بأكثر مما يستطيعه النقد في العادة، ولا ريب في أن بلاكمور يحسب دائماً حساب قرائه. وهو يتوقع ان يكون القارئ ذا فكر مدرب على تقبل الشعر أو انه " سينظر ويقرأ كأنما هو ذو فكر مدرب "، وهو يقر أن غاية النقد هي التذوق ولكنه يضيف إلى ذلك قوله في عبارة مونقة تشبه في حوكها أسلوب جيمس: " إلا أن التذوق نفسه يستطيع أن يكون ذا معايير يقيس بها صحته ورصانته، ولابد له، لكي يكون مكتملاً، من أن يدل على فهم " دائم " لغاية هي النتيجة الضرورية، بل هي الثمرة الصحيحة، لما فيه من صحة ورصانة ". وللنقد مهمتان - أولاهما - حسبما يحددها بلاكمور - هي " توسيع الافلة للخصائص الذاتية " والثانية هي الحكم على منسوب الأداء، أي بعبارة أخرى: مهمة النقد أن يحلل وان يقوم. وفي الأول يلح بلاكمور على أن يقود النقد القارئ دائماً إلى الأثر الفني؛ وهو يكتب ويقتبس دائماً اعتقاداً منه أن تحليله سيحول نظر القارئ إلى جزئيات القصيدة، لا انه يكتب للقارئ شيئاً مفهوماً يقوم مقامها ويغنيه عنها. وفي الثانية تجده يلح على أن يقرأ القارئ بفكره لا بعينه، وان يجرب الشكل والمحتوى، وان يحب الشعر من حيث هو شعر، وان يتقدم من القصيدة أما بزاد من المعرفة الواسعة أو بقدرة على بذل الجهد والصبر المصني. أي أن القارئ الذي يتصوره بلاكمور قريب الشبه من القارئ المثالي للشعر، وهو شاعر آخر أو ناقد مثل بلاكمور نفسه. ولا ريب في أن بلاكمور يدرك ندرة مثل هذا القارئ بين القراء الذين يمثلون جمهوره القلي، ولكنه مع ذلك قد يرفض ان يتنازل عن موقفه من اجل الكثرة الغالبة.
ولا يدرك وحدة كتاب " مزدوجات " إلا قارئ يحسن ترتيب المقدمات، هذا على الرغم من أن الكتاب مجموعة من المقالات العارضة والمراجعات. وهو يحوي قطعاً كبرى مثل دراسته لكمنجز وبوند وستيفنز
стр. 352
وكرين ود. هـ. لورنس وماريان مور وكتابات اليوت بعد أن تحول كاثوليكياً، وفواتح جيمس، والنقد الأدبي المعاصر، وإلى جانب هذه قطع صغيرة ثلاث. هي مراجعة لكولي واليوت معاً، ومراجعة لكتاب " الموروث العظيم " من تأليف غرانفل هكس، ومراجعة لبعض كتب كتبت عن صموئيل يتلر، وكل هذه الثلاث نشرت في " الكلب والنفير ". فإذا كانت القطع الكبرى توضح الواحدة في كتاب بلاكمور إيجاباً فالقطع الصغيرة توضحها سلباً، لأنها تدل على ما لا يرتضيه في حيز تلك الوحدة، فهو لا يرتضي المعايير المسيحية التي يستغلها اليوت والراديكالية التي يستعملها كولي والتشويه المتحيز لدى هكس والتور والتعنت لدى بتلر، وكلها معايير خارجة عن مجال المقاييس الأدبية. أما الوحدة الإيجابية فإنها كامنة في غموض العنوان " مزدوجات " لان بلاكمور لم يفصح بتلك المزدوجات في كتابه، ولكنها تتبلج لفكر القارئ تدريجاً. فالشعر مزدوج اثنيني لأنه يتكون من شكل ومحتوى، ومن عادة محسوسة وقوة تخيلية؛ والنقد مزدوج لأنه يتضمن التحليل والتذوق، وألفة الخصائص الذاتية وتقويم الأداء؛ والشعر والنقد معاً مزدوجان لأنهما يعينان " البيان والتبيان " وكل اثنتين من مصطلحات النقد مزدوجان: الشكل والمحتوى، المبنى والنسيج، الكاتب والقارئ، الثابت والمتحرك، الموروث والثورة، التعبير والنقل، ومن تواشيح هذه جميعاً ينشا شيء ثالث هو القصيدة أو المقالة أو هو في هذا الحال كاتب بلاكمور. ومن غموض العنوان يختبئ وراء القسمة الازدواجية فيه مصطلح ثالث واجهه بلاكمور من بعد علناً فتحولت مزدوجاته الثنائية إلى ثلاثيات.
٣
- ليس لبلاكمور منهج محدد مرسوم وغنما لديه مزاج من الخصائص والتقريرات ولذلك لا يمكن أن نورد لطريقته تاريخاً ونسباً بعيداً، وإنما
стр. 353
نستطيع أن نذكر نسبها القريب، أعني أن نذكر الأشخاص الذين يستعد منهم ويستوحي بعض آرائهم. لكن هذه مسألة معقدة لأنه إذا استثنينا ولسن ثابت كان بلاكمور اشد النقاد الأحياء استمداداً وانتقاء. أما ثابت فقد استمد واعترف بأنه يستمد من كل ناقد إنجليزي معاصر على وجه التقريب ابتداء من مري وريد حتى الآنستين سبيرجن وبودكين. وعلى النحو نفسه نرى بلاكمور قد استغل كل ناقد حديث مشهور في كل من إنجلترة وأميركة وان باين نايت في مقدار الرفض والغربلة والتعديل لما يستمده.
وإذا ذكرنا الاستمداد في حال بلاكمور بدأنا بذكر اليوت، لان بلاكمور نشأ في أول عهده على تبجيله وتقدير نقده وقد كتب عنه أولى مقالاته النقدية في " الكلب والنفير " فأثنى عليه هنالك لأنه - أي اليوت - " يلتزم بالحقائق فيما ينقده من حيث صلتها بالأدب، وبه وحده " ومن ثم فأنه " نسيج وحده لا في الحاضر فحسب بل في الماضي؛ ففيه شيء من آرنولد وبعض من كولردج وقليل من دريدن وبين الحين والحين شيء من الدكتور جونسون، إلا أن اهتمامه بدريدن من بينهم هو الاهتمام المخلص الجامع ". وهذا غير صحيح طبعاً، ولكن من الممتع أن نرى بلاكمور يضع هذه القائمة من الاسماء، وهو في سن الثالثة والعشرين، يوم كان يعتقد انه يستمد نقده من مذهب اليوت في النقد. ثم استكشف بلاكمور أهمية هنري جيمس وفواتحه النقدية، يوم كتب عنه بين ١٩٢٨، ١٩٣٠ فقال أنه " اعظم أرباب الأقلام الأمريكيين وأكثرهم تنظيماً ولعلي اعتقد انه أشدهم إنسانية ". وقد أشبعت مقالات جيمس رغبته في النقد الفني، ولما درس الفواتح قال فيها: " إنها أكفأ نقد أدبي بل اعتقد إنها افصح وأصل قطعة من النقد الأدبي وجدت أبداً "، ولا يدانيها إلا مقالات أخرى لجيمس. ولعل نقد جيمس كان العامل الأكبر في تحديد
стр. 354
نقد بلاكمور وتشكيله، في الاتجاه المجازي وتطبيق الإحساس والإلحاح على القيمة الرفيعة للفن بل في الأسلوب نفسه (انظر فيما تقدم جملة وصفت بأنها تشبه إنشاء جيمس، وغيرها كثير يستخرجه القارئ عفواً دون تعمد أو بحث) . ولم يفارق بلاكمور أستاذه مفارقة واضحة غلا في الموضوع، لأنه سلط تحليله على الشعر لا على النثر، ونقد آثار غيره لا آثاره نفسه، حتى لنقول: أن نقد بلاكمور هو نقد جيمس نفسه مطبقاً في مجالات أخرى.
ولا ننس تأثيرات أخرى عدا تأثير جيمس. وفي أولها وربما كان أهمها تأثير اليوت في الفكرة والأسلوب: فمثلا يفرق بلاكمور بين العاطفة في الشاعر والعاطفة في القصيدة وهي تفرقة مستمدة من اليوت. وفي بعض جمله تلمح أسلوب اليوت أيضاً وهو أسلوب جيمس نفسه، مع تكثير من المعترضات والتردد وتبسيط للتراكيب، حتى أن هذا الأسلوب ليوحي إليك (ويضلل بما يوحيه أحياناً) بان التعبير الموجز المبسط يحتوي أفكاراً معقدة دقيقة. وقد استغل بلاكمون كثيراً مما يتميز به اليوت وما يردده من مبادئ وتأثر بأسلوبه، فوضع نفسه في صف الآخذين من نقده بل انه في السنوات الأخيرة تحول مثل اليوت إلى النص على النواحي الأخلاقية. وقد شغلت باله عبارة اليوت: " الضجر والرعب والمجد " الكامنة وراء الجمال والقبح، فاقتبسها - على الأقل - أربع مرات حسبما أحصيت. ولقد بدأ بلاكمور بالثناء على اليوت سنة ١٩٢٨ حين وصفه في " الكلب والنفير " " بخصوة مشذبة الحواشي في أفكاره ". وفي سنة ١٩٤٤ نشر مقالا عنه بمجلة Partisan فأعلن أنه يوافقه في كثير من معتقده الذي تحدث عنه في " ملاحظ نحو تعريف الحضارة "، ويخالفه مخالفة حادة فيما جمجمت به آراؤه هنالك دون تصريح. ولذلك يمكن أن نقول أن موقف بلاكمور من اليوت كان ثابتاً لا تردد فيه، ومجمل هذا
стр. 355
الموقف أنه يعترف بما يوافقه فيه وما يخالفه، وأنه يفيد من الآراء التي يتقبلها ويرفض ما عدا ذلك.
وهنالك تأثير آخر تمثله بلاكمور وخالفه أساساً، وذلك هو تأثير الأستاذ يرفنج بابت. فقد بدأ بلاكمور بمقال عنيف عن النزعة الإنسانية (١٩٣٠) هاجم فيه بابت وأصحاب تلك النزعة بحدة حادة ووصفهم " بالعجرفية والعمى والجهل الجائر " ولم يجد لديهم شيئاً يستحق الثناء. ثم كتب مقالا أخر عن " النزعة الإنسانية والخيال الرمزي أو تعليقات على قراءة بابت من جديد " نشره في خريف ١٩٤١ بمجلة الجنوب، فعزا فيه قصور بابت إلى انه يمر " بالنموذجي " في الحياة عابراً، ولا يعير " القوى الخفية الأرضية " اهتماماً، وهذا كله من صور " التحلل في الخيال المسيحي ".
