← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

أسرة سيده المخلوع علي، فأرسلت إليه، وعاشت في كنفه معززه مكرمة (١). واستمر المرتضي بعد ذلك في حكم الجزائر أعواماً طويلة أخرى، حتى توفي سنة ٤٨٦ هـ (١٠٩٣ م). فخلفه في الإمارة مساعده مبشر بن سليمان. ويقول لنا ابن خلدون إن مبشراً هذا، قد ولي على الجزائر في أوائل عهد علي إقبال الدولة في سنة ٤٤٢ هـ، وإنه كان من شرقي الأندلس، وأسره النصارى صغيراً وجبوه، وإن مجاهداً وقع عليه بين أسرى سردانية، فأعجب بمواهبه، وقربه واصطفاه، وترقى في خدمته (٢). وفي هذه الرواية غموض وتحريف. والحقيقة في أمر مبشر أنه كان من أهل قلعة حمير من أعمال لاردة، وأسره النصارى في صباه وجبوه، وعاش في برشلونة، حتى تعرف عليه ذات يوم سفير المرتضي حاكم الجزائر، وكان قد وفد مبعوثاً إلى الأمير برنجير في بعض الشئون، فأعجب بمواهب مبشر، وافتداه من الأسر، وأخذه إلى ميورقة وقدمه إلى المرتضي، فسر بخلاله ومواهبه، وأولاه ثقته، واستعان به في تصريف شئون الحكم، واستمر على ذلك حتى توفي المرتضي، فخلفه في الإمارة حسبما تقدم. وضبط مبشر شئون ميورقة (الجزائر) بحزم وكفايه، واتخذ لقب ناصر الدولة. وفي تلك الأثناء كان المرابطون، بعد أن أحرزوا نصرهم في الزلاقة، قد استولوا على ممالك الطوائف الجنوبية والغربية، ثم زحفت جيوشهم نحو شرقي الأندلس، واستولت على مرسية ثم بلنسية وذلك في سنة ٤٩٥ هـ (١١٠٢ م)، كل ذلك ومبشر ماض في حكمه للجزائر، يرقب سير الحوادث حذراً متأهباً. والظاهر أن الجزائر تمتعت في عهده بفترة من الأمن والرخاء، واشتهر أمر مبشر، وقصده الأدباء والشعراء، ووفد إليه بميورقة أبو بكر ابن اللبانة المعروف بالداني شاعر المعتمد بن عباد ووزيره من قبل، وامتدحه بقصيدة هذا مطلعها: ملك يروعك في حلى ريعانه ... راقت برونقه صفات زمانه وكانت حملات البحارة المجاهدين في عهده، وهم الذين تنعتهم التواريخ

стр. 912

الفرنجية بالقراصنة، تخرج من ثغور الجزائر المختلفة، وتغير من آن لآخر على شواطىء قطلونية، وبروفانس وليجوريا، وكانت سفن النورمان والبيزيين والقطلان من جانبها تغير على شواطىء الجزائر وتعيث فيها. وكان من الحوادث الشهيرة في هذا العهد أن طائفة من السفن النرويجية جاءت بقيادة الملك سيجورد ملك النرويج، وعاثت في شواطىء اسبانيا الغربية، ثم عبرت مضيق جبل طارق، وسارت إلى الجزائر الشرقية، وهاجمت جزيرة فورمنتيرا الصغيرة المنيعة الواقعة جنوبي جزيرة يابسة، وكانت قد أودعت بها أموال وذخائر كثيرة للمسلمين، تقوم على حراستها حامية صغيرة، فاقتحم سيجورد الجزيرة، وأضرم فيها النار، واستولى على ما فيها من الأموال، ومات سائر المسلمين المدافعين عنها (١). وكانت جمهورية بيزة الإيطالية أشد البلاد اهتماماً بالاستيلاء على الجزائر الشرقية، ووضع حد لغارتها المتكررة على الشواطىء الإيطالية، وكان البابا يشجع هذا المشروع ويباركه. وعقدت بيزة من أجل ذلك حلفاً مع أمير برشلونة رامون برنجير الثالث. وفي صيف سنة ١١١٤ م (أوائل ٥٠٨ هـ) خرج من مياه بيزة أسطول الغزو وقوامه نحو ثلاثمائة سفينة، ومعه وحدات بحرية أخرى من برشلونة ومن فرنسا، وعرج الأسطول أولا على مياه الجزائر، ونزلت بعض وحداته في إحدى الجزر الصغيرة. ولما علم بذلك مبشر، بعث رسله يعرض الصلح على الغزاة، ويعرض تسليم الأسرى، وأن يؤدي تعويضاً عن نفقات الحملة، فرفض الغزاة، وسارت سفنهم فرست في مياه قطلونية حتى اقترب الربيع، ثم سارت بعد ذلك صوب جزيرة يابسة، وكانت سفن الغزاة، قد غدت يومئذ نحو خمسمائة سفينة، ومع ذلك فقد عقد مبشر عزمه على المقاومة، فحصن ميورقة، وبذل جهده في إعداد وسائل الدفاع. واستولى الغزاة على يابسة بسهولة، ثم اتجهوا نحو ميورقة كبرى الجزائر، ونزلوا فيها، وضربوا الحصار حول مدينة ميورقة عاصمتها. واستعد مبشر لحصار طويل الأمد، وبعث في الحال صريخه إلى أمير المسلمين

стр. 913

علي بن تاشفين، يطلب إليه الغوث قبل أن تسقط الجزائر في أيدي النصارى. وكان المرابطون قد استولوا عندئذ على شرقي الأندلس كله، وأحرزوا انتصارهم الحاسم على القشتاليين في موقعة إقليش (٥٠١ هـ - ١١٠٨ م) ثم استولوا في العام التالي على سرقسطة (٥٠٢ هـ)، وقضوا على ملك بني هود، وأضحوا يهددون منها مملكة برشلونة النصرانية. وقدر أمير المسلمين أهمية ميورقة، وأمر بتجهيز الأساطيل لإنجادها، ورأى المرابطون أن يضغطوا في نفس الوقت على مملكة برشلونة التي كان أميرها برنجير الثالث يشترك بأسطوله في حصار ميورقة، فسارت قواتهم شمالا، وإخترقت أراضي قطلونية وعاثت فيها. ولكن الكونت برنجير، اضطر إزاء ضغط حلفائه، أن يبقى معهم حتى النهاية في مياه ميورقة. واشتد الحصار على ميورقة، وطوقها النصارى بنطاق محكم من الآلات الضخمة وقطعوا عنها كل معونة ونجدة، وقاسى المسلمون أهوالا من الجوع والحرمان، ولكنهم صمموا أن يموتوا دفاعاً عن أرضهم، وتوفي خلال ذلك الأمير مبشر ابن سليمان، فخلفه في الحكم أبو الربيع سليمان، وصمم أن يمضي في المقاومة، وحاول أن يغادر الجزيرة مع بعض صحبه في مركب صغيرة، ليسعى إلى طلب النجدة، فأسره النصارى. واستطاع النصارى أن يقتحموا السور الأول في فبراير سنة ١١١٦ م (أواخر سنة ٥٠٨ هـ) ثم اقتحموا بقية الأسوار تباعاً. وفي أواخر مارس دخل النصارى مدينة ميورقة، واحتلو قصر المُدَينة قصر الحكم، وعاثوا فيها تخريباً ونهباً وسبياً، ثم أضرموا فيها النار، ولم يكن بها عندئذ سوى الشيوخ والنساء والأطفال بعد أن هلك معظم المدافعين عنها في الحصار، فقتل النصارى منهم جملة كبيرة، وكان الكونت برنجير صاحب برشلونة، قد اضطر قبيل سقوط المدينة، أن يعود إلى مملكته حين علم باشتداد ضغط المرابطين عليها، وحصارهم لبرشلونة عاصمتها. وفي أثناء ذلك كان أمير المسلمين علي بن تاشفين، قد تلقى صريخ مبشر على يد بحار جرىء هو عبد الله بن ميمون، وكان قد استطاع أن يخترق الحصار بسفينته تحت جنح الظلام، وأن يعبر البحر إلى المغرب. وبادر أمير المسلمين فجهز أسطولا ضخماً من خمسمائة سفينة، وأقلعت السفن المرابطية بسرعة صوب الجزائر بقيادة أمير البحر ابن تفرتاش. وعلم البيزيون وحلفاؤهم بذلك، فأدركوا

стр. 914

أنه لا محل لأن يخوضوا مع هذه القوات البحرية الضخمة، معركة غير مأمونة العواقب، فأقلعوا مثقلين بالسبي والغنائم، بعد أن استصفوا ثروات الجزيرة، وغادروها قاعاً صفصفاً. ودخل المرابطون على أثرهم ميورقة، وذلك في أواخر سنة ١١١٦م (٥٠٩ هـ)، وفي الحال شرعوا في تعميرها، وعاد إليها الفارون من سكانها، وكانت قد لجأت منهم إلى الجبال جموع غفيرة، وعين أمير المسلمين حاكماً على الجزائر يدعى وانور بن أبي بكر اللمتوني، ومن ذلك التاريخ تدخل الجزائر الشرقية أو ميورقة في حظيرة الإمبراطورية المرابطية الكبرى، وهي التي كانت قد اشتملت يومئذ على سائر ممالك الطوائف الأندلسية (١).

стр. 915

الكتاب الرابع دول الطوائف في منطقة بلنسية

стр. 916

الفصْل الأوّل مملكة بلنسية ١ - عهد الصقالبة وبني عامر وبني ذى النون الصقابة وشرقي الأندلس. العبدان مظفر ومبارك. تغلبهما على بلنسية. اشتراكهما وامتزاجهما. تغلب مبارك على شاطبة. أحوال بلنسية في عهدهما. وفود الصقالبة والموالي إليها. الحرب بين مبارك والمنذر التجيبي. وفاة مظفر. مصرع مبارك. بلاطهما ووزراؤهما. مديح الشعر لهما. لبيب العامري ومجاهد يخلفان مبارك. اختلافهما وفرار لبيب إلى طرطوشة. مبايعة الفتيان العامريين لعبد العزيز المنصور بالزعامة. توليه إمارة بلنسية. خيران العامري يقدم للزعامة محمد بن عبد الملك المنصور. توليه إمارة مرسية وأوريولة. تنكر خيران له ومغادرته لمرسية. عبد العزيز المنصور ووزراؤه. وفاة خيران وخلافة زهير له في ألمرية. مصرع زهير. مبايعة أهل ألمرية لعبد العزيز. اتساع مملكة بلنسية وموقف مجاهد العامري. عبد العزيز يعهد بشئون ألمرية إلى ابن صمادح. غدره واستيلاؤه على ألمرية. الحرب بين عبد العزيز والفتيان العامريين. عبد العزيز وعلائقه بالملوك النصارى. وفاة عبد العزيز وقيام ولده عبد الملك. وزيره ابن رويش. موقف المأمون بن ذى النون. مشروعه للاستيلاء على بلنسية. استيلاؤه عليها واعتقاله لصهره عبد الملك. مختلف الروايات في ذلك. مهاجمة القشتاليين لبلنسية. موقعة بطرنة. مقدم المأمون بحجة إنجاد صهره. دخوله بلنسية واستيلاؤه عليها. وفاة ابن رويش وقيام ولده أبي بكر بن عبد العزيز. استبداده بحكم بلنسية. استيلاء المؤتمن بن هود على دانية. توجس ابن عبد العزيز والتجاؤه لألفونسو السادس. محاولة المؤتمن الاستيلاء على بلنسية وفشله. التفاهم بين أبي بكر والمؤتمن. وفاة أبي بكر وقيام ولده عثمان مكانه. تطور الحوادث. سقوط طليطلة في يد ألفونسو السادس. وعده لصاحبها القادر باسترداد بلنسية. مسير القادر إلى بلنسية مع الجند النصارى. موقف أهل بلنسية. إعلان الجماعة خلع عثمان ومبايعة القادر. دخول القادر بلنسية واستيلاؤه عليها. استبداده واضطراب الأحوال في عهده. مقدم المرابطين إلى الأندلس. رحيل القشتاليين عن بلنسية. أطماع المنذر بن هود في بلنسية. مسيره إليها ومحاصرتها بمعونة الجند القطلان. موقف القادر واستغاثته بألفونسو السادس والمستعين بن هود. المستعين بن هود ومشروعه في الاستيلاء على بلنسية. كانت دول الطوائف التي قامت في شرقي الأندلس، تمتاز بغلبة العنصر الصقلبي، وتفوقه في سيادتها، وفي تكييف أحداثها، وكانت هذه العناصر الصقلبية التي ألفت في شرقي الأندلس، ميداناً لنشاطها وأطماعها، هي نفس العناصر التي ظهرت بادىء ذي بدء في ميدان الفتنة القرطبية، وساهمت في أحداثها

