← Адаб

Адаб · id 1010

النقد الأدبي ومدارسه الحديثة

ستانلي هايمن

Полный текст (589 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

والعبور والترحل والطيران) ويتضمن الجبل عناصر من الزنا بالمحرمات لأنه يرمز أحياناً إلى الأم كما يرمز الثلج على الجبل إلى العنة وإنها عقاب ينزل بمن يقترف ذلك الإثم. وكذلك هو رمز الهوة فإنها تجمع بين الرحم والشرج، والثاني يجمع كل عناصر التطهر عن طريق التحلل والتعفن ". إذن فعلى هذا ينزع كل عمل فني إلى أن يكون شعيرة موت أو ولادة جديدة مع تغيير في الهوية، وهو تنظيم على هذا النحو أو ذاك بحسب ما يقلبه الفنان أو يرفضه من رموز التسلط. وبهذا الفهم يحلل بيرك ما لا يحصر من الأعمال الأدبية، ومن أكثرها توضيحاً لمبدأه هذا تحليلاته للرموز في أدب توماس مان (وكان مان من احب الأدباء إلى نفسه في كل مراحل حياته) . مثال ذلك انه يرى في " الجبل السحري " شعيرة ولادة جديدة، ويرى هانز كاستروب مهيئاً للعودة إلى المجتمع في النهاية بعد ان قضى سبع سنوات على جبل الأمومة وكان عقابه على ذلك الخصاء الرمزي والموت والولادة الجديدة، إذ قدر له وجود جديد في منظر الثلج - وهذه هي الشعيرة التي عاش فيها مان نفسه وانتحل وجوداً جديداً فاصبح من مشايعي القضية الألمانية في الحرب العالمية الأولى بعد أن كان مسالماً حر الاتجاه. أما " موت في البندقية " و " ماريو والساحر " فإنهما شعيرتان من شعائر الفداء والتطهر لنفس مان الفنان؛ ففي القصة الأولى كان عقاب الأثم الشهواني الذي يمثله آشنباخ هو الموت وفي الثانية قسم مان وجود الفنان شطرين شطر يمثله سيبولا وهو الفنان الردئ، شهوي ومجرم ورمز فاشي وعقابه الموت، وشطر يمثله سارد القصة وهو الفنان الطيب وقد تخلص من الإجرام بسبب موت سيبولا، ولذلك سحره القاص في النهاية مبرأ من العقاب. وأما القصص التي تتناول " يوسف " فإنها ولادة جديدة في الهوة كما إن " الجبل السحري " كان رمز ولادة جديدة على الجبل. وفي هذه القصص انتقل مان إلى جماعية أرحب من

стр. 527

القومية الألمانية السابقة وتطهر من إجرامية الفنان وتخلص منها فاحتقب إجرامية أوسع وهي ازدواج الجنس عند النبي صاحب الفيض والإمداد، ومن هذه النزعة تخلص أيضاً في النهاية. ويجمل بيرك رأيه في طبيعة الشعائر الأدبية عند الأديب بقوله: إن تغيير الهوية، وهو العمل الذي يجعل من الأديب شخصاً آخر، ويحفظ له ذاته في الوقت نفسه يمنحه تعقيداً كثيراً في الأحداث، أي يجعله يراها كذلك حتى إنه ليرى " الخبايا التي في الزوايا " ويوشحه بشيء من استكناه الغيب ويمنحه قوة البصيرة، ولا يعنينا هنا أن تكون بصيرته هنا على صواب أو خطأ وإنما الذي يعنينا إنها موجودة هنالك. وهذه البصيرة إما أن تجعله أحكم مما هو أو أشد حمقاً ولكنها في الحالتين تمثل القاعدة التي تنبني عليها فروع عمله وتشعباته ولذلك ترى إن يوسف في قصص مان لم يكن مهيأ النفس للنبوة - أي لارتفاع درجة البصيرة والكهانة عنده - إلا بعد أن ولد من جديد في الهوة. والولادة الجديدة تعني التكيف للتواؤم مع المجتمع لأنها شعيرة تمكن الشاعر من أن يقبل الضرورات التي خلقتها في طريقه مشكلات العرب والتشاريع. وفي الولادة الجديدة عنصر من التراجع يسبق الانبثاق، وهذا التراجع يشمل معنى عودة الجنين إلى الرحم، و " الثورة الأولى " التي أحدثها الجنين حين أحس أن كهفه أصبح له سجنا ومن ثم فإنك حين تختبر هذه الشعيرة تجد رموزاً مثل " الهوة " ممثلة للعودة إلى الرحم والعودة من الرحم. وهذا يشمل أيضاً الرهبة والخوف من " الزنا بالمحرمات " لأن الذي كبر في السن يستطيع أن يعود إلى أمه عودة المحب لا عودة طفل لم يخبر بعد النواحي الجنسية؛ وهو أيضاً يشمل الشذوذ الجنسي، رمزياً كان ذلك الشذوذ أو حقيقياً، لأنه يمثل ثورة على " قطبي " العلاقة بين الأب