ثم يتحول بلاكمور عن مجرد الرفض لمبادئ بابت إلى قبولها مع توسيع لها وتعدليل فيها فيقول: " علينا أن نهتم بالبناء لا بالهدم "، علينا أن نعيد الاهتمام بالقوى الأرضية وان نعيد الخيال المسيحي، ولكن بلاكمور يسمي هذا الخيال باسم دينوي هو " الخيال الرمزي "، وكأن بلاكمور عاد يؤمن بالنزعة الإنسانية مضيفاً إليها هذا الذي يسميه " الخيال الرمزي "، ولذلك استمد المصطلح الخلقي عند بابت مثل: نظام - تناسب - اعتدال، وجعل من هذه الاصطلاحات معياراً جمالياً يعيش به الشكل الشعري وأضاف إليها اصطلاح " الأرضي ". ولقد كان اتصال بلاكمور بهارفرد، وإن لم يدرسوا فيها، ذا أثر فيه، وكان بابي ذا يد في هذا الأثر، ومن بين النقاد اللذين تلقوا تأثير بابت نجد اثنين لا يقبلانه محض قبول ولا يرفضانه محض رفض وإنما يستمدان منه ما يلائم حاجاتهما، وهما بلاكمور وفرنسيس فرغسون.
أن تأثير بلاكمور بكل من جيمس وأليوت وبابت وسانتيانا أيضاً في
стр. 356
فكرته عن " الجوهر " قد أصاب النزعة النقدية لديه وطريقته في ممارسة النقد. أما من الناحية " التقنية) فإنه تأثر بصف آخر من النقاد المعاصرين فيهم رتشاردز وأليسون وكنث بيرك. وقد أستمد بلاكمور الشيء الكثير من رتشاردز (حتى كتب عنه يقول: ليس ينجو ناقد أدبي من تأثيره) . ويبدو أنه يجله غاية الإجلال ولكنه يبدي تحفظات حادة إزاء الميل العلمي في نقد رتشاردز. ولما كتب في " مزدوجات " فصلاً عن ماريان مور، تعرض لذكر رتشاردز، وكان تقبله لتأثيره حينئذ على أشده، فقال فيه أنه خير ناقد معد للحكم والحسم، وقال في موضع آخر: إن كتاب " آراء منكيوس في العقل " خلاب جذاب لكنه غرار، أما " معنى المعنى " فإنه صورة لبضع مئات من الكلمات الفقيرة وقد جعلها المؤلف منبعاً للعلم الشفوي.
ثم قال فيه: " إنه ناقد معجب " " لا ينازعه أحد في حبه للشعر ومعرفته به "، ثم لامه لأنه جعل نفسه ضحية للمشكلات الأدبية العملية التي تمتد وتمتد ولا تقف عند حد، ولأنه على وجه الجملة يحاول أن يحول النقد الأدبي إلى علم اللغويات ويسلم بلاكمور بان مثل هذا العمل شيء هام، ثم يضيف إلى ذلك قوله:
ولكني أريد لهذا النقد أن يواجه دائماً - وهو مستغرق في مهمته - أمثلة من الشعر، وإنما أريده كذلك، من أجل أن يساعد عملياً في تذوق اللغة في ذلك الشعر - في تذوق استعمالاتها ومعانيها وقيمتها. وأريد منه أن يساعدني في أن يحقق لي ما يساعد السيد رتشاردز في تحقيقه، وهو يقرا الشعر من أجل الشعر ذاته؛ مهما يكن ذلك الشيء الذي أتطلبه منه.
ولب الخصومة بين بلاكمور ورتشاردز يتمثل في قوله: " الشعر هو
стр. 357
معنى المعنى " وذلك ما قاله في مقال له بعنوان " اللغة من حيث هي إشارات " نشر بمجلة Accent في صيف ١٩٤٣.
أما ما بينه وبين أمبسون تلميذ رتشاردز فإنه محض وفاق، لان امبسون يؤدي في النقد ما يتطلبه بلاكمور بدقة، اعني انه يسلط نظريات رتشاردز على النصوص الشعرية. ويبدو ان بلاكمور لم يتأثر بالكتاب الثاني الذي كتبه امبسون عن " الرعوي " أما كتاب " سبعة نماذج من الغموض " فكان ذا أثر كبير فيه. حتى أن ما كتبه في " مزدوجات " عن ستيفنز وكرين ليس إلا كشوفاً امبسونية في الغموض، أي تفريعات لا تنتهي من مضمونات الصور والألفاظ الشعرية. ويبدو أنه يشارك امبسون الإيمان بان الغموض في الشعر سر تأثيره، على شريطة ان يكون غموضاً منضبطاً محدداً. ومما يصور تأثره بامبسون قوله في مقال " اللغة من حيث هي إشارات ": " عن كلمة من كلمات شيكسبير تهجى على نحو ما في إحدى النسخ ثم على نحو آخر في موضع آخر ثم على نحو ثالث في موضع ثالث لتحمل في ذاتها المعاني التي توحي بها التهجئات الثلاث وتزيد إليها معنى رابعاً أي انه مثل امبسون يضرب بقراءات العلماء لنصوص شيكسبير عرض الحائط. وفي مقال له عن ييتس يتبع أيضاً هذه الطريقة الامبسونية فيستغرق في تحليل معاني كلمة Profane حسبما يستعملها ييتس في إحدى قصائده.
وإذا تجاوزنا النقاد المعاصرين وجدنا تأثر بلاكمور بالناقد كولردج ضئيلاً، ولكنه يدخر اكبر إجلال لأقرب المعاصرين شبهاً بكولردج اعني الناقد كنث بيرك، وكثيراً ما أعلن انضواءه تحت راية هذا الناقد، وقد اقتبس منه عدة مرات في " مزدوجات " أثناء تحدثه عن ماريان مور، مستملحاً آراءه وأن لم يبرأ من مقاومته لها. ثم هو يضعه في صف مع بيرس لاشتراكهما في " النشاط والتميز الواضح في التأملات "
стр. 358
ويضيف قوله: " كلاهما يبعث الحيوية والنشاط في المرء وأن لم يكن يؤمن بالصدق فيما يقولان "، ويشكو بلاكمور من كنث بيرك كواه من رتشاردز: يستغل رتشاردز الأدب محطاً لفلسفة القيم ويستغل بيرك الأدب لفلسفة الإمكان الخلقي، ويقول: إن موطن الضعف في طريقة بيرك أنها قد تستغل على السواء في دراسة شيكسبير وداشيل هامت أو ماري كورلي، وتؤتي نفس الثمرات في كل آن (أهذا ذم للطريقة أو مدح لها؟ أليس هذا دليلا على قوتها؟ لقد أقر بيرك بهذه التهمة منذ عهدئذ) . وحكمه النهائي على طريقة بيرك إنها لا تستغرق كل الأدب - وذلك عيب طريقة رتشاردز أيضاً - ولكن إذا استعملها ناس حذرون مقتصدون مثل بيرك جعلوا منها طريقة مثمرة سديدة.
وفي " ثمن العظمة " يستمر بلاكمور في الاقتراب من بيرك مستغلا مبادئه ومناهجه مثل فكرته عن الشكل الضمني، ومصطلحاته الخاصة مثل " التحول الدنيوي " بل مستمداً منه مقتبسات من تعليقاته وملاحظه. وفي خريف ١٩٣٩ نشر بلاكمور مقالة عن آدمز في مجلة الجنوب، فحشد لبيرك أقصى ما لديه من ثناء وجعله صنواً لمونتين في السخرية فقال:
أضف الصراحة والحذلقة إلى الخيال، فإذا كان المزيج الذي تصنعه متناسباً نتج لك خيال حر، رجراج وثاب يستطيع أن ينعكس انعكاساً دائماً مباشراً على المجتمع المتحرك دون ان تعيقه عن ذلك سرعة الحركة أو الطاقة والاتجاه. ووجود صاحب هذا الخيال أمر نادر، ولكنه أن وجد كان متقدماً على عصره بل هو في الحق متقدم على كل عصر وإن وجدت أمثلته من الماضي السحيق. مونتين في بعض أحواله كذلك. وقد يصبح أندريه جيد واحداً من هذا الفريق. أما في بلدنا
стр. 359
فلعل بيرك هو ذلك الرجل إلا حين تستولي عليه " الحمية والعصبية ".
ولما كتب بلاكمور مقاله " اللغة من حيث هي إشارات " أعتمد على آراء بيرك وأقتبس منه كثيراً، وفي ذلك المقال حاول أن يحدد العلاقة بين نقده ونقد بيرك فقال:
عن طريق الخيال أوجدت مقدمةً كتلك التي اهتدى إليها بيرك من الزاوية العقلية، أعني أن لغة الشعر قد تعتبر عملا رمزياً. وهذا هو الفرق بيني وبين السيد بيرك: إنه هو معني بإقامة المناهج لتحليل الأعمال التي يعبر عنها الرمز أما أنا فأوثر أن أهتم بالرمز المختلق. وهو يستكشف أحجية اللغة حين تتحول رمزية وأنا أحاول من خلال الأمثلة المتنوعة المتدرجة أن أرى كيف يمنح الرمز للأعمال في اللغة حقيقة شعرية. فالسيد بيرك يشرع وأنا أقضي، أما الذي يتولى التنفيذ فهو في مرحلة واقعة بيننا.
وقد استمد بلاكمور علناً من عدد آخر من النقاد فيهم أيفور ونترز وجون كرو رانسوم. وأثنى بلاكمور على ونترز في مجلة شعر، (تشرين الثاني: ١٩٤٠) وأدرج ما كتبه عنه في كتابه " ثمن العظمة " فاستحسن هنالك نفاذ بصره في النواحي الخلقية " وألفته للمادة والشكل في الشعر والنثر الفني " وغير ذلك من فضائله. وقد استمد منه " بدعة الشكل المعبر "، أي ان الفكرة حسن تتحول إلى كلمات فقد انتحلت خير شكل مناسب لها، وان خير ما يعبر عن التفكك سياق شكلي مفكك وهكذا، وقد استغل بلاكمور هذه النظرية في كتابيه، ومن حولها ركز نقده لشعر د. هـ. لورنس، واستغلها أيضاً ليحطم أدباء مثل توماس وولف وكارك
стр. 360
ساندبرغ، ومن هم أعلى شاناً من هذين.
ولم يستعر من رانسوم إلا اصطلاح " المبنى - النسيج " واستعمله على نحو تجريبي. وفي الوقت نفسه تأثر رانسوم، بل كل مدرسة الجنوب وبخاصة ألان تيت وكلينث بروكس بآراء بلاكمور، وكلهم يقتبس منه ويعترف له بالمقدرة بل أن رانسوم يقدم اسمه في كتابه " النقد الجديد " ويعتبره النموذج الكامل للناقد الجديد، لأنه انتقائي أصيل معاً. وهو يسبغ عليه في مراجعاته ومقالاته صنوف الإطراء. والحق أن بلاكمور، بموقفه الانتقائي قد اثر في كل النقاد المعاصرين على وجه التقريب وبخاصة النقاد الشبان، حتى بيرك نفسه أثر فيه وتأثر به.
