النقدي ركب وجه الشطط، ولم يعتمد على أي شاهد اكثر موضوعية من الهواجس التي تخايله وهو يدخن غليونه. فيضع نظريات حدسية كقوله في " شيكسبير الأساسي " The Essential Shakespeare إن القصائد العظيمة الأخيرة التي نظمها شيكسبير بلا ريب بعد عزلته قد أعدمها صهره البيورتاني، ومثل قوله في " ماذا يجري في مسرحية هاملت " What Happens in Hamlet إن شيكسبير اختار الدنمارك مسرحاً لمسرحيته لأنها كانت تدين بمذهب لوثر، حتى إن غريغ يبدو مدهش الاعتدال حين يقول في وصف نظريات لسون " إنها انطلاقات بالون، لم يحسن تثبيته بالخيوط، في ريح عاتية ".
٤
- وهناك عدد من الدارسين المعاصرين، عدا كارولاين سبيرجن، قد أسدوا يداً طولى للنقد ولعل أهمهم جميعاً رجل تأثرت الآنسة سيبرجن بطريقته، وذلك هو الأستاذ جون لفنغستون لويس بجامعة هارفارد. فإنه من ذلك النوع النادر في عالم الدراسة الذي يجمع بين العلم الواسع والخيال السديد. وكل نقده استغلال للاطلاع الواسع، على نحو قد يبدو مستهجناً في بعض الأحايين، فهو قادر على أن يجعل ديدنه عد الاغماءات في الترجمات الفرنسية للملاحم الكلاسيكية، في القرون الوسطى (ثلاثون إغماءة من الأبطال والبطلات في " قصة طروادة " Roman de Troie واثنتان وعشرون في " طيبة " Thebes " وأربع مرات أو خمس يصبح فيها الخط غير مقروء في موقف مؤلم واحد ") أو عد القوافي المتكلفة المقيدة عند الشعراء، ملاحظاً كيف أن بوب اتقد ورود قافية Breeze مع Trees ثم وقع فيها هو نفسه في أربعة مواطن أو خمسة وأن القافية Alps في قصيدة " تشايلد هارولد " استدعت حتماً Scalps لأن معجم ووكر Walker " s Lexicon
стр. 317
نفسه لا يوحي بأي بديل آخر وهكذا.
وأعظم أثر دراسي نقدي ألفه لويس هو كتابه " الطريق إلى سندو " وعنوانه الفرعي " دراسة في طرق الخيال "، ويحيو ستمائة صفحة يتتبع فيها مصادر قصيدتي كولردج العظيمتين: " الملامح القديم " و " قبلاي خان ". فهو تشييد؟ من جديد؟ لمدى اطلاع الشاعر وحال عقله بدقة بعد مائة وخمسة وعشرين عاماً، تشييد خلاب كله، ويكاد يكون معجزاً، حين نذكر أنه يمثل جهد امرئ واحد. وقد اعتمد لويس على عادة تملكت كولردج وهي تقييد الملاحظ، وعادة أخرى غريبة وهي أن يمضي من أي كتاب قرأه إلى كل الكتب التي أشار إليها الكتاب الأول، وبذلك تتبع كولردج خلال قراءته. ومما نجم عن عناده هذا الذي لا يكاد يصدق (قرأ " بصريات " Opticks بريستلي ذات الثمانمائة والسبع صفحات من حجم الربع، كأنما ألقي في روعه أنه سيجد شيئاً، فوجد في الصفحة ٨٠٧ ما كان يبحث عنه، برهاناً على أن كولردج قد قرأ الكتاب واستعمله) أنه استطاع أن يتتبع المصدر الواعي واللاواعي لكل صورة تقريباً في القصيدتين وفي إحدى أدوار القصيدة تتبع حقاً كل كلمة إلى مصدرها. وإذا الشيء الذي بدأ تتبعاً بسيطاً ذات الطابع الدراسي، توالد على يدي لويس فأصبح دراسة عظمى في عمليات الخيال الشعري.
وقد اضطرته طبيعة المادة ليجازف بالدخول في طبيعة الذاكرة والخيال. ومع أنه على التحديد لا يزعم لنفسه اهتماماً سيكولوجياً أعمق، ويقول " أحب أن أقرر توكيداً بأنني أعالج في هذه الدراسة ما يسميه المحللون النفسيون المحتوى المادي للحلم وأنني أقصر معالجتي على ذلك وحده، فلا شأن لي بما يسمى المحتوى الكامن أي رمزها لتحقق الرغبات أو الصراع أو غير ذلك؟ مع ذلك ينتهي بصورة معقولة جداً للعقل الباطن عند كولردج، وإن
стр. 318
وجده ممثلاً في المصطلح السيكولوجي الميكانيكي الغريب الذي كان يستعمله كولردج مثل " خطاطيف الذاكرة وعيونها " ومصطلح بوانكاريه " الذرات المعقفة ". والكتاب في الحق دراسة " لقوة الروح المشكلة من حيث قدرتها على التمثل والتجسيد ". أو دراسة لما يسميه بودلير " العمل الذي يصبح به الحلم أثراً فنياً ".
إن كتاب " الطريق إلى شندو " لا يستنفد كل ما أسداه لويس، فدراساته في الشعر الحديث كانت تتمشى جنباص إلى جنب مع ميدان تخصصه، وهو شوسر، وقد ركز دراسة امتدت ربع قرن عن شوسر في كتاب يعد من أحسن الكتب القريبة من أذهان الجمهور، وهو " جيوفري شوسر وتطور عبقريته " Geoffrey Chaucer and Development of His Genius فجاء هذا الكتاب حلقة في الموروث العظيم الذي خلقه سكيت وفرنفال وكتردج. وقد درس فيه شوسر الإنسان، لا دراسة نص ميت، ليتمززه الدارسون، بل من حيث هو شاعر من الطراز الأول عاش في عصر خلاب. ثم إنه بالإضافة إلى ذلك عثر على كشوف جانبيه، أثناء دراسته لكولردج، في المصادر اللاواعية لشعراء مثل ملتون وكيتس، وهذا يوحي بأن كتاب " الطريق إلى شندو " قد يستطيع أن ينمي مدرسة قادرة على أن تحول الزحف الدراسي البليد في عالم المصادر إلى نشاط نقدي.
وأكثر الحقائق وضوحاً عن " الطريق إلى شندو " وعن " الصور عند شكسبير " كذلك هي ما في كل منهما من إمكانيات هائلة للتوسعة والإضافة، وبخاصة في اتجاه التحليل النفسي الذي يبرأ لويس من عهدته فيه عمداً. هذا وإن لويس محق في احتقاره للدراسة الملتبسة بالتحليل النفسي التي أجراها روبرت غريفز على قصيدة " قبلاي خان " في كتابه " معنى الأحلام "، متعقباً ما في تلك الدراسة من جهل وشطط، ومجاوزة للدقة في مواطن معينة، وبلادة عامة. غير أنه لا يستطيع أن ينكر إمكانية دراسة القصيدة على وجه
стр. 319
متزن ذكي، ومثل هذه الدراسة سيعتمد كثيراً على كتابه، بتناول أعمق نتائجه، وتعميقها أيضاً (١) .
أما من الناحية الأخرى فإن الدارسين، ورفيقهم الذي هو كواو عمروٍ فيهم، أعني مارك فان دورن. قد لاموا لويس لأنه عدا طوره وتوغل بعيداً في مغامرته. فمثلاً تذمر فان دورن عندما راجع الكتاب بمجلة " الشعب " من أن لويس لم يلزم نفسه في حدود ما يلتزم به الدارس من تقرير حقائق قابلة للتوضيح، ومن طبع نص توضح فيه القصيدة على صفحة وتجعل مصادرها على الصفحة المقابلة " دون أن يقول شيئاً من عنده في أكثر المواقف " لا أن يجرؤ على الكلام عن عمليات الخيال وطرقه.
وقد وجه الأستاذ لين كوبر من كورنل لكتاب " الطريق إلى شندو " أمضى نقد متصل بالدراسة في مجموعة " منشورات جمعية اللغة الحديثة " سنة ١٩٢٨، وأعيد نشره في مجموعة لكوبر عنوانها " أوراق أرسطوطاليسية " عام ١٩٣٩. ويمثل كوبر الذي يسمي نفسه ناقداً " ارسطوطاليسياً " وهو صانع فهارس للألفاظ أحب قليلاً من الأدب بعد وردزورث، نقيضاً مدهشاً للويس مثيراً للعبرة. فقد نشر سنة ١٩١٠ بحثاً يدل على بصيرة متميزة عن " قوة الباصرة عند كولردج "، فأبرز كثيراً من مختلف مظاهر البصر السديد المغناطيسي في قصيدة " الملاح القديم "، في تناوله الأشخاص والشمس والحيات وما أشبه. ويبدو أنه كان مستاءً لأنه وجد شيئاً هاماً في شاعر يكرهه، فأنفق معظم المقال وهو يعتذر. فلما ظهر كتاب لويس، راجعه كوبر، وكانت مراجعته من أحط أنواع الهجوم الذي ينتحل اسم
стр. 320
لدراسة وأشدها غروراً وأدناها نفساً. وهنالك صرح قائلاً " وكان من الطبيعي أن حاولت لأرى إلى أي مدى استغل دراستي " (قد استغل لويس دراسته واعترف بذلك) وأظهر أنه ينتقد استخدام لويس لها، وأنه ساخط لأن لويس قد وجد من الضروري أن يزيد عليها شيئاً. واقترح أن كتاب لويس يحتوي قليلاً من الأصالة، أو لا يحتوي أبداً، ولكنه مع ذلك ينكر عليه شططه، ويلمح إلى أن هذا نوع من المتاجرة بعرض الدراسة من أجل كسب الصيت والسمعة. وهاجم قصيدة " قبلاي خان " لما فيها من " وصمات " أخلاقية، ووافق وردزورث في نقده " الارسطوطاليس " لقصيدة " الملاح القديم " ووصفه لها بأنها ليست جيدة كثيراً، واقترح أن وردزورث كتب ذلك الشيء القليل القيم الذي يسمى باسم كولردج، وأثار ضد لويس مماحكات صغيرة لا حصر لها، وانتفخ زهواً حين وجد في كتاب ولويس صيغة نحوية مضطربة العلاقة، وعد عليه تكريراته. وتكاد مقالة كوبر أن تكون مجموعة من أردأ أخطاء الدراسة المتخصصة، فيما يعتري الدارسين المتخصصين من عيوب ذاتية، وفي جدب الطريقة وانعدام الخيال. حتى إن لويس وكوبر نموذجان للدارس، يرسمان مفارقة ممتعة، ويقفان على طرفي نقيض.
