الفصل الثالث
غزوات المسلمين في غاليس وشمال إيطاليا وسويسرة
توقف الغزو الإسلامي عقب بلاط الشهداء. استئناف الغزو في عهد هشام. غزو الفرنج لشمالي الأندلس. الغزوات الاسلامية المغامرة. صمت الرواية الإسلامية عن ذكرها. غزو قورسقة وشواطىء فرنسا الجنوبية. غزو مرسيليا وبروفانس. غزو موسى بن موسى لسبتمانيا. غزو جزيرة كاماراج. اضطراب الأحوال في جنوبي فرنسا. غزو المسلمين لشواطىء سان تروبيه. معاقلهم في تلك الأنحاء. تدخلهم بين النصارى. اختراق الغزاة لدوفينه. عبورهم مون سني. احتلالهم لممرات الألب. جوازهم الى سهول بييمون. عودهم إلى غزو بروفانس. غزوهم لمرسيليا وإيكس. غلقهم لممرات الألب. تقدمهم إلى ليجوريا. غزوهم لمنطقة فاليه وسافوا. وصولهم إلى قلب سويسرة وشرقها. غزوهم لثغر فريجوس. اتحاد الأمراء النصارى على مقاومتهم. استنجادهم بقيصر قسطنطينية. مهاجمة المسلمين وتمزيقهم. الصلح بينهم وبين ملك بروفانس. احتلالهم لممر سان برنار. استيلاؤهم على جرينوبل. غاراتهم في بييمون. الحرب بينهم وبين المجر. وصولهم إلى سان جالن. قتالهم وهزيمتهم. صدى الغزوات الإسلامية في جنوبي أوربا. سعي البابوية وإمبراطور ألمانيا لوقفها. محاربة الغزاة في دوفينه وبروفانس. هزيمتهم وارتدادهم إلى الجنوب. سقوط حصن فراكسنيه. سقوط المستعمرات الإسلامية في الألب. غزوات بحرية إسلامية لشواطىء فرنسا. غزو قورسقة وسردانية. ظروف هذه الغزوات الإسلامية. خواصها وبواعثها. آثارها المادية والأدبية. أثر العرب في تقدم الزراعة في الأنحاء المفتوحة. نقلهم لكثير من المحاصيل والغراس. أثرهم في تحسين سلالة الخيل. الآثار الاجتماعية. أقوال النقد الحديث.
- ١ -
تحدثنا فيما تقدم عن غزوات العرب في غاليس (جنوبي فرنسا) منذ الفتح، ورأينا كيف وضع ارتداد العرب في موقعة بلاط الشهداء في سنة ١١٤ هـ (٧٣٢ م) حداً لغزواتهم في غاليس، وكيف فقدوا تباعاً قواعدهم في لانجدوك وسبتمانيا، حتى انتهت رياستهم فيما وراء البرنيه بسقوط ثغر أربونة، آخر قواعدهم في سبتمانيا، في يد الفرنج في سنة ١٤٢ هـ (٧٥٩ م) (١).
وكانت الأندلس خلال هذه الفترة تضطرم بالفتن الداخلية والحرب الأهلية.
ولما استطاع عبد الرحمن الأموي أن ينتزع الرياسة لنفسه من غمر الفتنة، وأن يعيد
стр. 457
ملك الدولة الأموية بالأندلس، لبث بقية عهده يعمل على توطيد ملكه الفتى، وحمايته من الثوار والخوارج، ولم تتح له فرصة للتفكير في الغزوات الخارجية. بل لقد اضطر أن يقف موقف المدافع من مملكة الفرنج ومن عاهلها شارلمان، الذي حاول أن يغزو الولايات الإسلامية، بمؤازرة الزعماء الخوارج في الثغر الأعلى، واضطر أن يغضي مدى حين عن غزوات المملكة النصرانية الناشئة، لأراضي الأندلس وقواعدها الشمالية.
فلما تولى ولده هشام الملك، واستطاع أن يقضي على ثورة أخويه سليمان وعبد الله، وجه عنايته إلى مقارعة المملكة الفرنجية، ورد خطرها عن الأندلس، وبعث إلى الشمال في سنة ١٧٦ هـ (٧٩٢ م) بجيش كثيف بقيادة حاجبه عبد الملك ابن عبد الواحد بن مغيث، فعبر جبال البرنيه، ونشبت بين المسلمين والفرنج في بسائط سبتمانيا عدة معارك كانت سجالا، وجدد بذلك عهد الغزو والجهاد فيما وراء البرنيه.
وعاد الفرنج في عهد الحكم بن هشام، فعبروا جبال البرنيه في سنة ١٨٥ هـ (٨٠١ م) وغزوا الثغر الأعلى وافتتحوا ثغر برشلونة، واقتطعوا بذلك جزءاً من الأندلس الشمالية. ولم تمض بضعة أعوام أخرى، حتى عبر الفرنج البرنيه للمرة الثانية (١٩٣ هـ - ٨٠٩ م) وحاولوا الاستيلاء على مدينة طرطوشة، ولكن المسلمين استطاعوا إنقاذها.
وفي عهد عبد الرحمن بن الحكم سارت حملة بحرية أندلسية لغزو الجزائر الشرقية، وقد رأينا فيما تقدم كيف غدت مياه الأندلس الشرقية مركزاً لحملات البحارة المسلمين، يسيرون منها نحو الشمال والشرق إلى الشواطىء والجزائر القريبة، ينقضون عليها طلباً للغنيمة والسبي، وكيف بدأت من ذلك الحين محاولات المجاهدين المسلمين، لغزو شواطىء فرنسا الجنوبية وأحواز مصب الرون.
وقد فصلنا فيما تقدم من كتابنا أخبار الغزوات الأندلسية الرسمية فيما وراء البرنيه، وأشرنا بإيجاز إلى بداية عهد الحملات البحرية الأندلسية الخاصة (١). سنحاول في هذا الفصل أن نستعرض لمحة من أخبار هذه الحملات والغزوات الإسلامية غير الرسمية البحرية والبرية، إلى شواطىء فرنسا الجنوبية، وما يجاورها
стр. 458
من سهول ليجوريا وهضاب سويسرة، ومما يجدر ذكره أن الرواية الإسلامية قلما تشير إلى هذه الغزوات بكلمة؛ وربما كان ذلك راجعاً إلى طبيعة هذه الغزوات والمغامرات غير الرسمية، التي كانت تنظمها جماعات خاصة من المجاهدين لا تربطها بحكومة قرطبة صلة رسمية، ولا تعتمد إلا على جهودها ومواردها الخاصة.
بدأت هذه الغزوات الأندلسية للشواطىء والثغور الفرنجية منذ أوائل القرن التاسع. وكان معظمها حملات بحرية، قوامها جماعات من المجاهدين والزعماء المغامرين. ففي سنة ٨٠٦ م غزت إحدى هذه الجماعات البحرية المجاهدة جزيرة كورسيكا (قورسقة)، وهزمت الأسطول الفرنجي الذي بعثه ببين ابن شارلمان ملك إيطاليا لقتالهم، وعادت بكثير من الغنائم والسبي. وتوالت بعد ذلك غزوات البحارة الأندلسيين لشواطىء كورسيكا وسردانية، وهما يومئذ أغنى جزر البحر المتوسط. وكذلك توالت غارات البحارة المسلمين على شواطىء فرنسا الجنوبية.
وتعني الرواية الكنسية والفرنجية المعاصرة بتدوين هذه الغزوات الإسلامية، وتصف عصفها وعيثها، وما كانت تحدثه من الرعب بين السكان النصارى، وتقول لنا إن البحارة المسلمين، ذهبوا في الجرأة إلى حد التجول في مياه الأطلنطيق، والإغارة على شواطىء فرنسا الغربية، وإن سفينة عربية كبيرة اجتازت في ذلك الحين مياه الأطلنطيق حتى مصب نهر اللوار (١).
وفي سنة ٨٣٨ م سار أسطول أندلسي من مياه طرّكونة ومياه الجزائر الشرقية إلى مياه بروفانس، وغزا ثغر مرسيليا وما حوله من الأراضي، وأثخن فيها، وحمل الغزاة كثيراً من الغنائم والسبي. ولم يستطع ملك فرنسا الضعيف لويس ابن شارلمان مقاتلة الغزاة. ثم عاد البحارة المسلمون وغزوا شواطىء بروفانس مرة أخرى، ونفذوا إلى مصب نهر الرون، واقتحموا مدينة آرل وخربوا كنائسها.
وتوالت بعد ذلك غزواتهم لهذه المنطقة. وفي سنة ٨٥٠ م في أواخر عهد عبد الرحمن ابن الحكم، عبر موسى بن موسى بن قسي صاحب سرقسطة وزعيم الثغر الأعلى، جبال البرنيه، وغزا سبتمانيا وأثخن في نواحيها، واضطر شارل الأصلع ملك فرنسا أن يهادنه، وأن يعقد الصلح معه، وأن يسترضيه بالهدايا والتحف. ومن
стр. 459
المرجح أن هذه الغزوة لم تكن ذات طابع رسمي، ولم تكن لها صلة بحكومة قرطبة. ذلك أن بني قسيّ زعماء الثغر الأعلى في ذلك الحين، كانوا يتمتعون باستقلال محلي، ولا يدينون بالولاء لحكومة قرطبة، وكانوا بالعكس ينزعون إلى مقاومتها والخروج عليها. وفي سنة ٨٦٩ م هاجمت جماعة من البحارة والمجاهدين المسلمين شواطىء بروفانس مرة أخرى، واستولت على جزيرة كاماراج الواقعة في مصب الرون، وأسرت أسقف آرل الذي كان يقيم بها، وعادت مثقلة بالغنائم والأسرى.
- ٢ -
وأذكى نجاح هذه الغزوات المتوالية، في نفوس المغامرين والمجاهدين من مسلمي الأندلس وإفريقية، حب التوغل في هاتيك الأنحاء، ورغبة في استعمارها والاستقرار فيها. وكانت أحوال غاليس (جنوبي فرنسا) قد اضطربت يومئذ، وغلب سيد من سادة هذه الأنحاء يدعى بوسون على ولايتي دوفينه وبروفانس، وتلقب بملك آرل. وقام يناوئه بعض منافسيه، ونشبت بينه وبينهم حرب أهلية (نحو سنة ٨٩٠ م). ففي تلك الآونة رست سفينة عربية صغيرة عليها عشرون بحاراً من المسلمين، في خليج جريمو أو خليج سان تروبيه، ونزلوا إلى الشاطىء ولجأوا إلى غابة كثيفة، تظلها الجبال، ثم هاجموا بعض الضياع القريبة وفتكوا بسكانها.
ولما رأوا منعة معقلهم من البر والبحر، عولوا على الاستقرار فيه، ودعوا إخوانهم من الثغور الإسلامية القريبة إلى القدوم، وأرسلوا في طلب العون والتأييد من حكومات الأندلس والمغرب، فوفد عليهم كثير من المغامرين البواسل. ولم تمض أعوام قلائل، حتى استقروا في ذلك المكان، وأنشأوا لهم سلسلة من المعاقل والحصون، أمنعها وأشهرها حصن تطلق عليه الرواية الفرنجية المعاصرة، اسم (فراكسنتم) Fraxinetum. والمظنون أنه هو المكان الذي تقوم عليه اليوم قرية (جارد فرينيه) Garde - Frinet الواقعة في سفح جبال الألب (١). وما زالت ثمة آثار تدل على قيام معاقل قديمة في ذلك المكان، ولما كثر جمعهم، واشتد ساعدهم، اخذوا في الإغارة على الأنحاء المجاورة، وأصبحوا قوة يخشى بأسها. وسعى إليهم بعض الأمراء والسادة المتنافسين يستظهرون بهم، بعضهم على بعض، فلبوا الدعوة،
стр. 460
وانتزعوا من بعض السادة أراضيهم، وأعلنوا أنفسهم سادة في الأنحاء المغلوبة، وبثوا الذعر والروع في جنوب بروفانس، حتى وصفهم كاتب معاصر " بأن واحداً منهم يهزم ألفاً، واثنين يهزمان ألفين " (١).
وكانت هذه أول خطوة في استعمار المسلمين لجنوبي فرنسا. وفي خاتمة القرن التاسع اتخذ المستعمرون المسلمون خطوة أخرى، فتقدموا نحو جبال الألب غرباً، وشمالا. وكانت مملكة آرل قد ضعفت واضمحلت، وخلف بوسون ولده لويس، ولكنه ذهب إلى إيطاليا ليحارب إلى جانب حلفائه فهزم هنالك وأسر، وتركت مملكته بلا دفاع، وساد الإنحلال والفوضى غاليس كلها. فانتهز المسلمون تلك الفرصة واخترقوا مفاوز دوفينه، وعبروا " مون سني " أهم ممرات الألب الفرنسية، واستولوا على دير نوفاليس الشهير الواقع في وادي " سيس " على حدود بييمون، وفر الأحبار إلى مختلف الأنحاء (سنة ٩٠٦ م). وأغار المسلمون على القرى والضياع المجاورة ونهبوها، وفتكوا بأهلها، وأسر بعضهم وأخذوا إلى تورينو بإيطاليا وسجنوا في ديرها، ولكنهم استطاعوا أن يحطموا أغلالهم، وأضرموا النار في الدير وفي المدينة، وفروا عائدين إلى زملائهم. واشتد بأس المسلمين في تلك الأنحاء، واحتلوا معظم ممرات الألب، فسيطروا بذلك على طرق المواصلة بين فرنسا وإيطاليا، ثم انحدروا من آكام الألب إلى سهول بييمون، وأغاروا على بعض مناطقها.
