← Адаб

Адаб · id 1010

النقد الأدبي ومدارسه الحديثة

ستانلي هايمن

Полный текст (589 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فهو لا يستطيع أن يرى الماضي كتلة أي قطعة صماء، ولا يستطيع أن يعود نفسه الاكتفاء من هذا الماضي بشيء أو شيئين يعجبانه، ولا أن يعود نفسه إيثار فترةٍ ما ... بل على الشاعر أن يكون واعياً على التيار الكبير الذي لا يغير مجراه أبداً خلال أفذاذ المشهورين. مهما يصدق هذا القول على شعره (الذي كان أميل إلى الشمول والرحب دائماً) فهو في الحق لا يصدق على الاتباعية التي خلقها اليوت في نقده، فقد كانت اتباعيته هذه أحياناً كتلة صماء؟ هي الأدباء الأموات جملة؟ وقد كنت دائماص تفضيل فترة أو اثنتين؟ وفي المقام الأول روائيو عصر اليزابث والشعراء المتافيزيقيون؟ مع أنها لم تكن تجمع أفذاذ المشهورين وروائع الشهرة، فإنها لم تكن أيضاً التيار الكبير أو أجزاء من التيار الكبير؟ في الأقل -. (٥) وأنا على وعيٍ باعتراض مألوف يوجه لجزء من منهاجي هذا، متصلٍ بمادة الشعر، وذلك الاعتراض هو أن هذا المبدأ يحتاج قدراً مضحكاً من الاطلاع أو (الحذلقة) وهو زعم يمكن رده جملة بالكشف عن سير الشعراء في أي " مقام ".... إن شكسبير قد حصل على مادة تاريخية هامة من فلوطارخس أكثر مما يستطيع تحصيله كثير من الناس من المتحف البريطاني جميعه. يحلو لاليوت أحياناً أن يدعي بأنه شاعر أو ناقد بسيط غير مثقف ترهبه الدراسات المتعمقة، فيتقدم بمثل هذه " المرافعة " المتواضعة: " ليس من اللياقة أن يتتبع الناقد الأدبي أثر هذه الدراسة عوداً، حيث تبدو موافقته لها أو خلافه معها نوعاً من الوقاحة ". مع ذلك فإن المثل الأعلى

стр. 142

لديه هو الذي ورثه عن بوند (الذي وصف نفسه ذات مرة بأنه آلة فيلولوجية بلغت حد الإرهاف) أعني الناقد الدارس. وعلى حسب مقاييس النقد المعاصر وبخاصة في أميركة يعد علم اليوت شيئاً متميزاً، وإن لم يكن له مثل إحاطة نقاد كجورج سينتسبري، هم علماء دارسون، في المقام الأول: فقد درس اليوت على بابت وسنتيانا في فارفارد، وأجيز في الفسلفة، وقرأ الأدب الفرنسي والفلسفة في السوربون، ودرس الفلسفة الإغريقية في اكسفورد، وقضى سنتين يدرس فقه اللغة السنسكريتية والهندية وسنة يدرس المتافيزيقيا الهندية. ومع أنه لا يحسن لغات بعدة ما يحسنه بوند، فإنه يقرأ في خمس لغات إلى جانب الإنجليزية وهي الإغريقية واللاتينية والإطيالية والفرنسية والسنسكريتية مع تفاوت في القراءة بين اليسر والعسر. وقراءته في هذه اللغات أوسع وأعمق حظاً من بوند، كما أن محصوله الفلسفي والعلمي يفوق محصول بوند دون ريب. (٦) أما الذي يحدث للشاعر (من تمثله للماضي وتطوير وعيه به خلال الأيام) فهو إسلامه نفسه، على حاله هذه، لشيء أقيم وأكثر جدوى. ذلك أن تقدم الفنان إنما هو تضحية نفسية مستمرة، هو إفناء مستمر للذات. وهذه أيضاً من الأفكار الكاشفة عند اليوت، وهي نظريته عن الطبيعة اللاشخصانية في الفن، فهو يقول في موضع آخر من هذا المقال: " ليس الشعر إطلاقاً لسراح العاطفة وإنما هو هرب من العاطفة وليس هو تعبيراً عن الذات بل هرب منها ". فيجهد الشاعر جهده " ليحول آلامه الذاتية الخاصة إلى شيء خصب غريب، شيء كوني عام لا ذاتي ". وكل جهد الروائي هو " عملية سكب الذات أو بمعنى أعمق سكب حياة الأديب في الشخصية التي يخلقها ". ومع أن لهذا الكلام حظاً من الصدق المجازي

стр. 143

فإنه في المستوى الحرفي يمثل المقياس الجمالي عند رجل معذب، ذلك لأن لدى اليوت خوفاً يقينياً من الذات، بما في ذلك ذاته هو نفسه، وما هذا النظام المستحكم للإتباعية الأدبية إلا مهرباً منها. وظل عدة سنوات يرى أن إعلاء الذات عند الأدباء الرومانتيكيين مصدر لخطرٍ قد أطل. وبالتالي تحقق أن العدو الحقيقي هو البروتستانتية. يقول في كتابه " بحثاً عن آلهة غريبة ": " إن ما كنت أستقرئه متدرجاً هو هذا التصريح التالي: حين تكف الأخلاق عن أن تكون أمراً موروثاً سنياً؟ أي عادات للمجموعة، شكلتها الكنيسة، وصححتها، ورفعت من شأنها، بما لها من تفكير وتوجيه دائمين، وعندما يسير كل إنسان في الوجهة الخلقية التي كونها لنفسه، عندئذٍ تصبح الذات أمراً ذا أهمية مخيفة ". ومن الواضح أن الذي أدركه الرعب هو اليوت لا المجتمع. (٧) وكلما كان الفنان أكمل، زادت سعة الخلف فيه بين الإنسان الذي يتعذب والعقل الذي يخلق، وأصبح في مقدور العقل أن يهضم العواطف التي هي مادته ويشكلها على وجه أكمل. يرى اليوت أن ليس الفن " تحويلاً " للألم والعاطفة فحسب، بل كلما كان الفن أحسن، كان التحويل أكمل، وهذا نوع من التطهير لنفس الفنان يوازي ما عند أرسطوطاليس منتطهير لأنفس النظارة (١) . وهذا في واقعه، وإن لم يلحظه اليوت أبداً، هو جوهر الفردية الرومانتيكية والبروتستانتية، هو النفعية التي ترى أن قيمة الفن مقدار الخدمة التي يؤديها لفرد متفرد اسمه الفنان. وهذا كله يقع على النقيض من الاتباعية

стр. 144

ومن المقاييس الكاثوليكية " للمشاركة " التي يرمز إليها " العشاء الرباني ". (٨) وستلحظون أن التجربة أي العناصر التي تدخل في حضرة الوسيط الكيميائي المحول (١) إنما هي نوعان: عواطف ومشاعر. إن تمييز اليوت بين " العاطفة " و " الشعور " بالغ الأهمية والغموض في آن. ويبدو أن العاطفة كائنة قارة في الشاعر نفسه أما الشعر فإنه مخبوء للشاعر في " كلمات وعيارات وصور خاصة ". ويتصل بهذه النظرية مبدأ " التبادل الموضوعي " الذي وضحه اليوت فيما بعد في مقاله " هملت ومشكلاته " من حيث أن التبادل الموضوعي حال أو موقف تكمن فيه " مشاعر " تعبر عن " عاطفة " الشاعر وتثير " عاطفة " مشابهة في القارئ (٢) . وهكذا يجيء هذا الفصل بين العاطفة والشعور لكي يحول دون دخول " العاطفة " إلى الشعر خضوعاً لنظرياته عما هو لا شخصاني واتباعي، ثم يدسها في الشعر باسم آخر (وربما) بشكل آخر. (٩) وسيخدمه في منحاه هذا العواطف التي لم يجربها، كالتي جربها. هذه إلماعة إلى مبدأ لا يتزحزح عنه اليوت متصل اتصالاً وثيقاً بمبدأ

стр. 145

" اللاشخصانية " وهو اعتقاد بأن الفن في أساسه نظام محكم الغلق، وأن مقاييس العقيدة أو مضاهاة الحقيقة لا علاقة لها به، وإذا كان دانتي يستند إلى نظام فكري مترابط بينا لا يستند شكسبير إلى ذلك فما ذلك (فيما يعتقد اليوت) إلا " مصادقة لا يقاس عليها ". إن الشاعر " ليصنع " الشعر عضوياً، ودون عقيدة، بالطريقة التي تصنع النحلة بها العسل أو تفرز العنكبوت بها خيوطها " والشعر الأصيل يستطيع أن ينتقل للمتلقي قبل أن يفهم " أو إنه في الواقع لا يفهم أبداً. وقد يعبر الشاعر عن حال جيله " مصادفة؟ وإن كانت مصادفة غريبة؟ بينا هو في الوقت نفسه يعبر عن حالة من أحواله مغايرة تماماً " (هنا يتحدث اليوت ضمناً عن تجربته هو في قصيدة " اليباب ") وهكذا. وقد صاغ اليوت هذه المبادئ في نظرية قريبة الشبه بنظرية رتشاردز عن أن " التوافق " الشعري لحظة قراءة القصيدة منفصل عن مسائل " العقيدة ". وقد تفوق اليوت على رتشاردز حين أضاف إلى نظريته: أن كل ما يختار الشاعر أن يعتقده فإنما يتقرر آلياً " وحينئذ لا يبقى لصحته أو كذبه؟ من إحدى النواحي؟ أثر في شيء، كما أن صحته من الناحية الأخرى تجد لها برهاناً ". وعلى هذا فقد يكون من المقنع المرضي ألا يكون للشاعر اعتقاد في أي شيء بل " يستعمل " أي معتقد يقع في متناول يده (١) . هذه هي إذن كل الموضوعات التي تطورت وأصبحت تكون نقد اليوت نظراً وتطبيقاً: (١) " الاتباعية " التي أصبحت تسمى " اتباع السنة " أو " الارثوذكسية ". (٢) " والنظام " الذي أصبح فيما بعد " فكرة المجتمع المسيحي " (٣) والنص على أنواع مفضلة من أدب