стр. 528

والأم، ولأن طرح نير الرموز المتعلقة بالتسلط يساوي الذبح الرمزي للأب؛ وكذلك يشمل أيضاً رمزية الخصاء ومشمولات من العنة عقاباً على الأثم الرمزي؛ وقد تشمل العنة أيضاً شيئاً من صور " الخنثوية " لتغير في الهوية أحدثته تلك الشعيرة. والأشكال الأدبية نفسها أعمال رمزية فالتراجيديا شعيرة من شعائر التكفير والفكاهة شعيرة لتخفف من عبء الموقف والهجاء تفريغ لرذائل اللذات على " كبش فداء " ثم التضحية به للتخلص منها. بل إن الأديب ليعبر عن نفسه رمزياً بما يختاره من موضوع فيعبر عن عمق التعاطف في نفسه حين يقتبس من أدباء آخرين ولو كان هو يهاجم، وهو يكتب ما " يسند وجوده ". بل أن أشد المظاهر مسحة عقيلة تتضمن عناصر رمزية كالذي يلحظه بيرك في فلسفة هيوم وبنثام وإنما فلسفة " عازبين " أو قوله إن جهود باستير في التعقيم تتضمن رموزاً من التطهر والخصاء. بل إن أسوأ أي الآثار الأدبية وأتفهها تتضمن مثل تلك العناصر الرمزية فتنبئ عن الحقيقة رغماً عن أنف كاتبيها. ويقول بيرك، كأنما يردد فيما يقوله رأى بليك في ملتن وأن ملتن كان من حزب الشيطان حسبما صوره في الفردوس المفقود - يقول: قد يعلن الكاتب إنه يساند هذا الرأي أو ذاك فإذا قرأت آثاره وجدته يعلي من شأن العاندين المعادين لذلك الرأي يصورهم بأحسن مما يصور معتنقيه. وهنا تمكن حقيقة موقفه في ذاك الرأي. ويقول في موضع آخر: إذا عددنا مجموعات الصور وجمعناها معاً اهتدينا إلى العناصر الهامة المختفية في اللجج الرمزية، وعندئذ استطعنا أن نكشف عن " الموقف الحقيقي " للمؤلف، حيث يفتضح الكذب ولا ينطلي على أحد. فإذا جعل الكاتب شخصياته الفاضلة

стр. 529

بليدة وصور شخصياته الشريرة بقوة فإن فنه قد انحاز إلى جانب الأشرار بالرغم من " موقفه المزور " الذي يعلنه على الناس. وإذا تحدث كاتب عن " المجد " واستخدم في ذلك صور " الدمار " حكمنا إن موضوعه الحق هو " الدمار ". كيف نهتدي إلى الكشف عن العمل الرمزي في آثار هذا الفنان أو ذاك؟ يقول بيرك: نهتدي إلى ذلك بطريقتين: الأولى، أن نختبر النظام الداخلي ونرى السياق فيه، وأي تابع لأي متبوع بذلك نكشف عن محتوى الرمز بكشفنا عن الوظيفة التي يؤديها وذلك يكون بالتحليل المجاري كأن نلحظ طبيعة الصور التي يستعملها الأديب؛ والثانية: أن نفسر المضمون الرمزي في أحد الكتب بمقارنته إلى الرموز المشابهة في كتب أخرى. وأوضح الدلائل الهادية هي مجموعات الصور أو الرموز وبخاصة في التداعي، الذي يقود حتماً من صورة إلى أخرى - وهذا يشبه ما فعلته كارولاين سبيرجن في دراسة شيكسبير وما قام به آرمسترونغ في دراسة في هذا الميدان نفسه - وقد يلج الإنسان إلى ربط الرموز على خط غير مستقيم، وهناك أمور هامة لابد من ممارستها، منها عناوين المؤلف، فقد لحظ بيرك مثلاً أن هويسمان حين انتقل من المذهب الطبيعي إلى الكاثوليكي كانت كل عناوينه أثناء اعتناق المذهب الأول والثاني " أسماء ". أما عناوين كتبه في فترة الانتقال فكانت " حروف جر ". ومن الأمور الهامة أيضاً البدء والختام، وتوقف الاستمرار على نهج واحد كالانتقال من الشعر إلى النثر أو عدم استيفاء المجاز أو عدم استيفاء المادة نفسها بل إن التوريات والعلاقات الصوتية ذات أهمية رمزية [كالذي يجد في كلمة حضرموت إيحاء بمعنى الموت فلا يسافر إليها] . بل يغالي