وفي سنة ٩٠٨ م نزلت سرية قوية من البحارة المسلمين في شاطىء بروفانس على مقربة من " إيج مورت " ونهبت دير بالمودي، وكانت الأديار والكنائس يومئذ مطمح أنظار الغزاة، لما كانت تغص به من الذخائر والأموال. وانتشر المسلمون بعد ذلك في جميع الأنحاء المجاورة، واجتاحوا كل ما في طريقهم من البسائط، وهاجموا مرسيليا، وهدموا كنيستها، وغزوا إيكس، وسبوا النساء وتزوجوا بهن ليكثر نسلهم ويقووا به، وانضم إليهم كثير من النصارى المغامرين من أهل هذه الأنحاء، وهجر السادة والأغنياء حصونهم وقصورهم، والتجأوا إلى الداخل خشية القتل والأسر، وأغلق المسلمون طريق الألب إلى إيطاليا، وكان يمر بها كل عام ألوف من الحجاج الذين يقصدون إلى رومة، واقتضوا منهم الضرائب الفادحة ليسمحوا لهم بالمرور.
стр. 461
- ٣ -
ثم اتخذ المسلمون خطوة جديدة في سبيل التقدم إلى أواسط أوربا، فدفعوا بغزواتهم إلى بييمون ومونفراتو. وتقول لنا الرواية الكنسية المعاصرة إنهم وصلوا في أوائل القرن العاشر إلى حدود ليجوريا على شاطىء خليج جنوة. ويروي لوتبراند، وهو كاتب معاصر، أن العرب غزوا سنة ٩٠٦، مدينة " آكي " من أعمال مونفراتو الشهيرة بحماماتها (وهي على مقربة من تورينو)، ثم غزوها ثانية سنة ٩٣٥ بقيادة زعيم يدعى (ساجيتوس) ولكنهم هزمو ومزقوا. وفي هذا الوقت أيضاً نزلت جماعة قوية من البحارة الإفريقيين بساحل جنوة، وقتلت عدداً كبيراً من أهلها، وأسرت جموعاً كثيرة من النساء والأطفال.
وفي سنة ٩٣٩ م غزا المسلمون منطقة " فاليه " في جنوب سويسرة، ونهبوا دير " أجون " الشهير، وغزوا في الوقت نفسه منطقة " تارانتيز " من أعمال سافوا الوسطى، ثم اتخذوا منطقة " فاليه " قاعدة للإغارة على الأراضي المجاورة في سويسرة وإيطاليا، ونفذوا منها إلى أواسط سويسرة، ثم إلى " جريزون " في شرق سويسرة، ونهبوا دير ديزنتي أشهر وأغنى الأديار السويسرية، ونهبوا طائفة أخرى من الأديار والكنائس الغنية. وفي بعض الروايات أيضاً أن المسلمين وصلوا في غزواتهم إلى بحيرة جنيف، وجاوزوا إلى مفاوز جورا الواقعة في شمالها، وكانت سويسرة يومئذ من أقاليم بورجونية وملكتها يومئذ الملكة " برت " الوصية على ولدها الطفل كونراد، فارتدت حين اقتراب العرب إلى حصن ناء في جهة نيو شاتل.
وفي سنة ٩٣٠ م غزا العرب فريجوس وكانت يومئذ من أكبر وأمنع ثغور فرنسا الجنوبية، وغزوا أيضاً ثغر طولون، ففر السكان إلى الجبال، وعاث المسلمون في تلك الأنحاء، وخربوا المدن والحصون، وأحرقوا الأديار والكنائس.
ولما اشتدت وطأة المسلمين في جنوبي فرنسا، وبلغ السخط من غزواتهم وعيثهم ذروته، اعتزم سادة الجنوب، وعلى رأسهم هوج ملك بروفانس أن يبذلوا كل ما في وسعهم لسحق ذلك العدو المزعج. ورأى هوج أن يبدأ بافتتاح حصن فراكسنيه (فراكسنتم) الذي يمتنع به المسلمون، ويتخذونه قاعدة لتأمين مواصلاتهم مع اسبانيا وإفريقية، وقاعدة للإغارة على الداخل، وكتب إلى صهره إمبراطور
стр. 462
قسطنطينية، يطلب منه أسطولا من قاذفات النار اليونانية، حتى يستطيع مهاجمة المسلمين من البر والبحر معاً. فلبى نداءه. وفي سنة ٩٤٣ م رسا أسطول بيزنطي
في مياه سان تروبيه، وزحف هوج في نفس الوقت بجيشه على فراكسنيه، وهوجم المسلمون من البر والبحر بمنتهى الشدة، وأحرقت سفنهم، ونفذ هوج إلى الحصن بعد قتال رائع، وفر المسلمون إلى الآكام والربى، وكاد يسحق سلطانهم في تلك الأنحاء. ولكن حدث بعد ذلك أن علم هوج أن خصمه ومنافسه بيرانجيه، قد عاد إلى إيطاليا لينازعه في انتزاع عرشها فصرف هوج الأسطول، واضطر أن يعقد الصلح مع المسلمين، بشرط أن يبقوا في رؤوس الألب وممراتها، وأن يغلقوا الطريق إلى إيطاليا في وجه خصمه، وبذلك استعاد المسلمون قلاعهم وسيادتهم في جنوبي بروفانس.
واحتل المسلمون آكام الألب وممراتها، وفرضوا الضرائب الفادحة على المسافرين، واستطاعوا بسيطرتهم على ممر سان برنار الكبير، الموصل بين سويسرة وإيطاليا، وغيره من الممرات والمعاقل الجبلية، أن يجتاحوا الأنحاء المجاورة، وأن يبثوا فيها الذعر والروع، واستقرت منهم جموع في السهول والضياع القريبة من معاقلهم، وتزوجوا النساء الأسيرات، وزرعوا الأرض، واكتفى أمراء هذه النواحي بأن يحصلوا منهم بعض الضرائب. ونفذ المسلمون أيضاً إلى منطقة نيس ذاتها، وما يزال في نيس إلى اليوم حي يعرف بحي العرب Canton des Sarrazins وأخيراً نفذ المسلمون إلى قلب ولاية دوفينه، وغزوا جرينوبل واحتلوها مدى حين، واحتلوا واديها الخصيب " جريزيفودان " الذي يجري فيه نهر الإيزر فرع الرون، وفر أسقف جرينوبل وزملاؤه إلى الشمال حاملين رفات قديسيهم (١).
- ٣ -
وهكذا انتشرت المستعمرات والمعاقل الإسلامية خلال القرن العاشر الميلادي في بروفانس وسافوا وبييمون وسويسرة، وبسط المسلمون سيادتهم على ممرات جبال الألب وعلى الحدود بن غاليس وبلاد اللونبارد (شمال إيطاليا) وبينها وبين سويسرة، وبلغوا في تقدمهم في غاليس مدينة جرينوبل، واحتلوا في سويسرة ولاية فاليه ومفاوز جورا المتاخمة لبرجونية، واحتلوا في إيطاليا الشمالية، ولاية
стр. 463
ليجوريا. وكانت معاقلهم في بروفانس ولا سيما حصن " فراكسنيه "، قواعد غزواتهم وملاذ قوتهم وسيادتهم. والظاهر أنهم اتبعوا نفس هذه الخطة في سهول بييمون، فأنشأوا بها سلسلة من الحصون والقلاع القوية، لتكون مركز غزواتهم في بلاد اللونبارد وفي سويسرة، فإن الرواية الكنسية التي كتبها حبر معاصر من دير نوفاليس، تذكر لنا اسم حصن إسلامي في تلك الأنحاء وتسميه "فراشنديلوم" Fraschendellum، والمظنون أنه هو المكان الذي تعرفه الجغرافية الحديثة باسم "فراسنيتو"، وهو الواقع في لومبارديا على مقربة من نهر " بو ". وتقص علينا نفس هذه الرواية الكنسية أيضاً أن سيداً نصرانياً من سادة تلك الأنحاء يدعو إيمون دفعه شغف المغامرة والكسب، إلى محالفة المسلمين فانضم إليهم، واشترك في غاراتهم الناهبة؛ وفي ذات يوم وقعت بين السبايا امرأة رائعة الحسن، فاستبقاها إيمون لنفسه، ولكن زعيماً مسلماً استحسنها وانتزعها منه قسراً، فغضب إيمون والتجأ إلى كونت روتبالدرس حاكم بروفانس العليا، وفاوضه سراً في محاربة المسلمين، وإنقاذ البلاد منهم، فرحب الكونت بهذا المشروع، ودعا السادة إلى معاونته، واستطاع أن يحشد قوات كبيرة، وهوجم المسلمون في بييمون من كل صوب ومزقوا، وسقطت قلاعهم في أيدي النصارى، وذهب سلطانهم في تلك الأنحاء. وتقص الرواية الكنسية أيضاً قصة مؤامرة دبرها كونراد ملك برجونية لإهلاك المسلمين النازلين في أملاكه في جورا وعلى حدود برجونية، والمجر الذين كانوا يشاطرونهم يومئذ الإغارة والعيث في تلك الأنحاء. وذلك أنه كتب إلى المسلمين يستحثهم على قتال منافسيهم المجر، وانتزاع ما بيدهم من الأراضي والضياع الخصبة، وكتب مثل ذلك إلى المجر يستحثهم لقتال المسلمين والمعاونة على إجلائهم، وعين مكاناً للقاء الفريقين، فالتقت الجموع المتنافسة من المسلمين والمجر، ونشب بينهما قتال هلك فيه كثير من الفريقين، ثم أشرف كونراد بجموعه، ومزق البقية الباقية من الفريقين قتلا وأسراً، وتضع الرواية تاريخ هذه الموقعة في سنة ٩٥٢ م، ولكنها لا تعين لنا مكان حدوثها (١).
ومنذ منتصف القرن العاشر يأخذ نجم أولئك المسلمين المستعمرين المغامرين في الأفول، وتضمحل سيادتهم في تلك الأنحاء. بيد أنهم لبثوا مدى حين بعد ذلك
стр. 464
يحتلون كثيراً من مواقع سافوا، ويجوبون أنحاء سويسرة كلها في طلب الغنيمة والسبي، وقد اعتادوا على حرب الجبال وحذقوا أساليبها، وبلغوا في توغلهم في سويسرة مدينة سان جالن على مقربة من بحيرة كونستانس، وأنشأوا ثمة كثيراً من القلاع والأبراج، التي مازالت تقوم منها إلى اليوم بعض الأطلال والبقايا، ولبثوا حيناً في سان جالن حتى حشد رئيس ديرها حوله جمعاً من المقاتلين الأشداء، وفاجأوا المسلمين في جوف الليل، ومزقوهم قتلا وأسراً، وبذلك خفت وطأة الغزوات الإسلامية في شمال سويسرة.
واستمرت المستعمرات والمعاقل الإسلامية في دوفينه وبروفانس، وبعض جهات الألب، وكان قربها من " فراكسنيه " أمنع المعاقل الإسلامية يمدها بأسباب الجرأة والعون، ويمدها قربها من البحر دائماً بأمداد جديدة من المتطوعين والمغامرين من ثغور الأندلس وإفريقية.
وكان لاستقرار هذه المستعمرات الإسلامية في جنوبي أوربا، وعيثها المستمر في الأنحاء والسهول المجاورة، وقع عميق في الحكومات الأوربية، وكان صريخ البابوية يتردد لدى أمراء أوربا، بالسعي إلى مكافحة هذا الخطر الداهم، وكان أوتو الأكبر إمبراطور ألمانيا وأعظم أمراء النصرانية يومئذ، أشد هؤلاء الأمراء اهتماماً بالقضاء على خطر المستعمرات الإسلامية، لأنه يدنو من أملاكه ويصيبها بشره. ولهذا رأى أن يبذل في هذا السبيل سعيه، لدى عبد الرحمن الناصر عاهل الأندلس وزعيم الإسلام الروحي والزمني، وأوفد إليه في سنة ٩٥٦ م سفارته الشهيرة التي أتينا على ذكرها. وبحث سفيره يوحنا الجورزيني مع الخليفة مسألة اعتداء المستعمرات الإسلامية على الأراضي النصرانية، والتمس إليه أن يعاون بنصحه ونفوذه على قمع هذا العدوان. ولكن هذا المسعى لم يسفر عن أية نتائج عملية، إذ اعتذر الخليفة حسبما فصلنا من قبل، بأن هذه المستعمرات الإسلامية لا تخضع له ولا تأتمر بأوامره، وأنها تعمل مستقلة بعيدة عن حكومة قرطبة. على أن لوتبراند، وهو مؤرخ كنسي معاصر، يؤكد أن الخليفة كان يحمي هذه المستعمرات ويمدها بالتشجيع والعون (١).
