المنطقة، في أصحابهما، واستنقذوا الماشية، وقتلوا عدداً من النصارى؛ ولكن النصارى تكاثروا عليهم بعد ذلك، ووقعت بين الفريقين معركة قتل فيها زروال.
ومن الغريب أن غرسية فرناندز، كان قبل هذا الاعتداء بقليل، قد بعث رسله إلى قرطبة، في طلب السلم والمهادنة، فأجابهم الحكم إلى ما طلبوا؛ وما كادوا ينصرفون من قرطبة، حتى جاءت الأنباء بما حدث من اعتداء القشتاليين، فبعث الحكم لفوره أفلح صاحب الخيل، في سرية من وجوه الجند، للقبض على السفراء القشتاليين، فهرعت في أثرهم واستطاعت أن تظفر بهم، وأعيدوا إلى قرطبة حيث زجوا إلى السجن.
ووفد على الحكم في العام التالي، أبناء عمريل الخمسة بعد وفاة أبيهم، وشهد القائد الأعلى غالب بن عبد الرحمن، بحزمهم وحسن طاعتهم، وأوصى بتقليدهم عمل والدهم، فقسمت بينهم الأراضي والحصون، على رضا منهم، وغمرهم الحكم بالخلع والصلات (١).
وكان من الأحداث البارزة في أواخر سنة ٣٦٣ هـ، ما وقع من نكبة جعفر ويحيى ابني على بن حمدون الأندلسي. وكانا قد استقرا في قرطبة، في كنف الحكم وتحت سابغ رعايته. وكان الحكم قد ابتاع منهما عبيدهما الذين استعفوا من خدمتهما، ودفع الثمن إليهما، وتم فصل العبيد عنهما، وضمهم الحكم إلى جنده لما كانوا يتصفون به من الشجاعة والبأس، وكان لذلك فيما يبدو أثر سيىء في نفسيهما، فقيل إنهما تكلما في حق الخليفة بما لا يحمد، وجاهرا بامتداح خلفاء الشيعة، سادتهم الأوائل، ونمى ذلك إلى الحكم، فأمر في الحال بالقبض عليهما، وزجا مكبولين إلى سجن الزهراء. وكان ذلك في شوال سنة ٣٦٣ هـ، ولبثا في المطبق بضعة أشهر، حتى عاد الخليفة فعفا عنهما، وأمر بإطلاق سراحهما، وذلك في رجب من العام التالي، فأقرا بالذنب وطلبا الإنابة والصفح، فأسعفهما الخليفة بما طلبا، وغمرهما بصلاته (٢).
стр. 492
وعمد الحكم في نفس الوقت إلى اصطناع البربر وفرسانهم، لما لقيه منهم في حربه ضد الحسنيين الأدارسة، من المجالدة ووفرة البأس والشجاعة، فأكرم وفادتهم، وألحقهم بجنده، وأجزل لهم العطاء. وكان في مقدمة هؤلاء بنو برزال الذين أبلوا من قبل في محاربة زيرى بن مناد الصنهاجى، وكانوا قد عبروا إلى الأندلس، وأغضى الحكم عن انحيازهم إلى مبادئ الخوارج الإباضية. وهكذا اجتمعت للحكم من عبيد جعفر ويحيى ومن داخلهم من أحرار البربر الوافدين، قوة عسكرية بربرية تضم نحو سبعمائة فارس من خيرة الشجعان (١).
وفي شهر جمادى الآخرة سنة ٣٦٤ هـ أصدر الحكم أوامره بإسقاط سدس المغرم (الضرائب) الواجب أداؤه على سائر الرعايا عن هذه السنة، وأنفذ بذلك مرسومه إلى سائر القواد والعمال بمختلف الكور، وقرر أن يكون هذا السدس شائعاً في الناس يستوي في معرفته العالم منهم والجاهل، وذلك ترفيهاً لهم وتحقيقاً لمصالحهم (٢).
وفي شهر رجب من هذه السنة، بعث الحكم، نظراً لما بدا من تحركات النصارى في مختلف الأنحاء، عدداً من أكابر رجال المملكة إلى كور الأندلس لحث أهلها على ارتباط الخيل، والاستعداد لمؤازرة جيش الصائفة، وكان ممن بعث من رجالاته صاحب الشرطة العليا، يحيى بن عبيد الله بن يحيى، بعثه إلى كور الجوف، وبعث قائد البحر عبد الرحمن بن رماحس إلى كور الشرق، وبعث أحمد بن محمد بن سعد الجعفري إلى الغرب، نحو شنترين وما إليها، وبعث آخرين لنفس الغرض (٣).
وفي أوائل شعبان سنة ٣٦٤ هـ (ابريل ٩٧٥ م) هاجم جيش مشترك من الجلالقة والقشتاليين والبشكنس، حصن غرماج الواقع على نهر دويرة على مقربة
стр. 493
من مدينة سالم، ونشب وبينه وبين حاميته الإسلامية قتال عنيف. وشجع النصارى على انتهاك السلم المعقود بينهم وبين الخليفة، اعتقادهم بأن قوى الأندلس كلها ما تزال مشغولة بحروب العدوة. وانقلب النصارى إزاء بسالة الحامية الإسلامية إلى محاصرة الحصن، ووافتهم أمداد أخرى جاءت لتشد أزرهم.
وما كاد الحكم يقف على هذه الأنباء حتى بعث كبير قواده غالباً بن عبد الرحمن في قوة مختارة غادرت قرطبة على عجل. وبعث الحكم في أثرها أحمال المال للإنفاق على الصائفة. واستمر حصار النصارى لغرماج حتى شوال من تلك السنة. وجاءت للنصارى أمداد جديدة من جند ليون، سيرتها الراهبة إلبيرة الوصية على ملك ليون، ناكثة بذلك عهدها في التهادن والسلم. وفي منتصف شوال، هاجم النصارى الحصن، وهم في أكثر من ستين ألفاً، محاولين اقتحامه، ونشبت بينهم وبين الحامية الإسلامية معركة طاحنة انتهت بهزيمة النصارى وتبديد شملهم، فبادرت صفوفهم بالارتداد عن الحصن بعد أن فقدوا كثيراً من جندهم وعتادهم، وطاردهم المسلمون، فقتلوا منهم جموعاً أخرى، وأحرزوا غنائم جمة. وبعث المسلمون إلى الوزير غالب، وهو مقترب منهم لنصرتهم، بنبأ هذا الظفر، فأنفذه من فوره إلى الخليفة، وسار إلى الحصن ونزل به، ثم خرج في قواته، فعاث حيناً في أراضي قشتالة، وانتسف الزروع، وخرب القرى، وتقدمت قوة بعث بها غرسية فرنانديز صاحب قشتالة لمدافعة المسلمين، فهزمت وردت إلى أعقابها (١).
* * *
تولى الحكم المستنصر الملك، حسبما أسلفنا، وهو كهل في الثامنة والأربعين من عمره، ولم يكن إلى ذلك الحين قد أنجب ولداً، وكان ذلك مما يثير قلقه وجزعه، إذ كان يتوق أن يكون له وريث في الملك. ومن ثم فقد سر أيما سرور حينما ولدت له حظيته " جعفر " أو صبح النافارية، ولداً سماه عبد الرحمن (سنة ٣٥١ هـ - ٩٦٢ م)، وكان مولده حادثاً خطيراً، نوهت به الشعراء والأدباء.
ولكن هذا الولد توفي طفلا، فحزن الحكم لفقده أيما حزن. على أن القدر لم يلبث
стр. 494
أن حباه مرة أخرى، إذ ولدت "جعفر" ولداً آخر سماه أبوه هشاماً وكنيته أبو الوليد، فكان ولي عهده الملقب بالؤيد. " فعظم استبشاره به وسروره بموهبة الله فيه " (١). وحضر الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي وقت البشارة بولادته، وأنشد هذه الأبيات:
أطلع البدر في سحابه ... وأطرف السيف من قرابه
وجاءنا وارث المعالي ... ليثبت الملك في نصابه
بشرنا سيد البرايا ... بنعمة الله في كتابه
وكان مولد هشام المؤيد سنة ٣٥٤ هـ (٩٦٥ م)، وكان مؤدبه مذ بلغ الثامنة من عمره الفقيه أحمد بن محمد بن يوسف القسطلي، وقد أمر الحكم بأن تعد لتعليمه الدار المعروفة بدار الملك بقصر الزهراء، وأن تزود بجميع ما يحتاج إليه لذلك. وكان قعود هشام مع مؤدبه في المجلس الشرقي منها في رمضان سنة ٣٦١ هـ، وندب الحكم وصيفه الفتى ذكاء ناظراً للأمير متكفلا بشئونه (٢). وفي أواخر سنة ٣٦٣ هـ ندب الخليفة العلامة النحوي أبا بكر الزبيدي الإشبيلي ليقوم بتدريس العربية وعلومها لولي العهد. وفي العام التالي ندب الفقيه المحدث يحيى بن عبد الله ابن يحيى ليقوم بإسماعه الحديث. وكان يومئذ عمدة المحدثين بقرطبة (٣). وسنرى أي دور عظيم تلعبه فيما بعد، أم هشام جعفر أو صبح النافارية، على مسرح الحوادث.
وأما عن شخص الحكم، فقد كان حسبما تصفه الرواية، أبيض مشرباً بحمرة، أعين، أقنى، جهير الصوت، قصير الساقين، ضخم الجسم، غليظ العنق، عظيم السواعد، أفقم (٤).
* * *
يمتاز عصر الحكم المستنصر بظاهرة، من ألمع الظواهر في تاريخ الدولة
стр. 495
الأندلسية، هي ازدهار العلوم والآداب أعظم ازدهار، وإنشاء المكتبة الأموية العظيمة، التي كانت بضخامتها، وتنوع محتوياتها، من أعظم مكتبات العصور الوسطى.
ويرجع ذلك قبل كل شىء إلى شخصية الحكم نفسه، وإلى صفاته العلمية الممتازة، التي نوه بها أكثر من مؤرخ أندلسي، وإلى شغفه العظيم بجمع الكتب، وهو شغف كان له أكبر الأثر في ملىء خزائن الأندلس بنفائس الكتب، من كل فن ومن كل قطر، من أقطار العالم الإسلامي.
وقد أشاد ابن حيان مؤرخ الأندلس - وقد عاش قريباً من عصر الحكم - بصفات الحكم العلمية، وتقدمه في العلوم الشرعية، وعنايته بتحقيق الأنساب وتأليف قبائل العرب، واستدعاء رواة الحديث من جميع الآفاق، وإيثار مجالس العلماء، وشغفه بجمع الكتب بصورة لم يسمع بها (١). ويشاطره معاصره الفيلسوف ابن حزم، هذا الإعجاب بصفات الحكم العلمية، ويذكر لنا في أكثر من موضع من مؤلفه الجامع في الأنساب، أنه ينقل من خط الحكم (٢). ويجمل ابن الخطيب هذه الصفات في قوله: " وكان ﵀ (أى الحكم) عالماً فقيهاً بالمذاهب، إماماً في معرفة الأنساب، حافظاً للتاريخ، جماعاً للكتب، مميزاً للرجال من كل عالم وجيل، وفي كل مصر وأوان، تجرد لذلك، وتهمم به، فكان حجة وقدوة، وأصلا يوقف عنده " (٣).
وقد انتهت إلينا تفاصيل مدهشة عن الدور العظيم الذي قام به الحكم في إنشاء المكتبة الأموية الكبرى. وكانت هذه النزعة الأموية، إلى تشجيع العلوم والآداب وجمع الكتب، قد بدت منذ عصر عبد الرحمن الداخل. وفي عهد الأمير محمد ابن عبد الرحمن كانت المكتبة الأموية بالقصر، أعظم مكتبات قرطبة. وكان عبد الرحمن الناصر يشغف بجمع نفائس الكتب من سائر الآفاق، حتى أن قيصر
стр. 496
قسطنطينية حينما أرسل إليه سفارته الشهيرة، حرص على أن يهديه كتابين من ذخائر الأقدمين هما كتاب ديسقوريدس عن الأعشاب الطبية وتاريخ أورسيوس.
ولما توفي الناصر، عنى ولده الحكم بجمع مكتبات القصر وتنظيمها، لتكون بداية طيبة للمكتبة الأموية العظيمة، التي أنفق بقية عمره في جمعها وتنسيقها (١).