стр. 917

بقسط بارز، ثم غادرت قرطبة، حينما غلبت هنالك على أمرها، وألفت ملاذها في ذلك الركن النائي من الأندلس، بعيداً عن موجة الطغيان البربرية التي اجتاحت قرطبة، وجنوبي الأندلس. وكانت بلنسية، وهي أعظم القواعد الشرقية، مركز التجاذب في معركة السلطان التي اضطرم لظاها في تلك المنطقة، وكانت هذه المعركة في البداية متواضعة محدودة المدى، ثم لم تلبث أن انسابت إلى شرقي الأندلس كله، من طرّكونة شمالا حتى مرسية ولورقة جنوباً، بيد أنها فيما عدا بعض اتصالات محدودة بأحداث المنطقة الغربية، حافظت على سيرها المستقل، وطابعها الخاص. وذلك أنه لما اضطرت الفتنة، وانهارت الدولة العامرية في أوائل سنة ٣٩٩ هـ (١٠٠٩ م)، واستطاع محمد بن هشام بن عبد الجبار المهدي أن ينتزع الخلافة لنفسه من هشام المؤيد، كان على بلنسية - وفقاً لبعض الروايات - فتى من الفتيان العامريين هو مجاهد العامري، فثار به عبدان من العبيد العامريين أيضاً هما مبارك ومظفر، واستطاعا أن ينتزعا منه السلطة، فغادر مجاهد بلنسية إلى دانية، وتربع العبدان - ويسميهما ابن الخطيب بالأميرين - مكانه في حكم المدينة. ويقدم إلينا ابن حيان رواية أخرى عن تغلب مبارك ومظفر على بلنسية، خلاصتها أنهما كانا يتوليان وكالة الساقية بالمدينة، أيام ولاية عبد الرحمن ابن يسار عليها، ثم ضرب الدهر ضرباته، وشاء القدر أن ينتزع الإمارة مبارك. ويصف ابن حيان الحادث بأنه " من غرائب الليالي والأيام، اللاعبة بالأنام ". ثم يقول لنا إن العبدين مبارك ومظفر توليا هما حكم بلنسية، وامتزجا في ذلك امتزاج الإخوة وعشاق الأحبة، ونزلا في قصر الإمارة مختلطين " تجمعهما في أكثر الأوقات مائدة واحدة، ولا يتميز أحدهما عن الآخر في عظيم ما يستعملانه من كسوة وحلية وفرش ومركوب وآلة، لا ينفردان إلا في الحرم خاصة، على أن جماعة حرمهما كن مختلطات في منازل القصر، ومستويات في سائر الأمر ". وكان لمبارك مع ذلك التقدم في المخاطبة ورسوم الإمارة لصرامته وشدته، ولدماثة مظفر وانصياعه لزميله في سائر الأمور. وذكر في بعض الروايات أن مظفراً ومباركاً كانا يقتسمان فيما بينهما حكم الولاية، فكان مظفر يختص بحكم بلنسية، ومبارك بحكم شاطبة (١). وذكر لنا

стр. 918

ابن الخطيب من جهة أخرى، أن شاطبة كان يتولى حكمها منذ انقراض الدولة العامرية، الفتى خيرة الصقلبي، وتوطد بها أمره، وكان مبارك يتوق إلى إزالته عنها، ففي ذات يوم زار خيرة بلنسية، واستضافه مبارك ودس له السم في الطعام فهلك بعد أيام قلائل، وتولى نائبه عبد العزيز بن أفلح حكم شاطبة مكانه تحت رعاية مبارك، وتركه مبارك على حاله إلى أن استولى عليها مجاهد العامري (١). وعلى أي حال، فإنه يبدو، أن مظفراً ومباركاً كانا وفقاً لرواية ابن حيان المتقدمة، يحكمان معاً مدينة بلنسية بصفة فعلية. وبلغت جباية بلنسية في عهدهما مائة وعشرين ألف دينار في الشهر، سبعون منها من بلنسية ذاتها، وخمسون من شاطبة التابعة لعمالتها، وكانا يشتدان في تحصيل هذه الأموال، حتى أرهقت الرعية وأثقل كاهلها. على أن هذين العبدين لم يقصرا في تحصين بلنسية وصيانتها، فابتنيا سورها وزود بأبواب حصينة، فارتفع طمع الطامعين عنها، ووفد إليها الناس بأموالهم، واستقروا، وابتنوا المنازل والقصور الفخمة، والرياض الزاهرة، وكان مبارك ومظفر قدوة في ذلك فأنشآ القصور الفخمة، واقتنيا نفيس المتاع والرياش والآلات. وكان موكبهما إلى المسجد الجامع ببلنسية، يذكر الناس بفخامته وأناقته، وفاخر ما يرتديانه من اللباس، بمواكب مولاهما عبد الملك المظفر ابن المنصور نفسه. ووفد على بلنسية في ظل مبارك ومظفر، كثير من الموالي والصقالبة من الإفرنج والبشكنس وغيرهم، من طائفتهم وعشيرتهم، وكثير من العبيد الآبقين من مختلف نواحي الأندلس، وكان من هؤلاء الصقالبة، الوافدين المشردين، كثير من الفرسان الشجعان، وانتسب معظمهم إلى ولاء بني عامر، واكتسبوا بذلك نفوذاً، ووفد على المدينة أيضاً كثير من أرباب المهن والحرف، وكان لذلك كله أثره في تقدم العمران والرخاء بالمدينة (٢). وكان من أهم أعمال مبارك العسكرية محاربته لمنذر بن يحيى التجيبي صاحب

стр. 919

سرقسطة. وذلك أن الفتى لبيباً العامري كان يحكم طرطوشة من أعمال الثغر الأعلى، فثابت لمنذر رغبة في الاستيلاء عليها، وهاجمها، ففر عنها لبيب وسار إلى بلنسية واستغاث بمبارك، فخرج معه في خمسمائة من خيرة فرسانه، ولقيهم منذر فغلبوا عليه وهزموه هزيمة شنيعة. وعاد مبارك إلى بلنسية ظافراً، واستفحل أمره، ودانت له جماعة الموالي (١). واستمر مبارك ومظفر في حكم بلنسية بضعة أعوام، ثم توفي مظفر، واستمر مبارك من بعده، فترة يسيرة. وفي ذات يوم خرج للنزهة فحدث حين عبوره فوق قنطرة النهر، أن عثرت به فرسه، فسقط منها، واصطدم ببعض أخشاب خرجت من القنطرة فشج وجهه وبطنه ومات لساعته، وكان مصرعه في شهر ذي الحجة سنة ٤٠٨ هـ (١٠١٧م) (٢). ومن الغريب أن مباركاً ومظفراً بالرغم من جهلهما، وبعدهما عن ميدان التفكير والأدب، كانا يستخدمان في بلاطهما طائفة من كتاب العصر النابهين مثل ابن التاكرني، وابن مهلب، وابن طالوت، وكانا يرتبان هؤلاء الكتاب في دولتهم على نسق مشيخة الوزراء في قرطبة، ويرجعان إلى رأيهم ومشورتهم في معظم الأمور، وكانا يعملان في حكم بلنسية مستقلين تمام الاستقلال، لا يعترفان في ذلك برياسة قرطبة أو غيرها. ومما هو جدير بالذكر أيضاً أن مباركاً ومظفراً كان لهما نصيب من مديح الشعر المعاصر، وقد مدحهما شاعر العصر، أبو عمر بن درّاج القسطلي بقصيدة رائعة هذا مطلعها: أنورك أم أوقدت بالليل ناركِ ... لِباغ قراك أم لباغ جوارك ْورياك أم عرف المجامر أشعلت ... بعود الكباء والألوَّة ناركِ ومبسمك الوضاح أم ضوء بارق ... حداه دعائي أن يجود دياركِ وطرة صبح أم جبينك سافراً ... أعرت الصباح نوره أم أعاركِ (٣)

стр. 920

ولما توفي مبارك، خلفه في حكم بلنسية الفتى لبيب العامري صاحب طرطوشة ثم شاركه في حكمها مجاهد العامري، وكانت الخطبة تصدر باسميهما معاً، ثم وقع الخلاف بينهما، ففر لبيب إلى طرطوشة واستأنف رياسته بها، وانفرد مجاهد بحكم بلنسية مع حكمه لدانية في نفس الوقت. بيد أنه لم يمض سوى قليل، حتى خرج عليه الفتيان العامريون، وعقدوا البيعة لسيدهم وحفيد مولاهم، عبد العزيز ابن عبد الرحمن المنصور، وذلك في سنة ٤١١ هـ (١٠٢١ م). وقد سبق أن أشرنا إلى تعلق الفتيان الصقالبة بتراث الدولة العامرية، وولائهم لإمامة هشام المؤيد بالله، وإلى الدور الذي قام به زعماؤهم مثل واضح وخيران، في تطورات الخلافة القرطبية، وقد كانت بيعتهم لعبد العزيز المنصور أثراً من آثار هذا الولاء الراسخ لبني عامر. وكان عبد العزيز وقت مبايعته، فتى حدثاً في نحو الخامسة عشرة من عمره، إذ كان مولده سنة ٣٩٧ هـ (١)، وكان حينما نزلت النكبة بأسرته قد حمل سراً إلى سرقسطة، وهنالك عاش في كنف صاحبها منذر بن يحيى التجيبي، فلما استدعاه الفتيان العامريون لبيعته لحق بشاطبة، وهنالك تمت بيعته أميراً لبلنسية، وزعيماً لبني عامر. على أن هذه البيعة لم تلبث طويلا دون منازع. ذلك أن خيران العامري، وكبير الفتيان العامريين، وصاحب ألمرية ومرسية وأوريولة، لم يكن على وفاق مع عبد العزيز. والظاهر أنه خشي على سلطانه في مرسية، وأوريولة، من هذه الزعامة الجديدة، أو أنه لم يحصل على ما كان يرجوه في ظلها من نفوذ. ومن ثم ْفإنه قدم للزعامة في شرقي الأندلس، مرشحاً جديداً من بني عامر، هو محمد ابن عبد الملك المظفر بن المنصور، وهو ابن عم عبد العزيز، وكان يومئذ فتى في نحو العشرين من عمره، وكان قد فر من قرطبة في عهد القاسم بن حمود، ومعه أموال جليلة كانت لأمه، ولجأ إلى حماية خيران، فلما وقع الخلاف بين خيران وعبد العزيز، نادى خيران بزعامة محمد، ونزل له عن حكم مرسية وأوريولة، ولقبه بالمؤتمن ثم بالمعتصم. بيد أنه لم يمض طويل على ذلك حتى اضطربت الأمور في تلك المنطقة، فثارت شاطبة ضد عبد العزيز، واضطر أن يغادرها إلى بلنسية، وتنكر خيران في الوقت نفسه لمرشحه الجديد محمد المعتصم، وغادره

стр. 921

مغضباً إلى ألمرية، ثم عاد في قواته إلى مرسية، وضيق على المعتصم حتى اضطره إلى الخروج عنها، وذلك في ربيع الأول سنة ٤١٣ هـ (١٠٢٢ م)، واستولى الفتيان على سائر أمواله، ولجأ المعتصم إلى أوريولة فطارده خيران، وألح عليه، ففر منها، ولحق بدانية، والتجأ حيناً إلى أميرها مجاهد العامري، ثم غادرها، وسار إلى غربي الأندلس، وهناك عاش بضعة أعوام أخرى حتى توفي في سنة ٤٢١ هـ (١٠٣٠ م) (١). - ١ - واستقر عبد العزيز المنصور في حكم بلنسية دون منازع. وكانت له في بداية حكمه علائق مودة متبادلة مع القاسم بن حمود الخليفة بقرطبة، كذلك انضوى تحت لوائه مجاهد العامري حيناً، ثم اختلفا وناصبه العداء، وأخذ مجاهد يتربص الفرص لمهاجمته والإيقاع به. وعمل عبد العزيز على جمع المشردين من أهل بيته، فآواهم، وأولاهم صادق المحبة، وأغدق عليهم الأرزاق الوفيرة، حتى غدا في ذلك أجمل قدوة لأمراء عصره، واستخدم في ديوانه أربعة من أشهر كتاب عصره، كانوا يعرفون بالطبائع الأربع، وهم ابن طالوت، وابن عباس، وابن عبد العزيز، وابن التاكرني كاتب رسائله. ولما أعلن القاضي ابن عباد صاحب إشبيلية في سنة ٤٢٦ هـ (١٠٣٥ م) ظهور هشام المؤيد ودعا لخلافته، كان عبد العزيز المنصور في مقدمة الأمراء الذين بايعوه، واعترفوا بخلافته (٢). وكانت تطورات الحوادث في مملكة ألمرية، أهم ميدان لجهود عبد العزيز السياسية والعسكرية. ونحن نعرف أن مملكة ألمرية، كانت وقت أن ظفر عبد العزيز برياسة بلنسية، تحت حكم الفتى خيران العامري، وهو في نفس الوقت صاحب مرسية وأوريولة، فلما توفي خيران في سنة ٤١٩ هـ، خلفه في رياسة مملكة ألمرية، نائبه وزميله الفتى زهير العامري، وقد كان مثل خيران من أكابر الفتيان العامريين، وأكثرهم إقداماً وعزماً. ونحن نعرف كيف