- ٤ -
ولم يمض قليل على ذلك حتى أخرج المسلمون من معاقلهم في آكام سان برنار
стр. 465
(في نحو سنة ٩٦٩ م). ولسنا نعرف تفاصيل ذلك الحادث، ولكن المحقق أن المسلمين أبدوا كعادتهم منتهى البسالة في الدفاع عن مواقعهم، والظاهر أيضاً أن القديس برنار (سان برنار) الذي سميت هذه الآكام باسمه، كان من أبطال الموقعة التي نشبت وانتهت بجلاء المسلمين.
واستمر المسلمون في دوفينه وبروفانس، وكثيراً ما دعوا إلى التدخل بين سادة هذه الأنحاء. ولما غزا الإمبراطور أوتو بلاد اللونبارد، وأخرج منها ملكها بيرانجيه، التجأ ولده أدلبرت إلى عرب "فراكسنيه"، ليعاونوه في استعادة ملكه، وكان هذا التحالف بين السادة والمسلمين، يقوي سيادة الغزاة ويدعمها كلما أذنت بالانهيار. بيد أن هذه السيادة قد أخذت في الاضمحلال، مذ فقد العرب معاقلهم في جبال الألب. وفي سنة ٩٦٥ م أخرج المسلمون من مدينة جرينوبل ومن واديها الخصب (جريزيفودان) وطوردوا في تلك النواحي، وساءت أحوالهم، وأعلن الإمبراطور أوتو بعد ذلك بعامين أو ثلاثة وهو يومئذ في إيطاليا، أنه سيتولى طرد المسلمين من الأراضي النصرانية، ولكنه توفي دون القيام بمشروعه.
ثم دنت بوادر المعركة الحاسمة. وحدث في ذلك الحين أن حبراً كبيراً ذائع الصيت، وهو سان ماييل أسقف دير كلوني من أعمال برجونية، حج إلى رومة، ولما عاد من طريق دوفينه أسره المسلمون المرابطون في الجبال مع جماعة كبيرة من الحجاج، واشترطوا عليهم فدى فادحة، فدفعت بعد عناء، وأطلق سراح سان مييل وزملاؤه، وأذكى الحادث حماستهم وسخطهم، وذاعت قصة أسرهم، وما يعانيه الحجاج من شر المسلمين وعدوانهم. فنهض سيد من سادة تلك الأنحاء يدعى بوبون، (أو بيفون)، وانتهز فرصة الحماسة العامة وجمع حوله كثيراً من المقاتلة، وبنى حصناً في سترون على مقربة من حصن كان يملكه المسلمون، ولبث يتحين الفرصة لمفاجأة العرب والاستيلاء على حصنهم، حتى استطاع ذات يوم أن يحمل بعض الحراس على فتح الأبواب، فتمت الخيانة، وباغت النصارى المسلمين في حصنهم، وقضوا عليهم قتلا وأسراً (سنة ٩٧٢ م).
وفي الوقت نفسه التف النصارى في دوفينه حول زعيم يدعى جيوم، وهاجموا المسلمين في جميع مراكزهم وقلاعهم ومزقوهم في كل ناحية، وبذا انهارت سيادتهم في دوفينه، ولم تبق إلا في بروفانس. ولما قوي جيوم وكثر جمعه، بسط نفوذه
стр. 466
على بروفانس وتلقب بألقاب الإمارة، واعتزم أن يخرج المسلمين نهائيا من تلك الأرض. فدعا السادة لمعاونته ومنهم كونت نيس، ورأى المسلمون أن العاصفة تنذر باجتياحهم من كل ناحية، فاستجمعوا كل أهبتهم وقواهم، ونزلوا من الآكام إلى البسيط في صفوف متراصة، ووقعت بينهم وبين النصارى معركة هائلة في " تورتور" فهزم المسلمون وارتدوا إلى قلاعهم، ولاسيما " فراكسنيه " التي غدت ملاذهم الأخير, فطاردهم النصارى أشد مطاردة، وضيقوا الحصار عليهم، فحاولوا الفرار تحت جنح الليل إلى الغابات المجاورة، ولكن النصارى لحقوا بهم وأمعنوا فيهم قتلا وأسراً، وأبقى على من استسلم وعلى المسالمين الذين كانوا يحترفون الزرع في الضياع المجاورة، وفر كثيرون من طريق البحر، وتنصر كثير منهم، وبقي نسلهم في تلك الأرض زمناً طويلا.
وهكذا سقط حصن فراكسنتم أو فراكسنيه سنة ٩٧٥ م، بعد أن لبث زهاء ثمانين سنة مركزاً قوياً للغزوات العربية غاليس، وقسمت أسلاب العرب وأراضيهم بين السادة والجند، الذين اشتركوا في هذه الحرب الصليبية، وانهارت سلطة العرب في تلك الأنحاء.
أما المستعمرات الإسلامية التي كانت مبعثرة في آكام الألب، فيقال إنها طوردت ومزقت في نفس الوقت، واعتنق الذين أسروا النصرانية. ولكن توجد رواية أخرى خلاصتها أن هذه المستعمرات لبثت في معاقلها نحو جيل آخر حتى تولى مطاردتها زعيم يدعى جيرولدوس. وعلى أي حال فلم تأت أواخر القرن العاشر حتى ذهبت سيادة المسلمين في غاليس وسويسرة، ولم يجب أحد في إفريقية والأندلس صريخ الغوث، الذي وجهه أولئك المستعمرون البواسل إلى إخوانهم، لأن الحوادث الداخلية لم تكن تسمح يومئذ ببذل هذا العون.
على أن ذلك لم يكن خاتمة الغزوات الإسلامية في تلك المياه. ففي سنة ١٠٠٣ م سارت حملة بحرية من مسلمي الأندلس، ونزلت بجوار أنتيب في جنوب فرنسا، واجتاحت الأراضي المجاورة. وفي سنة ١٠١٩ م نزلت حملة مسلمة أخرى في ظاهر أربونة وحاولت أن تستولي عليها، ولكنها هزمت ومزقت. وفي سنة ١٠٤٧ م هاجمت حملة أخرى جزيرة ليران الواقعة إلى الغرب من مرسييليا وأسرت عدداً من الرهبان. وظهر في ذلك الحين زعيم أندلسي جرىء هو مجاهد العامري
стр. 467
أحد أمراء الطوائف، وصاحب ثغر دانية والجزائر الشرقية (جزائر البليار)، واهتم بأمر الغزوات البحرية، فسار في أسطوله إلى مياه قورسقة وسردانية، وغزا سردانية واحتل بعض أنحائها (سنة ٤٠٦ هـ ١٠١٥ م)، ولكن النصارى استردوها بعد قليل (١). ولبث مجاهد العامري الذي تسميه الرواية النصرانية " موسيتو " أو " موجيتوس " مدى حين سيد هذه المياه، يبث فيها بحملاته الرعب والروع.
تلك هي قصة الغزوات الإسلامية في غاليس وبلاد اللونبارد وسويسرة؛ وهي قصة تغفل الرواية الإسلامية كثيراً من أدوارها ووقائعها، ولكنها تشغل فراغاً كبيراً في الروايات الكنسية والفرنجية المعاصرة. وهذه الروايات هي عمدتنا فيما ننقل من سير هذه الغزوات الشهيرة. ومن المحقق أنها مشبعة بروح التحامل والخصومة في كثير من المواطن، ولكنا نستطيع مع ذلك أن نتبين منها، أهمية الدور الذي قام به أولئك المجاهدون والمغامرون المسلمون، في تلك الوهاد والآكام النائية، وما كان لهم بين هاتيك الأمم من السيادة والنفوذ مدى عصور.
- ٥ -
والآن فلنحاول أن نستعرض طرفا من العوامل والظروف التي أحاطت بتلك الغزوات الإسلامية النائية، وطرفاً من الآثار التي خلفتها في البلاد والأمم التي كانت ميداناً لها.
ينكر بعض مؤرخي الغرب على تلك الفتوحات والغزوات العربية والإسلامية بوجه عام، خاصة الاستقرار والإنشاء، ويقولون إنها كانت في الغالب حملات ناهبة، تقوم على رغبة الكسب وتحصيل الغنائم. ولاريب أن ظمأ المغنم وشغف المغامرة، وما إليها من لذة الاستكشاف والسيادة، كانت من أهم العوامل التي قامت عليها هذه الغزوات، وتلك هي العوامل الخالدة التي تقوم عليها فتوحات الأمم منذ أقدم العصور. ولكن من الحق أيضاً أن نقول إن نزعة الجهاد لم تكن بعيدة عن تلك الغزوات، وإن كثيراً من أولئك المغامرين البواسل، كانت تحفزهم الحماسة الدينية، وفكرة الجهاد في سبيل الله. وقد كانت هذه العصابات الغازية المستعمرة تعمل في الغالب لحساب نفسها، ولكنها كانت تعمل ملحوظة بعطف
стр. 468
الحكومات والأمم الإسلامية التي تنتمي إليها. وكانت تؤدي إلى تلك الحكومات خدمات جليلة، بما كانت تقوم به من إزعاج الحكومات والأمم النصرانية، وإضعاف جيوشها ومواردها. ومن المحقق أيضاً أن نزعة الاستقرار والإنشاء لم تكن بعيدة عن أذهان الغزاة، بل كان يحفزهم مثل ذلك الروح الاستعماري القوي الذي دفع الأمم الغربية في العصر الحديث إلى افتتاح الأمم المتأخرة واستعمارها (١). وقد استقروا بالفعل واستعمروا، حيث مهدت لهم الكثرة والقوة سبيل البقاء، كما فعلوا في إقريطش (كريت)، حيث استقروا بها بعد افتتاحها زهاء قرن وثلث قرن (٨٢٧ - ٩٦١ م)، ونشروا بها الإسلام والحضارة الإسلامية. وكذلك استقروا مدى حين في باري وفي تارنت من ثغور إيطاليا الجنوبية وفي راجوزا (رغوس) من ثغور الأدرياتيك الشرقية؛ وكان لهم على شواطىء قلورية (جنوبي إيطاليا) مستعمرة زاهرة لبثت تسطع في هذه المياه عصراً.
ويبالغ المؤرخون الغربيون أيضاً، في تصوير الآثار المخربة لتلك الغزوات الإسلامية، وما كانت تقترن به من ضروب العنف والسفك. ولكن العنف والقسوة والسفك والتخريب، لم تكن خاصة بالغزوات الإسلامية، وإنما كانت من خواص العصر ذاته، ولم تكن الغزوات النصرانية للأراضي الإسلامية أقل عنفاً وسفكاً. ويكفي أن نشير هنا إلى الحملات الصليبية التي لبثت مدى عصور تحمل إلى الأمم الإسلامية أروع صنوف الدمار والسفك، بل يكفي أن نشير إلى ما كانت ترتكبه البعوث الإستعمارية الحديثة، الإسبانية والإنجليزية والفرنسية، في الدنيا الجديدة من صنوف القسوة والسفك، وما ترتكبه اليوم بعض الأمم الأوربية " المتمدنة " من الجرائم المروعة في إفريقية وآسيا باسم المدنية والاستعمار.
* * *
والآن لنر ماذا خلفته الغزوات الإسلامية في هذه الأنحاء من الآثار المادية والاجتماعية. ومن المحقق أن هذه الآثار لا تكاد ترى اليوم، ولا يشعر بها إلا الباحث المنقب. ويلاحظ أولا أن الفتوحات العربية الأولى في غاليس وأكوتين لم يطل أمدها أكثر من نصف قرن، ولم تكن الحضارة الإسلامية في اسبانيا قد تكونت وتفتحت بعد. ثم كانت الغزوات اللاحقة التي فصلنا أخبارها، والتي كانت
стр. 469
أقرب إلى المغامرة المؤقتة، منها إلى الفتوح المستقرة، فلم تتح للغزاة فرص الإستقرار والعمل السلمي، لأنهم كانوا في مراكزهم النائية متفرقين، يشتغلون قبل كل شىء بالدفاع عن مراكزهم وأنفسهم. بيد أن هذه الغزوات المحلية المتقطعة وهذه المستعمرات الإسلامية النائية، خلفت وراءها في الأراضي المفتوحة بعض الآثار المادية والمعنوية. ومن ذلك ما كشفته المباحث الأثرية منذ القرن الماضي على شواطىء خليج سان تروبيه من أطلال الحصون العربية القديمة التي كانت قائمة في تلك الأرض، والتي ما تزال قائمة في بعض آكام الألب الفرنسية والسويسرية، وهي تدل على ما كان للغزاة من الحذق والبراعة في فن التحصينات والمنشآت الحربية. وهناك في جنوب فرنسا وفي بعض أنحاء إيطاليا الشمالية والجنوبية، عدد كبير من الأبراج القائمة فوق الآكام والربى، يدل ظاهرها على أنها كانت تستعمل لأغراض حربية. ويرى البعض أن هذه الأبراج هي آثار عربية من مخلفات الغزاة كانت تبنى لعقد حلقات الاتصال، وتسهيل حركات الدفاع فيما بينهم. ومن المعروف أن العرب منذ فتوحاتهم الأولى في سبتمانيا أعني منذ أوائل القرن الثامن، كانوا ينشئون في الأراضي المفتوحة حصوناً وأبراجاً تسمى "بالرباط". بيد أن فريقاً آخر من الباحثين يرى بالعكس أن هذه الأبراج إنما كانت من إنشاء أبناء الأرض المفتوحة، أقاموها أيام اشتداد خطر الغزوات العربية، ليستعينوا بها على رد الغزاة.