- ٤ -
ما دام بذل الجهد الجاهد هو ما يميز طريقة بلاكمور في النقد فلنتقدم من اتجاهات نقدية أخرى تعتمد على الكد والجهد، من اجل المقارنة. ولنقرر بادئ ذي بدء أن اغلبها أدنى حظأً من طريقته جهداً وكداً حتى تكاد لا توازيها ابداً، وأكثرها يقع في باب الدراسة المختصة، وما كان من هذا الباب فقد عالجناه في فصل سابق (١) ، غير أن بعضها يستحق أن يذكر في هذا المقام لأنه فردي الطابع غريب الصبغة. وإذا ذكرنا كلمة " غريب الصبغة " ذهب الظن سريعاً إلى عزرا بوند وطريقته في النقد. أما فكرة بوند في النقد فإنها جد متواضعة، فالنقد لديه هو ان يقف المرء عند رف كتبه ويدل صديقه أي شيء يقرؤه، ولكن بوند في وقفته عند رف الكتب يلقي جهداً عظيماً وهو يبدي رأيه لصديقه وقد حدد خمسة أنواع من النقد في " اجعلوه جديدا ": Make It New، وهي:
стр. 361
١ - النقد عن طريق المساجلة والمحادثة فهو يبدأ من محض الثرثرة والسفسطة المنطقية والتشغيب ووصف النزعات ويتدرج إلى تسجيل محدد واضح للاتجاهات وإلى محاولة لتقرير المبادئ العامة.
٢ - النقد بالترجمة.
٣ - النقد بالتدريب على محاكاة أسلوب عصر ما.
٤ - النقد عن طريق الموسيقى؟ وهذا معناه على التحديد ترتيب كلمات الشاعر في وضع جديد؟ وهو أكثر أنواع النقد حدة باستثناء النوع الخامس.
٥ - النقد في صورة خلق أدبي جديد، فمثلا نقد سنيكا في " آغون " لاليوت أشد حيوية وأقوى من مقالة اليوت عن سنيكا نفسه.
وليس في الأنواع الخمسة ما يسمى نقداً، من حيث المتعارف، إلا النوع الأول، أما سائرها، وكلها مما حاوله بوند، فليست تقوم مقام النقد الناشئ عن المساجلة والحديث أو تتفوق عليه وإنما هي تكملة له تتطلب جهداً.
وقد صدر بوند أول كتبه " روح الرومانس " قبل الأخذ في التفسير والتحليل التذوقي بمقدمة حدث فيها ترجمات جديدة لقدر صالح من المادة ابتداء من دانتي حتى السيد. وفي هذا الكتاب نفسه استغل النوع الأثير لديه من النقد وهي المحاكاة الساخرة، فحاكى فيها تنفج وتمان وانتفاخه ليبرز في ذلك أخطاءه. وقال بوند في كتابه " أبجدية القراءة " ABC of Reading إنه عجز عن أن يترجم كاتولس وفيون ولذلك وضع شعرهما وضعاً موسيقياً جديداً. ومن أنواع النقد التي يؤثرها بوند " المختارات الشعرية " ولذلك كرس نصف كتابه " أبجدية القراءة " للاختيار الصحيح
стр. 362
من الشعر، ويسمي بوند نفسه: " آلة شديدة الإرهاف " ولكنه في الواقع دارس فاشل حتى أن النقد الذي يقوم به أحياناً يشبه الدراسة الأدبية التقليدية؛ ومن أمثلة ذلك مقالة له عن " كفلكنتي " في كتابه " اجعلوه جديداًً " وهي تحتوي على دراسة مطولة مستفيضة لنص قصيدة واحدة، وتتبع لمصادرها ومآتيها، وعلى ترجمات عديدة وتصحيحات في النص وغير ذلك فإذا أضفت إليها محاكاته الساخرة وتعديله لموسيقى الشاعر فإنها تمثل كل طريقته النقدية القائمة على الكد وبذل الاجهد كما أنها تدل أيضاً على مدى ما يعانيه النقد المعاصر من هنأت وسقطات وعلى مدى ما تحققه الدراسة الجاهدة المزودة بالمعرفة والنصب. (لا مجال هنا للتساؤل: اكان بوند مخطئاً في أحكامه على كفلكنتي، فليست ثمة طريقة تكفل الصواب الخالص) .
وراندولف بورن ناقد آخر من فريق العاملين الجاهدين. حتى أنه كان يعتقد أن مراجعة كتاب ما يجب أن تقوم " على بحث مستقل وفكرة مركزية " لا أن تكون حديثاً خفيفاً عن الكتاب؛ وكذلك هي المراجعات التي كتبها بورن؛ كمراجعته لكتاب " وادي الديمقراطية " لمردث نيكلسون، فقد اتخذنا لتصوير فكر الغرب الأوسط وحال أمريكة كما أن حديثه عن الكاردينال نيومان كان تفسيراً لمعتقداته آرائه الدينية. وهكذا هو في كل مراجعاته، يتخذها مجالاً لدراسة الآراء والنظريات المتصلة بأشخاص من يراجع مؤلفاتهم. وللتمثيل على مبدأه نقول: من شاء أن يراجع كتاباً عن حياة نابوليون فعليه أن يدرس بنفسه هذه الحياة ويستخلص أحكامه الذاتية ثم يواجهها بما توصل إليه المؤلف، وهذه ويستخلص أحكامه الذاتية ثم يواجهها بما توصل إليه المؤلف، وهذه خطة ليست دائماً عملية ولكنك إن عارضتها بالمراجعات الخفيفة المستعجلة وجدتها بالغة القيمة.
كتب دلمور شفارتز مقالا بمجلة شعر، تشرين الثاني ١٩٣٨ عن طريقة
стр. 363
بلاكمور في النقد، قال فيه:
قد يقدر المرء، تقديراً فحسب، أن بلاكمور، سواء درس في هارفارد أو لم يدرس، قد أثرت فيه دراسات أساتذتها الفيلولوجية وتحقيقاتهم للنصوص في شعر شوسر وغيره من قدامى الشعراء، وعلى أي حال فإن منهجه أصيل في الحدود التي يمتد إليها ومن الدلالة بمكان أن يحلل الناقد ولاس ستيفنز كأنما هو شوسري اسكتلندي من أبناء القرن الخامس عشر.
وإذا استبعد أن يكون بلاكمور قد احتذى دراسات هارفارد في نقده ولكن سواء فعل ذلك أو لم يفعل فان هذه الطريقة الهارفاردية قد انتحلها عدد من أساتذة الأدب الشبان بهارفارد نفسها ومنهم: ماثيسون وثيودور سبنسر وهاري ليفن. أما سبنسر وليفن فقد أفادا من وجود مخطوطة من كتاب جويس " صورة الفنان في شبابه " بمكتبة الكلية بهارفارد (حققها سبنسر ونشرها باسم " ستيفن بطلا ") فقارنا بينها وبين صورة مخطوطة أخرى من الكتاب نفسه، مقارنة تفصيلية ونشرا نتائج بحثها، فنشر الأول بحثه في مجلة الجنوب، واستغل الثاني بحثه في دراسته الأكاديمية الغريبة عن جيمس جويس.
وقد انتفع ماثيسون أيضاً بمصادر مكتبة هارفارد، فقد قدم أحد أقرباء هنري جيمس إلى تلك الجامعة مذكرات هنري جيمس وملاحظه التي لم تنشر وتبلغ ما يزيد على ١٥٠ ألف كلمة، فكانت تلك المقيدات مصدراً هاماً استغله ماثيسون في كتابه: " هنري جيمس: المظهر الأعظم " (كما أنه حقق تلك المقيدات ونشرها بالاشتراك مع كنث ك. مردوك) . كذلك استغل جهوده وجهود تلامذته في دراسة مقارنة لنسختين من رواية " صورة سيدة ". وراجع جيمس ثلاثة من قصصه الأولى فعدل فيها
стр. 364
وغير منها حين دفعها لتطبع في نيويورك، فتفحصها النقاد عاجلين، ولكن ماثيسون تناولها منظماً وطبق عليها خير نقد دراسي مؤيد بقوة الخيال، ومن العسير ان نجد مثل خيراً من هذا المثل على ما يستطيع أن يفيده النقد من الجهد والداب المستقصي.
ومن النقاد الآخذين بالكد ج. ولسون نايت دون أن يوشح نقده بالتخصص الدراسي لأنه يقوم به على نحو عفوي غير عامد. وقد قام نقد نايت لشيكسبي على بحث استقصائي لم يمارسه ناقد آخر، ذلك انه جعل كل ما انتجه شيكسبير يدور على محورين: واحد يمكن ان نسميه " عاصفة " والآخر يمكن أن ندعوه " موسيقى ". فكل ما يتصل بالشتاء عاصفة وكل ما يتصل بالصيف موسيقى، وكل وحوش البحر (مثل كالبيان) عاصفة وكل الأشياء المجنحة (مثل آربل) موسيقى، والأوغاد قوى عاصفية والأبطال قوى موسيقية، والألفاظ التي هي مثل " وقر في السمع " و " صرخات " من باب العاصفة والشخصيات مثل هاملت واوفيليا موسيقى شذت نغمتها؛ بل أن الحيوانات فريقان أيضاً فمنها حيوانات موسيقية ومنها حيوانات عاصفية. وتبلغ هذه الدراسة ذروتها في " العاصفة الشيكسبيرية " حي جد نايت أن هذه القسمة موجودة في الخرافة والأسطورة وعند الأدباء ابتداء من ملفل حتى اليوت، وقد تبدو الفكرة سمجة في هذا المجمل ولكنها ناجحة من الناحية النقدية، وإذا تناول القارئ كتب نايت وهو يدير هذه الفكرة، فكرة التعارض بين العاصفة والموسيقى، فإنه يحصل على عدد كبير من صور البصيرة النافذة الأصيلة.
وحين كان هـ. ل. منكن يعمل في النقد، كان يوغل مستقصياً في بحثه ليقيم فكرة أو يثبت نقطة، وقد بلغ من جهده أن ذكر أن الطبعات الأولى من قصص كونراد كات تدر على صاحبها دخلا كبيراً أثناء حياته، وذيل على هذا القول بحاشية جمع فيها أسعار ستة عشر كتاباً من فهارس
стр. 365
باعة الكتب على مدى ثلاث سنوات مختلفة. وكان يقرأ بعض كتب لأدباء متخلفين ويتفحص أساليبهم كلمة كلمة، عارضاً تفاهاتهم واحدة بعد أخرى.
ومالكولم كولي أيضاً مغرم بهذا النوع الشاذ من التدقيق، فقد يكتب في إحدى مراجعاته قائمة بالوظائف التي كان يشغلها الشعراء أثناء الحرب أو قد يقطع سياق مراجعته لكتاب عن احتلا الألمان لفرنسة ليقص كيف مات سنت بول رو أو إذا راجع كتاباً من تأليف كويستلر توقف ليقص حكايات ساخرة عن اللاجئين. ولا يعرف أحد من أين يستمد كولي مادته ولكنها صحيحة موثقة لا تبدو نابية في نقده. وقد كتب أيضاً في تاريخ الحضارة، ولكن كثيراً من مقالاته التي كتبها للصحف أخباري في طابعه مثل: " كيف كان الأدباء الأميركيون يكسبون رزقهم بين ١٩٤٠ - ١٩٤٦ " ومثل " الأدب الأمريكي أثناء الحرب وغيرها " وقد اعجله الجمع عن استغلا هذه المقالات نقدياً.
