الرمزي في كتابيه " مقولة مضادة " و " الثبات والتغير ". وفي " فلسفة الشكل الأدبي " يقترح بيرك علاقة بين الشاعر والقصيدة وبين القصيدة والجمهور - علاقة تمزج العمل البلاغي بالعمل الرمزي في الجمهور فيقول:
إن ما يؤديه العمل الفني للفنان نفسه من أمور ليست هي نفس الأشياء التي يؤديها ذلك العمل لنا لأن هناك فرقاً بين القصيدة مكتوبة والقصيدة مسموعة. وبعض هذه الأمور مشترك بيننا وبين الفنان نفسه وبعضها غير مشترك.
ولكن هذا هو رأيي: إذا جربنا ن نكشف عما تؤديه القصيدة للشاعر استطعنا أن نكشف مجموعات من التعميمات التي تدلنا على ما تؤديه القصيدة لكل إنسان أيضاً فإذا تذكرنا هذه الأمور أصبحت لدينا دلالات تمكننا من تحليل نوع " الحدث " الذي تحتويه القصيدة وبتحليل هذا النوع المذكور نستطيع أن نكشف عن مبنى العمل الفني نفسه.
إذن فإن القصيدة تؤدي شيئاً للشاعر وقرئه وهذا الذي يبثه الشاعر في القراء هو " البلاغي " أو هو " النقل " وإنما يسمى بهذا الاسم تمييزاً له عن " التعبير " ويسميه بيرك " الصلاة " حيث يتحدث عن ثالوثه: الحلم والصلاة والمخطط وأحياناً يسميه " اختيار الإشارة " ليصور نزعة الشاعر وهو يحاول أن " يغري النزعات الأخرى ويجتذبها " فالقصيدة على هذا عمل رمزي من الشاعر ولكنها تتخذ لها مبنى ولذلك تمكننا نحن معشر القراء من أن نعيد وجودها وبذلك تكون القراءة نفسها تمثيلا للشعائر الرمزية.
وقد درس بيرك هذا الجانب التأثيري " البلاغي " في مقالين مسهبين، أدرجهما في " فلسفة الشكل الأدبي " أحدهما عنوانه " أنطونيو يدافع عن الرواية " وهو حديث ذاتي (مونولوج) طويل يوجهه أنطونيو إلى الجمهور
стр. 562
ليشرح لهم وسائل شيكسبير كما تتمثل في خطاب التأبين عند مقتل قيصر والثاني عنوانه " ترجمة المحاكمة " من (رواية الليلة الثانية عشرة) وهو تفسير آخر أقل شأناً منه الأول يوجهه الدوق. وقد عد بيرك هاتين الدراستين تفسيراً للعلاقة القائمة بين القارئ والكاتب والأصح أن تعدا دراستين للعلاقة بين القارئ والقصيدة. أما دراسته الأتم فهي " بلاغي معركة هتلر ". وهي حقاً دراسة للعلاقة بين القارئ والكاتب لأنها تتناول تعبير هتلر الرمزي في الكتاب والعمل الرمزي عند الجمهور الذي يقرؤه والعلاقة البلاغية بين الاثنين. وهذه الدراسة توحد بين الخاص والعام وبين الدراسة النفسية الموجهة لتعمق ما تستطيع بلاغة التعبير نقله إلى الجمهور.
ويحاول بيرك في " مقولة مضادة " أن يطور فكرة البلاغة أولا بالتمييز بين المعالجة الشخصية والنغمية ثم بين الواقعي والخطابي؟ ثم بالتمييز بين المعالجة الشخصية والنغمية ثم بين الواقعي والخطابي؟ ثم بالتمييز بين سيكولوجية الخبر وسيكولوجية الشكل، أما الشكل فإنه " سيكولوجية الجمهور " أي " هـ إثارة الشهوة إلى الاستماع في فكر المستمع وإشباع تلك الشهوة أو هو إثارة الرغبات وإرضاؤها " - وهذا يساوي ما يسميه " البلاغة " وليس ذلك كله إلا الأدب التأثيري.
ويتسع مبدأ " العمل الرمزي " عند بيرك وفكرة " البلاغة " حتى يشمل كل التوافه من كل نوع حتى إن بيرك ليستمد أمثلته من السينما ومن الأحاجي التي تقدمها الإذاعة ومن أخبار تنقلها إحدى الجرائد من الجمعية العامة للصناع عن كل ما هب ودب. وهذه الأمور كلها أنواع من الشعر مليئة بالعناصر الرمزية والبلاغية وإن كان شعراً رديئاً فإنه شعر رديء ذو أهمية حية في حياتنا وحين يغمس بيرك نفسه في هذه " البؤرة " الرخيصة يتبدى لنا كأنما هو ملك يضحي بنفسه من أجل أن تنمو مزروعات القبيلة.
стр. 563
٥ - لقد عرضنا فيما تقدم رأي بيرك في المواقف والخطط والنزعات والدوافع والعمل الرمزي والغايات، فلنقل كلمة في الأمور حسبما تنطبق عليه لا على غيره.
١ - ولنبدأ الحديث عن آثاره خارج المجال النقدي الحق، وهذه الآثار نوعان:
(أ) القصص: وقد نشر بيرك مجموعتين هما " الثيران البيض " وهي مجموعة من القصص القصيرة، عام ١٩٢٤ و " نحو حياة أفضل " وهي سلسلة من الرسائل أو الخطب عام ١٩٣٢ وكلا الكتابين دقيق معقد غامض رصين الأسلوب جزل، والأول يتدرج من قصص واقعية إلى قصص محيرة برموزها وخطابتها وكأنها " مقولة مضادة " تعلي من شأن الأسلوب الخطابي حين كان هذا الأسلوب مشنوءاً محتقراً. وأما الثاني فهو عودة إلى أساليب " ديوانية " في الكتابة ولا يهتم بالحبكة إلا اهتماماً عارضاً ولكنه يهتم كثيراً بما يسميه بيرك " الأقطاب الستة " وهي " الندب والحبور والترجي والتحذير والتقرير والتعزير ". ولم يكسب هذان الكاتبان رواجاً وقل من قرأهما أو أعترف بهما ولكنهما أثرا في بعض الكتاب وأثنى عليهما وليم كارلوس وليمز وهاجمهما أيفور ونترز وقال إنهما " أبلد من قصص تاكري " والثاني منهما يتراءى لي من خير القصص في عصرنا. وهما من حيث صلتهما بنقده يعكسان كثيراً من أفكاره ويطبقان كثيراً من نظرياته ويعملان على " وضع " الدوافع الإنسانية مواضعها من زاوية جديدة. وقد كتبهما مطبقاً فكرته البلاغية ولكنهما من بعد أعاناه كثيراً
стр. 564
في التعريف بالعمل الرمزي والتمثيل عليه.
(ب) المراجعات والترجمات والقصائد: تعلم بيرك كثيراً من المراجعة. وكان موضوع المراجعة في هذا العام مثلا يصبح مرجعاً لمراجعة تالية في العام التالي وقد أبعد عن نطاق الأدب التخيلي في مراجعته فوسع من آفاق إنتاجه وكان يستخرج الأفكار النقدية من مشكلات تنشأ من مراجعاته وكثيراً ما أدرج تلك المراجعات في خلال أعماله النقدية، وقد كتب بيرك أيضاً نقداً في الموسيقى ونقداً في التصوير وفي كتابه " مقولة مضادة " إشارات إلى النواحي الموسيقية والتصويرية، كما إنه ترجم كثيراً من الألمانية من ذلك أقاصيص لتوماس مان وكتابات من اشبلنجر واشتتزلر واميل لدفغ وغيرهم ونشر عدداً من القصائد أكثرها طليق من الوزن خطابي الأسلوب ينص على السخرية والنقد الاجتماعي ولكنها لم تجمع في كتاب.
