في قصته الأثيرة " بلي بد " (وهذا قصور غريب حقاً حين نعلم أن ونترز من النقاد القلائل الذين لم يخجلوا من التعليق على الشذوذ الجنسي فيما كتبوه بل إنه لحظ في قصيدة من قصائد روبنسون موضوعاً يحتمل أن تكون له صلة بالشذوذ الجنسي) . ومع هذا فإن دراسة ونترز للمفل قطعة فذة وكفاها أنه ضمنها اقتباسة كاملة تدل على جودة اختيار. بل ربما كان ونترز في هذه الدراسة، مثله عندما درس بو، يعطي الأديب ما يستحقه من تقدير صائب لأسباب خاطئة وربما كان سر اهتمامه بما يثني عليه من كتب ملفل أنه وجد فيها " الأخلاقية " التي يبحث عنها في الأدب. وهب ذلك صحيحاً، فإنه شيء لا ينقص من قدر تلك الدراسة.
وهناك نقاط إضافة عن " لعنة مول " تستحق أن تذكر: أولاً: مسألة " معاداة النورانية "، سر العنوان الإضافي للكتاب، وهي تهمة يكثر من تكرارها، إكثاره من ذكر " الرومانتيكية "، وبين المصطلحين وشيحة نسب. ويعني ونترز بمعاداة النورانية نوعاً من الانفعال الكاذب يزيد فيه قدر الشعور الناتج عن مقدار الدافع المحرك له، وهذا هو ما كان يعنيه الاغريق بكلمة " هستيريا " ويرونها مرضاً نسوياً مركزه الرحم. وعلى أساس هذا المفهوم يرى ونترز الأدباء السبعة المذكورين مصابين بمعاداة النورانية؟ على وجه ما؟ بل يرى أن هذا المرض هو أكبر الظواهر فيما يسميه " الفترة الرومانتيكية " الممتدة من ١٧٥٠ حت اليوم. ولا حاجة إلى القول بأن هذا المصطلح " معاداة النورانية " في كتاب " لعنة مول " كالغربال لا يمسك ماءً، شأنه في ذلك شأن المصطلح الآخر " شرب الدم "؛ ولا شك في أن موقف رجل يتهم قرنين من تاريخ الأدب برمته مستثنياً بردجز وستيرج مور لأنهما، فيما يرى، ولدا خطأ في ذلك العصر؟ إن مثل هذا الموقف، في أحسن أحواله، قلق هش خرع لا يطمأن إليه. ثانياً: لابد من أن ننبه إلى أن معالجة هنري جيمس في الكتاب
стр. 107
- إذا صرفنا النظر عن التقويم المتناقض المشوه الذي يورده ونترز، إذ يراه حيناً رمز إخفاق مريع ويراه حيناً آخر أعظم قاص في الإنجليزية بعد ملفل؟ لهي من أشد الكتابات النقدية قصوراً في عصرنا.
٣
- لم يصبح التقويم الجمالي المنظم للأعمال الفنية غاية رئيسية للنقد، في تاريخ الأدب، إلا بعد عصر النهضة، وظل منذ عهدئذ حتى القرن الحاضر هو المنهج السائد. أما النقاد الإغريق والرومان، فكانوا يهتمون ف الدرجة الأولى بالبويطيقا، وبتحليل الطبيعة الاجتماعية للفن والتأثير الفني. وأما نقاد القرون الوسطى فقد وقفوا همهم على التفسير الأخلاقي والباطني، وارتكز نقد عصر النهضة وبخاصة في انجلترة على إيجاد التبرير الخلقي للأدب الخيالي. ولما حل العصر اليعقوبي بانجلترة (١) أخذ النقد ينتحل التعلق بالتقويم وجرى عليه طوال ثلاثة قرون مثلما كانت الحال في أوروبة يعد النهضة وفي أميركية حوالي عهد الثورة بعد فترة من الأحجام الطبيعي.
وفي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر بانجلترة، ازدهر النقد التقويمي، وبلغ فيه أمثال توماس رايمر وجون دنس وصمويل جونسون ذروة التقريرات التعسفية التي يتضاءل أمامها ونترز. أما رايمر الذي وصفه ماكولي وفي وصفه شيء من العدل " بأنه أردأ ناقد عاش على ظهر الأرض " فإنه قد تأدى إلينا في صورة كان يعيد الأثر. فقد أثر في القراء حين استبعد شوسر قائلاً " إن لغتنا عندئذٍ لم تكن قادرة على إبراز شخصية بطولية " وتأثروا هم حين أعاد كتابة مسرحيات بيمونت وفتشر حسب فكرته عن الصحة الكلاسيكية وحين مزق مسرحية " عطيل " نصفين لأنها
стр. 108
نسيج من الهراء أو لأنها " مسرحية مضحكة دموية دونما تمليح أو نكهة " كتبها رجل كان يظن أن امرأة فينيسية عريقة الأصل تستطيع أن تحب زنجياً. ويقول رايمو أيضاً في شكسبير " إنه يبدو في المأساة في غير بيئته، فأفكاره معوجة وهو يهذي ويهيم على وجه دون تماسك؛ ودون أي قبس من عقل أو أي ضابط يزعه ويحد من جنونه ". أما شعره فإن " صهيل الحصان " ونباح " الزغاري " يحملان معنى أكبر مما يحمل ".
وكان جون دنس يرى أحكام رايمر على شكسبير رغماً عن بعض اختلاف بينهما " أحكاماً معقولة عادلة في أكثر جزئياتها ". وقد حسن في مسرحية " نساء وندسور المرحات " (١) The Merry Wives of Windsor وجعل عنوانها " الشهم المضحك " The Comical Gallant. وعلى هذا كله فإنه كان ناقداً أميل إلى الناحية الخلقية، مؤمناً بأن الغاية الكبرى من الشعر هي إصلاح العقل البشري الآثم. غير أن تقويماته المتزمتة وبخاصة ما يتعلق منها باسكندر بوب " عدوه اللدود " أو مراجعته الممتازة لرواية " كاتو " Cato لاديسون كانت مثل أحكام رايمر تعسفية تحكمية، ومرسلاته العامة في الأدب أعلق بالجزئيات. وأما الأحكام القوية التي كان يصدرها جونسون عن الأدباء في أحاديثه لبوزول أو فيما قيده في كتابه " سير الشعراء " فإنها أشهر من أن يعاد فيها القول هنا، غير أن بعض تقريراته التي لم تنل شهرة واسعة، يستحق التنويه. ففي مقالة نشرها في " الجواب " Rambler عن سبنسر نزع إهاب " أسلوبه الفاسد " وصفع الدورة السبنسرية " الصعبة المنفرة المتعبة " بل إنه في مقدمة كتبها عن شكسبير؟ تقديراً وتبجيلاً؟ لم يتورع عن عد نقائضه من مثل " إنه قلما يوفق كثيراً في المناظر الهزلية " و " إن خطبه؟ على وجه عام؟ باردة أو ضعيفة " وزاد
стр. 109
قائلاً: إنه إذا اعتبرنا حال حياة شكسبير وهمجية عصره، فعلى القراء " أن يسامحوه على جهله ".
وأكبر ناقد تقويمي متعسف شهده القرن التاسع عشر خلفاً لرايمر ودنس وجونسون هو ولتر سفج لاندور W. S. Landor فقد كان في مقدوره أن يصفع فرجيل نفسه لأنه استعمل تعبيراً لاتينياً غير دقيق وأن يصرح بأن ليس لبوليتيان (انجيليو بوليتزيانو) إلا قصيدة واحدة تستحق التقدير، وأن يهاجم كولردج هجوماً شريراً، ويستبعد الأدب الفرنسي بحذافيره وبخاصة المأساة الفرنسية وفولتير، ويضحي بكل من بوب وبيرون. وفي حمله؟ صراحةً؟ عبء التقويم التعسفي إلى نهايته المنطقية، كما حمله ونترز ضمناً؟ قرر لاندور أن أسوأ ما خطه ممثلاً في " أحاديثه الخيالية " العشرة " Immaginary Conversation " لا يمكن أن يسمو إليه أرفع خصومه موهبةً، في عشر سنوات من الكد، وأن الإصبعين اللتين تحملان قلمه لهما أقوى من داري البرلمان.
ومن الواضح أن إيفور ونترز يجيء في سلسلة هؤلاء الرجال مباشرة، وأنه مثل لاندور، رجعة إلى ما قبل عصره بقرن كامل حين كان " القول الفصل " مظهراً سائداً في النقد والأدب. وهو مثل هؤلاء جميعاً، يبني تقويماته على الكلاسيكية والإيمان بالموروث. ومثل معظمهم في أنه يصدع بتقويماته خدمة لقضية رجعية سياسية. وقد قال ببعض هذه المقارنة بينه وبينهم نقاد آخرون، فقارنه كلينث بروكس برايمر في كينيون رفيو Kenyon Review عدد الربيع سنة ١٩٤٠ لتشابههما في " جوانب القوة والضعف " ووازن كثير من المراحعين بينه وبين جونسون، ربما لأن ونترز سبقهم إلى القول بأن جونسون هو الناقد الإنجليزي الذي يستحق أن يوصف ب؟ " العظيم "، ولكن لم يلحظ أحد وجه الشبه المفزع بينه
стр. 110
وبين دنس، لأن دنس عندما يهاجم الشعراء الذين يحسبهم أردياء لا لأنهم فحسب فنانون خاطئون بل لأنهم أشرار يعادون الأخلاق، أو حين يقول " إذا كان المرء واثقاً من نفسه فعليه أن يتكلم في ثقة متواضعة " ... أقول: إن دنس في هذا كله ليس إلا تجسداً مبكراً لونترز. وإذن فإن معجم ونترز النقدي وأمثلته معاصرة، غير أن قلبه وفكره يعيشان؟ فيما يبدو؟ في لندن سنة ١٧٠٠.