وقد نستطيع أن نضيف إلى القائمة أسماء وجهوداً أخرى، فتفسيرات ادموند ولسن محوطة بالجهد، ممهدة للنقد، وكذلك أيضاً هي الشروح والتوضيحات التي ألف منها ستيوارت جلبرت كتابه عن قصة " عولس " لجيمس جويس. ومن هذه البابة أيضاً ما أداه رتشاردز في كتابه " النقد التطبيقي " (انظر الفصل المخصص لدراسة رتشاردز) . وفي هذا الحقل من النقد طرفان يقف عند أحدهما رجل مثل بلاكمور ينفق جهداً مضنياً في استقصاء لفظة " زهرة " في شعر منجز ثم يستنج ما يريد استنتاجه من ذلك، وعلى الطرف الثاني شخص مثل كارولاين سبيرجن، يحشد مادة ضخمة قيمة ثم يعجز عن أن يستخلص منها استنتاجات نقدية. ونحن نعجب بالفريق الأول ونغرى بعمل الفريق الثاني لأنه يقدم لنا مادة صالحة للاستنتاج والحكم.
стр. 366
٥ - خصائص بلاكمور الذاتية وهذا الذي يؤديه في النقد أمران متلائمان متسقان. ولا أدري ما الذي حال بينه وبين الانتساب إلى كلية ولكني اقدر انه وجد فرص التعلم في خارج المعاهد العلمية العالية خيراً له (مثل كنث بيرك فإنه لم ينه دراسته الجامعية) وعلى أي حال فهو عالم مطلع، تشمل معرفته الفن المعماري والنحت والرسم والرقص والتمثيل والموسيقى ويستطيع أن يفيد من هذه المعرفة في النقد مثلما تدل مقالته " اللغة من حيث هي إشارات " فهناك يسهب في الحديث عن تنوع الإشارات في هذه الفنون. وقد أقر أنه لا يعرف الألمانية ولكنه، فيما يظهر، يعرف الإغريقية واللاتينية والإيطالية والفرنسية بشيء من الطلاقة. وهو يستعمل المجازات العلمية في نقده، ولابد انه درس الطبيعيات وأحرز فيها معرفة مفيدة له حين شاء أن يدرس هنري آدمز لا ليستطيع متابعة هنري آدمز في أفكاره الفيزيائية بل ليقول: لو أن آدمز درس الطبيعيات الجديدية لما اهتم أن يستعمل العلم ليرمز إلى الوحدة والقانون ومن اجل أن يفقه آراء آدمز درس التاريخ أيضاً والسياسة والاقتصاد وفي إحدى محاضراته عن بروكس آدمز سنة ١٩٤٦ اقتبس من كثير من المؤرخين من ثوسيديد وفيكو حتى اكتون وتويني.
وفي السنوات القليلة الماضية كان بلاكمور يقيم في برنستون أولا عضواً في معهد الدراسات العليا ثم محاضراً في برنامج الفنون الإبداعية تحت رئاسة ألان تيت. وهو الآن ملتحق مقيم بقسم الكتابة الإبداعية. ويظهر أن عدم انتسابه إلى كلية جعله يهتم جدياً بالتعليم الحر، وقد أتيح لي أن اقرأ له تقديراً عن هذا الموضوع رفعه إلى جامعة برنستون فبدا لي أنه من ألمع الأمثلة التي قرأتها في النظرة التربوية ومن أشدها اقناعاً، وفي هذا التقرير يعالج أمر التعليم الحر كأنه يعالج قضية نقدية ويسلط عليها ما يمكن أن
стр. 367
يدعوه " الخيال الرمزي " وغير ذلك من فنون المعارف.
وهو إلى جانب النقد شاعر له ثلاثة دواوين وهي:
أ - من مسرات جوردان ١٩٣٧ From Jordan " s Delight.
ب - العالم الثاني ١٩٤٢The Second World.
ج - الأوروبي الطيب ١٩٤٧ The Good European.
وليس مما يتفق وحدود هذا الفصل أن نتحدث في شعره إلا أن نلحظ، ما دمنا نتحدث عن نقده، ان شعره ينزع إلى أن يكون مخلصاً أخلاقياً ساخراً متافيزيقياً بعض الشيء، تقليدياً في الشكل، انتقائياً نوعاً ما، أعنى انه وإن كان أصيلا في أسلوبه ففيه تستبين مؤثرات مستمدة من بيتس واليوت وتيت. وهو شاعر مقل حتى ان ديوانه الثاني لا يحتوي غلا تسع قصائد نظمت في مدى خمس سنوات، وقد لا يدل هذا على فقر في الهام أو ضحالة في المقدرة، وإنما قد يكون دليلا على التحرز وحب الكمال والتثبت، وهذا هو شانه في الدراسة والنقد، فقد أعلن أن بسبيل تأليف كتاب عن هنري أدمز؛ ومضت حقبة كاملة من الزمن دون أن يصدر الكتاب.
وبعد ان صدر بلاكمور كتابه " ثمن العظمة " ١٩٤٠ نشر اثنتي عشرة مقالة كبرى وعدداً من المراجعات وهي تكفي لكتاب ثالث وتزيد، ومن الحق أن يسمى هذا الكتاب المرتقب " الخيال الرمزي " ومن تلك المقالات ثلاث تدور حول هنري آدمز وهي قطع من الكتاب المزمع إنجازه أو إضافات منبثقة عنه. ومنها ثماني قطع تلتزم بدراسة النصوص على وجه محدد وهي تشبه نقداته السابقة للنصوص وهذه هي:
(١) بين الأسطورة والفلسفة - قطع من ييتس، نشرت بمجلة الجنوب العدد الخاص بييتس، شتاء ١٩٤٢ دراسة دقيقة لبضع من قصائد ييتس.
стр. 368
(٢) النبع المقدس - وهي تقسير لأحد كتب جيمس، أساء الناس فهمه، في مجلة كينيون خريف ١٩٤٢ تفسير له على أساس من قصص جيمس المتعلقة بالأشباح.
(٣) ثورة الطيبة - الأبله عند دستويفسكي بمجلة Accent خريف ١٩٤٢ دراسة اشتقاقية لكلمة ابله، ودراسة للتخطيطات الثمانية التي رسمها دستويفسكي للكتاب.
(٤) الجريمة والعقاب - دراسة في قصة دستويفسكي، بمجلة Chimera شتاء ١٩٤٣ كشف أخلاقي.
(٥) انجذاب صاف - مراجعة لكتابين من تأليف ولاس ستيفنز بمجلة Partisam، أيار - حزيران ١٩٤٣ تتبع للمعاني المجازية عند ستيفنز.
(٦) In the Country of the Blue دراسة تبين كيف يعالج جيمس أمر العلاقة بين الفنان والمجتمع؛ في العدد الخاص بجيمس من مجلة كينيون خريف ١٩٤٣ مقارنة بين معالجة جيمس لهذا الموضوع وبين ما يفعله جويس وجيد مثله.
(٧) ملحوظة عن عزرا بوند، إعادة نظر في شعر بوند؛ بمجلة شعر، أيلول ١٩٤٦ تبين صلة شعر بوند بشعر بروبرتيوس والموسيقى.
(٨) اليهودي يبحث عن ابنه: دراسة لعولس في Virginia Quarterly Review شتاء ١٩٤٨ دراسة لكتاب على أساس من الرمز الديني.
أما سائر مقالاته الكبرى وهي خمس فقد كانت كلها جديدة في منحاها فهي تدور حول مشكلات أدبية عامة لم يباشر القول فيها في كتبه السابقة أو لم يطنب في استيفائها، وهذه هي:
стр. 369
١ - " عادت الفوضى "، بمجلة الجنوب، ربيع ١٩٤١.
٢ - " النزعة الإنسانية والخيال الرمزي - ملاحظ في قراءة أيرفنج بابت من جديد "؛ بمجلة الجنوب، خريف ١٩٤١.
٣ - " اللغة من حيث هي إشارات "، بمجلة Accent، صيف ١٩٤٣.
٤ - " اقتصاديات الكاتب الأمريكي - ملاحظ أولية "؛ بمجلة سيواني، ربيع ١٩٤٥.
٥ - " ملاحظ في أربع مقولات نقدية "؛ بمجلة سيواني، خريف ١٩٤٦.
وسأتحدث فيما بعد عن المبادئ النقدية الجمالية الجديدة التي تتضمنها هذه المقالات، حين أجمل القول في آراء بلاكمور، أما في هذا المقام فيكفي أن أقول إنها على تنوع موضوعاتها تتناول موضوعاً واحداً هو: " قيمة الفن ". فالأولى منها حديث عن مجموعة سخيفة من المقالات في الحضارة والثقافة الأمريكية قدمتها الجمعية الفلسفية الأمريكية، والثانية عن بابت، والثالثة محاضرة في برنستون، والرابعة عرض يستغل فيه الإحصائيات عن تجارة التأليف بأمريكة، والخامسة محاولة لتصنيف الوسائل الأدبية.
وهناك مراجعات صغيرة مقنعة تحمل طابع المقالات الكبيرة بعضها يتناول الشعر وفي إحداها يخفق بلاكمور في إدراك ما لشعر روبرت لوول من قيمة، وبعضها محاولات في تقويم بعض الجهود النقدية وتوضيحها، وهي تفضح ضعف بلاكمور في نقد زملائه النقاد، ففيها مجاملة لبعضهم وتطارح على إرضاء آخرين.
وقد يبدو من هذا العرض إن جهود بلاكمور مبددة في نواحي متباعدة، ولكن برغم هذا المظهر فإنها ذاهبة في سياق لأنها كلها تحوم حول مبدأين حافظ عليهما من أول عهده بالنقد حتى النهاية وهما: النقد ببذل الجهد، والقيمة العالية للفن.