ويقول لنا ابن حيان في دهشة وإعجاب إنه " لم يسمع في الإسلام بخليفة، بلغ مبلغ الحكم في اقتناء الكتب والدواوين، وإيثارها والتهمم بها. أفاد على العلم، ونوه بأهله، ورغب الناس في طلبه، ووصلت عطاياه وصلاته إلى فقهاء الأمصار النائية". وكان الحكم يبعث إلى أكابر العلماء المسلمين من كل قطر، بالصلات الجزيلة، للحصول على النسخ الأولى من مؤلفاتهم. ومن ذلك أنه بعث إلى أبي الفرج الأصفهاني ألف دينار من الذهب العين، ليحصل منه على نسخة من كتابه "الأغاني". فأرسل إليه منه نسخة حسنة منقحة، قبل أن يحصل عليه أحد في العراق أو ينسخه أحد منهم، وأرسل إليه أبو الفرج أيضاً - وهو ممن ينتمون إلى المروانية بني أمية - كتاباً ألفه في أنساب قومه بني أمية، يشيد فيه بمجدهم ومآثرهم، فجدد له الحكم الصلة الجزيلة (٢). وفعل الحكم مثل ذلك مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي، إذ بعث إليه بمبلغ جليل ليحصل على النسخة الأولى من شرحه لمختصر ابن عبد الحكم. وأسبغ الحكم رعايته على اللغوي الكبير أبى علي القالي، الذي وفد من العراق على أبيه الناصر، وقربه إليه، وألف كتبه تحت كنفه، وأورث أهل الأندلس علمه (٣). وأهدى إليه أبو عبد الله الخشني بعض كتبه ومنها كتاب "القضاة" أو "قضاة قرطبة" (٤)، وأهدى إليه مطرف ابن عيسى الغساني، كتابه المسمى بالمعارف في " أخبار كورة إلبيرة "، كما أهدى إليه كثير من علماء العصر مؤلفاتهم، تيمناً برعايته للعلم والعلماء. وكان للحكم طائفة من مهرة الوراقين بسائر البلاد، ولاسيما في بغداد والقاهرة ودمشق، ينقبون له عن الكتب، ويحصلون منها على النفيس والنادر، كما كانت له في بلاطه طائفة
стр. 497
أخرى، من البارعين في نسخ الكتب، وتحقيقها، وتجليدها، وتصنيفها. وبذل في هذا السبيل من الجهود والأموال ما لم يسمع به، واجتمع لديه من نفائس الكتب في مختلف العلوم، ما لم يجتمع لأحد قبله. ولما ضاقت أبهاء القصر الخليفي، عن استيعاب العدد العظيم، من الكتب الواردة إليها باستمرار، أنشأ الحكم على مقربة من القصر صرحاً عظيماً خاصاً بالمكتبة، افتن المهندسون في ترتيبه وتنسيقه، وإنارة أبهائه. قال ابن حزم " ملأ الأندلس بجميع كتب العلوم " وذكر لنا أن تليداً الفتى - وكان على خزانة العلوم بقصر بني أمية بالأندلس - أخبره أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، في كل فهرسة خمسون ورقة، ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط (١).
وعهد الحكم بإدارة المكتبة الأموية العظيمة إلى أخيه عبد العزيز. وعهد
بالإشراف على جامعة قرطبة وأساتذتها إلى أخيه المنذر. وكان يقضي معظم أوقاته بمدينة الزهراء، في أبهائها المنيفة وظلالها الهادئة، معتكفاً على القراءة والدرس برفقة صفيه محمد بن يوسف الحجاري، الذي كتب له تاريخ الأندلس والمغرب، وتواريخ أخرى لبعض المدن. وكان من أصفيائه في تلك المجالس أيضاً، الفتى سابور الفارسي، الذي قدم بدعوته إلى قرطبة، واختاره ليكون وصيفاً خاصاً له، وكان من أعلم أهل عصره (٢).
ولم يكن هذا الشغف بجمع الكتب، في عصر الحكم، قاصراً على الأمير، فقد عنى كثير من كبراء العصر وعلمائه، بانشاء مكتبات خاصة زاخرة بنفائس الكتب. وشغف النساء المثقفات كذلك بجمع الكتب، وإنشاء المكتبات، ومن أشهر هؤلاء عائشة بنت أحمد بن قادم، وكانت من أبرع نساء عصرها، علماً وأدباً وشعراً، وكانت خزانة كتبها من أغنى وأقيم المكتبات الخاصة. وكانت سوق الكتب في قرطبة، من أشهر الأسواق وأحفلها بالحركة. بل لقد سرى هذا الشغف باقتناء الكتب إلى النصارى واليهود أنفسهم، وكان الكثير منهم يجيدون اللغة العربية، ويتذوقون ثمرات التفكير العربي من أدب وشعر وفلسفة وغيرها.
وكان من أشهر هؤلاء الطبيب اليهودي حسداي، طبيب الحكم الخاص، وفي
стр. 498
ظله وتحت رعايته كتب يهود قرطبة باللغة العربية، وألفوا بها مختلف الكتب، وكان من أشهر المكتبات الأندلسية الخاصة فيما بعد، مكتبة يوسف بن إسماعيل ابن نغرالة اليهودي، وزير باديس أمير غرناطة (١).
وإلى جانب هذا الشغف بالكتب والثقافة العالية، كان التعليم العام في عهد الحكم يجوز نهضة عظيمة، وكان أبناء الشعب جميعاً يعرفون القراءة والكتابة، هذا بينما كان أرفع الناس مكانة في أوربا - خلا رجال الدين - لا يعرفون.
وأسس الحكم عدداً كبيراً من المدارس يتعلم فيها الفقراء مجاناً. أما جامعة قرطبة، فقد كانت يومئذ من أشهر جامعات العالم، وكان مركزها في المسجد الجامع، وتدرس في حلقاتها مختلف العلوم، وكان يدرس الحديث أبو بكر ابن معاوية القرشي، ويملي أبو علي القالي ضيف الأندلس دروسه عن العرب قبل الإسلام، وعن لغتهم وشعرهم وأمثالهم، وكان ابن القوطية يدرس النحو، وكان يدرس باقي العلوم أساتذة من أعلام العصر، وكان الطلبة يعدون بالآلاف (٢).
وكان الحكم يسبغ رعايته على سائر العلماء من مختلف الملل والنحل، مسلمين كانوا أو غير مسلمين. ومن شواهد هذه الرعاية أن الأسقف العالم ريثموندو الإلبيري، المسمى باسمه العربي، ربيع بن زيد، كان أثيراً لديه متمتعاً برعايته، لتبحره في علم الفلك، والعلوم الفلسفية، وهي من الدراسات التي كان يعني بها الحكم. وكان هذا الحبر القرطبي عالماً مبرزاً، متمكناً من الآداب العربية واللاتينية، وكان الناصر والد الحكم يقدر علمه ومواهبه، ويحبوه بعطفه ورعايته بالرغم من نصرانيته، وكان يشغل مكانة هامة في القصر (٣).
يقول العلامة دوزي: " وعلى العموم فإن إغداق الحكم على العلماء الإسبان والأجانب لم يعرف حداً، وقد كانوا يهرعون إلى بلاطه. وكان المليك يشجعهم ويوليهم رعايته، حتى الفلاسفة استطاعوا في ظله أن ينصرفوا إلى بحوثهم دون
стр. 499
خوف من أن يقتلهم الأتقياء الورعون " (١).
ويبدي النقد الحديث تقديره وإعجابه بتلك النزعة العلمية التي امتاز بها الحكم، والتي سادت كل عصره. فمثلا يقول لنا المؤرخ الإسباني موديستو لافونتي: " كانت دولة الحكم الثاني دولة الآداب والحضارة، كما كانت دولة أبيه دولة العظمة والبهاء. وإن الرواية العربية لتحبو الحكم بكثير من جميل الذكر. فهل نغضى نحن عن تسجيل إعجابنا بما لهذا الأموي المستنير من الصفات الباهرة، لأنه كان مسلماً ولم يكن نصرانياً؟ إن ذلك يعني أننا ننكر فضائل أمثال أوغسطوس وتراجان وأدريان وماركوس أوريليوس، لأن أولئك القياصرة العظام لم يكونوا نصارى. إن السلم الذي وطده أكتافيوس في اسبانيا الرومانية، قد وطده الحكم في اسبانيا العربية؛ وقد قدم الحكم، كما قدم أكتافيوس من قبل، الأدلة على أن الرغبة في السلم، لم تكن لأنه لا يعرف الحرب ولا النصر، ولكن لأنه كان يؤثر إلهام القريض، ويؤثر الكتب على خزائن السلاح، وإكليل الجامعات الحقيقي على إكليل الحروب الدموي.
لقد أعيد عصر أوغسطوس في اسبانيا بعد ألف عام في صورة جديدة، وقد تحول بلاط قرطبة إلى نوع من الأكاديمية العظيمة، وأغدق على ثمرات العبقرية فيض الإغداق والكرم الرائع، ونستطيع أن نقدر مدى التضحيات العظيمة، ومدى الصبر، والمثابرة، والنفقات التي أمكن أن يتحقق بها إنشاء تلك المجموعة المدهشة، من أربعمائة ألف إلى ستمائة ألف مخطوط، هي محتويات مكتبة قصر بني مروان ".
ثم يشير موديستو لافونتي بعد ذلك إلى أن هذا المستودع الزاخر من ثمرات العقل، وتلك الحضارة التي وصل إليها العرب في عصر الحكم، كانت قد وضعت بذورها من قبل، وتعاقب أمراء بني أمية منذ عبد الرحمن الداخل في تعهدها بالغرس والنماء، وقد كانوا جميعاً من أهل العلم والأدب، ومن حماة العلوم والآداب. ثم يختتم تعليقه على عصر الحكم بقوله:
" لقد جاء هذا الخليفة الشهير الذي يعشق الآداب في عهد سعيد من السلم، ولما كانت بذور التمدن موجودة من قبل، فقد تفتحت في ظل رعايته، وازدهر
стр. 500
الغرس ازدهاراً عظيماً، حتى أنه بعد الحرث الكثير، والمطر الغزير، بدت شمس وضاءة رائعة منعشة " (١).
وقد اختلف في تقدير محتويات المكتبة الأموية العظيمة، التي أنشأها الحكم المستنصر، فقدرها بعض المؤرخين بأربعمائة ألف مجلد، وقدرها البعض الآخر بستمائة ألف (٢). وكانت توجد في قواعد الأندلس الأخرى، عدا مكتبة قرطبة العظيمة زهاء سبعين مكتبة أخرى (٣). وهذا وحده يكفي للدلالة على مدى التقدم العظيم، الذي بلغته الحركة الفكرية والأدبية في الأندلس، في هذا العصر الزاهر. ولبثت المكتبة الأموية العظيمة قائمة بقصر قرطبة، حتى وقعت الفتنة الكبرى في سنة ٤٠٠ هـ، وحاصر البربر قرطبة، فأخرجت معظم الكتب من خزائنها خلال الحصار، وبيعت بأمر الفتى واضح مولى المنصور بن أبي عامر، ثم نهب ما تبقى منها عند اقتحام البربر لقرطبة، حسبما نذكر بعد (٤).
* * *
وشعر الحكم في أواخر عهده، بأعراض الضعف والمرض تدب إليه، فانتقل من قصر الزهراء وفقاً لنصح أطبائه، لغلبة برد الجبل عليه، وقضى حيناً في منية ناصح، ومنية الناعورة، ثم انتقل إلى قصر قرطبة. وعقد العزم على تأمين ولاية العهد لولده الطفل هشام. وتم ذلك في شهر جمادى الثانية سنة ٣٦٥ هـ (٥ فبراير سنة ٩٧٦ م) حيث جلس الحكم بقصر قرطبة، وأعلن عزمه في تقليد ولده عهد الخلافة من بعده، وأخذت البيعة بالفعل من الحاضرين، وأخرجت كتبها لسائر الخاصة والعامة. وتولى أخذها على الناس وفق مراتبهم، محمد بن أبي عامر، وهو يومئذ صاحب الشرطة والمواريث، وكان من قبل كافلا لهشام، وميسور الفتى الكاتب مولى صبح، ثم دعى لهشام في الخطبة بالأندلس والمغرب، ونقش اسمه في السكة.
стр. 501
وينعى ابن حيان على الحكم هذه السياسة في اختيار ولده الطفل لولاية العهد، فيقول إنه أي الحكم على ما وصف من رجاحة " كان ممن استهواهم حب الولد، وأفرط فيه، وخالف الحزم في توريثه الملك بعده، في سن الصبا دون مشيخة الأخوة، وفتيان العشيرة، ومن يكمل للإمامة بلا محاباة، فرط هوى، ووهلة انتقدها الناس على الحكم، وعدوها الحانية على دولته. وقد كان يعيبها على ولد العباس قبله، فأتاها هو مختاراً ولا مرد لأمر الله ".
وأصيب الحكم بعد ذلك بقليل، بشلل أقعده عن الخروج والحركة، ويقول لنا ابن حيان إن الحكم كان يعاني من هذه " العلة الفالجية " ولا يكاد يستفيق منها (١) فلزم فراشه، وتولى تدبير الشئون خلال مرضه، وزيره جعفر بن عثمان المصحفي. ثم توفي بعد ذلك بأشهر قلائل، في اليوم الثاني من صفر سنة ٣٦٦ هـ (٣٠ سبتمبر سنة ٩٧٦ م) (٢).