стр. 530

بيرك في هذا فيرى في ترديد حرف مثل " م " معاني، ويرى في ترديد حرف مثل " ك " معاني أخرى وهكذا سائر الحروف. ثم أن التاريخ نفسه هام في الهداية إلى العمل الرمزي ولذلك يتحدث بيرك عن تنقل شيكسبير من مجموعة صور إلى أخرى ويحاول أن يقرن ذلك إلى نقطة تحول في التاريخ نفسه. وفي آخر الكتاب ثبت بالمصطلحات التي استعملها بيرك وتفسير لها. وقد عمد عمداً إلى وضعها حيث وضعها لأنه يرى أن الترتيب المعجمي معكوس فلابد لك لكي تدرك معاني الكلمات التي تبدأ بالهمز من إدراك معاني الكلمات التي تبدأ بالحروف المتأخرة، ولذلك فهو لا يعرف مصطلحاته إلا بعد ان يجريها في الاستعمال. ويقول في هذا: " لقد رأيت في هذا المقام ان أدع للقارئ ان يلتقط ما استطاع التقاطه من معاني المصطلحات، فأجريتها في الاستعمال لتكشف هي بذاتها عما أردته لها. أي إنني أريد لها أن تشف وتوحي وان تزداد دلالة على المعنى كلما كثرت صفحات الكتاب، ولذلك عمدت إلى وضعها في قرائن مختلفة. ومن ثم أخرى التعريفات حتى النهاية لان كل مصطلح حينئذ قد ينكشف لعيني القارئ من خلا معرفته للمصطلحات كلها على ذلك النحو المتدرج ". وهذا عمل إليه بيرك كثيراً أي أنه يضع معجماً من المصطلحات ويلحقه بكل كتاب من كتبه ليجمل فيه فحوى ذلك الكتاب إذ أنه يعتقد أن آراءه مصطلحات. وقد وضع في كتابه " التغير والثبات " معجماً يضم كل الأفكار والمبادئ التي استحدثها حتى عام ١٩٣٧ مثل: الهوية. طقوس الولادة الجديدة، الصلاة الدنيوية، التجريد، العناقيد، الجوهر. الصور. حياة الخير. مشكلة الشر. المنظور من خلال التباين. ومن هذا ترى ان بعضها رمزي وبعضها مصطلح نقدي وبعضها يعبر عن نظرات اجتماعية

стр. 531

ومنها ما هو عام لا يحد بصفة واحدة. وليس لدينا من طريقة نعرض بها هذه المصطلحات أو نلخصها وخير ما يستطيعه القارئ ان يرجع إليها مصحوبة بقرائنها في كتبه. ولنمثل على مصطلح واحد منها هو مصطلح " الطائفة ": يقول بيرك: " أن من يهديهم خطر التعقب والإحراج والمطاردة يردون على هذا الخطر بتكوين تجمع جديد، ويمدهم تعاونهم بقاعدة جديدة يتمركزون فيها، ومنها يهجمون على أعدائهم ليسرقوا منهم رموز السلطة المقررة. والطائفة مهددة دائماً بالتقسيم السلبي ما دامت تعيش على عناصر الرفض. وقد وضح ترولتش الدور الذي لعبه تعلم القراءة والكتابة في الطائفية لان الطائفية تفكير " عصبة محدودة " ولا يتم لها التعبير الكامل عن ذاتها إلا حين تنضم إليها مثيلاتها. أما انتشار القراءة والكتابة فأنه خلق عصبة جديدة ذات تفكير جديد لان المرء يجمع " عصبة " من خلال القراءة ولو كان أفرادها موزعين في كل أرجاء المعمورة وفي كل فترات التاريخ. وقد كان القرن التاسع عشر زاخراً بعصب الطائفية من فئتي الماديين والروحانيين وكانت هنالك أيضاً عصائب النظم العلمية، وكان الرجل يكيف ذاته بالانتساب إلى عصبة أو أخرى من تلك العصائب المتعاونة على أهداف غامضة غير محددة ". وبين المصطلحات والأمثلة عند بيرك فرق واضح. فمصطلحاته تذهب في التجريد إلى حد بعيد حتى إنها تعجز عن أن تطيف بالسلوك الأدبي أو الاجتماعي، أما أمثلته فإنها دائماً أدبية، وهي مستمدة من القديم والحديث على السواء. وكتاب " نزعات نحو التاريخ " مهتم كثيراً بتصنيف النزعات ووضع مصطلحات - أو معجم - للدوافع، أي انه مهتم بالمادة الأدبية والبلاغية الجدلية ويعتمد في المادة البلاغية الجدلية على بنثام وماركس وبيرس وفبلن

стр. 532

ومالينووسكي. وقد وضح بيرك في الوقت نفسه انه ليس هناك أي تقرير عن الدوافع إلا وهو نفسه عمل رمزي، ولذلك مضى في الكتاب يتحدث كيف ان نظرياته ومصطلحاته تعبر عنه أيضاً بطريقة رمزية فقال إن شغفه بالحديث عن البيروقراطية إنما يصدر عنه لان فيه ترديداً لاسمه - بيرك -. وعد ألفاظاً كثيرة يؤثرها لأنها تبدأ بحرف P -[الشعر] متكأه للرفض بل يراه مرادفاً لمبدأ الرفض. وينبه إلى شغفه بكلمة " تحول " وأنها تعبير رمزي عن معاني التغير والأثم والموت والشهوة. وهو يؤمن أن اتخاذه تعبير " المنظور من خلال التباين " يرمز إلى الخصاء الرمزي بل يرى بيرك أيضاً معاني رمزية في الألقاب التي اسبغها على أطفاله، ويقول: حقاً أن مثل هذه الأمور ترسل إشعاعاتها في اتجاهات عدة؟ فنحن نستطيع أن نعتبر المبادئ النقدية رموزاً؟ وقد استغل بيرك دوافعه وتجاربه الماضية واعمل فيها النظر الممعن فلحظ في " الثبات والتغير " كيف غضب وهو طفل حين سمع أن الأسود من فصيلة القطط لأنه كان يظنها أنقى واكبر نوعاً من الكلاب، واتخذ في (فلسفة الشكل الأدبي " اسماً لإحدى شخصيات قصصه وكان ذلك الاسم يذكر بكلمة نابية. وهذه حيلة بل خدعة نقدية استعملها بيرك، اعني انه بالكشف عن المعاني الدقيقة في آثاره وكتاباته يستطيع أن يزاول هذا نفسه في آثار غيره دون ان يتهم بمجاوزة الحد، بل يجد عمله ما يبرره ويقويه. ولا ريب في أن بيرك لا يبرهن على شيء جازماً فهو يوحي ولا يقرر، ومع الزمن تصبح كشوفه قيمة لأنها استبصار ونفاذ في آثار هذا أو ذاك من الشعراء والنقاد ولكنها لا تصلح أن تتخذ مقياساً عاماً. ويقول بيرك في الحديث عما وراء دوافعه الذاتية هو من عوامل وتيارات:

стр. 533

" كأنما نحن نبيح الناس أن يسلطوا العيون على المكنونات ليثيروها من مكامنها؟ ونحن نؤمن أن آثار كل امرئ يمكن جلاء مخبآتها أن اشتملت إخلاصاً في التنظيم؟ بل أنا لنرضى ان نكشف عن ما فيها إذا تقدم إلينا صاحبها وقال لنا أتحداكم لأن كتاباتي ليست غلا محض هراء ببغاوي. وأقول: ان كل شخص يستطيع أن ينتحل الزيف والدعوى في الظاهر. أما في أعماق صدره فليس ثمة مسرب للكذب لأن الفيلسوف أو الأديب الغارق في حومة الموضوع لابد له من تنظيم تعبيره عنه، ولا بد لتعبيره ذاك من أن يحتقب هذه العمليات النفسية، ذلك حتم لا مفر منه إلا أن كان للأديب جسم من نوع آخر يخالف أجسام الناس الآخرين فان شاء فيلسوف أو ناقد مستنير أن يتحدانا وزعم ان ما ينشئه لا يتموج من تحته تيار، قلنا له رضينا ان ندلك عليه وأخذنا في تتبع المعالم والدلالات ". وما أظن أحداً تحدى بيرك في هذه الناحية ولذلك فنحن قد خسرنا البرهان الذي يقنع المتشكك، وحصلنا على البرهان السلبي الذي يقدمه إحجام المحجمين عن التحدي. ٣ - في أساليب بيرك إثارة وطرافة ولكن لا يحسبن أحد أن دراسة الأدب من طريق العمل الرمزي حديثة خالصة، فهي ذات أصول قديمة. فمثلا موقف أفلاطون من الشعر وانه يحدث أثراً سيئاً في الجمهور، يعتمد في معظمه على العمل الرمزي في ذلك الجمهور. ويقول أفلاطون في الجمهورية على لسان سقراط: " في المصائب نشعر بجوع طبيعي ونرغب في أن نتخلص من أحزاننا بالبكاء والنواح، وهذا الشعور الذي قد نضبطه عند المصائب يغذيه الشعراء ويثيرونه ". أما أرسطوطاليس فانه مفترع هذا

стр. 534

اللون من النقد أيضاً فقد أكد قيمة العمل في المسرحية ونص في كتاب الشعر على ان " السعادة والشقاء ليسا حالين موجودين معنا وإنما هما شكلان من أشكال الفعالية وأن كون المرء خيراً يتمثل في أنه يعمل خيراً " وبذلك جلنا أرسطوطاليس نرى في الشفقة والخوف عملين رمزيين في الجمهور لا حالتين من حالاته، يستثيرهما العمل الرمزي في المسرحية. وقد شارف كولردج حدود هذا الاتجاه أيضاً حتى ان قصيدته " الملاح القديم " و " قبلاي خان " عملان رمزيان كاملان، ولم يتعد كولردج وقفته عند الحد وربما كان ذلك ناجماً عن بعض كبحه لنفسه عن الإيغال فيه إلا انه في الحق قد وضع القاعدة النظرية لهذا المذهب حين تحدث عن المجالات العقلية اللاشعورية. وقد لحظ في " محاضرات عن شيكسبير " أن العناوين والمشاهد الأولى في روايات شيكسبير ذات أهمية متميزة، ولكنه يعزو أهميتها إلى التفنن الواعي لا إلى عمليات اللاشعور. وقد مضى رسكن في هذا الاتجاه شوطاً آخر حين حلل المعاني المستكنة في أسماء الشخصيات عند شيكسبير على نحو مشبه لطريقة بيرك، وهو يقول في هذه الناحية: أما عن الأسماء التي يستعملها فإني سأتحدث من بعد حديثاً مسهباً. ولكني اقرر هنا أنها مزيج من عدة لغات، وقد سبق أن استبانت معاني ثلاثة منها؛ فمثلا: دزديمونه اسم يعني في الأصل " الحظ التعس " وعطيل يعني " الحريص " فيما اعتقد وكل ما في الرواية من نكبات ومآس ناجم من تعنته الحريص، وأوفيليا، معناه " التفاني في الخدمة "؟ أما هاملت فربما اقترن اسمه بكلمة Homely الدالة لى الحياة البيتية، إذ تقوم فكرة المسرحية على الإخلال بواجبات الحياة البيتية وعلاقات الأسرة؛ وأما تاتيانا فأنها مشتقة من لفظة تعني " الكلمة "؛ والاسمان بنديك وباتريس مأخوذان من