غير أن الدراسة المتخصصة على يد دارس واحد على الأقل، في حقل فلسفي، قد أسهمت إسهاماً بالفعل في حركة النقد الأدبي، وهي أيضاً أكثر ثمرة بالقوة. أما ذلك الحقل فهو تاريخ الأفكار وهو حقل فلسفي ابتكره واستولى عليه؟ في الأكثر؟ الأستاذ آرثر أ. لفجوي من جامعة جونز هوبكنز. وتاريخ الأفكار هو تتبع أفكار موحدة من الفلسفات خلال التاريخ الفكري، وكما أنه يجد أكثر الأنوار الهادية في التعبير الأدبي فكذلك يستطيع النقد الأدبي أن يستمد منه في معالجة المتكأ الفلسفي للأدب. وأهم كتب لفجوي، كتاب " السلسلة العظمى للحدوث " The Great Chain of Being
стр. 321
وفيه يتتبع فكرة " الحدوث " المؤلفة من ثلاثة مبادئ مترابطة وهي الكمال والاستمرار والتدرج، منذ أصولها عند أفلاطون وأرسطوطاليس ثم انتقالها في القرن الثامن عشر؟ انتقالاً مؤقتاً؟ إلى السلسلة العظمى للصيرورة حتى تفتحت أزاهيرها عند شلنج والرومانتيكية. وفي سياق الكتاب يرسم لفجوي حقاً تاريخياً للفكر الرومانتيكي مستمداً شواهده لا من الفلسفة والأدب فحسب بل من علم اللاهوت وفقه اللغة والسمانتيات والعلم والسياسة والبستنة. وقد كانت مادة هذا الكتاب الذي ألقي باسم محاضرات وليم جيمس في هارفارد، بعيدة الأثر في الكتابات النقدية التي صدرت عن عدد من أساتذة هارفارد ومن بينهم ف. أ. ماثيسون وثيودور سبنسر ولكن يبدو أن ليس هناك عدد كثير من النقاد باستثناء جماعة هارفاد وجونز هوبكنز (وكنث بيرك كما هي العادة) يعرف لفجوي وكتابه مع أن الدارسين المتخصصين قد تأثروا به تأثراً شاملاً. وقد كانت معرفته حقيقة بأن تكون كبيرة القيمة في تلك الكشوف عن الرومانتيكية مثل كتاب " روسو والرومانتيكية " لبابت، وكتاب طالنشوة الرومانتيكية " The Romantic Agony لماريو براتز، وكتاب " انحطاط المثال الرومانتيكي وسقوطه " The Decline and Fall of the Romantic Ideal للوكاس (والاثنان الأولان صدرا قبل ظهور كتاب لفجوي) . إن أعظم فائدة يحبوها تاريخ الأفكار للنقد الأدبي هي منحه القدرة على أن يعيد بناء " هيكل المراجع " أي الجو الفكري الذي يكمن تحت الآثار الكبرى في الماضي. وقد استكشف لفجوي أفكاراً أخرى في كتابه " ثورة ضد الثنائية " The Revolt against Dualism وفي كتاب " البدائية والأفكار المرتبطة بها في الأزمان القديمة " Primitivism and Related Ideas in Antiquity وهو تاريخ من وثائق جمعها بالاشتراك مع جورج بوس. ولديه هو وتلامذته مجلة اسمها " مجلة تاريخ الأفكار " مخصصة لمثل هذه الكشوف، ولكن لا شيء من آثاره كلها
стр. 322
يطاول " السلسلة العظمى للحدوث " أهمية، حسبما ترقي إليه معرفتي.
ويستحق أ. ك. برادلي بعض الحديث هنا من حيث أنه يمثل نموذجاً من الدراسة المتخصصة التي لا تعتمد على طريقة خاصة سوى القراءة الدقيقة والمقارنة (كذلك فإن كتاب ستول " دراسات شكسبير " مثل آخر على هذا النوع) . وإذا استثنينا بضع دراسات خاصة متحيزة، مثل دراسة امبسون ونايت وارنست جونز والآنسة سبيرجن وآرمسترونغ، حكمنا بأن برادلي كتب أعمق نقد شكسبيري وأشمله إدراكاً ف عصرنا. أما فيما يتعلق بمسرحية هاملت فإن برادلي بلغ مشارف النتائج التي بلغها جونز دونما عون إلا العناية الدقيقة وإعمال الفكر. وليس ينقصه إلا معدات التحليل النفسي التي كان بإمكانها أن تمضي به إلى الأمام خطوات، فقد أدرك أن النظريات الكبرى بإمكانها فائلة وأن حال هاملت تتصل اتصالاً وثيقاً بشيء يتعلق بأمه لا بعمه، وفي الحق إن اصطلاح " الشلل السوداوي " الذي عنى به عجز هاملت عن العمل إنما هو إرهاص فذ باصطلاح جونز ذي المسحة العلمية وهو " فقدان قوة الانتباه "، وهو في الوقت نفسه كأنما ينبئ بظهر الغيب عن الآنسة سبيرجن ونايت وامبسون. ففي إرهاصه بما ستحققه الآنسة سبيرجن نجده يعمل جدولاً باستعمال اياجو للصور البحرية ويلحظ وفرة صور الحيوان في " تيمون " و " ولير " ويكتب جريدة بصور الظلام والنور والدم واعنف في " ماكبث " وهكذا. وفي إرهاصه بما سيحققه نايت نجده يجمع التلويحات للموسيقى عند شيكسبير ويلحظ أن الموسيقى هي فيما يبدو الرمز الصميم للسلام والسعادة عنده ولكنه يسهو عن أن يتقدم خطوة أخرى ليرى كيف أن العاصفة هي الرمز المضاد لها. ويقترب برادلي من نظرية امبسون التي قال فيها إن مصححي النصوص الشيكسبيرية " يحلونها " ويوضح فكرته بواحد من التصحيحات التي بنى امبسون عليها رأيه أعني تصحيح جونسون لعبارة " طريق حياتي "
стр. 323
Way of Life وجعلها " ربيع حياتي " May of Life.
إن استفاضة دراسة برادلي غير جلية في متن كتابه الرئيسي " التراجيديا الشكسبيرية " Shakespearian Tragedy وهو دارسة مطولة لهاملت وعطيل ولير وماكبث، إذ يخصص فصلين لكل مسرحية، أولهما مناقشة دقيقة للمبنى؟ في معظمه؟ والثاني دراسة للشخصيات على أنها أناس حقيقيون. ولكن الدراسة المتخصصة الكامنة وراء الاستبصارات النقدية في الكتاب، إنما تتجلى بقوة في اثنتين وثلاثين ملحوظة مذيل بها على المتن، وتتناول التصحيحات النصية، والمقارنات بين متن طبعة قطع الربع ومتن الفوليو، وجداول لاستعمال الكلمات، واقتراحات عن الأعمال المسرحية، وضبط التواريخ من خلال عددٍ من الاختبارات الفنية. وكثير من هذه الدراسة المتخصصة ينتهي إلى لا شيء؟ فقد يستوي عنده أن تنتهي الملحوظة باستنتاج يقول فيه إن المسألة ليست إلا مجرد تقلب عند شيكسبير، أو أن في المسألة قولين وليس أحدهما بأقوى احتمالاً من الآخر؟ ولكن هذه الملاحظ هي أساس الإدراك النقدي الذلق في كل الكتاب.
ولم يوفق برادلي مثل هذا التوفيق في فروع أخرى من الأدب، عدا شيكسبير، فإن أحاديثه عن الشعر الرومانتيكي الإنجليزي في كتابه " محاضرات أكسفورد في الشعر " Oxford Lectures on Petry وفي " تعليقه على قصيدة " الذكرى " لتنيسون " تنزع إلى أن تلتبس بمجادلات فارغة ومتحجرة بعض الشيء عن " الرفعة " وهل هذا الشاعر " أرفع " من ذاك. وخير ما في كتاب " محاضرات أكسفورد " هو المادة المتعلقة بشيكسبير أي عن فولستاف ومسرحية " انطوني وكليوباترة " والمسرح والجمهور في عصر اليزابث. أما اهتمامه الرئيسي بشخصيات شيكسبير، وفي هذا يعد الوارث المنطقي لكولردج وهازلت وبراندز (حركة أدبية سحر منها سخرية جميلة ل. ك. نايت في مقاله " كم ولداً رزقت السيدة ماكبث ") فإنه يؤدي إلى الهوة التقليدية التي
стр. 324
يهوي فيها القائمون بالأبحاث في هذا المجال، أعني تلك التخمينات البليدة عن شخص شيكسبير نفسه، فهو يحتقب كل أوزار التطرف التي تحتقبها الآنسة سبيرجن، إذ يخبرنا أن أحب زهرة إلى شيكسبير هي البنفسجة، وطائره المفضل هو القبرة، وأنه كان يكره الكلب الصغير الطويل الشعر والأذنين، وأن هذه العبارة أو تلك " ذات نغمة ذاتية " فيما يبدو، أو أنها " صدرت من القلب " أو " أن شيكسبير نفسه هو الذي يتكلم هنا ".
إلا أن ذوقاً معتدلاً قاراً في الجبلة، يقي برادلي في أكثر الأحوال شر التفاهة ويسدد أحكامه. نعم إنه ليستطيع أن يركز جهده في الدقائق التافهة كأن يعد الأسطر في المشاهد المتوترة، والمواقف التي ينتقل فيها شيكسبير من النثر إلى الشعر، وعدد المبارزات، والمناسبات التي تضرب فيها الموسيقى العسركية في القسم الأول من " هنري السادس "، غير أنه مع هذا لا يوحل في حمأة هذه التوافه، بل يستغلها دائماً ليبلغ فكرة سديدة. وأكبر نقص لديه، ضآلة معرفته بالدراما الكلاسيكية والنقد الكلاسيكي، ولو كان محصوله من ذلك وفيراً، لأعانه في ميدان تخصصه. ومع أنه يقيم مقارنات متعددة بين شيكسبير والروائيين الإغريق ويتكئ على أرسطوطاليس بشدة إلا أنه في نصه وتوكيده أن " الشخصية " جوهر المسرحية، يبتعد عن أرسطوطاليس. ثم إن عدم فهمه أساساً لطبيعة الدراما الإغريقية، يؤدي به إلى أن يرى في ماكبث بطلاً لم تكتمل بطولته، كذلك وصفه لسياق المسرحية بأنه يجري في ثلاث مراحل " العرض والصراع والكارثة " يغفل فيه العنصر الجوهري في الدراما الإغريقية وكل دراما عظيمة بعدها أعني " القبول " النهائي (قارن بهذا مثلاً الحلقة المفرغة عند فرانسس فرغسون المكونة من " الغاية، والعاطفة، والإدراك ") .
ولم يلحظ أحد نواحي القصور والعيوب في الدراسة المتخصصة مثلما لحظها برادلي فهو يتحدث باحتقار عن نوع من الدارسين يضيء نفسه بالرد
стр. 325
على آراء منافسيه، ويكب على استقصاء الدقائق التافهة حتى يفقد " الانطباعات الواسعة العميقة، التي تخلفها القراءة الحيوية في النفس "، ويقول:
البحث سهل وإن كان متعباً. والاستنظار التخيلي صعب وإن كان ممتعاً، وقد نؤثر الأول مأخوذين بسهولته. أو قد نلحظ أن شيكسبير قد استعمل في عبارة ما، ما عثر عليه في أحد المصادر، فنتهرب من أن نسأل أنفسنا لم استعمله وماذا صنع؟ أو قد نرى أنه أدى شيئاً قد يرضي جمهوره فنمر به عابرين، لاعتقادنا أنه أمر نعرف تعليله، ناسين أنه كان يرضيه أيضاً، وأن علينا أن نجد العلة في ذلك. أو ترينا معرفتنا لمسرحه التلاءم بين المشهد المسرح لإخراجه، كأنما علة الشيء لابد أن تكون مفردة بسيطة. فمثل هذه الأخطاء تثير المرء الذي يقرأ شيكسبير بروح شعرية، وتجعله يكفر بمعرفتنا. ولكن علينا ألا نقع في هذه الأخطاء، كما أننا لا نستطيع أن نرفض أي معرفة تعيننا على فهم عقل شيكسبير من أجل ما تجلبه من أخطار.