стр. 146

الماضي (والحاجة إلى التفسير والمعرفة التاريخية (٥) والمبادئ الأربعة وهي: اللاشخصانية، واللاتناسب بين الفن والعقيدة، التفرقة بين العاطفة والشعور، التادل الموضوعي. وقد تكونت هذه الماتيح الأربعة؟ ظاهرياً؟ عن الحاجة إلى تجريد موروث من قرائنه التاريخية وإلقائه إلينا ليفهم على ضوء قرائننا الحاضرة، أما في الحقيقة فقد ينعكس السياق ونقول إن مبدأ " الاتباعية " نفسه لم يطور إلا ليمنح صبغة شرعية لحاجة اليوت الذاتية إلى فن " يطفئ " الشخصانية ز " يحول " الألم و " ويستعمل " العقائد دون أن يؤمن بها. إن الحاجة الملحة في نقد اليوت ليبدو أنها هي حاجته هو نفسه ليقيم من هذه العناصر الموضوعية؟ الاتباعية؟ اللاعاطفية؟ الشكلية، أربع دعائم " لطوار " يريح عليه جسمه، مثله في ذلك مثل هوبكنز عندما اعترف أنه في المرحلة الأخيرة من حياة إبداعه الفني لم يجد ما يتيح له قرض الشعر أبداً إلا الشكل الجافي للسوناتة Sonnet. ويمكن اعتبار كل مقالات اليوت توضيحعات للأفكار والطريقة الاتباعية التي رسم هيكلها العام في مقاله " الاتباعية والموهبة الفردية "، ويمكن اعتبارها فهرسناً واسعاً من التطبيقات والأمثلة. ونستطيع أن نرى اتباعية اليوت في دور التطبيق منذ أن أصدر كتابه " الغابة المقدسة " سنة ١٩٢٠، وهو أول مجموعة من المقالات النقدية، وفيه ظهر مقال " الاتباعية والموهبة الفردية ". ويقول ف. أ. ماثيسون في كتابه " ماذا حقق ت. س. اليوت " " بهذا الكتاب؟ الغابة المقدسة؟ يبدأ، عوداً، الفحس الحديث المسهب المكبر عن صفة الشعر ومهمته ". وللكتاب تأثير تاريخي أعظم من التأثير الذي يحدثه في قراء هذه الأيام. ومن حسنات ذلك الكتاب، الاقتباس المستمر من النصوص الشعرية، حتى إن مقالاته ليست عملياً إلا اقتباسات مستفيضة من الأدباء ممتلئة بالمقارنات والشروح والتقويمات. وكان اليوت حينئذ يؤمن أن الشعر " متعة رفيعة " وغايته الكبرى " أن يمنح نوعاً خاصاً

стр. 147

من المتعة "، وأن المهمة للنقد هي زيادة المتعة الصادرة عن الشعر؛ وقد وصف نقد ذلك العهد وصفاً جافياً لكنه صحيح حين قال " إننا حين لا نتطلب المعرفة التي تحشى بها كراسات الطلبة بل نتطلب متعة الشعر ونبحث عن قصيدة فإننا قلما نعثر على واحدة ". وعندما نظر اليوت وراءه نحو كتاب " الغابة المقدسة " في مقدمة كتبها عام ١٩٢٨ قيد هذه الملاحظة: إنه لتبسيط مصطنع يجب أن يتلقى بحذر، أن أقول: إن المشكلة التي تتحدث عنها هذه المقالات والتي تكفل لها حظها من التلاؤم لهي مشكلة تكامل الشعر، مؤيدة بالتأكيد المكرور على أننا حين ننظر إلى الشعر فلابد من أن ننظر إليه من حيث هو شعر لا أي شيء آخر. في ذلك العهد أثارتني وأسعفتني كتابات ريميه دي غورمونت النقدية، وأنا أعترف بهذا التأثير وأحس نحوه بالجميل ولست أنكره مطلقاً وإن كنت قد تجاوزته إلى مشكلة أخرى لم يمسها هذا الكتاب ألا وهي مشكلة العلاقة بين الشعر والحياة الروحية والاجتماعية في عصره وفي سائر العصور. وليس هذا القول دقيقاً لأن " الغابة المقدسة " يحدد بوضوح الموروث المبرعم الذي تفتح عن أفكاره الدينية والاجتماعية، ولكن هذه العبارة المقتبسة تلمح حقاً إلى تغيير واحد ذي بال وذلك هو أنه بالانتقال من الاهتمام بأمر " الشعر من حيث هو شعر " قل لديه الاقتباس من النصوص بل ربما اختفى، حتى إن آخر كتاب لاليوت متصل بالأدب وعنوانه " فائدة الشعر وفائدة النقد " يحوي أقل من مائة بيت من المقتبس أو أقل مما كان يقتبسه في مقال واحد من كتابه " الغابة المقدسة ". وقد كتب اليوت في مقدمة الكتاب الأصلي يقول: " إن من واجب الناقد أن يحفظ الموروث، حيث يكون هنالك موروث جيد ". وفي الفصول

стр. 148

الأخيرة من الكتاب بين أن الموروث الجيد موجود وأنه " أدب العصور العظيمة، أي أدب القرنين: السادس عشر والسابع عشر ". وكل خيوط الاتباعية تظهر في كتابه " الغابة المقدسة " بتفصيل، إلا شعر المتافيزيقيين الذين ظهروا لديه بعد الكتاب بعام (١٩٢١) في مراجعة كتبها عن مختارات انتقاها غريرسون من الشعر المتافيزيقي، وإلا دريدن الذي كتب عنه اليوت أول مرة سنة ١٩٢٢. وخصص مقالة لدانتي، ولأربعة من روائي عصر اليزابث (وهم مارلو وشكسبير وجونسون وماسنغر) ، ولنقادٍ حاولوا أن يستعملوا اتباعية شبيهة باتاعية اليوت (ومنهم تشارلس وبلي وايرفنج بابت وبول إلمر مور وجوليان بندا) ، وخصص مقالة أخرى عن المظاهر المتنوعة للمسرحية الشعرية، وهي شغله الشاغل وعنصر كبير في اتباعيته. وهناك مقالان وقسم من ثالث في الكتاب ترسم ما يعتبره اليوت الموروث المناهض، ممثلاً في سوينبرن وبليك (١) ، فهو يعالج بليك باعتدال وبقسط وافر من الاعجاب ويعده " شاعراً ذا عبقرية " أخطأ طريقه ليكون " كلاسيكياً " مثل دانتي لأنه ولد في بيئة لا تناسبه، أما سوينبرن فإنه يضحي به شاعراً وناقداً وبذلك يقاوم الموروث " الرومانتيكي " ويصرعه أرضاً. أضف إلى كل هذه المقالات، مثاله " الاتباعية والموهبة الفردية " الذي يعد بحثاً عاماً، وقد يتعرض فيه لهذا أو ذاك من الأدباء الذين أفرد كلاً منهم بمقال على حدة. ٣ - قد يكون مصدر اتباعية اليوت حاجة أدبية ولكن غاياتها اجتماعية ودينية، فعمله على تطبيقها وتوسيعها كي تشمل النواحي الاجتماعية والأدبية أمر يستحق الفحص. ومن الأسباب الرئيسية في ذلك أنه تحول إلى المذهب

стр. 149

الأنجلو كاثوليكي. ويزعم هاري م. كمبل في دراسة عن اليوت نشرها بمجلة جبال روكي، صيف ١٩٤٤، أن تحول اليوت تم مبكراً في سنة ١٩٢٢ أي السنة التي نشر فيها قصيدة " اليباب "، وأصبح رئيس تحرير لمجلة " المحك ". أما على أي شيء اعتمد كمبل في هذا القول، فذلك ما لا أدريه، غير أني أعلم أن أول إشارة عامة أعرفها عن تحوله جرت سنة ١٩٢٨، حين كتب اليوت مقدمة جديدة لكتابه " الغابة المقدسة " متخلياً عن " الشعر من حيث هو شعر " ونشر " من أجل لانسلوت أندروز " وفي مقدمته هذه العبارة الصارخة: إنه كلاسيكي في الأدب، أنجلو كاثوليكي في المذهب، ملكي في السياسة. أما الملكية فقلما تحدث عنها من بعد، وأما الكلاسيكية، إن كانت تعني شيئاً، فإنها ليست خبراً من الأخبار، غير أن تمذهبه بالأنجلو كاثوليكية هو الذي تملك عليه أمره، واصبح شغله الشاغل، وتمخض له عن جاه اجتماعي عريض. ولما أعاد اليوت نشر كتابه " من أجل لانسلوت أندروز " باسم " مقالات قديمة ومحدثة " سنة ١٩٣٦ أسقط المقدمة: " التي أدت أكثر مما قدر لها ". ولم يكن عمله هذا نوعاً من التنكر للعقائد، فقد وضح من بعد في كتابه " بحثاً عن آلهة غريبة " أن اعتراضه عليها إنما كان للتركيب الجائر الذي سكبت فيه عبارتها، وهو تركيب أتاح للناس أن يستنتجوا أن الموضوعات الثلاثة متساوية لديه في الأهمية، وأنه يقبلها جميعاً على أسس واحدة، أو أنها إما أن تبقى معاً أو تذهب معاً. غير أنه عندما أمعن فيها النظر وجد واحداً منها يعني " الإيمان " أما الثاني والثالث فليسا إلا " المبدأ السياسي " و " الطريقة الأدبية "، فوضع الثلاثة معاً كأنهما في " موقف مسرحي " خطر أي خطر. إن العبارة الأخيرة لتلمح إلى الصعوبات التي واجهها اليوت؟ فيما يبدو؟ في تحوله المذهبي؛ فالعقائد الدينية للمرء وعلاقاته بخالقه (إن

стр. 150

كان يعتقد أن له خالقاً) إنما هي مما يهمه هو نفسه، ولكن عندما تصبح مثل هذه الأمور وجهة نظر ومصدراً للدعاوة في النقد الأدبي فإنها تستدعي المناقشة. حقاً إن اليوت لم يشأ أن يتحدث عن تحوله كتابةً ولكن هناك ملمحاً من العسر، لا يخفى في شعره الأخير، بل يتضح في تصريحات محنقة متبرمة تشير بكل وضوح إلى الذات، كذلك الذي قاله في تحول هوبكنز: " إذا حول المرء مذهبه، في أي حال، فقد يمكنه ذلك التحول من أن يستمتع بأماني الخلاص الذاتي، ولكنه لن يمنحه، إن كان أديباً، ما عجزت عن منحه له أرومته ووطنه طوال عدة أجيال ". ومنذ عهد مبكر (١٩٢٧) أظهر فرنسيس فرغسون في " مجلة القافلة الأميركية " The American Caravan بعض المتناقضات في طبيعة اليوت، وهي: " فردية رومانتيكية في الأخلاق، ونظام صارم في الفن؟ إيمان عاطفي يساويه غنوصية (١) عاطفية؟ فهم عميق للخلق الفني، وعجز عن الهرب من الذاتي في شعره ": كذلك وصف ر. ب. بلاكمور المتناقضات بين طبيعة اليوت وتحوله المذهبي، وعندما تحدث عن عقل اليوت قال: " إنه آخر عقل كان يتوقع له المرء في هذا القرن أن يدخل الكنيسة، في زي غير كهنوتي، ذلك لأن دنيوية أدواته النثرية، واطمئنان موقفه، وألمعيته ولماحيته للحقيقة الأخاذة، وموهبته على أن " يستنزلها وهي طائرة "، تكاد لا تتمشى أبداً مع ما نسميه اليوم " الشعور الديني الإنجليزي الأميركي ". ولقد قاده تحوله إلى موقف غريب. فليس هو مثل رانسوم الذي يقر بأن ما اجتذبه إنما هو الشعائر في الدين بل إنه مثل هيوم Hulmo من قبله منجذب إلى العقيدة، أي إلى الرغبة في صلواتها، وهو يراها