٢ - آراؤه الاجتماعية: توجد هذه الآراء في شعره، وعلى نحو أغمض في نقده وكلها معقدة غامضة. وأبرز العناصر فيها مقته للتقنولوجيا والحضارة الآلية ومذهب " الكفاءة " و " المستوى العالي من المعيشة " وما أشبه، ولذلك قاوم هذه الاتجاهات في كتبه منذ البداية حتى النهاية. وقال: " إن المبدأ الجمالي يحاول أن يحط من القيم الموجودة في الاتجاه العملي ويحاول بالذكاء أبالخيال أن يحدث اضطراباً في القانون القائم في العمل التجاري والتنافسي الصناعي وبطولة الحرب الاقتصادية ويعمد إلى أن يزعزع أعمدة الصناعة ". هذا هو ما قاله في البيان الجمالي الذي نشره في " مقولة مضادة " ثم استمر يعتنق هذا في ختام كتابه " الثبات والتغير " وعنف لديه هذا الإيمان في " فلسفة الشكل
стр. 565
الأدبي " فوصف البناء الاقتصادي بأنه مهين يدفعنا إلى عمل أمور مهينة. وجعله تشاؤمه يرى إننا مقبلون على " فصل سياسي عابس مكفهر " وإنه لا ينقذنا منه إلا الدعوة إلى التكامل الذاتي. ثم تخف مرارة هذه النظرة الاجتماعية في كتاب " نحو الدوافع " ويقل فيها التشاؤم ولكنه لا يزال يعادي الاتجاه نحو الآلة والمستوى العالي من العيش (١) ، والمصاعب الهائلة التي يقع الناس تحت وطأتها من أجل الحصول على فوائد تقنولوجية ولا يقول ثمة أن النظام الصناعي والدافع المالي " مهينان " بل يقول إنهما " اليمان قاسيان " ويستشف أملاً ما حين يقول:
حين يسيطر على سياسة المجتمع الكذابون والأغبياء والجشعون فإن فلسفات التقشف المادي قد تبعث في نفوسنا بعض العزاء لأنها تذكرنا أن تلك المواد عينها التي تتكون منها مدينتنا أو التي نبتت مدينتنا فيها لن نسمح للكذب والغباء والجشع أن تسيطر على النفوس حين يسيطر بعض الناس أن وجدوا إلى ذلك سبيلا.
ويقترح بيرك في النهاية أن يأخذ الناس بشيء من " الزهد الرواقي " لأن الناس لن يقفوا عن تطوير التقنولوجيا سواء أكان ذلك لخيرهم أو لشرهم.
وفي هذه النزعة نغمتان افترقتا بعد زمن. الأولى رفض الآلة والتقنولوجيا والتصنيع في كل مجتمع، ويقاوم بيرك هذه الأمور بالتقليل من " شد الأحزمة " والتقليل من الحركة والتكثير من العمل وتكييف الكفاءات مع حال البيئة. وهذا هو أشد آرائه رجعية ويشاركه فيه أمثال
стр. 566
ثورو وأتباع جفرسون وهذا ما دعا هنري بمفورد باركس أن يقول " كم كا يتمنى لو عاش في الصين في أيام كونفوشيوس " وهذه النغمة في أقصى الطرفين تمثل كرهاً للعلم نفسه، وصدق المراجع الذي قال إن بيرك، كالعجائز في مجتمع يكره التشريح، ينزع إلى أن يرى العلماء التجريبيين " ساديين يتلذذون بتعذيب الفيران ". أما الطرف الثاني فإنه قد يجد خيراً في التقنولوجيا بل يدافع عنها ضد عالم آثار اسمه كدر في مقالة له عنوانها " طابع حضارتنا " واجداً أن القيم الحقة فيها - وإن كانت سلبية - تخفف من فساد المحاصيل والأوبئة والكوارث الطبيعية الأخرى وفي الوسط بين الطرفين يعيش هو - جاعلا من حياته مثلا - جامعاً بين البسيط والبطيء والحياة الزراعية والتقنولوجيا اللازمة له من عربة وقطار ونفق لتوصله إلى المكتبة العامة في نيويورك.
أما النغمة الأخرى في نزعته الاجتماعية فليست هي اعتراضه على التصنيع في ذاته بل على مظاهر معينة في النظام الرأسمالي. فهو في " الثبات والتغير " يؤمن بالشيوعية ويقترح مادية ديالكتيكية معدلة تسمى " بيولوجيا ديالكتيكية " وحياة " شاعرية " منهجية تتحقق من خلال المجتمع الشيعي ومن وراء فاقه وهو يقول: إن الشيوعية " هي الحركة الوحيدة المنظمة المنسجمة التي تعمد لإخضاع العبقرية التقنولوجية للغايات الانسانية " وهي تستقطب كل الكلمات التي تبدأ بحرف " C " مثل: Co - operation، Communication، Communion، Collectivism، Communicant. ويستكشف في " نزعات نحو التاريخ " أن الجماعية أمر لا معدى عنه ولكنه يقترح الشيوعية الجماعية مضيفاً إليها بعض التحسينات " الهزلية " ثم تبدى في مقال " الحياة الطيبة " أن مثله الاجتماعي الأعلى هو العالم الكونفوشي. وظل يشير من بعد باستحسان إلى المادية الديالكتيكية ولكنه ابتعد عنها كثيراً في كتبه الأخيرة ولم يعد يسمي مثله الاجتماعي الأعلى
стр. 567
- وهو زراعي لا مركزي - باسم شيوعي.
٣ - أفكاره في النقد وعلاقتها بآرائه في الحياة: مرتبطان ارتباطاً لا انفصام له. وهو يضعهما على صعيد واحد من التجريد حتى إنهما يتلاحمان. ومفتاح آرائه في النقد: " كل الأحياء نقاد " ويمثل على هذا بسمك السلمون فانه يصبح ناقداً بعد أن ينشرط فكه ويصبح قادراً على التمييز بين العم والطعام. والناقد في رأيه ناقد للحياة مثلما هو عند ماثيو آرنولد ومهمته ان يقدم مؤثرات مضادة ما استطاع إلى ذلك سبيلا وان يوجد التكامل بين النقد التقني والنقد الاجتماعي وأن يختبر الأشياء دون تهيب والشاعر ساحر " منوم " ومهمة النقد هي رفع العقيرة لإيقاظ النائم ومهما يكن من أمر الشعر فالنقد في خير أحواله " هزلي ".
وهذه النظرة ليست تحقيراً للشعر لان بيرك يؤمن أن الشعر قريب إلى القيم المركزية في وجودنا إيماناً لم يفارقه أبداً، سواء أكان الشعر غنائياً أو فلسفياً أو منهجاً من منهاج العيش. وهو يرى الشعر عدة للعيش يريحنا ويحمينا ويزودنا بالسلاح. وهو في الوقت نفسه يؤكد الإحساس الشعري أو ما يسميه بلاكمور " الخيال الرمزي " ويراه المظهر النقدي الذي لا مظهر وراءه، ويقول:
ينشأ الاعتراض حين يزور فلاسفة العلم وينكرون ان المقدرة العلمية تتطلب صنواً مناقضاً يسمى أحياناً البصيرة أو الخيال أو البداهة أو الإلهام؟ ومع أن المرء يستطيع أن يجزئ العمل الفني في عناصر عدة ويصل بالاختبار إلى تفرقة عادلة حقة بين تلك العناصر فان الطريقة العلمية لتعجز عن ان تواجه هذه العناصر في حال " التركيب " لا في حال التجزئة.
وهناك عنصر هام في منهج بيرك هو العنصر الموجود في التهكم أي الفكاهة أو ما يسميه " الهزلي " فهو يقول في تعريف الفكاهة: " إنها
стр. 568
" الصبغة الإنسانية " التي تمكننا من قبول معضلاتنا. ويعرف التهكم بأنه: " الصنعة " التي تنشأ عن إحساس برابطة بيننا وبين العدو. أما " الهزلي " فانه النزعة " الخيرة " السمحة التي تشمل التناقض الناشئ من ازدواج القبول والرفض والأخذ والإعطاء. وهذه الأمور في أساسها مظاهر لشيء واحد وهي معاص تمثل نزعة التشكك والمحافظة " والتخلي عن السير قبل الوصول إلى نهاية الشوط " والمناقضة والخصم. فالحياة الخيرة لا تكون في نظر بيرك خيرة بل هي هزلية تهكمية وربما كانت أيضاً مضحكة - حياة لا توصف بالجلال والعزة. ولقد قال بيرك في إحدى مقالاته الأولى:
" العزة النفسية؟ أجل يبدو أن هناك توقاناً في النفوس للعزة النفسية بل هناك إثارة من مظهر هستيري شاذ في هذه الحاجة إلى العزة. ان العزة من صفات المغلوب فالمرء يغادر الغرفة حفاظاً على عزته لان كان مقهوراً أما المنتصر فانه يستطيع ان يمرح ويهارش الآخرين. فالعزة أذن محاولة ذاتية لتصحيح الوضع أما من الناحية الموضوعية فأنها لا تنطوي على شيء من الدماثة، وهي ظاهرة غير بيولوجية فأن العزيز لا يستطيع ان يهرب إذا قابله الأسد غير أن المرء يواجه الحقائق - مواجهة موضوعية - دون عزة ويضحي المرء بسلطته حين يسأل ما هي الحطة التي يريد ان يوقعه فيها هذا الشيء الخارجي. العزة بطليموسية وفقدانها كوبرنيكي. لقد قال أحدهم: أن تطور الإنسان في أوروبا قد افقده عزته النفسية بمقدار ما منحه من السيطرة على الطبيعة ".