وقد كان برادلي نفسه بمنأى عن هذا النوع من الدارس الذي يشير إليه، كان في الحقيقة ازدواجاً موقفاً من الدارس نفسه ومن " المرء الذي يقرأ شيكسبير بروح شعرية " وخير ما يوصف به عمله ما قاله هو في الإشارة إلى مقال فذ لموريس مورغان عنوانه " مقال في الشخصية المسرحية: شخصية السير جون فولستاف " فقد وصفه بأنه يفسر عملية الخيال عند شيكسبير " من الداخل ".
نستطيع بعد هذا أن نلخص في إيجاز ما أسداه للنقد بضعة نفر فقط من الدارسين، فنقول: يستطيع الدارس أحياناً بوساطة طبعة محققة كاملة أقبل عليها بنفس، أن يستنقذ شاعراص من يد الإغفال والنسيان ويمهد الطريق
стр. 326
لانتعاشة نقدية، مثلما صنع القسيس الموقر الكسندر دايس في تحقيقه الرائع لآثار سكلتون سنة ١٨٤٣، فهذا الكتاب معلم على اللوذعية وحسن التذوق، ولم يحتج إلا تصحيحاً يسيراً من بعد. وقام الأستاذ تشايلد بمهمة مماثلة، أو لعلها اشمل، في تنظيم الأغاني الشعبية الإنجليزية والاسكتلندية حتى إنه كل دراسة ونقد يبدءان؟ حتى اليوم؟ من هذه الطبعة المحققة. (إن الأعمال النقدية التي قام بها دارسون آخرون في حقل الأدب الشعبي والمصادر الشعبية للأدب الشكلي، بما في ذلك العمل المتميز الذي أداه جلبرت مري وجماعة كمبردج، قد جرى الحديث عنها في فصل سابق) . وأحيانا يبعث الدارس قوة في تقنية تقليدية، من جديد، مثلما صنع ج. لسلي هوتسون بذلك البحث المألوف الجاف كالغبار في السجلات القانونية، فأخرج كتابين بالغي القيمة أحدهما " موت كرستوفر مارلو " The Death of Christopher وهو خبر عمن قتل مارلو في الحقيقة وأسباب مقتله؛ والثاني " شيكسبير ضد شالو " Shakespeare Versus Shallow برهان على أن الشخص الحقيقي الذي يمثله القاضي شالو في مسرحية " نساء وندرسو المرحات " لم يكن السير توماس لوسي، ولكنه كان عدو شيكسبير القديم القاضي وليم غاردنر. وكلا الكتابين يشبهان في المتعة قصصا بوليسية من الطراز الأول. وأحيانا ينمي الدارس، من الوجهة الأخرى، تقنية جديدة أو يضيف شيئا إلى واحدة قديمة، مثلما فعلت الآنسة سبيرجن وآرمسترونغ ونايت ولوليس. فدراسة جورج رايلاند للفظ عند شيكسبير في " الألفاظ والشعر " Wards and Potery وكشوف ل. ك. نايت للجو الاجتماعي والاقتصادي المحيط بأدب القرن السابع عشر (وسنتحدث عنها فيما يلي) مثلان آخران على هذه التقنيات الجديدة التي تبشر بالخير.
وهناك مشروع دراسي أخير يستحق أن يذكر، فمنذ ١٩٣٥ دأب تشارلس د. أبوت مدير مكتبة لوكوود التذكارية، بجامعة بفلو
стр. 327
على جمع مسودات الشعراء المعاصرين، رجاء أن يعرض عملية المراجعة الشعرية عرضا موضوعيا. وقد حصل ثلاثة آلاف منها، وأحيانا يبلغع أن يكون لديه ثمانون نسخة من قصيدة واحدة. وأول دراسة تجريبية لبعض هذه المادة، نشرت حديثا في مجلد عنوانه " الشعراء حين ينظمون " Potes at Work ويضم مقالات كتبها و. هـ؟؟. أودن وكارل شابير ورودلفق آرنهايم ودونالد. أ. ستوفر، ومقدمة كتبها أبوت يوضح بها مشروعه، وبعض صور للمخطوطات. ولا تعدو أي واحدة من هذه المقالات، بطبيعة الحال، ملامسة سطح المادة (ومقالة أودن فيما يبدو لا تسمها أبدا) ولكن يرجى أن تكون هذه المقالات بشيرا بدراسة واسعة منظمة، على نفس الخطوط التي بدأت في هذه المجموعة فيما أرجح (المشاركون في هذه المقالات: اثنان منهم شاعران وواحد سيكولوجي والرابع مدرس للأدب) . وليست هذه فكرة جديدة في ميدان الدراسة فإن لويس مثلا في كتابه " الاتباعية والثورية في الشعر " Convention and Revolt in Potery قد فحص التنقيحات الشعرية عند تنيسون وكولردج وكيتس ووردزورث وشيكسبير أيضاً (ولما لم تكن هناك مخطوطات من شيكسبير جعل شاهده من مسرحية هاملت طبعة حجم الربع وهي فيما يظن تمثل تنقيح شيكسبير للنص) . أما أداء هذه المهمة على نحو منظم كامل لا على وجه جزئي عارض، فربما تمخض عن نتائج متميزة، كما فعلت دراسة الآنسة سبيرجن للصور، وكما فعل بحث لويس عن المنابع والمصادر وتتبع لفجوي لتاريخ الفكرة الواحدة.
٥
- بقي مظهر واحد آخر في آثار الآنسة سبيرجن يحتاج منا تقديرا، ذلك هو رغبتها في التصوف؛ فكتابها " التصوف في الأدب الإنجليزي " يطلعنا على أنها مهتمة كثيرا بالفكر الصوفي والكشف الصوفي إلى حد أن تكون داعية للتصوف، متأثرة كثيرا بمتصوفة المذهب البوصي الكراريسي المعاصر
стр. 328
مثل ايفلين أندرهل. وقد استمر تعلقها بالتصوف في أثناء كتابها " الصور عند شيكسبير " وربما كان هو العنصر الذي استثار هذه الدراسة، لإيمان الآنسة سبيرجن بأن الصور ذات مغزى صوفي. فقد كتبت تقول:
إن المجاز في المقام الأول موضوع ذو مضمون عميق يستدعي قلما أقدر من قلمي على الخوض فيه بكفاءة، لأنني أميل إلى الاعتقاد بأن قياس التمثيل أعني المشابهة بين الأشياء غير المتشابهة؟ وهي الحقيقة الكامنة في صلب المجاز وإمكانيته؟ تتضمن في ذاتها سر الكون عينه. إن الحقيقة المجردة التي أتمثلها في البذرة والورقة الساقطة، وإنها في الواقع تعبير آخر عما نشاهده يجري على الإنسان من حياة وموت، لتهزني كما تهز الآخرين وتملأ نفسي ونفوسهم بأننا في هذه الأرض في حضرة سر عظيم، لو استطعنا أن نفهمه، لقدرنا على أن نفسر الحياة والموت نفسه.
إن الصورة التي يستخلصها الإنسان لعقل شيكسبير من الفصلين المعنونين: " شواهد من الصور عن فكر شيكسبير " لأعرق في التصوف مما قد توحي به المسرحيات نفسها، لأنها تؤكد العناصر اللامادية والبرغسونية، وتنتهي بهذا الحكم الذي تصدره الآنسة سبيرجن دونما شاهد معين: " مرة واحدة فقط يحدثنا شيكسبير بلسان نفسه؟ فيما يبدو؟ حديثاً مباشراً عن ما يراه في مشكلة الموت " وذلك في المقطوعة رقم ١٤٦ حيث تميت النفس الموت نفسه. وينتهي بها بحثها في فلسفته في فصل " شيكسبير الإنسان " إلى أن شيكسبير كان من أصحاب النزعة الإنسانية المتصوفين، مثل شخصية الدوق في مسرحية " واحدة بواحدة " Measure For Measure الذي يعتقد أننا " موجودون ما دمنا نلمس أصحابنا، ونتلقى منهم الدفء أو النور الذي أطلقناه إليهم ".
стр. 329
ومع ذلك فإن موضوعيتها الدراسية لم تنتقض حيويتها بهذا الانهماك في التصوف، وقد يقال في هذا الميل إنه نزوة من النزوات التي ينزع النقاد إلى أن يعكفوا عليها كغيرهم من بني الإنسان؛ ولكثير من النقاد نزوات تجري في آثارهم، دون أن يؤذيها مثل ثورة بيرك على التقنولوجيا، دون أن يؤثر في طابعها تأثيراً أساسياً. وآخرون مثل ت. س. اليوت ينحرف عملهم انحرافاً كاملاً على هوى ما ينهمكون فيه ولكن ذلك لا يحطم قيمته أو سداده. وبعضهم مثل مود بودكين وجون مدلتون مري يتخلون عن منهجهم النقدي الذي منحهم التميز لينغمسوا في نزواتهم، وآخرون تخلوا عن النقد إطلاقاً ليرعوا الدواء الشافي كما فعل رتشاردز في " الإنجليزية الأساسية " Basic English. وأكثر الحالات تطرفاً وإثارة للعبرة، في ناقد ركب هواه، وكان هوىً غريباً، هي حال ج. ولسن نايت:
كانت آثار نايت معماة بالتصوف منذ البدء، فأول كتبه كراسة عنوانها " الأسطورة والمعجزة " Myth and Miracle يستكشف " الصفة الروحية " في مسرحيات شيكسبير الأخيرة. أما كتبه التالية فقد نشرت تباعاً في مجلات مثل The Occult Review و the Quest، وبعد ذلك انهمك في تواليفه " بالأخلاق المسيحية " و " طبيعية " برغسون و " تقدس " الجنرال سمطس و " حيوية " د. هـ؟. لورنس وأضافها جميعاً إلى الخميرة الأصلية. والتقت صوفيته أثر الحرب فانتجا في كتابين له صدرا أيام الحرب أغرب نوع من النقد؟ أو من اللانقد؟ يخطه قلم أبداً. أما الأول الذي صدر عام ١٩٤٢ بعنوان " مركب الغضب: رسالة جون ملتن إلى الديموقراطية المحاربة " Chariot of Wrath فيمثل ملتن ملكياً محافظاً طوال عمره، عدواً لدوداً لكرمول الطاغية (أي صورة هتلر امعاصر) مدافعاً عن الملكية الدستورية في القرن العشرين، متنبئاً تكهن برجال الطابور الخامس حين صور دليلة، وبالحرب الجوية في المعركة بين الملائكة
стр. 330
وبكل من غورنغ وغوبلر في حزب الشيطان، وبالدبابة والقاذفة في مركبة المسيح بل تكهن بكل جزء من أجزاء الحرب الثانية كاملة حتى حين تكوين الأمم المتحدة. ويرى نايت أن مبدأ ملتن هو أن الإمبراطورية البريطانية تهدف إلى تحقيق الخير عن طريق القوة أي إلى تحقيق مملكة المسيح أي إلى " الخدمة المثالية " مناقضة في ذلك أهداف أوروبة المكيافللية. ويوافق نايت على أن ملتن تنبأ بأن الطريق الوحيد الذي تستطيع به بريطانية أن تحقق هذا النظام العالمي المثالي هو أن تسود العالم، أي أن تنبع مبدأ نايت الذي يسميه الاستعمار المسيحي.