стр. 151

هامة لأنها في نظره أصل المسرحية وقاعدتها (درجات من القيم فيها شيء من روح " أليس في بلاد العجائب ") . وهو؟ من ناحية؟ منجذب إلى رومة بشدة، وكثيراً ما تبدو كنيسته سامقة، حتى إنك لا تستطيع أن تصعدها. مثال ذلك أنه مقاله " أفكار على طريقة لامبث " (١) " يأسف " لأن الأساقفة الانجليكانيين " قد اتكأوا كثيراً على الضمير الفردي " في موقفهم من مشكلة تحديد النسل. وهو من الناحية الأخرى لا يزال يحتفظ ببقايا قوية من البروتستانتية المتبررة التي كان يدين بها ف عهده الأول؛ وآية ذلك أنه دائماً يقاوم السلطة دفاعاً عن وحيه الذاتي، بل إنه صرح بمبدأ " كل امرئ ناقد نفسه " (ومن الطريف أنه صرح به في خطابه عن الدين والأدب) وهو مبدأ يمكن أن يعد جوهر البروتستانتية (ومما قاله: يجب علينا جميعاً أن نحاول لنصبح نقاداً، ولا نترك النقد في أيدي الذين يكتبون مراجعات في الصحف) . وفي مذهب اليوت مضامين اجتماعية تتراوح بين الإقطاعية والفاشية المباشرة (٢) . فقد رسم هيكلاً لدولة كنسية، تشرف على التعليم فيها منظمات رهبانية، ويكون أمر تحديد النسل فيها مسلماً للكنيسة، وتقام الرقابة فيها في قصر لامبث (٣) وهلم جرا. وهو أنموذج من الحكومة

стр. 152

يشبه حكومة إسبانية وحكومة فيشي الفرنسية. ولعل من الطريف أن اليوت وجد لذة عظمى حين أشاع في رسالة بعثها إلى محرري مجلة البارتزان عدد مارس؟ أبريل (آذار؟ نيسان) ١٩٤٢ أن حكومة فيشي قد حرمت تداول مؤلفاته، وهي إشاعة لم تجد ما يؤيدها من عهدئذٍ. والحق أن الدولة المثالية في نظره هي؟ بصراحة؟ دولة إقطاعية. وترسم محاضراته عن " مثال المجتمع المسيحي " وغيرها من المقالات الحديثة مجتمعاً إقطاعياً مطبوعة بالمثالية (إن كلمة " مثالي " و " مطبوعاً بالمثالية " أساسيتان هنا لأن اليوت يعترف بأن كلمة " مثال " في عنوان مقاله، واردة بالمعنى الأفلاطوني) ؟ " أي مجموع مستغنية بنفسها، مرتبطة بالأرض، وحاجاتها مرتكزة في مكان واحد ". وللأرستقراطية في كل هذا دور محدد، ذلك أن اليوت يؤمن؟ حرفياً؟ بما يسمى " دم الملوك " الذي ينتج " سلوكاً ملكياً راسخاً " كما يؤمن " بأرستقراطية النسب " و " الصفوة المختارة " وما إلى ذلك. ولا ريب في أنه يؤمن بالاستعمار بل يؤمن بالمبدأ الفاضح الذي نادى به كبلنج (١) ، وهو " يعطف سليقة " على العلاجات الرجعية في الاقتصاد من مثل " نظام التوزيع " و " إصلاح القروض " و " الدعوة إلى التسوية في توزيع الأرض في الجنوب الأميركي ". بل هناك ما هو أردأ من ذلك، " لأنه ليست لدي موهبة التفكير المغلق "، فإنه لا يتردد عن أن يمزج مبادئ تشسترتون وماجور دوغلاس ودونالد ديفدسون و " غيرهم من القوميين الإسكتلنديين " في رفد " ضخم " ويقلبها ويذوقها. ويؤمن اليوت على وجه التحقيق بأنواع من عصبية العرق، ومجتمعه المسيحي لن يسمح " بهجرة الغرباء " و " الأجناس الغريبة " التي خربت أقساماً من الولايات المتحدة، وبخاصة

стр. 153

نيويورك، وقد يجد مجتمعه " أن كثرة من المفكرين اليهود الأحرار غير مرغوب فيهم " وهلم جرا. وكل هذا يضاف، لا إلى الفاشية تماماً، بل إلى نوع من العبث بها عبثاً متفحصاً عابراً قلقاً. وهو يقول في وصف خلقية الفاشية: " إنها قادرة على كثير من الخير في حدود "، وإن المغالطة متعينة الوجود في الديموقراطية ولكنها في الدكتاتورية محتملة الوجود، وإن الفاشية لتهيئ خلاصاً عاجلاً ولكنه ربما كان خادعاً، وإن للجنرال ج. ف. ك. فلر ٠ وهو فاشي بريطاني باعترافه؟ ملء الحق في أن يدعو نفسه " مؤمناً بالديموقراطية " كأي فرد آخر، وإن النازيين أصابوا حين أعادوا النساء إلى المطابخ وتربية الأطفال والكنائس. ويميل اليوت إلى " الدولة النقابية " (١) إذا لم تكن " وثنية " (أي ظناً، يميل إلى حكومة فرانكو وسلازار وموسوليني وبيتان ويرفض حكومة هتلر) وعلى أية حال " فما الفاشية إلا ديموقراطية بلغت أقصى الحد في الانحدار ". ويبدو أن مبدأ الاتباعية عند اليوت ليس أساسه إلا سلاحاً لتحقيق هذا المجتمع المنفر البغيض، فمهمة النقد الاتباعي فيما يقول، هي " تحقيق النظام " أما عدوه فهو الفوضى، ومعنى هذا في لغة أدبية خالصة أن نجعل الناقد سوط عذاب ينصب على " الرومانتيكي " و " الهستيري " وما إلى ذلك، وبهذا الأخير يصبح ناقد مثل اليوت " متعقباً للزندقة " " متربصاً للسحرة " فيطلع على الناس بهذه المرثية العامة: " لقد أفسد الأدب الحديث كله ما أسميه النزعة الدنيوية "؟ و " أنا في شك من أن يصبح قارئ الأدب الحديث رجلاً صالحاً "؟ ويعلن أن دوره بصراحه هو دور " المصلح الأخلاقي ". ويتعقب اليوت بدعاً معينة بل الحق أن سلسلة

стр. 154

المحاضرات التي سماها " بحثاً عن آلهة غريبة " ليست إلا حديثاً في الزندقة الأدبية الحديثة مذيلة بفهرست ممتع يضم أربع عبارات زنديقية استمدها من مصادر شيطانية مثل هربرت ريد والتايمس اللندنية، ويصرح أن غاية الأدب هي محاربة مذهب حرية الرأي. وعندما سلط اليوت نقده السديمي المستطيل على جرارد مانلي هوبكنز، وهو أسقف يسوعي، فهو نظرياً إذن يستحق التبجيل، وحين أجمل هذا النقد كله بكلمة ختامية قال فيها: " إن هوبكنز في هذا الصراع كله لم يقدم لنا إلا عونا ضئيلا "؟ عندئذ كان اليوت يصرخ بأنه لا يكترث بالقيم الجمالية وحدها في تقدير العمل الفني. ترى كم من اهتمام اليوت بالشعر الذي يلقى قبولا عند الجماهير، دعاوي محض؟ أي إلى أي حد ليس يعنيه إلا أن يجد عددا كبيرا من المستمعين لمبادئه الدينية والاجتماعية؟ إن الحدس في هذه الناحية ليبدو طريفا ممتعا. غير أنه لا ريب في أن اليوت مشغول البال بمسألة جمهور كبير يستمع للشعر، وفي ذلك يقول: " أعتقد أن الشاعر يفضل؟ طبيعيا؟ أن يكتب لأكبر جمهور ممكن، وأكثره تنوعا. وأكثر من يقف في طريقه إنما هم أنصاف المتعلمين أو حثالة المتعلمين لا الأميون، وإني لأفضل أن يكون جمهوري ممن لا يقرأون ولا يكتبون ". ثم وسع في هذا الرأي ونماه على شكل نظرية تقول: " إن الأديب في حاجة إلى ثلاثة جماهير تشترك في مركز واحد، جمهور صغير له مثل حظ الشاعر من الثقافة والذوق، وجمهور كبير بينه وبين الشاعر متكأ مشترك وأخيرا لا بد من أن يكون ثمة شيء مشترك بينه وبين كل ذي ذكاء وإحساس يستطيع قراءة لغته ". ويتخذ هذا الاهتمام بجمهور كبير للشعر شكلا رئيسيا آخر يتمثل في اهتمام اليوت بالمسرحية الشعرية، فمسرحياته المنظومة تؤدي مهمات متشابكة. وقد أقر اليوت أن الشخصيات في المسرحية " إنما تمثل بوجه

стр. 155

ما، عملا أو صراعا في روح الشاعر لبلوغ الانسجام، دون أن تتخذ ذلك شكلا واضحا ". فالأدباء الذين يمزق الصراع نفوسهم ينزعون إلى نسجه في الشكل الحواري من المسرحية. ومسرحيات اليوت تحقق هذا الذي يقوله، ومن أمثلتها الجلية مسرحية " جريمة قتل في الكاتدرائية " Murder in the cathedrol. وقد أبان ماثيسون أيضاً بمراجعته " للمقامات الرباعية الأربع " Four Quartet أن اليوت قد جعل شعره الأخير، وبخاصة القصائد المذكورة، أقل روحا مسرحيا وأكثر تأملا (أي " أثبت وأدق غاية ") من شعره الأول وذلك بأن جعل دوافعه المسرحية وقفا على قصائده المسرحية الخالصة. وأهم من هذه الوظائف الخاصة التي تؤيدها المسرحية، وظيفتها العامة عند اليوت، وتلك هي مقدرتها على أن تجمع بين الشعر والدعاوة متنكرة في لبوس المتعة العامة. وهو يريد للمسرح تعبيرا شعريا " نستطيع أن نسمع فيه كلام الأحياء المعاصرين، وبه تعبر الشخصيات المسرحية عن أخلص الشعر دون حذلقة، وبه تستطيع أن تنقل أبسط رسالة شعبية دون تفاهة ". وفي قاعدة هذا الأمل عند اليوت نظرية متصلة بنظرية في جماهير الشاعر ذات المركز المشترك، وهي أن المسرحية الناضجة، ولنقل إنها واحدة من مسرحيات شيكسبير، إنما تكون ذات عدة " مناسيب من الأهمية " - فهناك العقدة لأبسط المشاهدين، والشخصية لمن هم أكثر فكرا، والتعبيرات والكلمات لمن هم أميل إلى الناحية الأدبية، والإيقاع لمن هم أشد سواهم حسا موسيقيا، أما الجماهير المعرقة في الإحساس والفهم فنصيبها من المسرحية معنى ينكشف لها خطوة إثر خطوة ". ومما يجري في سياق هذا، قوله في موضع آخر إن لهاملت ومكبث وعطيل دع عنك أوديب (ملكا) (١) " متعة الهزة في الشعور " كالتي في الروايات البوليسية.