٤ - أسلوبه الكتابي في النقد: لقد كان الجمهور الذي يقرا بيرك قليلا دائماً وان كان يزداد مع الزمن وقد راج كتابه " نحو الدوافع " رواجاً دل على نجاح واعتراف عام، يناله بعض الفنانين - ومارتا غراهام مثل آخر - الذين يستعصي فهم التكامل في آثارهم - ينالونه في أواخر حياتهم
стр. 569
بعد أن ينزاح من أمامهم جيل رائج الكتب، قصير عمر الشهرة. أما السبب في عدم إقبال القراء عليه أو عزهم عن قراءته فانه يرجع إلى تهمة " الغموض " أو " الرطانة " التي يستعملها. ولقد قال في " مقولة مضادة " دون أن يهدف إلى الدفاع عن نفسه: " هناك أشكال من البراعة كالتعقيد والحذاقة والعمق والصرامة في الأسلوب تحدد من رواج الكتاب حتى يصبح كأنما هو كتاب في الرياضيات العالية ". والحق في كتابة بيرك في ذاتها واضحة مستقيمة غير ملتوية أما الغموض فمرجعه إلى المبادئ والمصطلحات حتى أن كرو رانسوم أقصى ناقديه لم ينكر عليه أبداً جمال الأسلوب الأدبي. أما اتهامه بالرطانة فانه اتهام صائب لأنه منجذب أحياناً إلى الأسلوب الفلسفي الألماني ويدافع عن " تسمياته المحيرة " ويعدها " نوعاً من الشعر " وهو يقترب من رطانة تلك الفلسفة في مصلحات استعملها مثل المبدأ الملثوسي الجديد - المنظورات من خلال التباين، وهكذا.
وليبرك أيضاً انتحاءات أسلوبية مزعجة لقرائه منها استعماله الكلمات حسب المعاني التي يريدها، ووضعها بين معقفين " " وتذييل متنه بالشرح والتعليق وقد تكاثرت هذه التعليقات في كتبه على شكل قوس فكانت قليلة في " مقولة مضادة " وكثرت في " الثبات والتغير " وازدادت في " النزعات " وعادت تقل في " فلسفة الشكل الأدبي " وانعدمت في " نحو الدوافع ". وقد بلغت التعليقات بقدر المتن في " النزعات " وتوازت معه توازي الخاص والعام، والعارض والعمد، والإيحائي والساطع. وقد نثر في الحواشي إيحاءات بأشياء لم يسعفه الزمن على مزاولتها مما قد يحتاج " فيلقاً " من النقاد يعملون فيه طوال حياتهم. كذلك فان إدراج مادة في الحاشية مغايرة للمادة التي في المتن تصيب القارئ بالشيزوفرانيا، ولعل هذا الازدواج نفسه يوحي بانفصام في عقل بيرك نفسه لكنه استطاع أن
стр. 570
يتغلب عليه مع الزمن. وأخيراً يبدو أن أسلوب بيرك مبني على التكرار الكثير كان يقرر الشيء نفسه ثلاث مرات مستعملاً وجهاً من المجاز في كل مرة، بدلا من ان يقرر الشيء مرة واحدة وينتهي منه. وهو يمزج بين المجازات بخبث ومكر.
ومن المظاهر البارزة في أسلوب بيرك اعتماده الكثير على النادرة والتورية والتلاعب اللفظي غير أن نوادره الموفقة رائعة لأنها تحتوي فكاهة ساخرة لاذعة. وللتورية مكانة أهم في كتاباته، فهو يضع فيها لب ما يريد أن يقوله وتوريات بيرك مثل توريات شيكسبير مجازات خاطفة أو تعقيدات إمبسونية أو منظورات من خلال التباين يقويها بشغفه في الاشتقاق ومعرفته بدلالات اللغة في المقامات المختلفة بما في ذلك دلالتها في المقام السيكولوجي.
ومظهر آخر في أسلوب بيرك زاد اهتمامه به في الكتب الأخيرة، وذلك هو عدم تورعه عن استعمال الألفاظ المكشوفة والفحش. فهو يرى ضرورة المهادنة بين " التراب " و " السماد " ويسمي إنتاج فرويد " تفسيراً للبراز " ويسمي الرواقية " استعلاء فوق الغائط " ويقول في رواية إليوت " حادثة قتل في الكاتدرائية " أنها " معبد فوق مرحاض " وفي كتاب " نحو الدوافع " يفسر ما يسميه " الثالوث الشيطاني " أي العلاقة بين المنوي والبولي والبرازي (١) .
٥ - ما هي حصيلة إنتاج بيرك؟ يبدو أنه إنتاج مشعث مترام الأطراف لا يدور حول مركز ولكنه خصب شديد الإيحاء واري الزناد والدليل على هذا انك تستطيع أن تحول كلام بيرك إلى أمثال سائرة مثل قوله: أميركة بلد يتمت فيه الموت بسمعة سيئة - انك لم تقارف
стр. 571
الإفساد - لكل إنسان الحق في ان يعبد الله على حسب مجازه - مت مثلما يموت الزنبار المشوه - لقد قدم هذا الرجل خيراً للمظلومين ثم جعلهم ظالمين؛ وهكذا.
ومع كل ذلك نستطيع أن نقول أن إنتاج بيرك دقيق التنظيم وأن منهجه النقدي شامل شمولا عجيباً بل هو اشمل منهج تسلطه على قصيدة بمفردها. وكلما سلط بيرك واتباعه هذه الطريقة على قصيدة إثر قصيدة توقعنا أخصب فترة من فترات النقد لا تدانيها فترة أخرى. وكم يتمنى المرء لو أن بيرك تناول بالدراسة المسهبة قصة مثل " موبي ديك " إذن لحصلنا على ثروة لا حد لها في مجال التحليل. وهنا اعتراض قد يثور تواً وهو: هب ان القصيدة تحطمت تحت وطأة هذه " المدفعية " الضخمة من النقد. في مثل هذا الموقف نظل نحسن الظن بميل بيرك إلى التواضع والروح الفكاهية التهكمية التي تكف يده في الوقت المناسب عن الإطاحة والتشفي.
وقد هاجم بلاكمور طريقة بيرك واتهمها بأنها قد تطبق؟ على شيكسبير وداشيل هامت وماري كوريللي على السواء وتثمر بنفس المقدار ورد بيرك في " فلسفة الشكل الأدبي " على هذه التهمة فسلم بها أولا ثم قال: " إنك لا تستطيع أن تفصل بين شيكسبير وماري كوريللي الأبعد أن تضعهما أولا جنباً إلى جنب. قرر النوع ثم قرر الفصل. - كلاهما أديب، هذا هو النوع، أما الذي يحدد مجال كل منهما فهو الفصل - أي الخصائص الفارقة ". وهذا هو الذي نستفيده من نقد بيرك - هو الفصل - ومن دراستنا للنماذج التي يعرضها في تطبيق منهجه نستطع ان نطمئن إلى أن هنا نقداً لا يدانيه نقد آخر في القوة والصفاء والعمق وألمعية الإدراك.