وأما الكتاب الاني الذي صدر عام ١٩٤٤ بعنوان " الزيتونة والسيف: دراسة لانجلتره أيام شيكسبير " The Olive and the Sword فإنه توسعة للكراسة التي نشرها نايت سنة ١٩٤٠ عن رسالة شيكسبير القومية بعنوان " هذه الجزيرة ذات الصولجان " This Sceptred Isle. ويقول نايت إن شيكسبير كان نبياً قومياً معنياً بروح انجلترة، معارضاً لسياسة الترضية، ولهتلر في صورة رتشارد وماكبث وزوجه، مكرساً إنتاجه للدعوة إلى دور بريطانية الاستعماري المسيحي، ولدى شيكسبير تنبؤات حربية مشبهة للتي عند ملتن فهناك تنبؤ بالصراع الجوي في يوليوس قيصر وهكذا. وهناك أيضاً سلسلة من المتقابلات المتوازية بين عصر شيكسبير والعصر الحاضر في الأحداث (فليس رتشارد صورة من هتلر فحسب بل أن بكنجهام هو رويم Rohm وهاملت هو انجلترة ولايرتس وفورتنبراس هما ألمانية وإيطالية، وهو يعيد النص على أن الأدب هو " الإيمان الخالق " ويقول: " ليس هذا انحرافاً بالشعر العظيم خدمةً للدعاية المعاصرة ". ويبدو أن وجهة نظرته انحازت إلى الاتزان؟ إلى حد ما؟ في فترة بين الكتابين حتى أصبحت دعوته إلى سيادة بريطانية للعالم في الكتاب الثاني تتفق والقيادة الخلقية أكثر من أن تعني الحكم العسكري، هذا إلى عناصر اشتراكية كبرى مزجها بالمسيحية والاستعمار. غير أن
стр. 331
هذا التفسير ما يزال من أغرب التفسيرات التي صدرت عن ناقد جاد، وفي نصه على أن رسالة شيكسبير تكشف عن أن انجلترة ذات دور أعظم وأشمل من دور ألمانية الهتلرية، ما يجعل هذا التفسير من أكثر التفسيرات انظاءً على مضمون خطر.
هاهنا موقفان محزنان: موقف نايت في تنكره لأي دعوى تتصل بالنقد (وفي كل كتبه انطمست طريقته الموحية اللامعة وما تركت في مكانها إلا معاني نثرية سطحية ونسيجاً سخيفاً من المقتبسات يتوقع لها أن تكون معاصرة) وموقف جون مدلتون مري في خبله المشابه بعد تحوله المذهبي سنة ١٩٢٥. وفي كلا الموقفين أخذت الآنسة سبيرجن بثأرها فإن صفات الخيال التي يتمتع بها نايت ومري، والتي مكنتها من أن يبلغا بمادتها أبعد مما بلغت، هي نفس الصفات التي أنتجت ذينك الأثرين المضحكين اللذين كتبهما نايت في النقد كما أنتجت ما وراء البيولوجيا الأدبية عند مري. ولم تكن الآنسة سبيرجن قادرة على الأول ولكنها لم تكن أيضاً لترضى أن تنتج الثاني. فلتخلد الآنسة سبيرجن مثلاً للدراسة المتخصصة في خير أحوالها، خلاقة إلى حد أن تكشف عن منجم من الثراء للنقد، ولكنها ليست خلاقة إلى حد أن تشق عنه الأرض بنفسها. وإذا ما قورنت بلين كوبر في طرف ونايت ومري في الطرف الآخر فلتذكر دائماً على أنها نذير للدارسين والنقاد، فانهم صنعاً لو أبقوا على الأرض قدماً واحدة، فلم يرتفعوا بهما معاً، ولم يقعوا بهما معاً. هذا التفسير ما يزال من أغرب التفسيرات التي صدرت عن ناقد جاد، وفي نصه على أن رسالة شيكسبير تكشف عن أن انجلترة ذات دور أعظم وأشمل من دور ألمانية الهتلرية، ما يجعل هذا التفسير من أكثر التفسيرات انظاءً على مضمون خطر.
هاهنا موقفان محزنان: موقف نايت في تنكره لأي دعوى تتصل بالنقد (وفي كل كتبه انطمست طريقته الموحية اللامعة وما تركت في مكانها إلا معاني نثرية سطحية ونسيجاً سخيفاً من المقتبسات يتوقع لها أن تكون معاصرة) وموقف جون مدلتون مري في خبله المشابه بعد تحوله المذهبي سنة ١٩٢٥. وفي كلا الموقفين أخذت الآنسة سبيرجن بثأرها فإن صفات الخيال التي يتمتع بها نايت ومري، والتي مكنتها من أن يبلغا بمادتها أبعد مما بلغت، هي نفس الصفات التي أنتجت ذينك الأثرين المضحكين اللذين كتبهما نايت في النقد كما أنتجت ما وراء البيولوجيا الأدبية عند مري. ولم تكن الآنسة سبيرجن قادرة على الأول ولكنها لم تكن أيضاً لترضى أن تنتج الثاني. فلتخلد الآنسة سبيرجن مثلاً للدراسة المتخصصة في خير أحوالها، خلاقة إلى حد أن تكشف عن منجم من الثراء للنقد، ولكنها ليست خلاقة إلى حد أن تشق عنه الأرض بنفسها. وإذا ما قورنت بلين كوبر في طرف ونايت ومري في الطرف الآخر فلتذكر دائماً على أنها نذير للدارسين والنقاد، فانهم صنعاً لو أبقوا على الأرض قدماً واحدة، فلم يرتفعوا بهما معاً، ولم يقعوا بهما معاً.
стр. 332
تصدير
عندما أصدرنا القسم الأول من هذا الكتاب القيم قبل عام وبعض العام، لم نكن نتوقع له هذا الترحاب الذي قوبل به. إذ أوشكت طبعته الأولى على النفاد بعد أن أصبح عمدة النقاد وأساتذة الأدب والطلاب في معظم الأقطار العربية. وها نحن اليوم نقدم القسم الثاني والأخير منه، راجين أن يسد ثغرة في المكتبة العربية، بعد أن لمسنا حاجة الدارسين إلى الكتب النقدية الجادة.
لقد أخذ علينا بعض الزملاء غموض العبارة في بعض المواضع، وليتهم قبل أن يحاسبونا على ذلك، أن يرجعوا إلى الأصل ليشهدوا بأنفسهم ما فيه من تركيز وحشد، غير مألوفين في الكتب العربية. ولا عجب في ذلك فالمؤلف يكتب لفئة خاصة من القراء، يفترض أنها على مستوى عال من الثقافة الأدبية والإنسانية. أما قراؤنا، فالقلة منهم هي التي تمتلك ناحية هذه الثقافة أو بعضها، والكثرة ما تزال تعيش على أوليات الدراسات النقدية. ولم تكن هذه الحقيقة لتصرفنا عن الإقدام على ترجمة هذا الكتاب، فنحن نعيش اليوم في مرحلة بناء اجتماعي، الأدب ركن هام من أركانها، وعلينا أن نسهم فيها، كل بما توفر له من إمكانات.
أن الكتابة النقدية صعبة عسيرة في ذاتها. وطريقة المؤلف في هذا الكتاب تمتاز عن غيرها من طرائق المؤلفين بالتركيز والشمول والإسراف
стр. 333
في التحليل. ولذا كانت الترجمة عملية شاقة مضنية، تجشمناها لأننا كنا دائماً نضع نصب أعيننا الهدف الذي نعمل له فيما نؤلف وفيما نترجم، ألا وهو تيسير الدراسة النقدية الجادة، لهذا الجيل المتطلع إلى الثقافة الأصيلة العميقة. ولذا ترانا نعمد إلى الشرح والتعليق في مواضع أخرى، ونوجز هنا ونبسط هناك لكي لا تفوتنا الغاية التي من أجلها أقدمنا على ترجمة هذا الكتاب.
ونحن بعد لا ندعي أننا وضعنا الكتاب في الصورة المثلى التي نرتجيها له، إذ الترجمة مجال للاجتهاد شأنها شأن غيرها من أنواع النشاط الإنساني. وقد يظهر بين القراء والمختصين، من يستطيع أن يترجم عبارة هنا أو فقرة هناك، ترجمة خيراً من هذه الترجمة. ولن يؤرقنا هذا، ولن يصرفنا عن الهدف وبحسبنا أننا فتحنا بهذا الجهد نافذة جديدة على الأدب الغربي، نرجو أن يستشرف منها قراؤنا آفاقاً خصبة غنية، تمدهم بالعون والتسديد في هذه المرحلة الحضارية التي نمر بها.
المترجمان
стр. 334
المسهمون في إخراج هذا الكتاب
المؤلف: ستانلي أدغار هايمن: ولد سنة ١٩١٩ في بروكلين (نيويورك) . وتخرج سنة ١٩٤٠ من جامعة سيراكوز. ومنذ ذلك التاريخ وهو يعمل محرراً في مجلة النيويوركي The NewYorker، ويسهم في تحرير المجلات الأخرى بأبحاثه ومقالاته. وقد أصدر سنة ١٩٥٦ كتابه الثاني " العملية النقدية " The Critical Performance وهو يدرس الأدب، والأدب الشعبي في كلية بننجتون.
المترجمان: الدكتور إحسان عباس: من مواليد فلسطين سنة ١٩٢٠. تخرج من الكلية العربية في القدس، ودرس الأدب في بعض المدارس الثانوية في فلسطين، ثم التحق بالجامعة المصرية، وتخرج منها بشهادة الدكتوراه من قسم اللغة العربية سنة ١٩٥٤. وقد أصدر عدداً من الكتب، منها: " كتاب الشعر " لأرسطو (ترجمة) و " خريدة القصر وجريدة العصر " للعماد الأصفهاني (تحقيق بالاشتراك مع المرحوم الأستاذ أحمد أمين والدكتور شوقي ضيف) و " رسائل أبن حزم " (تحقيق) ، و " الحسن البصري " و " فن الشعر "، و " فن السيرة " " وأبو حيان التوحيدي " و " الشعر العربي في المهجر " (بالاشتراك مع الدكتور محمد يوسف نجم) و " الشريف الرضي "، و " التقريب لحد المنطق والمدخل إليه " (تحقيق) ، و " دراسات في الأدب العربي " (بالاشتراك) و " العرب في صقلية ". وهو الآن أحد أساتذة الأدب العربي بجامعة الخرطوم.
стр. 335
الدكتور محمد يوسف نجم: ولد في فلسطين سنة ١٩٢٥. تخرج من الكلية العربية في القدس. ودرس الأدب العربي في الجامعة الأميركية ببيروت (حتى سنة ١٩٤٨) . والتحق بالجامعة المصرية سنة ١٩٤٩، وتخرج منها بشهادة الدكتوراه من قسم اللغة العربية سنة ١٩٥٤. وقد أصدر بعض الكتب، منها: " القصة في الأدب العربي الحديث "، و " والمسرحية في الأدب العربي الحديث " و " ديوان الزهاوي " (نشر وتحقيق) و " فن القصة "، و " فن المقالة "، و " الشعر العربي في المهجر " (بالاشتراك مع الدكتور إحسان عباس) و " ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات " (تحقيق وشرح) و " ديوان أوس بن حجر " (تحقيق وشرح) ، و " شعراء عباسيون " (إعادة تحقيق وترجمة) ، و " دراسات في الأدب العربي " (بالاشتراك) ، و " رسائل الشريف الرضي والصابئ " (نشر وتحقيق) . وهو الآن أستاذ مشارك للأدب العربي بجامعة بيروت الأميركية.