وهناك أرومة نقدية أخرى ينتسب إليها نقد ونترز، وهو قد جلا النقاب عنها بقوله في كتاب " البدائية والانحطاط ": " إن هذه الفكرة عن الشعر في مجملها العام ليست أصلية، ولكنها إعادة للأفكار التي كانت سائدة في النقد الإنجليزي منذ أيام سدني، وظهرت في أكثر كتب الدفاع عن الشعر منذ سدني أيضاً وبخاصة فيما كتبه آرنولد ونيومان ". وهو يعني؟ بالطبع؟ سلسلة النقد الأدبي المبني على الأخلاق، ذلك انقد الذي بدأ منذ أقدم كتاب يونان، وهو موروث يطابق أحياناً مبدأ التقويم التعسفي، ويسلك أحياناً سبيلاً مجافياً له؛ ومن الواضح أن ونترز يرى موضعه في هذه السلسلة أيضاً. ولقد يحرج النفس أن نشهده يقارب بين غنف طريقته الجافية وبين لطف سدني ونيومان ظاناً أنهما من معدن واحد. بل لعل التشابه بينه وبين آرنولد أدق وأقرب. ومع أن ونترز قد ينكر ذلك التشابه مستاءً، فإن مبدأه الأساسي أعني إيمانه بأن الفن " هو تخلل الفهم الخلقي الثابت للتجربة الإنسانية " ليس؟ فيما يبدو؟ إلا إعادة لمبدأ آرنولد: " الفن هو نقد الحياة " عن طريق تطبيق المبادئ الأخلاقية.
ولا ريب في أن هناك أنواعاً أخرى من النقد الأخلاقي في الأدب، يغفل ونترز ذكرها بمرونة؟ هناك ماكولي ونظرته الأخلاقية النفعة التي تختنق الأنفس، وتمثل مبدأ حزب الأحرار. وهناك تولستوي ومقته
стр. 111
المتعصب لكل فن يدق على فهم القن الروسي ابن القرن التاسع عشر، وهناك الحياء الخائر المصطنع عند وليم دين هولز الذي يقترح ألا تحتوي القصص ما يخجل القصاص من ذكره أما الفتاة، وكثيرون كهؤلاء رداءةً. ومن الجور أن نضع خلقية ونترز المترفعة في صف مع هؤلاء، ومع ذلك فكلهم داخلون في سلسلة النقد الأخلاقي مثلما أن أردأ شطحات رايمر معدود في نطاق النقد التقويمي، فإذا جمع شخص مثل ونترز ودنس بين الموروثين في نقده فقد ينجيه من التردي في الصلف المستكبر أو الحماقة المستعلية أن يكون هو نفسه مصيباً حقاً. ولا حاجة إلى القول بأن ونترز منقوص الحظ من ذلك.
٤
- في عصرنا نماذج أخرى من التقويم النقدي تشبه في تعسفها أحكام ونترز وأكثرها أقل من أحكامه نصاً على الأخلاق؟ بعض الشيء؟ فهناك في المستوى الصحفي (أو كان كذلك لأنه قد تخلى فيما يبدو عن النقد الأدبي إلى الأبد) رجل اسمه هـ؟. ل. منكن H. L. Mencken العدو الجبار لعصبة " البلهوازيين " (١) وتبدو تقويماته المتعسفة دائماً وليدة جهل ساذج، ومع ذلك فإنها تسخر من تقويمات ونترز على نحو غريب فقد وصف منكن كلاً من بو ومارك توين بأنهما " الشخصيات العالميان اللذان أسهمنا بهما في دنيا الأدب، دون ريب " أعلن أن ليزيت ودورث ربز " قد كتبت أرصن الشعر، وأن شعرها أبلغ وأجمل؟ على التحقيق؟ من شعر كل الشعراء المحدثين مجتمعين "، وزعم أن هنري جيمس هو " هوراس ولبول " (٢) الأميركي، ووسم أحد اثنين أو ثلاثة من المفكرين
стр. 112
الأميركيين الخلاقين، ممن لا يشك في عبقريتهم، وذلك هو ثورشتين فبلن (١) بأنه " نافورة أفٍ وتف ". وإذا عارضنا تقويمات منكن بتقويمات ونترز وجدنا أن القاعدة في تقويمات منكن هي عجزه عن أن يفهم الأدب الجاد وأنه عدو خصيم لكل شكل من أشكال الخلق، ولكن من المدهش تقارب ما قاله عن بو وتوين مما قاله ونترز عن كوبر، ومشابهة تقديره لليزيت ريز تقدير ونترز لاليزابث داريوش.
أما المنبع الكبير الآخر للتقويم المتعسف في نقدنا فهو عزرا بوند الذي كان صديقاً لمنكن؟ مدة طويلة -، فقبل مرحلة الفاشية والبارانويا (مرض العظمة) بوقت طويل (٢) ، كان بوند يصدر أحكاماً تبدو أمامها أسطع أحكام ونترز باهتة شاحبة. فقد وصف " الفردوس المفقود " Paradise Lost بأنها ملودراما مصطنعة كتبها رجل " غليظ العقل " " حماري " " مثير للاشمئزاز " " بهيمي "، واستبعد أدب القرن التاسع عشر برمته، وأعلن أنه يفضل صورة الآنسة الكسندر الشابة التي رسمها ويسلر على كل " الرسوم اليهودية " التي أنتجها بليك، وألقى بتاسو وأريوستو وسبنسر في " كومة النفايات "، ونبذ دريدة لأنه " فدم عبام " وانتاجه لأنه " جدب صراح " وأعلن أن تاريخ هيرودوتس " أدب " وتاريخ ثوسيديد " صحافة " وهاجم رجلاً يسميه أحياناً أرسطوطاليس وأحياناً أخرى " أرى سطوطاليس " لما كان يصطنعه من " تحويط وسند وترميم ".
ومن المحتمل؟ في أقل تقدير؟ أن بوند نفسه لم يكن يؤمن بهذه
стр. 113
الأحكام. فقد قال مرة مشيراً إلى حكم أصدره فضل به كاتولس من بعض نواحيه على سافو: " لا أدري إن كان هذا صحيحاً أو غير صحيح، فعلى المرء أن يتناول الأمور بعقل متفتح ". وقد سجل كذلك دراسة جميلة مسهبة وعبقريته وشفعها بقوله " إن المرء ليقرأ هنري جيمس لمجرد ما فيه من وحشة وظلام ".
ومن أشد المظاهر غرابة في تقويمات بوند أنه يكاد دائما يجمع بين أديب مجيد وآخر رديء، أو بين أثر لهذا وأثر لذاك ويسوي بينهما. فقد تحدث عن " تار " Tarr لوندهام لويس جنبا إلى جنب مع كتاب " صورة الفنان في شبابه " لجويس بنفس العبارات، وقرن بين " مينا لوي وماريان مور " وأشار إلى أن جوزف جولد ووليم كارلوس وليمز شاعران معاصران بارعان. (وأقول استطرادا: إن ولدو فرانك وهو ناقد أندرسون ومانويل كمروف؛ وبين د. هـ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟. لورنس وج؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟. د. برسفورد؛ وبين " الموهبتين الكوميديتين "؟ دورثي رتشاردسون وجيمس جويس) . ولعل هذا القرن بين أديب عظيم وآخر متخلف؟ من كل أحمق بليد مستكتب بأجر؟ بآصرة واحدة من الملق،.. لعله أن يكشف عن نقص في الذوق أكبر وأخطر من الاقتصار على مدح الحمقى والبلداء المأجورين.
وفي النقد التقويمي؟ في عصرنا؟ نوع آخر رئيسي يمكن أن نسميه " تصحيح الرأي "، ومن أشد أمثلته تخلفا في الذوق، على مستوى منكن، كتاب لآرنست بويد عنوانه " تجديفات أدبية " Literary Blasphemies وهو محاولة لإعادة النظر في التقديرات الموروثة حول عدد من الأدباء، من شيكسبير حتى هاردي، بمثل هذا الأسلوب في وصف ملتن " ذلك المغرب (١)
стр. 114
المصاب بداء العظمة الذي كان عماه دون ريب أثرا للزهري الموروث " في وصف جيمس " رجل متهوس بحب الإنجليز، وصولي في المجتمع، صرف كل وقته يخترع مصطلحات تقوم مقام كلمة الآلة الكاتبة ". أما في المستوى العلمي فكل أستاذ في الأدب ألف كتابا قد جرب أن يقترح فيه؟ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؟ أسماء الأدباء الذين يقدمهم أو يؤخرهم. وهذا نشاط عقيم لأن الناقد قلما ينجح، أما الأستاذ فلن ينجح، في تغيير الذوق الأدبي. وإذا استثنينا الضغينة المتعسفة التي يبدو أن مصحح الآراء يحملها دائما نحو كل ذي مجد مؤثل (ونشاط ونترز لسوء الحظ نموذجي في هذه الناحية) قلنا إن هذا اتجاه لا ضرر يخشى منه فهو ضرب أستاذي لطيف من اعتداد بالنفس، لا يحقق غاية.
٥
- ولعل أهم مسألة يجدر اعتبارها في تقويمات ونترز هي؟ بالدقة؟ ما الذي يعنيه بقوله " أخلاقي ". فقد عرفها أو استعملها لتؤدي عديدا مختلفا من الأشياء بعضه لا يلائم البعض الآخر، وبعضه لا معنى له أبداً. وقد سوى بينها وبين " الجهاد للوصول إلى مثال في الشكل الشعري " وجعلها تعني كلاسيكياً في مقابل ما هو رومانتيكي، وتعني " تقليدياً " في مقابل " تجريبي " أو تعني " شعوراً معتدلاً تحفزه دوافع صحيحة "، الأقل؟ محل " إنساني ". وفي بعض الأحيان تبدو مصطلحاً أديباً فنياً قريب الشبه مما يسميه آرنولد " الأسلوب الفخم " أو " الجد الرفيع "، وأحياناً تعني " تعليمياً " وأحياناً لا تعدو معنى " رجعي " ويبدو أنها في بعض الحالات ليست أكثر من نعت يدل على أن ونترز أعجب بالعمل الفني وظنه جيداً. ولا يربط بين هذه الاستعمالات جميعاً خيط واحد
стр. 115
إلا أن " أخلاقي " كانت في الأصل شيئاً واضحاً عند ونترز، لعله ذاتي أو لعله نظام فني مساوٍ لما يسميه الإنسانيون المحدثون " الوازع الداخلي " ثم اتسعت في الدلالة حتى أصبحت تشمل نتائج هذا الوازع، ومن ثم تشمل كل عمل أو نزعة يمكن أن يفترض وجود هذا الوازع وراءها، أي تشمل كل عمل يحبه ونترز وكل نزعة يحترمها (١) .