على إن المناسبات هي التي كانت تستثير جهود بلاكمور وتحفزه إلى
стр. 370
العمل، فإذا طلب إليه أن يكتب مقالة استجاب إلى ذلك، ومقالتاه عن هاردي وييتس كتبتا للعددين المخصصين من مجلة الجنوب لهذين الأديبين، كما إن مقالته عن جيمس أعدت لتنشر في العدد الخاص بجيمس من مجلة كينيون، ومقالته الأولى عن النزعة الإنسانية كتبت لتنشر في العدد الخاص بجيمس من مجلة كينيون، ومقالته الأولى عن النزعة الإنسانية كتبت لتنشر في مجموعة خاصة بدراسة عيوب هذا المذهب. وهناك عدد آخر من المقالات كتبت استجابة لبعض المناسبات أو بطلب من القائمين على تحرير الصحف. واستجوبته صحيفة Partisan في مرتين، أجاب في الأولى عن سبعة أسئلة في الأدب الأمريكي ١٩٣٩ وعلق على مقال لأليوت في الثانية، ١٩٤٤. وانتهز الفرصة في المرة الأولى ليرسم مخططاً لمبادئه النقدية، وانتهز الفرصة في المرة الثانية ليكشف عن المضمونات الاجتماعية واللاهوتية في تلك المبادئ كأنما كان يتم استجواباته الأولى رغم مضي خمس سنوات عليها. أما حين طلب إليه أن يكتب في النزعة الإنسانية فقد أنتهز الفرصة ليحطم أصحاب تلك النزعة بالنص على مبدأيه الكبيرين وهما: إن اتساع المعرفة في أي موضوع أمر ضروري، وإن كل فن ونقد صحيح فلا بد من أن يتوفر لهما نفاذ البصيرة وقوة الخيال والنظام.
ولم يتورط بلاكمور في المجادلات العنيفة إلا قليلا، ولم يكن في هذا القليل يهاجم الأشخاص، ولكنه كان دائماً يوجه هجومه إلى الأفكار والمبادئ. ويبدو أنه ينفر من غمز الأشخاص أو من التباري في الهراش والنطاح مما يسميه الناس مجادلات أدبية. ومرة راجع بلاكمور بمجلة " الأمة " ١٩٣٦ روبرت فروست، فانبرى برنارد دي فوتو للرد عليه لأنه من أتباع فروست ورماه بالحمق، فلم يرد عليه بلاكمور، فيما أعرف. وقد هاجمه هوارد ممفورد جونز سنة ١٩٤١ هجوماً ألطف فلم يرد عليه أيضاً فيما أعلم. واندفع إلى مهاجمته مشتطاً متحانقاً كل من الفرد كازين وهاري ليفين فما أعلم أنه رد عليهما. وصف غرانفل هكس نقده بأنه
стр. 371
" يشبه مراوغات اللاعبين الماهرين " فراجع بلامكور كتابه " الموروث العظيم " بمجلة " الكلب والنفير " (وأدرج المراجعة من بعد في كتابه " مزدوجات ") وتوصل في تلك المراجعة إلى تحطيم جميل كامل حين بين الفكرة الأساسية في الماركسية ومدى إصابة هكس في تطبيقها، وأقتبس في آخر المراجعة جملة هكس التي قالها فيه بسخرية بارعة ودون تعليق.
ولقد بين بلاكمور أن ناقداً ديالكتياً آخر لو تناول الماركسية معتمداً على الاستقصاء في جمع مواده العلمية لوجد فيها نظاماً اقتصاديا رصيناً، ولكن هكس فقير في إطلاعه على الأدب الأمريكي. وفي أثناء المراجعة نقد مواطن الضعف في النقد الماركسي بحدة، وكما هي عادته أكد القيم التي لا يفتأ يعمل على أساسها وهي التكثير والشك والفهم التخيلي لموقف الإنسان.
ولو أردنا أن نستعير تشبيهاً نوضح به نقد بلاكمور لقلنا: إنه يشبه صورة الساحر على المسرح وهو يقطع امرأة نصفين. ويخيل للمشاهد أثناء ذلك إنها قطعت حقاً، ثم إذا بها تنهض بعد قليل كاملة سليمة لم يصبها أذى وهي تنحني للرد على تحية الجماهير. يقول بلاكمور: " أن التحليل في هذه المواطن لا يعمق الحز والقطع بل إنه لا يقطع أبداً؛ إنه يجيز الخصائص والجزئيات فحسب، ولابد من أن ترى الخصائص والجزيئات مرة أخرى في أماكنها الطبيعية قبل أن يؤتي الجهد ثمراته ". ثم يبين التشبيه على نحو أوضح في موضع آخر فيقول:
" أي شيء هو هذا (النقد) إلا أنه تجزئة، لا لكي تحنط هذه البقايا المجزأة، بل لكي نفهم عقلياً حركة الأجزاء والعلاقة فيما بينها في الجسم الحي الذي نحبه. فمثل هذه التجزئة إذن خيالية، تدركها العين والفكر وحدهما، ولكنها تجلي معرفتنا دوم أن تحدث في ذلك الجسم
стр. 372
خدشاً واحداً ".
وهو يؤكد أن النقد وإن كان كحد الموسى فإنه على التحقيق لا يمس الشعر نفسه بسوء، ومن الطريف أن نجد هذا التشبيه نفسه - أعني التجزئة التي لا تفصل في الحقيقة جزءاً من جزء - موجوداً عند برادلي في مقدمته على كتاب " المأساة الشيكسبيرية ". وبما أن بلاكمور يعتقد أن التقطيع خيالي لا حسي مادي فإنه يستمد تصوراته عن النقد من النور لا من عملية القطع. فالنقد عنده " تنوير ". ويقول: دعنا نكحل أبصارنا بأنوار أفلاطون؟ الخ. أو يقول: وبذا يصبح الموضوع الشعري " متجلياً " أو هذه الكلمة " تجلو " أو هذه العبارة " تنير " وهلم جرا.
ولبلاكمور مقالة واحدة في " عمل الناقد " مدرجة في كتابه " مزدوجات "، غير أنه تحدث عن النقد في مواضع كثيرة من كتاباته. وإذا جمعت أقواله معاً وجدتها ترتكز حول مبدأ نقدي واحد، محوره تشبيه التجزئة الخيالية، وتشبيه النور، والنص على الثمن والمسئولية والسخرية والخيال والصناعة الفنية. وقال في تعريف النقد: " أنه حديث رسمي يقوله أحد " الهواة " وأكد " إن كل مباشرة عقلية فإنها صالحة للأدب ومن الممكن أن نسميها نقداً إذا هي تركزت حول أي نقطة من الأثر الأدبي نفسه ". غير أنه أضاف منبهاً: " أن نقد النقاد يذهب بنا في شعاب كثيرة وينتهي كل منا حيث بدأ، إلى تقبيل بقرتنا المحبوبة دونما أدنى شهوة لذلك " ويزيد إلى ذلك قوله:
بعض النقاد يخلقون عملا فنياً جديداً، وبعضهم علماء نفسيون وبعضهم متصوفة وآخرون سياسيون ومصلحون وثمة قليل من الفلاسفة ومن النقاد الأدبيين. ومن الممكن للمرء أن يكتب عن الفن من جميع هذه الزوايا ولكن لا نسمي ما يكتب نقداً إلا أن صدر عن آخر فريقين - الفلاسفة ونقاد
стр. 373
الأدب -؟ وليس بين أنواع النقد الدخيلة والأدب إلا علاقة إحصائية أو مورفولوجية، كالعلاقة بين صنعة العاج ولعبة الشطرنج.
وأحياناً يكون بلاكمور شديد التواضع في نظرته إلى مهمة النقد كأن يقول: " نستطيع أن نفصل جانباً بعض الأفكار التي نسميها أساسية وإن كنا نعني أن فصلها وتنحيها أمر ممكن فحسب ". أو يقول:
بقي ما يحتاجه النقد الأدبي من جهد أعني جمع الحقائق المتصلة بالآثار الأدبية والتعليق على ما في تلك الآثار من تدبير وصنعة فنية وتقنيات، وهذا هو الجهد الذي يستحق أن يبذل ما دام يدخل القارئ إلى حومة تلك الآثار.
وعلى الرغم من هذا التواضع فإن قواعده عن " الناقد الجيد " لا تزال تدلنا على الصعوبة والندرة في إجادة التطبيق وعلى مقدار ما يعتقده في تلك القواعد من قيمة وأهمية أصيلة في تطبيقها على الفنون حتى على أعظمها؛ ولذلك يقول:
الناقد الجيد يجنب نقده أن يصبح متحيزاً أو نابعاً من غرائزه، كما أن جهد فهمه دائماً محدد لا طائش، محدد ذو نوعية كالفن الذي يحاول فحصه وتفهمه؟ وهو يلحظ الحقائق ويبتهج لإدراك الفروق وتمييزها، ويجب أن يبقى ما يتفحصه تحت أضواء موضحة، سهلا لمن يحب أن يباشره من بعده، لكن دون تغيير في حقيقته وذاته.
ولقد كان بلاكمور يلح دائماً على عظم قيمة الفن ولكنه في إنتاجه الأخير قد أوغل في هذا الموضوع حتى كأنه أصبح يتخذ الفن ديناً دنيوياً مثل جيمس أو جويس. ولو سمعت أحداً يقول: " في الفن كل القيم "
стр. 374
لما كان ذلك إلا جيمس أو بلاكمور، وتكون القيم في الفن - حسب رأيهما - على ضربين: في أن الفن يعبر عن القيم وفي أن الفن هو نفسه تلك القيم. وجاءت مع هذا التقديس للفن نزعة جديدة نحو الفن تكاد تكون صوفية، أعني أن كل ما يقوله كتاب من الكتب الأدبية يصبح لدى بلاكمور حرفياً، حدث كل ما فيه من أحداث، فالتقى فيه فلان بفلان على التحقيق، أي تصبح للكتاب حياة مستقلة وإرادة ذاتية، وهو يتحدث عن هذا الكتاب أو عن تلك القصيدة كأنما يتحدث عن شيء دبت فيه الحياة وأصبح له كيان ووجود.
وصاحب هذا الإيمان إيمان آخر بالثلاثيات بعد المزدوجات الثنائية؛ كان بلاكمور من قبل يكثر من ذكر الثنائيات كأن يقول: " رأيي في هذا الأثر الفني مزدوج ثنائي؛ (٠فائدة هذا النوع من الإقبال على الدراسة مزدوجة " فلما كتب عن دستويفسكي تحولت المزدوجات إلى ثلاثيات: ففي الصفحة الأولى من مقاله عن " الأبله " تجده يقول: " في هذا الكتاب الكامل إذن مسرحية ثنائية لا بل ثلاثية، ثم يختم مقاله بالحديث عن الكتاب في مناسيب ثلاثة: العقلي والسردي والتخيلي. وفي الفقرة الأولى من مقاله عن " الجريمة والعقاب " يعلن أن للقصة " ثلاثة أنواع من المغزى " ولابد للقارئ من أن يعيد بناء الثلاثة من طريق التحليل. ثم هو يلمح في مراجعته عن ولاس ستيفنز أن لدى ستيفنز ثالوثاً يتمثل في اتخاذ ثلاث مراحل، وفي احتواء كل دورة من شعره على ثلاثة أبيات ولذلك يقول:
الثالوث هو الشكل الوحيد المقبول من الوحدة. وأنا اعتقد أن ضروب المهارة في الخيال، التي بها تدخل الأفكار والأستبصارات والأعمال في نطاق الشعر، فإنها تؤتي خير ثمراتها إذا اختارت موضوعاً أو فكرة مثلثة. ذلك لأن التثنية
стр. 375
غير كافية إلا إذا تمخضت عن ثالث. فالحرب والسلام يحتاجان مظهراً ثالثاً مثلما يحتاج السائل والثلج بخاراً، مثلما تحتاج الجنة والنار مكاناً ثالثاً يسمى " الأعراف ". من الازدواج يجيء التولد، وهذه هي طبيعة العقل الخلاق.
