← История

История · id 1009

دولة الإسلام في الأندلس

محمد عبد الله عنان

Полный текст (2 999 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وأمر السيد كذلك بإحراق جماعة من أعلام بلنسية، ومنهم أبو جعفر البتي الشاعر المشهور (١)، وبدا السيد عندئذ في ثوبه الحقيقي، ثوب الفاتح المتجبر والطاغية المنتقم، فمال على البلنسيين، وأذلهم، واشتط في إرهاقهم بصنوف المظالم والمغارم. وكان من الظواهر المؤلمة يومئذ، أن التف حول السيد رهط من الخونة المسلمين، ومعظمهم من الأشرار والسفلة، انضووا تحت لوائه، وأخذوا يعيثون في المدينة فساداً، ويعتدون على إخوانهم، يقتلون الرجال، ويسبون النساء والأطفال، وقد ارتد عن الإسلام جماعة منهم، وكان يطلق يومئذ على تلك العصابات المجرمة اسم " الدوائر " (٢)، وغادر بلنسية كثير من أهلها المسلمين، واحتل النصارى دورهم وأحياءهم، وغدا السيد، وهو يزاول سلطانه بالقصر، كأنه ملك متوج، وسيد مملكة عظيمة، وغدا باستيلائه على بلنسية سيد شرقي الأندلس كله. وفي محنة بلنسية يومئذ يقول الشاعر المعاصر أبو إسحاق بن خفاجه: عاثت بساحتك العدا يا دار ... ومحا محاسنك البلى والنار فإذا تردد في جنابك ناظر ... طال اعتبار فيك واستعبار أرض تقاذفت الخطوب بأهلها ... وتمحصت بخرابها الأقدار كتبت يد الحدثان في عرصاتها ... لا أنت أنت ولا الديار ديار وروعت الأندلس لسقوط بلنسية في أيدي النصارى، كما روعت من قبل بسقوط طليطلة، وتوالى على أمير المسلمين يوسف بن تاشفين صريخ الأندلس، ورسائل أعيانها، تصف ما أصاب بلنسية وشرقي الأندلس من الدمار، وتقطيع الأوصال، والذل على يد النصارى. قال ابن بسام: " وتجرد أمير المسلمين عندما بلغه هذا النبأ الفظيع، واتصل به هذا الرزء الشنيع، فكانت قذى أجفانه وجماع شأنه، وشغل يده ولسانه ". واعتزم أمير المسلمين أن يسترد المدينة الأندلسية العظيمة، فسار إلى سبتة وحشد الجند، وندب ابن أخيه محمداً بن تاشفين ليقود الحملة، وكتب إلى حاكم غرناطة المرابطي، وإلى أمراء شرقي

стр. 947

الأندلس، أصحاب شنتمرية الشرق، وألبونت، ولاردة، وطرطوشة، أن يجمعوا الجند للسير إلى استنقاذ بلنسية. وعبرت الجند المرابطية إلى الجزيرة في سبتمبر سنة ١٠٩٤ م، أعني لثلاثة أشهر فقط من سقوط بلنسية، واجتمعت الحشود الأندلسية، وسارت القوات المتحدة صوب بلنسية، فوصلت إلى " كوارت " ثم إلى " مسلاته "، الواقعتين غربي بلنسية جنوبي النهر، في شهر أكتوبر (رمضان ٤٨٨ هـ)، وصلوا صلاة الفطر في مسلاته، ثم بدأ الهجوم على بلنسية. وكانت الأنباء قد وصلت إلى بلنسية بمقدم الجيش المرابطي. فشاع الذعر بين النصارى، وأمر السيد بأن يجمع من أهل بلنسية، سائر السلاح والقطع الحديدية، وأخرج من المدينة سائر المسلمين الذين يشك في ولائهم. وتكررت هجمات المرابطين على المدينة بشدة، ولما رأى محمد بن تاشفين مناعة المدينة وصمودها الراسخ، ضرب حولها الحصار المطبق. ولم تمض أيام قلائل، حتى خرج السيد في قواته بالليل، وفاجأ المعسكر الإسلامي، وهاجمه بشدة، فأوقع فيه الاضطراب والذعر، واستولى على غنائم عظيمة من الخيل والسلاح والعتاد والمؤن، وقتل من المسلمين عدد جم، ثم عاد فامتنع داخل المدينة. واستمر الحصار طويلا. وبعث السيد إلى بيدرو الأول ملك أراجون يستصرخه للغوث، وعقدت بينهما محالفة ضد المسلمين، وكتب أيضاً إلى ألفونسو السادس. وتجددت المعارك بين المرابطين والقشتاليين في أحواز بلنسية، واستولى السيد خلالها على مربيطر، وعلى عدد آخر من الحصون. وفي يناير سنة ١٠٩٧ م وقعت بين قوات السيد وحليفه بيدرو ملك أراجون، وبين المسلمين، معركة شديدة عند جبل " مندير "، هزم فيها المسلمون، وعاد بيدرو إلى بلاده، وعاد السيد إلى بلنسية. وفي تلك الأثناء كان جيش مرابطي قد سار من الجنوب نحو أراضي طليطلة وعاث فيها، وهزم قوات ألفونسو السادس عند " كونسويجرا "، وفي تلك الموقعة قتل دون ديجو ابن السيد الوحيد. وفي نفس الوقت سار ابن عائشة حاكم مرسية في جيش ضخم إلى أحواز قونقة، وهزم القشتاليين بقيادة ألبارهانيس ثم اخترق أراضي مملكة بلنسية حتى " الجزيرة "، وهنالك التقى بفرقة من جنود السيد، فأبادها تقريباً ولم ينج منها إلا عدد يسير فروا عائدين إلى بلنسية.

стр. 948

وكان السيد قد اشتد عليه المرض يومئذ، وهدمه الإعياء، وأدمى قلبه مصرع ولده الوحيد، فتوفي غماً وألماً، وذلك في يوليه سنة ١٠٩٩. فتولت مكانه زوجه خمينا الدفاع عن المدينة، واستطاعت أن تصمد أمام هجمات المرابطين، زهاء عامين آخرين. وأخيراً بعثت إلى ألفونسو السادس تستصرخ به، وتعرض تسليم المدينة إليه، فهرع ألفونسو إلى بلنسية في بعض قواته، ودخل بلنسية في مارس سنة ١١٠٢ م. وكانت القوات المرابطية قد اجتمعت قبل ذلك ببضعة أشهر، تحت إمرة قائدها الأمير أبى محمد المزدلي، تستعد للوثبة الحاسمة، فلما قدم ألفونسو بقواته، اجتنبت لقاءه، وعسكرت في كولييرا الواقعة على البحر بين بلنسية وشاطبة. وقضى ألفونسو شهراً في بلنسية، ثم خرج إلى أحواز كولييرا، وانتسف زروعها، وهالته ضخامة الجيش المرابطي، فارتد إلى المدينة وهو عازم على إخلائها، ولم يشأ أن يغامر بجيشه مع العدو القوي في مواقع نائية. وغادر بلنسية سكانها النصارى، يحملون أمتعتهم وأموالهم، وخرجت خمينا زوجة السيد، ومعها ذخائر القادر بن ذى النون، والأموال العظيمة التي انتهبها السيد خلال غزواته ومغامراته، وقد استولى ألفونسو فيما بعد على معظمها، ثم خرج ألفونسو وجنده، وخرج معه فرسان السيد يحملون رفات زعيمهم لتدفن في أراضي قشتالة (٤ مايو سنة ١١٠٢ م). بيد أنه أمر قبل خروجه بإحراق المدينة، ولم يغادرها إلا بعد أن غدا معظمها أطلالا دارسة. وفي اليوم التالي، الخامس من شهر مايو سنة ١١٠٢ م، الموافق شعبان سنة ٤٩٥ هـ (١)، دخل المرابطون بلنسية وعاد الثغر العظيم بذلك إلى حظيرة الإسلام مرة أخرى، وعاد السلم يخيم على تلك الربوع، وانهار باختفاء السيد، أكبر عامل في بث الروع، والاضطراب إلى شرقي الأندلس، ووقفت مغامرات النصارى في تلك الأنحاء مدى حين (٢). * * *

стр. 949

والآن وقد انتهينا من تتبع حوادث مملكة بلنسية منذ قيامها في ظل الطوائف وفصلنا بهذه المناسبة أخبار السيد إلكمبيادور، مذ ظهر في كنف بني هود أصحاب سرقسطة، حتى غلب على شرقي الأندلس، ثم افتتح بلنسية، وحكمها حتى وفاته بضعة أعوام، نود أن نقول الآن كلمة عن شخصية السيد، وعن خلاله. لقد اختلفت الآراء في تصوير السيد وتقدير بطولته. فالآداب النصرانية، والآداب القشتالية، بوجه خاص، تحاول أن تجعل منه مثلا أعلى للبطولة القومية، وتحيط تاريخه بطائفة من الأساطير المغرقة، وتذهب في بعض الأحيان إلى اعتباره، فضلا عن كونه بطلا قومياً لإسبانيا النصرانية، قديساً يحيط الجلال بسيرته، وتروي لنا أن الناس كانوا على هذا الاعتبار، يحجون إلى مزاره، ويلتمسون البركة من رفاته. وكان قد دفن أولا في دير سان بيدرو دي كاردينا على مقربة من برغش، ثم نقلت رفاته بعد ذلك إلى بناء بلدية برغش. ومما يروى في ذلك أن تابوت السيد فتح في أيام الإمبراطور شارلكان، في سنة ١٥٤١، فانتشرت منه رائحة ذكية، ووجدت الجثة ملفوفة في رداء عربي، ومعها سيف ورمح، وكان الشرق عظيماً في تلك الآونة، فما فتح التابوت حتى هطل مطر غزير، روى جميع أرجاء قشتالة. وأشد ما تبدو هذه الأساطير في الشعر، وفي الملاحم والأغاني القشتالية، التي وضع معظمها بعد وفاة السيد بنحو قرن. ففيها يصور السيد، بأنه الفارس الكامل، الشهم، الذي لا يقهر في الحرب، وبأنه مثل الوطنية الحقة، وزهرة الخلال والفضائل النصرانية. ومن أشهر الملاحم التي وضعت عن السيد، وأقربها إلى عهده، قصيدة أو ملحمة، Mio Cid ( سيدي) الشهيرة، التي كتبت بأراضي مدينة سالم بعد وفاة السيد بنحو أربعين عاماً فقط، وهي فضلا عما تحتويه من مختلف صور العصر وحوادثه وعاداته، تقدم لنا صورة كاملة لخلال السيد، وتشيد بوطنيته وإخلاصه، بالرغم من جور مليكه، كما تصف رفقه ولينه، وهو الظافر، نحو المسلمين المغلوبين، وما ينطوي عليه قلبه، وهو الفارس الأمثل، من الحب العائلي، حتى انه كان خلال المعارك، يتصور أعين زوجته خمينا وبناته، متطلعات إليه، إلى غير ذلك من الصور والنعوت (١).

стр. 950

بيد أننا إذا جردنا السيد من إغراق الأسطورة، ومن أضواء الملاحم والأغاني، وإذا أردنا أن نحكم على شخصيته من حوادث حياته، فإن الرأي المنزه المجرد من المؤثرات القومية والدينية، يحملنا في الحال على الحكم عليه، وعلى خلاله بأقسى النعوت الأخلاقية والأدبية. لقد كان السيد جندياً عظيماً، وقائداً بارعاً، ما في ذلك من ريب، ولقد أشادت الرواية الإسلامية المعاصرة ذاتها بخلاله كفارس وقائد مظفر، فيقول لنا ابن بسام مثلا في وصفه ما يأتي: " وكان هذا البائقة وقته، في درب شهامته، واجتماع حزامته، وتناهي صرامته، آية من آيات ربه ... وكان - لعنه الله - منصور العلم، مظفراً على طرائق العجم، لقي زعماءهم، ففل حد جنودهم، وقتل بعدده اليسير، كثير عديدهم، وكانت تدرس بين يديه الكتب، وتقرأ عليه سير العرب، فإذا انتهى إلى أخبار المهلب استخفه الطرب، وطفق يعجب منها ويعجب ". ويزيد ابن بسام على ذلك أنه بلغه أن السيد كان يقول، وقد طما طمعه ولح به جشعه: " على لذريق فتحت الأندلس، ولذريق يستنقذها " (١). ولكن من الحق أيضاً أن نذكر أن السيد، كان إلى جانب هذه الجرأة، والبراعة العسكرية والمغامرات المظفرة، يتصف بكثير من الرذائل والصفات الذميمة التي تأباها خلال الفروسة، فهو حسبما رأينا من وقائع حياته التي استقيناها من أوثق المصادر، ولاسيما من أعظم مؤرخيه المعاصرين الأستاذ مننديث بيدال، يبدو مغامراً لا مبدأ له ولا ذمام، يسعى إلى الكسب أينما كان، وهو يبدأ حياته في خدمة الملوك المسلمين أعداء أمته ودينه ثم يخرج عليهم، ويتنكر لهم، وهو يقطع مختلف العهود، ثم ينقضها، متى رآها عقبة في سبيل أهوائه، وهو يبيع العدو والصديق لكسب المال، ويبدو في معظم حملاته العسكرية، قاطع طريق، ورئيس عصابة ناهبة، أكثر منه قائد جيش مجاهد منظم، وهو جشع لاقتناء المال، لا يخبو له في سبيل ذلك ظمأ، وهو يناوىء مليكه وأمته، ويخرج عليه غير مرة، ويعيث في أراضي بلاده، وينتهك حرماتها، تحقيقاً لمآربه الشخصية، وأغراضه المادية. وعلى العموم، فهو يبدو مغامراً، يجمع في شخصه كل رذائل عصره، وهو بذلك أبعد من أن يبدو بطلا قومياً مثالياً، وأشد بعداً من أن يبدو قديساً خارقاً.