وثمة طريقة أخرى تطلعنا على ما يعينه ونترز بقوله " أخلاقي "، وتلك هي أن نلحظ ما يعده " غير أخلاقي "؟ وهذا يضم؟ أولاً؟ كل المترادفات المضادة لاصطلاح " أخلاقي " كانعدام الشكل، والرومانتيكية والتجريبية وكل شعور مبدد أو هستيري أو " محفوز بدوفاع غير صحيحة "، والاتفعالية الكاذبة وما أشبه. وفي المقام الأول يمقت ونترز شيئين يمقت ونترز شيئين هما: البدائية والانحطاط. فالشعراء البدائيون؟ كما يعرفهم؟ هم الذين يستغلون كل الوسائل الضرورية لبناء قصيدة قوية ولكن مجال مادتهم محدود، أما المنحطون فهم الذين يظهرون إحساساً مرهفاً باللغة، وقد يكون لديهم آفاق واسعة، ولكن عملهم ناقص شكلاً أو هم الذين أضعفتهم جريرة الشعور بعض الضعف لا كله. ويفسر ونترز هذا بقوله: الشاعر البدائي شاعر كبير في مجال صغير والشاعر المنحط شاعر كبير تنقصه إحدى القدرات الهامة. ومثال الأول وليم كارلوس وليمز، ومثال الثاني ولاس ستفنز.
وهذه التفرقة صحيحة متينة، ومع أن استعماله للاصطلاحات كاستعماله لمصطلح " معاداة النورانية " يكاد يكون محض تحكم لأنه لا صلة له
стр. 116
بالأصل الاشتقاقي للكلمات أو الاستعمالات المألوفة، فليس من سبب يمنعه من أن يسمي " بدائياً " و " منحطاً " ما يسميه كاتب آخر " صغيراً " أو " ناقصاً " وما يسمه ثالث " كذا " و " كيت ". على أن ونترز يحدث اضطراباً حين يستعمل كلمة " منحط " بمعنى أميل إلى الاتباعية كأن يقول في سدني وسبنسر " إنهما منحطان " لأنهما يهمان " باصطناع مناهج لا معنى لها نسبياً ". أو حين يهاجم هنري آدمز بأنه " صورة للبيورتانية المنحطة " وسوينبرن بأنه " صورة لانحطاط الموروث الأدبي ". وأخيراً كان العدو الألذ لأخلاقية ونترز شيء يسميه " مبدأ اللذة " وهذا ما دعا كلينث بروكس ليسمه بالرواقية؛ وهو يرى هذا المبدأ متمثلاً في أصرح حالاته عند ستيفنز (وأقول استطراداً إن أساس هذه الدعوى واهٍ ركيك لأنه ينظر إلى قصيدة " صباح الأحد " من خلال محتواها النثري فقط، وكذلك زاد ميله إلى هذا الاتجاه في تقدير الشعر مع أنه يستنكر هذه الطريقة صراحة في موضوع آخر) . وينتهي مبدأ اللذة؟ فيما يقوله؟ إلى " السآمة " مثلما أن انحطاط آدمز انتهى به إلى " الفوضى "؛ ويرى ونترز أن كل أدب لابد من أن يتردى في إحدى هاتين الهوتين إذا لم يكن مؤسساً على " الأخلاق ".
والنص على الأخلاق هو لب النقد عند ونترز وربما كان مديناً به إلى الإنسانيين المحدثين وبخاصة ايرفنج بابت (ومنه أيضاً استمد طريقة الأحكام التعسفية المتهورة) . وقد اعترف ونترز بأنه معجب ببابت وأنه " تعلم منه الكثير " كما اعترف بدين محدد لعدد من أفكار بابت وتحليلاته، ويبدو أنه لم يفد كثيراً من سائر الإنسانيين المحدثين، وصرح بأنه لا يعد نفسه واحداً من جماعتهم بل إنه في مقال له نشره في مجموعة عنوانها " نقد النزعة الإنسانية " أعدها كلنستون هارتلي غراتان (١) ، هاجم النزعة الإنسانية
стр. 117
الجديدة بمرارة ورمى كثيراً دعائها بتهمة " الانطباعية المنتحلة " و " الآلية الأخلاقية " بله الكتابة الرديئة والعنف والعنف المتهور (وهذه تهمة ممتعة) وسوء الأدب و " الإفلاس الروحي ". على أن مقاومة ونترز للرومانتيكية، لأنها تريد " إطلاق " العواطف لا " كبحها " هو نفس المبدأ الذي تدور عليه النزعة الإنسانية، ولا ريب في أن ونترز أقرب إلى هذا المذهب من أي مذهب آخر.
دعنا نتوجه بعد عرضنا لأخلاقية ونترز إلى توضيح نظرياته في الأوزان، فهي حرية بذلك: يبدي ونترز وبخاصة في " البدائية والانحطاط " اهتماماً كبيراً بالتفعيلات الشعرية، وكثير من تحليلاته للبحور ذو قيمة أصيلة مثل تحليله لثلاثٍ من قصائد إملي ديكنسون، تقدمت الإشارة إليها. ومع ذلك فإن هناك خطأين كبيرين يفسدان نظريته في الوزن وبعض تطبيقاته العملية وأولهما: ما يمكن أن يسمى " أغلوطة الإيقاع الحكائي " وهي الفكرة التي تقول إن البحر والاختلاف الوزني وحدهما يوحيان بالمعنى أو بالحال (لا أنهما يقويان المعنى فحسب) وكثيراً ما تصدى لهذه النظرية نقاد بارعون (بينهم رتشاردز) فأبطلوها بلباقة، وذلك بوضع كلمات أو مقاطع لا معنى لها في سياق الإيقاع نفسه، فإذا الإيقاع في شكله الجديد لا يحدث شيئاص من الإيحاء المزعوم. ومما يدهش له المرء أن يظل ونترز مؤمناً بهذه الفكرة، على ذلك كله. أما خطأه الثاني فهو النظرية التي ترى أن الشعر الحر منتظم يمكن تقطيعه إلى تفاعل فتكون التفعلية الأولى طويلة تحتوي نبرة ثقيلة يتلوها ما شئت من نبرات خفيفة ومقاطع غير منبورة. وقد خصص ونترز لهذه النظرية جانباً رحباً من كتابه " البدائية والانحطاط " وخلق تعليلات واسعة مسهبة متسامحاً في قبول نماذج كثيرة من المستثنيات والأبيات الشاذة حتى كاد يستوعب كل شيء خارج عن تفعيلاته بحيث لا يتبقى ما يشذ أو يستثنى. ويقف في وجه ونترز ذلك السؤال الحتمي
стр. 118
الذي يحطم كل جهوده، وهو: لمَ لمْ يكن في المستطاع " تفعيل " أي عبارة نثرية. بما في ذلك عبارة ونترز نفسه، بهذه الطريقة نفسها؟ ولا جواب له على ذلك إلا قوله: إن الترتيب المقطعي في النثر عفوي عارض بينما الترتيب المقطعي في الشعر الحر تعمدي؟ فيما نفترض -، وإننا " نحس " بنوع من الإيقاع النغمي في الشعر الحر ولا نحسه في النثر.
إن علم العروض ما زال شكلاً من أشكال " خفة اليد الحوائية " (١) لأن أكثره لا ينفك في عقل " المفعل " لا على صفحة القرطاس (حتى إن هوبكنز؟ مثلاً؟ يستطيع أن يقطع أي شيء في إيقاع منحدر وذلك ببدء كل تفعيلة بمقطع قوي منبور؟ وكان في مقدوره أن يقطع كل شيء بإيقاع صاعد، بمثل تلك السهولة، لو أنه بدأ بالتفعيلة بالمقطع الثاني لا بالأول) . ولعل تقطيع ونترز للشعر الحر؟ على هذا الاعتبار؟ ليس أشد شذوذاً من أكثر ضروب التقطيع التعسفي. على أنه حين يكتب شعراً حراً على طريقته في الوزن فإنه يصبح أسيراً لنظريته كالساحر الذي أدى دوره على المسرح وما يزال منديله يصر على أن يتشكل في صورة العلم الأميركي (٢) .
وكل تقدير عام لا يفوز ونترز لابد من أن يحسب حساباً لنواحي عجزه وقصوره؛ ومن أوضح هذه النواحي ضيق المعرفة عنده. نعم إنه مصطلح،
стр. 119
ولكن اطلاعه؟ فيما يبدو؟ يدور في فلك ضيق لا يتعدى القصة الإنجليزية والأميركية والشعر الحديث في الأدب الإنجليزي والأميركي والفرنسي. ويظهر أنه لم يتعرف إلى أي أدب من آداب القارة الأوروبية عدا الفرنسي وإذا استثنيت دانتي فلست أذكر ورود ذكر لأديب خيالي آخر في كل آثاره النقدية، ممن ترك آثاراً في غير اللغتين الفرنسية والإنجليزية، ومراجعه الفرنسية محدودة أيضاً. ولنختر بضعة أسماء اتفاقاً: لم يذكر ونترز أبداً دوستويفسكي أو بوشكين أو بوكاشيو أو بترارك أو غوته أو هايني أو سرفانتس أو لوب دي فيجا أو حتى ستندال أو فيون. وليس معنى هذا أننا نريد إليه أن يتحدث عن الأدباء الأجانب بعد إذ بدا أنه ملتزم بعدم الإشارة إلى شخص لا يستطيع أن يقرأ آثاره في لغته الأصلية، وإنما نريد أن نشير إلى خطأ فادح في الطريقة التي ينهجها ونترز دائماً وأبداً وهي أن يقال: هؤلاء أعظم القصصيين وهؤلاء أعظم الشعراء ثم لا يكون هؤلاء وهؤلاء إلا من الإنجليز أو من الأميركيين.
بل هناك ثغرات غريبة في معرفة ونترز حتى فيما يقع في دائرة اختصاصه. فقد كتب فصلاً طويلاً مسهباً عن هوثورن من غير أن يبدو ما يدل على أنه يعرف شيئاً عن وجود مذكرات يومية لهوثورن، إخبارية متطرفة في واقعيتها، دع جانباً أنه لم يقرأها. وهو يسوق مقررات قابلة كثيراً للأخذ والرد عن تاريخ الأدب الإنجليزي، دون أن يشير إلى برهان أو وثيقة فيها. والأمر كما بينه رانسوم وكما اتهمه به هوراس غريغوري هو أنه فيما يبدو لا يعرف الفرق بين الشعر الذي ينتمي إلى عصر إليزابث والشعر الذي ينتمي إلى عصر آل تيودور.