стр. 535

لفظتين تعنيان " مبارك وبركة " واياجو ربما كانت مأخوذة من يعقوب [ياجوب] أي الذي يخلف ويعقب. وهناك ملاحظ منثورة عن العمل الرمزي تنبه لها دارسو الطبيعة الإنسانية في الماضي ولنذكر بعضها على سبيل التمثيل العابر: لحظ غوته؟ حسبما يقول اكرمان - أن مواهب النساء تخمد بعد الزواج وإنجاب الأطفال وهذا مما قد يحمل على الظن بأن آثارهن الفنية غنما هي نوع من تسامي الدوافع الجنسية أو دوافع الأمومة (أي عمل رمزي) . وفي مطلع هذا القرن أصر برونتير في مقال عنوانه " فلسفة موليير " على أن طرطوف يمثل روح الصراع والتحدي، كما انه يرمز إلى العداء المستعلن (أي انه عمل ورمز معاً) . ولحظ برنارد شو في " جوهر الابسنية " أن اقتباس الكاتب من الكتاب المقدس يشير إلى عدم ارتياحه لهذه الأمور الموشحة بالتوثيق (فهو عمل رفض من خلا المغالاة في القبول والتوثيق) . ومنذ أن ظهر فرويد أصبحت هذه الملاحظ أموراً عادية مألوفة وأخذ المحللون يعنون دائماً بمشكلات العمل الرمزي. فمثلا ذهب اريك فروم إلى ان المبادئ الدينية والسياسية تعبيرات رمزية عن مبنى الشخصية عند من يعتنقونها. وقد سبق أن اهتدى كثير من الكتاب إلى بعض الأفكار والمبادئ التي يقول بها بيرك. فمثلا اهتدى تولستوي في كتابه " ما الفن " إلى ما سماه " نزع الملكية سيكولوجياً " وهذا ما سماه بيرك: " تحويل الملكية " يقول تولستوي: (أما في الدين فأن الطبقات العليا في العصور الوسطى وجدت نفسها في موقف كالذي كان عليه المثقفون الرومانيون قبل ان تظهر المسيحية أي أنهم لم يعودوا يؤمنون بدين الجماهير ولكنهم لم يكن لديهم معتقدات الكنيسة البالية التي كانت قد فقدت

стр. 536

معناها في نفوسهم ". ولدى بيرك ما يسميه " الإحراج والمضايقة " وشبيه بهذه الفكرة قول تولستوي: ان مبدأ الكنيسة نظام متكامل حتى إنك لا تستطيع تغييره أو تصحيحه إلا وتحطمه جملة ". وايرفنج بابت سبق بيرك في كتاب " روسو والرومانتيكية " إلى أن " تحويل الملكية نفسياً " يؤدي إلى حركات من السلبية والشيطانية والبريونية. وتوصل رتشاردز إلى الكشف عن جانب من العمل الرمزي في بعض الدوافع مع ان اهتمامه موجه إلى قدرة بالغة على النقل والتوصيل لا على التعبير؛ يقول رتشاردز في كتابه " رأي كولردج في الخيال ". أن الأساطير العظيمة ليست أوهاماً بل هي منطوق النفس الإنسانية كلها وهي من ثم لا يحيط بها التأمل ولا نأتي على كل ما فيها وهي ليست متعة أو معاذاً للهرب حتى يتطلبها من يتطلبها للراحة والفرار من حقائق الحياة القاسية ولكنها هي تلك الحقائق القاسية نفسها معروضة ممثلة، هي الإدراك الرمزي لتلك الحقائق ومحاولة لخلق الانسجام فيما بينها وتقبلها بالرضى. ومن خلال تلك الأساطير تستجمع إرادتنا وتتوحد قوانا وينضبط نمونا ومن خلالها أيضاً يتزن كياننا المضطرب ويلتئم وجودنا المشعث. وبهذه الأساطير يطمئن التناقض وينسجم النشاز في الأشياء ومن خلالها حصلنا على التكامل الذي يجعل منا أناساً " متمدنين ". وأخيراً أشير إلى قولة لورنس " أن المرء ليسكب أدواءه في الكتب " وهي عبارة تشير إلى ما يسمى العمل الرمزي في آثار الفنانين على مر العصور. أم بيرك لا يعتمد في مذهبه الذي اختاره على من سبقه في حقل