وقد ظفرت المباحث الأثرية أيضاً بالعثور على كثير من القطع الذهبية والفضية (المداليات) في أنحاء كثيرة من لانجدوك وبروفانس، وثبت أنها من مخلفات العرب والمسلمين، وأنها كانت تستعمل للتعامل مكان النقود، ولكنها لا تحمل اسماً ولا تاريخاً ولا يمكن تعيين عهد سكها، وإن كانت بذلك تدل على أنها ترجع إلى عصر الغزوات الأولى. ووجدت أيضاً في العهد الأخير في منطقة تور سيوف ودروع قيل إنها عربية، من مخلفات الموقعة الشهيرة التي نشبت في تلك السهول بين العرب والفرنج في سنة ٧٣٢ م (موقعة بلاط الشهداء).
ومن الحقائق التي لا شك فيها أثر المسلمين في الزراعة؛ فقد رأينا أن كثيراً من الغزاة تخلفوا عن إخوانهم، واستقروا في تلك الأرض وزرعوها، ومن المعروف أن العرب حولوا وديان اسبانيا المجدبة، إلى حدائق ورياض زاهرة، ونقلوا
стр. 470
إليها مختلف الغراس من المشرق، وأنشأوا بها القناطر العظيمة. وقد حمل هؤلاء الغزاة المغامرون إلى جنوب فرنسا كثيراً من خبرتهم الزراعية، ولقنوها لسكان تلك الأنحاء. ويقال إن " القمح الأسمر" الذي هو الآن من أهم محاصيل فرنسا إنما هو من مخلفات العرب، وهم الذين حملوا بذوره، وكانوا أول من زرعه بفرنسا، والمرجح أيضاً أنهم هم الذين حملوا فسائل النخيل من اسبانيا وإفريقية إلى شواطىء الريفييرا. ومن آثارهم الصناعية، استخراج "القطران" الذي تطلى به قاع السفن ويحميها من العطب، فهم الذين علموه لأهل بروفانس، وما زال عندهم من الصناعات الذائعة، وما زال اسمه الفرنسي Quitran ينم عن أصله العربي.
ومن الحقائق الثابتة أيضاً، فضل العرب في تحسين نسل الخيول في تلك الأنحاء، وما يزال في جنوب فرنسا جهات تشتهر بجمال خيولها ونبل أرومتها، ولا سيما في " كاماراج " في مقاطعة " لاند " من أعمال غسقونية، ومن المحقق أن هذه الخيول الأصيلة الجميلة، إنما هي من سلالة الخيول العربية، التي أحضرها الفرسان المسلمون معهم إلى تلك الأنحاء.
ولا ننسى ما للدم العربي من أثر في بعض أنحاء جنوب فرنسا. فقد رأينا أن المسلمين أنشأوا بعض المستعمرات الزراعية، وتزوجوا من نساء تلك الأراضي وتناسلوا فيها. ولما تغلب عليهم النصارى وأخرجوا نهائيا من تلك الأراضي تنصر كثير منهم ممن أسروا، وأرغموا على افتداء حياتهم وأسرهم بالتنصر، وقد لبث أبناء أولئك المسلمين المتنصرين عصوراً في تلك البلاد، يشتغلون بالزراعة والتجارة حتى جرفهم تيار التطور واندمجوا في المجتمع النصراني، واختفت كل آثارهم وخواصهم العربية والإسلامية.
هذا، وأما عن الآثار الاجتماعية، فانه يلاحظ في بعض جهات بروفانس التي استقر فيها المسلمون مدى حين، أن لسكانها بعض التقاليد الخاصة، ومن ذلك أنواع من الرقص يظن أنها ترجع إلى أصل عربي. على أن أعظم آثار العرب الاجتماعية في جنوب فرنسا، يبدو في تطور الحركة الفكرية في العصور الوسطى، فقد كان للعرب أثر عظيم في تكوين النزعة الشعرية في الجنوب، وظهر أثر هذه النزعة واضحاً في الحركة الأدبية التي تعرف بحركة "التروبادور" Troubadour التي ظهرت في جنوبي فرنسا، وفي شمال إسبانيا وشمال إيطاليا، منذ القرن الحادي عشر
стр. 471
الميلادي، وقوامها القريض الحربي والغنائي، وزعماؤها فرسان شعراء وفنانون. أضف إلى ذلك أن تأثير الحضارة الإسلامية في سير الحضارة الأوربية، لم يقف عند هذا العصر ولا عند هذه الحدود، فقد استمرت العلائق بعد ذلك طويلا بين مسلمي الأندلس والأمم النصرانية المجاورة، وكان للحضارة الأندلسية في تطورها العقلي والاجتماعي أعظم الآثار.
وقد لبثت ذكرى العرب وذكرى الغزوات العربية في فرنسا، تثير مدى القرن الثامن في نفوس النصارى أعظم ضروب السخط والروع، وتقدمها الرواية الكنسية المعاصرة في أشنع الصور؛ فلما ظهرت عصابات النورمان والمجر وغزت فرنسا من الشرق والغرب، رأى النصارى من عيثهم وسفكهم أهوالا لا تذكر بجانب أهوال الغزوات الإسلامية، وارتفعت ذكرى العرب وأضحت تقترن بكل ما هو عظيم ضخم (١)، وفي ذلك يقول المستشرق رينو: " إن ذكرى الغزوات النورمانية والمجرية لا توجد إلا في الكتب. ولكن ما السر في أن ذكرى العرب ما زالت ماثلة في جميع الأذهان. لقد ظهر العرب في فرنسا قبل النورمان والمجر، واستطالت إقامتهم بعد الغزوات النورمانية والمجرية، وإن غزوات العرب الأولى ليطبعها طابع من العظمة، حتى أننا لا نستطيع أن نتلو أخبارها دون تأثر. ذلك لأن العرب (٢) دون النورمانيين والمجر، ساروا مدى آماد في طليعة الحضارة، ثم إنهم لبثوا بعد أن غادروا أرضنا موضع الروع في شواطئنا، وأخيراً لأن المعارك التي اضطلعوا بها أيام الصليبيين في اسبانيا وإفريقية وآسيا، أسبغت على اسمهم بهاء جديداً، بيد أن هذه العوامل كلها قد لا تكفي لتعليل المكانة العظيمة التي يتبوأها الاسم العربي في أوربا وفي أذهان المجتمع الأوربي. أما السبب الحقيقي لهذه الظاهرة المدهشة، فهو الأثر الذي بثه قصص الفروسية في العصور الوسطى، وهو أثر لا يزال ملموساً إلى يومنا " (٣).
стр. 472
الكتاب الثاني
الدّوْلة الأمويَّة في الأندَلسْ
القسم الرابع رَبيع الخلافة الأندَلسِيّة ٣٥٠: ٣٧٠ هـ - ٩٦١: ٩٨٠ م
стр. 473
الفصل الأوّل
الحكم المستنصر بالله
خلافة الحكم المستنصر. تنظيم البيعة له. عنايته بتوسيع المسجد الجامع. تحرك أمير قشتالة. وفود أردونيو الرابع على الحكم. وصف لحفل استقباله. سفارة سانشو. وفاة أردونيو. تحالف الملوك النصارى. خروج الحكم إلى الغزو. استيلاء المسلمين على شنت إشتيبن. إفتتاح قلهرة. استرداد حصن غرماج. عناية الحكم بتعزيز الأسطول. ظهور النورمان في المياه الغربية. مقاومة المسلمين وارتداد النورمان. عود النورمان إلى المياه الغربية ثم انسحابهم. قرطبة تغدو مركز التوجيه في شبه الجزيرة. وفود الملوك النصارى وسفاراتهم على قرطبة. حوادث المغرب. انحلال دولة الأدارسة. أميرهم الحسن بن كنون. طاعته للناصر والحكم. مسير بلكين نائب المعز الفاطمي إلى قتال زناتة. ولاء زناتة لبني أمية. غزو بلكين لأراضيهم. هزيمة زناتة. نكث الحسن بن كنون. الحكم يرسل جيوشه إلى المغرب. هزيمة الحسن وفراره. عوده إلى القتال. هزيمة جند الأندلس. الحسن يطلب الصلح. الحكم يرسل كبير قواده غالباً في جيش ضخم. غالب يطارد الحسن ويرغمه على التسليم. التجاء الحسن إلى قرطبة. وصف لموكب القائد غالب. وصف لصفات الحسن. مغادرته قرطبة إلى مصر. اعتداء صاحب قشتالة على الأراضي الإسلامية. نكبة جعفر ويحيى ابني علي بن حمدون. اصطناع الحكم للبربر. مولد ولي العهد هشام. الحكم العالم. شغفه باقتناء الكتب. المكتبة الأموية الكبرى ودور الحكم في إنشائها. ذيوع الشغف باقتناء الكتب. جامعة قرطبة. تشجيع الحكم للعلماء. تقدير النقد الحديث لهذه النزعة العلمية. المكتبات العامة بالأندلس. أخذ البيعة لولي العهد الطفل. تعليق ابن حيان على ذلك. وفاة الحكم. ورعه وخلاله. الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي. هديته إلى الحكم. القائد غالب الناصري. الحكم الشاعر. أبهة بلاط قرطبة في عهد الحكم. تكوين المجتمع الأندلسي في هذا العصر. الأرستقراطية الأندلسية. المولدون. طبقة الرقيق. النصارى المعاهدون. اليهود. نفوذهم وازدهارهم العلمي.
طويت بوفاة عبد الرحمن الناصر، ألمع صفحة في تاريخ اسبانيا المسلمة، وتاريخ الخلافة الأندلسية. استقرت الخلافة الأندلسية في عهد الناصر، على أسس ثابتة، وسحقت ثورة المولدين والعرب، بعد أن كادت تقضي على ملك بني أمية، وعلى صرح الدولة الأندلسية كلها، ورد النصارى الإسبان إلى عقر دارهم، فسكنوا وجلين منتظرين، وتمتعت الأندلس بعهد من السلم والاستقرار والرخاء، لم تعرفه من قبل، ووصلت رقعة الوطن الأندلسي إلى أعظم ما وصلت إليه، إذا استثنينا عهد الفتح الأول. وهكذا كان عصر الناصر بالنسبة للأندلس، ذروة عصورها، قوة وعظمة ومجداً.
стр. 474
وخلف الناصر أكبر ولده الحكم المستنصر بالله بعهد منه، وكان الناصر قد آثره منذ حداثته على سائر إخوته وولاه عهده (١). وقيل إنه أخذ له بيعة العهد وهو طفل لم يجاوز الثامنة. وبويع الحكم في اليوم التالي لوفاة أبيه، في الثالث من رمضان سنة ٣٥٠ هـ (١٦ أكتوبر ٩٦١ م)، وكان الحكم يومئذ في نحو الثامنة والأربعين من عمره، إذ كان مولده حسبما تقدم بقرطبة في ٢٤ من جمادى الأولى وقيل في غرة رجب سنة ٣٠٢ هـ (٩١٥ م) (٢)، وأمه أم ولد تدعى مرجان.
وأخذت البيعة للخليفة الجديد في قصر الزهراء. وجلس الحكم على سرير الملك في البهو الأوسط الذهبي، واجتمع إخوته، وسائر الوزراء ورجال الدولة، وأكابر الفتيان الصقالبة، ومن دونهم من رجال الخاص، وأهل الخدمة، وأكابر الجند، انتظموا جميعاً وفق مراتبهم في المجلسين الشرقي والغربي، وفي مختلف الأروقة، وانتظم الحرس وفرسان الحشم وطبقات الجند، فيما وراء باب السُّدة، صفوفاً متصلة حتى باب المدينة. ولما تمت البيعة، أذن للناس في الانصراف، إلا الإخوة والوزراء ورجال الخاصة، فإنهم لبثوا بالقصر، حتى احتمل جسد الخليفة الذاهب (الناصر) إلى قصر قرطبة ليدفن هنالك في مقبرة القصر (٣).
ولم يكن الحكم حين ولايته، محدثاً في شئون الملك، بل لقد مارسها في حياة أبيه، وكثيراً ما ندبه أبوه لمباشرة المهام والشئون الخطيرة، فكان عند جلوسه أميراً مكتمل النضج والخبرة.