وإلى جانب هذا القصور في معرفة ونترز نراه يعاني من استكباره عن أن يستعمل عقله. مثلاً لا ينكر أحد أن في الفكر النقدي عند اليوت متناقضات واقعية كثيرة، ولكن كثرتها لم تمنع ونترز من أن يخترع له
стр. 120
متناقضات جديدة؛ فقد استكشف ذات مرة أن هناك عبارتين متناقضتين عند اليوت (سطحياً) ؛ وأبى أن يحكم بالصواب لأحدهما لأنه أبى قراءتها على أي صعيد إلا الصعيد الحرفي. وهو أيضاً يتبجح بجهالته، فقد أقتبس مقطوعة للشاعر ادوين آرلنجتون روبنصون عنوانها " عابر سبيل " En Passant وقال " إنه لا يستطيع أن يحل معمياتها " وذهب يتشدق مرة أخرى أسفاً، إذ فاته سر عنوان قصيدة ستيفنز " الكوميدي في صورة الحرف ك " قائلاً: " يؤسفني أن أقول إنه استعصى على كل من علمي وذكائي ". ولكن هذا العنوان نفسه لم يستعص على علم بلاكمور وذكائه فقد نشر تفسيراً باهراً مقنعاً لعنوان تلك القصيدة في مجلة " الكلب والنفير " (١) Hound and Horn سنة ١٩٣٢، ونشره مرة أخرى في الصفحة من The Double Agent سنة ١٩٣٥، وقد كان المرجو من ونترز، حيث يأبى أن يفكر، أن يتنازل؟ على الأقل فيقتبس أفكار الآخرين وخاصة حين تكونتلك الأفكار في متناول يده خلال عشر سنوات (٢) .
وكان من ثمرات هذا الجهل والتصلب الفكري العارضين، عدد من الآراء ليست فوق الغاية في التعسف أو الشذوذ بقدر ما هي مضحكة،
стр. 121
فقد وصف شكسبير بأنه كتب مكبث وعطيل ليضع على القرطاس تقديراً أخلاقياً للخطيئة وأعلن أن كتاب هنري آدمز " تاريخ الولايات المتحدة ": " أعظم مؤلف تاريخي في اللغة الإنجليزية باستثناء تاريخ غبون " لا ليمدح آدمز، وهو محتقر عنده، بل ليصفع سائر مؤلفات آدمز. (واستطرد إلى القول بأن آدمز نفسه كتب يقول إنه يفضل اثنتي عشرة صفحة من قصة ايستر (١) Esther على كل كتاب في التاريخ " بما في ذلك الخرائط والفهارس " وهي حقيقة لا يذكرها ونترز ولعله لا يعرفها) وقال يعرف ماثيو آرنولد " إنه أحد الشعراء العظماء في القرن التاسع عشر " و " إنه من أسوأ الشعراء في الإنجليزية " فجمع بين هاتين الحقيقيتين في جملة واحدة. وهو يرى أن كارليل لا يؤبه به، فلم يشر إليه إلا مرة واحدة في الهامش بقوله " لعل القارئ يحس مثلما أحس؟ أنه كلما قل الكلام في كارليل كان ذلك أحسن، وهذه عندي حقيقة مسلمة ". ثم أكد ذلك بحذف اسم كارنيل من فهرست الأعلام في كتابه. وأخيراً وجد أن " النغمة " متشابهة عند كل من بيتس وروبنصون جفوز، وتتبع نظريات ت. س. اليوت في الشعر فوجد أصولها عند إدجار ألان بو.
ويبدو أيضاً أن الأفكار السياسية والاجتماعية أثراً في آرائه النقدية؛ كتب عنه ألان سوالو في " مجلة جبال روكي " يقول: " إن موقف ونترز هو موقف المسيحي ". غير أنه عرف نفسه بقوله: " أنا أحد الضالين ولست مسيحياً " هذا على أنه يعتنق المذهب الذي ترعاه الكنيسة الكاثوليكية والأنجلوكاثوليكية. وهو يؤثر السمة التي اختارها أيرفنج بابت أي " رجعي "
стр. 122
حين يستعمل هذه اللفظة لأبلغ الإطراء. وربما أنكر ونترز أنه يقيم أحكامه الأدبية على أساس من التحيز السياسي، ولكن كيف نفسر هجومه المرير على كتاب بارنغتون " التيارات الرئيسية في الفكر الأميركي " وهجومه على كتاب برنارد سمث " المؤثرات في النقد الأميركي " في الملحقين الثاني والثالث من كتاب " تشريح الهراء " إن لم يكن الحافز في ذلك دوافعه السياسية؟ وهذان مثلان فحسب ولكن من طلب مزيداً وجده.
وهو مثل بابت، إمامه وناصحه (كتب بابت مرة يقول: إن بعض الأذواق لا تقوم إلا بالعصا) ليس ألطف المجادلين ولا أحسنهم تأدباً وهو يدخر بعض شتائمه الجارحة لهنري آدمز الذي يحتل لديه؟ تقريباً؟ مقاماً يحتله روسو عند بابت، أو الشيطان عند المسيحي الذي يأخذ التوراة حرفياً. فقد قال يصف آدمز: " إنه صورة للتفكك العقلي " ونبزه بأسماء لا يستعملها إلا رجل الأخلاق، مثل " لذي " " فوضوي " " مريض عصبياً " " طفولي " " وقح "، وتدنى مسفاً فاتهمه بأن انتحار امرأته كان نتيجة طبيعية لموقفه. والانتحار عنده نصيحة أثيرة يمحضها خصومه، وليس هذا ما يجب أن يتحلى به رجل أخلاقي فقد اقترح " الانتحار " مرتين؟ على الأقل؟ كتابةً، مرةً لروبنصون جفرز، ومرة ليوجين جولاس. وإذا حمي في الجدل اندفع نحو التجريح المقذع ونزع إلى مثل هذه التعليقات: " إن معرفتي يعقليات الأدباء المعاصرين معرفة واسعة ... ولشد ما آسف إذ أجد كثيراً من اللامعين فيهم لأياً ما يفهمون المسائل البسيطة "، أو مثل " وإذ عجز (أي خصمه) عن أن يلحظ نقدي لهذه الأبيات تشبث متصلباً بنوعٍ من الجدل الأدبي المعاصر لا يليق بكاتب ناشئ مثلي أن يحتج عليه ".
والحق أن ونترز شرير لا ينجو المرء من براثنه إذا تورط معه كتابةً، وبين الحين والحين تقاتل مع عدد كبير من النقاد والمراجعين المعاصرين
стр. 123
ويبدو لأنه يقرأ كل قصاصة مطبوعة يذكر فيها اسمه ويجيب على المراجعة بمراجعة مضادة، وعلى المقالة بمقالة مثلها، وعلى الفصل من كتاب بفصل مماثل. وهو لا ينسى هجوماً أبداً مع أنه قد ينتظر سنوات حتى يرد، غير أنه أحياناً ينسى تفصيلات ما يكتبه أصلا. ومن المفيد أن نستعيد هنا الخصومة بينه وبين ثيودور سبنسر: راجع ونترز في مجلة " الكلب والنفير " أبريل (نيسان) ١٩٣٣ شعر ستيرج مور وزعم أن مور شاعر أعظم من بيتس. وفي أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه اقتبس سبنسر ملحوظة ونترز هذه وحطمها بأن طبع الرباعية الأولى من قصيدة لمور عنوانها " أبوليوس يتأمل " (١) Apuleius Meditates وكان ونترز قد رفعها إلى السماء تمجيداً؛ ونشر إلى جانبها أربعة أبيات من قصيدة لييتس عنوانها " ليدا والإوزة " (٢) Leda and the Swan. بعدئذٍ تسلم ونترز دفة الجدل فاتهم سبنسر في " تشريح الهراء " ١٩٤٣ بأنه أساء الاقتباس منه وأنه حرف أقواله الأولى تحريفاً كاملاً (أي قارئ يشك في هذا عليه أن يختبر حقيقة ما قاله ونترز في ييتس ومور ويعرضها على ما قاله من ملاحظ بعد عشر سنوات) . وإذا لم تنجع هذه الأساليب تنزل ونترز إلى مجرد التحقير فقد أجاب على مراجعة كتبها وليم تروي
стр. 124
ولم يكن هذا قاسياً أو ذاتياً، بقوله: " هذه محض حماقة أمية " وصب عليه الاتهامات الآتية " اختبار متهاون، تفكير سطحي، تحذلق متنطع، غمز غير غائي ". وكتب عنه ت. فايس مراجعة (يجب أن نقر بأنها كانت قاسية ذاتية) فأجاب عنها في العدد الثاني من المجلد الثالث من مجلة Quartely Review of Literature، وقد صعد به جوابه إلى ذروة الهستيريا وهو يصرخ " جهل " " تحقير دنيء " " لا يستطيع أن يفهم جملة واحدة " " تحريف وتشويه " " خيانة متعمدة " ثم ينهي ذلك كله بلطف قائلاً: " أما فايس فإنه غبي أحمق كذاب ". وهناك عبارة من ردود ونترز تستحق الاقتباس لما فيها من كشف وإيحاء وهذه هي:
" إن الأسباب التي تدعوني للرد عليه ثلاثة: أولها اعتقادي أن ما كتبته في كتابي هام، ولا أحب أن أرى إنتاجي محطاً للعبث والفوضى وثانيها أني اكسب معاشي من أني دارس، وسمعتي في مهنتي تتأذى من هذا الأمر، وثمة عدد قليل من أهل مهنتي؟ للأسف؟ وغالباً ما يكون من ذوي النفوذ، يؤمنون بالحرف المكتوب، وإنما أحكي هذا عن تجربة لا عن تخيل. وآخرها أن هناك كثيراً من هذا النوع من المراجعات رائجاً في هذه الأيام، ولابد من وسمه بحقيقته ليعرف أمره ".
في هذا الفزع الجلي المريع دلالة يمكن أن تفسر شخصية ونترز ونقده. وهذا النوع من القلق كامن؟ فيما يبدو؟ وراء مشروعاته الفخمة المزعومة التي لا يحقق منها شيئاً، وأحكامه الجارفة التي يرسلها دون أدنى شاهد، ويغيرها من سنة إلى أخرى، كامن أيضاً وراء أمور كثيرة منها: حاجته إلى أن يحدث تأثيراً بكل وسيلة، وتقسيمه الأدباء طبقات على حسب الاستحقاق تقسيماً تحكمياً، وحاجته الماسة إلى متملقين المأجورين، وتأثره العميق بأي نقد، وإلحاحه على هذه الدعائم الخارجية مثل " أخلاقي "
стр. 125
" منطقي " " عقلي " " نظام " " ضبط " " رجعية "، وشعوره بأن شعره لم يتذوق، وغضبته ومرارته وانعكاس ذاته على شعراء مغمورين لا يقبل عليهم أحد مثل جونز واليزابث داريوشس، وتفاخره بالجهالة، وتكلفه عامة وسوء أدبه وهراشه البذيء. وهذا النوع من القلق يزيد فيما قد يسمى " الشخصية الباروقية " (١) وهي تقع ككل " باروق " عموماً في نهاية الشوط حين تستنفذ كل الإمكانيات الفعالة وينجم عنها انحسار الاطمئنان، والشعور بالإخفاق فلا يبقى من وسيلة لمواجهة ذلك إلا زيادة المحسنات الفخمة الجسيمة. وكثير من المتعسفين في التقويم قبل ونترز، من رايمر ودنس حتى منكن وبوند باورقيون قلقون على هذا النحو تماماً مثلما هي حال الإنسانيين المحدثين المتصلين بونترز وبخاصة إيرفنج بابت من بينهم جميعاً.