стр. 537

العمل الرمزي باستثناء كولردج وغنما يعتمد في ذلك على مجموعة من الفلاسفة والمتفلسفين يشبهونه شبهاً غريباً في منحاهم الشاذ المتفرد: وهؤلاء هم أهم من يستمد منهم: ١ - جرمي بنثام الذي ذكره هازلت في كتابه " روح العصر " وإذا قرأت ما كتبه هازلت عنه وجدته ينطبق على بيرك نفسه - إذا شئت أن تهاجمه لا ان تترفق في الحكم عليه - حتى لتقول إنهما في المصطلح الفلسفي الشاذ الذي يشتمل على حدة وعلى معنى بعيد يتمنى المرء لو استطاع أن يفقهه. وقد رأينا كيف أن بنثام حاز إعجاب رتشاردز ايضاً، مثلما حاز إعجاب بيرك الذي يعده مؤسساً للدراسة اللغوية الجادة، ويضعه في كتابه " الثبات والغير " على مستوى دارون ويقول أن كلا منهما قد تقسم في " آلاف من الذوات والنفوس ". غير انه لا يؤمن بمذهب بنثام الذي يرمي إلى تجريد اللغة من المجاز للتخلص من الشعر والخطابة ويرى في هذا المذهب رمزاً عن الخصاء. إما المذهب النفعي اللاديني الذي قال به بنثام فأن بيرك يعده مذهباً دينياً دنيوياً أو نوعاً آخر من نظرية " القاعدة الذهبية ". ويعد تحليلات بنثام للكلام وتصنيف أنواعه كشفا بالغ القيمة مفيداً إن أنت حذفت منه فكرة التخلص من المجاز. ويصرخ في كتاب " النزعات " بان " خير ما في بنثام وماركس وفبلن هو الهزلية الرفيعة " ويعزو إلى بنثام الفضل في تجريد الأمور من الحواشي والمبالغات، حتى عن كثيراً من المتطفلين لم يصنعوا شيئاً سوى التحلق حول مائدته العبقرية. ويستغل بيرك آراء بنثام في كتابه " نحو الدوافع " عدة مرات، غير أنه في الكتاب ذاته ينصب لتجريد نفسه بعض آرائه التي يجرد فيها آراء الناس من الحواشي والتافه والمغرق ويصف آراء بنثام بأنها " رمز خصاء لرجل عازب " ويفسر تلك الآراء تفسيراً رمزياً مستمداً من بنثام نفسه، ويقول ان تلك الآراء منبثقة من طفولة بنثام الذي يخاف الأشباح خوفاً شاذاً فلما كبر أصبح يخاف " عملية التخيل " في اللغة. ٢ - كولردج: وبينه وبين بيرك شبه قوي جداً ولا يستطيع أحد

стр. 538

أن يقرأ كتابات كولردج وبخاصة " السيرة الأدبية " دون أن يفطن إلى هذه المشابه في الأفكار والأساليب وفي الشذوذات أيضاً. وقد أعجب بيرك بكولردج وكتاباته من حيث هما دراسة للعمل الرمزي ولذلك فان نواة مقالته " فلسفة الشكل الأدبي) غنما هي تحليل لقصيدة " الملاح القديم " كما أن إحساس كولردج بدقائق الجرس جعله يقتبسه كثيراً لإثبات فكرته عن موسيقية الشعر، كما ان اهتمام كولردج بالنواحي اللغوية جعل بيرك يكثر من اقتباس آرائه. وقد عده بيرك بين " اعظم النقاد في أدب العالم ". وهو في نظره يقف على النقيض من بنثام، لأنه لا يحط من قيم الأمور او يعمد إلى إظهار ما فيها من زيف وإنما يتجه إلى الرفع من شانها، ويرى في المصالح المادية خطوة أولية نحو المصالح العلوية. وقد ذكر بيرك في إحدى مقالاته بأنه يعد كلمة عن طريقة كولردج ولكن تلك الكلمة لم تر النور، فيما يبدو، أو لعلها دخلت في غمار المحاضرات التي ألقاها عن كولردج في صيف ١٩٣٨ بجامعة شيكاغو. وقد نبه في تلك المحاضرات إلى ما في موضوعه من مشكلات وإلى ما يمكن أن يجنبه من يتمرس به من ثمرات، فقال: أحاول في هذه الآونة ان أقوم بتحليل لكتابات كولردج لأبرز فيها العمل الرمزي ولكن فكره المعقد يجعل عملية الفرز والتصنيف عسرة؟ غير أن هذه المحاولة تستاهل ما يبذل فيها من جهد لان من يحاولها يستطيع أن يستعمل أمرين هامين: الأول: أن كولردج كان كثير التقييد فخلف لنا سجلا كاملا يعين على دراسته وكان يستعمل نفس الصور في قصائده ونقده الأدبي ورسائله السياسية والدينية ورسائله الاخوانية ومحاضراته وتقييداته التاملية. ومن ثم كانت لدينا جسور ننتقل عليها من مجال إلى آخر لأن الصورة لديه تمكنا من أن

стр. 539

ندرك نفسيته عن طريق موضوعي أو تشريحي. وأما الثاني: فان لديه مع ذلك الفكر المعقد تيسيراً يسهل الدراسة، وأنا أشير بهذا إلى إدمانه المكيفات. ولم يكن الحديث عن كولردج احب الموضوعات إلى بريك فحسب، بل كان هو الراية التي ينضوي تحتها. ولذلك اعتبر كولردج خالقاً موجداً للسريالية، في مقال كتبه عن هذا المذهب، وذهب إلى أن قصيدة " قبلاي خان " ابرز أثر سريالي، وإلى أن تفرقة كولردج بين الخيال والوهم هي أساس ذلك المذهب، وأكد أن بدعة كيركجرد وكافكا يجب أن تسمى بدعة كولردج. وفي مقاله " مشكلة القيمة الذاتية " تناول التهمة التي يرددها الأرسطوطاليسيون المحدثون من النقاد ضد خصومهم حين يصفونهم بأنهم كولردجيون أي أفلاطونيون أي ينظرون إلى الشعر بطريقة استنتاجية لا استقرائية - تناول بيرك هذا الاتهام فوقف في صفه وقال إن الأرسطوطاليسيين المحدثين في أحسن أحوالهم النقدية وأقيم دراساتهم، كولردجيون في حقيقتهم. ٣ - ثورشتين فبلن الأميركي الوحيد بين هؤلاء الثلاثة. ويستقل بيرك عن رتشاردز في الاعتماد على هذا المفكر. إلا إن أثر فبلن فيما يبدو آخذ بالتلاشي، إذ يعتمد بيرك في " الثبات والتغير " على مبدأ فبلن: (العجز المدرب " اعتماداً قوياً ويتخذه المجاز الذي يفهم الأشياء من خلاله ويمط فيه حتى يجعل منه ظاهرة اجتماعية وسيكولوجية وأدبية كالذي يسميه الجشطالتيون " الجشطالت الردئ ". ولفبلن نظرية اقتصادية عبر عنها بكتابه " نظرية الطبقة الفارغة " وهي نظرية جعلته موضع التقدير الكثير إلا من الاقتصاديين أنفسهم، ويقف بيرك أيضاً من هذا الكتاب في صف الاقتصاديين، فلا يقول فيه ما يقوله الآخرون " انه اعظم إسهام في ميدان الفكر ". ويفضل على النظرية السابقة نظرية أخرى لفبلن هي:

стр. 540

" نظرية العمل "، ويرى فيها خير تحليل لفلسفة الرأسمالية. ويفيد بيرك من مبادئ أخرى لفبلن ويستغلها في كتابه " الثبات والتغير " وبخاصة فكرة فبلن التي ترمي إلى رفض الثنوية المانوية ووضع الغرائز المتعارضة في مكانها ثم يقل اعتماد بيرك على فبلن في " نزعات نحو التاريخ " إلا أنه يلحظ ان فبلن يمثل " الهزلية الرفيعة " مثل ماركس وبنثام، ويقتبس مصطلحه " العجز المرتب " ويحوله إلى ما يسميه " التباين المرتب ". ويعود في " فلسفة الشكل الأدبي " فيكثر الاقتباس من فبلن إلا أنه لا يقتبس منه إلا آراء في الميدان الاجتماعي، ولم يعد فبلن في نظر بيرك ناقداً مجازياً لكل حضارتنا، ثم يسكت عنه في " نحو الدوافع " فلا يشير إليه أبداً. ٤ - ٥ -: وهناك اثنان من المفكرين اعتمد عليهما بيرك بعض اعتماد وهما ستورات مل وبيرس، وبينهما وبين بيرك بعض المشابه، وقد أشار بلاكمور إلى شبه بيرك بالثاني في تفرد التأمل الفكري عند كليهما، لا في المصطلح. وبالجملة: استمد بيرك من كثير من المفكرين. وهو من تلك القلة التي أدت في النقد من كتاب لفجوي " السلسلة العظمى للحدوث "، كما انه أفاد جيمس وديوي وبرغسون ومن عدد غيرهم من المحدثين. ولا تتجاوز استفادته من أحدهم - أحياناً - اخذ فكرة أو اثنتين يجمع بينهما بيرك مهاجماً أو متناقصاً، وأخيراً كان أرسطوطاليس في آخر كتبه هو المؤثر الأكبر في فكره، فهو أستاذه الذي اعترف له بتلك الأستاذية ولم يعترف بها لأحد قبله. أولئك هم الذين اثروا في بيرك فمن هم الذين تأثروا به في النقد المعاصر؟ تستطيع القول انه مثل رتشاردز ذو اثر شامل - على الأقل

стр. 541

في اميركة - أما الرجال الذين يعملون متأثرين به من الأميركيين فهم بلاكمور ومالكولم كولي وفرنسيسي فرغسون وهاري سلوشور. وقد تحدثنا من قبل عن علاقة الأول به. أما كولي فانه لم ينشر كتاباً في النقد ولكنه يزمع اصدرا كتاب عن الأدب الأميركي من مجموعة من المقالات ظهرت في المجلات ويبدو أن الكتاب سيكون هاماً ضخماً. أما القطع التي نشرها في المجلات خلال الحقبتين الماضيتين فقد أفاد فيها كثيراً من مبادئ واصطلاحاته واستطلاعاته، وحولها إلى ما يفيده في غاياته وبسطها بعض التبسيط وطبقها على أدباء لم يعن بهم بيرك. كما أن الدراسات التمهيدية التي قام بها عن همنجوي وفولكنر لإحدى دور النشر تعد دراسات من الطراز الأول في مجال العمل الرمزي، وهما أول فحص جاد يطبق على كل من الأديبين المذكورين. وأما فرغسون فهو أيضاً مثل كولي، مشغول في هذه الأيام بكتابة أول كتاب له في النقد بعد سنوات كثيرة قضاها وهو ينشر في المجلات غير أنه تأثر بآراء بيرك أخيراً وتحول بهذه الآراء لخدمة غاياته. فمثلا تناول مصطلح (ناقد مسرحي " وحط منه حتى اصبح يعني مراجعاً شبه متعلم يراجع الروايات ويكتب عنها للجرائد إلا أن فرغسون أمضى حقبتين وهو ناقد مسرحي أصيل، ناقد للأدب المسرحي وللتمثيل، وهو خير ناقد لهذين في أميركة. ولنقده ثلاثة اتجاهات الأول: مبدأ جمالي أخلاقي يرى الفن غاية فهو - أي الفن - لا يهتم بالعلاقات الخارجية وهو شيء يستساغ ويقاس وينظم وهذا المبدأ مستمد من الكلاسيكيين المحدثين وذوي النزعة الإنسانية المحدثة ومن نقاد اتباعيين مثل ماريتان وبندا وفرناندز وبابت واليوت ومن كلاسيكيين قدماء مثل دانتي. وبهذا المبدأ كشف فرغسون عن زيف الزائفين وفجاجة غير الناضجين من يوجين أونيل حتى سلدن ردمان، (يرى فرغسون ان المحدثين يمسخون الروح ويحطون