стр. 572
خاتمة
هل يمكن إيجاد مذهب نقدي متكامل
١ - الناقد المثالي
لو كان في مقداورنا، وهذا مجرد افتراض، أن نصنع ناقداً حديثاً مثالياً لما كانت طريقته إلا تركيباً لكل طرق والأساليب العملية التي استغلها رفاقه الأحياء، وإذن لاستعار من جميع تلك الوسائل المتضاربة المتنافسة، وركب منها خلقاً سوياً لا تشويه فيه، فوازن التقصير في جانب بالمغالاة في آخر، وحد من الإغراق بمثله حتى يتم له التعادل، واستبقى العناصر الملائمة لتحقيق غاياته. وإذن لأخذ ادموند ولسن مهمة التفسير او التوضيح لمحتوى الأثر الفني، وأضاف إلى ذلك الاهتمام بالقيم الشعرية والشكلية التي قد يجدها في بعض النقد التفسيري عند عزرا بوند؛ واستعار من إيفور ونترز الاهتمام بالتقويم والحكم المقارن وشجاعة ونترز إزاء الآراء التقليدية في أحكامه لا تلك الأحكام نفسها، واستغل اهتمام اليوت بان يخلق للأدب موروثاً، ونحا في طبيعة الموروث نحو بارنغتون - مثلا - وأفاد من موقف اليوت الذي يجمع بين الشعر والنقد في يده. أما من فان ويك بروكس فان ناقدنا المثالي قد يستمد
стр. 573
الطريقة القائمة على كتابة السيرة والاهتمام بالجو الثقافي العام من حول الأديب، وسيكون من نصيب كونستانس رورك أن تسهم بالنص على الفولكلور المتصل بالأثر الفني وبتأكيدها أن هذا النوع من الموروث متعلق بالشكل لا بالمحتوى وانه تجريدي لا واقعي. وسيدخل في هذا " المركب " طريقة مود بودكين في التحليل النفسي موشحة بنظريات وأساليب جشطالتية وفرويدية وغير ذلك من فروع المعرفة النفسية؛ وسنضاف إليه أيضاً طريقة كودول الماركسية ملطفة بآراء بليخانوف في النسبية التاريخية وسيحشد فيه اهتمام أليك وست بالنصوص المعينة مشفوعاً بكثير من الكشوف المستمدة من سائر العلوم الاجتماعية.
وسيختار ناقدنا المثالي التخصص الواعي الذي تميزت به كارولاين سبيرجن، ذاهباً إلى أعماق ذلك ذهاب جون لفنغستون لويس، مكبراً النتائج بحماسة مندفعة تشبه حماسة ج. ولسون نايت، متوفراً على إيجاد عناقيد الصور متخذاً منها وحدة شعرية ذات مغزى شعري هام كما يفعل آرمسترونغ. وسيستمد من بلاكمور أسلوبه الجاد في البحث واهتمامه باللغة والألفاظ وتأكيده أهمية الفن والخيال الرمزي؛ وسيعينه وليم امبسون في الكشف عن أنواع الغموض ويمده بطريقته الفذة الدقيقة في قراءة النصوص وباهتمامه العام بقيمة الأشكال الأدبية. وسيستعير ناقدنا المثالي من رتشاردز الاهتمام بأمر النقل والتوصيل ووسائل التفسير والمذهب التجريبي؛ وسيستمد من كنث بيرك العناية بالعمل الرمزي والشكل الدرامي وطريقة الاستبطان والكشف. وثمة نقاد آخرون قد يضيفون بعض العناصر إلى هذا " المركب " فتضيف إليه جين هاريسون الأنثروبولوجيا الشعائرية، وتمده مارغريت شلوش باللغويات، ويتحفه هربرت ريد بالتنبه الحادب على كل اتجاه فكري جديد وعلى كل فنان ناشيء، وتمده عصبة Scrutiny باهتمامها الموزون بكلية الأثر الفني، ويعطيه ماثيسون شيئاً من تردده بين الناحية
стр. 574
الاجتماعية والجمالية، ويمنحه فرنسيس فرغسون طريقته في النظر إلى الدراما الشعائرية، ويمده تروي باستغلاله للأسطورة الشعائرية. أما جون كرو رانسوم وآلان تيت وكلينث بروكس وروبرت بن ورن فانهم يزودونه بالتركيز على البناء الشعري؛ وسيمده آخرون بأشياء أخر. وبالجملة سيكون هذا الناقد المثالي أرسطوطاليسيياً محدثاً يستقرئ من الآثار الشعرية أحكاماً، وسيكون كولردجياً محدثاً يستنتج ما يريد من الأفكار الفلسفية.
فإذا أخذ ناقدنا المثالي كل ذلك، طرح في الوقت نفسه كل تافه محدود غير ملائم من أعمال أولئك النقاد واستصفى النواحي الموضوعية لديهم بعد أن ينزع عنها ما يحيطها من مظاهر ضعفهم ومماحكاتهم وفرديتهم. وإذن فلا شان له بسطحية ولسن واستغلاله لأفكار سبقه إليها غيره وقلة صبره على الشكل الشعري؛ ولا حاجة به إلى خلقية ونترز المتسلطة أو تعسفه في الحكم دون علة واضحة أو سوء طبعه أو كثرة أخطائه. وهو في غنى عما يحيط اتباعية إليوت من تحيز مذهبي وسياسي، وإذا استمد طبيعة التكامل بين النقد والشعر عند إليوت فلا ريب في انه سيحرص على استقلال النقد وتكامله وسيرفض افتراضات بروكس " المسبقة " واحتقاره بالأدب الخالق ولن يستعمل طريقته كما يستعملها صاحبها بمطها أو تقصيرها حسب مقتضيات الحال ولن يتخذ من دراسة الشخص عذراً للهرب من دراسة آثاره أو ليجعلها ملحة شهية وحسب. فإذا انتحل طريقة الآنسة رورك تجافى عن سطحيتها وتزود بعلم أوسع من علمها، وإذا مارس طريقة الآنسة بودكين تجنب نزعتها الدينية الصوفية واطرح ما تجنبته هي من مذهب يونج في شئون التميز العرقي والدموي كما نفى عن نفسه تحيز كودول ضد التحليل النفسي وضد الشعر نفسه ونفى عنه التعلق بالطبقية والحتمية وإيثار التعميمات على دراسة نصوص بأعيانها، واستعمل مبادئ فرويد وماركس بحدة ومضاء كحدتهما ومضائهما لا
стр. 575
بكلال وفتور ككلال اتباعهما وفتورهم. وسيكون ناقدنا المثالي على وعي حاد بنقائص التخصص وأين يقف التخصص من النقد وأين ينماث فيه، فيحايد إحجام الآنسة سبيرجن عن تتبع النتائج واستقصائها ويتجنب صوفيتها الذاتية. غير انه لن يجد كثيراً مما يرفضه في مذهب بلاكمور وإمبسون ورتشاردز وبيرك ولكنه قد يتقدم دون أي أثر عالق به من فجاجة الأول ودون الإغراق المضني لدى الثاني ودون ذلك المسرب المقفل الذي يسميه الثالث " الإنجليزية الأساسية " ودون الوقوف السابق لأوانه في وجه التقدم عند الرابع. أما حين يستمد من النقاد الآخرين فسوف يسير على الخطة نفسها من رفض وطرح ولكنه سيطرح اكثر مما يأخذ في كثير من الأحوال، بل أن كل من ارسطوطاليس وكولردج لن يفيا بحاجاته تمام الوفاء.
وهذا التكامل المثالي الذي نريد أن ننشأ منه طريقة نقدية سامية لا يتم بطرح كل العناصر الجيدة في قدر واحدة وخلطها معاً كيفما اتفق ولكنه عمل يشبه البناء على أن يتم حسب خطة منظمة ذات أساس وذات هيكل مرسوم. فما هو ذلك الأساس أو ما هو ذلك الهيكل؟ أشد المبادئ حماسة لإنجاز هذه المهمة هي الماركسية التي يلح المدافعون عنها على القول بأن المادية الديالكتيكية إطار متكامل يستطيع أن يختص ويستغل أحدث ضروب التقدم في كل ميادين المعرفة وهي في الحقيقة لابد أن تفعل ذلك لتستمر في تأدية مهمتها. وهذا بلا ريب كان يصدق على ماركس وإنجلز اللذين كانا يستمدان بحماسة من رصيد غزير من المعرفة في كل علم، وكانا ينتحلان تطورات جديدة بمرونة بالغة، حتى قال إنجلز: " لدى كل كشف بارز هام في ميدان العلم الطبيعي كان على المادية دائماً أن تغير من شكلها "، وهذا إلى حد أيضاً يصدق على كودول الذي يؤكد في مقدمة كتابه " الوهم والحقيقة ": " إن الطبيعيات
стр. 576
والأنثروبولوجيا والتاريخ والبيولوجيا والفلسفة وعلم النفس كلها نتاج الهيئة الاجتماعية، ومن ثم فإن علم الاجتماع الرصين يمكن ناقد الفنون من ن يستعمل معايير مستمدة من كل هذه الحقول والميادين، دون أن يتردد في حومة التخير والانتقاء، أو يخلط بين الفن وعلم النفس والسياسيات ". غير إن الماركسيين المتأخرين باستثناء قلة منهم مثل كودول يفتقرون إلى المرونة والدقة اللتين كان يتمتع بهما كل من ماركس وإنجلز كما يفتقرون إلى مثل علمهما وألمعيتهما، حتى إن الماركسية لا تصلح من الناحية العملية لتكون نظاماً تكاملياً يحتضن كل مظاهر التقدم. ولعل أكثر المفكرين الماركسيين المعاصرين سيقذفون معظم طريقتنا النقدية المثالية هذه من أقرب نافذة لأنها في نظرهم سقط تافه " منحط " من المتاع.