وإذا فهمنا هذه الشخصية الباروقية، اتضح لنا كثير من آراء ونترز ومبادئه. فمثلاً: مما أسداه للنقد الحديث (وهو شيء ورثه من بابت ثم زاد فيه ونماه) مبدأ " بدعة الشكل المعبر " وتعريفه عنده أنه الاعتقاد بأن خير ما يعبر عن التفكك شكل مفكك مضطرب لا شكل منظم مرتب. وهو يرى ذلك ميزة بارزة للأدب الحديث وبخاصة عند اليوت وبوند وجويس، ويتتبعها إلى مبدأ كولردج المسمى " الشكل العضوي ". ولكن الأمر كما وضحه فايس وغيره وهو أن كلاً من اليوت وبوند وجويس ومن على شاكلتهم من الأدباء المحدثين لا يستعمل شكلاً فوضوياً مفككاً وإنما شكلاً يبدو فوضوياً مفككاً وينشأ عضوياً من طبيعة مادتهم ولكنه
стр. 126
منظم مرتب مدبر بعناية (ويقول إن لكتاب " يقظة فينيغان " من التنظيم ما تقف أمامه حائرين) ، على وجه وإلى مدى لا يتطاول إليه الأدب المعاصر التقليدي بما في ذلك شعر ونترز نفسه. ويبدو أن مشكلة ونترز هنا هي: بما أنه هو نفسه يتطلب شكلاً مفروضاً عليه من الخارج ونظاماً يحمل عنه عبء شكوكه الذاتية وعبء مظاهره الباروقية، فإنه يعجز عن أن يتصور شكلاً مفروضاً من الداخل، ناشئاً طبيعياً وعضوياً من مادة الفنان.
وقد أدى ونترز أشياء ذات قيمة للنقد المعاصر منها بعض التحليلات الجيدة في العروض، وبعض القراءات والدراسات المتينة للبناء الشعري (وبخاصة في كتابه " تشريح الهراء "، وأخص منه ما قاله عن " قصة الجرة " Anecdate of the Jar لستيفنز، و " موت الأولاد الصغار " لتيت، وبيتين من قصيدة براوننج " سيراناده عند البيت الريفي ") ومنها أيضاً الإلحاح المفيد على القيمة الأدبية والخلقية للأشكال الشعرية والعلاقات بين المعتقدات والأشكال (مع أن كثيراً من تلك العلاقات والمميزات التي يذكرها بأعيانها موسوم بالحماقة) وأهم من ذلك كله أنه وحده حفظ الحياة على مهمة نقدية هامة هي " التقويم ". وقد تجيء تقويماته في مصطلح لا معنى له من ناحية سمانتية، وقد تكون متناقضة أو ذاتية محضاً، وغير محددة الدلالة مثل " عظيم " " فائق " " كبير " " يتيمة " " عاقل " " مصدع " " نقائض " " محدودية " " متمدن " " رائق " " الدرجة الأولى " " الدرجة الثانية ". وهو يقدم نتائجه وحدها، وغالباً يتقدم بها دون أي شهادة تقترب من السداد، وعلى نحو لا يمكن مجادلته فيه أو فهم ما يريد أن يقول. ومع ذلك كله فإنه يقوم بالتقويم والمقارنة والمقايسة والتدريج والترتيب والتصنيف، حين يكون أقيم النقد مقصور الهمة على التحليل والتفسير، وحين لا يجد القارئ أمامه إلا مراجع الصحيفة
стр. 127
ليسأله إن كان العمل الأدبي جيداً أو رديئاً (وكثيراً ما يضلل) . ويستطيع النقد أن يقتبس عن ونترز قوته وجرأته في التقويم، حين ينوي أن ينشئ ميزاناً أدق من ميزانه، مستنداً إلى ما هو ألزم للأدب من " العقلية " و " الأخلاقية " على أن يعطى القارئ من التقويم تحليلاً كاملاً ليعينه على اتخاذ أساس يضبط به القيم أو ليساعده على أن يضع تقويماً من عنده مؤيداً بالبرهان. أما المراحل الخمس التي يعدها ونترز مفضية إلى التقويم (انظر ما سبق) فهي أساس جيد لمثل هذا الإجراء، وقلما استفاد ونترز نفسه منها. فإذا اختبرتها بتسليطها عليه، كما حاولت هذه المقالة أن تفعل فإنها؟ أي تلك المراحل؟ تؤتي ثماراً جيدة. وعلى هذا نجد ونترز؟ " بحكم قاطع حاسم " (١) ذي حظ من التعسف والبذاءة، إلى حد يعجب ونترز لأنه تطبيق لطريقته؟ ناقداً بالغ الحد رداءة وإبراماً، لا يخلو من أهمية.
стр. 128
الفصل الثالث
ت. س. إليوت والنقد الإتباعي
إن أهم ما أسنده ت. س. اليوت للنقد الحديث هو فيما عبر عنه جون كرو رانسوم " استنقاذ النقد القديم ". وقد كان تأثيره في هذه الناحية بعيداً. لكن أيعزى تأثيره هذا إلى النقد نفسه أو إلى مكانة اليوت في أنه من أبرز الشعراء الأحياء؛ ذلك الشيء لا يمكن الجزم به، ومع ذلك فلا ريب في أن اليوت هو اللسان المعبر عن اتجاه في النقد يمكن أن نسميه بشيء من التجوز " اتباعياً "؛ فهو ناقد على طريقة الشعراء النقاد في القرون الأولى لكنه ليس محللاً محترفاً للأدب بمقدار ما هو شاعر محترف، ذو رسالة عامة يؤديها. وكل كتب النقد التي أصدرها ليست إلا ترتيباً وإعادة ترتيب لنيف وسبعين مقالة ومراجعة ومقدمة ومحاضرة وجدها تستحق الصون من بين المئات العديدة التي كتبها. ويكاد كل نقد كتبه أن يكون قد ظهر أولاً في مجلة أو مقدمة لكتاب آخر أو ألقي على منبر من منابر المحاضرات.
ويعتقد اليوت أن النقد يخدم قارئ الشعر، وقد مر بنا حديثه عن خطأ الاعتقاد بأن النقد فعالية غاية في ذاتها. وهو يرى أن مهمة النقد هذه مزدوجة: أحد طرفيها " توضيح الفن وتصحيح الذوق " وطرفها الثاني " إعادة الشاعر إلى الحياة ". أما " أدوات الناقد التي يحقق بها هاتين الغايتين
стр. 129
فهي " المقارنة والتحليل ". وغاية النقد إنشاء " موروث "؟ أو اتباعية؟ وصلة مستمرة بين أدب الماضي وذوقه وأدب الحاضر وذوقه.
وسر كتابات اليوت النقدية كامن في هذه اللفظة أعني لفظة " موروث "؟ أو اتباعية؟ أما ماذا يعني بها فشيء يشبه ما يعنيه ونترز حين يستعمل اصطلاح " أخلاقي " تقلباً وتعقيداً، أو يشبه ما يعنيه امبسون باصطلاح " غنوض " (وإن كان امبسون؟ على خلاف اليوت وونترز؟ يعرف الغموض في مصطلحه " غموض ") . فأحياناً لا تعني كلمة " اتباعي " هذه إلا ما تعنيه كلمة " جيد "، وأن اليوت يحب الأثر الذي يمنحه ذلك الوصف، وحالها في ذلك كحال مصطلح " أخلاقي " عند ونترز. وأحياناً تصبح؟ كما وضح رانسوم؟ طريقة مجازية من ضروب تنبيه الأديب إلى أن لا " يفرط في الجدة ". والحق أن " اتباعية " اليوت فكرة نفعية، وهو دائماً ينص على استغلال الموروث كأن يقول في بن جونسون: " بل نستطيع أن نتخذه، ونعي وجوده، كجزء من موروثنا الأدبي، يتطلب توضيحاً جديداً ". وخير طريقة نكشف بها عما يعنيه اليوت بهذه " الاتباعية " أن نراقب أثرها في إنتاجه.
ولعل اليوت لم يسهب في استعمال الموروث بالمعنى الأدبي المجرد؟ نسبياً؟ كما أسهب في النصف الثاني من مقال عن هنري جيمس كتبه في " المجلة الصغيرة " Little Review (١٩١٨) في العدد الخاص بجيمس ثم لم يعد طبعه في كتابه " مقالات مختارة " Selected Essays سنة ١٩٣٢، وذلك النصف الثاني من المقال بعنوان " المظهر الهوثورني من جيمس " The Hawthorne Aspect، فقد فسر جيمس بعرضه على هوثورن، ووضح النزعة القصصية عند كليهما بالمقارنة، مؤكداً " أميركية " جيمس في الأساس، وأبدى بإسهاب ما الذي يصيب الموروث الأدبي من تعديلات وما الذي يحتفظ به إذا استمر مريره طوال فترة من الزمن.
стр. 130
وثمة وجه آخر لاستعمال " الاتباعية " يخالف ماتقدم ويتميز عنه، وهو موجه إلى غاية أدبية في أساسها، ويوجد في بعض مقالات اليوت كمقاله عن الأسقف أندروز وعن برامهول Bramjall رئيس الأساقفة فيما أسماه " من اجل لانسلوت أندروز " (١٩٢٨) For Lancelot Andrews حيث يحاول أن يصقل ويوسع، بل أن يصطنع، موروثاً أدبياً أنجليكانياص، إذ يزعم أن مواعظ أندروز " تقف في صف مع أجمل نثر إنجليزي معاصر لها بل مع أي نثر في أي عصر " وأنها تفوق مواعظ دن لأن دوافع دن كانت " غير خالصة " وكان يعوزها " النظام الروحي "؟ وهي نقيصة كسبت لمواعظ دن شهرة ذائعة بعيدة. وهذا نرى اليوت يقيم، بضربة واحدة، موروثاً أدبياً على قاعدة من مقاييس أخلاقية، كلياً، ويهاجم أديباً، من حيث هو أديب، فيغمز بالتلميح المهموس ميله إلى الشك، أو على الأقل؟ يلمز فيه أنانيته الطامحة التي لم تتخل عنه وهو يؤدي واجبه الكنسي. ويمجد الاستقامة في ظل الكنيسة الإنجليزية ويعدها منبعاً، لا للخلاص في الحياة الأخرى حسب، بل لأحسن أنواع النثر، في كل زمان ومكان. ويقف اليوت مثل هذا الموقف من برامهول بادئاً بالنص على فائدته الفلسفية حين ينصب سوط عذاب على مادية هوبز (التي تشبه مادية روسية المعاصرة) منتهياً باجلاسه مطمئناً عل قمة الإجادة في النثر.