стр. 951

والتفكير الغربي نفسه يختلف في تقدير السيد ومنزلته من البطولة، فالعلامة المستشرق دوزي مثلا يخصص لحوادث حياته كتاباً (١)، وينتهي فيه إلى أن السيد ليس إلا جندياً مغامراً يبحث وراء طالعه، ويجمع في شخصه من رذائل عصره أكثر مما يجمع من فضائله. ويجاريه في هذا الرأي العلامة الفرنسي رينان، ويقول " إنه لم يفقد بطل بخروجه من حيز الأسطورة إلى حيز التاريخ قدر ما فقد إلسيد ". ولكن العلامة مننديث بيدال، مؤرخ السيد، يخالف كل هذه الآراء، ويبالغ في تقدير السيد، ويخصص لتقدير بطولته شذوراً طويلة، ويقول " إن الشعر والتاريخ يتفقان في شأنه، وأنه بالعكس لا يوجد بطل ملاحم أكثر لمعاناً في ظل التاريخ " (٢). ويخصص ابن بسام، وهو معاصر لمعظم الأحداث التي خاضها السيد، لشخصية السيد وأعماله، شذوراً كثيرة. بيد أنه قد كتبت عن السيد، وعن مأساة بلنسية بالأخص وثيقة عربية مؤثرة، كتبها مؤرخ بلنسي، وشاهد عيان للحوادث، هو أبو عبد الله محمد بن خلف الصدفي المعروف بابن علقمة، وقد ولد ابن علقمة ببلنسية في سنة ٤٢٨ هـ (١٠٣٧ م)، وتوفي بها سنة ٥٠٩ هـ (١١١٥ م) وكان أديباً شاعراً. وقد هزته الحوادث والخطوب المفجعة التي مرت بوطنه بلنسية، والتي شهدها عن كثب، فألف تاريخاً لحوادث عصره، ولاسيما تغلب السيد على بلنسية، وما اقترن به من المآسي، أو كما يقول ابن الأبار، إنه " ألف تاريخاً في تغلب الروم على بلنسية، سماه "البيان الواضح في الملم الفادح"، وذلك قبل سنة ٥٠٠ هـ " (٣). وقد نوه بتاريخ بلنسية هذا، الذي ضاع ولم يصلنا، فضلا عن ابن الأبار، وهو بلنسي أيضاً، كثير من المؤرخين اللاحقين، ومنهم صاحب رواية الطوائف الواردة بذيل البيان المغرب، حيث يقول: " وقد

стр. 952

ألف ابن علقمة كتاباً في أمرها وحصارها (أي بلنسية) يبكي القارىء ويذهل العاقل "، ثم ينقل عنه قصة القاضي ابن جحاف (١). وكذلك ابن الخطيب فإنه يذكره في مقدمة " الإحاطة "، ضمن تواريخ المدن الخاصة (٢). هذا وقد أثبت البحث الحديث أن التواريخ القشتالية المعاصرة واللاحقة، قد نقلت كثيراً مما ورد في تاريخ ابن علقمة، ولاسيما تاريخ ألفونسو العالم Cronica General عن السيد وعن حوادث بلنسية (٣).

стр. 953

الفصل الثالِث إمارة شنتمرية الشرق بنو رزين. نزولهم بأرض السهلة. كبيرهم هذيل بن عبد الملك. قيامه بشنتمرية وتلقبه بالحاجب عز الدولة. الخصومة بين هذيل ومنذر التجيبي. هذيل واتباعه لسياسة الحياد. صفاته وبذخه. جواريه وجلساته الفنية. وفاته وقيام ولده أبي عبد الملك مروان مكانه. تلقبه بالحاجب جبر الدولة. حكمه الطويل وصموده للحوادث. صفاته بين الذم والمديح. تأديته الجزية لألفونسو السادس. نكوله عقب موقعة الزلاقة. السيد يغير على أراضيه ويعيث فيها. اتفاقه مع السيد وعوده إلى دفع الجزية. ابن لبون صاحب مربيطر يلتجىء إلى حماية عبد الملك ويسلمه حصنه. شروط هذا التسليم ونكث عبد الملك بعهوده. مشاريع عبد الملك نحو بلنسية. إغارة السيد على أراضيه. خضوعه وعوده إلى دفع الجزية. صهره يحاول اغتياله. نجاته ثم وفاته. عبد الملك والشعر. يحيى بن عبد الملك الملقب بحسام الدولة. مصانعته لملك قشتالة وهديته إليه. استيلاء المرابطين على بلنسية. زحفهم نحو الثغر الأعلى. استيلاؤهم على شنتمرية الشرق وخلعهم لأميرها يحيى. انتهاء دولة بني رزين. كانت هذه الإمارة الصغيرة - إمارة شنتمرية أوشنتمرية ابن رزين (١) - تقع في بسيط سهل خصيب من الأرض، يقع في جنوبي الثغر الأعلى، وفي شمال شرقي الثغر الأوسط، عند منابع نهر خالون فرع إبرة، وتحدها من الشرق سلسلة من الجبال تسمى بنفس الاسم، أى جبال بني رزين، وقد عرف بنو رَزين هؤلاء أصحاب شنتمرية الشرق، باسم جدهم الأعلى رزين البرنسي، أحد أكابر رجال البربر الداخلين إلى الأندلس في جيش طارق بن زياد، وهو ينتمي إلى هوارة إحدى بطون قبيلة البرانس البربرية الكبرى، وكان منزل بني رزين بقرطبة، ولجدهم رزين بها آثار كثيرة (٢)، ثم نزحوا إلى الثغر، ونزلو بأراضي السهلة، وهي التي تتوسطها شنتمرية، واستقروا هنالك سادة وحكاماً. ولما انتثر عقد الأندلس الكبرى إبان اضطرام الفتنة، تطلع كبيرهم يومئذ أبو محمد هذيل بن عبد الملك بن خلف بن لب بن رَزين المعروف بابن الأصلع

стр. 954

إلى الاستقلال بما في يده من الأراضي، أسوة بما فعله جاره اسماعيل بن ذى النون، فأعلن استقلاله عن حكومة قرطبة، واستبد بحكم شنتمرية وأعمالها، وذلك في سنة ٤٠٣ هـ (١٠١٢ م)، وتلقب بالحاجب عز الدولة. واعترف في نفس الوقت بطاعة الخليفة سليمان المستعين الاسمية، وقنع منه سليمان بذلك، وأقره على ما بيده من الأعمال، وحاول الحاجب منذر بن يحيى التجيبي صاحب الثغر الأعلى، أن يخضعه لصولته، أسوة بما تم له نحو بعض أصاغر أمراء الثغر، فأبى هذيل ووقف في سبيل أطماعه. واضطرمت بينهما الخصومة، وامتنع هذيل بعاصمته المنيعة، وتحالف مع الموالي العامريين أعداء منذر، واعترف معهم بدعوة هشام المخلوع، وقطع دعوة سليمان واستطاع بيقظته، وموقع بلده البعيد عن متناول العدوان، أن يجتنب عوامل الشر، وأن يسير في حكم إمارته آمناً مطمئناً. وكان له في خصب أراضيه، وانتظام عمارتها، موارد طيبة للجباية، فكثرت أمواله، وغدا ينافس في ذلك جاره إسماعيل بن ذى النون، وكان مثله في طغيانه وصرامته، وشدة بخله، وكان يتبع سياسة الحيدة المطلقة، ولا يتدخل في أي نزاع أو حلف، مما ينساق إليه زملاؤه أمراء الطوائف، وقد استطاع بهذه الوسيلة أن يحافظ على سلام مملكته، واستطاع بالأخص أن ينجو من ضغط قشتالة ومطالبها في اقتضاء الجزية. وكما أن الرواية تشيد بطغيان هذيل، وجبروته، وجهله وفظاظته، حتى زعموا أنه قتل والدته بيده، فهي كذلك تقدمه إلينا في صورة أخرى أكثر بهجة وإشراقاً، فتقول لنا إنه كان فتى بارع الجمال، حسن الخلق، جميل العشرة، ظاهر المروءة، لم ير في الأمراء أبهى منه منظراً، ثم تشيد بطلاقة لسانه، وحسن ْتوصله بالكلام إلى حاجته دون معرفة. وقد اشتهر هذيل بالأخص بحياته المترفة الناعمة، ورفيع ذوقه في الفنون، وشغفه باقتناء أجمل وأروع الجواري والقينات في عصره، حتى لقد ذكروا أنه اشترى جارية الطيب أبى عبد الله الكناني بعد أن أحجمت عنها الملوك لغلاء ثمنها، ودفع فيها ثلاثة آلاف دينار، وكانت وحيدة عصرها. وقد وصف لنا ابن حيان في تاريخه تلك القينة الشهيرة فقال: " لم ير في زمانها، أخف منها روحاً، ولا أسرع حركة، ولا ألين عطافاً،

стр. 955

ولا أطيب صوتاً، ولا أحسن غناء، ولا أجود كتابة، ولا أبدع أدباً، ولا أحضر شاهداً، مع السلامة من اللحن في كتبها وغنائها، لمعرفتها بالنحو واللغة والعروض، إلى المعرفة بالطب وعلم الطبائع والتشريح وغير ذلك، مما يقصر عنه علماء الزمان، وكانت محسنة في صناعة الثقاف، والمجادلة بالتراس، واللعب بالرماح والسيوف أو الخناجر المرهفة، لم يسمع لها في ذلك بنظير " (١)، وكان هذيل يقتني أروع مجموعة في عصره من الجواري والقينات البارعات في الحسن، وفي الغناء والموسيقى، وكانت " ستارته " أعني جلساته الفنية أشهر ستائر ملوك الأندلس. وقيل عنه اجتمعت لديه منهن مائة وخمسون، وكان لديه من الوصفاء الصقالبة ستون وصيفاً، لم تجتمع عند أحد من نظائره. وكان إلى جانب ذلك، وافر الجود والكرم، فسيح الجناب للقصاد، وعلى الجملة فقد كان هذيل من أحب أمراء عصره إلى شعبه، وقد استمر في حكم إمارته الصغيرة ثلاثة وثلاثين عاماً، مرت كلها في أمن وسلام ورخاء، وتوفي بالسهلة في سنة ٤٣٦ هـ (١٠٤٥ م) (٢). فخلفه في الإمارة ولده أبو مروان عبد الملك بن هذيل بن رَزين، وكان في حياة أبيه يسمى حسام الدولة، وتلقب عند ولايته بذي الرياستين الحاجب جبر الدولة. وقد حكم أبو مروان مملكة شنتمرية الشرق زهاء ستين عاماً، وشهد طائفة كبيرة من الأحداث تجتاح هذه المنطقة، ولاسيما في الثغر الأعلى وفي مملكة بلنسية، وشاء حسن الطالع أن يصمد للأحداث، وأن يبقى في رياسته، بل أن يوسع نطاقها. وقد اختلف الرأي في تصوير أبي مروان وخلاله، فنرى معاصره ابن حيان، يحمل عليه بشدة، وفي عبارات لاذعة، ويقول لنا إنه " كان سيئة الدهر، وعار العصر، جاهلا لامتجاهلا، وخاملا لامتخاملا، قليل النباهة، شديد الإعجاب بنفسه، بعيد الذهبة بأمره، زارياً على أهل عصره، إن ذكرت الخيل فزيدها، أو الدهاة فسعدها وسعيدها، أو الشعراء