وهناك طرق فردية أخرى يمكنها أن تحتضن بعض الأساليب والمذاهب الأخرى ولكنها إن كانت علوماً أو شبيهة بالعلوم كالسيلوجيا والأنثروبولوجيا أو كانت ميادين متميزة محددة كميدان التخصص أو دراسة السير - إن كانت هذه أو تلك فإنها إذا احتضنت غيرها من المذاهب وتجاوزت محيطها الخاص بها فقدت طابعها المميز لها. ومن الواضح إذن إن الأساس للتكامل النقدي المثالي لابد من أن يكون فكرة أدبية أو فلسفية (حتى الماركسية حين تتقدم لتقوم بتحقيق هذا التكامل لا تتقدم من حيث هي نزعة اجتماعية بل من حيث هي نظرة فلسفية) . وقد نلحظ بعض الأسس التي تصلح لذلك التكامل التركيبي دون أن نطمح بأبصارنا إلى حل هذه المشكلة، فأحد تلك الأسس قد يكون هو " مبدأ العضوانية " أي إن الذات الإنسانية وحدة عضوية، وهو مبدأ رتشاردز في " استمرار التجربة " وتحت جناح هذه الفكرة يمكن أن ينضوي جميع هذه الأساليب النقدية وتتوحد لأنها جميعاً تعالج جوانب متصلة من السلوك الإنساني، أي تعالج: الإنسان شاعراً والإنسان قارئاً والإنسان في أسرته
стр. 577
والإنسان في المجتمع والإنسان وهو ينقل مشاعره لإنسان آخر وهكذا وقد نجعل أحد تلك الأسس " الفعالية الاجتماعية " التي تنظم مختلف الأساليب النقدية من حيث هي مظاهر متصل بعضها ببعض في جماعات مختلفة، أو قد نتخذ " درامية " بيرك أساساً فنستغل دعائمها الخمس، ونطبقها على الأساليب المتنوعة مستغلين دعامة دون أخرى حسب المقام، كأنما بينها صراع أو تعاون كصراع الشخصيات وتعاونها في داخل الرواية. أو قد نوسع فكرة " الغموض " عند إمبسون أو نستغل فكرة " الجهد الجاهد " عند بلاكمور ونعادل بينها وبين " استغل كل ما يمكن استغلاله " وهي فكرة بيرك.
وناقدنا المثالي هذا لن يكتفي بأن يستغل كل الطرق المثمرة في النقد الحديث ويقيمها على أساس منظم ولكنه سيحتقب كل المقدرة وكل ضروب الكفاءة الكامنة وراء تلك الطرق، فتكون لديه كفاءة ذاتية فذة وعلم واسع كاف في كل هذه الميادين، وقدرة على انتحال الوضع الملائم كلما تغير الموقف، وليس على ناقدنا المثالي أن يؤدي أكثر مما يؤديه الناقد العملي فحسب بل عليه أكثر منه وان يتجاوزه مدى وبعداً وكياناً (وان يكتب خيراً منه بطبيعة الحال) . ولقد كان تصنيف النقاد في هذا الكتاب قائماً على أساس من الطرق النقدية نفسها، فإذا ميزناهم من حيث المجال التخصيصي قلنا: بلاكمور هو المتخصص في الكلمات وسبيرجن في الصور وإمبسون في الأشكال وبيرك في كلية الأثر الفني وهكذا، أما لو ميزناهم من زاوية المعرفة فإننا نقول: اليوت هو الذي يعرف الأدب إذا كان له حظ من القدم، وكودول هو الذي يعرف العلم الحديث، وبروكس هو الذي يعرف الأدباء الصغار في عصره، والآنسة بودكين هي التي تعرف الآداب القديمة وهكذا؛ فلو شئنا ان نصفهم حسب خلائقهم فقلنا: إمبسون قارئ حاذق، وبيرك
стр. 578
صاحب ومضات الذكاء، ورتشاردز معلم صبور، وبلاكمور والآنسة سبيرجن عاملان مجتهدان (كل في ميدانه) .
أما المشكلة الأخيرة التي لابد لناقدنا المثالي من أن يواجهها - وهي اشد المشكلات هيمنة - فإنها تتلخص في أن طريقة من الطرق التي طورها النقاد المحدثون لا تزال في مرحلة أولية من الكشف ولابد لمنشئي هذه الطرق من أن يتبينوا ذات يوم انهم لم يفعلوا شيئاً أكثر من خدش السطح الخارجي وأن أعمارهم لن تمكنهم من الذهاب وراء ذلك. غير أن كل طريقة يمكن امتداها إلى ما لا نهاية؛ وليس لناقدنا المثالي الهجام أن يستعمل تلك الطرق فحسب بل عليه أن ينمي كل واحدة منها تنمية بالغة فيحل مشكلات كل طريقة ويسوي بينها وبين نتائجها؛ وعليه أن يقوم بذلك كله وحده أيضا. وكل ناقد حديث من نقادنا يحتاج تلامذة ومدرسة تستمر في تطبيق طريقته وتوسيعها ولكن أن كان الطلبة لامعين خلاقين فالمشكلة انهم حتماً يشتقون لنفسهم طرقاً جديدة، مثلما فعل امبسون تلميذ رتشاردز، ويتطلبون تلامذة لانفسهم (فان لم يكونوا لامعين خلاقين فالمشكلة واضحة) . ونجد أن بلاكمور وفرغسون وسلوخور وكولي يطبقون جميعاً طريقة بيرك على مشكلات ونصوص أدبية أخرى وسيعدون تلامذة أكفاء بمقدار ما يبدونه من أصالة وخلق في ميدان النقد لا بالمقدار اتباعهم لأستاذهم وإذن فان الناس لا يستعملون نفس الطريقة بكل ما لها من أهداف وبكل ما فيها من طاقات غلا في العالم الذي يعيش فيه ناقدنا المثالي. أما في العالم الواقعي للنقد فذلك شيء لا نطيقه ولا نريده.
دعنا نجمل ما بسطناه: سيمد ناقدنا المثالي طريقته المتكاملة كلها على مدى ما تبلغه الطرق النقدية الحديثة كل على حدتها، فيؤدي في الأثر الأدبي كل ما يمكن تأديته: فإذا تحدث عن قصيدة غنائية قصيرة كتب
стр. 579
عدة مجلدات، وإذا تناول أثراً طويلا كالقصيدة المطولة أو المسرحية أو القصة انفق عمراً في درسها ولكن ناقدنا المثالي غير محدود العمر فدعنا نستغل صبره لنقيد بعض الأشياء التي يتناولها في القصيدة: سيحدثنا عم هي القصيدة أي يترجم لنا محتواها قدر الإمكان (وإذا قدرنا الإيجاز في العمل الفني عرفنا أن ترجمته إلى لغة النثر أكبر بكثير من العمل نفسه) وسيردها إلى مصادرها ومشابهاتها في آداب قديمة ويوجد لها مكاناً في الموروث الأدبي ويقارن بإسهاب بينها وبين آثار معاصرة وسابقة داخلة في الموروث أو خارجة عنه، ويحللها تحليلا وافياً بنسبة ما يتوفر لديه من أخبار عن صاحبها. فيصل بينها وبين ما يعرف من فكره وحياته وشخصيته وأسرته وما يهواه وما له من علاقات زوجية، وما يهتم به، وطفولته وعلاقاته الاجتماعية ومظهره الجسماني وعاداته. وسيجد مصادرها الشعبية ومثيلاتها ويبحث عن اعتماد صاحبها على الموروث الشعبي وما في نسيج القصيدة من تعابير شعبية وخصائص شعبية، ويكشف عن استقطابها العميق في نماذج من الشعائر البدائية المتأبدة ويفسرها نفسياً من حيث هي تعبير عن اعمق رغبات صاحبها ومخاوفه تحت مصطلح العقدة والكبت والتسامي والتعويض، وسيرى فيها تعبيراً عن " نموذج أعلى " يمثل التجربة الجماعية وتعبيراً عن ظواهر سلوكية أو عصبية أو غددية، وتعبيراً عن شخصية مؤلفها وكيانه الخلقي في سلك الجماعة، وسيصل بينها وبين أنواع من التعبير لدى البدائيين والعصابيين والأطفال والحيوانات وسيكتشف نظامها من خلال عناقيد الصور المتصلة اتصال تداعي الخواطر لا شعورياً ومن خلال مبناها الذي يمثل شعيرة نفسية ومن خلال الكليات الجشطاليتية المتصلة بكليتها ومن علاقاتها بكليات أخرى.