بل إن مصطلح " الاتباعية " هذا في أوسع دلالاته (أعني في المقالات الأولى) ضيق العطن، فهو يتقبل الكلاسيكي ويستبعد الرومانتيكي، ومعنى " الرومانتيكي " آثار كثيرة لا يحبها اليوت أما الكلاسيكي فإنه " كامل " " ناضج " " مرتب "، وأما الرومانتيكي فهو " شذري " " فج " " مضطرب ". وليس هذا تماماً مثل أن ننحي أدب القرن التاسع عشر برمته كما فعل بوند (١) (ينزع اليوت إلى أن يطري شعر ملتن وبليك
стр. 131
وكيتس وتنيسون ويمقت شعر بوب، وفي هذا يناقض المشهور المتعارف، ويخالف فيه بوند الكلاسيكي الأكثر منه ثباتاً في مبدأه) . غير أن اليوت بعامة يرى أن مهمته هي أن يحل " اتباعيته " محل اتباعية أدباء ذلك القرن، فينقذ الروائيين الاليزابيثيين من لام وسوينبرن ويناهض حكم هازلت وباتر على دريدن، ويقلب بعامة أسس التقديم والتأخير بين أدباء القرن التاسع عشر.
ويحمل اليوت قسطاً من عبء الاتباعية في النقد بأسلوبه النثري نفسه، فهو أسلوب شكلي محافظ فصيح دون أن يصبح حاداً. وهو يجمع بين الصنعة الأسلوبية والوضوح الشفاف، فهو أسلوب القرن الثامن عشر مرصعاً بمصطلح القرن العشرين، وكثيراً ما يخيل للقارئ؟ تخييلاً مضللاً في الغالب؟ أنه بنجوةٍ عن مهمات الحاضر الرخيصة، بتشبثه بما يجاوز حدود الزمان؛ وسر هذا التخييل يعزى من ناحية إلى رفض اليوت؟ ألبتة؟ أن يطبع نقده للمعاصرين في كتاب (باستثناء عدد قليل) . فمثلاً ما تزال محاضراته (١٩٣٣) عن جينس وبوند وجويس ولورنس تتشوف المطبعة دون أن تبلغها، كما أنه لم يجمع النبذ الست عن بوند، ومقالاته عن الأدباء المعاصرين أو المقدمات المختلفة التي صدر بها مؤلفات معاصرة (١)
стр. 132
وأما ما يوحي به نثر اليوت من شعور بأنه نثر يعلو على حدود الحاضر فإنه في الحق حاد إلى درجة أن القارئ يحس دائماً بصدمة حين يقع على ملاحظة هامشية تشير إلى المجادلات الأدبية المعاصرة في مؤلفاته (١) . غير أن هذه الصفة الركينة الوقور لم تتطور مع الزمن، فالمقالات الأولى التي نشرها اليوت في العقد الثالث من عمره كان لها ما للشيخ الوقور من أثر حتى إن نتاج السنوات القلائل الأخيرة ليبدو؟ في الحق؟ إذا ما قورن بها ناعماً متحالاً من القيود نسبياً.
وأكبر خطأ في " اتباعية " اليوت إنما يكمن فيما تنحيه وتحذفه، فلم يكتف هذا الناقد بما يبديه من قلة مبالاة بالمعاصرين (وهذا قد يغتفر في ناقد مثل سنت بيف، لأن سيرة الأديب لا تستدير كاملة إلا بالموت، غير أنه لا يغتفر في طريقة نقدية ترى أن تحكم على الجديد الطريف بعرضه دائماً علىالموروث الأدبي التليد) . بل إنه لم يمارس نقد الأدباء الأميركيين، إلا قلة منهم، في مختلف العصور (ولعل بو هو الوحيد الذي يتردد ذكره عنده) وفيما عدا مقدمات كتبها لكتب أمثال بوند وماريان مور وجونا بارنس (وبعضها فيما أعتقد مراجعات نشرتها مجلة " المحك " Criterion وأعيد طبعها) يبدو أنه لم يخصص مقالاً لأي أديب أميركي مبتكر خلا هنري جيمس، ثم لم يطبع ذلك المقال ثانية من بعد الطبعة الأولى. وعلى الرغم من المحاولة المخلصة التي بذلها ف. أ. ماثيسون في
стр. 133
كتابه " ماذا حقق ت. س. اليوت " The Achivement of T. S. Eliot ليضعه في صف الموروث الأميركي متحدثاً عن بيورتانيته؟ دراسته دانتي في هارفارد؟ مشابهته في المادة والطريقة لهوثورن وأملي ديكنسون وجيمس؟ فإن اليوت يبدو في غفلة تامة عن الموروث الأميركي، إن لم نقل يبدو هارباً منه.
ومثل إغفاله الأميركيين، إغفاله لأدباء بارزين لا يدخلون في موروثهن لو شئنا لكتبنا بأسمائهم جريدة كبيرةز فهو لا يعلق في نقده على " شوسر " كما بين ماثيسون؟ أو على سكلتون والشعراء الإنجليز قبل عصر اليزابث، ولم يكتب عن أحد من الإيطاليين خلا دانتي ومكيافللي ولا عن أحد من الرومانيين إلا سنيكا، ولا عن إغريقي إلا يوربيدس، ولا عن أحد من الأدباء الفرنسيين (وهذا شيء غريب لأن شعره متأثر إلى حد بعيد بالشعر الفرنسي) إلا عن بودلير وبسكال، وكتب عن قليل من آثار الأدب النثري الخيالي. ويبدو أنه ليس هناك إلا مكان صغير في موروث اليوت لكل من هوميرس وفيون وغوته وسرفانتس وأفذاذ القصصيين باستثناء جيمس.
وثمة خطآن شخصيان يحددان نقد اليوت وهما: تفكير غائم متناقض ينتهي به إلى مصطلحات عارية من المعنى أو سديمية (أو مصطلحات سديمية تنتهي به إلى كتابة غائمة متناقضة تعتمد على كيفية تناولك لها) ، وتبرم بالموضوعات التي ينتقدها، وهو تبرك زاد لديه في أخريات أيامه، ولا صلة له بالقيم الأدبية نفسها. أما الخطأ الأول فإنه أساسي في تفكيره، ومن المستحيل أن تقرأ نقد اليوت، وتطيل في قراءته دون أن تحس بأنه يرسل مقررات في لغة يستحيل عليك أن تناقشه الرأي فيها. وفي مقال له من أجمل مقالاته بعنوان " اختبار النقد "؟ ظهر في Bookman (١)
стр. 134
لعدد نوفمبر (تشرين الثاني) سنة ١٩٢٩ ثم لم يعد نشره من بعد (١) - يقول اليوت " هناك حاجة ماسة بالنقد إلى اختيار جديد يشمل دراسة منطقية جدلية للمصطلحات التي يستعملها ". وعلى الرغم من هذا التصريح الممتاز الذي لم يكن يعني به اليوت نفسه، فيما يبدو، فإنه ظل دائماً يرفض أن يدرس، أو حتى أن يحدد، المصطلحات التي يستعملها، متهرباً من ذلك إلى مقل قوله: " في إصدار هذا الحكم، أرفض أن أساق إلى البحث في تعريفات " الشخصانية " و " الشخصية " (٢) " أو إلى مثل قوله " وإذا أبدى امرؤ تذمره من أني لم أعرف الصدق أو الحقيقة أو الحق فإني أستطيع أن أقول معتذراً إن ذلك لم يكن جزءاً من هدفي لأن كل ما أقصد إليه هو أن أجد منهجاً تندرج فيه هذه المصطلحات، مهما يكن شأنها، إن كان لها وجود ". وأحياناً يكتب اليوت عبارات تبدو وكأنها ليست إلا سفسطات فارغة مركبة من مصطلحات غائمة تخيل إلى سامعها أنها تنقل أحكاماً نقدية كهذه العبارة الآتية التي يتحدث فيها عن روستان: " هو متفوق على مايترلنك الذي يعجز عن أن يكون شعرياً حين يعجز عن أن يكون روائياً؟ هو متفوق عليه لا من حيث هو روائي فحسب بل من حيث هو شاعر أيضاً. نعم إن لدى مايترلنك بصراً أدبياً بما هو روائي كما أن لديه بصراً أدبياً بما هو شعري وفيه يجتمع الاثنان معاً، غير أنهما غير ممتزجين لديه كما هي الحال في آثار روستان، فشخصياته ليست ترغب رغبة واعية في أدوارها بل هي شخصيات عاطفية. أما في حال روستان فإن جهده منصب على التعبير عن العاطفة، ولا كذلك مايترلنك الذي
стр. 135
ينصب جهده على عاطفة لا يمكن التعبير عنها ".
ونتج عن استعمال اليوت لمثل هذه المصطلحات أن " قبض " عليه كل من تحدث عنه متلبساً بالتناقض. فمثلاً وجده ليونل ترلنج يقيم فرقاً بين " الشعر " و " المنظوم " (١) من أجل كبلنج كان قد حطم هذه التفرقة، قبل سنوات عديدة، حين رآى آرنولد يستغلها في نقد دريدن. وقد لحظ ونترز في فصل من كتاب " تشريح الهراء " اتهم في اليوت بتناقض إثر تناقض في تفكيره النقدي (ويجب أن نسلم بأن كثيراً من تلك التناقضات ليس له أساس إلا رفض ونترز أن يقرأ بوضوح حسب دلالة القرينة) ؟ لحظ ونترز خطأ واحداً مضحكاً؟ على الأقل؟ وذلك هو قولة لهربرت ريد جاء فيها أن الشعر فيض عن الشخصية وفينا وعلينا ألا تحاول فيه تنقيحاً أو تحسيناً فوسم اليوت هذه العبارة بأنها " زنديقية " في كتابه " بحثاً عن آلهة غريبة " (١٩٣٤) After Strange Gods. غير أنه في الكتاب نفسه، دافع عن نفسه ضد من يتهمونه بعدم التوافق بين شعره ونثره بقولة ريد هذه، مقولة في سياق جديد.