стр. 956

فجريرها وأسيدها، أو الأمراء فزيادها ويزيدها، أو الكتاب فيه فبديع همذان، أو الخطابة فقس سحبان، أو النقد فقدامة العلم، أو العلم فليس منه ولا كرامة، خلي من المعارف، وشعره أهتف من كل هاتف " (١). هذا بينما يقدم لنا عنه ابن الأبار صورة أفضل، مما سمعه من الرواة، فيقول لنا " إن أبا مروان هذا كانت له نجدة وصرامة وإقدام، قرب جنده من نفسه، وتحبب إليهم، واختلط بهم، حتى كان لا يمتاز عنهم في مركب ولا ملبس، ووقائعه في الثغر مشهورة " (٢). ويغرق الفتح بن خاقان كعادته في مديحه ومديح دولته، ويقول لنا إنه كان منتهى فخار قومه، وقطب مدارهم، وإنه رجل " اتخذته البسالة قلباً، وضمت عليه شفافاً وخلباً، لا يعرف جبناً ولا خوراً، ولا يتلو غير سور الندى سوراً. وكانت دولته موقف البيان، ومقذف الأعيان، ترتضع فيه المكارم أخلاف، وتدار بها للأماني سلاف ". إلى غير ذلك من العبارات الرنانة (٣). ويشاطره ابن بسام بعض هذا المديح فيقول لنا إن أبا مروان " كان له طبع يدعوه فيجيب، ويرمي بغرة الصواب عن قوسه فيصيب، على ازدراء كان منه بالأمة، وقلة استجداء لمن عنى بالأخذ عنه من الأئمة ". ويزيد ابن بسام على ذلك أنه كان شاعراً مجيداً " (٤). ولم نعثر في مختلف المصادر، على كثير من التفاصيل، المتعلقة بأخبار عبد الملك بن هذيل وأعماله، خلال حكمه الطويل، وكل ما وقفنا عليه من ذلك يتلخص في أنه استمر في حكم مملكته، بعيداً عن الأحداث والعواصف التي هزت ممالك الطوائف الأخرى. بيد أنه اضطر عقب سقوط طليطلة في يد ألفونسو السادس في سنة ٤٧٨ هـ، أن يؤدي له الجزية أسوة بسائر ممالك الطوائف فلما وقعت الهزيمة الساحقة على ألفونسو في الزلاّقة، في العام التالي، وهيض جناحه نوعاً، نكل عبد الملك عن دفع الجزية. وفي تلك الأثناء كانت أعمال السيد إلكمبيادور ومغامراته في منطقة بلنسية، تزعج سائر الإمارات الإسلامية

стр. 957

المجاورة. ونحن نعرف أن السيد سار إلى قشتالة ليسوي شئونه مع الملك ألفونسو السادس، وليحصل منه على حق فتح بلنسية، وأنه خرج من قشتالة في ربيع سنة ١٠٨٩ م (٤٨٢ هـ)، عائداً إلى شرقي الأندلس، ومعه سبعة آلاف مقاتل واخترق في طريقه أراضي السهلة (شنتمرية)، وعسكر في " كالاموشا " في شمالها الشرقي، ولبث حيناً في تلك الوديان النضرة، يجمع محاصيلها، وأقواتها. ولما شعر أبو مروان بما يهدد مملكته من الخراب والإمحال، قصد بنفسه إلى معسكر السيد، واتفق معه على أن يتركه في سلام، على أن يؤدي الجزية للملك ألفونسو كما كان الشأن قبل موقعة الزلاّقة، وأن يدفع في الحال إلى السيد بصفته نائباً عن الملك مبلغ عشرة آلاف دينار. وعندئذ رفع السيد معسكره، وغادر أراضي السهلة إلى بلنسية (١). ولما اشتدت وطأة السيد على بلنسية والأنحاء المجاورة لها، شعر القائد أبو عيسى بن لبّون صاحب مربيطر (ساجنتو)، أنه لا يستطيع الصمود لهذا الإرهاق، وأنف من مفاوضة السيد، وآثر أن ينتمي إلى حماية أبي مروان عبد الملك، وأن يسلمه حصنه، فقبل عبد الملك هذا العرض، وتعهد لابن لبون، بحمايته ورعايته وأن يجري عليه رزقاً كافياً، وتسلم منه حصن مربيطر في نوفمبر سنة ١٠٩٢ م (أواخر ٤٨٦ هـ)، ثم سار إلى السيد، وفاوضه في عقد المودة والإبقاء على الحصن، على أن تكون سائر الحصون الواقعة في أراضيه مفتوحة للبيع والشراء، وأن تقدم إلى جنود السيد ما يحتاجونه من المؤن، وسار ابن لبون بعد ذلك في أهله وأمواله صحبة عبد الملك إلى عاصمته ونزل في كنفه. بيد أنه لم يمض سوى قليل حتى تنكر له عبد الملك، وأخذ في مضايقته والتقتير عليه، وقاسى ابن لبون من ذلك حتى كره البقاء، ومما نظمه يومئذ في محنته: نفضت كفي عن الدنيا وقلت لها ... إليك عني فما في الحق أغتبن من كسر بيتي لي روض ومن كتبي ... جليس صدق على الأسرار موتمن أدري به ما جرى في الدهر من خبر ... فعنده الحق مسطور ومختزن وما مصابي سوى موتي ويدفنني ... قوم وما لهم علم بمن دفنوا ولما استولى عبد الملك على مربيطر، ورأى اضطراب الأحوال في بلنسية،

стр. 958

ثابت له فكرة في محاولة الاستيلاء عليها، فنكل عن أداء الجزية المتفق عليها إلى السيد، وفاوض بيدرو (بطره) ملك أراجون في معاونته على تحقيق مشروعه، وعرض عليه مبلغاً كبيراً من المال، فلما وقف السيد على هذه التطورات انقض بقواته على أرض السهلة، وعاث فيها، وانتسف الزروع واستاق الماشية، وسبى جموعاً كبيرة، وبعث الجميع إلى " جُبالة " على مقربة من بلنسية حيث كان معسكره الرئيسي، وعندئذ اضطر عبد الملك مرة أخرى إلى الخضوع اجتناباً لهذا السيل المدمر، وصوناً لأراضيه ورعيته (١٠٩٣ م - ٤٨٦ هـ) (١). وفي أواخر حكمه، وقد شاخ يومئذ، وقع عليه حادث اغتيال كاد يودي بحياته. وذلك أن صهره، زوج أخته، عبيد الله حاكم إذكون الواقعة شمال شرقي العاصمة، كان يضمر له الشر، ويود إزالته ليحكم مكانه، فدعاه ذات يوم إلى حفل عقده بحصنه، فحضر ومعه جماعة منهم ابن لبون، فلما تمكن الشراب من عبد الملك، وثب به عبيد الله وصحبه فطعنوه بسيوفهم، واتفق أن كانت أخته حاضرة، وهي زوج عبيد الله القاتل، فصعدت إلى شرفة عالية، وصاحت واقتيلاه، فهرع الناس إلى مكان الجريمة، وألفوا عبد الملك وقد أثخن جراحاً، وبه رمق، فأرادوا الفتك بقاتله، فأمرهم بالقبض فقط على عبيد الله وابنه، ثم برىء عبد الملك من جراحه، وخرج دميماً مشوهاً، فأمر بصهره فقطعت يداه ورجلاه، وسملت عيناه، ثم صلب، وقطعت رجل ابنه. وتوفي عبد الملك بعد ذلك بقليل في سنة ٤٩٦ هـ (١١٠٣ م) بعد أن حكم نحو ستين عاماً (٢). وكان عبد الملك بن رَزين ينظم الشعر، وكان حسبما يصفه ابن بسام شاعراً مجيداً، وهو وصف يأباه عليه ابن حيان، إذ يصف شعره بأنه " أهتف من كل هاتف ". ويقول لنا ابن الأبار " إن ضعيف منظومه أكثر من قويه ". وكان على الرغم من أدبه وشعره، متعسفاً مع الشعراء مقصراً في إجازتهم. ومن نظمه في الفخر وهو ما يصفه ابن حيان بالسخف: أنا ملك تجمع فيّ خمس ... هي للأنام محييٍ مميت هي ذهن وحكمة ومضاء ... وكلام في وقته وسكوت

стр. 959

وقوله: يا رب ليل أطال الهجر مدته ... فأيأس القلب عن إدراك منتصفه ليل تطاول حتى قد تبين لي ... عند التأمل أن الدهر من سدفه وقوله في الغزل: أترى الزمان يسرنا بتلاقي ... ويضم مشتاقاً إلى مشتاق وتعض تفاح الخدود شفاهنا ... ونرى منى الإحداق بالأحداق وتعود أنفسنا إلى أجسامها ... فلطالما شردت على الآفاق (١) وخلف عبد الملك بن رزين ولده يحيى الملقب بحسام الدولة، وكان أميراً عاجزاً ضعيف العقل، مدمناً للشراب، وكان يسعى إلى مصانعة ملك قشتالة ألفونسو السادس، والتماس مودته، واجتناب سطوته، فبعث إليه بهدية حافلة من الحلي والخيل والبغال، ومختلف التحف النادرة، فكافأه عنها ألفونسو بأن بعث إليه قرداً هدية منه إليه. فكان يحيى لسخفه وسقم عقله، يفخر باقتناء هذا القرد، ويفخر بأن هاداه ملك قشتالة (٢). والواقع أن مُلك بني رزين كان يدنو عندئذ من نهايته بسرعة. ذلك أن المرابطين كانوا قد اجتاحوا يومئذ شرقي الأندلس كله، وتوجوا سلطانهم في تلك المنطقة بالاستيلاء على بلنسية في شعبان سنة ٤٩٥ هـ (١١٠٢ م)، وأخذوا يضعون خططهم للاستيلاء على قواعد الثغر الأعلى. وكان عبد الملك بن رزين. قد أعلن قبيل وفاته طاعته لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين (٣)، ولكن هذا الاعتراف لم يكن كافياً لتحقيق خطة المرابطين في القضاء على سائر دول الطوائف. ومن ثم فقد تابع المرابطون زحفهم نحو الشمال، وفي اليوم الثامن من رجب سنة ٤٩٧ هـ (إبريل ١١٠٤ م) دخل المرابطون مدينة شنتمرية، وخلعوا أميرها يحيى بن عبد الملك بن رزين، وانتهت بذلك دولة بني رزين الصغيرة بعد أن عاشت زهاء تسعين عاماً، ولم يبق من بعدها من دول الطوائف العديدة سوى مملكة سرقسطة، وقد كانت هي الأخرى تدنو سراعاً من الخاتمة المحتومة.

стр. 960

الفصل الرابع إمارة ألبونت ألبونت وموقعها. قيام عبد الله بن قاسم بها. انضواؤه تحت لواء الخلافة الأموية. إيواؤه للمرتضي وأخيه المعتد بالله قبل توليهما للخلافة. وفاة عبد الله وقيام ولده محمد مكانه. تلقبه بيمن الدولة. ولده أحمد بن محمد الملقب بعز الدولة. وفاته وولاية ولده الطفل. خلع الأمير الطفل وولاية عمه عبد الله بن محمد. حكمه الطويل. زحف السيد على ألبونت. خضوع عبد الله واعترافه بطاعة ملك قشتالة وأداؤه الجزية. استيلاء المرابطين على ألبونت. عبد الله بن محمد ومواهبه الأدبية والشعرية. على مقربة من شنتمرية الشرق، وإلى الجنوب الشرقي منها، كانت تقع إمارة صغيرة أخرى من إمارات الطوائف، هي إمارة ألبونت أو ألبنت. وتقع مدينة ألبونت (١) هذه، في وسط الطريق بين قسطلونة وقونقة، على مقربة من نهر طورية في حمى الجبال. وقد قام بها منذ بداية الفتنة عبد الله بن قاسم الفهري، وهو من زعماء البيوت العربية في تلك المنطقة، فحكمها واستقل بها وبما حولها من الأراضي. وقد كان بنو قاسم هؤلاء من نسل عبد الملك بن قطن الفهري، الذي ولى إمارة الأندلس عقب موقعة بلاط الشهداء، ومقتل أمير الأندلس عبد الرحمن الغافقي، وذلك في أواخر سنة ١١٤ هـ (٧٣٢ م) (٢). ولم يشترك عبد الله في شىء من الحوادث، التي كانت تجري يومئذ، في شرقي الأندلس أو جنوبه، نظراً لبعد إمارته عن مصرح الحوادث. بيد أنه كان من أنصار الخلافة الأموية، يعترف بطاعتها ويدعو لها، مع طائفة الفتيان العامريين. وكانت بلدة ألبونت منزل عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الناصر، وأخيه هشام، يعيشان في كنفه، وتحت رعايته، ومن ألبونت خرج عبد الرحمن حينما رشحه خيران وزملاؤه الفتيان العامريون للخلافة، باسم المرتضي. ولما قتل المرتضي في المعركة التي نشبت بين أنصاره، وبين البربر أمام غرناطة، في سنة ٤٠٩ هـ، لجأ أخوه هشام إلى حماية عبد الله بن قاسم، ولبث في ألبونت