стр. 156

ومن أبرز مقالات اليوت مقالته " ماري لويد "، وفيها يحدد وهو ينتحل العلاقة المثالية التي يراها بين الفنان والجمهور: أما الجمهور فهو طبقة اجتماعية متلاحمة، يتحدث الفنان عن حياتها وآمالها ويعلو بها إلى مرتبة الفن، ويمنحها رفعة؛ وأما الفنان فإنه مستساغ محبوب ودائما مفهوم؛ وهما معا؟ أي الجمهور والفنان؟ متساندان في خلق الفن. ويكاد هذا كله ينم عن حرقة أديب ينظم شعرا معقدا غامضا إلى أن يجد كثيرا من القراء، وأن يقبل عليه الناس في مجالات كبيرة من المجتمع، تنزع إلى أن لا تسمع باسمه. وفي هذا أيضاً عنصر من خطة دعاوية واعية. وقبل ذلك بسنوات كتب اليوت في " الغابة المقدسة " يقول: كانت مسرحيات عصر اليزابث موجهة إلى جمهور يتطلب تسلية من نوع جافٍ، ولكنه يتقبل قسطاً كبيراً من الشعر. أما مشكلتنا نحن فيجب أن تكون تناول شكل من التسلية وإخضاعه لإجراء يجعل منه فناً. ولعل كوميدي القاعة الموسيقية هو خير ما هنالك في هذا المقام (١) .

стр. 157

لقلما تجد نقاداً واعين، مثل اليوت، على أنهم يخلقون موروثاً ويستعملونه إلا أن ناقد يجرد، وهو يجرب مجالات الماضي، أولئك الأدباء وتلك الآداب التي تعن شيئاً ما عنده في الحاضر، فيخلق موروثاً فعالاً أو جزءاً من موروث لنفسه ولغيره من الأدباء وهناك عدد من النقاد في أيامنا هذه وبعضهم يدرك، مثل اليوت، أنه يخلق موروثاً، قد أعادوا تفسير ماضينا الأدبي، وتوصلوا إلى نتائج متباينة، وتباينها يوضح أن اليوت قد قدم لنا " اتباعية " ما ولكنه لم يقدم " الاتباعية " (وقد حاول هربرت ريد مساعد اليوت في تحرير مجلة " المحك " أن يوازن اتجاه اليوت بخلق اتباعية " رومانتيكية " مناقضة، مغفلاً كل من وقع بين شكسبير ووردزورث في كتابه " أطوار الشعر الإنجليزي " وفي غيره من كتب) . ويبدو أن التكتل وراء هذا الموروث أو ذاك إنما يكمن فيه دافع سياسي فهناك عدد من النقاد بنوا ماضياً يستعمله أصحاب اليمين وآخرون نظموا ماضياً آخر يستعمله أصحاب اليسار. غير أن هناك مجموعة ثالثة من أصحاب التفسير الاتباعي ليست سياسية؟ فيما يبدو؟ أو لعلها سياسية من بعيد، همها الأول أن تخلق ماضياً حيادياً في السياسة يستغله الفنان. وأهم نقد اتباعي معاصر يتجه نحو اليمين بالإضافة إلى نقد اليوت هو أعمال مدرسة الجنوب، مدرسة جون كرو رانسوم وألان تيت

стр. 158

وهي مجموعة غير وثيقة الترابط، تضم كلينث بروكس وروبرت بن ورن كما تضم عدداً من نقاد الشباب البارزين. ومر على هذه المجموعة عهد كان لها فيه برنامج سياسي محسوس يشمل الإقليمية الجنوبية، ومبدأ المساواة في توزيع الأرض بالجنوب. وفي ذلك العهد كانت الجماعة ترى في دونالد ديفدسون قائداً لها. ومزايا هذه المجموعة على الاتباعين الرجعيين المتفرقين أمثال ونترزوبوند ووندهام لويس واليوت نفسه، أن فيها مواهب متعاونة وأن لها مركزاً تصدر عنه في جامعتين أو ثلاث بالجنوب ومراكز ترقى إلى درجة " المعسكرات " في الجامعات الشمالية، وأنه كان لها دائماً صحيفة أدبية ممتازة أو اثنان، فكان لها أولاً " المجلة الجنوبية " The Southern Review تحت إشراف بروكس وورن من ١٩٣٥؟ ١٩٤٢ ثم مجلة كينيون Kenyon Review بإدارة رانسوم بدئت سنة ١٩٣٩ ولا تزال تصدر ثم مجلة سيواني Sewanee Review التي تولى الإشراف عليها تيت منذ ١٩٤٤ واستمر بها آخرون. وكل هذه المجلات قد أفسحت صدرها (كما فعلت Criterion التي رأس تحريرها اليوت) لأشد الآراء. تبايناً، وأكثر وجهات النظر اختلافاً، جنباً إلى جنب مع آراء أصحابها. وربما كان قائد هذه الجماعة حالياً هو جون كرو رانسوم الذي درس تيت بكلية فندربلت، وكان بحكم مرانه العلمي وميله الفلسفي وسعة اطلاعه، وذكائه الوقاد، المفلسف النظري للجماعة. وقد كتب رانسوم كتاباً في الدفاع عن " الأرثوذكسية " بعنوان " الله دون رعد " God Without thunder (١٩٣٠) وفيه ثغرات غريبة في معرفته الدينية (فهو أول كاتب في اللاهوت يمزج بين فكرة الولادة من غير دنس، والولادة من غير أب) وعلى هذه الهنات، فالكتاب هجوم ممنطق حيوي على العدو الذي يمثله الرأي، والطبيعة والعلم (وبخاصة الأنثروبولوجيا) ومذهب حرية الرأي. وغرضه في الكتاب محدد بقوله: " إنه يريد

стр. 159

أن يكسب الناس بخطة جديدة ". وهذا المبدأ اليسوعي قد استمر فيما يبدو، في كتابيه التاليين وهما " جسم الكون " The World " s Body (١٩٣٨) " والنقد الجديد " The New Criticism (١٩٤١) . واتباعية رانسوم تشارك اتباعية اليوت في التبجيل الذي تغدقه على دن، وتفترق عنها في أداء احترام؟ بقدره؟ لملتن واحتقار شاذ لشكسبير (الذي لم يكن؟ من جراء افتقاره إلى " النظام الجامعي " وإلى اطلاع ملتن ودن إلا " هاوياً "، وأديباً ينظم مقطوعات Sonnets " سيئة التركيب "، وشاعراً متخلفاً ضئيل المكانة) أما مفتاح النقد عند رانسوم فهو المصطلح " أنطولوجي " (١) Ontological، ويبدو أنه يعني به الدراسة النقدية للمبنى الشعري أو منطق القصيدة وعلاقاته بما يسميه " السياق الشعري " أو جزئيات القصيدة. ونتيجة لهذا الاهتمام بالمبنى وبعلاقات السياق البنائي كان رانسوم الموجه الأول لقراءة النصوص الشعرية ودرسها بدقة. (وهو موقف يشبه موقف ف. ر. ليفز بانجلترة) مع أنه لم يصدر بما يناسب هذا الاهتمام إلا قليلاً من النصوص المدروسة، إذ كرس همه إلى البويطيقا والمشاكل الفلسفية في العقيدة والمعرفة في الشعر، فإن أثره كان شاملاً، كما كانت القراءات التي أصدرها بنفسه ممتازة بعامة. وعلى أن اتباعيته تتضمن توجيهاً دينياً وسياسياً، فقد نص؟ مناقضاً لاليوت؟ على أن المقاييس الخلقية في النقد دخيل (وكذلك هي المقاييس الدراسية

стр. 160

واللغوية والتاريخية والانطباعية وغيرها) وأن اهتمام الناقد يجب أن يكون جمالياً فنياً. (من الطريف أن نلحظ في هذا المقام كيف أن الأثيرين لديه من الشعراء وهما دن وملتن كانا داعيتين دينيين وسياسيين وأن الشاعر الذي يحط رانسوم من قدره؟ أعني شكسبير؟ كان أقرب شيء إلى ما نسميه نحن اليوم " الأديب الجمالي ") . وأكمل ألان تيت عدداً من اتجاهات رانسوم (وبعضها كان هو الذي وضع أصوله باعتراف رانسوم نفسه) وطور لنفسه نزعات جديدة. فتناول؟ مثلاً؟ مبدأ رانسوم " علم جمال الأقليمية " فحاول أن يوجد نقداً إقليمياً مائزاً، كأن يفسر؟ مثلاً آثار أملي ديكنسون على أنها نتاج نيوانجلند. ومع ذلك فإنه لم يطور الاتباعية في اتجاه أدبي واضح. وفي المجموعتين من المالات والمرجعات اللتين نشرهما باسم " مقالات رجعية في الشعر والفكر " Reactionary Essays on Poetry and Ideas (١٩٣٦) و " العقل في جنون " Reason in Madness (١٩٤١) قسط كبير مخصص للمشكلات الاجتماعية والسياسية والتعليمية. بل لقد طور برنامجاً يدعو إلى " الرجعية " و " العنف ". (ومن الإنصاف أن نقول إن العنف الذي يريده ليس هو استعمال البنادق في الشوارع بقدر ما هو عنف كلامي.) وصرح بمقاومته للعلم والفلسفة التجريبية وانقد العلمي في مصطلح أعنف من الذي استعمله رانسوم، ثم إن القدر الضئيل الذي حققه من القراءات الفنية للشعر قد حققه؟ مثل رانسوم؟ على مستوى عال. أما الذي ثبت على تطبيق مبادئ هذه الجماعة على الأدب فهو كلينث بروكس الذي يظهر فيه تأثير اليوت بأكثر من أي فرد آخر من أقرانه. وفي كتابه النقدي الأول " الشعر الحديث والاتباعية " (١٩٣٩) Modern Poetry and Tradition حاول مثلما فعل ونترز أن " يراجع " تاريخ