وأحد أسباب هذا التناقض حيلة لقنها اليوت من بوند؟ دون ريب؟ وهي التقدم بآراء لا يؤمن من أجل أن يسمع من حولها ضجيجاً. وفي موطن واحد؟ على الأقل؟ كان اليوت صريحاً غير متستر في هذه الأمر، وذلك حين كتب في مقاله " شكسبير ورواقية سنيكا " يقول:
" هاهنا أقدم أديباً يسمى شكسبير تحت تأثير من رواقية سنيكا، ولكن لا أعتقد في أن شكسبير وقع تحت تأثير سنيكا، وإنما اقترح
стр. 136
ذلك لأني أومن أنه بعد شكسبير المتأثر بمونتين (لا أن مونتين كان ذا فلسفة ما) وبعد شكسبير المتأثر بمكيافللي لابد أن يجيء شكسبير سنيكائي أو رواقي. وإني لأريد فحسب أن أطهر هذا الشكسبير السنيكائي قبل أن يظهر ولقد يتحقق لي طموحي لو أنني بذلك حلت بينه وبين الظهور. "
وبعد ذلك كله نجده يبرز أثر رواقية سنيكا في شكسبير، ويعود إلى هذه النقطة في كتابه مرة إثر أخرى.
وثمة سبب آخر لهذا التناقض وضحه اليوت نفسه في مقال " موسيقى الشعر "، بقوله: " أنا لا أستطيع أن أعيد قراءة ما أكتبه من نثر دون حرج حاد، وإني لأتهرب من هذا الواجب فأغفل بالتالي أمر التصريحات التي دمغت بها نفسي ذات يوم، وكثيراً ما أكرر ما كنت قلته، وليس ببعيد أن أقع في تناقض ". وقد تكون هذه دعابة، لو لم تكن دعابة غريبة على اليوت (لأنه قد تعود أن يقف موقف المعتذر في آثاره، لا موقف الساخر) وقد تحسبها دعابة أيضاً، لولا أن اليوت أعادها مرات، ومن بين تلك المرات موقف متميز بالوقار، وهو محاضرته التذكارية عن ييتس. ومن المؤكد أن اليوت يستعملها معتذراً اعتذاراً جاداً عن تناقضه، غافلاً عما قد تحمله من جفاء وجسو خين تقارن بقولة وتمان السخيفة العظيمة في آن " أأنا أناقض نفسي؟ حسناً إذن، أنا أناقض نفسي " (أنا رحيب الذات أتسع لمكثرات متعددة) .
أما تبرمه بموضوعاته التي ينتقدها فينتهي به إلى حيلة أخرى ابتكرها بنفسه، وتلك هي دعواه أنه لا يفهم الشعر البسيط. فقد زعم أنه لا يستطيع أن يقيم معنى للمقطوعة الخامسة من قصيدة شللي " إلى قبرة "، وهي مقطوعة محيرة ولكنها قطعاً مفهومة (١) .
стр. 137
[أنت محتجبة، ولكني ما أزال اسمع سرورك يسترسل في صوت نفاذ]
نفاذ المضاء، كسهام تلك الكرة البيضاء
التي يتضاءل مصباحها الوضاء
عندما يتجلى الفجر الناصع
حتى يكاد ينبهم أمام الأنظار
غير أننا ما نزال نحس بوجوده
وقد قرر أن بيت كيتس " الجمال هو الحق والحق هو الجمال " لا يعني شيئاً لديه وهكذا. ومن البين أن هذا الاصطناع المفاجئ لموقف من الذكاء المتبلد إنما يقصد به نحواً من السخرية السقراطية؛ ودليل هذا أولاً تلك الأمثلة التي يختارها (وهي دائماً أمثلة من العواطف الغائمة عند الشعراء الرومانتيكيين) وثانياً: أنه امتدح ف. هـ؟؟؟؟. برادلي " بأنه يحرج خصمه بإقراره فجأة على نفسه بالجهل ". ومن المفارقات الساخرة أن واحداً من أشد منتقديه مرارة؟ أعني ايفور ونترز؟ قد هاجمه على هذا النحو نفسه أيضاً.
وأما الشكل الآخر الذي يظهر فيه تبرمه المتزايد بالأدباء فهو عادة تفنيدهم لأنهم لم يكونوا شيئاً غير الذي كانوا: كان من الواجب أن يكون لكل من بليك وشكسبير فلسفة خير مما لهما، وما كان من حق أدباء العصر الكتوري أن يكتبوا هذا المقدار، وما كان لغوته أن يقرض شعراً أبداً (فإن دوره الطبيعي هو دور الإنسان الدنيوي الحكيم وفي مقدوره أن
стр. 138
يكون لاروشفقو ثانياً أو قل لابيرويير أو لافوفنارج ثانياً) وكان على شكسبير أن يكتب عطيل بطريقة لا تثير اعتراض رايمر، وكان على شللي أن يكون امرءاً خيراً مما كان، وهلم جرا.
٢
- ثمة طريقة مثمرة لدراسة نقد اليوت بإسهاب وهي شرح مقالته " الاتباعية والموهبة الفردية " (١) Tradition and the Individual Talent التي طبعت أول مرة سنة ١٩١٧، ولا تزال بعد ربع قرن من الزمان أهم مقالاته، ومفتاحاص لما بعدها من آثار. وهي تتضمن في ذاتها كل التطورات الأخيرة، وسأحاول في هذه الفقرة أن أقيد بعض مشمولاتها:
(١) لو كان الشكل الوحيد للاتباعية، أي توريث السالف للخالف، إنما يشمل انتهاجنا منهج الجيل السالف لنا مباشرة فيما وفق فيه، في تبعية عشواء أو خرقاء لكان الحق أن نخذل الناس عن " الاتباعية " تخذيلاً إيجابياً.
يبد أن اليوت يحمل هنا فكرة غريبة، وهي أن الاتباعية دائماً تتخطى السلف المباشر إلى ما قبله. وفي مقاله " بودلير في عصرنا " في كتابه " من أجل لانسلوت أندروز " كتب وثيقة هذه الفكرة حين قيد بتحكم وحماقة جريدة لآخر خمسة أجيال أدبية سالفة وهي: (١) بودلير (٢) هكسلي وتندال وجورج اليوت وغلادستون (٣) سيمونز ودوسن ووايلد (٤) شوٍ وويلز وليتون ستراشي (٥) اليوت ومدرسته. ويزعم اليوت أنه استمر بالموروث الذي يمثله الفريق الأول والثالث والخامس أما الثاني والرابع فيلتقيان ويعتنقان.
стр. 139
(٢) غير أن الاتباعية تشمل في المقام الأول الحس التاريخي الذي قد نقول فيه إنه لا ستغني عنه واحد يريد أن يستمر شاعراً بعد عامه الخامس والعشرين. ويتضمن الحس التاريخي إدراكاً لا لمضي الماضي فحسب، بل لشهوده أيضاً. فالحس التاريخي يضطر المرء إلى أن يكتب، لا لمجرد أنه يحس بجيله وحده في دمه، بل بإحساسه أن كل الأدب الأوروبي منذ هوميرس، بما في ذلك أدب وطنه كلهن له وجود في زمان، وأنه يشكل نظاماً في زمان أيضاً. وهذا الحس التاريخي؟ وهو حس بما وراء الزمن وبالزماني، وبهما معاً متحدين؟ هو الذي يجعل الأديب اتباعياً.
يستعمل اليوت لفظة " تاريخي " استعمالاً غريباً، ومن غموض اللفظة ثار ما يشبه الجدل النقدي حول طريقة اليوت النقدية: أهي تاريخية أم لا. فقد تحدث ادموند ولسن عن اليوت في كتابه " قلعة أكسل " وفي مقال له بعنوان " التفسير التاريخي في الأدب " فعده الأنموذج الحق للناقد غير التاريخي الذي يعالج الأدب كأنما تصادف وجوده كله معاً؟ في زمان؟ مقارناً بين صوره، معطياً حكمه عليه، حسب مقاييس مطلقة؟ في فراغ؟ بينما اختاره كرو رانسوم؟ من الناحية الأخرى؟ في كتابه " النقد الجديد " مثلاً على الناقد التاريخي، مبيناً أن اليوت " يستغل دراسته التاريخية من أجل الفهم الأدبي ". ومن الواضح أن الفريقين المتنازعين يستعملان لفظة " تاريخي " بمعنيين مختلفين. أما ولسن فيعني بها استعمال مقاييس قرائنية أو نسبية وأما رانسوم (واليوت نفسه فيما يبدو) فيعنيان بها الإطلاع على التاريخي والوعي بما كان عليه الماضي. ويبدو اليوت أحياناً ناقداً تاريخياً على طريقة اشبنجلرية، حتى حسب مفهوم ولسن نفسه، كما هي الحال في مقاله " شكسبير ورواقية سنيكا " فهناك وجد عاملاً مشتركاً للانحلال الاجتماعي يربط بين انجلترة في عصر اليزابث ورومة
стр. 140
الاستعمارية، ثم أخذ يظهر أثر ذلك كله في أدبيهما. ولكنه بعامة غير تاريخي بهذا المعنى إلى درجة تثير الضحك. وحين يقول " أترى الفنون تزدهر أحسن ازدهار في فترة النمو والتوسع أو في حال الانحطاط، مسالة لا أستطيع الإجابة عنها "، فإن كلمة " أحسن ازدهار " هنا مثل على أنه بلغ الغاية في انعدام الحس التاريخي. وإذا وقفنا عند كلمة أضافها اليوت إلى ما تقدم وهي أنه يعجز عن أن يفهم لم يبدو أن المسرحية الشعرية قد ماتت، فقد نقترح أن نتلمس حكماص حاسماً بين الفريقين المتنازعين ونقول إن اليوت لا يعرف من التاريخ في رأي رانسوم ما يكفيه ليكون ناقداً تاريخياً ثابتاً في رأي ولسن.
(٣) وكل من قبل هذه الفكرة عن نظام الشعر الأوروبي (١) ، والشعر الإنجليزي وشكلهما فإنه لن يرى أن من قلب الأوضاع أن يعمل الأدب الحاضر في الأدب الماضي أنه ليس من قلب الأوضاع أن يعمل الماضي في الحاضر.