* * *
وكان الحكم المستنصر من خيرة أمراء بني أمية خلقاً وعلماً وعدلا. وتنوه الرواية الإسلامية في غير موطن بجميل خلاله وصفاته. فيقول لنا ابن الأبار: " وكان حسن السيرة، فاضلا عادلا، مشغوفاً بالعلوم " (٣). ويقول لنا ابن الخطيب: " وإليه انتهت الأبهة والجلالة، والعلم والأصالة، والآثار الباقية، والحسنات الراقية " (٤). وكان الحكم من ذوي الورع والتقوى، تشهد بذلك عنايته الفائقة بأمر المسجد الجامع، وتوسعته وإنشاء منبره الجديد، وتزويده بالماء بطريقة هندسية بديعة، وما بذله في سبيل ذلك من النفقات الطائلة، ويشهد بذلك أيضاً تشدده في محاربة الخمر وإراقتها (٥). وكان محباً للعدل معيناً بإقامته، شديداً في محاسبة الطغاة من العمال والحكام، يؤيد ذلك ما رواه صاحب
стр. 502
البيان المغرب من أنه أرسل غير مرة إلى الحكام الظلمة، يحذرهم من سطوته، وإلى القواد والعمال، يحذرهم من سفك الدم بلا موجب (١).
وكان من أعمال الحكم الإنشائية أيضاً إصلاح قنطرة قرطبة العظيمة على نهر الوادي الكبير، وتقوية دعائمها التي وهنت بمضي الزمن (سنة ٣٦١ هـ)، وإشرافه على ذلك بنفسه (٢).
وكان الحكم عارفاً بأقدار الرجال، مميزاً للنابهين منهم، وقد جمع في حكومته وبلاطه جمهرة من أعاظم رجال العصر وألمعهم. وكان في مقدمة هؤلاء، كبيرهم وزعيمهم الحاجب جعفر بن عثمان بن نصر المصحفي. وكان جعفر ينتمي إلى بطن من بطون البربر من بلنسية، وتولى أبوه عثمان أيام الناصر تأديب ولده الحكم، وهكذا نشأت بين الحكم وبين ولد أستاذه ومؤدبه جعفر مودة عميقة، فلما أسندت إليه ولاية العهد، قدم جعفر في الأعمال واستخدمه في الكتابة، ثم ولاه الناصر بعد ذلك حكم جزيرة ميورقة. ولما ولي الحكم الخلافة استوزره وأمضاه على كتابة الخاصة، وضم إليه بعد ذلك ولاية الشرطة، ثم تولى بعد ذلك منصب الحجابة أى رياسة الوزارة، خلفاً للحاجب جعفر بن عبد الرحمن الصقلبي، وأصبح أول رجل في الدولة، واجتمعت إليه سائر السلطات، ولما رزق الحكم بولده هشام اختار جعفر كافلا له، واستمر جعفر هو القائم بدولة الحكم حتى وفاته. وكان المصحفي من أساطين الكتابة والشعر وله شعر حسن، أورد لنا منه ابن الأبار مختارات رقيقة مشرقة تدل على تمكنه (٣).
وكان من أشهر أعمال المصحفي في بداية عهد الحكم أن قدم إليه هديته الباذخة، التي حاول أن يبز فيها هدية الوزير ابن شهيد إلى الناصر. وقد أورد لنا ابن حيان في المقتبس وصفاً لمحتويات هذه الهدية الشهيرة وهي: مائة مملوك من الفرنج ناشئة على خيول صافنة كاملو العدة والسلاح، وثلاثمائة وعشرون درعاً مختلفة الأجناس، وثلثمائة خوذة كذلك، ومائة بيضة هندية، وخمسون خوذة
стр. 503
حبشية من حبشيات الإفرنجة، وثلثمائة حربة إفرنجية، ومائة ترس سلطانية، وعشرة جواشن مذهبة، وخمسة وعشرون قرناً مذهبة من قرون الجاموس (١). وكانت هدية المصحفي للحكم، من أشهر الحوادث الاجتماعية في هذا العصر.
وكان من أكابر دولة الحكم أيضاً، القائد غالب بن عبد الرحمن الناصري صاحب مدينة سالم، وكان مولى لأبيه الناصر. وكان غالب، فضلا عن كونه من نصحاء الحكم، ومستشاريه المقربين، من أعظم قادة الأندلس ورجالاتها في هذا العصر، وكان الحكم، عرفاناً منه بقدر هذا القائد المظفر، قد أسند إليه القيادة العليا، وأصدر مرسومه بذلك إليه في سنة ٣٦١ هـ، وذلك " لغنائه وجميل مقامه ".
ثم عاد على أثر انتصاره في موقعة حصن غرماج في سنة ٣٦٤ هـ، فقلده سيفين مذهبين من ذخائر سيوفه، وسماه " ذا السيفين " (٢) وكان منهم أيضاً الوزير يحيى بن محمد التجيبي، والقائد سعيد بن الحكم الجعفري، وكلاهما من أعظم الوزراء والقادة، وقد برز كلاهما في غزوات الصوائف، وحوادث المغرب الأقصى.
وكان من كتاب الحكم عيسى بن فطيس، ومن قضاته منذر بن سعيد البلوطي كبير القضاة في عهد أبيه الناصر، ثم أبو بكر محمد بن السليم.
وكان الحكم، بالرغم مما كان يسود الممالك الإسبانية النصرانية في عهده من جنوح إلى المهادنة والسلم، يرقب حركاتها وتصرفاتها بعناية، وقد رتب لذلك بعض عماله المهرة المخلصين المعروفين بصدق الخدمة، وفي مقدمتهم ابن أبي عمروس العريف، وصاحبه سعيد، للسفارة بينه وبين ملوك جليقية، ولقاء قواميسها، والتردد عليهم " للتعرف على أخبارهم، والتجسس لأنبائهم " وحمل الكتب إليهم في كل وقت، وصرفها عنهم، وهو ما يفصح عن بعض الوسائل التي كان يلجأ إليها بلاط قرطبة للإحاطة بأخبار الممالك النصرانية ونياتها (٣).
وكان الحكم شاعراً مطبوعاً ينظم القريض الرقيق، ومما ينسب إليه قوله:
إلى الله أشكو من شمائل مسرف ... عليّ ظلوم لا يدين بما دنت
стр. 504
نأت عنه داري فاستزاد صدوده ... وإني على وجدي القديم كما كنت
ولو كنت أدري أن شوقي بالغ ... من الوجد ما بلغته لم أكن بنت
وقوله:
عجبت وقد ودعتها كيف لم أمت ... وكيف انثنت بعد الوداع يدي معي
فيا مقلتي العبرا عليها اسكبي دماً ... ويا كبدي الحرّا عليها تقطعي
* * *
ونلاحظ أخيراً أن بلاط قرطبة، كان في أيام الحكم المستنصر، يبدو في بهي أثوابه الملوكية والخلافية، وكان جلوس الحكم في أيام الأعياد أو لاستقبال الوافدين والسفراء من أيام قرطبة المشهودة. وقد أفاض ابن حيان في وصف هذه الأيام والحفلات الباذخة. ويبدو مما كتبه أن الخليفة الحكم، كان يؤثر الجلوس في هذه الأيام بالمجلس الشرقي من قصر الزهراء، ويجلس عن يمينه ويساره إخوته بترتيب السن؛ ثم يليهم في ترتيب الجلوس، الوزراء، يجلسون بعد فرجتين، إلى اليمين وإلى اليسار، ويلي ذلك صاحب المدينة بقرطبة، ويجلس إلى اليمين، وإلى جانبه صاحب المدينة بالزهراء، ثم يجلس من بعدهم صاحب الحشم، فصاحب الخيل، فأصحاب الشرطة العليا والوسطى، وسائر طبقات أهل الخدمة وفق مراتبهم، وقاضي الجماعة، والحكام وأصحاب الشرطة الصغرى، وأسباط الخلافة، وجلة قريش، ثم وجوه الموالي، ثم قضاة الكور والفقهاء المشاورون والعدول، وأعيان قرطبة. ويصطف الجند في أثوابهم الزاهية، منذ مداخل القصر حتى الممر المفضي إلى مجلس الخليفة، وقد أورد لنا ابن حيان وصف هذا النظام في مختلف المناسبات الرسمية، مما يدل على أنه هو نظام البروتوكول (المراسيم) الثابت الذي كان يتبعه بلاط قرطبة في هذا العهد عند جلوس الخليفة للمناسبات الرسمية الكبرى (١).
ويجب أن نلاحظ من ذلك الوقت التطور العظيم، الذي حدث في تكوين المجتمع الأندلسي. فقبل عهد الناصر كانت الرياسة والأرستقراطية، تنحصر في القبائل العربية. وكان البربر يحتلون مقاماً أدنى. وكانت المعارك يضطرم لظاها
стр. 505
باستمرار بين السلطة المركزية أعني بين الإماوة وبين العصبية العربية، التي تحاول دائماً أن تقيم رياستها في الثغور والمدن على أساس الاستقلال المحلي. وقد استمرت هذه المعارك عصوراً، منذ عبد الرحمن الداخل، حتى جاء الناصر، فشدد في مطاردة العصبية العربية وتحطيمها، وآثر أن يعهد بالرياسة والسلطات المحلية إلى طوائف الصقالبة حسبما شرحنا ذلك من قبل. وفي عهد الحكم المستنصر كانت الأرستقراطية العربية، قد اضمحلت، وغاض نفوذها، واختفت كقوة سياسية واجتماعية تخشاها السلطة المركزية، وإن كانت بقيت كطبقة من الطبقات، وحلت محلها أرستقراطية من نوع جديد، قوامها القادة والرؤساء العسكريون، من الموالي والصقالبة، فكانت بذلك أرستقراطية سيف، وليست أرستقراطية قبيل أو عصبية، وبلغ الفتيان الصقالبة أيام الحكم، ذروة القوة والنفوذ والثراء، مثلما كانوا أيام أبيه الناصر. ويكفي أن نذكر هنا دليلا على ضخامة ثراء هؤلاء القوم، أن أحدهم وهو الفتى الكبير درّي الخازن، قام بإهداء مولاه الخليفة الحكم، منيته الغراء بوادي الرمان من ضواحي قرطبة، وكان قد أنشأها مغني ومتنزهاً، وأفاض عليها أروع صنوف البذخ والبهاء، وجعلها برياضها ومنشآتها جنة حقة. وقد قبل الحكم هدية فتاه، وقام بزيارة هذه المنية مع ولي عهده هشام وحاشيته، وأنفق فيها يوم استجمام ومسرة. وقد أجمع الخليفة ومرافقوه على أنهم " لم يشاهدوا في المتنزهات السلطانية أكمل ولا أعذب ولا أعم من صنيع درّي هذا " (١). هذا وأما الطبقة الوسطى فقد انحصرت في التجار ورجال الصناعة وغيرهم ممن استطاعوا أن يحرزوا بالتجارة والفنون في مختلف القواعد ثروات عظيمة. ويأتي بعد الطبقة الوسطى، طبقات الشعب الكادحة، وكانت على نحو ما يحدث في كل زمان ومكان، تبغض الطوائف الميسورة، وتنقم عليها نعماء العيش.
وكانت ثمة طبقة أخرى، ذات مميزات خاصة، هي طبقة المولدين أو بعبارة أخرى مسلمو الإسبان، وكانت تحتل مكانها بين الطبقات المتوسطة والميسورة.
وكان بينها الكثيرون ممن أحرزوا الجاه والنفوذ والثراء. بيد أن المولدين بالرغم من إسلامهم، كانوا يعتبرون أقل مكانة من المسلمين الأصليين. وكان المعروف
стр. 506
من أصولهم دائماً، أنهم كانوا على الأغلب عبيداً أو مسترقين من القوط، دخلوا في الإسلام اجتناء للحرية. وقد زاد عدد المولدين زيادة كبيرة، منذ عهد عبد الرحمن ابن الحكم، حيث دخل كثير من النصارى المعاهدين في الإسلام، حينما اشتدت وطأة حكومة قرطبة عليهم، أيام الفتن التي حاولوا إثارتها لإشاعة الإضطراب والفوضى، حسبما فصلنا ذلك في موضعه. وبذلك ازداد عدد المولدين زيادة كبيرة، منذ أوائل القرن التاسع الميلادي، وغدوا في ظل الخلافة أيام الناصر وولده الحكم، يمثلون أقلية كبيرة بين الأمة الأندلسية.
وأما الطبقة المسترقة أو طبقة العبيد، فكانت في تلك العصور تتألف من العمال العبيد، الذين يلحقون في الغالب بالضياع. وكان هذا النظام موجوداً منذ أيام القوط، ولكنه طبق أيام المسلمين، بصورة أفضل بكثير مما كان عليه، ومنح هؤلاء العمال حقوقاً إجتماعية وإنسانية، رفعت عنهم كثيراً من صور العبودية القديمة، التي كانت تعطي للسيد عليهم حق الحياة والموت، والبيع والشراء.
ويلحق بغير الأحرار أيضاً طبقة الصقالبة والخصيان. بيد أن هذه الطبقة كانت تحتل مكانة ملحوظة في المجتمع، وكان لها في الحكومة والقصر، أيما نفوذ، وقد ظهر منها زعماء وقادة وصلوا إلى مراكز عظيمة، وكان لهم فيما بعد شأن يذكر، في تطور الحوادث التي أعقبت انهيار الخلافة الأندلسية.