أما المصطلح الذي أخذ يكثر من استعماله في تلك المرحلة، فإنه يضم كفتي " الخيال " و " الخيال الرمزي "؛ أما " العقل " فقد أحتل منزلة دنيا. فمثلا يقول: الوحدة عند بيتس وحدة " تخيلية " نتجت عن " قوة تخيلية عظيمة قادرة على التعميم " أو: الخيال وأعني به خيال الفنان يعلو على المخاوف والمغريات " أو: " الخيال لا العقل حسنة من حسنات الفهم " العقل يأثم والخيال يكفر الآثام؛ " حركات العقل عارضة متقطعة " أما الخيال " فهو مستمر وهو إرادة الأشياء "؛ والفنان يخلق قيماً أخلاقية " من الواقعي بعون من الخيال ". و " الخيال في النهاية هو المقنع الوحيد " وهلم جراً؛ وهذه أمثلة منتزعة من مقالات عديدة مختلفة.
ويتصل بفكرته عن الخيال، نقده لبابت وأصحاب النزعة الإنسانية؛ فأخطاؤهم في رأيه تنشأ من " انحلال الخيال المسيحي، ومن خلو الخيال الرمزي الديني من أي وصف " وإن ذلك لا علاج له إلا باتخاذ " الخيال الرمزي " فهو يمثل " النعمة الكبرى " وإذا شئنا استبقاء النزعة الإنسانية وجب أن نمزج بين عناصرها وهذا الخيال الرمزي. بل أن بلاكمور يقترح في المناهج التي تقرر في برنستون أن تكون قادرة على أن توجد في الطلبة " تكاملا تخيلياً ". وقال في محاضرة له عن بروكس آدمز: إن بروكس قد نضج لأنه تحول من القانون التاريخي المطلق وصرامته إلى قوة تخيلية مدركة للتاريخ إدراكاً عاماً كلياً. وفي مقاله " ملاحظ في أربع مقولات في النقد " تجده جعل رابعة المقولات وأسماها، هي " الخيال الرمزي "، وإن " الرمز " هو الذي يستشف من " الواقعي " فهو
стр. 376
" الحقيقي " بلا جدال. وفي ذلك يقول:
الكتابة التي تستمد كيانها وتظل أبداً وتقف عند ذلك الحد يمكن أن تسمى تجربة في نطاق الواقع. اما الكتابة التي تخلق أي توجد شيئاً وراء الحد الذي بلغته الكتابة الأولى فقد تسمى رمزاً. هي رمز لا بنسبة ما قيل وما قرر، وإنما بنسبة ما لم يقل وما لم يمكن قوله، أو بنسبة ما وراء الحدود التي بلغتها الكتابة الأولى من كون ذي استقلال وكيان ذاتي. فالرمز هو أدق معنى ممكن. إذا نظرنا إلى العامل الذي حرك الكلمات وما أحدثته هذه الكلمات حينما تحركت. والرمز لا يرمز لشيء معروف من قبل ولكن لشيء يوجده الكشف ويكاد ينكشف. وإذا رمز الرمز إلى شيء سوى استمراره الذاتي فهو يرمز إلى ما في دخيلة القارئ لكي يمكنه من أن يميزه ويجلي به تجربته، مثلما أن المعنى الذي يشير إليه الرمز يجلي المسارب في إحساس القارئ بنفسه، في تلك اللحظة نفسها.
هذا هو إذن بلاكمور: يقدر الفن والخيال الرمزي تقديراً رفيعاً حتى يكاد يكون صوفياً في موقفه، وبوحي من مضمونات هذا الموقف نستطيع أن نلخص ما أداه بلاكمور في النقد وأن نقدره فنقول: إن نقده في إحدى ناحيتيه غال ثمين، تعاظمي، لا مساس له بالحياة، أي هو بعبارة أخرى: " نقد هواة " ومن السهل علينا أن نجد الشواهد على تهمة " الهواية " في هذا النقد. أما تعاظمه المتعالي فيتبدى لنا من قوله مثلاً: إن حضارتنا الشعبية قد نجحت في أن تنتج أدباً بلا مقاييس وأن أمريكة تعاني لأنه " ليس فيها طبقة مسيطرة في المجتمع تستطيع أن تضع للفهم الجمالي والتعبير عن الحياة الإنسانية قيمة رفيعة " وأن " سير الجماهير
стр. 377
نحو الديموقراطية إذا أستمر مريره على هذا المنوال فإنه سيجعل رغبة الفنان وأهتمامه أمراً غير محتمل أو غير شامل أو بعيداً لا وصول إليه ". بل أن ميله إلى مجرد التجربة وتردد المرتاب الحذر ليجعل نقده مبرماً مضجراً كأن يقول مثلا: " تحاول هذه المقالة أن تقترب من هرمان ملفل بحذر وتتأتى إلى ذلك متسللة من وراء موقفه المتثبت الواثق - أي شيء كان ذلك الموقف - في الأدب الأمريكي - أي شيء كان ذلك المسمى أدباً أمريكياً ". ودقته تبلغ حد التعسف المرهق حين لا يتحدث مثلا عن أفلاطون بل عن أفلاطون في " مرحلته الأولى " ولا عن فواتح هنري جيمس بل عن " فواتحه النقدية " ولا عن قصائد توماس هاردي بل عن " مقطعاته وقصائده القصيرة " ولا عن شعر ييتس بل عن " آخر ما أنتجه من شعر ". ويقول في فاتحة كلامه عن آخر ما أنتجه ييتس من شعر: " آخر ما أنتجه ييتس شعر عظيم حقاً في نوعه، متنوع كثيراً في نوعه أيضاً، فهو يستحق دراسة خاصة ولكنها لن تكون الدراسة الوحيدة، وكذلك لن تكون هي الدراسة الكاملة ".
وإعجابه بالمرهف يصده أحياناً عن أن يتذوق ما لم يكن نصيبه من الإرهاف بالغاً، كعجزه عن أن يتذوق بعض النواحي في ملفل، فهو يجتاز تلك النواحي بقوله: إنه يفضل جيمس، وكعجزه عن أن يستسيغ شعر وليم كارلوس وليمز. وإذا حاكى هو جيمس في إسلوبه لم يستطع أن ينتحل قوة أسلوب جيمس وحذاقته بل يحاكي جمله المتقطعة المترددة فيتعب القارئ بالمعترضات وكثرة الفواصل. وهو يعيد أحياناً كتابة ما ينقده من شعر بدلا من أن يحلله. وآخر مظهر من مظاهر " الهواية " عنده إنه لم يؤلف كتاباً في النقد، واكتفى بكتابة المراجعات والمقالات التي تثيرها المناسبات.
ولكن عيوب بلاكمور تقابلها حسنات ترجح بها - وتلك هي الناحية
стр. 378
الثانية - فما يرجح بالتعاظم المتعالي إصراره على المسؤولية الاجتماعية لدى الفنان والمهمة الاجتماعية التي يؤديها كل من الفن والنقد. ويقابل " غلاء " نقده ذلك التواضع العاري الذي عبر عنه أجلى تعبير في قوله: " أعتقد إن قلة جمهوري إنما ترجع إلى نقائصي في الأسلوب والإحساس والأفق، ولست أجد من حقي أن أشكو أو أتذمر من هذا الوضع ". وهو يقول في موضع آخر:
علينا أن نغامر بحذر في استعمال أي مبدأ قد يبدو مناسباً أو مسعفاً في تجاوز الفجوات، ولست أنص على الحذر إلا في الاستعمال فإنه يجب أن يكون مؤقتاً تأملياً درامياً. وإن ثمرة التواضع لا تأتي إلا بعد سلسلة طويلة من اعتياده؛ والدعوة إلى التواضع معناها عدم النفور من الإقرار بالجهل.
ولا يوازي هذا التردد وعدم الحسم إلا ثقته الحاسمة في القيمة المطلقة للفن والخيال الإنساني، ولذلك تسمعه يقول في نفس المقال الذي اقتبسنا منه العبارة السابقة:
إن الفنون تخدم غايات تقع وراء تلك الفنون، وهي غايات الأشياء التي تحكيها أو تعبر عنها حين تحكيها أو تعبر عنها بمعزل عن التيار الكبير الذي يمنح تلك الفنون نظامها ومعناها وقيمتها. فإذا أنكر منكر تلك الغايات فكأنما أنكر أن المنشار مجعول لقطع الخشب، وإنه يجب ن يظل معلقاً لئلا ينقص النشر من قدره.
ويمتاز بلاكمور وأمبسون بأنهما أكثر قراء الشعر تدقيقاً، وإنهما قد تخصصا في هذه الناحية تخصصاً خرج إلى الغلو وجاوز طوره (وهذا قد يرجح بالهواية عند بلاكمور) وإن أستاذيهما - بيرك ورتشاردز - قد
стр. 379
شغلا نفسيهما بالتفريعات الناجمة عن نظرياتهما حتى عجزا عن أن يوليا النصوص الشعرية قسطاً صالحاً من وقتهما. أما شغف بلاكمور بالمرهف فإنه يوازيه ميل متزايد عنده إلى قبول ما هو غير مرهف كاستساغته التدني عند دستويفسكي والخشونة لدي ييتس وهذان يعدلان الذوق المرهف لدى كل من جيمس وآدمز. بل من صور الابتعاد عن المرهف تحول السخرية عند بلاكمور إلى نوع من الفكاهة في أحدث ما أنتجه. قابل بين هذه الدعابة الأكاديمية المجتلبة:
" ها هنا لا يصرخ السيد منسون قائلا مهابهاراتا ولا حتى مهابراكادبرا؛ أنه يكبح نفسه عن ذلك ويلتزم بصرخات أقل رنيناً لأنه يتحدث عن النقاد فيقول بابت! آرنولد آرنولد!.. " (١٩٣٠) .
وبين قوله وهو هزل عميق:
" إلا أن السيد كيدر يسير في وجهة مخالفة، فهو يسقط الفلسفة من حسابه إهمالا ليس إلا، لأنه لم يمارسها. وانك لتشعر وأنت تقرؤه أن لو ذكره بها أحد في دور مبكر، يوم كان يستجمع معارفه وثقافته، لملأ بها أوراقه وصحفه ".