стр. 961

حتى اختاره أهل قرطبة للخلافة، وذلك في ربيع الآخر سنة ٤١٨ هـ، وعندئذ تلقب بالمعتد بالله، ولبث مقيماً في ألبونت مدة عامين وسبعة أشهر، وهو يخطب له في قرطبة. ثم سار بعدئذ إلى قرطبة، ودخلها في ذي الحجة سنة ٤٢٠ هـ، حيث جددت له البيعة، واستمر في كرسي الخلافة عامين آخرين (١). واستمر عبد الله بن قاسم في حكم إمارته الصغيرة، حتى توفي سنة ٤٢١ هـ (١٠٣٠ م)، فخلفه ولده محمد بن عبد الله الملقب بيمن الدولة، وحكم ألبونت زهاء اثنتى عشرة عاماً. ولم تدون لنا الرواية أية حوادث وقعت في عهده. ولما توفي في سنة ٤٣٤ هـ (١٠٤٢ م)، خلفه في الحكم ولده أحمد بن محمد بن عبد الله الملقب بعز الدولة، وحكم حتى وفاته في سنة ٤٤٠ هـ (١٠٤٨ م)، فأقام بعض أصحابه للحكم مكانه ولده الطفل محمداً، وكان في نحو السابعة من عمره، وقام بالوصاية عليه جده لأمه المدعو قاسم، وهو الذي دبر ولاية الأمير الطفل. ولكن هذا العمل لم يرق في نظر عبد الله بن محمد عم الأمير الطفل، وأخى والده أحمد، وكان يرى نفسه أحق بالولاية، وتؤازره في ذلك جماعة قوية من الأنصار، فدبروا أمرهم ووثبوا بالوصي قاسم واعتقلوه، وصرف الأمير الصبي إلى حجر أمه، ولما يمض على حكمه بضعة أشهر، وتسلم عبد الله مقاليد الحكم وتلقب بجناح الدولة، أو نظام الدولة وفقاً لرواية أخرى، وتزوج من والدة الصبي أرملة أخيه اتقاء لأطماعها ودسائسها، وسار في حكم الإمارة دون منازع. واستمر عبد الله بن محمد في حكم إمارة البونت أكثر من أربعين عاماً، ولم تقع في عهده الطويل حوادث ذات شأن، إلا حينما غدت هذه المنطقة كلها فريسة لعدوان السيد إلكمبيادور ومغامراته، حسبما فصلنا ذلك من قبل في تاريخ مملكة بلنسية. ففي سنة ٤٨٢ هـ (١٠٨٩ م) زحف السيد بقواته على إمارة ألبونت وعاث فيها وخرب أراضيها، واضطر صاحبها عبد الله بن محمد إلى الاعتراف بطاعة ملك قشتالة، وإلى أن يؤدي جزية قدرها عشرة آلاف دينار، وذلك أسوة بما فرض على جاره أبي مروان بن زرين صاحب شنتمرية الشرق. ولما استولى المرابطون على بلنسية في سنة ٤٩٥ هـ (١١٠٢ م)، استولوا

стр. 962

بسرعة على معظم القواعد والحصون الواقعة في تلك المنطقة، ومنها ألبونت. وفي رواية أخرى أن آل قاسم أصحاب ألبونت استمروا في حكمها حتى سنة ٥٠٠ هـ (١١٠٦ م) (١). ولكن الرواية الأولى أرجح فيما يبدو، لأن المرابطين استولوا على شنتمرية الشرق في سنة ٤٩٧ هـ، وأغلب الظن أنهم استولوا قبل ذلك على ألبونت الواقعة في جنوبها، وذلك في سنة ٤٩٦ هـ (١١٠٣ م) (٢). وكان الأمير عبد الله بن محمد قاسم أديباً شاعراً جيد النثر والنظم، وقد أورد له الحجاري صاحب " المسهب " هذه الأبيات: خلعت عن الملك لكنني ... عن الصبر والمجد لا أخلع رماني الزمان بأرزائه ... وغيري من خطبه يجزع فليس فؤادي بالملتظى ... ولا مقلتي حسرة تدمع ولي أمل ليته لم يكن ... فكم ذا يغر وكم يخدع ومن قوله من قصيدة: أما لكل نبيه في العلا حيل ... تفضي الحقوق بها والمرء منقبض كن كيف شئت فمن دأبي محافظة ... على الذمام وعهد ليس ينتقض وهمة لم تضق ذرعاً بحادثة ... إن الكريم على العلات ينتهض والحر حر وصنع الله منتظر ... والذكر يبقى وعمر المرء ينقرض (٣)

стр. 963

الكتاب الخامِس دول الطوائف في الثغر الأعلى

стр. 964

الفصْل الأوّل مملكة سرقسطة حتى نهاية عصر المقتدر بن هود ١ - عهد بني تجيب مملكة سرقسطة أو الثغر الأعلى. بنو تجيب وتغلبهم عليه. مؤامرة عبد الرحمن التجيبي ضد المنصور وفشلها. ولده يحيى. المنذر بن يحيى وإمارته للثغر. تأييده للخلافة الأموية. محاربته مع الفتيان العامريين. تدخله في حوادث بلنسية. مسالمته للملوك النصارى. بذخه وأبهته، مديح ابن دراج له. ولده يحيى. منذر بن يحيى الحاجب. مصرعه على يد سليمان بن حكيم. الفتنة في سرقسطة. سليمان بن هود. استيلاؤه على سرقسطة وبداية عهد بني هود. تلقبه بالمستعين. حروبه مع المأمون بن ذى النون. استغاثته بملك قشتالة. استعانة المأمون بملك نافار. تفاقم العدوان بين الفريقين. وفاة المستعين. تقسيمه لمملكته بين أولاده. الحرب الأهلية بينهم. أحمد بن هود المقتدر. الصراع بينه وبين أخيه المظفر. كمينه لقوات أخيه وفتكه بها. إستيلاء المقتدر على طرطوشة. طرطوشة تحت حكم الفتيان العامريين. غزوة النورمانيين لبربشتر. أصل هذه الحملة وظروفها. صفتها الصليبية. حصار النورمانيين لبربشتر واقتحامهم لها. فظائع النورمانيين وفتكهم بأهلها. رواية ابن حيان. فداحة الغنائم والسبايا. تأملات ابن حيان عن الحادث. نظراته وتكهناته البعيدة. صدى النكبة في الأندلس. نهوض المقتدر لاسترداد بربشتر وتقاطر المجاهدين إليها. استيلاء المقتدر على المدينة. الفتك بالنصارى وإبادتهم. إعتداء فرناندو ملك قشتالة على أعمال سرقسطة. خضوع المقتدر لأداء الجزية. المقتدر وعلاقته بالملوك النصارى. استعانته بهم. مشاريعه العسكرية. المقتدر وأخوه يوسف المظفر. السيد إلكمبيادور في خدمة المقتدر. استيلاء المقتدر على مملكة دانية. وفاة المقتدر. تقسيمه للمملكة بين ولديه. صفات المقتدر بن هود وخلاله. شغفه بالعلوم الرياضية. فخامة بلاطه. إنشاؤه لقصر الجعفرية ومجلس الذهب. كانت مملكة سرقسطة أو الثغر الأعلى أعظم ممالك الطوائف وأهمها، ليس فقط بضخامة رقعتها، ولكن كذلك بموقعها الدقيق الخطر، بين الدول الإسبانية النصرانية، بين قطلونية من الشرق، ونافارا أو نبرّه من الشمال الغربي، وقشتالة من الجنوب والغرب، وكانت في الوقت نفسه أقدم الدول الأندلسية المستقلة، وأرسخها جذوراً في الاستقلال. ذلك أنها كانت بموقعها المنعزل النائي في شمال شرقي الجزيرة، وابتعادها بذلك عن مجموعة الدول الأندلسية

стр. 965

الأخرى، تضطر دائماً إلى مضاعفة الجهود للذود عن حياتها، والدفاع عن استقلالها ضد مختلف الأطماع المضطرمة من حولها. وكانت مملكة سرقسطة، قبل اضطرام الفتنة وانهيار الخلافة، وقبل أن تنتظم في سلك ممالك الطوائف، تعرف بولاية الثغر الأعلى، وهو يشمل في الجغرافية الأندلسية، مدينة سرقسطة وأعمالها، تطيلة، ووشقة، وبربشتر، ولاردة، وأفراغة، وطرّكونة، وطرطوشة، ويشغل المنطقة الواسعة الخصبة التي يخترقها نهر إيبرو (إبرُه) من مصبه عند مدينة طرطوشة، حتى مدخله عند مدينة قلهرّة في ولاية نافار، ويخترقها فرعه الشمالي الكبير نهر سجري والأفرع الصغيرة الممتدة منه نحو بربشتر ووشقة، وفرعه الجنوبي خالون حتى قلعة أيوب ودَروقة: ففي هذه المنطقة الشاسعة التي تكثر فيها الوديان اليانعة والمواقع الاستراتيجية، كانت تقوم مملكة سرقسطة مكان ولاية الثغر الأعلى القديمة، مشتملة على سائر نواحيها. وقد لبثت ولاية الثغر الأعلى خلال القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) مسرحاً لمغامرات بني قسيّ زعماء الثغر المولدين، حسبما فصلنا ذلك في مواضعه من العصر الأول (١). وفي أواخر هذا القرن، في عهد الأمير عبد الله بن محمد، استطاع بنو تجيب أصحاب دروقة وقلعة أيوب من أعمال الثغر الجنوبية، الاستيلاء على مدينة سرقسطة، وذلك على يد زعيمهم أبي يحيى محمد بن عبد الرحمن التجيبي المعروف بالأنقر. وأقره الأمير عبد الله على حكم سرقسطة وأعمالها اكتساباً لولائه، وكان بنو تجيب هؤلاء من زعماء البيوتات العربية العريقة في الثغر، واستمر بنو تجيب في سرقسطة، والمنتزون من زعماء المولدين في باقي قواعد الثغر مثل تطيلة ووشقة، أحياناً على ولائهم لحكومة قرطبة، وأحياناً يخرجون على طاعتها، حتى استطاع الناصر أن يقضي على ثوراتهم، وأن يرغمهم على الخضوع والطاعة، بيد أنه عفا عن بني تجيب، ورد زعيمهم محمد ابن هشام التجيبي إلى منصبه حاكماً لسرقسطة، لما كان يتمتع به من مقدرة إدارية، ولما كان لبني تجيب في الشمال من العصبة والأنصار.

стр. 966

وفي أيام المنصور بن أبي عامر، شعر بنو تجيب بما يهدد سيادتهم في الثغر من اتجاه المنصور إلى القضاء على سلطان الأسر العربية، وزعامتها المحلية، فحاول زعيمهم يومئذ وهو عبد الرحمن بن مطرِّف التجيبي، صاحب سرقسطة أن يسعى إلى إزالة المنصور بالتآمر مع ولده عبد الله. وقد فصلنا أخبار هذه المؤامرة فيما تقدم من أخبار الدولة العامرية (١)، وبينا كيف استطاع المنصور أن يقبض على عبد الرحمن التجيبي، وعلى عبد الله، ثم قضى بإعدامهما، بيد أنه مع ذلك ندب لحكم سرقسطة، يحيى بن عبد الرحمن التجيبي استبقاء لولاء الأسرة جرياً على سياسة أسلافه، وذلك في سنة ٣٧٩ هـ (٩٨٩ م). واستمر يحيى التجيبي في حكم سرقسطة وأعمالها حتى وفاته في سنة ٤٠٨ هـ (١٠١٧ م)، وشهد قبل وفاته اضطرام الفتنة، وانهيار الخلافة، وتمزق الأندلس، وكان جل عنايته في تلك الآونة العصيبة أن يحافظ على بلاده من عدوان النصارى، وأن يوطد سلطانه في مملكته النائية المنعزلة عن مسرح الحوادث. ولما توفي، خلفه ولده المنذر بن يحيى التجيبي. ويمكننا أن نعتبر المنذر بن يحيى التجيبي أول أمير للثغر في عهد الطوائف. حكم سرقسطة وأعمالها، وتسمى بالحاجب ذي الرياستين، وتلقب من الألقاب السلطانية بالمنصور، ولما تطورت الحوادث في قرطبة ودخلها علي بن حمود بحجة إنقاذ الخليفة هشام المؤيد، ودعا لنفسه بالخلافة، كان المنذر بن يحيى إلى جانب خيران وزملائه الفتيان العامريين في معارضته ومقاومته. ولما رشح هؤلاء للخلافة عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الناصر، وتلقب بالمرتضي، وساروا معه هم وأنصارهم في قواتهم لمقاتلة البربر، وخلع علي بن حمود، سار معهم المنذر بن يحيى في بعض قواته، ومعه فرقة من المرتزقة النصارى بقيادة حليفه الكونت رامون أمير برشلونة، وكان من ضباطه في تلك الحملة رجل كان له فيما بعد أكبر شأن في تطور الحوادث في الثغر الأعلى هو سليمان بن هود. ونحن نعرف ما أسفرت عنه المعركة التي اضطرمت يومئذ في ظاهر غرناطة بين القوات الأندلسية، وجيش البربر بقيادة زاوي بن زيري الصنهاجي، وكيف