стр. 922

حدثت زهير نفسه بالسير إلى غرناطة لافتتاحها، وكيف لقى مصرعه في المعركة التي نشبت بينه وبين باديس بن حبوس صاحب غرناطة، وذلك في سنة ٤٢٩ هـ (١٠٣٨ م). وهنا لاحت لعبد العزيز المنصور، الفرصة السانحة لتوسيع مملكته, وكتب إليه أهل ألمرية يدعونه لرياستهم، وبعث وزيره وصهره زوج أخته معن بن صمادح إلى باديس يحثه على إعدام الأسرى من وزراء زهير وقواده وفي مقدمتهم كاتبه أحمد بن عباس، خشية أن يعود أحد منهم إلى مناوأته في حكم ألمرية، فكان له ما أراد، وخلصت له ألمرية أولا لمبايعة أهلها له، وثانياً لأنها باعتبارها من أملاك الفتيان العامريين موالي أبيه وجده، تعتبر له ميراثاً شرعياً. وهكذا استولى عبد العزيز على ألمرية وأعمالها، ما عدا ولاية جيان التي انتزعها باديس لنفسه عقب مصرع زهير. وغدت مملكة بلنسية بإضافة ألمرية إليها من أعظم ممالك الطوائف. وهنا شعر مجاهد العامري صاحب دانية والجزائر الشرقية، بخطر هذه المملكة القوية الجديدة على سلطانه، فنهض لمهاجمتها ومحاربتها، وزحف عليها بقواته، واجتاح رقعتها الوسطى من شاطبة إلى لورقة، وثارت حصون شاطبة ولورقة وشوذر على عبد العزيز. وكان عبد العزيز عندئذ في ألمرية ينظم شئونها مع وزيره معن ابن صمادح، فبادر بمغادرة ألمرية للدفاع عن أرضه، وندب وزيره معناً ليسهر على شئون ألمرية، فكان أن خان ابن صمادح عهد أميره، وانتزع لنفسه رياسة ألمرية حسبما فصلناه في أخباره. وخرج عبد العزيز من ألمرية في سنة ٤٣٣ هـ (١٠٤١ م) لملاقاة خصومه، وزحف تواً على شاطبة، فخرج إليه العبيد العامريون، وهزموه في أول موقعة نشبت بينهما، ولكنه جمع فلوله وعاد فكرّ عليهم، وظفر بهم، وقتل منهم جملة كبيرة ودخل شاطبة (١). وكانت مدينة مرسية تابعة حسبما تقدم لمملكة بلنسية، وكان عليها من قبل زهير، نائبه أبو بكر أحمد بن إسحاق بن طاهر، وكان حسبما تقدم رجلا وافر العلم والوجاهة والسراوة، فضبط المدينة وحكمها بحزم وبراعة، دون أن يتخذ ألقاباً أو يبدو في ثوب الإمارة، فأقره عبد العزيز على ولايته. وكان عبد العزيز على علائق طيبة مع ملوك اسبانيا النصرانية، ولاسيما

стр. 923

فرناندو الأول ملك قشتالة، وقد استعان عبد العزيز في محاربة خصمه مجاهد العامري ببعض سريات من المرتزقة النصارى. ولم تصب أراضي بلنسية في عهده بشىء من الغزوات المخربة، التي كانت تجتاح ولايات الأندلس الغربية والوسطى. وربما كان ذلك راجعاً من بعض النواحي إلى أرومته وقرابته عن طريق جدته، إلى الملوك النصارى (١). واستطالت إمارة عبد العزيز المنصور لبلنسية زهاء أربعين عاماً. ثم توفي في شهر ذي الحجة سنة ٤٥٢ هـ (يناير ١٠٦١ م). فخلفه ولده عبد الملك بإجماع أهل الدولة، وبويع في بلنسية وشاطبة، واستقر في بلنسية، ولقب بنظام الدولة، وبالمظفر. وكان حدثاً يافعاً، فتولى تدبير الدولة، وزير أبيه أبو عبد الله محمد بن مروان بن عبد العزيز القرطبي المشهور بابن رويش، وكان رجلا وافر العلم والحنكة، فأحسن تدبير الأمور، واستقر على يديه النظام والأمن، بالرغم مما كانت تعانيه بلنسية من نقص في المواد والرجال، وفساد في الأعمال. وكان يولى المأمون بن ذى النون صاحب طليطلة القوي مكانة خاصة، إذ كان صهر عبد الملك وحماه، وكان يبدي نحوه عطفاً واهتماماً بمعاونته والدفاع عنه، وكان عقب وفاة عبد العزيز، قد سار في بعض قواته إلى قلعة قونقة القريبة من بلنسية، ليكون قريباً من صهره، ثم أوفد إلى بلنسية أحد قواده في جماعة قوية من الجند، وكاتبه ابن مثنى، ليكونوا إلى جانب عبد الملك، بحجة معاونته وشد أزره، والمحافظة على السكينة والنظام (٢). بيد أن المأمون كان يضمر نحو صهره ونحو بلنسية نيات أخرى، وكان يُسر له بالأخص أنه يسىء معاملة ابنته، ويبالغ في إهانتها وإيلامها، وكان عبد الملك حسبما يخبرنا ابن حيان " منهمكاً في الشراب، غارباً عن الخصال المحمودة مع رقة الديانة ونقص المروءة، وكثرة الاستمهال، والانحطاط في مهاوي اللذات " (٣) ثم كان يُسر له أيضاً أنه يأوي في بلنسية بعض خصومه من السياسيين الفارين من طليطلة، وأخيراً فقد طلب المأمون إلى صهره أن يعاونه بجنده في حملته ضد ابن عباد، فأبى عليه ذلك وفقاً لنصح وزيره، واعتذر بأنه يخشى عدوان أمير

стр. 924

دانية ومن يحالفه من الفتيان أصحاب المدن القريبة. كل ذلك حمل المأمون على أن يضع مشروعه للاستيلاء على بلنسية. وقد سبق أن ذكرنا في أخبار مملكة طليطلة، خلاصة الروايتين المتعلقتين باستيلاء المأمون على بلنسية، وأولاهما أن المأمون سار إلى بلنسية في بعض قواته بحجة زيارة صهره، وأنه خلال إقامته بالقصر، دبر كميناً لصهره، وقبض عليه، وأرسله إلى شنتبرية، وسيطر بذلك على بلنسية. والثانية أنه زحف على بلنسية بمعاونة الجند القشتاليين، ودهم المدينة وهي في غفلة، فاقتحمها، وأسر صهره عبد الملك وآله، وهم بقتله لولا أن شفعت فيه زوجته ابنة المأمون. فبعث به إلى إحدى قلاعه في قونقة، أو إقليش، واعتقله هناك (١). ونود أن نعرض الوقائع مفصلة وعلى ضوء الروايات القشتالية التي تقدمها إلينا بصورة أخرى. ذلك أن فرناندو الأول ملك قشتالة خرج بقواته في أوائل سنة ١٠٦٥ م، (٤٥٧ هـ) متجهة صوب أراضي مملكة سرقسطة لمعاقبة أميرها المقتدر بن هود، لتخلفه عن دفع الجزية التي كان متعهداً بأدائها، ولأنه من جهة أخرى قد وقع الاعتداء على النصارى في سرقسطة وغيرها من بلاد مملكته، وقتلت منهم جموع غفيرة، وعاث فرناندو في أراضي مملكة سرقسطة الجنوبية، وخربها بشدة وأحرق المزارع والقرى، واجتاح على هذا النحو سائر الرقاع والوديان الواقعة خارج الحصون والقلاع المسورة، وأشرف في غزوته المخربة على ظاهر بلنسية في الربيع، وضرب القشتاليون الحصار حول المدينة، وروع البلنسيون، وروع ملكهم الضعيف عبد الملك داخل الأسوار، وتأهبوا للدفاع عن مدينتهم. ولما رأى القشتاليون مناعة الأسوار، وأهبة أهل المدينة لجأوا إلى الحيلة، فتركوا الحصار، وتظاهروا بالارتداد نحو الشمال إلى بلدة تسمى "بطرنة"، واعتقد أهل بلنسية أن القشتاليين قد ارتدوا عن مدينتهم خائبين، فخرجوا وعلى رأسهم أميرهم عبد الملك، لمطاردة الفارين في ثياب فخمة وكأنهم في عيد، وعندئذ فاجأهم القشتاليون وهاجموهم بشدة، وأمعنوا فيهم قتلا وأسراً، فارتدوا إلى مدينتهم والقتل يعمل فيهم، واستطاع عبد الملك أن ينجو بحياته، وعاد القشتاليون إلى محاصرة المدينة.

стр. 925

وفي تلك الأثناء كان المأمون بن ذى النون قد هرع بقواته لإنجاد صهره والدفاع عن المدينة المحصورة، وذلك بالرغم من أنه كان مقراً بسيادة فرناندو، ويؤدي له الجزية، وكان فرناندو قد شعر وهو تحت أسوار المدينة بالمرض يدهمه، فآثر الارتداد بقواته إلى ليون. وهناك توفي بعد قليل في ديسمبر سنة ١٠٦٥ م. وهنا رأى المأمون بن ذى النون أن يحقق مشروعه القديم في الاستيلاء على بلنسية. وكان يدفعه إلى ذلك أسباب عديدة سبق أن أشرنا إليها، فدخلها فاتحاً لا منقذاً، وعزل صهره عبد الملك، ثم قبض عليه وعلى ولده، ونفاهما إلى قلعة إقليش أو قونقة. وفي رواية أنه أشفق عليه، وعينه والياً لقصبة شلبة الواقعة شمال غرب بلنسية، وضمت بلنسية وأعمالها بذلك إلى مملكة طليطلة، وكان ذلك في ْشهر ذي الحجة سنة ٤٥٧ هـ (نوفمبر سنة ١٠٦٥ م) (١). وعهد المأمون بتدبير شئون بلنسية إلى أبي بكر محمد بن عبد العزيز (ابن رويش) وكان ابن عبد العزيز قد توفي قبل هذه الحوادث بقليل في أوائل سنة ٤٥٦ هـ. ويقول لنا عنه معاصره المؤرخ ابن حيان " إنه كان على خمول أهله في الجماعة من أرجح كبار الكتاب الطالعين في رمس هذه الفتنة المدلهمة، وذوي السداد من وزراء ملوكنا، ذا حنكة ومعرفة وارتياض وتجربة وهدى وقوام سيرة، إلى ثرى وصيانة ". وفي بعض الروايات أن هذا الوزير النابه توفي منتحراً لما توقعه من سوء العواقب. فخلفه في الوزارة ولده أبو بكر بن عبد العزيز، ولم يمكث في منصبه طويلا حتى سقطت بلنسية في يد المأمون، ويقال إنه غدر بأميره عبد الملك، وعاون المأمون في أخذها، فكافأه المأمون عن خيانته بأن عينه نائباً عنه في حكم ْالمدينة. وكان أبو بكر مثل أبيه عالماً حازماً. فضبط بلنسية، وسار في حكمها سيرة حسنة، واتبع الرفق والعدل، وأجزل العطاء للعمال والجند. وشغل عنه المأمون بمغامراته في سبيل فتح قرطبة، وانتزاعها من يد بني عباد المتغلبين عليها. واستمر في محاولاته حتى انتهى أخيراً إلى تحقيق مشروعه في الاستيلاء على عاصمة

стр. 926

الخلافة القديمة، ودخلها ظافراً وذلك في سنة ٤٦٧ هـ (١٠٧٥ م). بيد أنه لم يلبث أن مرض وتوفي بعد ذلك بأشهر قلائل في أواخر ذي القعدة من نفس هذا العام. وانتهز أبو بكر بن عبد العزيز هذه الفرصة، فأعلن استقلاله بحكم بلنسية، وأصلح أسوارها، ودانت له المدينة بالطاعة، واستمر في حكمها دون منازع. ولما غزا المقتدر بن هود صاحب سرقسطة والثغر الأعلى مدينة دانية، واستولى عليها من صاحبها على إقبال الدولة بن مجاهد العامري في سنة ٤٦٨ هـ (١٠٧٦ م)، توجس أبو بكر من سطوته وطمعه في بلنسية، فخاطب ألفونسو السادس وانضوى تحت حمايته، وتعهد له بأداء الجزية. وكان المؤتمن ولد المقتدر يتطلع بالفعل إلى امتلاك بلنسية، يدفعه إلى ذلك صحبه ومستشاروه، وذلك لأهمية موقعها ووفور غلاتها، فخاطب بدوره ملك قشتالة، ودفع إليه مائة ألف دينار ليعاونه على فتحها، وزحف فرناندو بالفعل على بلنسية، فخرج إليه أبو بكر بنفسه، وخاطبه برقة ولباقة، وأقنعه بعقم محاولته، فانصرف عنه، ووعده بحمايته وفشلت محاولة المؤتمن. وكان ملك قشتالة يقدر أبا بكر ويعجب بخلاله، وكان يقول في مختلف المناسبات، رجال الأندلس ثلاثة: أبو بكر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن عمار، وششنانده (١). وعندئذ رأى أبو بكر أن يلتمس حماية المؤتمن نفسه، ففاوضه، وقدم إليه ابنته عروساً لابنه أحمد المستعين. فوافقه المؤتمن، ورأى من جانبه أن هذه المصاهرة قد تكون سبيلا لضم المملكتين سرقسطة وبلنسية في مملكة قوية موحدة. واحتفل بعقد هذا الزواج بسرقسطة في حفلات شائقة كانت مضرب الأمثال في البذخ والبهاء (رمضان ٤٧٧ هـ - فبراير ١٠٨٥ م). ولم يعش أبو بكر طويلا بعد ذلك، إذ توفي في السابع من صفر سنة ٤٧٨ هـ (يونيه ١٠٨٥ م) بعد أن حكم عشرة أعوام (٢).