وسيفسر القصيدة من حيث إنها مظهر اجتماعي، تنعكس فيه طبقة صاحبها ومنزلته الاجتماعية وحرفته ويحللها بالنظر إلى العلاقات الإنتاجية في
стр. 580
عصره وبيئته وجو الأفكار التي تعيش ثمة، وجو الأفكار التي تتجاوز العلاقات الإنتاجية فتتقدم عنها أو تتأخر وسيتحدث عن النزعات الاجتماعية والسياسية التي تدعو القصيدة لها أو تقررها أو تشمل عليها وسيسلط عليها كل معدات التخصص الكبيرة أو يستغل كل ما أدي في هذا المجال، ويتابع النتائج بشجاعة غير المتخصص وخياله وسيكتشف على أوسع مدى ممكن ألفاظها والغموض في المعاني والعلاقات بين الألفاظ الهامة وصورها ورموزها وكل إيحاءاتها الملائمة وشكلها أو أشكالها ومهمة تلك الأشكال وآثارها، وما فيها من ضروب الجرس والبناء الإيقاعي وغير ذلك من التأثيرات الموسيقية وطبيعة الحركة والتناسق فيها وكل العلاقات الداخلية لكل ما تقدم من مظاهر، وسيدرس كل الأمور الواقعة خارج القصيدة مما يشير غليه القصيدة ويفسرها على ضوء تلك الأمور، وسيكتشف النزعة الموجهة - مفتاح القصيدة - الناشئة عن العلاقات المتداخلة بين الشكل والمحتوى ويلحظ مشتملات ذلك ويتحدث عن القصيدة مجرياً المقارنة بينها وبين تعبيرات أدبية معاصرة وسابقة من نفس نمطها إلا أنها وجدت على نحو آخر. وسيبحث ناقدنا المثالي المشكلة التي تدور حول ماهية الشيء الذي تحاول القصيدة نقله، كيف تنقله ولمن تنقله، مستغلا كل مصدر من الخبر ليجد ما هو ذلك الشيء الذي عمدت القصيدة إلى نقله ويختبر كل وسيلة فنية في الصنعة حتى لو أدى به ذلك إلى اختبارات المعمل ليرى حقاً ما هو الشيء الذي تنقله في واقع الأمر إلى نفوس أفراد مختلفين وإلى جماعات في أزمنة مختلفة، وسيكتشف مشكلة العمل الرمزي في القصيدة، ماذا أدت رمزياً للشاعر وماذا تؤدي رمزياً للقارئ وما العلاقة بين هذين العملين، وكيف تقوم بمهمتها داخل المبنى الرمزي الكبير الذي يمثل تطور كتابة الشاعر، داخل مبنى رمزي أكبر يمثل عصراً أدبياً كاملا. وقد يتحدث عن عديد
стр. 581
من مشكلات أخرى تشملها القصيدة، عديدة حتى إنها لتعز على الحصر وتشمل مسائل فلسفية وأخلاقية كالمعتقدات والأفكار التي تعكسها القصيدة والقيم التي تؤكدها وعلاقتها بالمعتقدات والقيم لدى القارئ وعلاقاتها بالقرائن الحضارية كما تشمل أمورا صعيرة مثل عنوان القصيدة أو بعض ملامح الكتابة والتهجئة والترقيم. وسيضع القصيدة في مكانها من آثار صاحبها من كل زاوية (ولذلك عليه ان يعرف كل ما ألفه صاحبها) ، ويواجه مشكلة الظروف التي ولدت فيها القصيدة ويتحدث عن الملامح المتفردة في أسلوبها وما تعكسه من فكر وشخصية عكساً متفرداً. وفي النهاية يعمد ناقدنا المثالي فيقدر القصيدة من الناحية الذاتية على أساس من كل ما وصفناه، ويقوم أجزاءها من الناحية الجمالية من حيث علاقتها بالغاية والمجال وقوة الغاية نفسها، ودرجة استكمالها لعناصرها، ويضع قيمتها إزاء قيم مثيلاتها مما نظمه صاحبها نفسه أو نظمه غيره، ويقدر ميزتها في الحال وفي الاستقبال ومقدار سيرورتها ويحدد جانب التقريظ وجانب الذم وإذا شاء فان له أن يقدم نصيحة حول القصيدة للقارئ أو للشاعر. وإذا شاء أيضاً فله أن يتحدث عن معلوماته التي جمعها وآرائه التي كونها من حيث علاقتها بالمعلومات والآراء لدى غيره من النقاد مثاليين كانوا أو غير ذلك. وبعد ذلك يحق له أن يمسح العرق عن جبينه ويتنفس الصعداء ويتقدم لمعالجة قصيدة أخرى.
٢ - الناقد الواقعي
إن صورة ناقدنا المثالي هذه شقشقة لسانية فحسب ولكنها شقشقة مفيدة فيها سمو المثل الأفلاطونية واستحالتها معاً، فلنحطم هذه الصورة ولنعد إلى عالم الحقائق ومجال الإمكانات العملية التي هي في طوق الفرد
стр. 582
من بني الإنسان؛ ونحن إنما نريد طريقة متكاملة فلنقل أن قسطاً صالحاً كبيراً من التكامل ممكن وإنه في طوق إنسان واحد أن يستعمل عدداً من الطرق والمذاهب. خذ مثلاً كنث بيرك، تجد أن هذا النقد قد أدى بين الحين والحين كل " الأدوار " التي يشملها النقد الحديث كما أدى إلى جانبها عدداً من الأشياء الأخرى المتصلة بها، وقد كان نصيب رتشاردز وإمبسون وبلاكمور أقل من ذلك لأنهم لم يكثروا من التركيب بين الطرق النقدية، وجنحوا وبخاصة بلاكمور إلى أداء شيء واحد في وقت واحد حسبما يتطلبه الأثر الذي ينقدونه، وهؤلاء هم خيرة نقادنا، وقد كان التكامل في أعمالهم موفقاً ناجحاً ولكنهم حادوا عن التكامل الكلي النظري الذي يحتاج جهوداً لا حد لها، وكانت قاعدتهم في ذلك: ١) ألا يتابعوا باستقصاء كل وسيلة من وسائلهم إلى آخرها وإنما يتابعونها إلى حد ما يقفون عنده إذ يجدونها توحي بإمكانات جديدة وراء ذلك، ٢) وأن يلحوا على تلك الوسائل التي تبدو مثمرة في معالجة أثر معين دون غيرها، ويهملوا أو يقللوا من شأن الوسائل الأخرى - مؤقتاً - لأنها أقل ثمرة ولكنه قد يستغلون ما أهملوه أو قللوا من شأنه في مناسبة أخرى. غير أن خيرة نقادنا هؤلاء لم يستطيعوا حتى في ضمن هذه الحدود أن يجدوا ندحة في الزمان والمكان تمكنه من أن يتعمقوا حسبما يرغبون لأن باعهم في العلم والمعرفة مهما اتسع لا في بما يريدون، وسيغدوا من العسير في المستقبل أن يتقن الناقد كل فرع من فروع المعرفة يفيد في ميدان النقد الأدبي بل انه سيغدو حتماً أمراً مستحيلا، وستنمو العلوم الاجتماعية نمواً كبيراً في عاجل الأيام أو آجلها حتى أن دراسة فرع واحد منها تستنزف العمر كله إذا أريد تسليطها على النقد الأدبي ولن يبقى لدى الناقد إلا وقت قليل للتعرف على الأدب نفسه، ولا ريب في أن الناقد البيكوني الذي يحيط بكل أنواع المعارف هو الأثير المفضل
стр. 583
لدينا، غير أن الناقد البيكوني لا يستطيع أن يعيش في عصر يدق فيه التخصص على مر الأيام.