واستهل الحكم عهده بالنظر في توسيع المسجد الجامع، وأصدر بذلك مرسومه في اليوم التالي لجلوسه. وكان المسجد الجامع قد ضاقت جنباته بجموع المصلين، فقرر توسيعه من الناحية الشرقية على طول الجامع من الجنوب إلى الشمال حتى صحنه. وبلغت الزيادة نحو مساحة الجامع، فتضاعف بذلك حجمه. وابتنى الحكم محرابه الثالث، واستغرق بناؤه أربعة أعوام، وعملت له قبة فخمة زخرفت
стр. 475
بالفسيفساء البديعة. وأرسل قيصر قسطنطينية رومانوس الثاني إلى الحكم منها قدراً كبيراً، كما أرسل إليه أستاذاً خبيراً بأعمال الفسيفساء. وأنشأ الحكم أيضاً مقصورة جديدة لها قبة على الطراز البيزنطي. وابتنى إلى جانب المسجد داراً للصدقة، وأخرى للوعاظ وعمال المسجد. وتشغل زيادة الحكم في الجامع اليوم قسمه الأوسط، الواقع بين الجناح القديم، الذي أنشأه عبد الرحمن الداخل وزاد فيه عبد الرحمن الأوسط - والجناح الذي أنشأه الحاجب المنصور، وهو يشغل نحو ثلث المسجد من الناحية الشرقية (١).
ولم يمض سوى قليل، حتى بدت من الأمراء النصارى نزعة إلى العدوان.
وكان الناصر قبيل وفاته قد عاون سانشو الأول (شانجُه) ملك ليون ابن أردونيو الثالث بالمال والجند على استرداد عرشه، وفر ابن عمه ومنافسه أردونيو الرابع مهزوماً إلى برغش (سنة ٩٦٠ م)، واشترط الخليفة ثمناً لهذا العون، أن يهدم النصارى بعض حصون الحدود، وأن يسلموا عدداً آخر منها إلى المسلمين. فلما توفي الناصر بعد ذلك بقليل، نكث سانشو بالعهد، وأبى تنفيذ ما وعد. ومن جهة أخرى فقد ظهر عامل جديد في عدوان النصارى. وذلك أن قشتالة، وقد كانت يومئذ ولاية من ولايات ليون، كانت تنزع إلى الاستقلال، وكان زعيمها الكونت (القومس) فرنان كونثالث (٢) رجلا مقداماً يلتف حوله مواطنوه، فثار على سانشو، وأعلن استقلال قشتالة، ونصب نفسه أميراً عليها، وأخذ يغير على أراضي المسلمين المجاورة، وهي مما يلي غرب الثغر الأعلى، وشمال الثغر الأوسط، وانضم إليه كثير من النصارى المتعصبين. فنما بذلك جيشه واشتد بأسه. وكان الكونت يطمح إلى توسيع أملاكه، ويعتمد على مناعة قلاعه الواقعة على الحدود.
وقد أغضى الحكم في البداية عن هذا العدوان مؤثراً الاعتصام بالسلم، ولكنه لما رأى تمادي النصارى في بغيهم، أخذ في التأهب للحرب، وأنفذ الكتب إلى سائر الولاة والقواد، بوجوب الأهبة والاستعداد للجهاد في سبيل الله.
وكان أردونيو الرابع الملك المخلوع، قد لجأ إلى الحكم ليعاونه على استرداد
стр. 476
عرشه. وتفيض الرواية الإسلامية في وصف مقدمه على قرطبة، ومثوله بين يدي الخليفة، فتقول لنا إن أردونيو وفد على قرطبة في عشرين رجلا من وجوه أصحابه، ومعهم غالب الناصري مولى الحكم وصاحب مدينة سالم، وذلك في آخر صفر سنة ٣٥١ هـ (٣٠ مارس ٩٦٢ م). وتلقاهم الوزير هشام المصحفي في قوات كثيفة من الجند. فلما دخلوا قصر قرطبة، ووصل أردونيو إلى ما بين باب السُّدة وباب الجنان، سأل عن مكان مدفن الناصر، فأشير إليه في الروضة بداخل القصر، فسار إليه وخلع قلنسوته وانحنى أمامه خاشعاً. وأنزل أردونيو وصحبه في دار الناعورة الفخمة، وبولغ في إكرامهم. وبعد يومين استدعاهم الحكم إلى قصر الزهراء، وقد حشدت قوات عظيمة من الجند، وبولغ في الاحتفال بالزينات، وإظهار الأسلحة والعُدَد. وجلس الحكم فوق سرير الملك في المجلس الشرقي، ومن حوله الإخوة والوزراء والأكابر، وجىء بأردونيو وأصحابه، ومعهم جماعة من وجوه نصارى الأندلس. فدخلوا بين الصفوف الفخمة المزركشة وقد بهروا بما رأوا، وجازوا أبواب القصر المتعاقبة، وأجلسوا برهة في بهو الانتظار، ثم استدعوا للمثول بين يدي الخليفة، فسار أردونيو ومن ورائه أصحابه، فلما وصل إلى المجلس الخلافي كشف رأسه وخلع برنسه. ولما دنا من سرير الحكم سجد أمامه ثم قبل يده. ثم ارتد راجعاً إلى كرسي من الديباج المثقل بالذهب.
وتولى الترجمة بين أردونيو والخليفة، وليد بن خيزون قاضي الذمة بقرطبة، وأعرب الحكم عن سروره وترحيبه بمقدم أردونيو، ووعده برعايته. وبسط أردونيو قضيته، وشكا مما أنزله به خصمه سانشو، مع أن الشعب كان قد آثره باختياره، ولكن خصمه لجأ إلى الخليفة الراحل واستجار به، فأغاثه ونصره عليه، ومع ذلك فقد قصر في الوفاء بعهوده، وأنه يضع نفسه وبلاده وشعبه، تحت رعاية الخليفة، وأنه يتعهد بمحالفة الإسلام، ومقاطعة صهره فردلند القومس أمير قشتالة، ويقدم ولده غرسيه رهينة بصدق وفائه (١). وهنا وعده الخليفة بعونه ونصرته في تمليكه ما كان له. وانصرف أردونيو بعد الشكر والتحية، وخرج من المجلس، وقد بهره وأذهله ما رأى من آيات الفخامة والسلطان. وقدم إليه الحاجب جعفر الهدايا التي أمر بها الخليفة له ولأصحابه. وألقى الخطباء والشعراء
стр. 477
خطبهم وقصائدهم، منوهين بروعة هذا اليوم المشهود. فمن ذلك قول عبد الملك ابن سعيد المرادي من قصيدة:
ملك الخليفة آية الإقبال ... وسعوده موصولة بنوال
والمسلمون بعزة وبرفعة ... والمشركون بذلة وسفال
ألقت بأيديها الأعاجم نحوه ..
. متوقعين لصولة الرئبال
هذا أميرهم أتاه آخذاً ... منه أواصر ذمة وحبال
متواضعاً لجلاله متخشعاً ... متبرعاً لما يرع بقتال (١)
فلما نمى إلى سانشو ما وعد به الخليفة خصمه ومنافسه، خشى عاقبة هذا المسعى، فبعث إلى الحكم وفداً من الأكابر والأحبار، يعرض عليه أن يعترف بطاعته، وأن يقوم بتنفيذ ما تعهد به للناصر من تسليم بعض الحصون الواقعة على الحدود وهدم البعض الآخر (٢). ولكن أردونيو ما لبث أن توفي، وعاد سانشو إلى نكثه بعد أن أمن شر منافسه. وهنا شعر الأمراء النصارى بخطورة أهبة المسلمين العسكرية، وأدركوا أن لا بد لهم من الاتحاد جميعاً، لكي يستطيعوا مواجهتهم. وهكذا عقد التحالف بين سانشو ملك ليون، وخصمه الكونت فرنان أمير قشتالة، وغرسية سانشيز ملك نافار، وكونت برشلونة، وتأهب الجميع لمدافعة المسلمين.
وفي صيف سنة ٣٥٢ هـ (٩٦٣ م) خرج الحكم إلى الغزو، معلناً الجهاد، واجتمعت إليه الجيوش في طليطلة، فسار مخترقاً جبال وادي الرملة إلى أراضي قشتالة، وأشرف على قلعة شنت إشتيبن المنيعة (٣) فحاصرها المسلمون، واستولوا عليها. وعبثاً حاول الكونت فرنان كونثالث، أن يقف في سبيل المسلمين، واجتاح المسلمون أراضيه، ومزقوا قواته، حتى أذعن إلى طلب الصلح، ولكنه نكث عهده، فهاجمه المسلمون كرة أخرى، واستولوا على بلدة أنتيسة الحصينة (٤).
стр. 478
وأرسل الحكم جيشاً آخر بقيادة يحيى بن محمد التجيبي حاكم سرقسطة في اتجاه نافار. وكان ملكها غرسية سانشيز، قد أغار على الأراضي الإسلامية ناكثاً لعهده، وهرع حليفه سانشو ملك ليون في قواته لإنجاده، ونشبت بين الفريقين موقعة هزم فيها النصارى وامتنعوا بالجبال. وفي نفس الوقت سار القائد غالب مولى الحكم في جيش قوي إلى مدينة قلهرّة، من قواعد نافار الغربية، فافتتحها، وحصنها وشحنها بالرجال والعدة، وكان فتحاً عظيماً. وسار حاكم مدينة وشقة في قواته شمالا نحو أراضي نافار مما يلي جبال البرنيه، واستولى على حصن يبه (١) واجتاح تلك المنطقة، وغنم ما فيها من السلاح والأقوات والماشية (٢). واستغرقت هذه الفتوح والغزوات العظيمة، الصائفة في سنتي ٣٥٢ و٣٥٣ هـ (٩٦٣ - ٩٦٤).
ويروي لنا ابن خلدون قصة غزوة إسلامية أخرى في أراضي قشتالة - فيقول لنا إن غالباً سار إلى بلاد ألبة، ومعه يحيى بن محمد التجيبي، وقاسم بن مطرف بن ذى النون، فاستولى على حصن غرماج Gormaz. ويضع ابن خلدون تاريخ هذه الغزوة في سنة ٣٥٤ هـ (٩٦٥ م). وتقع قاعدة " غرماج " الحصينة على نهر دويرة على مقربة من شنت إشتيبن. وكان الناصر قد انتزعها من النصارى في سنة ٩٤٠ م. والظاهر أن القشتاليين بقيادة فرنان كونثالث، كانوا قد استولوا عليها فيما استولوا عليه من قواعد الحدود، قبل أن يخرج الحكم إلى الغزو، فاستردها المسلمون في صائفة سنة ٣٥٣ هـ، أو في الصائفة التالية، وقاموا بتحصينها لمدافعة القشتاليين في هذه المنطقة (٣).
وتشير الرواية الإسلامية فوق ذلك إلى غزوات ناجحة أخرى، قام بها المسلمون في أراضي قشتالة في سنتي ٣٥٥ و٣٥٦ هـ، بيد أنها لا تقدم إلينا شيئاً عن تفاصيل تلك الغزوات (٤).
وفي سنة ٣٥٣ هـ وقعت بالعاصمة الخلافية مجاعة عظيمة، فبذل الحكم للفقراء والمعوزين في سائر أرباض قرطبة والزهراء، من النفقة ما يكفل أقواتهم ويسد عوزهم.
стр. 479
وكانت حوادث المغرب الأقصى (وسوف نتحدث عنها بعد)، وما يتهدد الأندلس من جراء مشاريع الفاطميين وأشياعهم في تلك المنطقة، مما يشغل حكومة قرطبة، ويحفزها دائماً إلى اليقظة والتأهب، وكان من أثر ذلك أن قصد الحكم في شهر رجب سنة ٣٥٣ إلى ثغر ألمرية (سبتمبر سنة ٩٦٤) في جماعة كبيرة من الرؤساء والقادة، ليشرف بنفسه على أعمال التحصين الجارية فيها، وليتخذ ما يجب لتجديد الأسطول وتعزيزه. وكانت ألمرية أعظم قواعد الأسطول الأندلسي، وكانت سفنه الراسية بها يومئذ تبلغ ثلاثمائة قطعة (١).
بيد أنه لم يمض قليل، حتى جاء الخطر يتهدد الأندلس من ناحية أخرى. ففي أواخر سنة ٣٥٥ هـ (٢) (أواخر سنة ٩٦٧ م) ظهرت سفن النورمان أو المجوس في مياه الشاطىء الغربي قبالة ولاية الغرب.
وكان النورمان قد ظهروا في مياه الأندلس لأول مرة في سنة ٢٢٩ هـ (٨٤٣ م) أيام عبد الرحمن بن الحكم، وبدأت حكومة قرطبة تعني بشأن الأسطول ومضاعفة أهبتها البحرية من ذلك الحين. وكان أولئك الغزاة النورمان في هذه المرة من أهل دانماركة المجوس، ويقودهم رتشارد الأول دوق نورماندي، وحفيد زعيمهم الكبير رولو. وكانت عدة أسطولهم ثمانية وعشرين مركباً. ونزل الغزاة على مقربة من بلدة قصر أبي دانس (٣)، وعاثوا في تلك النطقة، ثم زحفوا شمالا إلى بسائط أشبونة الغنية اليانعة، وعاثوا فيها تخريباً ونهباً، واجتمع المسلمون في تلك المنطقة لقتالهم. ونشبت بينهم وبين الغزاة موقعة دامية قتل فيها كثير من الفريقين.