стр. 161

الشعر الإنجليزي على منهج مشابه لمحاولة أخرى أقل وضوحاً، بدلها اليوت، وحاولها ليفز في كتابه " تقويم جديد " Revaluation. ولابد من أن نعترف بأن بروكس ناقد انتقائي ذو حدة حقيقة وقد أقام، مستعيناً بكل ناقد محدث نقريباً، اتباعية عمادها " قوة اللمح الساخر " (١) وهي تضم؟ في المقام الأول؟ أدب القرن السابع عشر اد والمتافيزيقيين وجونسون وهريك وغيرهم، وأدب القرن العشرين أي هاردي وييتس واليوت وعدداً من المعاصرين الآخرين. وفي هذا الكتاب الأول تبدو اتباعية بروكس على خلاف اتباعية اليوت، فهي قد تغفل أواخر القرن السابع عشر وكل القرن الثامن عشر والتاسع عشر (باستثناء أفراد متفرقين مثل سويفت وغاي وبليك وأملي ديكنسون وهوبكنز) وقد تستهين بكل من دريدن وبوب ولا تقبل إلا قطعاً متافيزيقية أو لماحة السخرية لشعراء من طراز ملتن. ويصور هذا الكتاب، أثناء تكوينه لهذه الاتباعية، طبيعتها، بدراسته المتمعنة للنصوص، وبمقتبسات مختارة من خير ما أنتجه عدد من النقاد، وبنصوص شعرية، وبخاصة من مثل " اليباب " لاليوت، وبعض شعر ييتس الغنائي. وفي سنة ١٩٤٣ أصدر بروكس كتاباً ثانياً سماه " الزهرية المحكمة الصنع " فأكمل به هذين الاتجاهين وجعل لكتابه عنواناً فرعياً هو " دراسات في مبنى الشعر " وضمنه قراءات

стр. 162

لعشر قصائد هامة تتراوح بين قصيدة دن " تقديس " Canonization وقصيدة ييتس " بين أطفال المدرسة "، مبرزاً درجات متفاوتة من الإحكام. وهذا الكتاب في الوقت نفسه يوسع من اتباعية بروكس الأولى ويعدل بها إلى وجهة أكثر رحباً، فإذا قصيدة بوب " اغتصاب خصلة الشعر " The Rape of the Lock ومرثية غراي، وقصيدة وردزورث عن ذكريات الطفولة، وقصيدة كيتس عن الزهرية الإغريقية بل حتى قصيدة تنيسون " أيتها الدموع، أيتها الدموع المتثاقلة "؟ إذ هذه كلها: " قصائد يحس كثير منا أنها قريبة إلى النهر المركزي للموروث ". ولقد اتسع لديه المفهوم الأول الذي استوحاه من اليوت أعني مبدأ " قوة اللمح الساخر " فأصبح يشمل " التهكم " و " إيهام التضاد " و " الرمزية " و " الغموض " و " المبنى الروائي "، حتى أصبح في الإمكان أن تعالج أي قصيدة على أنها نوع من الشعر المتافيزيقي.. ومن الطبيعي المتوقع؟ مع ذلك؟ أن تكون دراسة شعراء مثل دن وشكسبير وبوب أمثلة من الدراسة الدقيقة، أحفل وأحسن من دراسة شاعر مثل تنيسون أو ملتن (الذي كتب عنه مقالة بليدة جوفاء) . وهذا الكتاب؟ حسب تعريفه؟ تطبيق لأفكار رانسوم، في كشفها الفني عن المبنى الشعري، وتركيزها على الدراسة المستفيضة للنصوص، ونصها على أهمية دن والمتافيزيقيين، حتى إنه لمن الطريق، بعد هذا كله، أن نراه يهاجم رانسوم في بعض ملحقات الكتاب المخصصة لمسائل نقدية عامة، بأنه غير مرت في أفكاره، وأنه يبالغ في إعجابه بدن، وإن كان ذلك هجوماً معتدلاً. وفي سنة ١٩٣٨ جمع بروكس وروبرت بن ورن مختارات من الشعر لطلبة الكليات عنوانها " فهم الشعر " Understanding Poetry وهي ترعى قدراً معيناً من الدراسة الدقيقة والتحليل للمبنى و " اتباعية بروكس " (والغالب عليها تفضيل الناحية الأخيرة، وذلك باختيار الأمثلة وحشد

стр. 163

الأسئلة " وترتيب الأوراق " بطريقة تكفل الفوز لدن والمتافيزيقيين على شللي والشعر الرومانتيكي) . أما نقد ورن نفسه، وهو غير كبير في الحجم، ولما يجمع في كتاب، فإنه أقل احتفالاً بالموروث الأدبي، وأميل إلى الموروث الأخلاقي، وقد ظل هذا الأمر كذلك منذ أن نشر مقالته The Briar Patch ضمن مجموعة مقالات عن ملكية الأرض عنوانها " سأحدد موقفي " I " ll take my Stand سنة ١٩٣٠. وفيها احتج مستنداً على مبادئ خلقية لا يأتيها الباطل (١) ، بأن من الخطأ منح المساواة والتعليم العالي وأمثال هذين من ضروب الترف للزنوج؟ ظل هذا شأنه إلى أن نشر مقدمة لطبعة مصورة من قصيدة كولردج " أغنية الملاح القديم " في سنة ١٩٤٦ قال فيها: إن القصيدة ليست إلا رمزاً أخلاقياً معقداً، وأدخل مقياس " الصدق " على فكرة كولردج " الخيال الخالص ". ولا ريب في أن أكبر ناقد معاصر خلق اتباعية تتجه نحو اليسار هو فرنون لويس بارنغتون. ويعد كتابه الضخم ذو الأجزاء الثلاثة " التيارات الرئيسية في الفكر الأميركي " والذي أبقاه موته المفاجئ ناقصاً، - يعد من الآثار الشامخة في الموروث الأميركي. والعنوان الفرعي لهذا الكتاب هو " تفسير الأدب الأميركي من أقدم عهوده حتى سنة ١٩٢٠، " إلا أن كلمة " أدب " فيه مستعملة بأوسع معانيها، لأنه في حقيقته دراسة لتاريخ الاجتماع والأفكار الاقتصادية بأميركة، منعكسة في أدبها. وقد استنقذ بارنغتون الموروث الأميركي الحيوي المتمثل في الراديكالية والديموقراطية، المتنقل من روجر وليمز وفرنكلين وسام آدمز وتوم بين وجفرسون (عبر) وتمان والداعين لإلغاء الرق بأميركية إلى الأدباء الراديكاليين في هذا لقرن. وقد كتب بارنغتون كتابة رجل حر الرأي صادق اللهجة، كتابة تلميذ

стр. 164

من تلامذة جفرسون، يدافع عن " إعلان الاستقلال " وعن وثيقة الحقوق ضد الدستور، وأساس نظرته " حتمية اقتصادية "، اقتبسها من تين ومن أستاذ مغمور اسمه ج. ألان سمث (وهذا الثاني موؤلف كتاب عنوانه " روح الحكومة الأميركية "، The Spirit of American Government ظهر سنة ١٩٠٧) أكثر من أن يكون استمدها من " المادية التاريخية " أعني نظرية ماركس، الشبه حتمية. وكتابه ناقص ضعيف في الناحية الجمالية، فهو يغفل بو (ويحوله للمحلل النفسي والأديب) ويشوه ملفل معتمداً على السيرة السخيفة التي كتبها ويفر، ويقصر أهمية ثورو على أنه ذو تجارب اقتصادية، ويعجز عن أن ينصف هوثورن، ويضحي بهنري جيمس. وقد يكون كل هذا وفق منهج مرسوم لأن بارنغتون مهتم بالأفكار، وهو يقر قائلاً " أما الأحكام الجمالية فلم أكن كثير الاهتمام بها ". غير أنه في كتابه نفسه خصص خمساً وعشرين صفحة لجيمس برنش كابل " ذلك الروح الساخر الرفيع الذي منحناه حتى اليوم " " غريب الأطوار مثل شو، مثير مثل تشسترتون "، إنه لرجل يمكن أن نقارنه بكارليل وتوين. ثم إن كتاب بارنغتون، حتى حين نحاسبه في حدود منهجه، مليء بالأخطاء. فهو يغفل ما أسداه الزنوج للتاريخ والأدب الأميركي، ويستخف بجون براون، ويتخلى عن الحتمية الاقتصادية من أجل أن يمدح كوبر (مع أن هذا كان المدافع الجهير عن حقوق الملاك المحافظين المتطرفين) لأنه اتفق له أن أعجب بعمله: وهو قادر على أن يقول في بريانت " ربما لم يكن شاعراً عظيماً، ولكنه كان أميركياً عظيماً ". وهو يرى في بنكروفت مؤرخاً أعظم من برسكوت وموتلي وباركمان لأن هؤلاء جميعاً كانوا " مثقفين من محتدٍ رفيع " " انعزاليين " وكان بنكروفت " الديموقراطي المكافح الوحيد بينهم جميعاً ". ومع كل ذلك فإن كتاب بارنغتون عمل جميل هام

стр. 165

ذو أثر واسع في جيله والأجيال الخالفة من نقاد الأدب، ولعله أول كتاب خلق موروثاص كاملاً راديكالياً ديموقراطياً اجتماعياً لدى الأدباء الأميركيين، لينافس الموروث الرجعي الارستقراطي الديني الذي أوجده إليوت ورانسوم وونترز وغيرهم. وهناك فريق ثالث من موجودي الاتباعية يتفاوت فراده في مدى إغفالهم الأهداف السياسية، وقد كان جل اهتمام هذا الفريق موجهاً إلى إقامة ماضٍ يفيد منه الفنان الخالق، وأحياناً يفيدون منه هم أنفسهم. ويندرج تحت هذه المقولة كتابان من أحسن الكتب أولهما " دراسات في الأدب الأميركي الكلاسيكي " Studies in Classic American Literature للورنس، وهو تفسير مغرق في النظرة الذاتية، مؤسس على الفكرة الأسطورية التي يؤمن بها لورنس وهي " التعرف الغريزي ". والثاني كتاب متأثر كثيراً بالأول وهو " في الخلق الأميركي " لوليم كارلوس وليمز، وهو إلى تفسير التاريخ الأميركي؟ من جديد؟ أشبه منه بتفسير الأدب. وليس فيه حديث عن أديب محترف إلا عن واحد هو بو، ولكن الكتاب مخطط؟ بصراحة؟ ليقيم موروثاً للأديب الأميركي. ويقول وليمز " وما ذلك إلا لأن الحمقى لا يؤمنون بأن لهم أصولاً صدروا عنها ". ومع أن أحكامه؟ بعامةٍ؟ غير تقليدية، إذ يعلي من شأن أشخاص مثل مورتون أف مريمونت وهارون بر (١) ، فإن كتابه كان ذا أثر في الأدباء لا ينكر، وأبرز من تأثر به هارت كرين وقصصي مؤثر اسمه جون سانفورد. ويجمع وليمز التاريخ الأميركي