стр. 927

- ٣ - فخلفه في حكم بلنسية وأعمالها ولده أبو عمرو عثمان بن أبي بكر. وبويع في التاسع من صفر، لأيام قلائل فقط من سقوط مدينة طليطلة، في يد القشتاليين في فاتحة صفر ٤٧٨ هـ. وكان هذا الحادث الجلل الذي هز الأندلس من أقصاها إلى أقصاها نذير تطورات خطيرة في شرقي الأندلس، وفي مصاير مملكة بلنسية بوجه خاص. وقد كان ألفونسو السادس، حينما استولى على طليطلة من يد صاحبها القادر بن ذى النون، حفيد المأمون، قد تعهد له أو وعده، ضمن عهوده لقاء الاستيلاء على المدينة، أن يمكنه من استرداد بلنسية التي خرجت عن طاعته، بل قيل إنه وعده بمعاونته، على افتتاح دانية وشنتمرية الشرق، إذ كان يعلم أنه بتمكين القادر من الاستيلاء على هذه المدن، فإنها تغدو في الواقع تحت حمايته، ويغدو شرقي الأندلس كله، واقعاً تحت سيادته، عن طريق القادر. وخرج القادر في آله. وصحبه ومتاعه قاصداً إلى بلنسية، وصدته خلال الطريق سائر القلاع القديمة، التي كانت تحت حكمه وأغلقت أبوابها دونه، ما عدا قلعة قونقة (كونكة)، فقد لبثت على طاعته، ورحب به صاحبها ابن الفرج، وأكرم منزله. ورأى القادر أولا أن يسير غور الأحوال في بلنسية، فبعث إليها ابن الفرج ليداخل صاحبها عثمان ابن عبد العزيز، وحاول ابن الفرج أن يروج لقضية سيده، وهو حاكم المدينة الشرعي، فكثر الجدل وافترق الرأي، ورأى فريق من الشعب أن تنضوي بلنسية تحت حماية المستعين بن هود، وانحاز فريق آخر إلى القادر، وسرت الفوضى إلى المدينة. وفي خلال ذلك عاد ابن الفرج إلى قونقة، ودعا القادر إلى السير إلى بلنسية، لانتهاز الفرصة السانحة، فسار القادر إلى المدينة ومعه سرية قوية من الجند النصارى مده بها ألفونسو السادس، تحت إمرة قائده ألبار هانيس الذي تسميه الرواية الإسلامية ألبرهانس. ولما وصل القادر في ركبه إلى المدينة، بعث إلى أهلها رسوله برسالة، يتودد فيها إليهم، ويقدم إليهم أطيب الوعود، فاجتمع أهل المدينة، وتشاوروا في الأمر. ورأى " الجماعة " قبول مطالب القادر، باعتباره صاحب الولاية الشرعية من قبل، واستبعاد مطالب ابن هود، وإن كان ابن هود لم ينقطع عن المجاهرة بها، والترويج لها، وخشية من أن تتعرض المدينة لهجوم القشتاليين، أعلنت " الجماعة " خلع عثمان بن

стр. 928

عبد العزيز، وكان قد قضى في منصبه تسعة أشهر فقط، وبعثت إلى القادر توافق على مقدمه وتسلمه المدينة. فسار القادر في موكبه إلى بلنسية، ودخلها في مظاهر حافلة، وتسلم القصر من القاضي ابن لبون، ونزل فرسانه في بيوت المدينة، ونزل ألبارهانيس وجنده القشتاليون في ضاحية الرُّصافة على مقربة منها، وكان ذلك في شوال سنة ٤٧٨ هـ (فبراير ١٠٨٦ م) (١). وهكذا استولى يحيى القادر على بلنسية، وقامت دولة بني النون، مرة أخرى في شرقي الأندلس، بعد أن درست في طليطلة، وقامت على يد ملكها الشريد الخانع - القادر - في مثل الظروف التي كانت عليها في أواخر أيامها بطليطلة، دولة ضعيفة تابعة، تدين بوجودها لملك قشتالة، ولحراب الجند النصارى. وما لبث القادر أن أبدى صولة الضعيف إذا تحكم، ففرض على المدينة حكم طغيان شامل، وتولى القاضي ابن لبون حجابته، وغدا يده اليمنى، وتقرب إليه الأعيان والقضاة بالأموال والهدايا. وثقلت وطأة القشتاليين على المدينة في نفس الوقت، وأرهقوها بمؤنهم ومغارمهم، وفرضت لذلك ضريبة خاصة على سائر الناس، وعاث النصارى في المدينة وضواحيها، فاشتد السخط على القادر، وعلى شيعته القشتاليين، واضطرب حبل النظام والأمن. ومع ذلك فقد مضى القادر في عسفه وطغيانه، فمال على الأعيان والأكابر، يطاردهم بطلب المال سداداً لمطالب القشتاليين، وقبض على بعضهم من أجل ذلك، واعتقل ولدى ابن عبد العزيز وغيرهم، وحشد حوله كثيراً من أوباش الجند المرتزقة يعيثون في المدينة، ويعتدون على الأموال والأنفس، وغدت السيادة الحقيقية على المدينة لألبارهانيس وجنده، وغادر كثير من الأعيان والأكابر، بلنسية فراراً من هذا الطغيان المرهق (٢). وفي خلال ذلك كانت تجري في جنوب الجزيرة حوادث هامة، فقد عبر المرابطون بقيادة عاهلهم يوسف بن تاشفين إلى الأندلس في ربيع الآخر سنة ٤٧٩ هـ ْ (أغسطس ١٠٨٦ م) غياثاً لأمرائها، وللإسلام، وأخذ ملك قشتالة يجمع الجند من كل ناحية، لرد هذا السيل المنهمر، وغادر ألبارهانيس وجنده بلنسية

стр. 929

ليخوضوا المعركة إلى جانبه، وكان أن كتب النصر الباهر لجيوش الإسلام على جيوش النصرانية في موقعة الزلاّقة وذلك في رجب سنة ٤٧٩ هـ (أكتوبر ١٠٨٦ م). وتنفس أهل بلنسية الصعداء لرحيل القشتاليين، وانتعشت نفوسهم لانتصار المسلمين، وتحطيم قوى ملك قشتالة، وبادر القادر من جانبه، فبعث إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، يلتمس صداقته ومحالفته، أسوة بباقي أمراء الأندلس. بيد أن هذه المحالفة النظرية، لم تفده بشىء لأن أمير المسلمين، كان ما يزال في شغل شاغل عن الالتفات إلى شئون شرقي الأندلس. وسرى الاضطراب إلى بلنسية، وبدأ حكام الحصون المختلفة، في التحرك والعصيان، وشعر القادر أنه عاجز عن أن يملك زمام الموقف، وأن الأمور سوف تنتهي به إلى أسوأ العواقب، إذا تركت بلنسية إلى مصيرها، وقد كانت بلنسية في الواقع في هذه الحالة التي افتقدت فيها كل زعامة قوية، وكل إدارة حازمة، تضطرم حولها الأطماع من كل صوب. ذلك أن المنذر بن هود صاحب لاردة وطرطوشة، كان يرقب فرص الاستيلاء على بلنسية، وخصوصاً منذ استطاع أبوه أن يتغلب على مملكة دانية، وأن يضمها إلى أراضيه وذلك في سنة ٤٦٩ هـ (١٠٧٦ م)، وبذلك امتدت مملكته من لاردة شمالا حتى دانية وأعمالها جنوباً، وكانت بلنسية بذلك تشطر مملكته إلى شطرين، وتحول دون وحدة أراضيها. فلما رأى المنذر اضطراب الأحوال في بلنسية، شعر أن الفرصة المنشودة قد سنحت، فسار في قواته صوب بلنسية، ومعه سرية من المرتزقة القطلان، وضرب الحصار حول المدينة (١٠٨٨ م)، وكان يؤازره في داخلها كثير من الأنصار، كانوا يؤيدون قضيته، ويودون أن تسلم إليه. وهنا استولى الاضطراب والذعر على القادر، وفكر بالفعل في تسليم المدينة، لولا أن نصحه ابن طاهر صاحب مرسية السابق، وكان قد لجأ إلى بلنسية مذ غلب عليه ابن عمار وزير المعتمد، بالتريث وشجعه على الصمود والدفاع. وبعث القادر في نفس الوقت إلى ألفونسو ملك قشتالة يستغيث به، وبعث بنفس الصريخ إلى المستعين بن هود صاحب سرقسطة، وخصيم المنذر، وكان المستعين يتوق إلى افتتاح بلنسية، ويشعر دائماً بالأسف والألم لفشل محاولة

стр. 930

أبيه المؤتمن في هذا السبيل، وضياع الأموال الطائلة التي دفعها من أجل ذلك لملك قشتالة، وكان له بسبب مصاهرته لأبى بكر بن عبد العزيز صاحب بلنسية السابق، داخل المدينة حزب يناصره، ويود أن تنضم بلنسية إلى مملكة سرقسطة، فلما تلقى صريخ القادر، بادر بالإستجابة، وهرع إلى بلنسية في بعض قواته، فتظاهر بالسير إلى إنجادها، وهو يبطن نية الاستيلاء عليها (١).

стр. 931

الفصل الثانِي مملكة بلنسية ٢ - السيد إلكمبيادور وعهد السيادة القشتالية السيد إلكمبيادور. أصله ونشأته. بدء حياته الحربية. رسول ألفونسو السادس إلى ابن عباد. تغير ألفونسو عليه وإبعاده عن قشتالة. ملوك الطوائف واستعانتهم بالجند النصارى. مسير السيد إلى شمال شرقي الأندلس. التحاقه بخدمة المقتدر بن هود. وفاة المقتدر. الحرب الأهلية بين ولديه المؤتمن والمنذر. انضمام السيد إلى المؤتمن ونفوذه لديه. وفاة المؤتمن وقيام ولده المستعين. التحاق السيد بخدمته. حملة ابن بسام على بني هود. مسير المستعين والسيد إلى بلنسية. يعقدان ميثاقاً بشأنها. مقدمهما في قواتهما إلى بلنسية. انسحاب المنذر بن هود عنها. موقف القادر بن ذى النون ومساعيه السرية. المستعين يكشف للسيد عن حقيقة مشروعه. موقف السيد ومطله. السيد يبدو على حقيقته. مخادعاته ومفاوضاته السرية. مسيره إلى قشتالة وتفاهمه مع ألفونسو. وقوف المستعين على غدر السيد ومقاطعته. تحالفه مع الكونت برنجير. عود السيد ونزوله بأراضي السهلة. يخضع ابن رزين لأداء الجزية. السيد يغدو قائد عصابة ناهبة. السيد والكونت برنجير. مسير السيد إلى بلنسية. إخضاعه لمربيطر ونزوله في الكدية. القادر يضع نفسه تحت حمايته ويمده بالأموال الوفيرة. قصة أموال القادر. خروج السيد إلى ألبونت وإرغامه صاحبها على أداء الجزية. فرضه الجزية على سائر النواحي المجاورة. صدى أعمال السيد في قشتالة. تغير ألفونسو عليه. تطور الأمور في الثغر الأعلى. توجس المستعين ابن هود من المرابطين. عوده إلى الاستعانة بالسيد. مقدم السيد إلى سرقسطة وتحالفه مع الملوك المجاورين. تعليق ابن بسام. مشروع ألفونسو السادس لغزو بلنسية وتحطيم نفوذ السيد. تحالفه مع جنوه وبيزه. مسيره إلى بلنسية. رسالة السيد إلى ألفونسو. حرج موقف ألفونسو وتركه لحصار بلنسية. عيث السيد في أراضي قشتالة. عود ألفونسو إلى مصانعته والعفو عنه. الاضطراب في بلنسية. القاضي ابن جحاف يتزعم الثورة ضد القادر والسيد. مفاوضة المرابطين. دخول قوة مرابطية بلنسية. ابن جحاف يقتحم القصر بجموعه. مقتل القادر واستيلاء ابن جحاف على ذخائره. اختيار ابن جحاف لحكم المدينة. استعداده للطوارىء. مسير السيد إلى بلنسية ومحاصرتها. المفاوضة بين ابن جحاف والسيد. شروط الإتفاق بينهما. نكث السيد وغدره. مطالبه المرهقة لابن جحاف والخلاف بينهما. ابن جحاف يغلق المدينة. استغاثته بالمرابطين وغيرهم. اشتداد السيد في محاصرة المدينة وعيثه في أحوازها. عصف الحصار بأهل بلنسية. المفاوضة بين أهل بلنسية والسيد. شروط الهدنة والتسليم. انتهاء الهدنة وتوقيع عهد التسليم. دخول السيد بلنسية. وعوده الخلابة. تسلمه أموال القادر من ابن جحاف. مطالبته له بباقيها واستحلافه عليها. حلف ابن جحاف بالنفي. اكتشاف السيد لمخبأ الأموال والحلي. قبضه على ابن جحاف وإحراقه. أقوال ابن بسام. إحراق بعض أعلام بلنسية. طغيان السيد وعسفه. شعر في محنة بلنسية. صدى سقوط بلنسية في الأندلس والمغرب. اعتزام