وإلى جانب هذه الطبقات المختلفة، التي تتألف منها الأمة الأندلسية، كانت توجد دائماً طبقة النصارى المعاهدين، الذين يعيشون في ظل الحكم الإسلامي، وكانت تجتمع في القواعد الأندلسية في أقليات كبيرة. وكانت تحتل في العاصمة، وفي بعض المدن الأخرى مكانة خاصة، ويشغل كثير من أفرادها مراكز هامة في الحكومة والجيش، وقد تحدثنا من قبل عن بعض أحوال هذه الطبقة وظروفها. ويجب أخيراً ألا ننسى الأقلية اليهودية. فقد عومل اليهود منذ الفتح بمنتهى الرفق والرعاية، وازدهرت أعمالهم التجارية والصناعية، في ظل ذلك التسامح الإسلامي المأثور، ووصلوا في قرطبة في ظل الخلافة، إلى ذروة النفوذ والرخاء. وفي أيام الناصر تولى أحدهم، وهو العلامة حسداي بن شبروت، الإشراف على الخزانة العامة، وكان قبل ذلك قد حظى برعاية الناصر بخدماته الدبلوماسية، وترجمته لكتاب ديسقوريدس عن الأعشاب الطبية، من اليونانية إلى العربية،
стр. 507
وهو الكتاب الذي أهدى قيصر منه نسخة إلى الناصر. وفي ظل هذه الرعاية، وفد كثير من العلماء والأدباء اليهود إلى قرطبة، أيام الناصر وولده الحكم، وقامت في ظل نشاطهم مدرسة قرطبة التلمودية، ومؤسسها الرابي موسى بن حنوش، وازدهرت في ظلها البحوث التلمودية، وغدت مركز الرياسة والتوجيه لهذه البحوث. واستمرت الخلافة الأموية، ومن بعدها حكومات الطوائف على رعاية الأقلية اليهودية وتشجيعها، وكان يهود قرطبة يرتدون الزي العربي، ويتخلقون بالتقاليد والعادات العربية، ويمتازون بثرائهم ومظاهرهم الفخمة (١).
стр. 508
الفصل الثاني
هشام المؤيد بالله
مؤامرة الفتيان الصقالبة لإبعاد هشام وترشيح المغيرة بن الناصر. الحاجب جعفر يناهض مشروعهم. محمد بن أبي عامر يتولى قتل المغيرة. معسكر الصقالبة ومعسكر الأحرار. أخذ البيعة لهشام. وصف ابن الخطيب لأحوال الخلافة الأندلسية يومئذ. اجتماع السلطة في يدي الحاجب جعفر وابن أبي عامر. صبح البشكنسية أم المؤيد. ظهورها في بلاط قرطبة وتمكن نفوذها من الحكم. حظوة الحاجب جعفر لديها. محمد بن أبي عامر. أصله ونشأته. خلاله وطموحه. حظوته لدى صبح. طبيعة العلائق بينهما. مصانعته للحاجب جعفر. نفوذه لدى صبح. جعفر المصحفي يتولى الحجابة وابن أبي عامر الوزارة. الصراع الخفي بين الرجلين. الخليفة الصبي هشام. شغفه باللهو واللعب. حجبه والحجر عليه. دور ابن أبي عامر في ذلك. طموحه في الاستئثار بالسلطة. الفتيان الصقالبة. تفاهم الحاجب وابن أبي عامر على سحقهم. ابن أبي عامر يتولى قيادة الجيش ويغزو أرض النصارى. الخلاف بين الحاجب والقائد غالب. مسير ابن أبي عامر وغالب إلى الغزو. ذيوع شهرة ابن أبي عامر. الصراع بينه وبين المصحفي. محاولة المصحفي التفاهم مع غالب. ابن أبي عامر يحبط خطته. مسير ابن أبي عامر وغالب ثانية إلى الغزو. زواج ابن أبي عامر من أسماء ابنة القائد. تولية غالب منصب الحجابة. تضاءل مكانة المصحفي. إقالته والقبض عليه وعلى أهله. اشتداد ابن أبي عامر في مطاردته. وفاة المصحفي أو قتله في سجنه. شعر له في محنته. ابن أبي عامر يسحق خصومه ومنافسيه. اهتمامه بتنظيم الجيش. اصطناعه للبربر واضطهاده للعرب.
لما توفي الحكم المستنصر بالله، في اليوم الثاني من صفر سنة ٣٦٦ هـ، حرص خادماه الخصيان، الفتيان فائق وجؤذر، على كتمان خبر موته، وقاما بضبط القصر، واتخاذ التدابير اللازمة، لتسيير الأمور وفق الخطة التي وضعاها. وكانت هذه الخطة، تنحصر في تنحية ولي العهد الصبي هشام عن العرش، واختيار عمه أخى المستنصر، المغيرة بن عبد الرحمن الناصر، لولاية العرش، وكان الفتيان الصقالبة داخل القصر، زهاء ألف، ولهم نفوذ عظيم، وفي يدهم الحرس الخليفي ومعظمه من الصقالبة والمرتزقة. فكانوا بذلك قوة يخشى بأسها.
استدعى فائق وجؤذر، الحاجب جعفر بن عثمان المُصْحفي، ونبآه بموت الخليفة وعرضا عليه مشروعهما، في تولية المغيرة، فتظاهر الحاجب بالاستحسان والموافقة، ووعدهما بالعمل وفق خطتهما، وتنفيذ ما يشيران به. ثم خرج،
стр. 509
فبادر إلى ضبط أبواب القصر، واستدعى أصحابه من خاصة الحكم، مثل زياد بن أفلح مولى الحكم، وقاسم بن محمد، ومحمد بن أبي عامر، وهشام بن محمد بن عثمان وغيرهم. واستدعى في نفس الوقت عصبته وأشياعه من زعماء البربر، مثل بني برزال، كما استدعى سائر القادة الأحرار، فاجتمع له منهم ومن أجنادهم طوائف ضخمة. فنعى لهم الخليفة، وعرض عليهم مشروع الفتيان الصقالبة، في تنحية هشام وتولية المغيرة، وأوضح لهم أن هذا المشروع خطر داهم عليهم، وأنه إذا ولى المغيرة، واستبد الصقالبة بالأمر، قضى عليهم وعلى دولتهم ونفوذهم، ونكل بهم المغيرة والصقالبة. والأمر بالعكس إذا ولى هشام ولي العهد الشرعي، فإنهم يستبقون سلطانهم ونفوذهم، وتغدو الدولة دولتهم، ويأمنون على أنفسهم وأموالهم. فاقترح بعض أصحابه أن يقتل المغيرة، فيؤمن بذلك شره في الحال والاستقبال، وتطوع محمد بن أبي عامر لتنفيذ هذه المهمة الدموية، حفظاً للوئام والوحدة، فبعث جعفر معه سرية من الجند الأحرار الموثوق فيهم، وسار معه بدر القائد مولى الحكم، في سرية من غلمان الخليفة. وأحاط الجند بدار المغيرة، ثم نفذ محمد بن أبي عامر في نفر من أصحابه، ونبأه بموت الخليفة وجلوس ابنه هشام، وأنه أتى ليتبين حقيقة موقفه، فذعر المغيرة وأكد لابن أبي عامر، أنه مطيع مخلص لكل ما تقرر، وتضرع إليه أن يحقن دمه، وأن يراجع القوم في أمره. ولكن الرد كان قاطعاً في وجوب التخلص من المغيرة، فدفع إليه ابن أبى عامر عدة من رجاله، فقتلوه خنقاً أمام زوجته، ثم أشاعوا أنه قتل نفسه، ودفن في نفس مجلسه، وكان سنه يوم قتل سبعاً وعشرين سنة. ووقع ذلك كله في يوم واحد فقط.
ولما وقف الفتيان فائق وجؤذر على ما وقع، تملكهما السخط والروع، وبادرا إلى الحاجب جعفر، وتظاهرا بالرضا والاستبشار بما وقع، واعتذرا له مما سبق أن اقترحا عليه، وأخذ الفريقان من ذلك الحين، يتوجس كل من صاحبه ويتربص به، وانقسم أهل القصر إلى معسكرين، معسكر الصقالبة يتزعمه فائق وجؤذر، ومعسكر الأحرار يتزعمه الحاجب جعفر ومحمد بن أبي عامر (١)
стр. 510
وسنرى فيما بعد، كيف تطورت هذه المعركة الخفية بين المعسكرين.
* * *
وهكذا وقع الاتفاق على تولية هشام، وأخذت له البيعة في صبيحة اليوم التالي لوفاة أبيه الحكم، وهو يوم الإثنين الثالث من صفر سنة ٣٦٦ هـ (أول أكتوبر سنة ٩٧٦ م). فأجلس الخليفة الصبي هشام، في كرسي الخلافة، ولما يجاوز الثانية عشرة من عمره. وتولى أخذ البيعة له الحاجب جعفر محمد ابن أبي عامر، ولم يعترض أحد على توليته. واستمر أخذ البيعة أياماً، وكتب بها إلى الأقطار، فلم يردها أحد. وينقل إلينا ابن الخطيب، عن ابن حيان، مئات من أسماء الوزراء والعلماء والقضاة والأكابر، من مختلف الطبقات، الذين أخذوا البيعة لهشام، ومنهم كثيرون، ممن اشتركوا في أخذ البيعة له بولاية العهد، في حياة أبيه (١).
ويصف لنا ابن الخطيب حالة الخلافة الأندلسية، وأحوال الأندلس، عند ولاية هشام، فيما يأتي: " بويع ولي عهده (أي الحكم) هشام الملقب بالمؤيد بالله والخلافة قد بلغت المنتهى، وأدركت الجنى، وبلغ طورها، وانتهى دورها، فكانت كمامة ثم زهرة بسّامة، ثم ثمرة بهية، ثم فاكهة شهية؛ وكان بكرسي
العامرية مجلاها، ثم تلاها ما تلاها، وأرخص الحطوط من أعلاها، فكان المال قد ضاقت عنه خزائنه، والمصر قد عظمت مزاياه ومزاينه، والملك تعوذ بالله، أن لا يصيبه عائنُه الذي يعاينه، والمباني قد بلغت السماء سمواً، وزاحمت الكواكب علواً، والبلاد وقد بلغ فيها إلى أقاصي الاهتمام، وفرغت بناتها من لبنات التمام، والآثار الصالحة قد تخلدت، والمآثر الواضحة قد تعددت، والأذهان في بسطة الإسلام قد تبلدت، ورسم الخلاف قد أمحى، والدّولة المراونية قد بركت وسط المرعى، والدعوة قد انتشرت في المغرب الأقصى" (٢).
* * *
وهكذا تمت البيعة لهشام المؤيد، بين يوم وليلة، وقضى على كل معارضة، وتوارى الأعمام وبنو العم، واجتمعت مقاليد السلطة في أيدي رجلين، هما الحاجب
стр. 511
جعفر بن عثمان المصحفي، ومحمد بن أبي عامر، وهو يومئذ مدير الشرطة، ومتولي خطة المواريث، وناظر الحشم. بيد أنه من الخطأ أن يقال إن السلطة، قد خلصت لهذين الرجلين وحدهما، فقد كان ثمة شخصية ثالثة تشاطرهما السلطان من وراء ستار. تلك هي "صبح" البشكنسية حظية الحكم وأم ولده هشام الخليفة الصبي، وكانت قد منحت الوصاية على ولدها، واكتسبت بذلك صفة شرعية في الاشتراك في الحكم وتدبير الشئون.
فمن ذلك كانت تلك المرأة، التي لبثت ردحاً طويلا من الزمن، تسيطر بسحرها ونفوذها، على خلافة قرطبة، وتشترك في تدبير شئونها، في السلام والحرب، مع أعظم رجالات الأندلس؟ لسنا نعرف الكثير عن نشأتها وحياتها الأولى. وكل ما تقدمه إلينا الرواية الإسلامية في ذلك، هو أن " صبحاً " كانت جارية بشكنسية أي نافارية. ولا تذكر الرواية إن كانت قد استرقت بالأسر في بعض المواقع، أم كانت رقيقاً بالملك والتداول، ولكنها تصفها بالجارية والحظية؛ وصبح أو صبيحة ترجمة لكلمة Aurora الفرنجية، ومعناها الفجر أو الصباح الباكر، وهو الاسم النصراني الذي كانت تحمله صبح فيما يظهر (١).