إذن فلنقل أن الناقد المتخصص هو الذي يستطيع أن يستغل طريقة واحدة مطورة موسعة. ولكن نقادنا المعاصرين لا يشأون شأو النقاد البيكونيين، ونحن نحس أن ضيق التخصص لديهم يجعلهم مشوهين للأدب لا سداد في أيديهم. وهم أحد اثنين في الغالب: محدود الآفاق يستطيع أن يؤدي شيئاً واحداً أداء جيداً ويعجز عما عداه مثل أدموند ولسن في التفسير وفان ويك بروكس في كتاب التراجم؛ أو متخصص في ميدان خارج عن ميدان الأدب مثل تخصص مود بودكين في التحليل النفسي وكودول في الماركسية والآنسة رورك في أمور الفولكلور. ومثل هؤلاء النقاد الذين يحسنون طريقة واحدة مطورة يفيدون أشد الإفادة في حالين، أما حين يتخصصون في الأدب الذي تلائمه طريقتهم ومعارفهم كتخصص مدرسة كمبردج في دراسة الأدب الإغريقي، لأن الصلة بين هذا الأدب وبين التفسيرات الشعائرية وثيقة قوية؛ وأما حين يتخصصون في تلك الجوانب من الآداب التي أن سلطوا عليها مبادئهم وأفكارهم وضحتها وجلتها كما يفعل النقاد النفسيون والماركسيون (أو كما يجب أن يفعلوا) .
غير أن هذين النوعين من التخصص النقدي في حاجة إلى شيء آخر ليجعلهما مثمرين، وهذا الشيء هو العمل التعاوني في النقد أو سمه النقد الجماعي، وهذا هو الأمل الذي داعب اليوت في عهد مبكر، فعبر عنه في مقال " تجربة في النقد " بمجلة Bookman، تشرين الثاني ١٩٢٩ إذ قال أنه " تعاون النقاد ذوي الدربة المختلفة ثم قيام أناس لا هم مختصون ولا هواة باستخلاص ما يسهمون به وتكديسه وتصنيفه ". وقد نسمي هذا النقد الجماعي باسم " مأدبة " Symposium وهي لفظة لا تزال تحمل في تركيبها حروف " أد ب " مهما تبتعد إيحاءاتها. ولدينا أمثلة من هذه
стр. 584
" الموائد " النقدية في كتب نشرت بعضها قام به متخصصون وبعضها يتناول موضوعات خاصة ومنها ما يدور حول بلد أو فترة من الفترات ومنها ما يتعلق بشخص واحد في عيد ذكراه، ومنها عدد من أعداد إحدى المجلات يخصص لدراسة أديب واحد أو يخصص لدراسة أثر واحد لأحد الأدباء، وهناك " المآدب " الغنية الحافلة و " المآدب " الفقيرة الخادعة.
واكبر خطأ يعتور هذه الأنواع جميعاً وبخاصة الأخيرة منها أنها لا تحفل بالتخصص الكافي ذلك لأن اختيار الناقدين المسهمين في مثل هذه المجموعات إنما يكون عرضاً واتفاقاً فيجيء التداخل في مقالاتهم ولا تتمثل فيها جميع المذاهب ووجهات النظر وفي بعض الحالات تجدهم يحاولون أن يحشدوا في المجموعة كل ما يمكن حشده فلا يلتقي النقاد حول الموضوع نفسه أبداً فتفقد المجموعة قيمتها الحقيقية، إذ ليست قيمتها في اختلاف المادة وغنما في اختلاف أساليب التناول للمادة نفسها. فالمجموعة الناجحة نجاحاً تاماً هي التي تتضافر فيها أقلام المتخصصين، على نحو مخطط منظم، ثم بأن ينشئوا خطوط تخصصهم على أساس من الطريقة لا الموضوع. وفي الوقت نفسه تشجع مثل هذه المجموعة المسهمين فيها على اقتسام العمل وتوزيعه لان كل واحد يلتزم الاتجاه النقدي الذي يسير فيه فيؤدي شيئاً واحداً دون ما عداه. حقاً أنها قد تجعل النقاد المحدثين اشد تحيزاً ومحدودية وتخصصاً وأقل اكتمالا ولكنهم يكسبون في جانب العمق ويعوض أحدهم ما لدى الآخر من نقص فيتوفر لدى المهمة النقدية فضائل المجال الوسيع والاكتمال وهي فضائل لا يقوم بها واحد من النقاد إلا تلبست به السطحية.
هل يمكن أن يتحقق هذا عملياً؟ نعم في ناحيتين: أولا: المجلة فإنها قد تخصص بعض أعدادها لدراسة شخص واحد أو موضوع واحد، ولو
стр. 585
سلمنا بان التنظيم والتخطيط شيئان مثاليان فأن نقص المجلات أنها لا تستطيع أن تسيطر على هذا الأمر سيطرة تامة لان بصحابها لا يستطيعون أن يضمنوا اكتتاب كل ناقد، فهم يرضون بما يحصلون عليه وهم لا يستطيعون أن يفرضوا حدوداً صارمة في الموضوع أو الطريقة على النقاد المحترفين الذين قد يخرجون عن تلك الحدود استطراداً، وليس لديهم المال الذي يغرون به الناقد على التزام الحدود، ثم أنهم لا يعرفون على وجه الدقة مَن من النقاد يحسن هذا خيراً من سواه، وهم مقيدون بالقدر الذي يتقبله قراؤهم من النقد وهم أحياناً يملأون الفراغ ليخرجوا بمجموع كامل وإذن فالحاجة ملحة إلى مجلة جديدة تسمي نفسها " الناقد " أو " مأدبة " النقاد تكرس نفسها لدراسة جماعية حول رجل أو كتاب أو قصيدة في كل عدد وتحصل على نقاد مختصين وتدرب بعض النقاد وتفوز بإيجاد نقاد مستقلين يوجهون أعمالهم لخدمة أغراضها، وقراء يحبونها، فمثل هذه المجلة يحل بعض المشكلات ويبقي بعضها الآخر دون حل (١) .
وثانياً: هناك الجامعات التي تملك المال والرجال لتحقيق مثل هذا الهدف وهي معتادة لشئون التخصص من كل نوع. أما هل تقبل الجامعات أن تشغل نفسها بنشاط كالنقد على شكل مجلة أو سلسلة من الكتب أو حتى بتنظيم دراسة الأدب فيها على هذا النحو فذلك شيء آخر. ومن الدلالات المشجعة في هذا المجال نشر مطبعة برتسون لعدة سلاسل من البحوث في الأدب والعلوم الإنسانية منها: " غاية الفنان " و " غاية الناقد " و " لغة الشعر " وكل نشرة منها مجموعة طبية تعاون على إخراجها أربعة أو خمسة من الثقات المختصين. ومن المشجعات أيضاً ما
стр. 586
قام به المعهد الإنجليزي من إنفاق على محاولة في النقد التعاوني الجماعي، ففي خلال أسبوع من أيلول ١٩٤١ عقد فصل دراسي بجامعة كولمبية تحت إشراف نورمان هولمز بيرسون الأستاذ في ييل وتحدث فيه أربعة من النقاد إشراف نورمان هولمز يرسون الأستاذ في ييل وتحدث فيه أربعة من النقاد كل لمدة ساعة عن قصيدة واحدة في أربعة أيام متعاقبة وهم هوراس غرغوري وليونل ترلنج وكلينث بروكس وفردريك بوتل (ودعي ناقد خامس هو مورتن داون زابل فلم يستطيع الحضور) وكانت القصيدة هي Ode on Intimations of Immortality لوردزورث وكان الحاضرون مائة أو نحوها ولم أكن أنا شاهد تلك المحاضرات ولكني اقدر أن الإخفاق كان نصيب هذه المحاولة لضيق في مجال الموضوع مستنتجاً ذلك مما كتبه عن هذه المحاضرات دونالد ستوفر في رسالة بعث بها إلى مجلة كينيون، شتاء ١٩٤٢. ومن المشجعات أيضاً على نطاق أوسع وجود عدد من أساتذة الجامعات الأميركية ومنهم الأستاذ ليونارد براون بجامعة سرقوسة وهو الذي تتلمذ عليه المؤلف) يدرسون طلبة الآداب في المراحل العليا على طريقة " المأدبة " فيعالج كل تلميذ موضوعه مدة طويلة من الزمن من زاوية مختلفة وعلى نهج مخالف ثم ينظم الأستاذ ما صنعه تلامذته ويجمعه. وليس يخطر لي مجال آخر سوى المجلات والجامعات لتحقيق هذه الفكرة. نعم هناك الراديو والأحاديث التي قد تدور فيه حول موضوع معين ولكن الجماهير تميل إلى التبسيط فيخرج أمثال هذه البرامج ضحلة تافهة.