стр. 932

أمير المسلمين العمل لاستردادها. إرساله حملة إلى الأندلس. مسير المرابطين إلى بلنسية. الذعر بين النصارى في بلنسية. حصار المرابطين لها. مفاجأة السيد للمحاصرين. استغاثة السيد بملك أراجون وألفونسو السادس. المعارك بين السيد وبين المرابطين. غزو المرابطين لأراضي طليطلة وقونقة. مرض السيد ووفاته. زوجه خمينا تتولى الدفاع عن المدينة. استغاثتها بألفونسو. قدوم ألفونسو في قواته إلى بلنسية. اجتماع القوات المرابطية بقيادة المزدلي. توجس ألفونسو واعتزامه الانسحاب. مغادرة خمينا للمدينة ومعها أموال القادر. انسحاب ألفونسو وجنده. إحراقه للمدينة. دخول المرابطين بلنسية وانتهاء مغامرات النصارى. السيد وشخصيته. اختلاف الآراء في تصويره وتقديره. مبالغة الرواية القشتالية في تصوير بطولته. الأساطير القشتالية حولها. السيد في الشعر وفي الأغاني. حقيقة السيد. السيد جندي قدير. أوصاف ابن بسام للسيد. السيد مغامر لا ذمام له ولا مبدأ. نزعته المكيافيللية. السيد ليس بطلا قومياً. السيد والتفكير الغربي. رأي دوزي ورينان. رأي مننديث بيدال. السيد في الرواية العربية. تاريخ بلنسية لابن علقمة. لم يسر المستعين بن هود وحده إلى إنجاد بلنسية، بل كان معه جيش آخر، يسير أيضاً لإنجاد بلنسية في الظاهر، وكان على رأس هذا الجيش صديق المستعين وحليفه. وصديق أبيه المؤتمن، وجده المقتدر من قبل، الفارس القشتالي الأشهر، السيد إلكمبيادور. إن قصة السيد الكمبيادور تملأ فراغاً كبيراً في الروايات والتواريخ القشتالية، ونجد كذلك صداها في التواريخ العربية. وقد اقترنت سيرة السيد بالأخص بمغامراته في بلنسية، وافتتاحه إياها، وسيطرته عليها بضعة أعوام، ثم وفاته، مدافعاً عنها ضد المرابطين. فهذه الأحداث هي ألمع صفحة في تاريخ السيد، وهي التي اتخذت منها التواريخ القشتالية عناصر بطولته، بل هي التي رفعته في نظر التواريخ والأساطير القشتالية إلى مرتبة بطل اسبانيا القومي، ومن ثم فإنه يجدر بنا قبل أن نمضي في تسطير هذه الأحداث، أن نقول كلمة موجزة في نشأة السيد وحياته الأولى. إن السيد، هو فارس قشتالي، واسمه الأصلي رودريجو أو روي دياث دي بيبار، أما تلقبه " بالسيد" El Cid فهو تحريف لكلمة " السيد " العربية، وقد أطلقها عليه المسلمون الذين كان يخدم بينهم، ويحارب معهم، وأما وصفه بالكمبيادور، El Campeador، فمعناها المحارب الباسل، وقد أطلقت عليه لشجاعته وجرأته وشغفه بالقتال (١). وقد ولد " السيد " في مدينة

стр. 933

برغش على ما يرجح في سنة ١٠٤٣ م، وكان أبوه لايان كالفو قاضي قشتالة في عهد الملك فرويلا الثاني. ولا يعرف التاريخ شيئاً عن حياته الأولى، بل كل ما فيها يرجع إلى الأسطورة والقصة. وكان بدء ظهوره في ميدان الحوادث، عقب وفاة فرناندو الأول ملك قشتالة وليون في أواخر سنة ١٠٦٥ م، ونشوب الخلاف بين أولاده، فقد انضم " السيد " يومئذ إلى ولده سانشو (شانجه) وسار مع قوات حليفه أحمد بن سليمان بن هود صاحب سرقسطة، لمحاربة راميرو ملك أرجوان، وقد هزم في جرادوس سنة ١٠٦٨ م. ثم كان إلى جانب أخيه سانشو سنة ١٠٧١ م، حينما نشبت الحرب، بينه وبين أخيه ألفونسو ملك ليون، قد هزم سانشو في البداية، ولكنه عاد وجمع فلوله تحت جنح الظلام، ودهم أخاه بإرشاد " السيد " وهزمه وأسره. ولبث " السيد " يحارب إلى جانب سانشو ملك قشتالة، حتى قتل هذا الملك أمام أسوار سمورة في العام التالي (١٠٧٢ م). فانتقل إلى خدمة أخيه ألفونسو. الذي تولى عرش قشتالة أيضاً بعد مصرع أخيه. ولما اشتد بأس ألفونسو على ملوك الطوائف، وأخذ يرهقهم بمطالبه في الجزية، كان رسوله إلى ابن عباد صاحب إشبيلية في سنة ١٠٧٩ م هو " السيد " نفسه، وقد اشترك " السيد " يومئذ مع قوات ابن عباد، في معركة وقعت بينه وبين الأمير عبد الله صاحب غرناطة، وقد كان يغير على أراضيه مع سرية من الفرسان النصارى، فهزم عبد الله، وسر المعتمد لذلك، وأدى الجزية المطلوبة مع طائفة كبيرة من التحف والهدايا برسم ملك قشتالة (١). وقضى السيد في بلاط ملك قشتالة، عامين آخرين. ولكن الظاهر أن الدسائس كانت تعمل ضده حتى قيل إنه احتجز لنفسه الهدايا والتحف، التي تلقاها من المعتمد برسم مليكه. هذا إلى أن الملك ألفونسو لم ينس له قط وقوفه ضده إلى جانب أخيه سانشو، وانتصاره عليه، وقد كان يشعر من ذلك الحين

стр. 934

بعاطفة من الحسد إزاء هذا الفارس المظفر، لازمته طول حياته (١)، ومن ثم فقد انتهى إلى إبعاد " السيد " عن بلاطه، وعن سائر أراضيه، وذلك في سنة ١٠٨١ م. وهنا يبدأ الفصل الروائي حقاً في حياة السيد إلكمبيادور، فيبدو مغامراً يبحث وراء طالعه، ويخرج على كل اعتبار ديني أو قومي، فيؤجر نفسه وصحبه، تارة للأمراء المسلمين وتارة للأمراء النصارى، ويندس إلى كل ثورة تنشب أو حرب تضطرم هنا وهنالك، ويطلب الغنم والسلطان، حيثما استطاع، وبأي الوسائل. وكانت ظروف اسبانيا المسلمة، يومئذ مما يفسح المجال لأطماع، جندي مغامر كالسيد. فهناك الحروب الأهلية المستمرة، وهناك الرغبة المستمرة في الاستعانة بالجند النصارى، وإغداق الأموال عليهم، وقد رأينا في أخبار دول الطوائف، وأخبار ملوكهم، ما يؤيد هذه الحقيقة المؤلمة كل التأييد. وكانت هذه الحروب الإنتحارية تجري يومئذ في سائر أنحاء الأندلس، وكانت في الوقت الذي خرج فيه السيد بعصابته من قشتالة تضطرم بنوع خاص في الإمارات الشمالية، التي استقر فيها بنو هود، فيما بين سرقسطة، وثغور الشاطىء، وفيما بينها وبين بلنسية. فإلى هذا الميدان المضطرم، هبط السيد وجنوده المرتزقة، والتحق أولا بخدمة المقتدر بن هود أمير سرقسطة، وكان المقتدر قد استعان على محاربة أخيه المظفر صاحب لاردة، بجنود من البشكنس والقطلان حتى هزمه أخيراً وأسره، فكان المظفر أسيراً وقت أن حل السيد ببلاط المقتدر. ثم توفي المقتدر بعد قليل سنة ٤٧٤ هـ (١٠٨١ م) بعد أن قسم مملكته بين ولديه، فخص ولده المؤتمن بسرقسطة وأعمالها، وأخاه المنذر بدانية وطرطوشة ولاردة. ثم وقعت الحرب الأهلية بين الأخوين، فاستعان المنذر بسانشو راميرز ملك أراجون وكونت برشلونة، وحارب السيد إلى جانب المؤتمن، ولد حاميه والمحسن إليه، وانتهى الأمر بهزيمة المنذر، وعاد السيد إلى سرقسطة ظافراً، فاحتفى به أهلها أيما احتفاء، وبالغ المؤتمن في إكرامه وإثابته. وكان المؤتمن يعتز بصداقة السيد ومحالفته، ويعلي من شأنه ويأخذ بنصحه في معظم الأمور، ولا يرى في ذلك غضاضة وانحرافاً، وكان المنذر من جهة أخرى يبغض السيد أشد البغض، ويستعين في محاربته بالأمراء القطلان أصحاب برشلونة. ولما توفي

стр. 935

المؤتمن في سنة ٤٧٨ هـ (١٠٨٥ م)، خلفه في سرقسطة وأعمالها ولده المستعين، والتحق السيد بخدمته أيضاً، واستمر على نفوذه ومكانته في المملكة. ويحمل ابن بسام على حماية بني هود للسيد، واستخدامهم إياه، وإعلائهم لشأنه في قوله: " وكان بنو هود قديماً هم الذين أخرجوه (أعني السيد) من الخمول، مستظهرين به على بغيهم الطويل، وسلطوه على أقطار الجزيرة، يضع قدمه على صفحات أنجادها، ويركز علمه في أفلاذ أكبادها، حتى غلظ أمره، وعم أقاصيها ودانيها شره " (١). ولسنا نعرف شيئاً عن أعمال السيد في خدمة المستعين في بضعة الأعوام التالية. بيد أننا نرى السيد والمستعين في سنة ١٠٨٨ م، كلاهما يسير في قواته صوب بلنسية. وهناك رواية خلاصتها أن المستعين والسيد، حينما ورد صريخ القادر، عقدا ميثاقاً سرياً على غزو بلنسية وافتتاحها، نص فيه على أن تكون الأسلاب كلها من نصيب السيد ورجاله، وأن تكون المدينة ذاتها من نصيب المستعين (٢). وهناك رواية أخرى، هي أن المستعين دعا السيد إلى مرافقته في جيشه لإغاثة بلنسية، دون أن يفضي إليه بنيته في الاستيلاء على المدينة، وقدم إليه أموالا جليلة لكي يحشد بها القوات اللازمة، وكان السيد في هذا الوقت بالذات يدعو الجند إلى رايته، للمحاربة مع المسلمين، وقد اجتمع له منهم، حسبما يخبرنا ابن علقمة مؤرخ مأساة بلنسية عدد كبير، وكانت قوة المستعين لا تعدو أربعمائة فارس، أما جيش السيد فكان يضم ثلاثة آلاف فارس، وهي قوة ضخمة وفقاً لمقاييس العصر. وهكذا أشرف المستعين والسيد في قواتهما على بلنسية، إجابة لصريخ مليكها وإنجاداً له في الظاهر، وكلاهما يضطرم في الواقع بنيات ومشاريع أخرى. وكان المنذر صاحب لاردة وطرطوشة، ما يزال مرابطاً بقواته حول المدينة، فلما علم بمقدم السيد، وابن أخيه المستعين، أدرك أنه لا طائل من الانتظار وعول على الانسحاب (٣)، وبعث إلى القادر يعرض عليه صداقته ومحالفته، واستعداده

стр. 936

لمعاونته ضد ملك سرقسطة، فأجابه القادر إلى عقد الحلف المنشود، ولكنه لما رأى المنذر بعد ذلك يبتعد بقواته عن بلنسية في طريق العودة إلى بلاده، أدرك أنه لا مفر من الالتجاء إلى القشتاليين، وأنهم هم وحدهم الذين يستطيعون إنجاده وإنقاذه. ودارت عندئذ سلسلة من المفاوضات والمواثيق السرية، بين أولئك الزعماء المخادعين المخاتلين، فبعث القادر إلى السيد خفية عندما اقترب من بلنسية، يرجوه عقد المودة والتحالف بينهما سراً، ودون علم المستعين، وبعث إليه في الوقت نفسه طائفة من الأموال والتحف الجليلة. ولما وصل السيد والمستعين إلى بلنسية، أفضى إليه المستعين بحقيقة نياته، وأنه إنما قدم إلى بلنسية لا لإنجادها ولكن لافتتاحها، وطلب إليه النصح والعون، ولكن السيد ماطل في مهاجمة المدينة بحجة أن القادر مستظل بحماية ألفونسو، وأن المدينة في الواقع هي من أملاك ألفونسو وقد أعطاها للقادر، فأية محاولة لافتتاحها تعتبر اعتداء على حقوق الملك ألفونسو نفسه، وأنه لابد قبل إجراء مثل هذه المحاولة، أن يأذن الملك ألفونسو نفسه بذلك، وأخيراً أنه لا يستطيع أن يقوم بعمل ضد مليكه وسيده الطبيعي، أعني ملك قشتالة. وهنا يبدو السيد على حقيقته، ويكشف عن خلاله الأصيلة، خلال مغامر لا ذمام له يبيع العدو والصديق معاً، وينتهز الفرصة بأي ثمن، فهو ينصح القادر سراً بألا يسلم المدينة لأحد، وهو يعد القادر والمستعين كل بمعزل عن الآخر أنه سوف يعاونه على تحقيق بغيته في الوقت الملائم، ويؤكد للمستعين أنه على أهبة لأن يساعده على أخذ بلنسية، إذا حصل على موافقة الملك ألفونسو، ثم يعتزم السيد أن يقطع علائقه القديمة مع صديقه وحاميه المستعين، ويبعث سراً إلى عمه وخصيمه المنذر بن هود، يعقد معه اتفاقاً بالصداقة والتحالف، وأخيراً يبعث السيد إلى ألفونسو ملك قشتالة، يؤكد له أنه فيما يعمله ويغنمه، إنما هو تابع له، وأن أولئك الفرسان الذين يقودهم في أراضي المسلمين، دون أية نفقة من الملك - إنما هم تحت تصرف الملك، ينزلون ضرباتهم " بالكفرة "، وفي وسعهم أن يحصلوا على شرقي الأندلس بسهولة. وقد وافق ألفونسو على