وظهرت صبح في بلاط قرطبة في أوائل عهد الحكم المستنصر، وكانت فتاة رائعة الحسن والخلال، فشغف بها الحكم، وأغدق عليها حبه وعطفه، وسماها "بجعفر" (٢) ولم تلبث أن استأثرت لديه بكل نفوذ ورأي. ثم ازداد هذا النفوذ توطداً وتمكناً، حينما رزق منها الحكم بولده عبد الرحمن ثم بولده هشام حسبما تقدم. ولم تك صبح يومئذ جارية أو حظية فقط، بل كانت ملكة حقيقية، ولا تشير الرواية الإسلامية إلى أنها غدت زوجة حرة للحكم المستنصر، بعد أن كانت جارية وحظية. ولكن هنالك ما يدل، على أن صبحاً، كانت تتمتع في البلاط والحكومة بما يشبه مركز الملكة الشرعية. فالرواية الإسلامية تنعتها بالسيدة صبح أم المؤيد (٣) أو السيدة أم هشام. وتصفها التواريخ الإفرنجية "بالسلطانة صبح" (٤). بيد أن
стр. 512
هناك ما يقطع مع ذلك بأنها بقيت من الوجهة الشرعية جارية " وأم ولد " فقط، وأن الحكم توفي عنها دون تغيير في مركزها الشرعي (١).
استمرت صبح أيام الحكم، تتمتع في البلاط والحكومة، بنفوذ لا حد له, وكان الحكم يثق بإخلاصها وحزمها، ويستمع لرأيها في معظم الشئون. وكانت كلمتها هي العليا، في تعيين الوزراء ورجال البطانة، وكان الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي، يجتهد في خدمتها وإرضائها، ويستأثر لديها ولدى الحكم بنفوذ كبير. واستمرت الحال حيناً على ذلك، حتى دخلت في الميدان شخصية جديدة قدر لها أن تضطلع فيما بعد بأعظم قسط في توجيه مصاير الأندلس. تلك هي شخصية محمد بن أبي عامر الذي تقدم ذكره غير مرة، والذي رأيناه في أواخر عهد الحكم يشغل منصب مدير الشرطة وناظر الخاص.
كان محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي عامر المعافري، يرجع إلى أصل من أعرق الأصول العربية. وكان جده عبد الملك بن عامر المعافري، أول من دخل الأندلس مع الفاتحين موسى وطارق، وظهر في الفتح بشجاعته وحسن بلائه. ونزلت أسرة بني عامر بالجزيرة الخضراء، وأقطعت حصن طرُّش الواقع على نهر وادي يارُه، الذي يصب على مقربة من جبل طارق، وظهرت بالعلم والوجاهة، وتولى كثير من أبنائها مناصب القضاء والإدارة؛ وولد محمد بن أبي عامر بحصن طرُّش وأنفق فيه حداثته. وكان أبوه عبد الله، المكني بأبي حفص من أهل العلم والتقى، عالماً بالحديث والشريعة، وكانت أمه بريهة بنت يحيى تنتمي إلى بني تميم. ونشأ محمد على تقاليد أسرته، مؤثراً حياة الدرس، ووفد على قرطبة حَدَثاً، ودرس في معاهدها درساً مستفيضاً، وبرع في الأدب والشريعة، وكان من أساتذته العلامة اللغوي أبو علي القالي البغدادي، وأبو بكر بن القوطية، والمحدث أبو بكر بن معاوية القرشي، وكان طموحاً مضطرم النفس والعزم، رفيع المواهب والخلال. وتنوه بهذا الطموح المدهش معظم الروايات المعاصرة واللاحقة (٢). وكان محمد بن أبي عامر في نحو
стр. 513
السابعة والعشرين من عمره، حينما أراد الخليفة الحكم أن يعين مشرفاً لإدارة أملاك ولده عبد الرحمن، ورشحه الحاجب جعفر فيمن رشح لتولي هذا المنصب، وأعجبت صبح بذكائه وحسن روائه، وظرف شمائله، فاختارته دون غيره، وعين بمرتب قدره خمسة عشر ديناراً في الشهر، وذلك في أوائل سنة ٣٥٦ هـ (٩٦٧ م) (١) , ولما توفي عبد الرحمن طفلا، عين مشرفاً لإدارة أملاك أخيه هشام. وتقدم في وظائف الدولة بسرعة. فأضيف إليه النظر على الخزانة العامة.
وعلى أمانة دار السِّكة، ثم عين للنظر على خطة المواريث (٣٥٨ هـ)، فقاضياً لكورة إشبيلية ولبلة. ثم عينه الحكم مديراً للشرطة الوسطى (٣٦١ هـ) , وفي أواخر أيامه عينه ناظراً على الحشم (الخاص). ويقدم إلينا ابن حيان وظائف ابن أبي عامر في أواخر أيام الحكم على النحو الآتي: صاحب الشرطة الوسطى، والمواريث، وقاضي إشبيلية، ووكيل الأمير أبي الوليد هشام، وكان عندئذ يلقب " بفتى الدولة " (٢).
وهكذا وصل محمد بن أبي عامر إلى أرفع وظائف الدولة والقصر في أعوام قلائل. ويرجع الفضل في تقدمه بتلك السرعة، أولا إلى مواهبه وكفاياته الباهرة، ثم يرجع بالأخص إلى عطف صبح وحمايتها له. وقد انتهى هذا العطف غير بعيد إلى النتيجة الطبيعية. كانت صبح امرأة حسناء، لا تزال في زهرة العمر، وما زال قلبها يضطرم حباً وجوى، وكان سيدها الحكم قد أشرف على الستين، وهدمه الإعياء والمرض؛ أما ابن أبي عامر فقد كان فتى في نضرة الشباب، وسيم المحيا، حسن القد والتكوين، ساحر الخلال، وكان من جهة أخرى يفتن في خدمة صبح وإرضائها، ولا ينفك يغمرها بنفيس الهدايا والتحف، حتى لقد أهداها ذات مرة نموذج قصر من الفضة، بديع الصنع والزخرف، أنفق عليه مالا عظيماً، ولم ير مثله من قبل بين تحف القصر وذخائره، وشهده أهل قرطبة حين حمل من دار ابن أبي عامر إلى القصر، فكان منظراً يخلب اللب، ولبثوا
стр. 514
يتحدثون بشأنه حيناً؛ فكانت هذه العناية تقع من قلب صبح أحسن موقع، وتزيدها عطفاً على ابن أبي عامر وشغفاً به. وكان الحكم يشهد هذا السحر الذي ينفثه ابن أبي عامر إلى حظيته، وإلى نساء القصر جميعاً، ويعجب له. ويروى أنه قال يوماً لبعض ثقاته: " ما الذي استلطف به هذا الفتى حرمنا حتى ملك قلوبهن، مع اجتماع زخرف الدنيا عندهن، حتى صرن لا يصفن إلا هداياه، ولا يرضين الا ما أتاه، إنه لساحر عظيم أو خادم لبيب، وإني خائف على ما بيده " (١).
ولم تلبث علائق صبح وابن أبي عامر أن ذاعت، وغدت حديث أهل قرطبة، ولم يك ثمة ريب في أنها استحالت غير بعيد إلى علائق غرامية. وربما ارتاب الحكم في طبيعة هذه العلائق، وثاب له رأي في نكبة ابن أبي عامر، وسعى لديه بعض خصومه، واتهمه بأنه يبدد الأموال العامة، التي عين للنظر عليها، في شراء التحف والإنفاق على أصدقائه، فأمره الحكم أن يقدم حساب الخزانة العامة، ليتحقق من سلامتها، وقد كان بالخزانة في الواقع عجز كبير، فهرع ابن أبي عامر إلى صديقه الوزير ابن حُدير، وكان وافر الوجاهة والثراء، فأغاثه وأعانه بماله على تدارك هذا العجز، وتقدم إلى الحكم سليم العهدة برىء الذمة، فزالت شكوكه، وتوطدت ثقته فيه.
واستمر ابن أبي عامر متمتعاً بنفوذه وسلطانه، يندبه الحكم لعظائم المهام والشئون، وكان آخرها ما عهد إليه من تنظيم البيعة بولاية العهد لولده هشام حسبما تقدم؛ وابن أبي عامر خلال ذلك كله، يحرص على عطف صبح، ويستزيده ويصانع الحاجب جعفر، ويجتهد في إرضائه وكسب ثقته، وكان بين الرجلين تباين يفيد منه ابن أبي عامر، فقد كان الحاجب جعفر على ما يبديه من التواضع والبشر والترفق بالناس، قليل الجود، مؤثراً لجمع المال. وكان ابن أبي عامر على نقيضه في ذلك، فكان واسع البذل والجود، حريصاً على اصطناع الرجال، وكانت داره الفخمة بضاحية الرصافة، مقصد الناس من كل صوب، وكانت مائدته معدة دائماً، وكان بذلك كله يخلق جواً من الحب والإعجاب، ويجتذب الصحب والأنصار، بسحر خلاله, ووافر بذله ومروءته، وبارع وسائله وأساليبه (٢).
стр. 515
فلما توفي الحكم المستنصر، وأسندت الخلافة إلى ولده الطفل هشام، اتخذت الأمور وضعاً جديداً، ينذر بتطورات جديدة. وقد رأينا أي دور قام به ابن أبي عامر عندئذ، من الانضمام إلى الحاجب جعفر في معارضة الفتيان الصقالبة، ومقتل مرشحهم للخلافة، المغيرة بن عبد الرحمن الناصر.
* * *
وهكذا تحقق مشروع الحكم بجلوس ولده هشام، وتحقق مشروع الثلاثة ذوي السلطان من بعده، وكان طبيعياً أن تحرص صبح على تولية ولدها لتحكم باسمه، وكان طبيعياً كذلك أن يؤازر ابن أبي عامر صاحبته المحسنة إليه، ليستمر بواسطتها محتفظاً بسلطانه ونفوذه. أما الحاجب جعفر فقد كان له مثل ذلك الباعث في تولية هشام، إذ كان يخشى من تولية المغيرة، وأوليائه الصقالبة، على نفسه وعلى سلطانه. وهكذا جمعت البواعث والغايات المشتركة بين أولئك الثلاثة، الذين قدر لهم أن يسيطروا على تراث الخلافة الأموية. ولكن هذا التحالف الذي أملته الضرورة المؤقتة، لم يكن طبيعياً ولا سيما بين الحاجب جعفر، ومنافسه القوي محمد بن أبي عامر. وكانت العلائق بين صبح وابن أبي عامر، تزداد كل يوم توثقاً، ولا سيما منذ وفاة الحكم. وكان ابن أبي عامر، يرى في تلك المرأة، التي تجتمع في يدها السلطة الشرعية، بوصايتها على ولدها الطفل، أداة صالحة هينة، يستطيع أن يخضعها لإرادته، ويسخرها لمعاونته، على تحقيق مشاريعه البعيدة المدى. وكانت صبح من جانبها تغدق كل عطفها وثقتها، على هذا الرجل القوي الذي سحرها بخلاله، وقوة نفسه، وباهر كفاياته، وتضع فيه كل أملها لحماية العرش الذي يشغله ولدها الفتى، فلم تمض أيام قلائل على تولية هشام، حتى عين حاجب أبيه جعفراً المصحفي حاجباً له، ورقى في نفس الوقت ابن أبي عامر من خطة الشرطة إلى مرتبة الوزارة، وجعله معاوناً للمصحفي في تدبير دولته (١). وبذلك أشرك ابن أبي عامر، في تولي السلطة المباشرة مع المصحفي، ولم يعترض أحد من رجال القصر أو الدولة على ذلك الاختيار، سوى الحاجب جعفر، فقد كان يرى في هذا التعيين انتقاصاً لسلطته، ونكراناً لجميله، بعد أن حمل أعباء السلطة كلها دهراً. وكان يرى في ابن أبي عامر بالأخص منافساً يخشى
стр. 516
بأسه، ويرتاب في نياته وأطماعه. ومن ذلك اليوم يضطرم بين الرجلين صراع عنيف صامت لم يك ثمة شك في نتيجته. وكان ابن أبي عامر هو الأقوى بلا ريب، سواء بمواهبه وقوة نفسه، أو بمؤازرة صبح له. ولم تكن هذه المؤازرة ترجع فقط إلى ذلك الحب القديم، الذي تضطرم به جوانح صبح نحو ذلك الرجل القوي، ولكنها كانت أيضاً ترجع إلى ثقة صبح في مقدرته وبراعته، وفي أنه هو الرجل الوحيد الذي يستطيع أن يحمي ملك ولدها الفتى، وأن يوطد الأمن والسلام في المملكة. كان ابن أبي عامر في الواقع هو السيد المطلق، وكانت صبح تفوض إليه كل سلطة وكل أمر، فكان يدير الشئون كلها بمهارة، تثير إعجاب خصومه وأصدقائه على السواء.
وكان الخليفة الفتى هشام المؤيد بالله، ميالا بطبيعته وسنه إلى اللهو والدعة، ولم يكن له شىء من تلك الخلال الرفيعة، التي تهيء الأمراء للاضطلاع بمهام الملك، فكان يلزم القصر والحدائق، ويقضي كل أوقاته في اللهو واللعب، بين الخصيان وآلات الطرب؛ وكان ابن أبي عامر وصبح يشجعان هذه الميول السيئة في نفس الأمير، ويريانها ملائمة لمقاصدهما (١). ومذ ولي هشام، حجر عليه ابن أبي عامر، ولم يسمح لأحد غيره برؤيته أو مخاطبته، وكان يحمل صبحاً بدهائه وقوة عزمه، على أن تختلق الأعذار لحجب ولدها، حتى غدا هشام شبه معتقل أو سجين. وفي ذلك يقول لنا مؤرخ أندلسي: " حجر المنصور ابن أبي عامر على هشام المؤيد، بحيث لم يره أحد مذ ولي الحجابة، وربما أركبه بعض سنين، وجعل عليه برنساً فلا يعرف، وإذا سافر وكل من يفعل به ذلك " (٢).