стр. 967

انتهت بهزيمة أهل الأندلس، ومقتل مرشحهم الخليفة المرتضي (٤٠٩ هـ - ١٠١٨ م) (١). وعاد المنذر وحلفاؤه النصارى إلى الشمال، وقد أيقن أنه يؤازر قضية خاسرة، وكانت حوادث بلنسية تؤذن يومئذ بأن تفتح ميداناً جديداً لنشاط المنذر. ذلك أنه لما توفي أميرها الفتى مبارك في أواخر سنة ٤٠٨ هـ، وخلفه في حكمها الفتى لبيب العامري صاحب طرطوشة بدعوة من أهلها، ثم شاركه في حكمها مجاهد العامري صاحب دانية حسبما فصلنا ذلك في موضعه، عاد أهل بلنسية فسخطوا على لبيب، لوقوعه تحت نفوذ صاحب برشلونة الكونت رامون برنجير، وإفساحه له مجال التدخل في شئونها بصورة ظاهرة، وثاروا عليه، ففر لبيب إلى طرطوشة، واستمر مجاهد في حكم المدينة بالإضافة لحكم دانية. ولكن أهل بلنسية لم يقنعوا بذلك، واستدعوا لحكم المدينة المنذر بن يحيى، فسار في بعض قواته صوب بلنسية، واستعد مجاهد للقائه، ووقعت بينهما بعض معارك خشى الناس عواقبها، ولم ينقذ ذلك الموقف إلا ما عمد إليه الفتيان العامريون من الاجتماع، وعقد البيعة لحفيد مولاهم عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن المنصور، وتعيينه أميراً لبلنسية، وذلك في سنة ٤١١ هـ (١٠٢١م) وعندئذ انسحب مجاهد إلى دانية، وعاد المنذر إلى سرقسطة (٢). واستمر المنذر في حكم مملكة سرقسطة ثلاثة أعوام أخر حتى توفي في سنة ٤١٤ هـ (١٠٢٣ م). وكانت تربط المنذر بجيرانه الأمراء النصارى، ولاسيما رامون بوريل أمير برشلونة علائق مودة وثيقة، وكذلك كانت تربطه مثل هذه العلائق بسانشو الكبير (شانجه) ملك نافار وولده فرناندو الأول ملك قشتالة، وألفونسو الخامس ملك ليون. وقد بالغ المنذر فيما يبدو في صداقته لأولئك الملوك النصارى، حتى أنه نظم في قصره بسرقسطة، حفلا لعقد المصاهرة بين أميرين من أولئك الأمراء، هما سانشو ملك نافار ورامون بوريل أمير برشلونة، حضره الفقهاء والقساوسة وأعيان الملتين، فسخط عليه الناس من أجل ذلك، ورموه بألسنة حداد، بيد أنه قد حقق بهذه السياسة لنفسه مسالمة

стр. 968

أولئك الملوك النصارى، وكف عاديتهم عن بلاده، بل لقد استطاع أن يحملهم على اتباع سياسة الموادعة والسلم مع جيرانهم من الملوك المسلمين. ومن ثم فقد تمتعت سرقسطة في عهده القصير بفترة من الدعة والرخاء، وغدت باتساع عمرانها وتقدم أحوالها، شبيهة بحضرة قرطبة الكبرى أيام الجماعة، وأدرك الناس بعد وفاته، بعد نظره وحسن تقديره للعواقب (١). وكان المنذر فوق ذلك يعشق الأبهة والبذخ، فملأ قصره الفخم بالجواري والغلمان والحشم، ونفيس الذخائر والتحف، وكان يتحف أصدقاءه ملوك النصارى بالهدايا الفاخرة، ويؤكد بذلك مودتهم ورضاهم وكان بين وزرائه بعض أكابر كتاب العصر، مثل أبى العباس بن مروس من تدمير، وأبى عامر ابن أزرق، وابن واجب وغيرهم. وأنشأ شاعر العصر أبو عمر بن درّاج القسطلي في مديح المنذر حينما وفد عليه قصيدته المشهورة التي مطلعها: ْبشراك من طول الترحل والسُّرى ... صبح بروح السَّفر لاح فأسفرا من حاجب الشمس الذي حجب الدجى ... فجرا بأنهار الندى متفجرا ومنها: فلئن تركت الليل فوقي داجياً ... فلقد لقيت الصبح بعدك أزهرا وحللت أرضاً بُدلت حصباؤها ... ذهباً يرف لناظريّ وجوهرا ضربوا قِداحهم عليّ ففاز بي ... من كان بالقِدْح المعلّى أجدرا (٢) ولما توفي المنذر، خلفه ولده يحيى، وتلقب بالمظفر، وحكم سرقسطة وأعمالها بضعة أعوام أخرى، وتوفي سنة ٤٢٠ هـ (١٠٢٩ م). والظاهر أنه لم يحكم سياسة الصداقة التي كان يتبعها أبوه مع جيرانه أمراء برشلونة، حيث أغار صاحبها الكونت رامون بوريل على بعض أطراف مملكته، واضطر أن ينزل له عن بعض القلاع والحصون. وخلفه في الملك ولده المنذر بن يحيى، وتلقب بالحاجب معز الدولة. ولسنا نعرف شيئاً عن أعمال هذا الأمير في المدة التي حكمها، وهي نحو عشرة

стр. 969

أعوام. بيد أن لدينا تفاصيل مقتله، وذهاب ملك بني تجيب على يده. وكان ذلك في غرة ذي الحجة سنة ٤٣٠ هـ (أغسطس ١٠٣٩ م) حينما نفذ إلى قصره في ذلك اليوم رجل من بني عمومته وقواده يدعى عبد الله بن حكيم، جاء بزعم السلام عليه، وكان يضمر له السوء منذ بعيد. وكان المنذر يجلس بين نفر قليل من خدمه الصقالبة، وليس عليه إلا غلالة، وهو يقرأ في كتاب في يده، فانقض عليه وطعنه في عنقه بسكين كان قد أعده، فقطع أوداجه، وفر الخدم في الحال ولم يبق منهم إلا خادم واحد شهم حاول الدفاع عن سيده، فصرعه عبد الله بخنجره ثم أجهز على منذر، واحتز رأسه، وأبرزها من غرفة في القصر مرفوعة على عصا، وهو يصيح هذا جزاء من عصى أمير المؤمنين هشاماً، يريد بذلك الدّعي الذي نصبه القاضي ابن عباد في إشبيلية، وزعم أنه الخليفة هشاماً المؤيد، وذلك في سنة ٤٢٦ هـ (١٠٣٥ م)، واعترف بخلافته عدد من أمراء الطوائف، ورفض يحيى التجيبي يومئذ الاعتراف به، وتابعه في ذلك ولده المنذر. ولما شهد الناس رأس منذر بهتوا وعقد الذعر ألسنتهم، وأرسل القاتل في الحال إلى القاضي والأعيان، فحضروا إلى القصر والقاتل جالس على فراش قتيله، وجثة منذر مضرجة بدمائها ملقاة إلى جانبه، فأعلن لهم أنه فعل ما فعل في سبيل الإصلاح العام، ودعا بالحكم لسليمان بن هود، وقيل بل دعا لنفسه واختاره بنو عمه للولاية فانصرف الناس، وقد بيتوا القضاء عليه. وفي تلك الأثناء كان نبأ مصرع المنذر بن يحيى التجيبي قد ذاع في كل مكان، وهرع خاله إسماعيل بن ذى النون صاحب طليطلة إلى سرقسطة لتدارك الأمر، واشتد الهرج في سرقسطة، وكادت تعصف بها الفتنة، وهجم الناس على القصر لانتزاع القاتل ومعاقبته، فتحصن بالقصبة، وصمم على الدفاع عن نفسه، بيد أنه لما أيقن أنه سوف يقع في أيدي مهاجميه لا محالة، جمع ما استطاع من ذخائر القصر وتحفه، وخرج هارباً من باب خلفي في القصر، ولحق بقلعة روطة أحد معاقل سرقسطة المنيعة، وكان قد أعدها لذلك بمعاونة نفر من صحبه، وحمل معه في نفس الوقت أخوين للمنذر، وبعض أعيان منهم وزيره أبو المغيرة بن حزم، في الأصفاد ليكونوا رهائن لديه، واقتحم العامة قصر سرقسطة ونهبوه وخربوه، وعم الهرج والفوضى.

стр. 970

وفي تلك الآونة ظهر في الميدان رجل، كانت تدخره الأقدار ليقمع الفتنة، وينتزع مقاليد الحكم. ذلك الرجل هو أبو أيوب سليمان بن محمد بن هود الجذامي، وهو كبني تجيب ينتمي إلى بيت عربي عريق، وجدهم الأعلى هو هود وهو الداخل إلى الأندلس وينتسب إلى الأزد. وكان سليمان وقت وقوع الفتنة من كبار الجند بالثغر الأعلى، فغلب على مدينة لاردة، وقتل صاحبها يومئذ، وهو أبو المطرِّف التجيبي، ثم غلب على تُطيلة من أطراف الثغر، وكان بها في جمع من صحبه وقت مقتل المنذر التجيبي، فلما وقف على ما حدث بسرقسطة، هرع إليها في صحبه، وقيل بل كان وقت وقوع الحادث بمدينة لاردة، وأن أهل سرقسطة هم الذين استدعوه للحضور. ويقدم لنا ابن خلدون رواية أخرى خلاصتها أن سليمان بن هود هو الذي ارتكب جريمة سرقسطة، وأن الملك القتيل لم يكن هو المنذر معز الدولة، وإنما كان أبوه يحيى المظفر، وهو الذي كان يحكم يومئذ، ويضع تاريخ هذا الحادث في سنة ٤٣١ هـ (١). ولم يذكر ابن الخطيب واقعة القتل، ويقول لنا إن أهل سرقسطة هم الذين ثاروا بيحيى بن المنذر بن يحيى، وصرفوا طاعتها إلى سليمان بن هود (٢). بيد أن هاتين الروايتين تنقضهما رواية ابن حيان المعاصرة، وهي التي اتبعناها فيما تقدم، وهي رواية يؤيدها صاحب البيان المغرب (٣). وعلى أي حال فقد هرع سليمان بن هود في صحبه إلى سرقسطة، واستولى عليها في غرة المحرم سنة ٤٣١ هـ (٢٣ سبتمبر سنة ١٠٣٩ م) وسواء أكان استيلاؤه عليها نتيجة لدعوة أهلها، واختيارهم إياه لولايتها، أم كان عملا من أعمال القوة وهو الأرجح، فإن الواقع أنه استولى على مقاليد الحكم دون منازع، وبذلك انتهت رياسة التجيبيين للثغر الأعلى، بعد أن لبثت زهاء قرن ونصف، وبدأت في سرقسطة والثغر الأعلى رياسة أسرة جديدة هي أسرة بني هود، التي يخصها ابن الأبار دون غيرها من أسر الطوائف، بغلبة الشجاعة والشهامة عليها (٤).

стр. 971

والتي لعبت في عصر الطوائف، ولاسيما في حوادث الثغر الأعلى وشرقي الأندلس، أعظم دور. ٢ - عهد بني هود جلس سليمان بن محمد بن هود على عرش سرقسطة في غرة المحرم سنة ٤٣١ هـ وحكم الثغر الأعلى ما عدا طرطوشة، التي كانت بيد بعض الفتيان العامريين، واتخذ من الألقاب السلطانية لقب المستعين بالله، وظهر منذ البداية بقوة عزمه وشدة بأسه، فاشتهر أمره، وتوطد ملكه بسرعة، واستمر في حكم مملكته الجديدة ثمانية أعوام. وكان أهم ما وقع فيها حروبه مع المأمون بن ذى النون. وكانت المنطقة الواقعة بين المملكتين، من ناحية الجنوب الغربي من مملكة سرقسطة وناحية الشمال الشرقي من مملكة طليطلة، موضع الاحتكاك بين الفريقين. وقد أشرنا فيما تقدم إلى أن بني ذى النون كانوا خؤولة للمنذر بن يحيى آخر أمراء سرقسطة من بني تجيب، وهو الذي احتل سليمان بن هود عرشه، فكان ذلك عاملا آخر في اشتداد هذه الخصومة. ووقعت المعارك بين الطرفين أولا حول مدينة وادي الحجارة، وقد كانت من أعمال طليطلة، فبعث إليها سليمان بن هود ولده أحمد في جيش قوي فنازلها واحتلها، وذلك في سنة ٤٣٦ هـ (١٠٤٤ م)، وهرع إليها المأمون بن ذى النون في قواته، ونشبت بين الجيشين معارك هزم فيها ابن ذى النون، فارتد في قواته إلى طلبيرة، وابن هود يطارده، ويشدد الضغط عليه، ولم ينج المأمون من هذا المأزق إلا حينما أمر سليمان ولده أحمد بتركه وشأنه. وقد فصلنا فيما تقدم من أخبار مملكة طليطلة حوادث هذا النزاع، وبينا كيف لجأ المأمون على أثر هزيمته إلى فرناندو الأول ملك قشتالة، فاستغاث به واعترف بطاعته، وكيف أمده فرناندو بجنده، فعاثت في أراضي مملكة سرقسطة وخربتها، وعندئذ التجأ ابن هود بدوره إلى الاستعانة بملك قشتالة، وبذل له أموالا وتحفاً جليلة، فبعث فرناندو جنوده فعاثت في أراضي طليطلة حتى وادي الحجارة وقلعة النهر (قلعة هنارس). ورد المأمون على ذلك بأن التجأ إلى غرسية ملك نافار واستماله بالأموال الجليلة، فأغار على أراضي مملكة سرقسطة المجاورة له ورد ملك قشتالة على ذلك بالإغارة على أراضي طليطلة مرة أخرى. وهكذا تفاقمت هذه الحرب الأهلية المدمرة بين ابن هود والمأمون " الأميرين المشئومين