стр. 166

حول قطبين، فيقع في حيز الأول: الهنود؟ الفرنسيون؟ الكاثوليك ويقع في حيز الثاني: البيض؟ الإنجليز؟ البروتستانت، وتتمشى مع الأول الحرية والمرح والخلق الفني، وتلزم الثاني الخشونة البيورتانية والكبت واصطناع الحشمة. أما رأيه في البيورتانية فإنه مبسط جداً معدول عن الصواب. وهو رأي يتميز به العقد الثالث من هذه القرن حين كانت البيورتانية خصماً للفنان، وإذا ذكرت انصرف الذهن إلى أنتوني كومستك (١) أكثر من انصرافه إلى جون براون. إلا أن الكتاب ليس فحسب من أجمل الآثار النثرية في عصرنا بل هو نظرة جديدة في القيم، مثيرة باعثة على الحيوية. وثمة مجموعة أخيرة؟ محدودة إلى حد ما؟ من هؤلاء النقاد الاتباعيين، يمكن أن نسميها بغير تأنق " النسابين الأدبيين " وهم النقاد الذين يحرصون على أن يذكروا " أنباء " هذا الأديب أو ذاك. وقد كانت هذه الطريقة دائماً إحدى الطرق التي يشغل بها النقاد وقتهم؟ منذ دريدن في أقل تقدير؟ وليس يكفيهم أنهم وجدوا سبنسر، ولكنهم وفقوا أعظم توفيق حين استطاعوا أن يردوا ولر إلى إدورد فيرفاكس. ولعل أكثر المعاصرين شغفاً بتتبع الأنساب الأدبية هو الناقد الفرنسي فردنند برونتيير الذي حاول أن يطبق في هذا المجال نظرية تطور حرفية مستمدة من علم الأحياء الداروني. ويظهر مؤلفه كيف أن الأشكال والمؤثرات تنمو وتتكاثر وتطور ثم تتلاشى كأنها فصائل حيوانية. وقد نمى بعض النقاد الإنجليز والأميركيين هذا التتبع للأنساب، وجعلوا منه طريقة، دون أن يغرقوا فيه إغراق برونتيير فمثلاً: قد يصرف هوراس غرغوري صفحتين وهو يتتبع أثر

стр. 167

" دون جوان " لبيرون في " جوليان سورل " لبيل وفي " جريجرز فيرل " أحد شخصيات ابن، و " جوان " عند شو، و " منيفر شيفي " لروبنصون، و " بروفروك " لاليوت. وليست مقالة سسل داي لويس " أمل للشعر " A Hope for Poetry إلا دراسة مستقصاة في الأنساب الأدبية، استعمل فيها المؤلف مبدأ أودن " عمي؟ جدي "، ووجد جذور الحركة الشعرية التي تنتظم أودن وسبنسر ولويس نفسه عند " أجداد " مختلفين مثل جرارد مانلي هوبكنز وولفرد أون واليوت. وما " الجد " عند داي لويس إلا " النسبة الوطنية الممكنة أي الرابطة الضرورية بالماضي أي معنى الموروث ". وهناك شاعر ناقد إنجليزي شاب اسمه فرنسيس سكارف وهو " نسابة " دائماً، يرد ديلان توماس إلى جويس وفرويد والتوراة، ويرد السريالية إلى رامبو ونرفال ولوترمونت وهكذا. أما المتخصصون في الأدب المقارن مثل ماريو براز فهم نسابون دائماً، ذهاباً مع ميلهم الدراسي لا النقد. ٥ - هضم اليوت المؤثرات الخارجية في يسر، وبجهد ظاهره ضئيل، حتى ليبدو وكأنه أبو عذرة كل ما صدر عنه. غير أن آثاره تعتمد الاستمداد من غيرها كثيراً. وقد أثر في نقده عدد من معاصريه تأثيراً كبيراً. وفي أول القائمة من هؤلاء يجيء طبعاً عزرا بوند، فمنه ورث اليوت طريقته التفسيرية، وطريقته في الدراسة المقارنة، وفكرة الناقد العالم. ومما يستحق التنويه أن دعوة اليوت في إحدى مقالاته الأولى " يوربيدس والبروفسور مري " إلى دراسة تتخطى حدود الزمان " فتربط بين هوميرس وفلوبير "؟ إن هذه الدعوة ليست إلا شرحاً لقول بوند من قبل إنه يتطلب " دراسة أدبية تضع ثيوقريطس والمستر ييتس في ميزان واحد ". أضف إلى هذا أن اليوت مدين لبوند بعدد من مبادئه ٠ على التعيين؟ ومن ذلك فكرة

стр. 168

اللاشخصانية، وفكرة التبادل الموضوعي؟ في رأي ماريو براز؟ فقد ذهب هذا الدارس إلى أن أصل الفكرة الثانية موجود بوند في مقاله " روح الرومانس " حيث يقول: إن الشعر " نوع من الرياضيات المتلقاة إلهاماً، ويعطينا معادلات، لا للأرقام المجرد والمثلثات والكرويات وما أشبه، بل للعواطف الإنسانية ". وفي نفس اليوت نحو بوند احترام يبلغ حد التقديس على الرغم من خلاف أساسي في الدين ومشاجرات أخرى. وهو لا يعده أحد عظماء النقاد المعاصرين فحسب بل " لعله أعظم شاعر حي في لغتنا " (١) . ومع ذلك فمما يثير السخرية أن يسيء الناس فهم إهدائه قصيدة " اليباب " لبوند " الصانع الأحسن "، عرفاناً منه بالجميل. فهذه القولة " الصانع الأحسن " استعملها دانتي في وصف آرنو دانيال في " المطهر " (على لسان غويدو غوينشللي) ولكنها اليوم تحمل معنى التقريظ الساخر المتخفي (وإن لم تكن كذلك حينئذ) إذ هب أن دانتي لم يكن يعلم أنه صانع خير من آرنو وأعظم فنحن اليوم نعرف ذلك، فإذا استعملها اليوت في حديثه عن بوند ففيها يقترن العرفان المهذب بالجميل مع ما توحيه من شعور الزهو بمقدرة فائقة. وثاني انين من المؤتمرات في اليوت؟ بعد أثر بوند، مستمد من ت. إ. هيوم الذي قتل في الحرب العظمى عام ١٩١٧ وعمره أربعة وثلاثون

стр. 169

عاماً، ولم ننشر آثاره إلا في سنة ١٩٢٤ عندما نشر هربرت ريد مجموعة من أوراقه بعنوان " تأملات " Speculations. وقد كان هيوم مترجماً عن برغسون وسورل، كاثوليكياً، عقلانياً كلاسيكياً، عسكرياً، فاشياً قبل الأوان. وكانت أيدي أصحابه تتداول تعليقاته في نسخها الخطية، ومن المؤكد أن اليوت وبوند وعدداً من النقاد الآخرين كانوا يعرفونها قبل أن تطبع. وقد استمد اليوت من هيوم؟ إلى حد ما؟ اتباعيته الكلاسيكية وأن العقيدة هي العنصر الحيوي في الدين، وفي سبيلها يستطيع المرء أن " يزدرد " العاطفة والشعائر، كما استمد منه مثله الأعلى في أن الفن والنقد إنما هما في خدمة السنة الدينية والرجعية السياسية. ولعل هيوم هو الناقد المعاصر الوحيد الذي كان في مقدوره أن يوافق اليوت تماماً على فكرته المنحرفة في أن الصلة الفردية بالله تميت، وأن الحرف المكتوب يمنح الحياة. وقد نال هيوم في ربع القرن التالي لوفاته صيت الرجل الذي حمل لواء النقد الاتباعي. وبالإضافة إلى أثره في اليوت، فإن أثره منطبع في بوند (الذي سجل محادثة مسيئة بينه وبين هيوم وقف فيها موقف الأستاذ ووقف هيوم تلميذاً تملؤه الرهبة) وفي ألان تيت وغيره من أفراد مدرسة الجنوب، وفي الإنسانيين المحدثين وت. ستيرج مور وفي المعسكر الثاني: معسكر رتشاردز وهربرت ريد. وعلى الرغم من الخلاف الأساسي بين رتشاردز واليوت، فإن الأول كان ذا أثر كبير في الفكر النقدي عند الثاني. وكثيراً ما اعترف اليوت بأنه مدين لرنشاردز، وبأن أفكارهما تتشابه، وأن مؤلفات رتشاردز مبدأ من مبادئه الأساسية الأولى أعني نظرية عدم التناسب بين المعتقد والتذوق الشعري في القارئ مطلقاً، وفي الشاعر مع بعض التقييد. وقد قاوم اليوت التوجيه العلمي الأساسي عند رتشاردز، وكثيراً ما كانت مقاومته هجوماً

стр. 170

حاداً، بينا استعار في نفس الوقت كثيراً من مبادئ ذلك التوجيه وقسطاً وافراً من مصطلحاته. ومن أكبر المشكلات التي يثيرها نقد اليوت مشكلة الناقد الذي يتفق له أن يكون أديباً خالقاً ذا شأن. فمن بين النقاد الذين نعرض لهم في هذا الكتاب نجد عدداً لا يكتبون إلا نقداً أو دراسات ومن هؤلاء بروكس ورتشاردز وكارولاين سبيرجن ومود بودكين. أما أمثال ونترز وبلاكمور وامبسون وبيرك فهم شعراء أو قصصيون يتفاوتون درجات في الأهمية والبراعة الأدبية، إلا اليوت فإنه شاعر خالق من الطراز الأول، وذو شأن كبير. وقد أصاب ماثيسون حين ذكرنا بأن اليوت " يقف في سلسلة الشعراء النقاد، وهي السلسلة التي تبدأ بالشاعرين جونسون ودريدن وتضم صمويل جونسون وكولردج وآرنولد ". ولقد أحرز ما أحرزه من بسطة في التأثير، لأنه كان كذلك؟ ذا صنعة يتحدث عما يعرفه حديث دراية، لا بالواسطة. وأكبر ممجد للشاعر الناقد في عصرنا؟ على وجه متميز؟ هو بوند الذي يقول في بعض المواطن " لا تلقوا انتباهاً لذلك النقد الذي يصدر عن ناس لم يكتبوا كتاباً معروفاً "، ويقول في موطن آخر " إذا أردت أن تعرف شيئاً عن السيارة فهل تذهب إلى من يعرف عنها وعن قيادتها شيئاً أو تذهب إلى من سمع بها فحسب؟ وإذا خيرت بين اثنين من صانعي السيارات فهل تذهب إلى من أجاد صنع واحدة أو إلى من صنع سيارة رديئة "؟. ومع هذا كله، فكل هذا الحجاج ليس في جانب الشاعر الناقد، وحتى اليوم لم يحقق أحد حجة فنكلمان بأن الفنان الذي ينقد الفن يميل إلى أن يحكم عليه من زاوية الجهد الفني، لا من حيث معناه أو جماله (١) .