وفي تلك الأثناء خرج أسطول إشبيلية من نهر الوادي الكبير بقيادة أمير البحر عبد الرحمن بن رماحس، وسار على عجل إلى شاطىء البرتغال الجنوبي، وكان الغزاة قد انحدروا عندئذ جنوباً ثم شرقاً بمحاذاة الشاطىء، ووقع اللقاء بين سفنهم وبين سفن المسلمين عند مصب نهر شِلْب. فحطم المسلمون عدة من سفن الغزاة، وأنقذوا من كان بها من أسرى المسلمين، وقتل كثير من النورمان، وارتدوا منهزمين عن تلك المياه، بيد أن سفنهم لبثت تجوس خلال المياه الغربية، والمسلمون لهم بالمرصاد أينما ظهروا. وأمر الحكم زيادة في التحوط أن تحشد بعض
стр. 480
سفن الأسطول الصغرى في نهر الوادي الكبير تجاه قرطبة، وترتيبها على هيئة مراكب النورمان (١)، وذلك خشية أن يتسرب الغزاة بطريق النهر إلى العاصمة، كما فعلوا حينما هاجموا إشبيلية في غزوتهم الأولى.
ولم تمض بضعة أعوام على ذلك، حتى عادت مراكب النورمان تجوس خلال المياه الغربية (٣٦٠ هـ - ٩٧١ م) مرة أخرى، وتهدد شواطىء ولاية الغرب الغنية.
ويقدم إلينا ابن حيان عن هذه الغزوة الثانية للنورمان لشواطىء الأندلس بعض تفاصيل ملخصها أن الحكم عهد إلى أمير البحر عبد الرحمن بن رماحس بتسيير الأسطول من ألمرية وإشبيلية، واجتماع قوى الأندلس البحرية كلها لمواجهة الغزاة، كما عهد إلى الوزير القائد غالب بن عبد الرحمن بأن يشرف على القوات البرية والبحرية التي أعدت لمدافعة أولئك الغزاة، وأمر صاحب الخيل والحشم زياد بن أفلح بإخراج السلاح والعدة، وحشد قوة مختارة من الجند.
بيد أنه لم تقع فيما يبدو، أية معارك هامة بين المسلمين والغزاة، ولم يحدثنا ابن حيان عن وقوع مثل هذه المعارك. والظاهر أنهم ارتدوا من تلقاء أنفسهم لما رأوا من تفوق قوى المسلمين (٢).
وفي خلال ذلك كانت قرطبة تغدو شيئاً فشيئاً، مركز التوجيه في شبه الجزيرة الإسبانية كلها، وتغدو كعبة لملوك اسبانيا النصرانية، يفدون إليها تباعاً، يقدمون إليها عهود الطاعة، ويلتمسون منها الصداقة والعون. وقد بدأ تقاطر هذه الوفود والسفارات من سنة ٣٥٥ هـ (٩٦٦ م) واستمر عدة أعوام. ويجدر بنا قبل التحدث عنها، أن نشير إلى ما وقع من تغييرات في الإمارات والممالك النصرانية. فقد توفي سانشو ملك ليون مسموماً في سنة ٩٦٦ م. وخلفه ولده الطفل راميرو الثالث، تحت وصاية عمته الراهبة إلبيرة، وكان من أثر ذلك أن وقع التفكك في مملكة ليون، وأعلن عدة من الزعماء المحليين استقلالهم. وتوفي الكونت
стр. 481
فرنان كونثالث أمير قشتالة في سنة ٩٧٠ م، وخلفه ولده غرسيه فرناندز. وتولى عرش نافار سانشو غرسية الثاني، بعد وفاة أبيه غرسية سانشيز.
وكان أول الوافدين على قرطبة من أمراء النصارى أمير جليقية، وأمير أشتوريش، (الأسترياس). ثم وفدت رسل سانشو غرسية ملك نافار، وهم جماعة من القوامس والأساقفة يسألون الصلح، فأجابهم الحكم إلى ما طلبوا.
ووفدت في شعبان سنة ٣٦٠ هـ (يونيه ٩٧١ م) سفارة من أمير برشلونة الكونت بوريل ابن شونير Saunier على رأسها مبعوثه القومس بون فلي لتجديد المودة والصداقة، ومعهم ثلاثون أسيراً من المسلمين الذين كانوا محجوزين بالإمارة، تقرباً من الخليفة. فاستقبلهم الحكم بالمجلس الشرقي من قصر الزهراء مرتين، الأولى في الرابع من رمضان سنة ٣٦٠ هـ، والثانية في الثاني من شوال، واستمع إلى رسالتهم بالقبول والرضى، وصرفهم بجزيل الصلات وفاخر الكسي (١). وفي السادس من ذي الحجة سنة ٣٦٠ هـ (أكتوبر ٩٧١ م) وفدت الراهبة إلبيرة عمة ملك ليون راميرو الثالث والوصية عليه - ويسميها ابن حيان حلويرة وأحياناً حلورية (٢) -، فقوبلت في قرطبة بمظاهر الترحاب والتكريم، واحتفل الحكم باستقبالها بقصر الزهراء في يوم مشهود، وعقد السلم لملك ليون تحقيقاً لرغبتها، وأغدق عليها الهدايا والصلات " وحملت على بغلة فارهة بسرج ولجام مثلقين بالذهب وملحفة ديباج " (٣). ومما هو جدير بالذكر أنه قام بالترجمة يومئذ بين الخليفة الحكم، وبين سفراء أولئك الأمراء والملوك النصارى، قاضي النصارى وأسقفهم بقرطبة، عيسى بن منصور، وقومس أهل الذمة، معاوية بن لب، ومطران إشبيلية عبيد الله بن قاسم. وكانت لغة النصارى
стр. 482
الإسبان يومئذ هي اللغة الرومانية (الرومانشي) Romance أو" اللاتينية "، وهي التي تطورت فيما بعد إلى اللغة القشتالية (١).
ووفدت سفارات أخرى من غرسية فرناندز أمير قشتالة، وفرنان لينيز كونت شلمنقة وغيرهما. وفي سنة ٩٧٣ م (٣٦٢ هـ) وفدت سفارة جديدة من سانشو غرسية ملك نافار، ومن الراهبة إلبيرة الوصية على ملك ليون. وكان جل هذه الزيارات والسفارات من أمراء اسبانيا النصرانية، يقصد إلى عقد السلم والمودة مع خليفة الأندلس، وأحياناً إلى تقديم الطاعة وطلب العون.
هذا وقد وردت إلى الخليفة رسالة ودية من يوحنا زيمسكي (الدمستق) قيصر قسطنطينية على يد رسوله قسطنطين الملقي، وذلك في جمادى الأولى سنة ٣٦١ هـ (٩٧٢ م) (٢)، ورسالة أخرى في أواخر سنة ٣٦٣ هـ (٩٧٤ م) من إمبراطور ألمانيا أوتو الثاني الذي خلف أباه أوتو الأول، وفيها يجدد علائق المودة التي كانت بين أبيه وبين الناصر. ووردت في نفس العام سفارة جديدة من الكونت بوريل أمير برشلونة يطلب تجديد المودة والصداقة.
ويعلق العلامة المؤرخ الأستاذ بيدال على ذلك بقوله: " وصلت الخلافة الأندلسية في ذلك العصر إلى أوج روعتها، وبسطت سيادتها السلمية على سائر اسبانيا، وكفلت بذلك السكينة العامة ".
وفي هذا العام، سنة ٣٦١ هـ، في الخامس والعشرين من جمادى الأولى، أمر الخليفة الحكم صاحب مدينة الزهراء، محمد بن أفلح، بمطاردة الشعراء الهجائيين والقبض عليهم، صوناً لأعراض الناس من لاذع ألسنتهم ومقذع هجائهم وكان منهم عيسى بن قرلمان الملقب بالزبراكة، ومؤنس الكاتب، وأحمد بن الأسعد، ويوسف بن هارون البطليوسي وغيرهم. فظفر صاحب المدينة بمعظمهم وأودعهم السجن، واختفى البطليوسي حيناً، ولكنه لما شعر بوطأة المطاردة،
стр. 483
قدم نفسه لصاحب المدينة، فزج إلى السجن. ورفع أمره إلى الخليفة، فرق لمحنتهم. أمر بالإفراج عنهم، فأطلق سراحهم في أواخر شعبان من هذه السنة (١) وفي هذا الإجراء ما يشهد برفيع خلال الحكم. ورقة شعوره، وموفور احتشامه.
* * *
وفي ذلك الحين حدثت بعدوة المغرب، في الضفة الأخرى من البحر، حوادث هامة، شغلت الحكم، وكدرت صفو السلام السائد في مملكته. وقد سبق أن أشرنا إلى غزو الناصر لدين الله لثغر سبتة، وعبور جيوشه إلى المغرب لمقاومة جهود الفاطميين في السيطرة عليه، ومحاربة الأدارسة أمراء المغرب وحلفاء الفاطميين، ومطاردتهم. حتى أذعنوا في النهاية إلى طلب الصلح، والاعتراف بطاعة الناصر (سنة ٣٣٢ هـ - ٩٤٣ م). وقيام الدعوة المروانية بالمغرب منذ ذلك الحين.
وكانت دولة الأدارسة، قد تقلصت في ذلك الحين، عن معظم أنحاء المغرب الجنوبية والوسطى، وارتدت إلى منطقة الريف الشمالية، ما بين غربي بحر الزقاق والمحيط، وجعلت قاعدتها بعد انقراض أمرهم في فاس، في قلعة حجر النسر المنيعة، الواقعة في جنوبي تطوان. ولم تكن مع ذلك دولة مستقلة بمعنى الكلمة، إذ كانت تنضوي تحت لواء المتغلب على المغرب، سواء من العبيديين (الفاطميين) أصحاب إفريقية. أو الأمويين أصحاب الأندلس. وكان أمير الأدارسة في أواخر عهد الناصر، الحسن بن كنّون (أو قنون)، وهو القاسم بن محمد ابن القاسم بن إدريس، الذي قدر أن تنقضي على يده دولة الأدارسة بالمغرب، وكان قد بايع العبيديين، ودعا لهم حينما تغلب جوهر الصقلي على المغرب، ناكثاً بذلك عهده للناصر. فلما انصرف جوهر إلى إفريقية في أواخر سنة ٣٤٩ هـ (٩٦٠ م) عاد الحسن إلى طاعته لبني أمية. ولما توفي الناصر أعلن الحسن طاعته لولده الحكم المستنصر. ولم يكن ذلك سوى مصانعة ورياء، إذ كان الأدارسة يبغضون بني أمية، ويترقبون فرص الخروج عليهم، ولم تكن طاعتهم لهم إلا خوفاً من بطشهم، لوقوع مملكتهم في شمال العدوة على مقربة من الأندلس.
стр. 484
وفي أوائل سنة ٣٦١ هـ (٩٧١ م) سار بُلكّين بن زيري بن مناد الصنهاجي، قائد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، من إفريقية غازياً إلى المغرب، ليعيد هنالك سلطان الشيعة، ولينتقم من قبيلة زناته، لمقتل أبيه زيري بن مناد. وكان زيري عامل الخليفة المعز وقائده على المغرب، وكانت زناتة من القبائل المغربية القوية المخالفة للشيعة، والمنضوية تحت لواء الأمويين. وكان من أشد خصوم الشيعة أيضاً، جعفر ويحيى ابنا علي بن حمدون المعروف بالأندلسي (١)، وكان الأندلسي هذا قد استقر في "المسيلة" في المغرب الأوسط، وبسط حكمه على تلك الناحية، وخلفه ولده جعفر في إقطاعه، ولكنه خشي سطوة الشيعة، وسطوة عاملهم زيري، ففر وأخوه يحيى مع الأهل والمال إلى المغرب الأقصى، ولجأ إلى بني خزر أمراء زناتة الأقوياء، وألد خصوم الشيعة وصنهاجة. وكان رسل الحكم يروجون الدعوة في زناتة وحلفائهم لمحاربة الشيعة، ويمدونهم بالمال لحشد الرجال والعدة، فاجتمعت قوات بني خزر وجعفر ويحيى على قتال زيري، ودارت بينهما الحرب في وادي ملوية عند مشارف المغرب الأقصى، وانهزم الشيعة، وقتل زيري ومعظم رجاله بعد معركة طاحنة واحتوى الزناتيون على معسكره، وانهار بذلك سلطان الشيعة في المغرب، وكان ذلك في العاشر من رمضان سنة ٣٦٠ هـ (يوليه ٩٧١ م). واحتز الظافرون رأس زيري ورؤوس عدة من أكابر صحبه. وحملها جعفر ويحيى وأصحابهما إلى الأندلس، وقدموها إلى الحكم، فحظوا لديه وغمرهم بعطفه وصلاته (٢).
стр. 485
وكان لهذه النكبة التي حلت بجيش الشيعة وصنهاجة، وقع عميق في الخلافة الفاطمية. فأمر الخليفة المعز قائده يوسف بن زيري بن مناد، المسمى بُلُكّين (بلقين) أن يسير في الجيوش إلى المغرب حسبما تقدم. فسار بلكلين، وهو ينزل ضرباته المتوالية بأتباع زنانة حيثما وجدوا في طريقه، وكانت منهم جموع غفيرة في المغرب الأوسط في بجاية، والمسيلة، وبسكرة، وتاهرت وغيرها، فمزقهم شر ممزق. ووصل بلكين في قواته، إلى المغرب الأقصى، في ربيع الثاني سنة ٣٦١ هـ، واستعد بنو خزر وسائر أمراء زناتة للقائه، ووقعت الحرب بين الفريقين، فهزمت زناتة شر هزيمة، وانتحر أميرها محمد بن الخير بن خزر وذلك بأن اتكأ على سيفه فذبح نفسه، حتى لا يقع في يد عدوه، ومزق بلكين زناتة كل ممزق، وهدم مدينة البصرة، وبسط سلطانه على معظم أنحاء المغرب، وقطع دعوة الأمويين، وحقق انتقامه لمقتل أبيه كاملا (١).