стр. 972

على المسلمين " وفقاً لقول ابن حيان، وضج لها سائر أهل الأندلس. واستمر ملكا قشتالة، ونافار، يعملان بكل ما وسعا على إذكاء هذه الفتنة، فيغير الأول على أراضي طليطلة لحساب ابن هود، ويغير الثاني على أراضي سرقسطة لحساب ابن ذى النون.، ولم تخمد هذه المعركة الانتحارية بين الأميرين المسلمين إلا بوفاة ابن هود وذلك في سنة ٤٣٨ هـ (١٠٤٦ م)، وذلك كله حسبما فصلناه من قبل (١). وقسم سليمان بن هود قبيل وفاته أعمال مملكته بين أولاده الخمسة، فاختص أحمد بولاية سرقسطة عاصمة المملكة، ويوسف بولاية لاردة، ولب بولاية وشقة، والمنذر بولاية تُطيلة، ومحمد بولاية قلعة أيوب (٢)، واستقل كل بحكم مدينته وأعمالها. بيد أن تقسيم المملكة على هذا النحو لم يكن عملا سليماً، وكان بالعكس نذيراً بالخلاف والحرب الأهلية. وكان أحمد صاحب سرقسطة وهو الملقب بالمقتدر من بين إخوته الخمسة أشدهم أطماعاً، وأنشطهم سعياً إلى انتزاع ما في أيديهم. وقد استطاع بالفعل أن يحتال على ثلاثة من أخوته بالوعيد والختل، وهم ْلب صاحب وشقة، والمنذر صاحب تُطيلة، ومحمد صاحب قلعة أيوب، وأن يستولي على مدنهم، ثم سجنهم، وبلغت به القسوة أن سمل أعينهم. بيد أن أخاه يوسف صاحب لاردة، وهو الملقب بحسام الدولة وبالمظفر، كان له نداً، وكان بطلا شهماً، وهو الذي استطاع وحده أن يقف في سبيل أطماعه، وأن يحبط محاولاته ودسائسه. وهنا وقعت الحرب الأهلية بين الأخوين، وكان أهل الثغر حينما رأوا ما صنعه أحمد بأخوته، وما لجأ إليه من الوسائل الغاشمة في اغتصاب ولاياتهم، قد سخطوا عليه ونادوا بخلعه، وخرجت معظم القواعد عن طاعته، وانضمت إلى أخيه، ولم يتبق له سوى سرقسطة. فأخذ يرقب فرصة للتنكيل بأخيه، وسنحت هذه الفرصة غير بعيد. ذلك أن مدينة تطيلة، وهي من القواعد التي انضمت إلى يوسف المظفر، دهمتها المجاعة والغلاء، فاستغاث به أهلها، فدعا أهل الثغور إلى جمع الأطعمة والمؤن، فاجتمع منها قدر عظيم، ورأى يوسف

стр. 973

أنه لا يستطيع إرسال هذه الأمداد إلى تطيلة عن طريق سرقسطة خوفاً من غدر أخيه، ففاوض غرسية ملك نافار، وبعث إليه مالا لكي يسمح بمرور هذه المؤن عبر أراضيه إلى تطيلة، فأجابه إلى طلبه. وعلم أحمد بذلك فبعث سراً إلى غرسية، يبذل له ضعف الأموال التي بعثها إليه أخوه، على أن يمكنه من الفتك بقافلة المؤن حين مرورها داخل أرضه، فاستجاب الملك النصراني إلى ذلك الإغراء الدنىء، وتم ما دبره أحمد. ذلك أن قافلة المؤن، وكانت تتكون من بضع آلاف من الجند، وعدد كبير من الخيل والدواب، ما كادت تجوز أراضي نافار، شمالي شرقي تطيلة، حتى دهمتها قوات أحمد المقتدر التي رتبها بممالأة غرسية، وفتكت بها، وأبيد معظم رجالها قتلا وأسراً، واستولى النصارى على أسلابهم، وما كان معهم من المؤن، ولم ينج منهم سوى القليل، وكانت واقعة شنيعة تنبىء عما كانت تنطوي عليه طبيعة أحمد المقتدر من صفات الغدر والاستهتار. وكان من أثرها، أن ضعف أمر يوسف، وتوطد سلطان أحمد، واشتد بأسه، وهابه الناس، واسترد القواعد التي كانت تحت يده (١). وكانت ضربة المقتدر التالية، استيلاؤه على ثغر طرطوشة. وكان هذا الثغر الذي يعتبر مخرج سرقسطة إلى البحر، اذا استثنينا ثغر طرّكونة الواقع على حدود إمارة برشلونة، والذي كان من أعمال لاردة، كان منذ عهد الفتنة بيد بعض الفتيان العامريين. وكان أول من استولى عليها منهم وحكمها لبيب العامري، وكان حازماً قوي البأس، وحاول المنذر بن يحيى التجيبي أن ينتزعها منه فاستغاث بمبارك صاحب بلنسية فأمده بجنده، ورد عنها المنذر، ولما توفي مبارك في سنة ٤٠٨ هـ، خلفه لبيب في حكم بلنسية بدعوة من أهلها، ولما اختلف على ذلك مع زميله مجاهد العامري، عاد إلى طرطوشة واستمر في حكمها حتى توفي في ٤٣٣ هـ (١٠٤١ م)، فخلفه في الحكم فتى آخر من الصقالبة العامريين يدعى مقاتل، وتلقب بسيف الملك، واستمر في حكمها حتى وفاته في سنة ٤٤٥ هـ (١٠٥٣ م). فخلفه الفتى يعلي من موالي العامريين أيضاً، ثم حكمها من بعده الفتى نبيل. وكان المقتدر بن هود أثناء ذلك ينظر إلى سيطرة أولئك الفتيان الصقالبة على طرطوشة بعين السخط، ويتحين الفرص لانتزاع هذا الثغر

стр. 974

الهام من أعمال مملكته. وأخيراً سنحت هذه الفرصة، حينما اضطرمت طرطوشة ضد الفتى نبيل بالثورة وزحف عليها المقتدر في قواته فسلمها إليه نبيل في الحال وخرج عنها، وانتهت بذلك دولة الفتيان الصقالبة بها (٤٥٢ هـ - ١٠٦٠ م) (١). * * * على أن أعظم حادث أو بعبارة أخرى أعظم محنة نزلت بالمسلمين في عهد المقتدر بن هود، هو غزو النورمانيين لمدينة بربشتر (٢)، وفتكهم بأهلها أشنع وأفظع ما سجلت صحف التاريخ. وقد دون لنا ابن حيان، وكان يعيش في قرطبة وقت وقوع هذه المحنة، تفاصيلها بإسهاب، وبعبارات مؤثرة مبكية. ذلك أن حملة كبيرة من النورمانيين (أو الأردمانيين في الرواية العربية) تقدرها الرواية بعشرة آلاف فارس، بقيادة جيوم دي مونري، نزلت بشاطىء قطلونية وسارت نحو الشرق مخترقة أراضي مملكة سرقسطة الشمالية. وقد اختلفت الرواية في تكييف ظروف هذه الحملة وفي مصدر قدومها، وفيمن نظمها وقادها. بيد أنه يستخلص من مختلف الروايات الخاصة بها، أنها حشدت في ولاية نورمانديا الفرنسية، حيث كان النورمان قد استقروا بها قبل ذلك العصر بموافقة ملك فرنسا، وأن أولئك النورمان خرجوا عندئذ في طلب المغامرة والكسب ومعهم جموع كبيرة من الفرسان الفرنسيين. أما قائد الحملة فهو الفارس جيوم دي مونري. وكان جيوم دي مونري هذا من أكابر فرسان عصره، وقد وفد قبل ذلك على إيطاليا في أواسط القرن الحادي عشر، وخدم الكرسي الرسولي حتى أصبح قائد الجيوش الرومانية والبابوية. أما بواعث قيادته لهذه الحملة، ولماذا قصدت إلى شاطىء قطلونية، فمما يحيط به الغموض. على أنه يبدو من جميع الظروف أنها كانت من الحملات الناهبة التي تستتر بالصفة الصليبية، والتي تقصد العيث والنكاية، والغنم والسبي في أراضي المسلمين أينما كانت. ويؤيد البحث الحديث هذه الصفة الصليبية للحملة، ويقول لنا إن الذي دفع إلى إعدادها هو البابا اسكندر الثاني (٣). والرواية الإسلامية صريحة واضحة في أن هذه الحملة قد قدمت

стр. 975

من فرنسا. فهي تقول لنا " إن الفرنج خرجوا من الأرض الكبيرة (أي فرنسا) إلى الأندلس في جموع كبيرة ليس لها حد، ولا يحصى لها عدد إلا الله، وانتشروا على ثغور سرقسطة " (١) ثم إنه ليس من الواضح أيضاً ما إذا كانت هذه الحملة قد عبرت إلى اسبانيا من طريق جبال البرنيه، أن جازت إلى قطلونية بطريق البحر. وعلى أي حال فقد نزل أولئك النورمان في قطلونية واجتازوا إلى أراضي مملكة سرقسطة، إذ كانت تحمي مؤخرتها أرض نصرانية هي مملكة برشلونة. وقصدوا أولا إلى مدينة وشقة إحدى قواعد سرقسطة الرئيسية، فنازلوها أياماً، ولما لم ينالوا منها مأرباً غادروها وساروا شرقاً حتى مدينة بربشتر، وهي لا تقل عن وشقة أهمية وحصانة. وتقع مدينة بربشتر على فرع صغير من أفرع نهر إبره بين مدينتي لاردة ووشقة، في الشمال الشرقي لسرقسطة، وكانت يومئذ من أمتع القواعد الإسلامية الشمالية. فنزل عليها النورمان، وضربوا حولها الحصار، وذلك في أوائل سنة ٤٥٦ هـ (ربيع سنة ١٠٦٤ م). ولم يبادر المقتدر لإنجاد المدينة المحصورة، إذ كانت من أعمال أخيه يوسف المظفر، فكان ذلك منه جبناً ونذالة، أدرك عواقبهما فيما بعد، ولم يستطع يوسف نفسه إنجادها، فتركها لمصيرها. واستمر الحصار أربعين يوماً، والمسلمون صامدون داخل مدينتهم الحصينة، وكانت حاميتها تخرج من آن لآخر، وتخوض مع الأعداء معارك شديدة، ثم ترتد إلى الداخل. ولما اشتد الضيق بالمدينة المحصورة، وعزت الأقوات، وقع الهرج والتنازع بين أهلها، وعلم النورمان بذلك، فشددوا قبضتهم وضاعفوا جهودهم، واستطاعوا بعد قتال عنيف أن يقتحموا المدينة الخارجية، واحتلها منهم نحو خمسة آلاف دارع، ودافع المسلمون عن أنفسهم أشد دفاع، وقتلوا من المهاجمين نحو خمسمائة، ثم تحصنوا بالقصبة والمدينة الداخلية معولين على الدفاع عن أنفسهم لآخر لحظة، لولا أن حدث حادث عجل بوقوع الكارثة. ذلك أن القصبة كان يمدها بالماء سرب داخلي تحت الأرض متصل بالنهر، فوقف النورمان على سره من أحد الخونة فهدموه وألقوا فيه صخرة عظيمة، وانقطع

стр. 976

الماء عن المحصورين، واشتد بهم الظمأ وبدا لهم شبح الموت جاثماً، فبعثوا إلى النورمان يعرضون التسليم على أن يؤمنوا في أنفسهم وأولادهم، وأن يخرجوا من المدينة دون مال، فوافق النورمان على ذلك. وفي رواية أخرى أن النورمان أبوا ذلك، واضطر المسلمون إلى مدافعتهم، حتى اقتحموا عليهم المدينة. وعلى أي حال فقد دخل النورمان المدينة دخول الوحوش المفترسة، وأمعنوا في أهلها قتلا وسبياً، ولم يطلقوا منها غير قائدها ابن الطويل، وقاضيها ابن عيسى، ونفر قليل من الأعيان. وهنا تبسط الرواية الإسلامية القول فيما ارتكبه النورمان من الفظائع، وتقدر عدد القتلى والأسرى من أهل المدينة بأربعين ألفاً (١) أو بخمسين ألفاً، بل بمائة ألف في رواية أخرى، وهلك عدد كبير من النساء، حينما تطارحن على الماء لإرواء ظمئهن، فكبسهم العدو للأذقان موتاً. ولما خرجت الجموع من المدينة في ظل الأمان المقطوع، ورأى قائد النصارى كثرتهم، هاله ذلك، وخشي أن تأخذ الجموع الحمية، فيهبوا لاستنقاذ أنفسهم، فأمر ببذل السيف فيهم ليخف من أعدادهم، فقتل منهم عندئذ ما يزيد على ستة آلاف. ومات خلال الزحام كثير من الشيوخ والأطفال، وتدلي كثير من الأسوار اتقاء الزحمة، وامتنع نحو سبعمائة رجل بالقصبة، فمات معظمهم عطشاً. على أن ذلك لم يكن أشنع ما نزل بالمسلمين بل كانت تنتظرهم فظائع أخرى لا يخلق ارتكابها إلا بأخس المحاربين وأنذلهم، ونحن نترك القول هنا لابن حيان، يصف لنا بقلمه البليغ طرفاً من تلك المناظر البشعة المؤسية: " ولما برز جميع من خرج عن المدينة بفناء بابها بعد من خفف منهم بالقتل، وهلك في الزحمة، ظلوا قياماً ذاهلين، منتظرين نزول القضاء فيهم، نودي فيهم بأن يرجع كل ذي دار إلى داره ووطنه بأهله، وأزعجوا لذلك، فنالهم من الازدحام، قريباً مما نالهم في الخروج عنها. ولما استقروا بالدور مع عيالهم وذرياتهم، اقتسمهم المشركون، فأمر سلطانهم، فكل من صارت في حصته دار حازها، وحاز ما فيها من أهل وولد ومال. فيحكم كل علج منهم فيمن سلط عليه من أرباب الدور بحسب ما يبتليه الله به منهم، يأخذ كل ما أظهره إليه،