стр. 937

رسالة السيد، وأذن له أن يجول بفرسانه حيث شاء في أراضي المسلمين (١). ولم يكتف السيد بذلك، بل رأى بعد أن قام بعدة غارات ناهبة في الأنحاء القريبة، ودرس طبيعتها وأحوالها، أن يذهب بنفسه إلى الملك ألفونسو، ليعقد معه الإتفاق اللازم لإخضاع هذه المناطق، فسار إلى قشتالة، واستطاع أن يحصل من الملك ألفونسو على وثيقة الموافقة، وفيها يصرح للسيد ويؤكد، بأن كل الأراضي والحصون التي يستطيع السيد أن ينتزعها من المسلمين، تغدو ملكاً خاصاً له، ثم لأولاده وبناته وسائر عقبه من بعده، ميراثاً شرعياً. وأدرك المستعين خلال ذلك، مدى نفاق السيد وغدره، وانحرافه إلى العمل لصالحه وصالح قشتالة، فقطع علائقه معه، واتجه إلى محالفة برنجير كونت برشلونة، وكان من ألد أعداء السيد، وعقدت بينهما، أواصر التحالف، وقدم المستعين إلى الكونت أموالا جزيلة، وبعثه إلى محاصرة بلنسية. ولكن القادر اعتزم أن يصمد لهذا الحصار الجديد، حتى يعود السيد من قشتالة. وأخيراً عاد السيد من قشتالة ومعه سبعة آلاف مقاتل، ونزل بجيشه في أراضي السهلة، التابعة لابن رزين صاحب شنتمرية الشرق (مايو ١٠٨٩ م) فخرج إليه ابن رزين، وتعهد من جديد بأداء الجزية لملك قشتالة، وكان يؤديها قبل موقعة الزلاّقة، واتفق على أن تكون الجزية عشرة آلاف دينار في العام، فقبل السيد عهده، وغادر أراضي السهلة وسار بجيشه صوب بلنسية. وغدا السيد عندئذ قائد جيش خطير من المرتزقة، أو بالحري رئيس عصابة ناهبة، تجوب أنحاء الولايات الشرقية طلباً للغنيمة والسلب، وهابه سائر الأمراء والحكام في تلك النواحي، وأخذوا جميعاً يرقبون الفرص لمقاومته وسحقه. وكان أشدهم نشاطاً في ذلك خصمه القديم الكونت برنجير أمير برشلونة، وكان الكونت يحاصر بلنسية بقواته منذ حين، والظاهر أنه حين اقترب السيد بقواته من بلنسية، وقعت بينه وبين الكونت معركة هزم فيها الكونت، وأسر مع نفر من بطانته، ولم يطلقهم السيد إلا لقاء فدية كبيرة، ثم انتهى الأمر بينهما إلى التفاهم، ورفع الكونت الحصار عن بلنسية، وعاد بجيشه شمالا إلى برشلونة.

стр. 938

وكان السيد قد عسكر بقواته أولا تجاه مربيطر شمالي بلنسية، ثم سار بعد ذلك جنوباً إلى بلنسية، وأخضع في طريقه مربيطر، وأرغم صاحبها - ابن لبُّون - على أن يؤدي له جزية سنوية قدرها ثمانية آلاف دينار. ونزل أخيراً بجنده في " الكُدية " ضاحية بلنسية الشمالية التي يفصلها عن المدينة نهر " طوريا "، ففي الحال بعث إليه القادر بالأموال والتحف، وأبلغه أنه يضع نفسه تحت حمايته، ويؤدي له الجزية، واتفق على أن يدفع له في كل أسبوع ألف دينار، على أن يقوم بحمايته من سائر أعدائه. وقيل إن الجزية التي ارتضى القادر أن يؤديها للسيد مقابل حمايته بلغت مائة ألف دينار في العام، وهو مبلغ طائل في هذا العصر (١). وهنا يسوغ لنا أن نتساءل عن مصدر هذه الأموال الوفيرة التي كان يغدقها القادر في كل مناسبة على السيد وغيره، ممن كان يستصرخهم لحمايته. والجواب عن ذلك أن القادر ورث عن جده المأمون صاحب طليطلة أموالا طائلة، وطائفة عظيمة من الحلي والجواهر والتحف. وكان ألفونسو ملك قشتالة حينما عاونه القادر على استرداد عرشه في طليطلة، عندما أقصته الثورة عنه، يرهق القادر بمطالبه المالية المتوالية، لما كان يعلمه من غناه الطائل، وكانت سياسة ألفونسو ترمي إلى استصفاء أموال ملوك الطوائف بطريقة إرغامهم على دفع الجزية، وغيرها من أنواع الإبتزاز السياسي والعسكري، وقد رأيناهم جميعاً يسارعون إلى الأداء، ويجمع ملك قشتالة منهم الأموال الوفيرة. وكان القادر من أكثرهم ثراء واقتداراً. وكان يخفي أموالا طائلة حملها معه حينما سار منفياً إلى بلنسية، بعد أن فقد ملكه في طليطلة، وهناك أخفاها بمنتهى الحيطة والحذر، وقد أثارت هذه الأموال الدفينة فيما بعد شره السيد، واستطاع أن يحصل عليها عقب دخوله بلنسية حسبما نفصل بعد. وخرج السيد من مقره في " الكدية " إلى جبال ألبونت القريبة، حيث كان يحكم عبد الله بن قاسم، وعاث في أراضيه، وأرغمه على أن يدفع له جزية سنوية قدرها عشرة آلاف دينار، ثم عاد جنوباً وعسكر في بلدة "ركّانة" الواقعة غربي بلنسية. وهكذا أخضع السيد لصولته سائر إمارات هذه المنطقة:

стр. 939

بلنسية ومربيطر، وألبونت وشنتمرية الشرق، وفرض عليها جميعاً الإتاوات الفادحة، واستقر بقواته على مقربة منها تتردد بعوثه في أراضيها، وتشعرها بصفة مستمرة أنها رهينة سلطانه ورحمته. في ذلك الحين تطورت الأمور في قشتالة، وكان لهذا النجاح الضخم الذي أحرزه السيد على هذا النحو في شرقي الأندلس صداه السيىء في نفس الملك " الإمبراطور " ألفونسو السادس (١)، وكان السيد قد تخلف عن معاونة ألفونسو في معركة حصن لييط " أليدو " التي نشبت بينه وبين المرابطين سنة ٤٨١ هـ (١٠٨٨ م)، وانتهز خصوم السيد في البلاط هذه الفرصة، فأثاروا نفس الملك عليه، وصوروا له تصرفه بالعقوق والخيانة، وأوعزوا إليه بمعاقبته. وفعلا أمر الملك بإخلاء سائر الحصون والدور الخاصة بالسيد، وبالقبض على زوجه وأولاده الصغار، وذلك لأن القانون القديم كان ينص على تضامن الأسرة في الأمور الجنائية، ولا يسمح بذرة من التهاون أو الرأفة في تهمة الخيانة (٢). وتطورت الأمور أيضاً في الثغر الأعلى، وشعر المستعين بن هود ملك سرقسطة بأن المرابطين بعد استيلائهم على مرسية وحصن لييط، أضحوا على مقربة منه، وأضحوا يهددون سلامته وملكه، فعندئذ استغاث بالسيد مرة أخرى، وعقد معه صلحاً وحلفاً جديداً. وسار السيد في جيشه إلى سرقسطة، وعسكر على مقربة منها على ضفة النهر الأخرى، وهنالك عقد محالفة مع ملك أراجون وأخرى مع ملك نافار، وكان الغرض من هذه الأحلاف جميعاً هو التعاون على دفع خطر المرابطين الداهم، وإنقاذ شرقي الأندلس من سلطانهم. ولبث السيد حيناً في سرقسطة ينظم شئونها وخططها الدفاعية. وهذا ما يشير إليه ابن بسام في الذخيرة بقوله المسجع: " ولما أحس أحمد بن يوسف بن هود المنتزي إلى وقتنا هذا على ثغر سرقسطة، بعساكر أمير المسلمين تنسل من كل حدب، وتطلع على أطرافه من كل مرقب، آسد كلباً من أكلب الجلالقة، يسمى بلذريق ويدعى بالكنبيطور، وكان عقالا، وداء عضالا له في الجزيرة وقائع، وعلى طوائفها بضروب المكاره إطلاعات ومطالع " (٣).

стр. 940

ولم يجد ألفونسو ملك قشتالة لمعاقبة السيد، على مطله وغدره وخيانته، وتحطيم نفوذه البالغ، الذي أخذ يزعجه ويثير حفيظته، خيراً من أن يفتتح بلنسية، التي كان السيد في الواقع سيدها الحقيقي، وكانت أمنع معقل لسيادته ونفوذه، وأخصب مصدر لموارده، فعقد حلفاً مع جمهوريتي جنوه وبيزه، لكي يعاونانه بأساطيلهما من البحر على أخذها، ثم سار في قواته إلى بلنسية، وعسكر في جُبالة أو "كبولا" من ضواحيها، وطلب من أصحاب القواعد والحصون المجاورة أن يؤدوا إليه الجزية التي كانوا يدفعونها للسيد، وبعث إلى القادر بأن يحجز الجزية وسائر الإيرادات التي كان يتلقاها السيد. فلما علم السيد بذلك وهو في ظاهر سرقسطة، وبأن ملك قشتالة جاء لينزعه نفس المنطقة التي أعطاه إياها، اعتزم أن يقابل القوة بالقوة، وبعث إلى ألفونسو يعرب له عن دهشته واستنكاره وعن ثقته بالله، وينذره بأنه لن يصبر على تلك الإهانة بل سينتقم لها، وبأنه سوف يرى كيف أسىء نصحه وتوجيهه (١). والواقع أنه لم يمض قليل على ذلك حتى شعر ألفونسو بحرج موقفه. وذلك ْأن السفن الجنوية والبيزية لم تأت حسبما تقرر، وقد قلت المؤن في معسكره، وأخذ يعاني الصعاب، فعندئذ أمر برفع الحصار، وغادر بلنسية لدهشة قواده وصحبه، وارتد راجعاً إلى قشتالة. وما كاد يبتعد عنها حتى أشرفت السفن الحليفة وكانت نحو أربعمائة. بيد أنها لم تستطع أن تعمل شيئاً. فغادرت بلنسية وسارت إلى طرطوشة، ولكنها استطاعت أن تصمد لها. وفضلا عن ذلك فقد أراد السيد أن ينتقم من الملك ومستشاريه، فسار نحو قلهرّة ولوجرنيو، وضرب الأراضي التابعة لرجال البلاط من خصومه، وعاث في أحواز قشتالة، واجتاح منها منطقة شاسعة، وأمعن فيها قتلا وتخريباً (٢). فعندئذ رأى ألفونسو أن يعود إلى سياسة اللين، وأصدر عفوه عن السيد، وكتب إليه بذلك، وبأنه قد رفع الحظر عن أملاكه، وسمح له بأن يعود إلى قشتالة متى شاء، فكتب إليه السيد يشكره ويرجوه ألا يصغى لنصحاء السوء. وكان ذلك في أوائل سنة ١٠٩٢ م (٤٨٥ هـ). * * *