ويقدم إلينا ابن الخطيب تلك الصورة عن الخليفة هشام: " ولما كان هشام مندرجاً في طي كافله الحاجب المنصور، بحيث لا ينسب إليه تدبير، ولا يرجع إليه من الأمور قليل ولا كثير، إذ كان في نفسه وأصل تركيبه مضعفاً مهيناً مشغولا بالنزهات، ولعب الصبيان والبنات، وفي الكبر بمجالسة النساء ومحادثة الإماء، يحرص بزعمه على اكتساب البرْكات والآلات المنسوبات " (٣). وفي الفرص النادرة، التي كان يسمح فيها للأمير بالخروج، كان ابن أبي عامر يتخذ أشد
стр. 517
التحوطات، فيحيط موكب الأمير حين يخترق شوارع قرطبة، بصفوف كثيفة من الجند، تمنع الشعب من رؤيته أو الاقتراب منه. وكان حجب هشام على هذا النحو، عماد ذلك الانقلاب العظيم الذي اعتزم ابن أبي عامر، أن يحدثه في نظم الدولة، لتمكين سلطانه وجمع سلطات الخلافة كلها في يده.
وكان لابد لتحقيق هذه الغاية الكبرى، أن يسحق ابن أبي عامر كل سلطة
أخرى تعترض سبيله. وكان الصقالبة وعددهم نحو ألف، لا يزالون قوة يحسب حسابها، وكذا كان الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي، ما يزال بحكم منصبه وتأييد عصبته، مسيطراً على السلطة العليا. وكانت الوحشة ما تزال قائمة بين الحاجب وبين الصقالبة، مذ تسبب في فشل مشروعهم لتولية المغيرة بن عبد الرحمن، وحصد شوكتهم بتولية هشام. وكان الحاجب يخشى غدرهم ودسائسهم. وبلغه أن فريقاً من زعمائهم، وعلى رأسهم الفتيان جؤذر وفائق، يدبرون مؤامرة لقب نظام الحكم، فاتخذ بعض التحوطات، ووضع الفتيان تحت الرقابة، وأغلق باب الحديد، الذي كان مخصصاً بدخولهم ودخول أصحابهم إلى القصر، وقصر دخولهم مع بقية الناس على باب السُّدة، وفصل الغلمان من أصحاب جؤذر وفائق، وتفاهم مع ابن أبي عامر على إلحاقهم بحاشيته، وكانوا زهاء خمسمائة، فقبل ابن أبي عامر خدمتهم وفخم بهم شأنه، ثم انحاز إليه بنو برزال، وكانوا قبلا من أصحاب الحاجب جعفر، فقوى بهم أمره، ولم يمض سوى قليل حتى استقال زعيم الصقالبة الفتى جؤذر، وشعر الصقالبة بأن نجمهم قد أفل، وسلطانهم قد انهار، فسرى بينهم التذمر، واجتمع المتمردون حول فتى من زعمائهم يدعى درّي. فتفاهم الحاجب وابن أبي عامر على إزالته، فدعي إلى بيت الوزارة لسؤاله عن أمور نسبت إليه وإلى عماله من رعيته في بياسة؛ ولما قدم دري ورأى كثرة الجند، شعر بالشر، وأراد العودة فمنعه ابن أبي عامر، فهجم عليه وأراد أن يبطش به، فصاح ابن أبي عامر بالجند، فهرع إليه بنو برزال وانهالوا عليه ضرباً، ثم حمل إلى داره وقتل في نفس المساء. ورأى ابن أبى عامر الفرصة سانحة لسحق الصقالبة، فأمر كبيرهم فائقاً وباقي زعمائهم بالتزام دورهم، وفرق بذلك شملهم. ثم جد في مطاردتهم واستصفاء أموالهم، وفشى فيهم القتل والنفي، حتى هلك الكثير منهم، وأبعد الفتى فائق في النهاية إلى
стр. 518
ميورقة فمات هناك، وانهار بذلك سلطان الصقالبة، وأمن الحاجب وزميله ابن أبي عامر شرهم، وتقلد الحاجب جعفر أمر القصر والحُرم بدلا منهم.
ويبدي ابن حيان ارتياحه لسحق الصقالبة واستئصال شأفتهم على هذا النحو.
وقد كان الصقالبة في البداية زينة للدولة والبلاط، وكان ظهورهم بجموعهم المتألقة وأزيائهم الفخمة، يسبغ على القصر، وعلى مواكب الخلافة، طابعاً من الأبهة والعظمة. ولكنهم منذ استأثروا بثقة الخليفة، وبسطوا سلطانهم على القصر والدولة، اشتد طغيانهم، وثقلت وطأتهم على أهل الدولة، وعلى الشعب قاطبة (١).
وسنحت بعد ذلك بقليل فرصة أخرى، لكي يوطد ابن أبي عامر قدمه في السلطة، ويبسط نفوذه على الجيش عصب كل سلطان حقيقي. وذلك أن القشتاليين، كانوا قد انتهزوا فرصة مرض الحكم، وانشغال المسلمين عقب وفاته، فدفعوا غاراتهم جنوباً، ووصلوا إلى مقربة من العاصمة ذاتها، ولم يبد الحاجب في ذلك، ما كان واجباً من الهمة والنجدة، فاهتم ابن أبي عامر، وأشار إلى الحاجب جعفر بتجهيز الجيش واستئناف الجهاد؛ ولكن الحاجب لم يجد من القادة من يعهد إليه بتلك المهمة، فتقدم ابن أبي عامر للاضطلاع بها، وجهز المال والجند، وأشرف بنفسه على اختيار الجند. وخرج من قرطبة في رجب سنة ٣٦٦ هـ (فبراير ٩٧٧ م)، وسار شمالا إلى أراضي قشتالة، ثم عطف غرباً حتى أحواز شلمنقة، وحاصر حصن الحامة، ومكانه اليوم محلة تسمى بالإسبانية " لوس بانيوس " Los Banos ( الحمامات)، وتقع في جنوب بلدة (بخار) في السفح الغربي لجبال جريدوس، ثم استولى على الحصن وربضه، وقفل راجعاً إلى قرطبة، مثقلا بالأسرى والغنائم، وذلك لثلاثة وخمسين يوماً من خروجه إلى الغزو (٢).
وكان لهذا الظفر الحربي الأول، الذي حقق على يد ابن أبي عامر، أكبر الأثر في نفوس الجند، ونفوس الشعوب قاطبة، فقد رأى الجند فيه قائدهم المظفر، وقد استولى على قلوبهم ببذله ووفرة عطائه، ورأى فيه الشعب حامي المملكة والمدافع عنها، وكان لهذه البداية نتائج بعيدة المدى.
ولم تمض أسابيع قلائل على ذلك حتى تأهب ابن أبي عامر للسير إلى غزوته
стр. 519
الثانية؛ وكانت قد وقعت ثمة ظروف جديدة زادت في توطيد مركزه، وفي إضعاف مركز الحاجب جعفر. وكان بين الحاجب، وبين القائد غالب بن عبد الرحمن صاحب مدينة سالم، وأعظم فرسان الأندلس، عداء مستحكم، زاده ما تقوّل به الحاجب على غالب، من تقصيره في الدفاع عن الحدود الشمالية، وعجزه عن رد النصارى، فانتهز ابن أبي عامر هذه الفرصة ليضم غالباً إلى جانبه، وسعى إلى خدمته والدفاع عنه لدى صبح، ولدى الخليفة، حتى خرج المرسوم برفعه إلى خطة " ذي الوزارتين "، وبأن يندب لقيادة جيش الثغر، وأن يندب ابن أبي عامر لقيادة جيش الحضرة. وخرج ابن أبي عامر على أثر ذلك بالجيش إلى غزوته الثانية، وذلك في يوم عيد الفطر سنة ٣٦٦ هـ (مايو ٩٧٧ م)، فالتقى بغالب وجيشه في محلة مجريط (١) على طريق وادي الحجارة، واخترق الجيشان معاً أراضي قشتالة القديمة، واستولى المسلمون على حصن مولة، وأصابوا كثيراً من الغنائم والسبي. وكان لجيش غالب التفوق في الأعمال الحربية في تلك المنطقة، ولكن غالباً تنحى عن ذلك لابن أبي عامر، وارتد بجيشه إلى الثغر، بعد أن توثق بينهما التحالف، والتفاهم على سحق الحاجب جعفر عدوهما المشترك؛ وقفل ابن أبي عامر إلى قرطبة بالغنائم والسبي، وقد نسب إليه فخر الظفر على الأعداء، فزاد صيته، وارتفعت هيبته، وتمكنت منزلته لدى الخليفة، وازداد الشعب حوله التفافاً وله حباً (٢).
وهنا بدت طلائع المعركة الحاسمة بين ابن أبي عامر وجعفر المصحفي.
فما كاد ابن أبي عامر يصل إلى قرطبة، حتى خرج أمر الخليفة بعزل محمد بن جعفر ولد الحاجب عن حكمها، وتقليده لابن أبي عامر، وبذلك تم لابن أبي عامر السيطرة على المدينة والجيش معاً. وكانت قرطبة تعاني قبل توليه حكمها من اضطراب الأمور، واختلال الأمن، وذيوع الفساد والفسق، فضبط أمرها وقمع أهل الشر والدعارة، فساد بها الهدوء والأمن. ثم استخلف ابن أبي عامر على حكم المدينة ابن عمه عمرو بن عبد الله بن أبي عامر. فسار في طريقته، في
стр. 520
انتهاج الحزم والشدة في ضبط الأمور، ومطاردة أهل البغي والعدوان. كل ذلك والحاجب جعفر، يشهد سلطانه يغيض شيئاً فشيئاً، وسلطان ابن أبي عامر في صعود وتمكن مستمر، ويشهد انصراف الخليفة والشعب عنه، ويشعر في قرارة نفسه بدنو الخاتمة المحتومة.
وخطر للحاجب جعفر أن يقف هذا التحول الخطر، باستمالة القائد غالب ومصالحته، فطلب يد ابنته أسماء زوجاً لابنه محمد، فاستجاب غالب إلى طلبه، وكادت تتم المصاهرة، ولكن سرعان ما علم ابن أبي عامر بذلك المشروع، فثارت نفسه، وكتب إلى غالب يناشده الولاء، ويخطب ابنته لنفسه، وعضده في ذلك أهل القصر، فنزل غالب على تلك الرغبة، وعدل إلى مصاهرة ابن أبى عامر، وتم العقد في أوائل المحرم سنة ٣٦٧ هـ (٩٧٧ م). ولم يمض قليل على ذلك حتى خرج ابن أبي عامر إلى غزوته الثالثة، فسار إلى طليطلة في أوائل صفر، حيث التقى مع صهره غالب. وسار الإثنان في قواتهما شمالا، وافتتحا في طريقهما بعض الحصون، ثم قصدا إلى مدينة شلمنقة الواقعة جنوب غربي مملكة ليون فاقتحماها، وعاثا في أرباضها، واستوليا على كثير من الغنائم والسبي؛ وعاد ابن أبي عامر إلى قرطبة لأربعة وثلاثين يوماً فقط من خروجه، ومعه عدد عظيم من رؤوس النصارى. فاغتبط الخليفة بصنعه، ورفعه إلى خطة الوزارتين أسوة بصهره غالب، ورفع راتبه إلى ثمانين ديناراً في الشهر، وهو راتب الحجابة في ذلك العصر.
وما كاد ابن أبي عامر يستقر في قرطبة، حتى اتخذت الأهبة لإتمام زفافه.
فأحضرت أسماء إلى العاصمة في موكب فخم، وكانت من أجمل نساء عصرها وأوفرهن ثقافة وسحراً، وكانت قد تزوجت لأول مرة بالوزير ابن حُدير أيام الحكم، ثم طلقت منه. وزفت أسماء إلى ابن أبي عامر، في حفلات كانت مضرب الأمثال في البذخ والبهاء، ونظم الاحتفال في قصر الخليفة، وبإشراف أمه صبح، وأغدقت صبح على العروس أروع الهدايا والتحف. وكان زواجاً سعيداً موفقاً لبث مدى الحياة (١)، وإن كان غالب قد خرج بعد ذلك بأعوام قلائل على صهره حسبما نفصل بعد.
стр. 521
واستقدم الخليفة غالباً من الثغر، وقلده خطة الحجابة إلى جانب جعفر، فكانت ضربة جديدة للحاجب. ولكن جعفراً لم يسعه إلا الإذعان والسكوت، وقد أضحى يشعر شعوراً قوياً بالخطر المحدق به، وبأنه لم يبق له من الحجابة سوى الاسم، ولم ينخدع بما كان يبديه نحوه ابن أبي عامر من التلطف والمصانعة، وهو يقبض دونه على كل شىء في القصر والدولة.