стр. 336
الفصل الثامن
رتشارد ب بلاكمور
وثمن الجهد المبذول في النقد
بلاكمور ناقد ينزع إلى أن يسلط على كل أثر أدبي ما يتطلبه من وسائل نقدية خاصة، حتى كاد أن يستغل، في الحين بعد الحين، كل ما وصفناه من مناهج نقدية في هذا الكتاب، ولذلك كان من العسير علينا ان نخصص له " نهجاً " مفرداً يتميز به دون سواه. على انه وان لم يتميز بأسلوب نقدي متفرد، فأن لديه مسلكاً عقلياً متفرداً، اعني قدرته على البحث المضني الذي لابد منه للنقد المعاصر، وقد نعد هذا الاكباب الجاهد في التقصي أكبر إسهام يشارك به بلاكمور في ذلك الميدان. ولقد قال مرة في فصل من كتابه " مزدوجات " The Double Agent: إن من يقرأ شعر بوند فلابد له من ان يعرف " الإشارات الكلاسيكية والتاريخية "، ولابد لمن يقرأ اليوت من التعرف إلى " الأفكار والمعتقدات ونظم المشاعر " التي إليها يلمح ويمي، أما من شاء أن يقرأ ولاس ستيفنز " فانه محتاج إلى المعجم فحسب ". وإذا أخذت هذا القول على وجهه الحرفي وطبقته على بلاكمور وجدته يتعلم التاريخ ليفهم شعر بوند
стр. 337
ويدرس اللاهوت ليقرأ اليوت، ويلازم المعجم وهو يقرأ ستيفنز.
وللكلمات عند بلاكمور أهمية خاصة، فهو الناقد الوحيد من بين النقاد الأحياء الذي لا يتردد في أن يسمي القاموس " صرح الكشوف الوثابة " وهو في الوقت نفسه الناقد الوحيد بين النقاد الأحياء الذي لا يتردد في أن يقول ما قاله عن منزلة الكلمات في الفصل الذي كتبه عن ملفل في كتابه " ثمن العظمة " The Expense of Greatness؛ هنالك قال بلاكمور:
" لابد من أن تكون الكلمات وطرق ترتيبها وتواشجها هي المصدر الأكبر المباشر لكل ما تضمنه الفنون المكتوبة أو المحكية من تأثير؛ فالكلمات هي التي تلد المعاني، والمعاني محمولة فيها قبل أن تبدأ آلام المخاض. واستعمال الكلمات عند الفنان يمثل مغامرة في سبيل الكشف؛ والخيال وثاب وهو يجوس بين الكلمات التي يمارسها؟ غير أن المغامرة في حقيقة الكلمات تسعفنا على شيء ابعد من حقيقتها بمعنى إننا نستطيع من خلالها أن نميز صور حقيقتها الموقفة من صورها الأخرى المخفقة، ونستطيع أن نقيس أنواع الحقيقة التي حاولناها ومدى قوتها، بل نستطيع أن نحدس، على وجه ما، أحوال العرف والمعتقد الضروريين لإيجادها وانبثاقها.
وملفل مثل بارع على مثل هذه التجربة. إذ ليس علينا عند قراءته إلا ان نصل بين حقيقة اللغة التي أشرنا إليها وبين القول المفترض المقدر - أن نصل بينهما وصل مبدأ بفكرة - لنرى من أين جاءت القوة للثاني. وليس علينا إلا أن نصل بين مبدأ اللغة وبين قرائن العرف التي قد تعدل منها بزيادة أو نقص لنفهم كيف وفق ملفل حيث وفق، أو لنعتذر عن تقصيره وقفزاته في محاولاته ليقبض على ناصية الحقيقة العظيمة
стр. 338
المستديمة التي تقدمها الكلمات العظيمة، وما ذلك إلا لأن ملفل قد تعود أن يستعمل الكلمات على نحو عظيم ".
ومن نتيجة هذا الانتحاء الشديد نحو الكلمات أصبح قسط كبير من بحث بلاكمور لفظياً. حتى انه لما أخذ يدرس كمنجز، مثلا، أعلن أن غايته إنما هي دراسة لغة كمنجز ليتخذ منها هادياً يهديه إلى " نوع المعنى الذي يؤديه استعماله للكلمات "، ومضى في هذا السبيل فجمع قائمة بالكلمات التي يكثر ترددها عند كمجنز، ولحظ أن كلمة " زهرة " من بينها أحبها إلى نفسه، وعد المواطن التي وردت فيها هذه الكلمة، ونبه إلى تعدد القرائن التي تستعمل فيها، واستنتج أن كلمة (زهرة " هي الكلمة المسيطرة على نفس كمنجز وخياله. ومن هذا التحليل اللغوي وغيره حدد طبيعة شعر كمنجز وأسهب في تبيان شأنه وقيمته.
أما تحليله لشعر ولاس ستيفنز في كتابه " مزدوجات " فإنه يبدؤه بعد الكلمات النادرة أو " الثمينة " الغالية التي يكثر منها، ثم يذهب إلى المعجم فيستخرج منه معانيها (مثلا: أسيان: معناها حزين أو مبتئس وهي مشتقة من أسي وهكذا) . ثم يقرأ الكلمات حسب وقوعها في قرائنها، ويخرج من كل ذلك بتفسير للقصيدة وبنظرية عن طبيعة فن ستيفنز. وفي الكتاب نفسه يحاول أن يفسر جملة معترضة غامضة لهارت كرين، وفي الكتاب نفسه يحاول أن يفسر جملة معترضة غامضة لهارت كرين، فيفزع إلى القاموس، ويعجز عن أن يجد لها معنى مقنعاً، ويقرر أن الشاعر لو استعمل العكس لأصاب، ومع ذلك فإنه ينتهي من ذلك إلى نظرية عن النقص في تركيب الجمل وعن الكلمات الطائشة غير المحددة التي تسبب إخفاق كرين، وإخفاقه هو في فهمه.
ويمضي بلاكمور في هذا الاستقصاء اللفظي في كتابه " ثمن العظمة " حتى أنه حين يتحدث هنالك عن إملي ديكنسون يعلن أن عبقريتها تتجلى " في الكلمات التي تستعملها وفي الطريقة التي تضع فيها الكلمات "
стр. 339
ويستمر قائلا بعد أن يقتبس إحدى عباراتها " دعنا نتساءل باحثين: ما الذي في الكلمات يصنع شعراً من مجموعها " ثم يذهب في تحليلات لغوية مستفيضة، فيعد المرات التي استعملت فيها لفظة " فسفور " وقرائنها، ويتتبع المصادر التي استمدت منها ألفاظها، ومن تلك المصادر أساطير الفروسية وشيكسبير وسكوت والتوراة والأناشيد الدينية وغيرها، ويحلل موارد التشبيهات والاستعارات في فقرة فذة (ومنها خياطة الملابس والقانون، والأحجار الكريمة والحرب الأهلية والتجارة البحرية والجغرافيا واللاهوت التجريدي؟ الخ) وأخيراً يتتبع مختلف الاستعمالات التي ترد فيها اثنتان من أحب الكلمات إليها وهما: " قطيفة " و " أرجوان " (وفي تحليله اللفظة الثانية كشف عن جهله بأن الرومان كانوا يستعملون كلمة " أرجوان " للدلالة على النبل والشرف) . ولما راجع شعر لورا رايدنغ لحظ كيف تسيطر عليها الكلمات المنفية المسلوبة (غير محب، غير ناعم، لا حياة؟) حتى أن بعض الصفحات لتحوي خمس عشرة صورة من صور السلب، وإذن فأن " الآنسة رايدنغ هي ربة النفي التي تضع في قبضتها: ليس ولا وغير ولم ولن؟ ".
وقد يقول من يسمع هذه الأمثلة: كل ناقد يقوم يبحث مشبه لهذا، فينقب في المعجم عن معاني الكلمات الغريبة، ويحسب تردد الكلمات والقرائن، وإن بلاكمور لم يزد على أن صرح بهذا العمل وأعلنه في نقده على نحو مفضوح بينما غيره يخفيه ولا يعلنه. وهذا حق إلى حد قليل جداً. بل إذا نظرنا إلى ما حققه بلاكمور قلنا أن هذا القول ليس حقاً أبداً، ولو كان حقاً لكان ذلك خيراً للنقد وأبقى. ذلك لأن بلاكمور متفرد بين النقاد في اعتقاده أن الشاعر لا يلقي للقارئ الجاد - أو للناقد - إلا ما هو معقول وأنه غير مشتط أبداً مهما كلفه في البحث عن المعاني التي يضمنها شعره فإذا كان الناقد لا يعرف فليذهب إلى حيث يجد المعرفة
стр. 340
وليحاول دائماً أن يتعلم. كل شيء تستطيع أن تفهمه بعون من الأضواء الخارجية، وقلما تجد شيئاً لا تستطيع أن تسلط عليه تلك الأضواء، ولذلك يكثر بلاكمور من لفظتي " مسئولية " و " ثمن " (ثمن الاستشهاد، ثمن العظمة) مؤكداً ما يجب أن يبذله المرء من جهد وما يدفعه من ثمن. ولقد حدد في إحدى مقالاته كيف يكفل الكاتب لما يكتبه أقصى حدود المسئولية، وحدد جهد النقد مستعيراً تشبيهات من أحوال الكد البدني، فقال في ذلك المقال الذي أختار له هذا العنوان الساخر: " مضجع دمث للنقاد "؟ قال:
" على الكاتب أن يقدر أنه يؤدي أشد الأعمال النقدية مشقة وعسراً، مما يقع في حيز استطاعته، فكأنه يحاول أن يبقي نفسه في موقف المنذعر، كأنه يقف موقف من ستستطيره الشياطين؛ كأنه لن يتعود أبداً على تصريف قواه التخيلية وموارده الشعورية، ولا يحب في الوقت نفسه أن يهبط من قيمتها، ومع ذلك فعليه وهو في هذه الحال من التوقف المعلق أن يحكم ويحسم في حقيقة المهمة الموكولة إليه. بهذا المعنى يكون إنشاء قصيدة عظيمة عملا من النقد الصارم، وقراءتها عملا آخر مقارباً لذلك، وبهذا المعنى أيضاً يسمى العمل النقدي عملا خلاقاً، ويكون توسيعاً لمدى المشاركة سواء أقام به الشاعر أو الناقد أو القارئ الجاد، وعندئذ يكون جهد النقد هو ثمن العظمة، ويكون الربح في معنى الاضطلاع الذي قام به الفرد في كل أدوار هذا الجهد ".
وأكثر النقاد في أيامنا هذه يعتقدون أن حسهم النقدي ومعرفتهم أمران متساويان، فهم يقرأون القصيدة قراءة مجهدة ولكنهم لا يعتقدون أن القصيدة تتطلب منهم أن يقرأوا ما عداها، فإذا شئنا أن نقدر قيمة ما يضطلع به بلاكمور ومدى تفرده فيه فما علينا إلا أن نقارن بين جهده في نقد بعض الآثار الأدبية التي تتطلب المعرفة الواسعة وبين جهود الناقدين
стр. 341
الآخرين. وحينئذ نجد أنه لا يدانيه أحد في التحليل اللغوي، ولقد كتبت - مثلا، مقالات لا تحصى عن كمنجز ولكن أحداً ولكن أحداً سواه لم يعن نفسه أمر حصر معجمه. ودع هذا وقارن ما كتبه بلاكمور عن عزرا بوند في كتابه " مزدوجات " بما كتبه ألان تيت في " مقالات محافظة في الشعر والأفكار " Reactionary Essays on Poetry and Ideas وكلا المقالين كان مراجعتين لأناشيد بوند، نشر الأول منهما في " الكلب والنقير " ونشر الثاني في " الأمة " Nation.