стр. 977

ويقرره عليه فيما أخفى، ويعذبه أشد العذاب، وربما زهقت نفس المسلم من دون ذلك فاستراح، وربما أنذره أجله إلى أسوأ من مقامه بذلك. فإن عداة الله يومئذ، كانوا يتولعون بهتك حرم أسراهم وبناتهم بحضرتهم، وعلى أعينهم إبلاغاً في نكايتهم، يغشون الثيب، ويفتضون البكر، وزوج تلك، وأبو هذه، موثق بقيد أسره، ناظر إلى سخنة عينيه، فعينه تدمع، ونفسه يتقطع. ومن لم يرض ذلك منهم أن يفعله، أعطى من خوله وغلمانه يعبثون فيهم عبثته، فبلغ الكفرة منهم يومئذ ما لا تلحقه الصفة على الحقيقة، والحول والقوة لله العظيم ". واستولى النصارى على مقادير هائلة من السبي والغنائم، ولاسيما النساء والأطفال. يقول ابن حيان " زعموا أنه صار لأكبرهم قائد خيل رومة في حصته نحو ألف وخمسمائة جارية أبكاراً، ومن أوقار الأمتعة والحلي والكسوة خمسمائة جمل " ثم يقول بعد ذلك " ولما عزم ملك الروم (يريد قائد النورمان) على القفول يومئذ من بربشتر إلى بلده، تخير من بنات المسلمين الجواري الأبكار والثيب ذوات الجمال، ومن صبيانهم الأيفاع، والخود الحسان ألوفاً عدة حملهم معه ليهديهم إلى من فوقه ". ويقول لنا صاحب الروض المعطار، إنه قد أهدى من أبكار الجواري المسلمين وأهل الحسن منهن إلى صاحب قسطنطينية خمسة آلاف، ويقدرهن ياقوت بسبعة آلاف " بكر منتخبة " (١). وربما كان في تلك الأرقام - أرقام القتلى والأسرى والسبايا - مبالغة. ولكنها تدل على أي حال، مع ما اقترن بها من الأعمال الوحشية المروعة التي وصفها لنا المؤرخ المعاصر، على فداحة الخطب الذي نزل بأهل بربشتر، وعلى مبلغ تجرد أولئك الغزاة النورمان من أبسط الصفات الإنسانية، وهو خطب كان حسبما يصفه ابن حيان " أعظم من أن يوصف أو يتقصى ". ولما وصلت أنباؤه إلى قرطبة في أوائل رمضان (٤٥٦ هـ)، حيث كان يقيم المؤرخ، وذاعت في مختلف الأنحاء اهتزت الأندلس من أقصاها إلى أقصاها، وسادها الاشمئزاز والروع لتلك الفظائع والشناعات التي لم يسمع بمثلها. وقد كانت هذه المحنة مادة خصبة لتأملات ابن حيان، ونظراته النقدية الصائبة، وإليك من أقواله تلك الفقرة التي تدلي بالنذير والنبوءة الصادقة، وتفيض

стр. 978

بالتوجع لأحوال عصره. قال: " قد استوفينا في شرح هذه الفادحة مصائب جليلة، مؤذنة بوشك القلعة، طالما حذر أسلافنا لحاقها بما احتملوه عمن قبلهم من آثاره. ولا شك عند أولى الألباب، ما أخفيناه مما دهانا من داء التقاطع، وقد أخذنا بالتواصل والألفة، فأصبحنا من استشعار ذلك والتمادي عليه، على شفا جرف يؤدي إلى الهلكة لا محالة، إذ قدر الله زماننا هذا بالإضافة إلى ما عهدنا في القرن الذي سلخه من آخر أمد الجماعة، على إدراك ما لحق الذي قبله، فمثل دهرنا هذا - لا قدس - بهيم الشبه، ما إن يباهي بعرجه، فضلا عن نزوح خيره، قد غربل ضمائرهم، فاحتوى عليهم الجهل، فليسوا في سبيل الرشد بأتقياء، ولا على معالي الغي بأقوياء. نشأ من الناس هامل يعللون أنفسهم بالباطل، من أول الدلائل على فرط جهلهم، اغترارهم بزمانهم، وبعادهم عن طاعة خالقهم، ورفضهم وصية نبيهم، وغفلتهم عن سد ثغرهم، حتى أطل عدوهم الساعي لإطفاء نورهم، يتبجح عراص دورهم، ويستقري بسائط بقاعهم، يقطع كل يوم طرفاً، ويبيد أمة، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صموت عن ذكراهم، لهاة عن بثهم، ما إن يسمع عندنا بمسجد من مساجدنا أو محفل من محافلنا، مذكر لهم أو داع، فضلا عن نافر إليهم أو ماش لهم، حتى كأنهم ليسوا منا، أو كأن فتقهم ليس بمفض إلينا، قد بخلنا عليهم بالدعاء بخلنا بالقناء، عجائب فاتت التقدير، وعرضت للتغيير، ولله عاقبة الأمور وإليه المصير " (١). ولما غادر الغزاة النورمان بربشتر بعد اقتحامها، والفتك بأهلها، والاحتواء على أموالها، تركوا لحمايتها ألفاً وخمسمائة من الفرسان وألفين من الرجالة، وقيل بل تركوا ألف فارس وأربعة آلاف راجل، واستقدموا إليها كثيراً من أهلهم وأقاربهم ومواطنيهم، وساروا عائدين إلى بلادهم، وفي ركبهم ألوف من سبي المسلمين نساء ورجالا، ومقادير هائلة من الأموال والغنائم المختلفة. بيد أنه لم تمض أشهر قلائل حتى وقعت المعجزة. وكان صدى النكبة قد نفذ

стр. 979

إلى الأعماق، واهتز لها أمراء الأندلس قاطبة، وفي مقدمتهم المقتدر بن هود، وهو الذي شهدها عن كثب، ولحقه من جرائها أكبر وزر، واتجه إليه أشد اللوم لتقصيره في إنجاد المدينة المنكوبة والدفاع عنها، وهي من أخص قواعد ثغره. واستنفر الناس للجهاد، واجتمع من مختلف بلاد الأندلس عدد جم من المتطوعة والرماة، ساروا إلى الثغر جهاداً في سبيل الله، وبعث المعتضد بن عباد نجدة من خمسمائة فارس، وسار المقتدر بن هود في قواته، وقوات الأمداد المختلفة إلى بربشتر، وذلك في جمادى الأولى سنة ٤٥٧ هـ (ربيع سنة ١٠٦٥ م) وضربوا حولها الحصار، وامتنع النصارى داخل المدينة، لما رأوه من كثرة جموع المسلمين، وعالج المسلمون نقب أسوارها المنيعة العالية تحت حماية الرماة، ونجحوا في إحداث ثغرة كبيرة فيها، ثم اقتحموا المدينة بشدة، فغادرها النصارى من الناحية الأخرى، وحملوا على محلة المسلمين، ونشبت بين الفريقين معركة شديدة مزق فيها النصارى وهلك معظمهم، وأسر من كان بالمدينة من أهلهم وأبنائهم، وتقدر الرواية من قتل منهم بنحو ألف فارس وخمسة آلاف راجل، في حين أنه لم يقتل من المسلمين وفقاً لتقديرها سوى خمسين رجلا وهي مبالغة واضحة، بيد أنه لم يكن ثمة شك على ضوء الظروف المتقدمة في أن خسائر النصارى كانت فادحة، وأن خسائر المسلمين كانت يسيرة، وقيل فوق ذلك إنه حمل من سبايا النصارى إلى سرقسطة نحو خمسة آلاف، كما حمل إليها ألف فرس وعدة وسلاح وأموال كثيرة. وكان استرداد بربشتر في الثامن من جمادى الأولى سنة ٤٥٧ هـ، بعد أن احتلها النصارى تسعة أشهر (١). وبذلك جبر الصدع، ورفعت المعرة، وأثلجت صدور المسلمين. وعلى أثر هذا الفتح الجليل اتخذ بطله ابن هود لقبه المقتدر بالله (٢). * * * وشغل المقتدر بن هود في الوقت نفسه بسلسلة من الوقائع التي اضطرمت بينه وبين جيرانه النصارى. وكانت مملكة سرقسطة لوقوعها بين الممالك الإسبانية النصرانية الثلاث، أراجون ونافار وقشتالة، هدفاً مستمراً لأطماع الملوك

стр. 980

النصارى، يبتزون منها الأموال طوراً باسم الجزية، وطوراً يقتطعون بعض أطرافها. وفي خلال ذلك، يعمل بنو هود على الاستعانة من آن لآخر بالجند النصارى، وفقاً لمختلف الظروف والأحوال. وكان فرناندو الأول ملك قشتالة في سنة ١٠٦٠ م (٤٥٢ هـ) قد زحف على حدود مملكة سرقسطة الجنوبية الغربية، واقتطع منها حصن غرماج، وبعض حصون أخرى، فاضطر المقتدر أن يذعن لدفع الجزية. ولما توفي فرناندو في سنة ١٠٦٥، وخلفه ولده سانشو في ملك قشتالة، وفي حقوق الجزية على سرقسطة، حاول أن يتدخل في شئون سرقسطة وبعث إليها بقواته في سنة ١٠٦٧ فحاصرتها، اقتضاء للجزية المطلوبة، وكان يقود الجيش القشتالي يومئذ الفارس ردريجو دياث أو السيد إلكمبيادور، الذي احتل فيما بعد مكانة بارزة في حوادث شرقي الأندلس، فاضطر المقتدر أن يبعث إليه مقادير كبيرة من الذهب والفضة والأحجار الكريمة، والأقمشة الفاخرة، أداء للجزية المطلوبة، وأن يبعث برهائنه في الوقت نفسه، وبذا رفع الحصار عن سرقسطة (١). وكان المقتدر في الوقت الذي تصفو فيه علائقه مع جيرانه النصارى، يستمد العون منهم في مشاريعه العسكرية، وقد يستمد عون أحدهما على الآخر، كما حدث في سنة ١٠٦٣ م حينما غزا راميرو الأول ملك أراجون أراضي مملكة سرقسطة، فاستغاث المقتدر بفرناندو ملك قشتالة، فبعث إليه ولده سانشو في بعض قواته، ووقعت بين الفريقين تحت أسوار جرادوس موقعة هزم فيها راميرو وقتل، وكان ردريجو دياث - السيد فيما بعد - يومئذ من ضباط الجيش القشتالي. ولما خلص عرش قشتالة لألفونسو السادس بعد مقتل أخيه سانشو، عاد يطالب سرقسطة بالجزية التي كانت لأخيه، وكان يطالب بها في نفس الوقت سانشو راميرز ملك أراجون ونافار، بعد أن ورث عرش نافار، وكان المقتدر يؤدى الجزية من قبل إلى سانشو ملك نافار. وكان يستعين في محاربة أخيه يوسف المظفر صاحب لاردة بجنود من البشكنس (النافاريين) والقطلان، واستمرت بينهما المعارك حتى انتهت أخيراً بهزيمة يوسف وأسره. وقد وقفنا على نص رسالة مخطوطة، كتب بها المقتدر إلى صديقه المعتمد