أو قوله في نقد الصور المرفقة بطبعة " الملاح القديم ":
" إنك لا ترى إلا رؤوسها كأنها مثل غطاء الرادياتور الممثل بالنحت في عام ١٩٣٤ أو صور المنفيين العائدين. أما طائر البطروس فهو مستعجل ليتحول إلى بطة جالسة وقد افلح في ذلك. "
هذا وان نظم الشعر قد جعل بلاكمور يحاول أن يعيد كتابة القصيدة بدلاً من أن ينقدها، ولكنه أفاده أيضاً إذ منحه ذوقاً لا يكاد يخطئ (باستثناء هنات قليلة) ولذلك تجده حينما راجع تسعة شعراء سنة ١٩٣٧
стр. 380
استخرج من بينهم بذوقه الثاقب كلاً من أيكن وستيفنز ونفى هسمان وماسترز وساندبرغ وبروكوش وغيرهم، ثم عمد إلى الاثنين اللذين فضلهما واستخرج من شعرهما أفضله وأجوده. كذلك فأن الشعر منحه القدرة أو قل الشجاعة على أن يميز في الأدباء العظام أمثال ييتس ودستويفسكي " ما يملأون به الفراغ "، أي يتركون القلم يكتب رجاء أن ينبثق شيء حسن. أما اتهامه بأنه لم يكتب كتباً فالرد عليه ان يقال: ان كتابيه اللذين أصدرهما منظمان يلتفتان حول وحدة ملموسة في الفكرة والتطبيق وهما متكاملان كأي كتاب تعده عظيماً في النقد.
ثم نستطيع ان نقول في الجملة أن " الهواية " لم تتلبس به، وانه ابتعد عنها قدر ما يبتعد عنها اخلص المتخصصين ولقد قال في مقاله عن " عمل الناقد ":
إن طريقتي إن صح أن أدعوها كذلك لا تلم بكل شيء بل تترك القارئ وفي يده القصيدة وأمامه عمل يؤديه بنفسه، وكل ما صنعته أني حاولت أن اقدم إليه القصيدة من حيث صلتها بهذه الطريقة التي رسمتها والتي اقتصدت فيها ومنحتها شيئاً من التعويض. وأنني لأتوقع أن ترد طريقتي هذه لمن يستعملها ما اقصده وتعوض عليه ما فقده.
وهذا مقياس لطريقته النقدية جيد متواضع يجعلنا نقول في الحكم عليه، على أساس من هذا المقياس: انه ألم بكل ما يمكن أن يلم به، وحقق كل ما يمكن ان يحققه ناقد يجمع العلم الواسع والكد المضني والألمعية التخيلية والشرف المتواضع. وأننا في قولنا هذا كله لا ندعي إننا نكافئه تعويضاً، او أنه كان يجب علينا أن نقتصد في الثناء.
стр. 381
الفصل التاسع
وليم إمبسون
والنقد النوعي
أن أبسط طريقة يعرف بها التدرج الذي جرى فيه نقد إمبسون هي أن يقال فيه: أنه انتقل من عناية أولية بما يسميه جون كرو رانسوم " نسيج " إلى عناية أولية بما يسميه رانسوم نفسه " بناء ". ووضع القضية بهذا الشكل قد لا يوافق رانسوم الذي كان اتهامه الرئيسي لإمبسون عندما عالج آثاره في كتابه " النقد الجديد " هو إن إمبسون مغرق في عنايته بالنسيج، غير إن رانسوم لم يتحدث إلا عن كتاب واحد لإمبسون هو " سبعة نماذج من الغموض " بينما تم انتقال إمبسون الذي نشير إليه في كتابه الثاني " بعض صور من الأدب الرعوي "، وبهذا الكتاب الجديد انتقل إمبسون إلى حومة " البناء " وتغلغل في مشتملات مصطلح " رعوي ". ومع إن هذا الكتاب أقل راوء وإسهاباً في نواحي الغموض وتفرعات المعاني من كتابه الأول، فإني أود أن أفرده، على الأقل للغاية التي يعقد لأجلها هذا الفصل، وأعتبره أكبر إسهام قدمه في النقد الحديث.
إن ظهور كتاب " سبعة نماذج من الغموض " عام ١٩٣٠ لشاب في
стр. 382
عقده الثالث لم يسمع به أحد، كان حدثاً نقدياً كبيراً، برغم قلة النسخ التي طبعت منه. فقد تجرأ الكتاب على معالجة ما كان دائماً يعد نقيصة في الشعر، أي عدم الدقة في المعنى، وعده فضيلة الشعر الكبرى، وأعلن إن الغموض قد يقع في سبعة أصناف، ومضى يصنفها (مع إن عنوانه يشمل صنفاً ثامناً ساخراً، وطريقة تصنيفه توحي بأنواع أخرى لا حصر لها) . وأنكى من ذلك كله إنه درس الشعر بطريقة لم ينتهجها شخص من قبل. حقاً إن إمبسون حينما افترض إن الغموض هو لب الشعر لم يكن يقرر مبدأ جديداً. فمنذ القرن الثالث أو الرابع قبل الميلاد كتب ديمتريوس الذي لا نعرف عنه شيئاً يقول في كتابه " في الأسلوب " On Style: " مثلما تجمع الوحوش أطرافها حين تريد أن تنقض، فعلى اللغة كذلك أن تستجمع نفسها، كما لو كانت حضباً منطوياً، لتذخر في ذاتها قوة ". وليست هناك مسافة بعيدة بين " اللغة المستجمعة " في رأي ديمتريوس وبين قول إمبسون " أي ارتباط بين العلة والنتيجة، مهما يكن ضئيلاً، يضفي ظلاً على التعبير المباشر "، ويعود ما بين القولين من فرق إلى تصميم إمبسون على أن يستكشف أنواع هذا " الاستجماع " الملتف وضروبه، فهو يقول:
إذن فقد يكون للكلمة الواحدة عديد من المعاني المتمايزة، وعديد من المعاني المرتبط أحدهما بالآخر، وعديد من المعاني التي يحتاج واحدها إلى الآخر ليكمله، أو عديد من المعاني تتحد معاً حتى إن الكلمة تعني علاقة واحدة أو سياقاً واحداً؛ وهذا مساق يستمر مطرداً. " فالغموض " معناه إنك لا تحسم حسماً فيما تعنيه، أو تقصد إلى أن تعني أشياء عديدة، وفيه احتمال إنك تعني واحداً أو آخر من شيئين، أو تعني كليهما معاً وإن الحقيقة الواحدة ذات معاني عدة.
стр. 383
فالغموض عند إمبسون نوع من " السخرية المسرحية " يحيط في أحد طرفيه بكل ما في المأساة من كمال، ويدل في الطرف الثاني على نقص الصنعة الروائية الرديئة. وهو يقر بأن " هذه الأساليب قد تستعمل لاتهام الشاعر بأنه يحمل آراء مختلطة، لا لمدح التركيب في نظام فكره " ثم يعلن عن المعيار الذي يصلح للتمييز بين أنواع الغموض الجيدة والرديئة فيقول:
يكون الغموض محترماً ما دام يسند تعقيد الفكر أو لطافته أو اكتنازه، أو ما دام ندحة يستغلها الأديب ليقول بسرعة ما قد فهمه القارئ. ثم هو لا يستحق الاحترام إن كان وليد ضعف أو ضحالة في الفكر ويبهم الأمر دون داع؟ أو عندما لا تتوقف قيمة العبارة على ذلك الغموض بل يكون مجرد وسيلة لتوجيه المادة وتصريفها وذلك إن كان القارئ لا يفهم الأفكار التي اختلطت، وأنطبع لديه شيء من عدم الاتساق.
وعلى رغم ذلك يرى إمبسون إن الغموض يحتشد على وجه التدقيق في مراكز أعظم التأثير الشعري، ويولد صفة يسميها هو " التوتر " وقد نسميها الهزة الشعرية نفسها، يقول:
أكثر أنواع الغموض التي وقفت عندها هنا تبدو لي جميلة. وأعتقد إني بالكشف عن طبيعة الغموض قد كشفت بالأمثلة المضروبة عن طبيعة القوى التي هي كفاء بأن تربط جوانبه وتضم عناصره، وأحب أن أقول هنا - من ثم - إن مثل هذه القوى المتصورة تصوراً مبهماً ضرورية لقيام الكيان الكلي للقصيدة، وإنها لا يمكن أن تفسر عند الحديث عن الغموض بأنها مكملة له. غير أن الحديث عن الغموض
стр. 384
قد يوضح شيئاً كثيراً عنها، وأقول بخاصة أنه إن كان هناك تضاد فإنه يستتبع توتراً وكلما زاد التضاد كبر التوتر، فإن لم يكن ثمة تضاد فلا بد من طريقة أخرى تنقل التوتر وتكفل وجوده.
فليس الغموض، إذن - مرضياً بذاته، ولا هو تفنناً يطلب لذاته، بل لابد له من أن ينشأ في كل حال من وقائع الأحوال الخاصة، وأن يجد ما يبرر وجوده من تلك الوقائع أيضاً. فهو على هذا شيء قد يبرر وجوده أهم المواقف وأكثرها إمتاعاً.
أما " النماذج السبعة " نفسها فإنها - على تفاوتها - تحكمية محض. يقول إمبسون: " إن هذه النماذج السبعة التي اقترحها، لا تعد في نظري هيكلاً مناسباً فحسب، بل إني أهدف بها إلى أن أصور مراحل من الفوضى الراقية المنطقية ". غير أنها لم تتجه فحسب من البساطة إلى التركيب بل من خصب شعري قليل إلى خصب وافر - وهذا شيء لم يعلق عليه إمبسون أبداً -. وتلك النماذج لا معنى لها حين تقف بمعزل عن القرينة، ولا يدرجها إمبسون في ثبت واحد ولكني في سبيل أن أعطي فكرة عن السياق، سأحاول أن أنتزعها من قرائنها، وأورد تعريفات إمبسون وحدها " هنالك سرد لها مختلف بعض الشيء عما هو هنا، موجود في كتاب " النقد الجديد ": ١١٩، ١٢٠ لكرو رانسوم "، وهذه هي النماذج السبعة:
١ - حين تكون الكلمة أو التركيب أو المبنى النحوي مؤثراً من عدة أوجه دفعة واحدة مع أنه لا يعطيه إلا حقيقة واحدة.
٢ - حين يجمع معنيان أو أكثر إلى المعنى الواحد الذي عناه المؤلف.
٣ - حين يستطاع تقديم فكرتين في كلمة واحدة وفي وقت
стр. 385
معاً ولا يربط بين الفكرتين إلا كونهما متناسبتين في النص.
٤ - حين لا يتفق معنيان أو أكثر لعبارة واحدة ولكنهما يجتمعان ليكونا حالة عقلية أكثر تعقيداً عند المؤلف.
٥ - حين يستكشف المؤلف فكرته أثناء الكتابة أو لا يستطيع أن يحيط بها في فكره دفعة واحدة، حتى أنه قد يكون هناك - مثلاً - تشبيه لا ينطبق على شيء ما تمام الانطباق، ولكنه يقع في موقف وسط بين شيئين عندما ينتقل المؤلف من أحد الشيئين إلى الآخر.
٦ - حين لا تفيد العبارة شيئاً أما للتكرار أو للتضاد أو لعدم تناسب العبارات، فيضطر القارئ أن يخترع عبارات من عنده وهي قابلة أيضاً للتضارب فيما بينها.