ويبدأ تيت مقاله بالحديث عن الجهل وقفة الاكتراث، ثم قال في أول جملة له بعد الاقتباس: " المرء لا يعرف من هو هذا المسمى سير لورنتيوس، ولا يقطع بأن معرفته به أو جهله له سيان. غير أن المرء يرتاح إلى ما يتميز به علم بوند الغريب الغامض من سعة وأنفساح، وهو علم لا يكاد ينهض به رجل واحد. وإذا قرأ الواحد منا آثاره ظل غير واثق من المسافة والزمن والتاريخ ".
ويمضي بعد ذلك تيت ليكشف عن " سر الشكل الشعري " لدى بوند فيبدو له أنه ليس إلا " محادثة " وأن الأناشيد ليست إلا حديثاً طائشاً مشتتاً، وهذا هو ما تدور عليه تلك القصائد. حتى إذا أفضى تيت بهذه الجامعة من جوامع كلمه، ذهب يحلل النشيد الأول، وحين مر به قول بوند " المكان الذي سبق أن ذكرته كركه الساحرة " علق عليه بقوله: " أي مكان كان " وأخيراً أدى ما لا يعد دراسة بحال، وأصدر بياناً يعلن فيه إلى الحاجة إلى الدراسة فقال: " ولا ريب في أن الأناشيد الثلاثين تكفي لتشغل وقت المرء في دراسة جميلة لا تنقطع - فإذا عينا سنة لكل نشيد فمعنى ذلك أن يستغرق المرء في دراستها ثلاثين عاماً، وأن يقرأ الثلاثين كلها في بضعة أسابيع من أجل نغمتها ". وفي هذا بلغ النقد منتهى التخاذل.
стр. 342
أما بلاكمور فإن مراجعته للأناشيد كانت على النقيض من هذا تماماً. فقد قرر أولا أن الشعر في الأناشيد ليس إلا حجاباً يسميه بوند: " Persona "، فهو يذهب إلى جذور هذه الكلمة اللاتينية، ثم ينفق اثنتي عشرة صفحة في دراسة أثرين كاملين من آثار بوند هما " هيو سلوين موبرلي " و " مراسيم الطاعة لسكستوس بروبرتيوس " ويتخذ منهما مفتاحين للأناشيد، ويحلل القصيدة الأولى بشيء من الاسهاب، ويترجم بيتاً اقتبسه بوند عن الإغريقية، ويفسر ما فيه من إشارات إلى كابانيوس الملحد الذي رماه جوبتر بالصاعقة، ويحشد العبارات التي أخذها بوند من الشاعر اللاتيني بروبرتيوس (١٩ ق. م) وأدرجها في القصيدة الثانية، ويقارن بين النص اللاتيني وترجمة بوند، وبين ترجمة بوند وترجمة بتلر الحرفية التي نشرتها مكتبة لوب، مقارنة مسهبة بعض الشيء. ثم ينفق اثنتي عشرة صفحة أخرى في تلخيص الموضوعات الكبرى التي احتوتها الأناشيد، ويقول في أثناء ذلك:
" إما أن يكتفي القارئ بقراءة الأناشيد نفسها، كأنها شيء مسترسل يوضح نفسه بنفسه، وإما أن يفتش عن المادة التي استغلها بوند نفسه أو عما يستطيع استكشافه منها؟ غير أن الفكر الحي النشيط لا يقف دائماً عند حدود الظن، مهما يكن الظن مقنعاً، أن كان في مقدوره ان يحصل على اليقين ".
ويعني هذا أن بلاكمور حين فسر الإشارات الواردة في الأناشيد عن عائلة مالاتستا، اطلع على أربعة كتب عن تلك العائلة وقرأها، وكانت ثلاثة منها بالإيطالية، والرابع منها لم ينشر بعد. وأخيراً يأخذ في تفسير القصائد وتقويمها بعد هذا التحليل الشامل المستوفي.
وهذا خير مثل على ما يتمتع به منهج بلاكمور من قوة إذا قارناه بجهل أكثر النقاد المعاصرين وضحالتهم وتراخيهم وتكاسلهم، وإذا كان
стр. 343
تيت مظلوماً في هذه المقارنة، فما ذلك إلا لأننا أفردناه بالذكر دون سائر الناقدين، ولكن تيت ليس بدعاً بينهم بل من الممكن ان تنسحي هذه المقارنة على كثيرين سواه. ولقد يستطيع المرء أن يقارن الفصل الذي كتبه بلاكمور عن الشاعر ييتس في كتابه " ثمن العظمة " بما كتبه بورا عن الشاعر نفسه - بتذوق وإدراك - في كتابه " ميراث الرمزية "، The Heritage. كلا الناقدين حلل " العودة الثانية " غلا أن دراسة بلاكمور للمبنى الصوفي القائم وراء تلك القصيدة، بالاعتماد على كتاب " الرؤيا " ليتس وعلى غيره من الكتب، لتمنح دراسة بلاكمور متسعاً من الفهم والإدراك يفتقر إليه بورا الذي كان يجهل ذلك المبنى الصوفي ولا يكترث بالبحث عنه. أو قد نقارن بين ما كتبه بلاكمور عن ت. إ. لورنس في كتابه " ثمن العظمة " وبين المراجعات التي نشرها مارك فان دورن في مجلة " الامة " ثم ضمنها كتابه " القارئ لنفسه ". وهذه مقارنة عادلة لان فان دورن يلح على ان لا يعرف الناقد شيئاً وأن يكتفي بقول اقل القليل. وكل ما قاله فان دورن عن لورنس انه " معقد إلى درجة المستحيل، وإلى حد لا يطاق " وانه قد يفسر ذات يوم. أما بلاكمور فأنه جلس في هدوء يحاول أن يفسره، فدرس في أثناء ذلك رسائله بعناية وذهب إلى مكتبة الكونغرس في واشنطن ليقرأ النسخة الوحيدة من كتاب آخر للورنس عنوانه: " دار الضرب " The Mint، وهو الكتاب الثاني المسموح به في أمريكة وعندما استعمل هذا الكتاب ورسائل لورنس أدى المهمة التي أحجم عنها فأن دورن وهي كشف معنى ما (أن لم نقل كشف المعنى) في " أعمدة الحكمة السبعة) .
بل أننا أحياناً لا تحتاج إلى استجلاب هذه المقارنة بين بلاكمور وغيره من النقاد، لأنه هو نفسه أحياناً يثيرها. فمثلا: عندما تحدث عن قصيدة " أربعاء الرماد " لاليوت في كتابه " مزدوجات " عنف ناقداً
стр. 344
ذكياً مثل ادموند ولسن (ومن مواطن الضعف في بلاكمور شدة مجاملته لزملائه) لأنه نقد القصيدة وهو يجهل مدلوها المسيحي، فاخطأ في قراءتها حين رأى فيها مثاراً للضعف لا للقوة. ولذلك فسر بلاكمور المعنى لالديني لذلك اليوم المسمى " أربعاء الرماد " ومبدأ نكران الذات والاتضاع في المسيحية، والتعاليم المسيحية في العبارة التي اقتبسها اليوت من دانتي، وهلم جرا؛ وكلها أمور لا غنى عنها لفهم القصيدة. فإما إن بلاكمور كان يعرف هذه الأشياء وإما انه كان يجهلها فبحث عنها حتى عرفها؛ أما ولسن فلم يكن يعرفها، ولم يكلف نفسه البحث عنها. ووجد بلاكمور لقاء الجهد المبذول، وجد قراءة دقيقة رصينة ركينة، وجد لقاء ما اضطلع به وهو يؤدي واجبه، وبذلك تجنب الخطأ الجاهل الذي اختاره ولسن. وهذا هو ما يحرزه بلاكمور غالباً فيما يبذله من جهد، وهو كفاء بالكلف التي يقدمها. ولقد يفيد النقاد أمثال تيت وبورا (بورا في هذا الموقف فحسب) وفان دورن وولسن إذا هم تفكروا ليلا في أسطورة النملة والجندب.
٢
- إن بلاكمور، مثل اليوت، لم يؤلف كتباً في النقد وإنما نشر عدداً من المقالات والمراجعات، ثم ضم اثنتي عشرة منها في كتابه " مزدوجات " ١٩٣٥، وجمع ثلاث عشرة أخرى في " ثمن العظمة " ١٩٤٠، ومنذ ذلك الحين نشر من المقالات والمراجعات ما لا يقل عن اثنتي عشرة أيضاً، ولذلك فقد يسعفنا الحظ بكتاب ثالث له. وقد قضى بلاكمور عدداً من السنوات وهو يعمل في إنجاز سيرة نقدية عن هنري آدمز، ومنها نتف ظهرت في المجلات؛ وأعلن مرة أنه يعد دراسة عن هنري جيمس، وليس له سوى ما تقدم إلا ثلاثة دواوين شعرية
стр. 345
وعديد من " الكراسات " الصغيرة ذات القيمة المؤقتة العارضة. وحتى يصدر كتابه عن آدمز وكتابه عن جيمس ومجموعة ثالثة من مقالاته يظل كتاب " مزدوجات " خير مثل يستحق منا القول المفصل.
ومفتاح هذا الكتاب في عنوانه الفرعي: " مقالات في البيان والتبيان " ولعل بلاكمور ان يكون أدق قارئ متفرد في النقد الأمريكي وإذا علق على قصيدة فلا يبذه في ذلك إلا وليم امبسون بانجلترة، ولذلك فان أكثر كتابه شرح وتوضيح للنصوص. وقد أشرنا من قبل إلى دراسته للغة كمنجز وأناشيد بوند، وشعر ستيفنز، وهارت كرين، وفي هذه جميعاً خير طراز من الشرح لعدد من القصائد الصعبة، وكذلك هي دراسته لماريان مور والآخرين. ولعل خير مثل مركز من هذه الدراسة هو القسم الثاني من مقالته " أعتاب جديدة، وتشريحات جديدة " وعنوانه الفرعي " ملاحظ على نص من هارت كرين ". وهذا القسم كله شرح مستفيض لا مدخل فيه لغموض، لمقطوعة ذات أبيات أربعة عنوانها: " حانة " ولسبعة أبيات من قصيدة " دموع المسيح ". ومن الأمثلة النموذجية في ذلك الشرح ما كتبه بلاكمور حول بيت من القصيدة الثانية جاء فيه: " الناصري والعينان اللتان كأنهما الحراق (١) ".