стр. 171

وهذا الذي جرت عليه المجلات الأدبية، وبخاصة الحرة منها، من تحويل الشعر تواً للشعراء كي يراجعوه قد كشف عن أن اعتراض فنكلمان ينطبق على أحسن الأمثلة. أما في أردأ الأمثلة، فإن الشاعر الناقد ينصرف إلى أمور من الشحناء الخاصة، وتقارض الثناء والبذاء، ونثل الأحقاد والانتقام. ونظرة إلى بضعة نماذج من النقد الذي ينهمك فيه الأدباء الخالقون ذوو الشأن قد تلقي ضوءاً على هذا الأمر. وأبرز مثل على هذا النوع من انقد في عصرنا؟ باتفاق إجماعي؟ هي المقدمات النقدية التي يكتبها هنري جيمس. فهذا القاص كان يجمع بين بصيرة نافذة في عملية الإبداع والكشف الذاتي المسهب، وبين القدرة التعميمية الفذة على أن يزودنا بأقيم وثائق خطها قلم عن عملية الخلق الفني. غير أنه كان يعوزه نفاذ البصيرة في عملية الخلق عن الآخرين، وعلى ما كان يتمتع به من حس مرهف في صنعته، لعله أعظم حس في عصرنا، فإنه لم يحقق عندما كان يتحدث عن أديب آخر مثل النتائج التي حققها وهو يحلل ذاته. وهذا المورو من الكشف الذاتي؟ كما بدأه جيمس؟ استمر عند عدد من الشعراء النقاد في عصرنا، ومن أبرزهم ألان تيت وجون كرو رانسوم (أما اليوت فلم يسجل إلا شيئاً قليلاً من هذا ويكاد لا يتحدث عن شعره صراحة، مفضلاً أن يحدث عن " الشاعر " عموماً، وهذا غريب حقاً لأنه هو الذي يقول " إنني لأعتقد أن النقد الذي يجريه أديب ماهر ذو مران على نتاجه لهو أشد أنواع النقد حيوية وأعلاها درجة ") . أما تيت فإنه في مقال بارز عنوانه " نرجس في نظر نفسه " Narcissus Narcissus من كتابه " العقل في جنون " حلل قصيدته " أغنية إلى الأموات المتحالفين " في عشرين صفحة من التعليق المسهب، وهو تحليل جليل الفائدة، يستحق أن يقف في صف مع رسالة كتبها هارت كرين يفسر بها قصيدته " عند قبر ملفل "، ويصلح اتخاذهما دراسة

стр. 172

للعقل الشعري المعاصر. إلا أنه يكاد يكون ن المستحيل أن نعدهما نقداً لأمور كثيرة ليس أقلها شأناً أن الشاعر حين يتحدث عن نتاجه، يستطيع أن يحتكر أية حقائق تزويدنا بها. وأما جون كرو رانسوم، وهو يمثل موقفاً مخالفاً، فإنه يعالج هذا النوع من النقد الذاتي الكاشف بطريقة أحذق؟ بعض الشيء؟ فقد خلق من حيث هو ناقد " بوطيقا " تبدو مؤسسة في المقام الأول على طريقته هو في كتابة الشعر وتتضمن تمييزه بين " المبنى " و " السياق الشعري " ف القصيدة، والتفرقة بين الوزن والمعنى. فالقصيدة لديه توفيق بين المبنى والسياق الشعري ثم يتحقق فيها توفيق آخر عندما يغير المعنى المقصود ليندرج في الوزن، أو يغير الوزن ليلائم المعنى. وهذه التفرقة؟ بكل أجزائها؟ صحيحة، ولا ريب، في حال رانسوم أو في نتاج رجل مثل ييتس (الذي كان يكتب نثراً أولاً ثم يطرقه في سموط الوزن) أما في حال شاعر ينبثق عنه النظم حراً مثل شكسبير أو كيتس في أوائل عهده، فإن هذه التفرقة نابية لا محل لها. وحين خلق رانسوم بوطيقيا على مثاله، كان ذلك ضربة لازب بالنسبة له، كما هي الحال عند كل شاعر ناقد، غير أن هذا الأنموذج الذي خلقه كان محدوداً لا يمكن تعميمه فقلت منه الفائدة. ومن هذه الأمثلة القليلة عن الشاعر الناقد؟ وهي أمثلة من خير ما قدمه عصرنا؟ تظهر بعض المشكلات المشتملة ثمة. فالأديب الخالق خير الناس استعداداً (تحت ظروف معينة) ليتحدث عن نتاجه. غير أنه ليس في طوق أحد؟ حينئذ؟ أن يناقشه الرأي فيه، ومن ثم يصبح النقد فناص منعزلاً، مثله في ذلك مثل السيرة الذاتية. ولو أن هذا الأديب بدلاً من التحدث عن نتاجه أقام نظرية إنشائية عنه فإن هذه النظرية قد تعاني لاقياسيته وشذوذه لأن كل الأدباء إلى حد ما، ومن وجه وآخر

стр. 173

لا قياسيون شذوذاً وتفرداً. وإذا ناقش نتاج الآخرين موجهاً ضرورةً بنتاجه المتخصص، فمن المحتمل أن يفتقر إلى المعرفة والأساس النظري اللذين يحتاجهما الناقد المترف كما يفعل إ. م. فورستر في قطعه الأدبية. ومن المحتمل أن يعجز عن أن يكون قارئاً عادياً لشدة وعيه بطريقته، بينا هو لا يستطيع أن يكون ناقداً خالصاً أو صانعاً خالصاً، كما كانت حال فرجينيا ولف في كتابها " القارئ العادي " The Common Reader. وقد تحول محرمات ذاتية دون الحديث عن نتاجه؟ صراحة؟ كما هي حال اليوت أو يكون عاجزاً عن أن يسلط بصيرته على نتاج غيره مثلما يسلطها على نتاجه كحال جيمسن وأخيراً قد يكون مشغول الذهن بقواعده التي يضعها أو يكون شديد التشبث بنتاجه حسوداً أو مصاباً بإحدى الرذائل التي تصيب الشاعر الناقد، مما سبق ذكره. وقد يقال، في وجه هذه الاعتراضات، إن نقداً موضوعياً من الطراز الأول قد ينشأ على يدي أديب خالق من الطراز الأول، وذلك هو حال اليوت. ولكن أحسن النقد كالأحسن من كل شيء آخر، سيكون حسب قانون عام؟ في هذه الحياة؟ نتاج قوم محترفين. (ولسنا ننكر بهذا قاعدة من أصول القواعد النقدية وهي أن الناقد بحاجة إلى أن يحسن شيئاً من تجربة الأديب الخالق، وإلا عجز عن أن يفهم مشكلات الخلق الفني، كما أننا لسنا نقلل من الأهمية العظيمة التي تتمتع بها وثقائق أدبية مثل مقدمات جيمس ومقالة تيت) . ولقد كتب اليوت يقول في دريدن: " إن مقالاته هي أفكاره الواعية عن أنواع الإنتاج الذي كان يزاوله " وفي هذه الفكرة التي يقدمها عن شاعر يكتب نقداً ويصفه بأنه " واعٍ " اقترح اليوت الزاوية التي يريدنا أن ننظر إليه منها. ويقرر اليوت، بوضوح، صفة نقدية يسميها أحياناً

стр. 174

الحس التاريخي، ويعدها ضرورة لازمة لكي تكفل بقاء الشاعر شاعراً " بعد عامه الخامس والعشرين "، وبما أنه ظل يكتب شعراً بعد أن تجاوز هذه السنة الحاسمة (قال قولته تلك وهو في التاسعة والعشرين) فليس مما يجافي الصواب أن نزعم بأنه وجد تلك الصفة النقدية في نفسه. ومع كتب يقول: " لقد أقول إن المرء قد يكون من حقه، في نتاجه النثري، أن يشغل نفسه بالمثاليات أما عندما يكتب شعراً فإنه لا يستطيع إلا معالجة الحقيقة ". وهذا القول حسبما ترقى إليه معرفتي أول رد من اليوت على تهمة التباين بين شعره ونثره؟ تهمة طالما لاحقته في صور مختلفة؛ فهي تتدرج من الهجوم العنيد الذي واجهه به إرنست بويد في قوله " ليس بين نظريته الجمالية وتطبيقه اعملي أدنى علاقة " إلى هجوم متعاطف معه يمثله رانسوم في قوله: وتصادم الشاعر والناقد فكان اليوت الناقد هو المستر جيكل، واليوت الشاعر هايد. وكان عجيباً أن نتصور في حكمة جيكل الشاملة وجود الكلمة التي تبرر هايد. وقد درست هذين كليهما بإمعان رجاء التوفيق بينهما غير أني أظن أن هذا التوفيق لن يتحقق، وأن الكلمة التي بحثنا عنها في الحكمة الشاملة غير موجودة؛ لقد سار تيار النقد بقوة في وجه تيار الشعر. ويكاد ماثيسون أن يكون الوحيد تقدم للدفاع عن تماسك اليوت فأقر أولاً أن اليوت " يفضل نوعاً من الشعر مغايراً كثيراً للذي يستطيع نظمه " ثم ذهب إلى أن " نقده ينير أهداف شعره، وشعره يصور مظاهر كثيرة من نظريته النقدية ". حين ظهرت " المقامات الرباعية الأربع " كان ماثيسون قد أصبح يعتقد أنه خير ما يساعد على فهم شعر اليوت هو