وأخيراً وقعت النكبة المرتقبة، ففي الثالث عشر من شعبان سنة ٣٦٧ هـ، أصدر الخليفة أمره بإقالة الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي، والقبض عليه وعلى ولده وآله، والتحفظ علي أموالهم. وبادر ابن أبي عامر إلى محاسبتهم واستصفاء أموالهم، وشدد في مطاردتهم، حتى مزقهم كل ممزق، وعوجل هشام ابن أخي الحاجب فقتل في مطبقه، وكان من أشد الناس عداوة لابن أبي عامر، وزج جعفر إلى ظلام السجن، يعتقل فيه حيناً، ثم يعتقل حيناً في داره، واضطر إزاء التشدد في مطالبته أن يبيع داره الفخمة بالرُّصافة، وكانت من أعظم دور قرطبة، وأمعن ابن أبي عامر في نكايته، واستجوابه بمحضر من زملائه القدماء؛ واستطالت محنة المُصْحفي أعواماً، عانى خلالها أروع آلام المهانة والذلة، وهو يستعطف ابن أبي عامر فلا يرحمه؛ واستمر سجيناً في مطبق الزهراء حتى توفي سنة ٣٧٢ هـ (٩٨٢ م). وقيل إنه قتل خنقاً في مطبقه، وقيل إنه دست إليه شربة مسمومة كانت سبب وفاته.
وكان المصحفي حسبما تقدم شاعراً جزلا، وقد أذكت المحنة شاعريته، وصدر عنه في مطبقه كثير من القصائد المؤثرة. ومن ذلك قوله:
صبرت على الأيام لما تولت ... وألزمت نفسي صبرها فاستمرت
فيا عجباً للقلب كيف اصطباره ... وللنفس بعد العز كيف استذلت
وما النفس إلاحيث يجعلها الفتى ... فإن طمعت تاقت وإلا تسلت
وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذل ذلت
وقلت لها يا نفس موتي كريمة ... فقد كانت الدنيا لنا ثم ولت
ويعلق ابن حيان على محنة المصحفي بقوله: " وكانت لله عند جعفر، في إيثاره هشاماً بخلافته، واتباع شهوة نفسه وحظ دنياه، وتسرعه إلى قتل المغيرة لأول وهلة، دون قصاص جريرة استدركته دون إملاء، فسلط
стр. 522
عليه من كان قدر أن يتسلط على الناس باسمه " (١).
وهكذا سار ابن أبي عامر إلى غايته بسرعة مدهشة، ولجأ في تحقيقها إلى أذكى الوسائل وأشدها، واستطاع بعزمه وصرامته وبارع خططه، أن يسحق كل عقبة، وأن يروع كل منافس ومناوىء. ويجمل ابن خلدون معركة ابن أبي عامر مع خصومه في تلك العبارة القوية: " ثم تجرد لرؤساء الدولة ممن عانده وزاحمه، فمال عليهم، وحطهم عن مراتبهم، وقتل بعضهم ببعض، كل ذلك عن أمر هشام وتوقيعه، حتى استأصل شأفتهم، ومزق جموعهم" (٢). ولم يكن مهلك المصحفي، بعد سحق الصقالبة، سوى حلقة جديدة في سلسلة المطاردة الشاملة التي نظمها ابن أبي عامر لاستئصال شأفة خصومه ومنافسيه. ذلك أنه جد في نفس الوقت، في مطاردة كل من يخشى بأسه من بني أمية أو غيرهم من زعماء القبائل، حتى سحق كل من يصلح منهم للولاية والرياسة، ومزقهم في البلاد شر ممزق، كل ذلك تحت شعار حمايته للمؤيد وللعرش، وفي ذلك يقول شاعر من شعراء العصر:
أبنى أمية أين أقمار الدجى ... منكم وأين نجومها والكوكب
غابت أسود منكم عن غابها ... فلذاك حاز الملك هذا الثعلب
ولما خلا الجو لابن أبي عامر من أولياء الخلافة، والمرشحين للرياسة، اهتم بتنظيم الجيش. فأنشأ صفوفاً جديدة من المرتزقة من زناتة وصنهاجة وغيرهما من قبائل البربر، ومن الجند النصارى من ليون وقشتالة ونافار، وبذل لهم الأجور السخية، واجتذب قلوبهم بعدله ورفقه وجوده. وغير أنظمة الجيش القديمة، فقدم رجال البربر، وأخر زعماء العرب، وأقصاهم عن مناصبهم، وفرق جند القبيلة الواحدة في صفوف مختلفة، وكانوا من قبل ينتظمون في صف واحد.
وكان العرب يتمسكون منذ أيام الفتح بوحدة القبيلة، لأن العصبية كانت في قبائلهم حتى أيام الناصر، ما تزال فتية قوية، ولكن الناصر عمل على سحق القبائل العربية، وإضعاف هيبتها، وجاء ابن أبي عامر فألفى الميدان ممهداً لخططه، فلم تلق سياسته الجديدة كبير معارضة (٣).
стр. 523
الكِتابُ الثالِث
الدّولة العامِريّة ٣٦٨: ٣٩٩ هـ - ٩٧٨: ١٠٠٩ م
стр. 524
الفصل الأوّل
الحاجب المنصور
ابن أبي عامر يطمح إلى حلل الملك. إنشاؤه لمدينة الزهراء وانتقاله إليها. يؤلف حرسه من الصقالبة والبربر. تشدده في الحجر على هشام. موقف صبح من ذلك. ذيوع علاقتها مع ابن أبي عامر. تحولها إلى خصومته والتشهير به. تفاهمها مع القائد غالب. التفاف المعارضين حوله. جعفر بن حمدون الأندلسي يتولى الوزارة. تقاطر البربر من العدوة. الوحشة بين ابن أبي عامر وغالب. نهوض غالب لمحاربته. استعانته بملك ليون. القتال بين غالب وابن أبي عامر. مصرع غالب وهزيمة قواته. الموقعة حسبما يصفها ابن حزم. غزوات ابن أبي عامر. غايته من القيام بها. مسيره إلى ليون ومحاصرته لسمورة. هزيمته للنصارى في شنت منكش. توغله في ليون ثم عوده إلى قرطبة. اتخاذه لسمة الملك وتسميه بالحاجب المنصور. غدره بجعفر الأندلسي. الحرب الأهلية في ليون. اعتراف برمودو بطاعة المنصور. مسير المنصور إلى الغزو. يخترق شرقي الأندلس ويغزو قطلونية. اقتحامه لبرشلونة وتدميرها. حوادث المغرب. مسير الحسن بن كنون إلى غزو المغرب. المنصور يرسل جيشاً لقتاله. مطاردة الحسن وإرغامه على طلب الأمان. مسيره إلى قرطبة واغتياله. ندب الوزير السلمي لحكم المغرب. إجتماع قبائل البربر حوله. مسير زيري زعيم مغراوة إلى قرطبة. القتال بين السلمي وبني يفرن. مقتله وولاية زيري حكم المغرب. مسير زيري ثانية إلى قرطبة. عوده وخيبة أمله. غزو بني يفرن لفاس واحتلالها. القتال بين مغراوة وبني يفرن. اشتداد ساعد زيري. إنشاؤه لمدينة وجدة. غزو المنصور لليون واستيلاؤه على قلمرية. غزوه لنافار. ما تزعمه الرواية النصرانية. عود المنصور إلى غزو ليون. اقتحامه لمدينة ليون وتدميرها. استيلاؤه على سمورة. حوادث الثغر الأعلى. عبد الله ولد المنصور. تآمره مع عبد الرحمن التجيبي والي سرقسطة وآخرين. وقوف المنصور على المؤامرة في خروجه إلى الغزو. اعتقاله لعبد الرحمن التجيبي. فرار عبد الله والتجاؤه إلى غرسية أمير قشتالة. غزو المنصور لقشتالة وهزيمة أميرها. غرسية يرسل عبد الله استجابة لطلب المنصور. إعدامه. تأملات عن هذا الحادث. سانشو ابن غرسية يخرج عليه بتحريض المنصور. المنصور يغزو قشتالة ويستولي على شنت إشتيبن وكلونية. قصة الأيل الذي أهداه صاعد إلى المنصور. مسير المنصور إلى غزو ليون. إذعان برمودو وتعهده بأداء الجزية. المنصور يرشح ولده عبد الملك للولاية من بعده ويوليه الحجابة. اقتصاره على التسمي " بالمنصور ". اختصاصه بألقاب السيادة. إحجامه عن المساس بالخلافة. عوامل هذا الإحجام. موقف صبح أم المؤيد. اتصالها بزيري حاكم المغرب. تحوطات المنصور. تفاهمه مع هشام وموكبهما المشترك. يأس صبح ووفاتها. الوحشة بين المنصور وزيري. مسير عبد الملك إلى العدوة لمحاربة زيري. هزيمة البربر وسقوط فاس. عبد الملك يتولى حكم المغرب. الصلح بين زيري والمنصور. المنصور يغزو جليقية. اختراقه لأراضي البرتغال. استيلاؤه على بازو وقلمرية. توغله في جليقية ومسيره إلى شنت ياقب. يهدم أسوارها وكنيستها العظمى. مسيره شمالا حتى ثغر لاكرونيه. عوده من طريق لاميجو إلى قرطبة. ملك ليون يطلب
стр. 525
الصلح. غزوة أخرى لقشتالة. موقعة صخرة جربيرة. اقتحام المنصور لمدينة برغش. غزوه لنافار. آخر غزوات المنصور. ما تقوله الرواية الإسلامية. موقعة قلعة النسور. ما تقوله عنها الرواية النصرانية. آراء البحث الحديث في شأنها. مرض المنصور ووفاته. قبره بمدينة سالم.
أضحى ابن أبي عامر، بعد أن قضى على كل خصومه ومنافسيه، وحده، سيد الميدان، وأضحى بعد أن وضع يده على الجيش، صاحب السلطة العليا دون منازع ولا مدافع. ولم يكن الخليفة هشام المؤيد، بعد ذلك، سوى أداة لينة في يد المتغلب القوي، يوجهها كيف يشاء.
على أن ابن أبي عامر لم يقنع بما حققه لنفسه من الاستئثار بالسلطة الفعلية.
وعلى الرغم من أنه لم يفكر يومئذ في الافتئات على شىء من رسوم الخلافة الشرعية، فإنه اتجه إلى أن يتشح بحلل الملك في صورة من صوره، فتكون له ثوباً خلاباً، يتوج سلطانه الفعلي، بمظاهر العظمة والأبهة الملوكية.
ولم يكن اتجاه ابن أبي عامر يقف عند تحقيق المظهر دون غيره، ولكن كانت لديه أسباب عملية قوية، تدعو إلى التحوط من أخطار التآمر والغيلة، وقد أصبح يخشى على نفسه من الوجود في قصر الزهراء، ومما قد يضمره بعض الحاقدين المتربصين (١)، ورأى أن يتخذ له مركزاً مستقلا للإدارة والحكم، يجمع بين السلامة ومظاهر السلطان والعظمة. فوضع أسس مدينة ملوكية جديدة أسماها الزاهرة (٣٦٨ هـ - ٩٧٨ م). وقد اختلف في الموقع الذي كانت تحتله الزاهرة لأن البحوث الأثرية الحديثة لم تكشف شيئاً من معالمها، مثلما فعلت بالنسبة لمدينة الزهراء. ويقول البعض إنها كانت تحتل بسيطاً يقع جنوب شرقي قرطبة في منحنى نهر الوادي الكبير، وعلى قيد أميال قليلة منها. ويقول البعض الآخر إنها كانت تحتل بقعة على مقربة من شرقي قرطبة على الضفة الجنوبية لنهر الوادي الكبير (٢).
وأنشأ المنصور بالزاهرة قصراً ملوكياً فخماً، ومسجداً، ودواوين للإدارة والحكم، ومساكن للبطانة والحرس، وأقام حولها سوراً ضخماً، ونقل إليها خزائن المال والسلاح، وإدارات الحكم؛ وتم بناء المدينة الجديدة في نحو عامين، وأقطع ما حولها للوزراء والقادة، وأكابر رجال الدولة، فابتنوا الدور العظيمة، وأنشئت الشوارع والأسواق الفسيحة، واتصلت أرباضها بأرباض قرطبة،
стр. 526
وأضحت تنافس المدينة الخليفية في الضخامة والرونق.