هاهنا عدد من الأفكار الكاشفة عند اليوت فكلمة " النظام " أصبحت " اتباع السنة " وكلمة " الفوضى " أصبحت " محاربة السنة " أو " البدعة "، وفكرة " تغيير " الأدب الماضي أصبحت عملاً نقدياً كاملاً يهدف لمراجعة تاريخ الأدب، لكي ينص على " اتباعيته " وأما مبدأ توجيه الحاضر بالماضي فقد تبلور في صورة رجعيته الدينية والاجتماعية والسياسية.
(٤) دعنا نتقدم إلى تبيان أكثر وضوحاً، يجلو علاقة الشاعر بالماضي،
стр. 141
فهو لا يستطيع أن يرى الماضي كتلة أي قطعة صماء، ولا يستطيع أن يعود نفسه الاكتفاء من هذا الماضي بشيء أو شيئين يعجبانه، ولا أن يعود نفسه إيثار فترةٍ ما ... بل على الشاعر أن يكون واعياً على التيار الكبير الذي لا يغير مجراه أبداً خلال أفذاذ المشهورين.
مهما يصدق هذا القول على شعره (الذي كان أميل إلى الشمول والرحب دائماً) فهو في الحق لا يصدق على الاتباعية التي خلقها اليوت في نقده، فقد كانت اتباعيته هذه أحياناً كتلة صماء؟ هي الأدباء الأموات جملة؟ وقد كنت دائماص تفضيل فترة أو اثنتين؟ وفي المقام الأول روائيو عصر اليزابث والشعراء المتافيزيقيون؟ مع أنها لم تكن تجمع أفذاذ المشهورين وروائع الشهرة، فإنها لم تكن أيضاً التيار الكبير أو أجزاء من التيار الكبير؟ في الأقل -.
(٥) وأنا على وعيٍ باعتراض مألوف يوجه لجزء من منهاجي هذا، متصلٍ بمادة الشعر، وذلك الاعتراض هو أن هذا المبدأ يحتاج قدراً مضحكاً من الاطلاع أو (الحذلقة) وهو زعم يمكن رده جملة بالكشف عن سير الشعراء في أي " مقام ".... إن شكسبير قد حصل على مادة تاريخية هامة من فلوطارخس أكثر مما يستطيع تحصيله كثير من الناس من المتحف البريطاني جميعه.
يحلو لاليوت أحياناً أن يدعي بأنه شاعر أو ناقد بسيط غير مثقف ترهبه الدراسات المتعمقة، فيتقدم بمثل هذه " المرافعة " المتواضعة: " ليس من اللياقة أن يتتبع الناقد الأدبي أثر هذه الدراسة عوداً، حيث تبدو موافقته لها أو خلافه معها نوعاً من الوقاحة ". مع ذلك فإن المثل الأعلى
стр. 142
لديه هو الذي ورثه عن بوند (الذي وصف نفسه ذات مرة بأنه آلة فيلولوجية بلغت حد الإرهاف) أعني الناقد الدارس. وعلى حسب مقاييس النقد المعاصر وبخاصة في أميركة يعد علم اليوت شيئاً متميزاً، وإن لم يكن له مثل إحاطة نقاد كجورج سينتسبري، هم علماء دارسون، في المقام الأول: فقد درس اليوت على بابت وسنتيانا في فارفارد، وأجيز في الفسلفة، وقرأ الأدب الفرنسي والفلسفة في السوربون، ودرس الفلسفة الإغريقية في اكسفورد، وقضى سنتين يدرس فقه اللغة السنسكريتية والهندية وسنة يدرس المتافيزيقيا الهندية. ومع أنه لا يحسن لغات بعدة ما يحسنه بوند، فإنه يقرأ في خمس لغات إلى جانب الإنجليزية وهي الإغريقية واللاتينية والإطيالية والفرنسية والسنسكريتية مع تفاوت في القراءة بين اليسر والعسر. وقراءته في هذه اللغات أوسع وأعمق حظاً من بوند، كما أن محصوله الفلسفي والعلمي يفوق محصول بوند دون ريب.
(٦) أما الذي يحدث للشاعر (من تمثله للماضي وتطوير وعيه به خلال الأيام) فهو إسلامه نفسه، على حاله هذه، لشيء أقيم وأكثر جدوى. ذلك أن تقدم الفنان إنما هو تضحية نفسية مستمرة، هو إفناء مستمر للذات.
وهذه أيضاً من الأفكار الكاشفة عند اليوت، وهي نظريته عن الطبيعة اللاشخصانية في الفن، فهو يقول في موضع آخر من هذا المقال: " ليس الشعر إطلاقاً لسراح العاطفة وإنما هو هرب من العاطفة وليس هو تعبيراً عن الذات بل هرب منها ". فيجهد الشاعر جهده " ليحول آلامه الذاتية الخاصة إلى شيء خصب غريب، شيء كوني عام لا ذاتي ". وكل جهد الروائي هو " عملية سكب الذات أو بمعنى أعمق سكب حياة الأديب في الشخصية التي يخلقها ". ومع أن لهذا الكلام حظاً من الصدق المجازي
стр. 143
فإنه في المستوى الحرفي يمثل المقياس الجمالي عند رجل معذب، ذلك لأن لدى اليوت خوفاً يقينياً من الذات، بما في ذلك ذاته هو نفسه، وما هذا النظام المستحكم للإتباعية الأدبية إلا مهرباً منها. وظل عدة سنوات يرى أن إعلاء الذات عند الأدباء الرومانتيكيين مصدر لخطرٍ قد أطل. وبالتالي تحقق أن العدو الحقيقي هو البروتستانتية. يقول في كتابه " بحثاً عن آلهة غريبة ":
" إن ما كنت أستقرئه متدرجاً هو هذا التصريح التالي: حين تكف الأخلاق عن أن تكون أمراً موروثاً سنياً؟ أي عادات للمجموعة، شكلتها الكنيسة، وصححتها، ورفعت من شأنها، بما لها من تفكير وتوجيه دائمين، وعندما يسير كل إنسان في الوجهة الخلقية التي كونها لنفسه، عندئذٍ تصبح الذات أمراً ذا أهمية مخيفة ". ومن الواضح أن الذي أدركه الرعب هو اليوت لا المجتمع.
(٧) وكلما كان الفنان أكمل، زادت سعة الخلف فيه بين الإنسان الذي يتعذب والعقل الذي يخلق، وأصبح في مقدور العقل أن يهضم العواطف التي هي مادته ويشكلها على وجه أكمل.
يرى اليوت أن ليس الفن " تحويلاً " للألم والعاطفة فحسب، بل كلما كان الفن أحسن، كان التحويل أكمل، وهذا نوع من التطهير لنفس الفنان يوازي ما عند أرسطوطاليس منتطهير لأنفس النظارة (١) . وهذا في واقعه، وإن لم يلحظه اليوت أبداً، هو جوهر الفردية الرومانتيكية والبروتستانتية، هو النفعية التي ترى أن قيمة الفن مقدار الخدمة التي يؤديها لفرد متفرد اسمه الفنان. وهذا كله يقع على النقيض من الاتباعية
стр. 144
ومن المقاييس الكاثوليكية " للمشاركة " التي يرمز إليها " العشاء الرباني ".
(٨) وستلحظون أن التجربة أي العناصر التي تدخل في حضرة الوسيط الكيميائي المحول (١) إنما هي نوعان: عواطف ومشاعر.
إن تمييز اليوت بين " العاطفة " و " الشعور " بالغ الأهمية والغموض في آن. ويبدو أن العاطفة كائنة قارة في الشاعر نفسه أما الشعر فإنه مخبوء للشاعر في " كلمات وعيارات وصور خاصة ". ويتصل بهذه النظرية مبدأ " التبادل الموضوعي " الذي وضحه اليوت فيما بعد في مقاله " هملت ومشكلاته " من حيث أن التبادل الموضوعي حال أو موقف تكمن فيه " مشاعر " تعبر عن " عاطفة " الشاعر وتثير " عاطفة " مشابهة في القارئ (٢) . وهكذا يجيء هذا الفصل بين العاطفة والشعور لكي يحول دون دخول " العاطفة " إلى الشعر خضوعاً لنظرياته عما هو لا شخصاني واتباعي، ثم يدسها في الشعر باسم آخر (وربما) بشكل آخر.
(٩) وسيخدمه في منحاه هذا العواطف التي لم يجربها، كالتي جربها.
هذه إلماعة إلى مبدأ لا يتزحزح عنه اليوت متصل اتصالاً وثيقاً بمبدأ
стр. 145
" اللاشخصانية " وهو اعتقاد بأن الفن في أساسه نظام محكم الغلق، وأن مقاييس العقيدة أو مضاهاة الحقيقة لا علاقة لها به، وإذا كان دانتي يستند إلى نظام فكري مترابط بينا لا يستند شكسبير إلى ذلك فما ذلك (فيما يعتقد اليوت) إلا " مصادقة لا يقاس عليها ". إن الشاعر " ليصنع " الشعر عضوياً، ودون عقيدة، بالطريقة التي تصنع النحلة بها العسل أو تفرز العنكبوت بها خيوطها " والشعر الأصيل يستطيع أن ينتقل للمتلقي قبل أن يفهم " أو إنه في الواقع لا يفهم أبداً. وقد يعبر الشاعر عن حال جيله " مصادفة؟ وإن كانت مصادفة غريبة؟ بينا هو في الوقت نفسه يعبر عن حالة من أحواله مغايرة تماماً " (هنا يتحدث اليوت ضمناً عن تجربته هو في قصيدة " اليباب ") وهكذا. وقد صاغ اليوت هذه المبادئ في نظرية قريبة الشبه بنظرية رتشاردز عن أن " التوافق " الشعري لحظة قراءة القصيدة منفصل عن مسائل " العقيدة ". وقد تفوق اليوت على رتشاردز حين أضاف إلى نظريته: أن كل ما يختار الشاعر أن يعتقده فإنما يتقرر آلياً " وحينئذ لا يبقى لصحته أو كذبه؟ من إحدى النواحي؟ أثر في شيء، كما أن صحته من الناحية الأخرى تجد لها برهاناً ". وعلى هذا فقد يكون من المقنع المرضي ألا يكون للشاعر اعتقاد في أي شيء بل " يستعمل " أي معتقد يقع في متناول يده (١) .
هذه هي إذن كل الموضوعات التي تطورت وأصبحت تكون نقد اليوت نظراً وتطبيقاً: (١) " الاتباعية " التي أصبحت تسمى " اتباع السنة " أو " الارثوذكسية ". (٢) " والنظام " الذي أصبح فيما بعد " فكرة المجتمع المسيحي " (٣) والنص على أنواع مفضلة من أدب