهرون بهم، بعضهم على بعض، فلبوا الدعوة،

стр. 460

وانتزعوا من بعض السادة أراضيهم، وأعلنوا أنفسهم سادة في الأنحاء المغلوبة، وبثوا الذعر والروع في جنوب بروفانس، حتى وصفهم كاتب معاصر " بأن واحداً منهم يهزم ألفاً، واثنين يهزمان ألفين " (١). وكانت هذه أول خطوة في استعمار المسلمين لجنوبي فرنسا. وفي خاتمة القرن التاسع اتخذ المستعمرون المسلمون خطوة أخرى، فتقدموا نحو جبال الألب غرباً، وشمالا. وكانت مملكة آرل قد ضعفت واضمحلت، وخلف بوسون ولده لويس، ولكنه ذهب إلى إيطاليا ليحارب إلى جانب حلفائه فهزم هنالك وأسر، وتركت مملكته بلا دفاع، وساد الإنحلال والفوضى غاليس كلها. فانتهز المسلمون تلك الفرصة واخترقوا مفاوز دوفينه، وعبروا " مون سني " أهم ممرات الألب الفرنسية، واستولوا على دير نوفاليس الشهير الواقع في وادي " سيس " على حدود بييمون، وفر الأحبار إلى مختلف الأنحاء (سنة ٩٠٦ م). وأغار المسلمون على القرى والضياع المجاورة ونهبوها، وفتكوا بأهلها، وأسر بعضهم وأخذوا إلى تورينو بإيطاليا وسجنوا في ديرها، ولكنهم استطاعوا أن يحطموا أغلالهم، وأضرموا النار في الدير وفي المدينة، وفروا عائدين إلى زملائهم. واشتد بأس المسلمين في تلك الأنحاء، واحتلوا معظم ممرات الألب، فسيطروا بذلك على طرق المواصلة بين فرنسا وإيطاليا، ثم انحدروا من آكام الألب إلى سهول بييمون، وأغاروا على بعض مناطقها. وفي سنة ٩٠٨ م نزلت سرية قوية من البحارة المسلمين في شاطىء بروفانس على مقربة من " إيج مورت " ونهبت دير بالمودي، وكانت الأديار والكنائس يومئذ مطمح أنظار الغزاة، لما كانت تغص به من الذخائر والأموال. وانتشر المسلمون بعد ذلك في جميع الأنحاء المجاورة، واجتاحوا كل ما في طريقهم من البسائط، وهاجموا مرسيليا، وهدموا كنيستها، وغزوا إيكس، وسبوا النساء وتزوجوا بهن ليكثر نسلهم ويقووا به، وانضم إليهم كثير من النصارى المغامرين من أهل هذه الأنحاء، وهجر السادة والأغنياء حصونهم وقصورهم، والتجأوا إلى الداخل خشية القتل والأسر، وأغلق المسلمون طريق الألب إلى إيطاليا، وكان يمر بها كل عام ألوف من الحجاج الذين يقصدون إلى رومة، واقتضوا منهم الضرائب الفادحة ليسمحوا لهم بالمرور.
следующие страницы →