٧ - حين يكون معنيا للكلمة، أي قيمتا الغموض، وهما المعنيين المتضادين اللذين تحددهما القرينة فتكون النتيجة الكلية هي أن يكشف عن انقسام أساسي في عقل الكاتب.
وإمبسون مدين لرتشاردز أستاذه في كامبردج بفرضين أساسيين يقومان من وراء كتابه " سبعة نماذج من الغموض ". وأولهما أن الشعر في أساسه - أن لم يكن فيه كلياً - معان تنقل، والثاني أن معانيه معرضة للتحليل، شأنها في ذلك شأن أي مظهر آخر من مظاهر التجربة الإنسانية أو كما يقول إمبسون: " أن الأسباب التي تجعل بيت الشعر يعطي متعة فيما أعتقد، هي نفس الأسباب القائمة في أي شيء آخر، وأن المرء ليستطيع تقليب تلك الأسباب وإعمال فكره فيها ". (وهذا بالطبع في جوهره تعبير عن مبدأ دنيوي في " الاستمرار ") . وإذا كان رتشاردز يقف وراء الفرضين الكبيرين في ذلك الكتاب، فإن التطبيق كله فيه يتجه إلى شيكسبير، ذلك لأن هذا الأديب أعلى من تمرس بالغموض، لا لأن
стр. 386
أفكاره مضطربة ونصوص رواياته مختلطة - كما يعتقد بعض الدارسين - بل لأن فكره وفنه يتميزان بالقوة والتركيب، فيقرأ إمبسون سطراً لشيكسبير قراءة حرفية تماماً بعرضه على كل مستند ممكن قائم وراء كل سطر آخر خطه، ملاحظاً " كمية العمل الذي قد يؤديه قارئ شيكسبير من أجله، وكيف إن سائر آثاره قد تعين القارئ على أن يستخرج أفانين من أي جزء فيها ". وهو أيضاً في الوقت نفسه يقرأ السطر مستعيناً بمجموعة ضخمة من الإشارات الأدبية والأخبار التاريخية والبيوغرافية المختزنة في عقله. وهذا مثل نموذجي يكثر اقتباسه يفسر نوع المجاز في بيت من سوناتة جاء فيه: " مرابع الترتيل العارية المهدمة، حيث كانت تغني العصافير العذبة حتى وقت متأخر " فيقول امبسون في تعليقه:
أن المقارنة رصينة صحيحة، لان أمكنة الترتيل المهدمة في الدير هي الأمكنة المخصصة للغناء، لأنها تحوي مقاعد يجلس فيها المرتلون صفوفاً ولأنها مصنوعة من خشب، وهي محفورة في عقد متداخلة وما أشبه، وقد كانت تحاط بمبنى ساتر مشكل في شكل غابة، ويلون بزجاج ملون، ورسوم كالازاهير والأوراق، ثم هي الآن قد هجرها الجميع، إلا الجدران الداكنة الملونة بلون الجو الشتائي، ثم لأن السحر الفاتر النرجسي الذي يوحي به الغلمان المرتلون يتناسب وشعور شيكسبير نحو الموضوعات التي تتناولها اغانيه، زد على ذلك أسباباً اجتماعية وتاريخية (" أواه لقد نسي الحصان، لعبتنا المفضلة " وقطع البيورتانيون الأعمدة المكللة بالزهور التي تنصب في أول أيار) ؛ من الصعب أن نتتبعها اليوم، ونتحقق من مقاديرها. فهذه الاسباب، وأسابا أخرى تربط هذا التشبيه بموضعه من السوناتة، لابد لها من ان تتضافر
стр. 387
لتمنح البيت جماله. وهناك نوع من الغموض فيه، لانا لا نعرف أي هذه الأسباب يجب ان يعلق بالذهن قبل غيره.
لقد وقفنا من قبل عند العلاقة بين طريقة إمبسون والدراسة الشيكسبيرية التقليدية (في الفصل الخاص بكارولاين سبيرجن) ولكن تجليتها في هذا المقام تتسق وهذا الفصل: ففي شرحه للنوع الثاني من الغموض أي وجود معنيين يقصدهما المؤلف (أي ما يسمى التورية المقصودة) يعترف فجأة انه استمد أكثر قراءته المعتقدة - الامبسونية على وجه الخصوص - لنصوص شيكسبير، في ذلك الفصل، من نسخة آردن، فهي القراءات التقليدية التي قال بها الدارسون، وقد استخرجها بطريقة غريبة فحيث يقول الدارس " إما هذا؟ أو " محاولا أن يضع أخرى لدارس آخر إلى جنب قراءته، يجيء امبسون فيقول " كلا هذين؟ و " أي يجد كلا المعنيين أو كل المعاني المتجادل حولها مشمولة بحق في النص. أما الكلمات الشيكسبيرية الغريبة التي قال الدارسون إنها تحريفات مطبعية لا بد لها من تصويب، فإن لامبسون حولها ثلاثة فروض، الأول: أن شيكسبير صحح مخطوطاته وراجعها (على رغم انف كل من همنج وكوندل) فانبهمت قراءتها على الطابع؛ والثاني: انه عمداً كتب كلمة لا معنى لها تقع بين كلمات عديدة لها معانيها، مثلما يفعل جويس في " يقظة فينيغان " ليبعث القارئ على التفكير في الكلمات جميعاً. والثالث: أنه أبداً لم يمح ولم يرمج على شيء كتبه، فكان يضع الكلمة المقاربة بدلا من ان يتوقف فيتبدد فكره، مؤملا أن يعثر على الكلمة الملائمة ذات يوم.
ويزعم امبسون أن دراسي شيكسبير، على خلاف هذه الفروض وعلى خلاف لأي " فكرة عن كيف كان يكون ذلك العقل الفذ أثناء العمل " يرفضون كل ما ليس بواضح، ويدعون انه خطأ مطبعي. ومن ثم يحيلون كثرة المعنى عنده والغموض فيه، إلى معنى واحد بسيط
стр. 388
ويتضاءل بذلك شيكسبير. أو يعتمد الدارسون نسخة شيكسبير الأصيلة " المسودة الأولى " حيث كتب على الورق أو زور في ذهنه كلاماً ويصفونه بأنه بسيط واضح جداً، أو يتجه الدارس منهم إلى " أن يستمد من ذلك المنبع قصيدة صغيرة يدبجها بنفسه ". أي أن امبسون يعتقد أن المشكلات المحيرة في شعر شكسبير إنما هي - بوجه أو بآخر - توريات مقصودة وأنواع من الغموض، وان الدارسين قد انهمكوا - بوجه أو بآخر - في إلغائها والقضاء عليها (١) . (أن الاقتراح الوحيد الذي أستطيع تقديمه لأي قارئ يرى هذه الأفكار مجتلبة من بعيد أو تافهة هو أن يقرأ جدل امبسون مع التحليل المسهب المشفوع بست من الصور المقنعة) .
ولعل التحليل المتعلق بشيكسبير هو أكثر شيء ألقاً في الكتاب ولكن ربما كان أقيم ما فيه، في النهاية، ملحظ واحد ينبئ عن الطريقة " النوعية "
стр. 389
التي انتهجها امبسون أخيرا. فانه في تحليله سداسية (١) مزدوجة لسدني، يلحظ ان القوافي الست التي قد أعيدت كل واحدة منها ثلاث عشرة مرة في القصيدة هي " لب لباب الموقف الشعري ". " وعند هذه الكلمات فحسب توقف كل من كلايوس وستريفون في صيحاتهما، فان هذه الكلمات تحيط عالمهما ". والذي يعنيه امبسون هو أن شكل " السداسية " نفسه، بدلا من أن يكون شكلا صعباً ثابتاً يفصل الشاعر المحتوى على قدره كما هي الحال في نقد رانسوم، هو لب المحتوى على التحقيق، وان الشكل هو النزوع نحو الموت في صورة تعبير. " فهذا الشكل لا اتجاه له ولا زخم، وإنما هو يدق أبدا على نفس الأبواب دونما جدوى بعويل ونغمة ذات وتيرة واحدة، واقفة لا تتحرك، مهما يكن التنويع في موسيقاه خصباً ". ولو تقدم امبسون خطوة واحدة لاقترح أن يطلق اسم " سداسية " على أي قصيدة مكتوبة في أي شكل، وتعالج المأساة برضى رواقي أو بنواح غير محتوم. (أي هو نواح على نقيض ما في المرثاة لأنه هنالك محتوم) وهذا هو، على التدقيق، ما كان لكتابه الثاني أن يحققه في الشعر " الرعوي ".
وفي كتاب " سبعة نماذج من الغموض " عدد من أمور أخرى قيمة. وأوضحها انه، صفحة اثر صفحة، يحتوي بحق أدق تمرس بالشعر
стр. 390
وبقراءته، وأشده إمعانا وإسهابا فيما خطته يد إنسان، أي يحتوي على نثل جذاب عجيب لا يكاد ينتهي للمشتملات والإمكانات اللغوية، وليس لدينا مجال كاف لاقتباسه طويلة طولا يكشف عن الميزة الصحيحة للكتاب ولكن الفقرة التي تقدمت عن " مرابع الرتتيل العارية المهدمة " توحي بنسبة الإسهاب في التحليل لبيت كامل أو مقطوعة أو قصيدة. وهذه القراءات لا تعتمد، فحسب، تناول تهمة " الغموض " ونشرها راية ينضوي تحتها كل ما يحتاج قراءة دقيقة، واتخاذها موضوعاً يستحق الثناء بل تعتمد أيضاً على قبول كل ما رفضه الآخرون في البيت كله. وإذا كان هناك من سر خاص بإمبسون فذلك هو تحويله السالب إلى موجب كأنما يقول عند كل موقف: " طيب، لا بأس. هكذا هي؟ وهذا أحسن ". فإمبسون يضم إلى صدره خباثة شيكسبير الخاصة أي التورية أو المواربة اللفظية، ويعتبرها مركزاً للمعنى لا تبدداً فيه، ويعشق الخطأ المطبعي، فهو في نظره ذكي دال، لأنه يوحي بمعان خبيثة مدفونة، وهو يرضى أن يقبل تهمة الشذوذ الجنسي التي رمي بها شيكسبير ويقفز منها تواً إلى إنشاء علاقة بينها وبين ميله للتورية: " لذة مؤنثة في الانقياد إلى سحر اللغة المنيم ". وهو يواجه، بصراحة، التصوير الحسي المروع في الشعر الديني الميتافيزيقي - مثل الذي قاله كراشو عن طهارة القديسة تريزا في تلك الصورة الدفينة عن الجماع أو صورته التي قال فيها أم جرح المسيح حلمة دامية " لابد للأم العذراء أن ترضع - عندها - الابن "، ودراسته لهذا التصوير مثل جميل على النوع السابع من الغموض.
ويتقل إمبسون، لأغراض سقراطية المنزع، جميع التهم التي يمكن أن توجه إلى طريقته، فيقول في موضع من كتابه: " إن عادة البحث عن الغموض تقود بسرعة إلى الهلاس، مثلما تمرن نفسك على أن تسمع دائماً