ومن الآمال الكبرى التي تعلق على النقد التعاوني الجماعي انه سيعد لمباشرة الآثار المعقدة التي لم يوفق الفرد الناقد في معالجتها وأبرز أمثلتها موبي ديك. وقد قال ماثيسون في مقدمته على كتاب " النهضة الأميركية ": " لم أر عن موبي ديك شيئاً مطبوعاً ذا حظ من النفاذ والإسهاب "، وهذا اقل من الحقيقة بكثير إذ كان من حقه أن يقول انه ليس لدينا عن هذه القصة إلا ما هو سطحي محدود. وبنسبة اقل يصدق هذا الحكم على كل
стр. 587
الآثار الأدبية العظيمة، فكل النقد من حولها متخلف.
وكل الأعمال الأدبية العظيمة وكل الروائع في الأثر الأدبي العظيم وكل الأدب الحديث الجاد - كل هذه ذات مستويات متعددة، ولذلك يجب أن يكون لدينا نقد متعدد المستويات ليستطيع معالجتها، وهذا معناه ان الناقد الذي يتمرس بأي اثر منها مستعملاً أي معجم من الألفاظ لابد من أن يعود لنا بمعنى يمكن نثره وبسطه بعون من ذلك المعجم، وقد ازداد إدراك هذه الحقيقة في أيامنا هذه سماها شارل بودوان " التوازي المتكثر " وسماها رتشاردز " التعريف المتكثر " أو " التفسير المتكثر " وهي موضوع كل ما كتبه رتشادرز، وسماها بيرك " العلية المتكثرة "، وقال إنها " مجموعة من الدوائر المنداحة تبدأ من أخص الخصوص وتبلغ حتى المبادئ المطلقة في العلاقات ". ويعمل إرك فورم على هذا المبدأ نفسه وهو يفسر كافكا بمصطلح نفسي واجتماعي وديني مثلما يحاول هاري سلوخور أن يقرأ مان وغيره بمصطلح نفسي واجتماعي وفلسفي، وكذل يحاول تروي الشيء نفسه وهو يقرأ بعض الأدباء قراءات ميثولوجية ونفسية واجتماعية، مثلما يحاول أيضاً أن يستعيد " المستويات الأربعة " للمعنى، وهي مما لدى أهل القرون الوسطى، ومثله في ذلك أيضاً جاك لندسي في قراءاته الماركسية والنفسية والانثروبولوجية، وغير هؤلاء كثيرون يباشرون الأثر الفني على مستويات متعددة ويقرأونه قراءات متكثرة.
وسواء أسميت هذا النوع من النقد مجمعاً أو مكثراً أو متعدد المستويات فمن الواضح انه لا يفتأ يزاد قيمة وأهمية. وقد نسميه إذا شئنا " النقد الاستمراري " ونترك مجالاً لكل مستوى ممكن ان ينضوي تحته سواء أكان مستوى فردياً ذاتياً أو اجتماعياً موضوعياً غير ذاتي (وهذان هما الطرفان المتباعدان لمختلف المستويات) ، فإذا أضفنا إلى ذلك اللاوعي
стр. 588
الجماعي الذي يقول به يونج ربطنا بين طرفي هذا الاستمرار ربطاً دائرياً. فمثلا نتخذ رمز اليوت في " اليباب " رمزاً للعمق البعيد والتركيب الشديد. ونقرأ هذه القصيدة على أي مستوى مستغلين أي معجم: ففي المستوى القريب يراها الفرويدي رمزاً للخصاء والعنة، وعلى مستوى أعلى يراها النفسيون بعد فرويد رمزاً للخوف من العقم الفني، وفي المستوى العادي للحياة اليومية يراها من يكتبون التراجم مثل بروكس رمزاً لأليوت نفسه قبل أن يتحول للمذهب الكاثوليكي، وعلى مستوى اجتماعي أعلى يراها ناقد مثل بارنغتون رمزاً لحياة الفنان الخاوية، أو صورة من حيرة الطبقة العليا؛ ويراها اليوت نفسه ممثلة للادينية الطاغية على هذا العصر، أما في المستوى التاريخي الواسع فإن الماركسي يبصر فيها انحطاط الرأسمالية؛ ويراها الآخذ بمصطلحات يونج الرمز الشعائري الأعلى للولادة الجديدة. كذلك هي أيضاً حال رمز مينهير بيبركورن في " الجبل السحري " من تأليف مان فإنه قد يرمز لأشياء كثيرة ابتداء من الأب الأوديبي خلال الشخصية المنافسة القوية إلى رب الزرع. ثم إن فكرة هتلر عن الوحدة الألمانية في " كفاحي " قد ترمز إلى أمور كثيرة أيضاً أدناها الأم الأوديبية وآخرها أحداث تاريخية مثل ابتلاع النمسة وتشيكوسلوفاكية وغير ذلك. ففي الرمز أو الأثر ذي العمق معان كثيرة بعدد ما يستطيع النقاد أن يجدوه من مستويات أو معجمات يعبرون بها.
ولهذا النقد المتعدد الجوانب والمستويات فائدة أخرى نوضحها على النحو التالي: إن النقد الإيطالي قد أهمل جانب الملهاة ذات يوم، وإن النقد الذي يتناول عصر اليزابث، قد تغافل عن شيكسبير والدراما الاليزابيثية في وقت من الأوقات، هذان مثلان اثنان فقط وهما نقد يوحيان للناقد أننا أيضاً نهمل بالمثل آثاراً أدبية وأشكالا أدبية كاملة وأن
стр. 589
ما نهمله قد يكون أعظم قيمة مما نعالجه، ويدرك الناقد فزع شديد لهذه الحقيقة ثم ينظر إلى السينما والقصة البوليسية والمذياع والكتاب الهزلي وهي الميادين التي تصلح لهذا الشكل الفني الذي توهم إغفاله، فيخف فزعه ويتسهل جزعه إلا أن لهذا الفزع مغزاه، فإن الذي يزعج طمأنينة الناقد هو اتساع مسؤوليته وضخامتها فهو وحده، ولا عون له إلا معرفته الحارس الوحيد للفن وأبوابه السحرية. فماذا يفعل الناقد التعاوني الجماعي؟ إنه لا ينشئ قراءات ومعاني متعددة فحسب ولكنه أيضاً يكسب لها جميعاً جمهوراً محباً لتلقيها قادراً على محاكمتها، أي أنه يكثر المعاني والقراءات وفي الوقت نفسه يجعلها محطاً للجدل والحوار وتتعاورها الأفكار المتعددة ومن تعدد الأفكار بل من كثرة الأخطاء ينبثق الصدق وهذا شيء قد أدركه العقلاء منذ عهد أفلاطون وحوارياته. فتركيب هذه الطريقة النقدية ليس تكثيراً بسيطاً أو تعدداً في الجوانب أو خلطاً فوضوياً وإنما هو صراع ديالكتيكي أصيل ومن هذا ينبثق الصواب وتتبلج الحقيقة. وقد نحصل على هذا التركيب لدى ناقد واحد أو في جماعة من النقاد ولكن يجب أن نحصل عليه على نحو حال. أما " نحصل " هذه بصيغة الجمع فإنها تعني العالم كله، إذ حيثما كانت الحقيقة ممكنة الظهور فنحن جميعاً نقاد بالضرورة.