стр. 981

ابن عباد - وقد كانت بينهما فيما يبدو من لهجة الرسالة صلات ودية وثيقة - يخبره فيها بقصته مع أخيه المظفر، ويرميه فيها بالظلم والحسد، ومجانبة العدل والإنصاف، ويقول إنه حاول أن يسلك معه سبيل المودة والتفاهم، فأبى, واضطر إلى مقاتلته حتى ظفر به واستولى على قاعدته لاردة وألزمه البقاء في قصبة منتشون. ثم يقول معتذراً عن مسلكه: " وللنفس يعلم الله مما حملني عليه ارتماض وإشفاق، ولما يؤثره الرحم من ذلك إزعاج وإقلاق، إلا أنه لم يوجد إلى غير ذلك سبيلا، ولا جعلني إلى سواه محيلا، وكان فيما يأتيه أعق، وبما جره القدر إليه بحكم اعتقاده أحق " (١) والظاهر أن الحوادث التي يشير إليها المقتدر في رسالته قد وقعت في سنة ٤٧٢ هـ (١٠٧٩ م). وفي بعض الروايات القشتالية، أن المقتدر بعد أن استولى على أملاك أخيه أعتقله بقلعة روطة، وهنالك استمر في اعتقاله حتى توفي بعد ذلك بثلاثة أعوام (٤٧٥ هـ)، بيد أنه من الواضح أن الصحيح هو ما يرويه المقتدر نفسه في رسالته. ولما أعيت المقتدر الحيل في إرضاء أولئك الملوك المطالبين بالجزية، انتهى رأيه إلى الاستعانة بخدمات ذلك الفارس القشتالي، الذي عرفه من قبل بين ضباط قشتالة محارباً بارعاً، وهو ردريجو دياث دى بيبار، وكان يومئذ قد ساءت علائقه مع مليكه ألفونسو السادس وأقصاه عن بلاطه، فخرج يبحث عن طالعه، وهكذا عقدت العلافة بين " السيد " وبين المقتدر، وكان المقتدر أول من أولاه رعايته واستخدمه من الملوك المسلمين، وكان ذلك في سنة ١٠٨٠ م قبيل وفاة المقتدر بقليل (٢). ويجب أن نذكر هنا أيضاً بين أعمال المقتدر العظيمة، استيلاءه على مملكة دانية من صهره، زوج ابنته على إقبال الدولة في سنة ٤٦٨ هـ (١٠٧٦ م) حسبما فصلنا ذلك من قبل في أخبار مملكة دانية. وقد غدت مملكة سرقسطة بهذا الفتح الكبير تمتد إلى شرقي الأندلس، وغدت من أعظم ممالك الطوائف رقعة، بل ربما أعظمها جميعاً. وقد مهد لها هذا الامتداد إلى شرقي الأندلس، سبيل التطلع إلى مملكة بلنسية

стр. 982

والتدخل في شئونها، حسبما سبق شرحه في موضعه في أخبار مملكة بلنسية، وتوفي أحمد بن سليمان بن هود المقتدر بالله في سنة ٤٧٤ هـ (١٠٨١ م) من كَلَب شديد أصابه من عضة كلب، بعد أن حكم مملكة سرقسطة خمسة وثلاثين عاماً، وكان قبيل وفاته قد ارتكب نفس الخطأ الذي ارتكبه أبوه بتقسيم مملكته بين ولديه، فخص ولده الأكبر وهو يوسف المؤتمن بسرقسطة وأعمالها، وخص ولده الأصغر المنذر بلاردة ومنتشون وطرطوشة ودانية. ومما هو جدير بالذكر أن مملكة سرقسطة كانت في ظل بني هود، لظروفها المترتبة على وقوعها بين الممالك النصرانية، واضطرارها إلى مهادنتها ومصانعتها، تؤثر سياسة التسامح الديني، وكان النصارى يعيشون في ظل بني هود، في ظروف حسنة، ويتمتعون بسائر الحريات الفكرية والدينية، وقد شجع هذا التسامح الذي أثر عن بني هود نحو رعاياهم النصارى، راهباً فرنسياً، على أن يكتب إلى المقتدر بن هود رسالة يدعوه فيها إلى اعتناق النصرانية، وبعث رسالته المذكورة مع راهبين من زملائه ليشرحا للمقتدر تعاليم الدين المسيحي ومزاياه (١)، فاستقبل المقتدر الرسولين برفق وكياسة، ولم يثر لما تضمنته رسالة الراهب من جرأة وتهجم صارخ، بل عهد إلى العلامة الفقيه أبى الوليد الباجي، وكان يومئذ يعيش في سرقسطة في كنفه وتحت رعايته، بأن يكتب عن لسانه إلى الراهب رداً، يفند فيه دعاوى الراهب في رسالته، ويبين ما تنطوي عليه هذه الدعاوى من بطلان وتناقض. فكتب الباجي رده المشهور على هذه الرسالة، وهو رد مسهب، يفيض منطقاً وبلاغة، وفيه يفند الباجي مزاعم الدين المسيحي، وألوهية المسيح وغيرها، بقوة، ويشرح تعاليم الإسلام بوضوح، ويدعو الراهب بالعكس إلى اعتناق الإسلام، وينوه بمعجزة القرآن وروعته، ويدلل ببراعة على بطلان التعاليم المسيحية وتناقضها. وكان المقتدر بن هود من أعظم ملوك الطوائف. ويصفه الحجاري في المسهب بأنه " عميد بني هود وعظيمهم، ورئيسهم وكريمهم ". وكان فضلا عن

стр. 983

مقدرته السياسية والعسكرية التي رأيناها تبدو في كثير من أعماله ومشاريعه، وبالرغم مما كانت تنطوي عليه هذه المشاريع والأعمال أحياناً من صفات سيئة، يتمتع بكثير من الخلال البديعة، فقد كان أميراً عظيماً يحيط نفسه بجو من المهابة والروعة، وكان بلاطه من أعظم قصور الطوائف وأفخمها، وكان يحيط نفسه بطائفة من أشهر العلماء والكتاب في عصره، ومن هؤلاء العلامة الفقيه أبو الوليد الباجي، ووزيره أبو المطرف بن الدباغ، ووزيره الكاتب اليهودي المسلم أبو الفضل ابن حسداي السرقسطي، وكان كلاهما من أعلام عصره في البلاغة والأدب. بل كان المقتدر نفسه من علماء عصره، وكان يشغف بدراسة الفلسفة والرياضة والفلك، وقد كتب كتباً في الفلسفة والرياضة (١). وكان قصر المقتدر وهو المسمى بقصر " الجعفرية "، نسبة إلى كنيته، وهي " أبو جعفر "، من أعظم وأفخر القصور الملكية في ذلك العصور، وقد اشتهر في تاريخ الفن الإسلامي باسم " دار السرور "، وكان أروع ما فيه بهوه الرائع الذي زينت جدرانه بالنقوش والتحف الذهبية البديعة، والذي كان يسمى لذلك بالبهو الذهبي، أو مجلس الذهب. وفيه يقول منشؤه المقتدر: قصر السرور ومجلس الذهب ... بكما بلغت نهاية الطرب لو لم يحز ملكي خلافكما ... لكان لدي كفاية الأرب ولما سقطت سرقسطة في يد الإسبان شوهت معالم هذا القصر البديع، وأدخلت فيه تعديلات وتغييرات عديدة قضت على محاسنه وزخارفه العربية. وما زالت بقاياه الدارسة تقوم حتى اليوم في قلب مدينة سرقسطة باسم قصر الجعفرية Palacio Aljaferia، وقد شهدناه خلال زيارتنا لسرقسطة، ولم يبق من بنائه الإسلامي سوى بقية مشوهة من مسجده السابق. وكان المقتدر فوق شغفه بالعلوم، أديباً ينظم الشعر، وقد نسب إليه الحجاري صاحب المسهب قوله: لست لدى خالقي وجيهاً ... هذا مدى دهري واعتقادي لو كنت وَجْهاً لما براني ... في عالم الكون والفساد (٢)

стр. 984

الفصل الثاني مملكة سرقسطة منذ عصر المؤتمن حتى سقوطها في أيدي المرابطين الصراع بين المؤتمن والمنذر. معركة قلعة المنار. حاكم روطة وكمينه للنصارى. موقف السيد الكمبيادور. تحالف المنذر وسانشو راميرز. السيد ونفوذه لدى المؤتمن. حملة ابن بسام على بني هود. وفاة المؤتمن. صفاته العلمية. ولده أحمد المستعين. مسير ألفونسو السادس إلى سرقسطة ومحاصرته إياها. يرفع الحصار عند مقدم المرابطين. حروب المستعين. تطلعه إلى امتلاك بلنسية وفشل مشروعه. الخطر على مملكة سرقسطة. استيلاء ملك أراجون على منتشون. تهديده لوشقة. اتجاه المستعين إلى الاستنجاد بالمرابطين. سفارته لأمير المسلمين. استعانته بملك قشتالة. محاصرة سانشو راميرز لوشقة. وفاته ومتابعة ولده بيدرو للحصار. مسير المستعين وحلفاؤه لإنجادها. موقعة الكرازة. هزيمة المستعين وسقوط وشقة. إستيلاء المرابطين على ممالك الطوائف الجنوبية والغربية. استيلاؤهم على شرقي الأندلس. استنصار المستعين بالسيد. انشغال السيد في بلنسية. إتجاه المستعين إلى المرابطين. سفارته الثانية لأمير المسلمين. وفاة بيدرو ملك أراجون وقيام أخيه ألفونسو مكانه. مسيره إلى تطيلة. مسير المستعين لإنجادها. سقوط تطيلة ومقتل المستعين. ولده عبد الملك عماد الدولة. دعوة أهل سرقسطة أمير المسلمين لخلع بني هود. استصراخ عماد الدولة لأمير المسلمين. زحف المرابطين على سرقسطة واستيلاؤهم عليها. انتهاء حكم بني هود. التجاء عماد الدولة إلى حصن روطة. خضوعه لحماية ملك أراجون. ولده سيف الدولة. نزوله عن روطة لألفونسو ريمونديز. سرقسطة أيام بني هود. اشتهارها بالدراسات الرياضية والفلسفية. ابن باجة وحياته العلمية. أبو بكر الطرطوشي وكتابه سراج الملوك. نظريته في عصبية الدولة ورد ابن خلدون عليها. سرقسطة ومساهمتها في الحركة الأدبية. دورها في التبادل الحضاري والثقافي. دورها في التبادل التجاري. عادت الحرب الأهلية القديمة التي اضطرمت من قبل بين المقتدر وإخوته الأربعة من جراء تقسيم المملكة، تضطرم من جديد بين يوسف المؤتمن صاحب سرقسطة، وأخيه الحاجب المنذر صاحب لاردة. وقد استعان كلا الأخوين في تلك الحرب الانتحارية بالنصارى، فكان المؤتمن يستعين بصديق أبيه وحليفه من قبل " السيد "، وجيشه من المرتزقة القشتاليين وكان المنذر وهو منذ البداية من ألد أعداء السيد، يستعين بسانشو راميرز ملك أراجون، ورامون برنجير أمير برشلونة.

стр. 985

ووقعت أول معركة بين قوات الأخوين عند قلعة المنار على مقربة من لاردة، وكان المؤتمن قد حصن هذه القلعة، وشحنها بالمقاتلة، ولما شعر أخوه المنذر بخطرها على أملاكه سار في قوة مشتركة من حلفائه، أمير برشلونة وبعض صغار الأمراء الإفرنج في شمال قطلونية، وحاصر هذه القلعة، فسار المؤتمن والسيد في قواتهما لإنجادها، ووقعت بين الفريقين معركة هزم فيها المنذر، وأسر أمير برشلونة رامون برنجير (١٠٨٢ م). ووقع في ذلك الحين حادث كاد يقطع السيد من جرائه علائقه ببلاط سرقسطة، ذلك أن حاكم قلعة روطة التي كان معتقلا بها المظفر، اعتزم الخروج والثورة بالتفاهم مع سجينه، وأرسل إلى ألفونسو ملك قشتالة يطلب عونه ويعده بتسليم القلعة، فسار ألفونسو إلى روطة في بعض قواته، وكان المظفر قد توفي عندئذ فجأة، فعدل الحاكم عن مشروعه واعتزم أمراً آخر، وبعث ألفونسو بعض أكابر ضباطه، وعلى رأسهم الإنفانت راميرو أمير نافار لتسلم القلعة، وما كادوا يجوزون إلى الداخل، حتى انهال عليهم وابل من الصخور، فقتلوا جميعاً (١٠٨٢ م) وعاد ألفونسو، وهو يضطرم أسى وتحرقاً إلى الانتقام. وكان السيد عندئذ في تطيلة، فلما وقف على هذا الحادث المحزن، هرع في صحبه إلى ألفونسو يقدم عزاءه، ويلتمس العفو، والإذن بالعود، فعفا عنه الملك وصحبه معه إلى قشتالة. ولكن مقامه بها لم يطل. ذلك أن ألفونسو عادت إليه هواجسه القديمة نحو السيد، وشعر السيد بتغيره عليه، فغادر قشتالة وعاد إلى سرقسطة، واستقبله المؤتمن بترحاب ومودة. ويحاول الأستاذ بيدال أن يستدل بتصرف السيد في هذا الحادث على أنه لم يكن في خدماته لبلاط سرقسطة جندياً أجيراً، وإنما كانت هذه الخدمات بالعكس نوعاً من السياسة والتدخل على الطريقة القشتالية (١). وعاد السيد إلى مهمته القديمة في محاربة أعداء المؤتمن، وخرج مع المؤتمن في قواته، وعاثا في أراضي أراجون، ثم عادا إلى حصن مونتشون. ورد سانشو راميرز ملك أراجون على ذلك بالاستيلاء على جرادوس. وغيرها من حصون الحدود (ابريل ١٠٨٣ م). ثم تحالف المنذر أخو المؤتمن مع سانشو راميرز،
следующие страницы →