وسارع الحسن بن كنون، القلَّب مع كل تطور جديد، إلى بيعة بلكين، والانضواء تحت لوائه، أو بعبارة أخرى، تحت لواء سادته الشيعة ولكن بلكين لم يمكث طويلا بالمغرب. إذ سرعان ما استدعاه سيده المعز - وكان يتخذ يومئذ أهبته للسفر إلى مصر، مقر ملكه الجديد - فارتد عائداً بقواته إلى إفريقية.
ووقف الحكم على تطور الحوادث بالمغرب، فأزعجه ذلك وأهمه، وبادر
стр. 486
بإعداد جيش ضخم، حسن الأهبة، لغزو المغرب، ومقاتلة الحسن بن كنون، تحت إمرة قائده محمد بن القاسم بن طملس، كما أمر قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس بحشد الأسطول. وعبر محمد بن القاسم في قواته من الجزيرة الخضراء إلى سبتة، في شوال سنة ٣٦١ هـ (يوليه ٩٧٢ م)، وكان الحسن بن كنون عندئذ في طنجة، فخرج في جموع البربر لقتال جيش الحكم، فوقعت عليه الهزيمة وقتل كثير من أصحابه، وفر هارباً تاركاً أمواله وعتاده بطنجة، واستسلم أهل طنجة إلى محمد بن القاسم، وأعلنوا طاعتهم للحكم؛ ودخل محمد طنجة واحتلها، وبعث إلى الحكم بفتحها. ثم طارد فلول الحسن بن كنون جنوباً حتى ثغر أصيلا، ودخلها.
وفي تلك الأثناء كان الحسن قد جمع فلوله، وأعاد تنظيم قواته، وسار إلى لقاء جيش الحكم مرة أخرى، فالتقى الجمعان في مكان يعرف بفحص مهران؛ وهنا حالف الحسن حسن الطالع، فدارت الدائرة على جند الأندلس، وقتل منهم عدة كبيرة فرساناً ومشاة، وفي مقدمتهم قائدهم محمد بن القاسم، وبلغ القتلى من الفرسان وفق تقدير الرازي خمسمائة ومن الرجالة ألفاً، وكان ذلك في الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة ٣٦٢ هـ، وفرت فلول الأندلسيين إلى سبتة فامتنعوا بها، وبعثوا إلى الحكم يطلبون الإنجاد والغوث (١).
وأراد الحسن في نفس الوقت أن يستغل نصره بطلب الصلح، وتقديم الطاعة وتبادل الرهائن، وبعث أمير البحر عبد الرحمن بن رماحس بذلك إلى الحكم، فكتب الحكم إليه ومن معه من القادة يوصيهم بالاستمرار في مجاهدة الملحد، ومجاهدة من معه، حى يفتح الله فيه وفيهم. وكان مما قاله في كتابه: " أن أفضل ما احتمل عليه، وعمل به، استشعار الحزم، وادراع التحفظ، واستنصاح الاتهام، وإذكاء العيون، وبث الجواسيس، والاستكثار منهم، ومن حملة الأخبار حتى لا يخفي لحسن - أهلكه الله - حركة، ولا يتوارى له مذهب ".
ومما كتبه الحكم إلى عبد الرحمن بن يوسف بن أرمطيل قائد ثغر أصيلا،
стр. 487
رداً على ما أبداه الحسن من رغبة في الإنابة والصلح: " وكيف يذهب الآن هذا المذهب وهو في طغيانه مستمر، وفي دينه مستبصر، ولكم في كل أيامه محارب، هذا هو الضلال، والمحال عين المحال، وسبب الخبال، وقد رأى أمير المؤمنين تأمين جميع الناس لديه غيره، وغير من أصر إصراره، وتمادى تماديه، إلى أن يحكم الله عليه، ويفتح فيه " (١).
وبادر الحكم في نفس الوقت، بحشد جيش جديد، ندب لقيادته مولاه ووزيره وكبير قواده غالباً بن عبد الرحمن " البعيد الصيت المعروف بالشهامة ". وأمده عدا الجند الكثيف، والعتاد الضخم، بأموال جليلة لاستمالة القبائل، وأمره أن يشتد في قتال الأدارسة، وأن يستأصل شأفتهم، وأن يطهر المغرب من كل القوى المناوئة لبني أمية. وقال له؛ " سر يا غالب مسير من لا إذن له في الرجوع إلا حياً منصوراً، أو ميتاً معذوراً، وابسط يدك في الإنفاق، فان أردت نظمت للطريق بيننا قنطار مال " (٢). فخرج غالب في قواته الجرارة من قرطبة، وعبر البحر من الجزيرة الخضراء إلى قصر مصمودة (أو القصر الصغير) وذلك في الحادي عشر من رمضان سنة ٣٦٢ هـ. وعلم الحسن بمقدمه، وعظيم أهبته، فغادر مدينة البصرة، الواقعة في الجنوب حيث كان يقيم، ولجأ بأهله وأمواله وذخائره إلى قلعة حجر النسر، الواقعة شمالها. ثم جمع قواته وخرج لقتال جيش الحكم، ونشب القتال بين الفريقين أياماً، وبث غالب في رؤساء البربر من غمارة وغيرهم من جند الحسن، الأموال والهدايا، فانفصلوا عنه، واضطر الحسن أن يمتنع بمن بقى معه في قلعة حجر النسر، فطارده غالب وضرب الحصار حول القلعة. وفي أوائل شوال بعث الحكم ثقته محمد بن أبي عامر إلى العدوة بأحمال من المال والحلي والخلع لتوزيعها على أكابر البربر الذين يمكن استمالتهم إلى جانب الخلافة. وأصدر الحكم في نفس الوقت مرسومه بتعيين ابن أبي عامر
стр. 488
قاضياً لقضاة العدوة، إلى ما يتقلده من خطتى الشرطة الوسطى والعليا والمواريث وقضاء إشبيلية (١). ووصلت إلى غالب من الأندلس بعد ذلك أمداد جديدة، بقيادة الوزير يحيى بن محمد التجيبي وإخوته، يوسف ومحمد وهاشم وهذيل، ومعه جملة من المال (المحرم سنة ٣٦٣ هـ) ونزل يحيى وجنده بطنجة، وانضموا إلى قوات القائد الأعلى غالب. وشدد غالب الحصار على الحسن، وقطع سائر علائقه وموارده، وبث قواته في سائر الأنحاء لمطاردة الأدارسة، واستئصال شأفتهم. ونشبت بين جند الحكم وبينهم معارك عديدة، قتل فيها الكثير منهم.
وفي صفر سنة ٣٦٣ هـ استولى غالب على مدينة البصرة، وسلمها إليه أهلها، بعد أن قتلوا نائبها الحسنى. وكان ضمن حاشية غالب الشاعر محمد بن حسين التميمي المعروف بالطبني، بعثه إليه الحكم تحقيقاً لرغبته لكي يساعده بنظمه على اكتساب ولاء المنشقين على الحسن (٢). وفي تلك الأثناء، كان الحسن قد أجهده الحصار، وأشرف على الهلاك، ومن معه من أهله ورجاله، فاضطر في النهاية إلى طلب الأمان والتسليم، وأعلن طاعته للحكم (جمادى الآخرة سنة ٣٦٣ هـ)، ودخل غالب قلعة حجر النسر، ودعى في مسجدها للحكم. ووصلت هذه الأنباء السارة إلى الحكم، وأعلنها الحكم في جامع قرطبة، بعد ذلك بأيام قلائل.
وتتبع غالب سائر من بقي من الأدارسة ببلاد الريف حتى استأصل شأفتهم، وقضى على دولتهم. وسار إلى مدينة فاس ودخلها، وعين لها حاكماً من قبله، وتم بذلك إخضاع المغرب للدعوة الأموية.
وكان قد وصل من العدوة قبل هزيمة الحسن، عدد كبير من القبائل والبطون البربرية الخارجة عليه، الجانحة إلى طاعة الحكم. وكان بين هؤلاء عدد كبير من فرسان قبائل كتامة يبلغون زهاء ثلاثة آلاف وخمسمائة فارس، ورئيسهم أبو العيش بن أيوب، وقد عقد له الحكم على قومه، وأصدر له بذلك سجلا من إنشاء صاحب المواريث جعفر بن عثمان، يبين فيه واجباته وسلطاته ولا سيما في شئون الجباية، وأصدر الحكم سجلات مماثلة لزعماء القبائل والبطون البربرية الأخرى، وقد ذكرها لنا ابن حيان، وذكر أسماء زعمائها (٣).
стр. 489
وفي أواخر ذي الحجة سنة ٣٦٣ هـ، عبر القائد الأعلى غالب البحر إلى الجزيرة الخضراء، تاركاً شئون العدوة للقائد يحيى بن محمد بن هاشم التجيبي تحقيقاً لرغبة الحكم؛ وكان في ركب القائد الأعلى المظفر، الحسن بن كنون وسائر أهله وشيعته من زعماء الأدارسة ومعهم الأهل والولد. وصدر قبيل ذلك في قرطبة، عن أمر الخليفة الحكم، كتاب طويل من إنشاء الوزير جعفر ابن عثمان قرىء على سائر منابر الأندلس، وفيه ينوه بما من الله على خليفته من كفالة أمر المسلمين، وقمع عدوان النصارى بالأندلس، ثم مطاردة الشيعة أهل البدع بالعدوة، وما منحه الله من النصر على المخالفين " حتى استوثقت الطاعة في جميع بلاد المغرب وقامت الدعوة بمنابر قواعده " (١). وأشرف غالب في ركبه الحافل على قرطبة في أوائل المحرم سنة ٣٦٤ هـ، وأنزل الأشراف الحسنيون المرافقون له في الدور التي أعدت لهم بقرطبة وأرباضها. وخرج الجند من مدينة الزهراء في صبيحة يوم الخميس الخامس من محرم لتلقي القائد المظفر، والمسير بين يديه، وعلى رأسهم عدة من الفتيان ورؤساء الخدمة، ودخل غالب قرطبة في عسكره، وفي ركبه الأشراف الأدارسة، ونزل بفحص الناعورة؛ ويصف لنا ابن حيان في تفصيل شاف موكب القائد غالب، وركبه المظفر الفخم، ومن كان يحف به أو يتبعه من الفرسان المدرعين وأهل الخدمة والصقالبة، والعبيد الرماة وغيرهم من أصحاب الطبول والقرون والبنود والرايات. ودخل غالب في موكبه الفخم مدينة الزهراء من باب السُّدة، ونفذ إلى القصر، وأنزل الأدارسة الذين معه في المجالس القبلية بدار الجند. وكان الخليفة الحكم قد جلس لاستقباله في المجلس الشرقي المشرف على الرياض، وقد حف به الإخوة، وجلس من بعدهم الوزراء والحجاب وأصحاب الشرطة والمدينة والقضاة وسائر أهل الخدمة، كل في مكانه المعهود. واستقبل الخليفة زعماء الأدارسة، وشيخهم حنون بن أحمد بن عيسى، وشكر طاعتهم، وعفا عن الحسن، ووعدهم بالإحسان، وأجزل لهم الأرزاق والصلات (٢). وعين من حاشيتهم في ديوانه، سبعمائة من أنجادهم. واستمر الحسن وذووه على ذلك زهاء عامين. ثم وقعت
стр. 490
النفرة بينه وبين الحكم لأسباب منها، " سوء خلق الحسن ولجاجته ". قال المؤرخ: " وكان الحسن بن قنون هذا جاهلا متهوراً فظاً، شديد الجرأة، قاسي القلب ". ولم ينس الحكم ما كان من قسوته وفظاعته نحو جنده أيام الحرب بينهما، حيث كان الحسن يلقي بالأسرى من جند الأندلس من أعلى قلعته الشامخة فيصلون إلى الأرض إرباً (١). وهكذا ثقل وجوده وذووه في قرطبة. ومن جهة أخرى فقد كان الحاجب جعفر بن عثمان المُصْحفي يتوجس شراً من وجود الحسن وصحبه، ويستثقل نفقاتهم، وينصح بإخراجهم من الأندلس. فرأى الحكم أن يقصيهم من مملكته، وأن يتخلص من نفقاتهم الباهظة، وأن يبعث بهم إلى المشرق. وهكذا أخرج الحسن وعشيرته من قرطبة، وركبوا البحر من ألمرية إلى تونس سنة ٣٦٥ هـ (٩٧٥ م)، ثم ساروا إلى مصر، حيث نزلوا في كنف خليفتها الفاطمي العزيز بالله، فأكرم وفادتهم، ووعدهم بنصرة قضيتهم. واستقر الحسن بمصر بضعة أعوام، حتى سنة ٣٧٣ هـ، وعندئذ بعثه العزيز بعهد منه، إلى بلكين بن زيري بن مناد بالقيروان، يطلب إليه إمداده وعونه، على تنفيذ مشاريعه، إلى أن كان من أمره ما سيجىء (٢).