стр. 941

ْوفي ذلك الحين اشتد الاضطراب في بلنسية، واعتزم البلنسيون أن يحطموا ذلك النير المرهق الذي فرضه السيد على المدينة. وكان قاضي المدينة أبو أحمد جعفر بن عبد الله بن جحّاف المعافري، يتزعم أقوى الأحزاب في المدينة، وهو الحزب المناوىء للسيد والقشتاليين بوجه عام، ويناهض الحزب " الإسباني " أو الحزب الذي يلتف حول القادر، وكان يثير في الجموع روح الثورة، ويتطلع إلى انتزاع السلطة، وكان المرابطون قد اقتربوا في ذلك الوقت من بلنسية، باستيلائهم على مرسية ودانية، ففاوض ابن جحاف قائد المرابطين ابن عائشة، ووعده بتسليم بلنسية إذا ساعده على محاربة القادر والسيد، فاستجاب ابن عائشة لدعوته، وبعث إليه سرية من الجند المرابطين بقيادة أبي ناصر المرابطي، فما كادت تدخل بلنسية حتى اشتد فيها الهرج والاضطراب، وقاد ابن جحاف جموع الثائرين، وقبض على ابن الفرج مندوب " السيد " في المدينة، واقتحم القصر، وبحث عن القادر حتى عثر به، وكان قد اختفى في بعض حمامات القصر، ومعه صندوق من الحلي والجواهر الخاصة بزوجه السلطانة زبيدة. فقتل في الحال، وحملت رأسه على رمح وطيف بها في شوارع بلنسية، وذلك في اليوم الثالث والعشرين من رمضان سنة ٤٨٥ هـ (٢٨ أكتوبر سنة ١٠٩٢ م). واحتوى ابن جحاف على طائفة عظيمة من الأموال والذخائر والتحف التي كان يحتفظ بها القادر. وآلت السلطة بذلك إلى " الجماعة ". وفي اليوم التالي، الرابع والعشرين من رمضان، اختير ابن جحاف رئيساً للجماعة، فتولى زمام الأمور، وأخذ يحشد الجند، ويحصن أطراف المدينة، ويستعد للطوارىء (١). ولما علم السيد بهذه التطورات المزعجة، سار في الحال في قواته صوب بلنسية، وفرض المغارم والأقوات على سائر الحصون الواقعة في طريقه، ونزل في " جُبالة " (كبولا)، وهنالك اجتمع إليه أنصار الملك المقتول (أواخر سنة ١٠٩٢ م). وفي الحال ضرب الحصار حول المدينة، بعد أن أحرق ما حولها من الضياع والمروج، واستولى على معظم الأنحاء القريبة، واقتحم " الكُدية " ضاحية المدينة الشمالية، وفرض عليها سلطانه. وأنشأ ابن جحاف داخل المدينة فرقة من ثلاثمائة فارس من المرابطين وغيرهم، لتقاوم الحملات المخربة التي كان

стр. 942

يشنها السيد على أحوار المدينة. وكثر الجدل في الداخل بين مختلف الاحزاب والطوائف. وبعث السيد سراً إلى ابن جحاف يطلب إليه طرد المرابطين، ويتعهد له بأن يتركه ملك بلنسية الوحيد، وأن يمده بالعون والحماية، فجنح ابن جحاف إلى التفاهم، وأخذ يدبر الأمر، وآثر البلنسيون كذلك التفاهم والصلح، وانتهت المفاوضات بين السيد وأهل بلنسية على ما يأتي: أن يغادر المرابطون المدينة آمنين، وأن يعطى ابن جحاف إلى السيد ثمن ما كان مودعاً بمخازنه من المؤن وقت مقتل القادر، وأن تؤدى له الجزية السابق تقريرها، ومقدارها ألف دينار في الأسبوع مع متأخراتها، من وقت أن بدأت الحرب، وأن تبقى ضاحية الكُدية بيد السيد، وأن يرتد الجيش القشتالي إلى " جُبالة " ويبقى هنالك ومعه السيد. وهكذا عقدت شروط التسليم، وعادت بلنسية بمقتضاها، كما كانت بلداً خاضعاً يؤدي الجزية كما كان أيام القادر (١). ولم يمانع المرابطون في عقد الصلح على هذا النحو، لما تولاهم من السأم في بلد لا تهدأ له ثائرة، وغادروا المدينة بسلام. وعاد السيد فرابط بقواته في " جبالة ". ولكن سرعان ما نقض عهوده، شيمته التي تلازمه في كل عمل وكل موطن، وأخذ يتردد في جنده على ضواحي المدينة ويعيث فيها، ويرهق ابن جحاف بمطالبه المالية، التي لا يرتوي منها شرهه قط، وابن جحاف يعاني في نفس الوقت من الاضطراب الداخلي، ومن مناوأة الزعماء المحليين، ولاسيما بني طاهر أصحاب مرسية السابقين النازلين ببلنسية، وكان هؤلاء يتصلون سراً بالسيد، ويتآمرون معه على ابن جحاف. ثم طلب السيد من ابن جحاف أن يأذن له بالنزول مع بعض صحبه في قصر وحدائق " بله نوبه " وهي ضاحية بلنسية في الشمال الشرقي، وينزل باقي جنده في " ريوسا " في جنوبها الغربي تجاه الرُّصافة، فوافق ابن جحاف مرغماً، وكان السيد يرمي بذلك إلى إحكام تطويق المدينة، لاسيما وهو يحتكم من قبل على ضاحية الكُدية. وعاد السيد بعد ذلك فاشتط في مطالبه، وطلب إلى ابن جحاف أن يسلم كل موارد المدينة، وأن يقدم إليه ابنه رهينة بولائه. فعندئذ رفض ابن جحاف، وأغلق أبواب المدينة، وكتب الى ابن عائشة قائد المرابطين يستغيث به، وبعث بنفس الصريخ إلى المستعين ملك

стр. 943

سرقسطة، فأرسل إليه يعده خيراً، وكتب كذلك إلى ألفونسو السادس، فبعث إليه يعده بالعون. واعتزم ابن جحاف مقاومة السيد إلى آخر لحظة، واستؤنفت الأعمال العدوانية بين الفريقين، وضرب السيد حول المدينة حصاراً صارماً، وعاث في الأنحاء المجاورة، ولم يدخر وسعاً في قطع الأقوات عن المدينة المحصورة خوفاً من أن تصمد له حتى يدهمه المرابطون، واستمر الحصار على هذا النحو عشرين شهراً، حتى بلغ الضيق بالبلنسيين المنتهى، وفتك بهم الجوع أيما فتك، " وأكلوا الفيران والكلاب والجيف " وغدوا كالأشباح هزالا (١). وقد وصف المؤرخ البلنسي المعاصر، محمد بن علقمة في تاريخه الذي سوف نشير إليه فيما بعد، بعض ما قاساه البلنسيون من المحن في تلك الآونة العصيبة، فذكرا " أن رطل القمح بلغ ثمنه مثقال ونصف، وأوقية الجبن ثلاثة دراهم، ورطل البقل بخمسة دراهم، وبيضة الدجاجة بثلاثة دراهم، ورطل اللحم بستة دنانير. وفي ربيع الأول (٤٨٦ هـ) عظم البلاء، وتضاعف الغلاء، واستوى في عدم القوت الفقراء والأغنياء، فأمر ابن جحاف اقتحام الدور بحثاً عن القوت. وأعاد استصراخ ابن هود، ورغبه في المال والبلد مع الأجر في استنقاذ المسلمين من القتل والأسر. وترمق ساير الناس بالجلود والأصماغ وعروق السوس، ومن دون هؤلاء بالفيرة والقطط وجيف بني آدم. وهجم على نصراني وقع في الحفير فأخذ باليد، ووزّع لحمه. وجد الطاغية في حرق من خرج من المدينة إلى المحلة ليلا يخرج الضعفاء، ويتوفر القوت على الأغنياء. وبان على الناس الإحراق بالنار، فعيث فيهم بالقتل، وعلقت جثثهم على صوامع الأرباض وبواسق الأشجار. ودخل جمادى الأولى وعدمت الأقوات بالجملة، وهلك الناس، ولم يبق من ذلك الجم إلا النزر اليسير، وتوالى اليبس واستحكم الوباء. ولما بلغ الأمر إلى هذا القدر، وابن هود يخاطب بالتسويف والمطل، اجتمع الناس إلى الفقيه أبي الوليد الوقشي في التكلم لابن جحاف (٢) وعندئذ اجتمع أعيان المدينة، وأرغموا ابن جحاف على مفاوضة السيد في التسليم وعقد الصلح، فأذعن وترك لهم المفاوضة، فذهب وفد منهم لمفاوضة السيد، وتم الاتفاق على أن يبعث البلنسيون رسلهم إلى ملك سرقسطة،

стр. 944

وإلى ابن عائشة قائد المرابطين في مرسية، في طلب الغوث والإنجاد، وذلك في مدة خمسة عشر يوماً، وأن يقوم ابن عديس خلال ذلك بالإشراف على المدينة، وأن تسلم الأبواب ليحتلها الروم المحليون، فإذا لم يحضر أحد للنجدة في خلال المدة الممنوحة سلمت بلنسية بالشروط الآتية: " أن يبقى ابن جحاف قاضياً للمدينة وحاكماً لها، وأن يؤمن في نفسه وماله وأهله، وأن يؤمن السكان في أنفسهم وأموالهم، وأن يتولى مندوب السيد الإشراف على تحصيل الضرائب، وأن تحتل المدينة حامية من النصارى المعاهدين (المستعربين) الذين يعيشون بين المسلمين، وأن يرابط السيد بجيشه في "جُبالة" (كبولا) وألا يغير شيئاً من شرائع المدينة وأحكامها ". عقدت الهدنة على هذه الشروط، وسافر الرسل في طلب النجدة، ولكن مضت الخمسة عشر يوماً دون أن يعود أحد منهم. ففي صباح اليوم التالي، وهو يوم الخميس ١٥ يونيه سنة ١٠٩٤ م (٢٨ جمادى الأولى سنة ٤٨٧ هـ) (١)، خرج ابن جحاف ومعه عدد من أعيان المسلمين والنصارى، ووقعوا عهداً بتسليم المدينة، على أن يؤمن سكانها في أنفسهم وأموالهم، وأن يسلم ابن جحاف إلى السيد سائر أموال القادر. وفي الظهر فتحت بلنسية أبوابها للسيد إلكمبيادور وجنده، واحتشد البلنسيون، وهم كالأشباح هزالا، أو كأنهم كالموتى خرجوا يوم الحشر من القبور ليمثلوا أمام الخالق (٢)، ليشهدوا دخول القشتاليين الظافرين بلدهم. ودخل السيد وجنده بلنسية، وفي الحال احتلوا أبراجها خلافاً لشروط المعاهدة، ونزل السيد بالقصر، ثم جمع أشراف المدينة وألقى فيهم خطاباً وعد

стр. 945

فيه أن يسير شئون المدينة بالعدل، وأن يستمع لظلامات أهلها، وأن يحميهم، وأن يرد إلى كل ذي حق حقه، إلى غير ذلك من الوعود الخلابة. ومع ذلك فقد احتل النصارى معظم دور المدينة وضياعها، ولم يستمع أحد إلى تذمر أو ظلامة، وتسلم السيد من ابن جحاف أموال القادر وذخائره، وأبقاه في منصبه قاضياً للمدينة، ولكنه شدد عليه في السؤال عما إذا كان قد بقي لديه شىء منها، وطلب إليه الحلف أمام أعيان الشهود من الملتين، فحلف ابن جحاف بأنه لم يخف شيئاً وليس لديه شىء منها. وأنذره السيد بأنه إن وجد لديه شيئاً مما تقدم، فإنه سوف يستبيح دمه، ووافق على هذا العهد أعيان الملتين، المسلمون والنصارى. وشاءت الأقدار أن يقع السيد بعد ذلك بقليل على مخبأ الحلي والذخائر التي انتزعها ابن جحاف من القادر حين مقتله، فكان ذلك نذيراً بنكبته المروعة، التي ترك لنا عنها المؤرخ البلنسي المعاصر، وشاهد العيان السابق ذكره أبو العباس بن علمقة، صوراً مؤسية مبكية. ذلك أن السيد أمر في الحال بالقبض على ابن جحاف وأفراد أسرته، وعذبه عذاباً شديداً، ثم أمر بإعدامه حرقاً، فأقيمت له وقدة كبيرة في ساحة المدينة وأحرق فيها بصورة مروعة، ولقي هذا القاضي المجاهد مصيره بشجاعة مؤثرة. قال ابن علقمة، وكان من شهود المأساة " إن القنبيطور أمر بتعذيبه أي ابن جحاف فعذب عذاباً شديداً، ثم أمر به فجمع له حطب كثير، وحفرت له حفرة وأقيم فيها، وأصير الحطب حوله، وأوقدت فيه النار فكان يضم النار إليه بيديه ليكون ذلك أسرع لخروج روحه " (١). وقال ابن بسام، بعد أن ذكر واقعة إحراق ابن جحاف: " أخبرني من رآه في ذلك المقام، وقد حفر له إلى مرفقيه، وأضرمت النار حوله، وهو يضم ما بعد من الحطب بيديه، ليكون أسرع إلى ذهابه، وأقصر لمدة عذابه، كتبها الله له في صحيفة حسناته، ومحا به سالف سيئاته، وهم الطاغية يومئذ بتحريق زوجه وبناته، فكلمه فيهن بعض طغاته، فبعد لأي ما لفته عن رأيه، وتخلصهن من يدي نكرائه. وأضرم هذا المصاب الجليل أقطار الجزيرة يومئذ ناراً، وجلل سائر طبقاتها حزناً وعاراً " (٢).