ومن الوسائل التي يعتمد عليها بلاكمور في الشرح والتفسير أن يضيف
стр. 346
المادة المركبة أو قل أن يفهرسها، ثم يصبح لهذا التصنيف قيمة ذاتية مستقلة. وهذا يصدق على عرضه للموضوعات الكبرى - موجزة - في أناشيد بوند، وهو يصدق كثيراً على مقال له في " مزدوجات " كتبه عن فواتح جيمس ونشره في " الكلب والنفير " وجعله مقدمة لفواتح جيمس عندما نشرت بعنوان " فن القصة " The Art of the Novel. وهنا يضع بلاكمور ما يسميه " فهرستاً انتقائياً أو ثبتاً مؤقتاً " يدرج فيه المسائل الكبرى والموضوعات الهامة التي يتحدث عنها وبدل على مواضعها ثم يفعل ذلك نفسه في الموضوعات الصغرى. ومن ذلك كله ينتهي إلى فهرست نقدي مكون من عشرين صفحة لكل الأمور المتعلقة بفن القصة عند جيمس، وهي بالغة القيمة للمبتدئ الذي يريد أن يقرأ فواتح جيمس، وللمختص الذي يحاول أن يستمد شيئاً من الفواتح في بحثه، كما أن فارس بلاكمور هي في ذاتها عمل نقدي أيضاً.
وبما أن بلاكمور شاعر فانه ينفق كثيراً من جهده في نقد الشعر، ولذلك جاء ما يقارب ثلثي كتاب " مزدوجات " في نقد هذا الفن؛ وليس من الغريب إذن أن يتحول إلى الحديث عن أمور عامة في الشعر حين لا يجد أثراً شعرياً معيناً لينقده. ومما تجدر ملاحظته انه قلما يحلل النثر أو يكتب في مسائل النثر وفنيته، وإذا راجعت ما كتبه في النثر وجدته يتعلق بمشكلات متصلة بالمتفنن نفسه كدراسته عن ت. إ. لورنس وملفل، أو بالأفكار وبخاصة الأخلاقية منها كدراسته عن دستويفسكي وآدمز. غير انه أيضاً لم يكتب شيئاً في النظرية الشعرية، وإنما ينشا حديثه عن فنية الشعر من مسائل ومشكلات محددة باعيانها، فهو يتحدث عن القافية حين يعرض لشعر ماريان مور وطريقة استعمالها للتقفية، وهو يتحدث عن الصور والاستعارات حين يقارن بين ستيفنز وبوند واليوت في مقاله عن الأول منهم ويتحدث عن الشكل الشعري عرضاً إذ يتصدى
стр. 347
للحديث عن لورنس، ويشير عابراً إلى أمور الإيقاع والأوزان، ولم يكرس كثيراً من انتباهه للعروض لأنه يعده حشواً في فنية الشعر.
وإذا قارن بين استعارا ستيفنز واستعارات غيره من الشعراء ابرز وسيلة أخرى من الوسائل الكبرى التي يستغلها في " مزدوجات " وهي المقارنة بين القصائد وبين الشعراء. فمثلا يتوصل بلاكمور إلى رأيه في طبيعة ترجمة بوند لأشعار بروبرتيوس بمقارنة الترجمة بالأصل اللاتيني خطوة خطوة، لا بالحديث عنها تجريداً. ويقارن بين بوند واليوت وستيفنز، فيجد أن خيال ستيفنز غير معتمد على البصر مثل بوند ولا هو درامي مثل خيال اليوت ولكنه خيال خطابي؛ وهذا التصنيف هو الأساس الذي نقوم عليه مقالته. ويوضح في مقاله عن لورنس ما يسميه " هستيريا " لورنس وذلك بمقارنة موقفه بموقف اليوت الذي تدل عباراته على " هستيريا منضبطية ". ويثبت نقص الإحساس لدى كرين بان يحشد حوله مقتبسات من دانتي وشيكسبير وبودلير وييتس وستيفنز؛ ولكن بلاكمور لم يوغل في المقارنة إيغال اليوت الذي ينقلها أحياناً إلى شيء بعيد عما ينتقده، ويظل يبعد بها في استحضار أمثلة متشعبة حتى تتلاشى صلتها بالشيء المنقود، ويقتصد بلاكمور في المقارنات، وقد يسهب في تبيانها ولكنها في كل حال تخدم غاياته خدمة جلى.
وليس في كتاب " مزدوجات " استمداد علني من اكبر منبعين يستمد منهما النقد المعاصر اعني علم التحليل النفسي والماركسية، وأن كان فيه تأثير خفي لهما. وينتج هذا من إحدى فرضيات منهج بلاكمور وهي فرضية استمدها من اليوت في دور مبكر ووضحها في دراسة له عن اليوت نشرها عام ١٩٢٨ في " الكلب والنفير "؛ ومؤدى هذه الفرضية أن النقد يجب أن يتناول الأدب من حيث هو أدب، لا من حيث يمثل أي شيء آخر. حتى حين يستمد بلاكمور علناً من علم النفس، كأن يتحدث
стр. 348
عن المرض الهستيري عند لورنس، تجده يستخدم سيكولوجيا أدبية في طابعها، فهو يصر على أنه لا يشخص مرض لورنس ولكنه يرى ان " الحقيقة في شعره وفي نثره الأخير؟ ذات طابع هستيري ". أما النقد الاجتماعي فابرز موطن استخدامه فيه بلاكمور هو حديثه عن " عودة المنفي " لمالكوم كولي ١٩٣٤ وعن كتاب اليوت " بحثاًً عن آلهة غريبة " وفيه يقول: " أراني من وجهة سياسية اتفق مع كولي " ثم يقول:
إذا اخترت اتجاهاً سياسياً ووجهت فكرك لتصل من ذلك الاختيار إلى نتيجة أصيلة فليس يستتبع هذا أن اتجاهك السياسي سيؤثر تأثيراً مباشراً فيما تكتبه إن كنت كاتباً. وليس مما يستتبع هذا أنك قد كشفت عن ضرورة سياسية واتخذتها شعاراً لك، عن كنت ناقداً. أن الكاتب أو الفنان، في أي ميدان، هو مرآة مستقلة لمجريات الحياة التي تستغرقه، ما دامت له إرادة في أي شان من الشئون، وهو يخلق عن طريق الإبداء والتمثيل والنقل، وليس يتغير من أسلحته إلا السخرية التي يتمتع بها ذكاؤه، والتي يسلطها على الحقير والبليد؟ وقد ينفق أن تكون معتقدات الكاتب السياسية أساسية في فنه، حين تظهر فيه بقوة ضمنية لا جهرية، كقوة الدم على العودة في العروق، وربما لم يتفق لها أن تكون كذلك. ويجب على الفنان أن يحتفظ لنفسه بحقه في أن يعرض ما يراه وما يحس به من المشكلات الإنسانية، والشيء الوحيد الذي قد نتطلبه منه هو أن لا يعرض ما لا يراه ولا يحس به بل ما يعتقده لأسباب سياسية أو غير سياسية.
وينتهي بلاكمور من هذا إلى أن كولي واليوت قد اريانا طرقاً " تحسن منزلتنا كمواطنين " غير أن الغاية القصوى هي أن يضيفا " إلى
стр. 349
منزلة استقلالنا كفنانين ". وقد تنبه بلاكمور إلى أنه جار على النقد الاجتماعي حين تنكر له باسم " النقد السياسي " أي حين ابصر منه أسوأ احواله؛ ولذلك تجده يلح على ان هذه المعايير الاجتماعية تظل صحيحة ركينة ما دام يحددها برصانة ناس مثل كولي، أما أمثال غرانفل هكس وهوراس غرغوري فأنهم دائماً يسيئون استغلالها وتمثيلها. (ومن سقطات بلاكمور في هذا المقام أن يقول: " عن كانت بيرز بلاومان Piers Plowman تعالج الصراع الطبقي، فان حكايات كانتربري لم تعالج شيئاً من ذلك ". ولا مرية في أن حكايات كانتربري أدل على الصراع الطبقي من غالبية الآثار الأدبية لأنها تصور في افتتاحها انهيار الإقطاع بين الفارس وتابعه، وتتطرق إلى الفوارق الطبقية الحادة في أكثر الحكايات. ما أكثر الأمثلة التي قد يختارها بلاكمور، وكم كان من الأسلم له لو انه اختار قصيدة " قبلاي خان " أو ما أشبهها) .
ولنقل شيئاً في السخرية عند بلاكمور فان استعماله لها في كتاب " مزدوجات " غزير واسع. وتصبح لديه في أحد طرفيها نوعاً من الفكاهة (كان يقول: هذه تهمة حادة لكنها لا تجرح) وهي في الطرف الثاني تحفظ شكي حذر مترامي الأطراف. وفي الفصل الأخير من كتابه يسوي بينها وبين الفكر الحر فيقول:
توجد، لحسن الحظ، نماذج من التفكير الطليق البارئ من التقعيد؛ دعنا نتجه بأفكارنا كالمتأملين لنكحل أنظارنا بأنوار أفلاطون - في مرحلته الأولى - وبأنوار مونتين - في كل مراحل حياته -. أليس الحافز الحي والخصب في حواريات أفلاطون ومقالات مونتين إنما مردهما إلى عدم التقعيد و " الترسيم "؟ أليس أن أفلاطون - في عهده الأول - يمسك بالأفكار المتصارعة في توازن متبادل، ويقدمها لنا في
стр. 350
عراك وتطور ولا يحكم بالنصر لأحدها غلا في النهاية؟ أليس أن مونتين يفسح المجال دائماً لفكرة أخرى، ويهيئ دائماً مكانا ثالثا لسخرية مؤقتة تفصل في النزاع بين الفكرتين؟ أليست الأشكال التي ينشئها كل من الرجلين قائمة على السخرية لأنها دائما تفضح الازدواج في كل فكرة، في أعمق اعماقها، فهي تدل عليها كأنها تعرضها للاتهام الذاتي، وتبرزها في معمعان الحياة لا محصورة في البحث الحيوي، يصبح حين نستعيره ونزاوج بينه وبين حاجاتنا هو المسلك العقلي الوحيد لتكثير المبادئ وضروب " التقنيات " المتغطرسة التي تملأ أوعية التفكير النقدي لدينا.
أما إن كان المفكرون والفنانون اقل شاناً من أفلاطون ومونتين، أو كانوا مثلهما عظمة لكن آثارهم أدنى منزلة، فها هنا يضيف بلاكمور قائلا: " علينا أثناء القراءة والنقد ان نضيف الشك والسخرية من لدنا ". وقد يضيف بلاكمور نفسه هذه السخرية في كتاب " مزدوجات " على نحو حذر من التجريب؛ وإليك هذه الأمثلة:
" ليس من العسير أن نطبق هذه القسمة على كرين إذا قمنا بها تجريبا دون أن نتطلب منها أن تكون مثمرة، أو أن تكون هي القول الفصل ".
" يجب ألا نوغل في استقواء النظير لان قيمته غنما تكمن في عدم انطباقه انطباقاً كاملاً ".
" أن هذه العبارات التي نريد بها تمييز هذا من ذاك إنما هي خاضعة للتصحيح والتسديد ".