وفي أوائل سنة ٣٧٠ هـ (٩٨٠ م)، انتقل محمد بن أبي عامر إلى مدينة الزاهرة، واتخذ له حرساً خاصماً من الصقالبة والبربر، وأحاط قصره الجديد بالحراس والحاشية، يرقبون كل حركة وسكنة في الداخل والخارج، وأقفرت بذلك مدينة الزهراء الخليفية، وهجر الوزراء والكبراء قصر الخلافة، وساد الصمت حول مركز الخلافة الشرعي؛ وأنشأ ابن أبي عامر في نفس الوقت حول القصر الخليفي سوراً وخندقاً، وأحكم غلق أبوابه، ووكل بها من يمنع دخول أي شخص أو نبأ إلى الخليفة دون علمه وإذنه. وبث عيونه على هشام وحاشيته، وأشاع أنه قد فوض إليه النظر في سائر شئون المملكة، لكي يتفرغ لشئون العبادة. وهكذا أهمل شأن الخليفة الفتى، وقطعت سائر علائقه مع الخارج، ولبث محجوباً في أعماق قصره، يغمره الخمول والنسيان (١).
ماذا كان موقف صبح إزاء هذا الانقلاب الحاسم في مركز ولدها ومركز الخلافة؟ لاريب أنها كانت بموقفها وتصرفها، أكبر معين لابن أبي عامر على إحداثه، وكان حبها المضطرم لذلك الرجل الذي ملك عليها كل مشاعرها وعقلها، يدفعها دائماً إلى مؤازرته والإذعان لرأيه، وكان إعجابها الشديد بمقدرته وتوفيقه يضاعف ثقتها به، ويعميها دائماً عن إدراك الغاية الخطيرة التي يسعى إلى تحقيقها، هذا إذا لم نفترض أن تلك البشكنسية المضطرمة الجوانح، كانت تذهب في حبها إلى حد الائتمار بولدها وتضحية حقوقه ومصالحه. والظاهر أن علائقها بابن أبي عامر قد انتهت بالخروج عن كل تحفظ، وغدت فضيحة قصر ذائعة، شهر بها مجتمع قرطبة، وتناولها بلاذع التعليق والهجو، وظهرت بهذه المناسبة قصائد وأناشيد شعبية كثيرة، في التشهير بحجر ابن أبي عامر على هشام وعلائقه بصبح، فمن ذلك ما قيل على لسان هشام في الشكوى من الحجر عليه:
ْأليس من العجائب أن مثلي ... يرى ما قل ممتنعاً عليه
وتملك باسمه الدنيا جميعاً ... وما من ذاك شىء في يديه (٢)
ومن ذلك ما قيل في هشام وأمه صبح، وقاضيه ابن السليم:
стр. 527
اقترب الوعد وحان الهلاك ... وكل ما تحذره قد أتاك
خليفة يلعب في مكتب ... أمه حبلى وقاض ... (١)
وهذه الأناشيد اللاذعة وأمثالها تعبر عن روح العصر، وتدل على ما كان يثيره موقف صبح وسمعتها، من الحملات المرة. وتتفق الرواية الإسلامية في الإشارة إلى هذه العلاقة الغرامية التي استطال أمدها، بين صبح وابن أبي عامر، وإن كانت تؤثر التحفظ والاحتشام، ولم نجد ما يعارضها سوى كلمة أوردها المقري لكاتب مغربي يدافع فيها عن ابن أبي عامر، ويدفع عن صبح تهمة شغفها به، ويرمي أولئك الشعراء بالتحامل والكذب (٢).
على أنه يبدو أن الحوادث قد بدأت تتطور من ذلك الحين، وأن موقف صبح قد بدأ يتخذ وجهة أخرى. فقد أدركت صبح أخيراً ما يرمي إليه ابن أبي عامر، وأدركت خطورته على مستقبل ولدها، ومستقبل الأسرة والخلافة، فثارت نفسها سخطاً. وكانت صبح قد جاوزت الأربعين يومئذ، وقد تصرم ذلك الحب القديم، الذي شغفها بابن أبي عامر دهراً، وأضحت تبغض ذلك الرجل الذي سلب ولدها، وسلبها كل نفوذ وسلطة، ومن ذلك الحين تنقلب صبح إلى خصومة ابن أبي عامر ومقاومته. وقد كان من الصعب، إزاء عزم ابن ابي عامر ويقظته، وسلطانه الشامل، ان تستطيع صبح القيام بأية عمل مباشر، فلجأت عندئذ إلى العمل المستتر، وأخذت تبث في نفس ولدها هشام، بغض ابن أبي عامر والسعي إلى مناوأته واسترداد سلطانه منه، وتولى مقاليد الحكم بنفسه، وشهرت بواسطة أعوانها من الناقمين، على ابن أبي عامر، دعاية شديدة، واتهمته بأنه يسجن الخليفة الشرعي ويحكم رغم إرادته ويغتصب سلطته. والظاهر أن صبحاً لم تقف عند هذا الحد من المقاومة الأدبية، وأنها حاولت في نفس الوقت، أن تقوم بمحاولة عملية لمقاومة أبن أبي عامر وإسقاطه.
وربما كان لتدبير صبح وتحريضها، أثر فيما وقع يومئذ بين ابن أبي عامر وصهره القائد غالب، صاحب مدينة سالم. وكان غالب بالرغم من تقلده خطة الوزارة، يقيم بالثغر، بعيداً عن قرطبة. وكان يتمتع في قرطبة وسائر مدن الأندلس
стр. 528
بسمعة عالية في ميدان الفروسية والقيادة، وهو ما كان ينقمه ابن أبي عامر على صهره. وكان المعارضون يرون فيه الرجل الوحيد، الذي يستطيع أن يقارع ابن أبي عامر ويقاومه. فرأى ابن أبي عامر أن يرفع إلى مرتبة الوزارة جعفر بن علي ابن حمدون المعروف بالأندلسي، وكان من مشاهير الفرسان والقادة البربر من زناته، وكان مقيماً بالعدوة، فعبر البحر إلى الأندلس، واستقر في الوزارة، يكنفه ابن أبي عامر بحبه وثقته، ويستعين به على تأليف البربر وكسب محبتهم، ولاسيما بعد أن غدوا يؤلفون معظم حرسه وحاشيته. وتقاطر البربر من العدوة، وابن أبي عامر يستقبلهم بأوفر ضروب البذل والإحسان، ويقوي بهم صفوفه وبطانته. وكان غالب يستشعر الوحشة والريبة من تصرفات صهره، ويتوقع منها سوء العاقبة. ولم يمض قليل حتى ساء التفاهم بين غالب وصهره، فعمد غالب إلى مصانعة ابن أبي عامر، ودعاه أثناء غزوه بالصائفة في أراضي قشتالة، إلى وليمة أقامها بمدينة أنتيسة (١)، إحدى مدن الثغر التي تحت ولايته، وجاء ابن أبي عامر إلى القلعة حيث أقيمت الوليمة، في بعض أصحابه، فانفرد به غالب وشرع في عتابه. ثم اشتد بينهما النقاش، فشهر غالب سيفه على صهره فجأة، فأصابه في بعض أنامله وصدغه، واستطاع ابن أبي عامر أن يفر ناجياً بنفسه، من مأزق بالغ الخطورة. وامتنع غالب بالقلعة، بينما سار ابن أبي عامر لفوره إلى مدينة سالم، حيث دار غالب وأهله، فاستولى عليها وعلى سائر أمواله ومتاعه، وفرقها في الجيش، وعاد إلى الحضرة، وهو يضمر لغالب أسوأ النيات.
وكان غالب أعظم قادة الأندلس وأبرعهم في ذلك العصر، وكانت لديه في الثغر قوات يعتد بها، فنهض لقتال قوات ابن أبي عامر، وغلب عليها، في البداية غير مرة. ثم رأى أن يستعين براميرو الثالث ملك ليون، فأمده ببعض قواته. وسار ابن أبي عامر لمقارعة خصمه في معركة حاسمة. ووقع اللقاء بين الفريقين أمام حصن شنت بجنت San Vicente على مقربة من أنتيسة، ونشبت بينهما معركة شديدة، أبلى فيها غالب وقواته بلاء حسناً وكاد يحرز النصر في البداية، ولكنه ما لبث أن سقط ميتاً عن جواده خلال المعمعة، ولم يعرف سبب مصرعه لأنه لم يقتل بيد أحد، وحملت رأسه في الحال إلى ابن أبي عامر، فدب الوهن
стр. 529
والذعر إلى قواته، وطاردتها قوات الأندلس، وأمعنت فيها قتلا وأسراً، وهلك من الجند النصارى الذين كانوا يقاتلون إلى جانب غالب عدد جم. وكان بين القتلى أمير نصراني هو راميرو ابن سانشو أباركا من أمراء البشكنس (١). وقتل كذلك في المعركة عدة من الكبراء والقادة المسلمين، الذين كانوا مثل غالب يعارضون سياسة ابن أبي عامر. وكان ذلك في الرابع من محرم سنة ٣٧١ هـ (أغسطس سنة ٩٨١ م) (٢).
وقد روى الفيلسوف ابن حزم عن أبيه الوزير ابن حزم، وزير ابن أبي عامر، وكان ممن صحبه في تلك الموقعة، تفاصيل الموقعة حسبما شهدها. وهو يصف لنا هيئة القائد غالب خلال الموقعة في قوله: " وهو شيخ كبير قد قارب الثمانين عاماً وهو على فرسه، وفي رأسه طرطور عال، وقد عصب حاجبيه بعصابة " قال: وكان قد جمع جموعاً عظيمة من المسلمين والنصارى، فبدأ بالهجوم على الميمنة، وفيها جعفر بن علي وأخوه يحيى والبربر، وحمل عليهم حملة، أزاحتهم عن مواقعهم، ومزقت صفوفهم؛ ثم حمل على الميسرة، وكان فيها الوزير ابن حزم مع غيره من الرؤساء، ففعل بها كما فعل بالأولى. ثم أخذ يتأهب لمهاجمة القلب، وهو تحت قيادة ابن أبي عامر نفسه، وهو يقول: " اللهم إن كنت أصلح للمسلمين من ابن أبي عامر فانصرني، وإن كان هو الأصلح لهم فانصره ". ثم يصف لنا ابن حزم مصرع غالب على النحو الآتي، قال: " فهز فرسه، وترك جبهة القتال وأخذ ناحية إلى خندق كان في جانب عسكره، فظن أصحابه أنه يريد الخلاء، فلما أبطأ عليهم ركبت طائفة منهم نحوه، فوجدوه قد سقط إلى الأرض ميتاً، وقد فارق الدنيا بلا ضربة ولا رمية ولا أثر، وفرسه واقف بجانبه يعلك لحامه، ولا يعلم أحد سبب موته. فلما أدرك أصحابه سقط في أيديهم، وطلبوا حظ أنفسهم، فبادر مبادر منهم بالبشرى إلى ابن أبي عامر، فلم يصدق حتى وافى مواف بخاتمه، ووافاه آخر بيده، ووافاه آخر برأسه ".
هذا وقد بلغت القسوة بابن أبي عامر، أن أمر بالتمثيل بجثمان خصمه الصريع
стр. 530
الباسل، فحشى جلده بالقطن، وصلب على باب القصر بقرطبة، وصلب رأسه على باب الزاهرة، ولبث كذلك دهراً، حتى أدركه الفيلسوف ابن حزم نفسه، وهو فتى، وذلك عند إنزاله يوم هدم الزاهرة في سنة ٣٩٩ هـ (١٠٠٨ م) (١).
* * *
وهنا تبدأ سلسلة هذه الغزوات الشهيرة العديدة، التي شهرها ابن أبي عامر على الممالك الإسبانية النصرانية، واستمر يضطلع بها باستمرار ودون هوادة، والتي خرج منها جميعاً متوجاً بغار الظفر، ولم يهزم في أية واحدة منها.
وتتحدث معظم الروايات الإسلامية عن حروب ابن أبي عامر وغزواته بإفاضة، وتعددها بأكثر من خمسين غزوة. ولكنها لا تقدم إلينا عنها تفاصيل واضحة، ولاسيما عن الزمان والمكان (٢)، ويجمل ابن خلدون ذكرها في قوله: " وردد الغزو بنفسه إلى دار الحرب، فغزا اثنين وخمسين غزوة في سائر أيام ملكه، لم ينكسر له فيها راية ولا فل له جيش، ولا أصيب له بعث ولا هلكت سرية " (٣).
وتجمل الرواية الإسلامية بواعث هذه الغزوات المستمرة في نزعة الجهاد.
ولكن الحقيقة هي أن ابن أبي عامر، كان باضطلاعه بتلك الغزوات المتعاقبة يرمي إلى غاية سياسية بعيدة المدى، لم يفكر فيها أحد قبله من أمراء الأندلس، أو لم يجد لديه وسيلة أو مقدرة لتنفيذها. ذلك أنه فكر في أن يسحق الممالك الإسبانية النصرانية سحقاً تاماً، وأن يقضي على استقلالها القومي، وأن يخضعها جميعاً إلى سلطة الخلافة. وقد خالف ابن أبي عامر في غزواته، سنن أسلافه من الأمراء والقادة، فقد كان هؤلاء يحاربون في معظم الأحيان للدفاع ورد غارات النصارى، ولكن ابن أبي عامر كان هو البادئ بالحرب دائماً، ولم يقبل من أعدائه قط صلحاً أو مهادنة، ولم يقنع إلا بالنصر الكامل.