стр. 946

وأمر السيد كذلك بإحراق جماعة من أعلام بلنسية، ومنهم أبو جعفر البتي الشاعر المشهور (١)، وبدا السيد عندئذ في ثوبه الحقيقي، ثوب الفاتح المتجبر والطاغية المنتقم، فمال على البلنسيين، وأذلهم، واشتط في إرهاقهم بصنوف المظالم والمغارم. وكان من الظواهر المؤلمة يومئذ، أن التف حول السيد رهط من الخونة المسلمين، ومعظمهم من الأشرار والسفلة، انضووا تحت لوائه، وأخذوا يعيثون في المدينة فساداً، ويعتدون على إخوانهم، يقتلون الرجال، ويسبون النساء والأطفال، وقد ارتد عن الإسلام جماعة منهم، وكان يطلق يومئذ على تلك العصابات المجرمة اسم " الدوائر " (٢)، وغادر بلنسية كثير من أهلها المسلمين، واحتل النصارى دورهم وأحياءهم، وغدا السيد، وهو يزاول سلطانه بالقصر، كأنه ملك متوج، وسيد مملكة عظيمة، وغدا باستيلائه على بلنسية سيد شرقي الأندلس كله. وفي محنة بلنسية يومئذ يقول الشاعر المعاصر أبو إسحاق بن خفاجه: عاثت بساحتك العدا يا دار ... ومحا محاسنك البلى والنار فإذا تردد في جنابك ناظر ... طال اعتبار فيك واستعبار أرض تقاذفت الخطوب بأهلها ... وتمحصت بخرابها الأقدار كتبت يد الحدثان في عرصاتها ... لا أنت أنت ولا الديار ديار وروعت الأندلس لسقوط بلنسية في أيدي النصارى، كما روعت من قبل بسقوط طليطلة، وتوالى على أمير المسلمين يوسف بن تاشفين صريخ الأندلس، ورسائل أعيانها، تصف ما أصاب بلنسية وشرقي الأندلس من الدمار، وتقطيع الأوصال، والذل على يد النصارى. قال ابن بسام: " وتجرد أمير المسلمين عندما بلغه هذا النبأ الفظيع، واتصل به هذا الرزء الشنيع، فكانت قذى أجفانه وجماع شأنه، وشغل يده ولسانه ". واعتزم أمير المسلمين أن يسترد المدينة الأندلسية العظيمة، فسار إلى سبتة وحشد الجند، وندب ابن أخيه محمداً بن تاشفين ليقود الحملة، وكتب إلى حاكم غرناطة المرابطي، وإلى أمراء شرقي

стр. 947

الأندلس، أصحاب شنتمرية الشرق، وألبونت، ولاردة، وطرطوشة، أن يجمعوا الجند للسير إلى استنقاذ بلنسية. وعبرت الجند المرابطية إلى الجزيرة في سبتمبر سنة ١٠٩٤ م، أعني لثلاثة أشهر فقط من سقوط بلنسية، واجتمعت الحشود الأندلسية، وسارت القوات المتحدة صوب بلنسية، فوصلت إلى " كوارت " ثم إلى " مسلاته "، الواقعتين غربي بلنسية جنوبي النهر، في شهر أكتوبر (رمضان ٤٨٨ هـ)، وصلوا صلاة الفطر في مسلاته، ثم بدأ الهجوم على بلنسية. وكانت الأنباء قد وصلت إلى بلنسية بمقدم الجيش المرابطي. فشاع الذعر بين النصارى، وأمر السيد بأن يجمع من أهل بلنسية، سائر السلاح والقطع الحديدية، وأخرج من المدينة سائر المسلمين الذين يشك في ولائهم. وتكررت هجمات المرابطين على المدينة بشدة، ولما رأى محمد بن تاشفين مناعة المدينة وصمودها الراسخ، ضرب حولها الحصار المطبق. ولم تمض أيام قلائل، حتى خرج السيد في قواته بالليل، وفاجأ المعسكر الإسلامي، وهاجمه بشدة، فأوقع فيه الاضطراب والذعر، واستولى على غنائم عظيمة من الخيل والسلاح والعتاد والمؤن، وقتل من المسلمين عدد جم، ثم عاد فامتنع داخل المدينة. واستمر الحصار طويلا. وبعث السيد إلى بيدرو الأول ملك أراجون يستصرخه للغوث، وعقدت بينهما محالفة ضد المسلمين، وكتب أيضاً إلى ألفونسو السادس. وتجددت المعارك بين المرابطين والقشتاليين في أحواز بلنسية، واستولى السيد خلالها على مربيطر، وعلى عدد آخر من الحصون. وفي يناير سنة ١٠٩٧ م وقعت بين قوات السيد وحليفه بيدرو ملك أراجون، وبين المسلمين، معركة شديدة عند جبل " مندير "، هزم فيها المسلمون، وعاد بيدرو إلى بلاده، وعاد السيد إلى بلنسية. وفي تلك الأثناء كان جيش مرابطي قد سار من الجنوب نحو أراضي طليطلة وعاث فيها، وهزم قوات ألفونسو السادس عند " كونسويجرا "، وفي تلك الموقعة قتل دون ديجو ابن السيد الوحيد. وفي نفس الوقت سار ابن عائشة حاكم مرسية في جيش ضخم إلى أحواز قونقة، وهزم القشتاليين بقيادة ألبارهانيس ثم اخترق أراضي مملكة بلنسية حتى " الجزيرة "، وهنالك التقى بفرقة من جنود السيد، فأبادها تقريباً ولم ينج منها إلا عدد يسير فروا عائدين إلى بلنسية.

стр. 948

وكان السيد قد اشتد عليه المرض يومئذ، وهدمه الإعياء، وأدمى قلبه مصرع ولده الوحيد، فتوفي غماً وألماً، وذلك في يوليه سنة ١٠٩٩. فتولت مكانه زوجه خمينا الدفاع عن المدينة، واستطاعت أن تصمد أمام هجمات المرابطين، زهاء عامين آخرين. وأخيراً بعثت إلى ألفونسو السادس تستصرخ به، وتعرض تسليم المدينة إليه، فهرع ألفونسو إلى بلنسية في بعض قواته، ودخل بلنسية في مارس سنة ١١٠٢ م. وكانت القوات المرابطية قد اجتمعت قبل ذلك ببضعة أشهر، تحت إمرة قائدها الأمير أبى محمد المزدلي، تستعد للوثبة الحاسمة، فلما قدم ألفونسو بقواته، اجتنبت لقاءه، وعسكرت في كولييرا الواقعة على البحر بين بلنسية وشاطبة. وقضى ألفونسو شهراً في بلنسية، ثم خرج إلى أحواز كولييرا، وانتسف زروعها، وهالته ضخامة الجيش المرابطي، فارتد إلى المدينة وهو عازم على إخلائها، ولم يشأ أن يغامر بجيشه مع العدو القوي في مواقع نائية. وغادر بلنسية سكانها النصارى، يحملون أمتعتهم وأموالهم، وخرجت خمينا زوجة السيد، ومعها ذخائر القادر بن ذى النون، والأموال العظيمة التي انتهبها السيد خلال غزواته ومغامراته، وقد استولى ألفونسو فيما بعد على معظمها، ثم خرج ألفونسو وجنده، وخرج معه فرسان السيد يحملون رفات زعيمهم لتدفن في أراضي قشتالة (٤ مايو سنة ١١٠٢ م). بيد أنه أمر قبل خروجه بإحراق المدينة، ولم يغادرها إلا بعد أن غدا معظمها أطلالا دارسة. وفي اليوم التالي، الخامس من شهر مايو سنة ١١٠٢ م، الموافق شعبان سنة ٤٩٥ هـ (١)، دخل المرابطون بلنسية وعاد الثغر العظيم بذلك إلى حظيرة الإسلام مرة أخرى، وعاد السلم يخيم على تلك الربوع، وانهار باختفاء السيد، أكبر عامل في بث الروع، والاضطراب إلى شرقي الأندلس، ووقفت مغامرات النصارى في تلك الأنحاء مدى حين (٢). * * *

стр. 949

والآن وقد انتهينا من تتبع حوادث مملكة بلنسية منذ قيامها في ظل الطوائف وفصلنا بهذه المناسبة أخبار السيد إلكمبيادور، مذ ظهر في كنف بني هود أصحاب سرقسطة، حتى غلب على شرقي الأندلس، ثم افتتح بلنسية، وحكمها حتى وفاته بضعة أعوام، نود أن نقول الآن كلمة عن شخصية السيد، وعن خلاله. لقد اختلفت الآراء في تصوير السيد وتقدير بطولته. فالآداب النصرانية، والآداب القشتالية، بوجه خاص، تحاول أن تجعل منه مثلا أعلى للبطولة القومية، وتحيط تاريخه بطائفة من الأساطير المغرقة، وتذهب في بعض الأحيان إلى اعتباره، فضلا عن كونه بطلا قومياً لإسبانيا النصرانية، قديساً يحيط الجلال بسيرته، وتروي لنا أن الناس كانوا على هذا الاعتبار، يحجون إلى مزاره، ويلتمسون البركة من رفاته. وكان قد دفن أولا في دير سان بيدرو دي كاردينا على مقربة من برغش، ثم نقلت رفاته بعد ذلك إلى بناء بلدية برغش. ومما يروى في ذلك أن تابوت السيد فتح في أيام الإمبراطور شارلكان، في سنة ١٥٤١، فانتشرت منه رائحة ذكية، ووجدت الجثة ملفوفة في رداء عربي، ومعها سيف ورمح، وكان الشرق عظيماً في تلك الآونة، فما فتح التابوت حتى هطل مطر غزير، روى جميع أرجاء قشتالة. وأشد ما تبدو هذه الأساطير في الشعر، وفي الملاحم والأغاني القشتالية، التي وضع معظمها بعد وفاة السيد بنحو قرن. ففيها يصور السيد، بأنه الفارس الكامل، الشهم، الذي لا يقهر في الحرب، وبأنه مثل الوطنية الحقة، وزهرة الخلال والفضائل النصرانية. ومن أشهر الملاحم التي وضعت عن السيد، وأقربها إلى عهده، قصيدة أو ملحمة، Mio Cid ( سيدي) الشهيرة، التي كتبت بأراضي مدينة سالم بعد وفاة السيد بنحو أربعين عاماً فقط، وهي فضلا عما تحتويه من مختلف صور العصر وحوادثه وعاداته، تقدم لنا صورة كاملة لخلال السيد، وتشيد بوطنيته وإخلاصه، بالرغم من جور مليكه، كما تصف رفقه ولينه، وهو الظافر، نحو المسلمين المغلوبين، وما ينطوي عليه قلبه، وهو الفارس الأمثل، من الحب العائلي، حتى انه كان خلال المعارك، يتصور أعين زوجته خمينا وبناته، متطلعات إليه، إلى غير ذلك من الصور والنعوت (١).

стр. 950

بيد أننا إذا جردنا السيد من إغراق الأسطورة، ومن أضواء الملاحم والأغاني، وإذا أردنا أن نحكم على شخصيته من حوادث حياته، فإن الرأي المنزه المجرد من المؤثرات القومية والدينية، يحملنا في الحال على الحكم عليه، وعلى خلاله بأقسى النعوت الأخلاقية والأدبية. لقد كان السيد جندياً عظيماً، وقائداً بارعاً، ما في ذلك من ريب، ولقد أشادت الرواية الإسلامية المعاصرة ذاتها بخلاله كفارس وقائد مظفر، فيقول لنا ابن بسام مثلا في وصفه ما يأتي: " وكان هذا البائقة وقته، في درب شهامته، واجتماع حزامته، وتناهي صرامته، آية من آيات ربه ... وكان - لعنه الله - منصور العلم، مظفراً على طرائق العجم، لقي زعماءهم، ففل حد جنودهم، وقتل بعدده اليسير، كثير عديدهم، وكانت تدرس بين يديه الكتب، وتقرأ عليه سير العرب، فإذا انتهى إلى أخبار المهلب استخفه الطرب، وطفق يعجب منها ويعجب ". ويزيد ابن بسام على ذلك أنه بلغه أن السيد كان يقول، وقد طما طمعه ولح به جشعه: " على لذريق فتحت الأندلس، ولذريق يستنقذها " (١). ولكن من الحق أيضاً أن نذكر أن السيد، كان إلى جانب هذه الجرأة، والبراعة العسكرية والمغامرات المظفرة، يتصف بكثير من الرذائل والصفات الذميمة التي تأباها خلال الفروسة، فهو حسبما رأينا من وقائع حياته التي استقيناها من أوثق المصادر، ولاسيما من أعظم مؤرخيه المعاصرين الأستاذ مننديث بيدال، يبدو مغامراً لا مبدأ له ولا ذمام، يسعى إلى الكسب أينما كان، وهو يبدأ حياته في خدمة الملوك المسلمين أعداء أمته ودينه ثم يخرج عليهم، ويتنكر لهم، وهو يقطع مختلف العهود، ثم ينقضها، متى رآها عقبة في سبيل أهوائه، وهو يبيع العدو والصديق لكسب المال، ويبدو في معظم حملاته العسكرية، قاطع طريق، ورئيس عصابة ناهبة، أكثر منه قائد جيش مجاهد منظم، وهو جشع لاقتناء المال، لا يخبو له في سبيل ذلك ظمأ، وهو يناوىء مليكه وأمته، ويخرج عليه غير مرة، ويعيث في أراضي بلاده، وينتهك حرماتها، تحقيقاً لمآربه الشخصية، وأغراضه المادية. وعلى العموم، فهو يبدو مغامراً، يجمع في شخصه كل رذائل عصره، وهو بذلك أبعد من أن يبدو بطلا قومياً مثالياً، وأشد بعداً من أن يبدو قديساً خارقاً.
следующие страницы →