ومثل هذا المسلك الحذر التجريبي غير الحاسم يجذب إليه القارئ
стр. 351
بأكثر مما يستطيعه النقد في العادة، ولا ريب في أن بلاكمور يحسب دائماً حساب قرائه. وهو يتوقع ان يكون القارئ ذا فكر مدرب على تقبل الشعر أو انه " سينظر ويقرأ كأنما هو ذو فكر مدرب "، وهو يقر أن غاية النقد هي التذوق ولكنه يضيف إلى ذلك قوله في عبارة مونقة تشبه في حوكها أسلوب جيمس: " إلا أن التذوق نفسه يستطيع أن يكون ذا معايير يقيس بها صحته ورصانته، ولابد له، لكي يكون مكتملاً، من أن يدل على فهم " دائم " لغاية هي النتيجة الضرورية، بل هي الثمرة الصحيحة، لما فيه من صحة ورصانة ". وللنقد مهمتان - أولاهما - حسبما يحددها بلاكمور - هي " توسيع الافلة للخصائص الذاتية " والثانية هي الحكم على منسوب الأداء، أي بعبارة أخرى: مهمة النقد أن يحلل وان يقوم. وفي الأول يلح بلاكمور على أن يقود النقد القارئ دائماً إلى الأثر الفني؛ وهو يكتب ويقتبس دائماً اعتقاداً منه أن تحليله سيحول نظر القارئ إلى جزئيات القصيدة، لا انه يكتب للقارئ شيئاً مفهوماً يقوم مقامها ويغنيه عنها. وفي الثانية تجده يلح على أن يقرأ القارئ بفكره لا بعينه، وان يجرب الشكل والمحتوى، وان يحب الشعر من حيث هو شعر، وان يتقدم من القصيدة أما بزاد من المعرفة الواسعة أو بقدرة على بذل الجهد والصبر المصني. أي أن القارئ الذي يتصوره بلاكمور قريب الشبه من القارئ المثالي للشعر، وهو شاعر آخر أو ناقد مثل بلاكمور نفسه. ولا ريب في أن بلاكمور يدرك ندرة مثل هذا القارئ بين القراء الذين يمثلون جمهوره القلي، ولكنه مع ذلك قد يرفض ان يتنازل عن موقفه من اجل الكثرة الغالبة.
ولا يدرك وحدة كتاب " مزدوجات " إلا قارئ يحسن ترتيب المقدمات، هذا على الرغم من أن الكتاب مجموعة من المقالات العارضة والمراجعات. وهو يحوي قطعاً كبرى مثل دراسته لكمنجز وبوند وستيفنز
стр. 352
وكرين ود. هـ. لورنس وماريان مور وكتابات اليوت بعد أن تحول كاثوليكياً، وفواتح جيمس، والنقد الأدبي المعاصر، وإلى جانب هذه قطع صغيرة ثلاث. هي مراجعة لكولي واليوت معاً، ومراجعة لكتاب " الموروث العظيم " من تأليف غرانفل هكس، ومراجعة لبعض كتب كتبت عن صموئيل يتلر، وكل هذه الثلاث نشرت في " الكلب والنفير ". فإذا كانت القطع الكبرى توضح الواحدة في كتاب بلاكمور إيجاباً فالقطع الصغيرة توضحها سلباً، لأنها تدل على ما لا يرتضيه في حيز تلك الوحدة، فهو لا يرتضي المعايير المسيحية التي يستغلها اليوت والراديكالية التي يستعملها كولي والتشويه المتحيز لدى هكس والتور والتعنت لدى بتلر، وكلها معايير خارجة عن مجال المقاييس الأدبية. أما الوحدة الإيجابية فإنها كامنة في غموض العنوان " مزدوجات " لان بلاكمور لم يفصح بتلك المزدوجات في كتابه، ولكنها تتبلج لفكر القارئ تدريجاً. فالشعر مزدوج اثنيني لأنه يتكون من شكل ومحتوى، ومن عادة محسوسة وقوة تخيلية؛ والنقد مزدوج لأنه يتضمن التحليل والتذوق، وألفة الخصائص الذاتية وتقويم الأداء؛ والشعر والنقد معاً مزدوجان لأنهما يعينان " البيان والتبيان " وكل اثنتين من مصطلحات النقد مزدوجان: الشكل والمحتوى، المبنى والنسيج، الكاتب والقارئ، الثابت والمتحرك، الموروث والثورة، التعبير والنقل، ومن تواشيح هذه جميعاً ينشا شيء ثالث هو القصيدة أو المقالة أو هو في هذا الحال كاتب بلاكمور. ومن غموض العنوان يختبئ وراء القسمة الازدواجية فيه مصطلح ثالث واجهه بلاكمور من بعد علناً فتحولت مزدوجاته الثنائية إلى ثلاثيات.
٣
- ليس لبلاكمور منهج محدد مرسوم وغنما لديه مزاج من الخصائص والتقريرات ولذلك لا يمكن أن نورد لطريقته تاريخاً ونسباً بعيداً، وإنما
стр. 353
نستطيع أن نذكر نسبها القريب، أعني أن نذكر الأشخاص الذين يستعد منهم ويستوحي بعض آرائهم. لكن هذه مسألة معقدة لأنه إذا استثنينا ولسن ثابت كان بلاكمور اشد النقاد الأحياء استمداداً وانتقاء. أما ثابت فقد استمد واعترف بأنه يستمد من كل ناقد إنجليزي معاصر على وجه التقريب ابتداء من مري وريد حتى الآنستين سبيرجن وبودكين. وعلى النحو نفسه نرى بلاكمور قد استغل كل ناقد حديث مشهور في كل من إنجلترة وأميركة وان باين نايت في مقدار الرفض والغربلة والتعديل لما يستمده.
وإذا ذكرنا الاستمداد في حال بلاكمور بدأنا بذكر اليوت، لان بلاكمور نشأ في أول عهده على تبجيله وتقدير نقده وقد كتب عنه أولى مقالاته النقدية في " الكلب والنفير " فأثنى عليه هنالك لأنه - أي اليوت - " يلتزم بالحقائق فيما ينقده من حيث صلتها بالأدب، وبه وحده " ومن ثم فأنه " نسيج وحده لا في الحاضر فحسب بل في الماضي؛ ففيه شيء من آرنولد وبعض من كولردج وقليل من دريدن وبين الحين والحين شيء من الدكتور جونسون، إلا أن اهتمامه بدريدن من بينهم هو الاهتمام المخلص الجامع ". وهذا غير صحيح طبعاً، ولكن من الممتع أن نرى بلاكمور يضع هذه القائمة من الاسماء، وهو في سن الثالثة والعشرين، يوم كان يعتقد انه يستمد نقده من مذهب اليوت في النقد. ثم استكشف بلاكمور أهمية هنري جيمس وفواتحه النقدية، يوم كتب عنه بين ١٩٢٨، ١٩٣٠ فقال أنه " اعظم أرباب الأقلام الأمريكيين وأكثرهم تنظيماً ولعلي اعتقد انه أشدهم إنسانية ". وقد أشبعت مقالات جيمس رغبته في النقد الفني، ولما درس الفواتح قال فيها: " إنها أكفأ نقد أدبي بل اعتقد إنها افصح وأصل قطعة من النقد الأدبي وجدت أبداً "، ولا يدانيها إلا مقالات أخرى لجيمس. ولعل نقد جيمس كان العامل الأكبر في تحديد
стр. 354
نقد بلاكمور وتشكيله، في الاتجاه المجازي وتطبيق الإحساس والإلحاح على القيمة الرفيعة للفن بل في الأسلوب نفسه (انظر فيما تقدم جملة وصفت بأنها تشبه إنشاء جيمس، وغيرها كثير يستخرجه القارئ عفواً دون تعمد أو بحث) . ولم يفارق بلاكمور أستاذه مفارقة واضحة غلا في الموضوع، لأنه سلط تحليله على الشعر لا على النثر، ونقد آثار غيره لا آثاره نفسه، حتى لنقول: أن نقد بلاكمور هو نقد جيمس نفسه مطبقاً في مجالات أخرى.
ولا ننس تأثيرات أخرى عدا تأثير جيمس. وفي أولها وربما كان أهمها تأثير اليوت في الفكرة والأسلوب: فمثلا يفرق بلاكمور بين العاطفة في الشاعر والعاطفة في القصيدة وهي تفرقة مستمدة من اليوت. وفي بعض جمله تلمح أسلوب اليوت أيضاً وهو أسلوب جيمس نفسه، مع تكثير من المعترضات والتردد وتبسيط للتراكيب، حتى أن هذا الأسلوب ليوحي إليك (ويضلل بما يوحيه أحياناً) بان التعبير الموجز المبسط يحتوي أفكاراً معقدة دقيقة. وقد استغل بلاكمون كثيراً مما يتميز به اليوت وما يردده من مبادئ وتأثر بأسلوبه، فوضع نفسه في صف الآخذين من نقده بل انه في السنوات الأخيرة تحول مثل اليوت إلى النص على النواحي الأخلاقية. وقد شغلت باله عبارة اليوت: " الضجر والرعب والمجد " الكامنة وراء الجمال والقبح، فاقتبسها - على الأقل - أربع مرات حسبما أحصيت. ولقد بدأ بلاكمور بالثناء على اليوت سنة ١٩٢٨ حين وصفه في " الكلب والنفير " " بخصوة مشذبة الحواشي في أفكاره ". وفي سنة ١٩٤٤ نشر مقالا عنه بمجلة Partisan فأعلن أنه يوافقه في كثير من معتقده الذي تحدث عنه في " ملاحظ نحو تعريف الحضارة "، ويخالفه مخالفة حادة فيما جمجمت به آراؤه هنالك دون تصريح. ولذلك يمكن أن نقول أن موقف بلاكمور من اليوت كان ثابتاً لا تردد فيه، ومجمل هذا
стр. 355
الموقف أنه يعترف بما يوافقه فيه وما يخالفه، وأنه يفيد من الآراء التي يتقبلها ويرفض ما عدا ذلك.
وهنالك تأثير آخر تمثله بلاكمور وخالفه أساساً، وذلك هو تأثير الأستاذ يرفنج بابت. فقد بدأ بلاكمور بمقال عنيف عن النزعة الإنسانية (١٩٣٠) هاجم فيه بابت وأصحاب تلك النزعة بحدة حادة ووصفهم " بالعجرفية والعمى والجهل الجائر " ولم يجد لديهم شيئاً يستحق الثناء. ثم كتب مقالا أخر عن " النزعة الإنسانية والخيال الرمزي أو تعليقات على قراءة بابت من جديد " نشره في خريف ١٩٤١ بمجلة الجنوب، فعزا فيه قصور بابت إلى انه يمر " بالنموذجي " في الحياة عابراً، ولا يعير " القوى الخفية الأرضية " اهتماماً، وهذا كله من صور " التحلل في الخيال المسيحي ".
ثم يتحول بلاكمور عن مجرد الرفض لمبادئ بابت إلى قبولها مع توسيع لها وتعدليل فيها فيقول: " علينا أن نهتم بالبناء لا بالهدم "، علينا أن نعيد الاهتمام بالقوى الأرضية وان نعيد الخيال المسيحي، ولكن بلاكمور يسمي هذا الخيال باسم دينوي هو " الخيال الرمزي "، وكأن بلاكمور عاد يؤمن بالنزعة الإنسانية مضيفاً إليها هذا الذي يسميه " الخيال الرمزي "، ولذلك استمد المصطلح الخلقي عند بابت مثل: نظام - تناسب - اعتدال، وجعل من هذه الاصطلاحات معياراً جمالياً يعيش به الشكل الشعري وأضاف إليها اصطلاح " الأرضي ". ولقد كان اتصال بلاكمور بهارفرد، وإن لم يدرسوا فيها، ذا أثر فيه، وكان بابي ذا يد في هذا الأثر، ومن بين النقاد اللذين تلقوا تأثير بابت نجد اثنين لا يقبلانه محض قبول ولا يرفضانه محض رفض وإنما يستمدان منه ما يلائم حاجاتهما، وهما بلاكمور وفرنسيس فرغسون.
أن تأثير بلاكمور بكل من جيمس وأليوت وبابت وسانتيانا أيضاً في