стр. 175

النظر في نقده. وأشار إلى أن مقال اليوت " موسيقى الشعر " يلقي أنسب الأضواء على أهدافه الشعرية، وهو حجة جديدة تنقض حجة الذين لا يزالون يوضعون في الخطأ المغالط بقولهم إنه لا انسجام بين نتاجه الخالق " الثوري " ونقده " الاتباعي " (١) . وعلى الرغم مما تورط فيه الفريقان من هذر، فهناك نقطة هامة في مضمون هذا اجدل وهي الوحدة العضوية في الشخصية الإنسانية. أما النقاد الذين يرون تبايناً في نتاجي اليوت فهم لا محالة يجردون المرء من كل مظاهر المعنى إن لم يكن من الحياة نفسها. وكذلك فإن ماثيسون يخطئ؟ من الناحية الأخرى، حين يتصور أن العلاقة بين الإنتاجين بسيطة جداً وأن النقد ليس إلا " المرشد الميسور " أو " الترجمة الحرفية " للشعر. وأسلم من هذين الموقفين موقف اليوت نفسه في أن نقد الشاعر قد يكمل شعره من بعض النواحي، وقد كتب يقول في إحدى مقالاته الأولى: " إن الشاعر الناقد ينقد الشعر من أجل أن يخلق شعراً، وفي هذا يلحظ أوضح العلاقات بين الاثنين. وقد لحظ أيضاً أن الشاعر يتخذ من نفسه الناقدة أداة عاكسة أو مدافعة حين قال: " ربما بم يكن آرنولد أبداً موضوعياً حين كتب هذا السطر بل ربما أثير إلى ذلك دفاعاً عن شعره ". وفي سنة ١٩٤٢ توقف اليوت عن الإيماء إلى استقلال نقده، وكتب يقول: " غير أني أعتقد أن الكتابات النقدية للشعراء، وقد كان منها في الماضي أمثلة متميزة، إنما يرجع قسط كبير مما فيها من متعة إلى أن الشاعر يجرب؟ غير واعٍ أحياناً إن لم نقل عامداً، أن يدافع عن نوع الشعر الذي يقرضه، أو

стр. 176

ليضع قاعدة للشعر الذي يريد أن يقرضه ". ومعنى هذا أن النقد يؤدي لصاحبه مهمات متعددة، مثلما يفعل الشعر، وأنه في الحقيقة نوع آخر من الشعر، وأن هذين النوعين قد يداخلان بدرجات متفاوتة، دون أن يتلاحما، كلياً، أو ينفصلا تماماً. ويبدو أنهما في السنوات الأخيرة أخذا يميلان إلى التباعد، كل عن الآخر، ذلك لأن مقالات اليوت التي صدرت في العقد الخامس من هذا القرن قد نزعت إلى مواجهة الاتباعية في نظاهرها الدينية والتعليمية والاجتماعية بصراحة أكثر من رؤية الاتباعية من خلال النصوص الشعرية: (وهذه هي مرتبة حسب ظهورها) (١) : ١: - يتركز خطابه الذي ألقاه حين رأس الجمعية الكلاسيكية، ونشر في كراسة عام ١٩٤٢ بعنوان " الكلاسيكيات والأديب " حول مشكلات الثقافة المسيحية. ٢: - ومقدمته التي كتبها لكتاب " مختارات من منظوم كبلنج " ونشرت في العام نفسه، " ليست إلا دفاعاً سياسياً عن وطنية كبلنج الاستعمارية وعنصريته العرقية (لا يصدق اليوت أن كبلنج يؤمن بمبدأ تفوق عنصر جنسي على آخر) " (٢) ٣: - أما مقاله " ملاحظ من أجل تعريف الثقافة " الذي نشره في New English Weekly سنة ١٩٤٣ وأعاد نشره في مجلة البارتزان ربيع ١٩٤٤ فإنه صلة للنزعات التي ظهرت

стр. 177

في " مثال المجتمع المسيحي " مع نص أوكد على المظاهر الثقافية والتعليمية في مبدأه المثالي الديني القائم على حصر السلطة في يد هيئة واحدة. ٤: - ومقالة " الأديب ومستقبل أوروبة " الذي أعيد طبعه في مجلة سيواني صيف ١٩٤٥ بعد طبعه أولاً في مجلة " ابن الشمال " Norseman النرويجية فهو اقتراح للأدباء كي يتفقوا؟ كطبقة؟ على الأمور العامة مثل الثقافة والتعليم. ٥: - وأما خطابه الذي ألقاه في جمعية أصحاب الكتب الويلزيين ونشرته مجلة سيواني شتاء ١٩٤٦ وعنوانه " وما هو الشعر الذي لا يعد من الطراز الأول " فمنهجه تعليمي أكثر منه نقدياً ونغمته توجيهية مستعلية، وقسط كبير منه مخصص لتبويب المهمات التي تؤديها المختارات الشعرية والمجلات الصغيرة. ٦: - وأما مقاله الحديث عن بوند وكلمته التأبينية في فاليري فكلاهما يتصل بأوروبة التي شهدها كل منهما، وما يفنى منها وما يبقى (لقد قال فاليري: إن أوروبة بلغت النهاية) وقد نتصور في هذا كله قسطاً من انعكاس النظرة الذاتية. ٧: - وأخيراً نجد أن عدداً من كتاباته الحديثة ديني أو سياسي مباشر ومنها " كتيبة " عند وحدة الكنيسة، ومقدمة كتاب عنوانه " ظلام القمر " لمؤلف مجهول عن سوء معاملة الروس لبولندة، وهكذا. ومنذ أن صدر مقاله " موسيقى الشعر " سنة ١٩٤٢ لا أعرف له نقداً يدور حول الأدب؟ من حيث هو أدب؟ (ربما باستثناء

стр. 178

محاضرة حديثة ألقاها في نيويورك عن ملتن راجع فيها تقديره القديم لهذا الشاعر) . بل إن أنموذج نتاجه الحديث؟ فيما يبدو؟ يتمثل في الموروث الذي قهر الاهتمام الأدبي، مع أنه انبثق منه، مثلما أن الرجعية السياسية (في حالات كحال موراس) تقهر أحياناً النظرة الدينية التي كان يراد لها أن تسندها. ولا ريب في أن فهمنا اليوت الإنسان هو الذي يفتح الطريق إلى شعره ونقده، وإن أنكر ذلك بشدة، مثلما اتضح لنا؟ على وجه الجملة ٠ أن " الاتباعية " عنده تستمد وجودها من حاجة ذاتية. وهناك نقاش أدبي آخر لا يقل مرارة وقلة جدوى عن النقاش الذي دار حول الصلة بين شعره ونقده وذلك هو: إلى أي حد يمكن أن نرى في شعر اليوت خيوط سيرة ذاتية؟ وقد صفع ماثيسون، محقاً، نقاداً مثل غرانفيل هكس وس. داي لويس ذهبوا إلى أن اليوت كتب سيرته الاجتماعية في قصيدته " جرونشن " و " بروفروك "؟ بهذا الترتيب؟ ومن الواضح أن اليوت مثل نسر معمر في أوائل عقده الخامس ليبدو مضحكاً بعض الشيء (١) . ومع ذلك فمن المحال أن نعد بعض تعابيره حين نطلع عليها وبخاصة في " المقامات الرباعية " إلا تقريرات ذاتية مباشرة من الشاعر، كتبت في نغمة تشبه نثر لغة التخاطب. فهو يقول في East Coker: كانت تلك طريقة من التعبير عنها؟ طريقة غير كثيراً، دراسة متكلفة معقدة على نحو شعري قد أخنى عليه الدهر تترك المرء في صراع لا قبل له به، مع الألفاظ والمعاني،

стр. 179

أما الشعر نفسه فأمره ثانوي. أقول مرة أخرى: لم تكن هذه الطريقة هي الشيء المرجو فماذا كانت تصبح قيمة ذلك الذي طال ترقبه. ذلك الهدوء الذي طال ترجيه، ذلك الوقار الخريفي وحكمة العمر؟ وبعد بضع صفحات: وهكذا تراني هنا على الجادة، بعد عشرين سنة عشرين سنة بددتها بسخاء، سنوات ما بين حربين، محاولاً أن أتعلم استعمال الألفاظ، وكل محاولةٍ، بدء جديد، ونوع جديد من الإخفاق لأني لم أتعلم إلا التحكم بالألفاظ المتصلة بشيء لم أعد أريد التحدث عنه أو بالطريقة التي أصبحت لا أميل إلى التعبير بها وكل محاولة بدء جديد، هجوم على مبهم يمتنع على الإبانة، بمعدات متهرئة لا يزال يدركها الفساد، في حومة الشعور الطاغي، وأمام كتائب من العاطفة جامحة على النظام (١) فهذه الأبيات تنص حقاً؟ حتى حين يتردد فيها ذكر " الشعور " و " العاطفة " التي أسقطت من الشعر قبل ربع قرن مضى؟ على الألم؛ ذلك الألم الذي أعلنه اليوت في كتابه عن دانتي وقال إنه ليس مصدر الشعر وحسب بل هو مادته الوحيدة. لقد اعترف أنه يشعر بعد نظم الشعر " براحة مفاجئة من عبء فادح " وقال في موضع آخر: " وعلينا

стр. 180

جميعاً أن نختار أي موضوع يهيئ لنا أعمق الراحة وأخفاها ". ومن السهل أن نرى الإنسان المتألم في قولته المشهور " إننا لنكافح لنحتفظ بالحياة لشيء ما أكثر من رجائنا أن ينتصر شيء ما " أو في كلمته " كلمات أخيرة "، التي بعث بها إلى مجلة " المحك " سنة ١٩٣٩ متخلياً عن رئاسة تحريرها بعد ستة عشر عاماً: في مثل هذه الحال الراهنة من أحداث العالم، التي بعثت في نفسي تخاذلاً في الروح يختلف عن كل تجربة واجهتها خلال خمسين عاماً، تجربة لا يمكن أن تتحول إلى عاطفة جديدة، أراني لم أعد أحس بالحماسة التي لابد منها لكي أجعل من مجلة أدبية ما ينبغي أن تكون. إن الشخصية التي تنبثق أخيراً من هذا كله، ليست، كما قد يتوقع المرء، شخصية فنان عظيم منتصر، حقق في قصيدته " المقامات الرباعية " قطعة من أصل ما صدر في عصرنا من شعر، بل شخصية رجل مريض مقهور معذب يتحلل متوكئاً على النظام واللاشخصانية في الشعر، والاتباعية في النقد. وقد يمكن للنقد " الاتباعي " أن يتوجه بأمل تحو المستقبل؟ على خلاف نقد اليوت؟ ولكنه يحتاج حينئذٍ أشياء أدبية أخرى، ولابد له من أن يختار موروثاً آخر.
следующие страницы →