وكان غرسية فرناندز، ولد فرنان كنثالث، صاحب قشتالة وألبة، قد خلف أباه في الحكم، منذ وفاته في سنة ٩٧٠ م. وكان مثله يتبع سياسة النفاق والمصانعة، في إظهار رغبته في السلم، ثم يقوم في الوقت نفسه بالإغارة على الأراضي الإسلامية، كلما سنحت الفرص. فلما شغل الحكم بحوادث المغرب، وعبرت الجيوش الأندلسية وقوادها الأكابر، إلى العدوة، بعث غرسية قواته، فأغارت على أراضي المسلمين، واقتحمت حصن دسة الواقع شمال شرقي مدينة سالم، والذي يتوسط أراضي بني عمريل بن تيملت الثغري. ووقع هذا الاعتداء في شهر ذي الحجة سنة ٣٦٣ هـ (صيف سنة ٩٧٤ م)، وأحرق النصارى الزروع واستاقوا الماشية. فخرج في أثرهم زروال ومضاء، ولدا عمريل، واليا هذه
стр. 491
المنطقة، في أصحابهما، واستنقذوا الماشية، وقتلوا عدداً من النصارى؛ ولكن النصارى تكاثروا عليهم بعد ذلك، ووقعت بين الفريقين معركة قتل فيها زروال.
ومن الغريب أن غرسية فرناندز، كان قبل هذا الاعتداء بقليل، قد بعث رسله إلى قرطبة، في طلب السلم والمهادنة، فأجابهم الحكم إلى ما طلبوا؛ وما كادوا ينصرفون من قرطبة، حتى جاءت الأنباء بما حدث من اعتداء القشتاليين، فبعث الحكم لفوره أفلح صاحب الخيل، في سرية من وجوه الجند، للقبض على السفراء القشتاليين، فهرعت في أثرهم واستطاعت أن تظفر بهم، وأعيدوا إلى قرطبة حيث زجوا إلى السجن.
ووفد على الحكم في العام التالي، أبناء عمريل الخمسة بعد وفاة أبيهم، وشهد القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن، بحزمهم وحسن طاعتهم، وأوصى بتقليدهم عمل والدهم، فقسمت بينهم الأراضي والحصون، على رضا منهم، وغمرهم الحكم بالخلع والصلات (١).
وكان من الأحداث البارزة في أواخر سنة ٣٦٣ هـ، ما وقع من نكبة جعفر ويحيى ابني على بن حمدون الأندلسي. وكانا قد استقرا في قرطبة، في كنف الحكم وتحت سابغ رعايته. وكان الحكم قد ابتاع منهما عبيدهما الذين استعفوا من خدمتهما، ودفع الثمن إليهما، وتم فصل العبيد عنهما، وضمهم الحكم إلى جنده لما كانوا يتصفون به من الشجاعة والبأس، وكان لذلك فيما يبدو أثر سيىء في نفسيهما، فقيل إنهما تكلما في حق الخليفة بما لا يحمد، وجاهرا بامتداح خلفاء الشيعة، سادتهم الأوائل، ونمى ذلك إلى الحكم، فأمر في الحال بالقبض عليهما، وزجا مكبولين إلى سجن الزهراء. وكان ذلك في شوال سنة ٣٦٣ هـ، ولبثا في المطبق بضعة أشهر، حتى عاد الخليفة فعفا عنهما، وأمر بإطلاق سراحهما، وذلك في رجب من العام التالي، فأقرا بالذنب وطلبا الإنابة والصفح، فأسعفهما الخليفة بما طلبا، وغمرهما بصلاته (٢).
стр. 492
وعمد الحكم في نفس الوقت إلى اصطناع البربر وفرسانهم، لما لقيه منهم في حربه ضد الحسنيين الأدارسة، من المجالدة ووفرة البأس والشجاعة، فأكرم وفادتهم، وألحقهم بجنده، وأجزل لهم العطاء. وكان في مقدمة هؤلاء بنو برزال الذين أبلوا من قبل في محاربة زيرى بن مناد الصنهاجى، وكانوا قد عبروا إلى الأندلس، وأغضى الحكم عن انحيازهم إلى مبادئ الخوارج الإباضية. وهكذا اجتمعت للحكم من عبيد جعفر ويحيى ومن داخلهم من أحرار البربر الوافدين، قوة عسكرية بربرية تضم نحو سبعمائة فارس من خيرة الشجعان (١).
وفي شهر جمادى الآخرة سنة ٣٦٤ هـ أصدر الحكم أوامره بإسقاط سدس المغرم (الضرائب) الواجب أداؤه على سائر الرعايا عن هذه السنة، وأنفذ بذلك مرسومه إلى سائر القواد والعمال بمختلف الكور، وقرر أن يكون هذا السدس شائعاً في الناس يستوي في معرفته العالم منهم والجاهل، وذلك ترفيهاً لهم وتحقيقاً لمصالحهم (٢).
وفي شهر رجب من هذه السنة، بعث الحكم، نظراً لما بدا من تحركات النصارى في مختلف الأنحاء، عدداً من أكابر رجال المملكة إلى كور الأندلس لحث أهلها على ارتباط الخيل، والاستعداد لمؤازرة جيش الصائفة، وكان ممن بعث من رجالاته صاحب الشرطة العليا، يحيى بن عبيد الله بن يحيى، بعثه إلى كور الجوف، وبعث قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس إلى كور الشرق، وبعث أحمد بن محمد بن سعد الجعفري إلى الغرب، نحو شنترين وما إليها، وبعث آخرين لنفس الغرض (٣).
وفي أوائل شعبان سنة ٣٦٤ هـ (ابريل ٩٧٥ م) هاجم جيش مشترك من الجلالقة والقشتاليين والبشكنس، حصن غرماج الواقع على نهر دويرة على مقربة
стр. 493
من مدينة سالم، ونشب وبينه وبين حاميته الإسلامية قتال عنيف. وشجع النصارى على انتهاك السلم المعقود بينهم وبين الخليفة، اعتقادهم بأن قوى الأندلس كلها ما تزال مشغولة بحروب العدوة. وانقلب النصارى إزاء بسالة الحامية الإسلامية إلى محاصرة الحصن، ووافتهم أمداد أخرى جاءت لتشد أزرهم.
وما كاد الحكم يقف على هذه الأنباء حتى بعث كبير قواده غالباً بن عبد الرحمن في قوة مختارة غادرت قرطبة على عجل. وبعث الحكم في أثرها أحمال المال للإنفاق على الصائفة. واستمر حصار النصارى لغرماج حتى شوال من تلك السنة. وجاءت للنصارى أمداد جديدة من جند ليون، سيرتها الراهبة إلبيرة الوصية على ملك ليون، ناكثة بذلك عهدها في التهادن والسلم. وفي منتصف شوال، هاجم النصارى الحصن، وهم في أكثر من ستين ألفاً، محاولين اقتحامه، ونشبت بينهم وبين الحامية الإسلامية معركة طاحنة انتهت بهزيمة النصارى وتبديد شملهم، فبادرت صفوفهم بالارتداد عن الحصن بعد أن فقدوا كثيراً من جندهم وعتادهم، وطاردهم المسلمون، فقتلوا منهم جموعاً أخرى، وأحرزوا غنائم جمة. وبعث المسلمون إلى الوزير غالب، وهو مقترب منهم لنصرتهم، بنبأ هذا الظفر، فأنفذه من فوره إلى الخليفة، وسار إلى الحصن ونزل به، ثم خرج في قواته، فعاث حيناً في أراضي قشتالة، وانتسف الزروع، وخرب القرى، وتقدمت قوة بعث بها غرسية فرنانديز صاحب قشتالة لمدافعة المسلمين، فهزمت وردت إلى أعقابها (١).
* * *
تولى الحكم المستنصر الملك، حسبما أسلفنا، وهو كهل في الثامنة والأربعين من عمره، ولم يكن إلى ذلك الحين قد أنجب ولداً، وكان ذلك مما يثير قلقه وجزعه، إذ كان يتوق أن يكون له وريث في الملك. ومن ثم فقد سر أيما سرور حينما ولدت له حظيته " جعفر " أو صبح النافارية، ولداً سماه عبد الرحمن (سنة ٣٥١ هـ - ٩٦٢ م)، وكان مولده حادثاً خطيراً، نوهت به الشعراء والأدباء.
ولكن هذا الولد توفي طفلا، فحزن الحكم لفقده أيما حزن. على أن القدر لم يلبث
стр. 494
أن حباه مرة أخرى، إذ ولدت "جعفر" ولداً آخر سماه أبوه هشاماً وكنيته أبو الوليد، فكان ولي عهده الملقب بالؤيد. " فعظم استبشاره به وسروره بموهبة الله فيه " (١). وحضر الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي وقت البشارة بولادته، وأنشد هذه الأبيات:
أطلع البدر في سحابه ... وأطرف السيف من قرابه
وجاءنا وارث المعالي ... ليثبت الملك في نصابه
بشرنا سيد البرايا ... بنعمة الله في كتابه
وكان مولد هشام المؤيد سنة ٣٥٤ هـ (٩٦٥ م)، وكان مؤدبه مذ بلغ الثامنة من عمره الفقيه أحمد بن محمد بن يوسف القسطلي، وقد أمر الحكم بأن تعد لتعليمه الدار المعروفة بدار الملك بقصر الزهراء، وأن تزود بجميع ما يحتاج إليه لذلك. وكان قعود هشام مع مؤدبه في المجلس الشرقي منها في رمضان سنة ٣٦١ هـ، وندب الحكم وصيفه الفتى ذكاء ناظراً للأمير متكفلا بشئونه (٢). وفي أواخر سنة ٣٦٣ هـ ندب الخليفة العلامة النحوي أبا بكر الزبيدي الإشبيلي ليقوم بتدريس العربية وعلومها لولي العهد. وفي العام التالي ندب الفقيه المحدث يحيى بن عبد الله ابن يحيى ليقوم بإسماعه الحديث. وكان يومئذ عمدة المحدثين بقرطبة (٣). وسنرى أي دور عظيم تلعبه فيما بعد، أم هشام جعفر أو صبح النافارية، على مسرح الحوادث.
وأما عن شخص الحكم، فقد كان حسبما تصفه الرواية، أبيض مشرباً بحمرة، أعين، أقنى، جهير الصوت، قصير الساقين، ضخم الجسم، غليظ العنق، عظيم السواعد، أفقم (٤).
* * *
يمتاز عصر الحكم المستنصر بظاهرة، من ألمع الظواهر في تاريخ الدولة
стр. 495
الأندلسية، هي ازدهار العلوم والآداب أعظم ازدهار، وإنشاء المكتبة الأموية العظيمة، التي كانت بضخامتها، وتنوع محتوياتها، من أعظم مكتبات العصور الوسطى.
ويرجع ذلك قبل كل شىء إلى شخصية الحكم نفسه، وإلى صفاته العلمية الممتازة، التي نوه بها أكثر من مؤرخ أندلسي، وإلى شغفه العظيم بجمع الكتب، وهو شغف كان له أكبر الأثر في ملىء خزائن الأندلس بنفائس الكتب، من كل فن ومن كل قطر، من أقطار العالم الإسلامي.
وقد أشاد ابن حيان مؤرخ الأندلس - وقد عاش قريباً من عصر الحكم - بصفات الحكم العلمية، وتقدمه في العلوم الشرعية، وعنايته بتحقيق الأنساب وتأليف قبائل العرب، واستدعاء رواة الحديث من جميع الآفاق، وإيثار مجالس العلماء، وشغفه بجمع الكتب بصورة لم يسمع بها (١). ويشاطره معاصره الفيلسوف ابن حزم، هذا الإعجاب بصفات الحكم العلمية، ويذكر لنا في أكثر من موضع من مؤلفه الجامع في الأنساب، أنه ينقل من خط الحكم (٢). ويجمل ابن الخطيب هذه الصفات في قوله: " وكان ﵀ (أى الحكم) عالماً فقيهاً بالمذاهب، إماماً في معرفة الأنساب، حافظاً للتاريخ، جماعاً للكتب، مميزاً للرجال من كل عالم وجيل، وفي كل مصر وأوان، تجرد لذلك، وتهمم به، فكان حجة وقدوة، وأصلا يوقف عنده " (٣).
وقد انتهت إلينا تفاصيل مدهشة عن الدور العظيم الذي قام به الحكم في إنشاء المكتبة الأموية الكبرى. وكانت هذه النزعة الأموية، إلى تشجيع العلوم والآداب وجمع الكتب، قد بدت منذ عصر عبد الرحمن الداخل. وفي عهد الأمير محمد ابن عبد الرحمن كانت المكتبة الأموية بالقصر، أعظم مكتبات قرطبة. وكان عبد الرحمن الناصر يشغف بجمع نفائس الكتب من سائر الآفاق، حتى أن قيصر