стр. 542

الخلق ولكن هذه النظرة التحقيرية لم تحل بينه وبين تقدير أدباء غير كلاسيكيين مثل لورنس) . الثاني: اتجاه مستمد من الدراما الإغريقية الشعائرية كما فسرها أرسطوطاليس، وبلغ بها سوفوكليس درجة الكمال في " أوديب الملك "، وهو يطبق هذا الاتجاه على الدراما الحديثة الرصينة من ابسن وتشيخوف حتى لوركا وكوكتو. الثالث: تطبيق الاتجاه الثاني الدرامي على الأدب غير الدرامي وهذا اتجاه قد عبر عنه بمجلة " الكلب والنفير " عدد تموز - أيلول ١٩٣٣ عندما راجع كتاباً لبولسلافسكي عنوانه " التمثيل: اول دروس ستة " فاقترح اتخاذ المقاييس الدرامية لدراسة الشعر الغنائي. ثم طبق هذا المبدأ في عدد آخر من تلك المجلة خاص بدراسة جيمس، حين تناول دراسة العناصر المسرحية في قصيدة " القعب الذهبي ". وهذا الاتجاه هو الذي ربط بين فرغسون وبيرك، وبما أن بيرك انتهى في مذهبه إلى تحكيم النقد المسرحي وإلى العناصر المسرحية الخمسة فقد استمد فرغسون كثيراً من مبادئه مثل فكرة الثالوث المكون من " الغاية والعاطفة والإدراك " وهي المراحل الثلاث الكبرى في الدراما الشعائرية، وجعلها فرغسون حجر الزاوية في نقده. وراجع فرغسون أيضاً كتاب " نحو الدوافع " وكانت خير مراجعة له، وفيها أعلن من خلال الثناء عن اتفاقهما في كثير من الأمور واختلافهما في مجالات محدودة. ومما خالفه فيه موقفه من الواقعية في روايات القرون الوسطى، فقد استخف بيرك بهذه الواقعية برحي من نظرته العقلانية الخالصة. ويزمع فرغسون إصدار كتاب في النقد، أتيح لي قراءة بعض فصوله المخطوطة ومنها فصل ظهر بمجلة كينيون ربيع ١٩٤٧ ويشمل الكتاب دراسة للمسرحية بعد شيكسبير من حيث هي تطور جزئي لمبدأ " الغاية " أو " العاطفة " أو " الإدراك " لا من حيث هي شعائرية كما كانت في حال سوفوكليس، وتشهد هذه الدراسة على أنه سيكون للكتاب شأن أدبي هام.

стр. 543

وأكثر من ذكرتهم تأثراً ببيرك واستمداداً لآرائه هو هاري سلوخور، فقد جمع هذا الناقد بين آراء ماركس وفرويد والجشطالتية مثلما جمع بيرك بين التكامل الاجتماعي النفساني، غلا أن سلوخور يتكئ أكثر من بيرك على الماركسية والموروث الفلسفي الألماني. وقبل ان يدر بالإنجليزية كتابه الأول بعنوان: " ثلاث طرق أمام الإنسان الحديث " Three Ways of Modern Man سنة ١٩٣٧ (اصدر بالألمانية أول كتاب له بعنوان رتشاردز ديهمل ولكني لم أقرأه) كان قد اطلع على مصطلح بيرك ووجد فيه معواناً على التعبير عن أفكاره. وقد ظهر الكتاب مصدراً بكلمة من بيرك وهو ينم عن كثير من مصطلحات بيرك ومبادئه واستطلاعاته ومقتبسات منه. إلا أن سلوخور يتجه فيه إلى إبراز دور القصة الطويلة في التعبير عن " أيديولوجيات " فلسفية، وهذا يخالف اتجاه بيرك إلى إبراز العمل الرمزي الفردي. ويعتمد سلوخور على ثالوث مكون من الشيوعية الإقطاعية والحرية البرجوازية والنزعة الإنسانية الاجتماعية ثم يسمي هذا ثالوث: الوحدانية والثنوية والجدلية بل يسميه أحياناً الأب والابن والروح والقدس. أما الكتاب الثاني الذي أصدره سلوخور فعنوانه " قصة يوسف لتوماس مان " (١٩٣٨) وهو يشبه مؤلفات بيرك في انه تحليل مطول لأثر فني مفرد معقد وتحليله على غير صعيد واحد وترجمته إلى معجمات متعددة، غير ان سلوخور لا يفارق فيه النص على الأيديولوجية الجماعية، وأكثر كتبه طموحاً هو ثالثها وعنوانه " لا صوت يضيع بالكلية " No Voice is Wholly Lost (١٩٤٥) وهو محاولة للنظر في كل الأدب المعاصر بدلا من دراسة بضعة نصوص تفصيلاً. وفي الكتاب بصر نافذ ولكن استطلاعات المؤلف غير متكاملة لان الميدان الذي يجوبه رحب مترامي الأطراف كما أن معالجته للأميركيين المعاصرين ضعيفة فهو يضع البراذين من أمثال شتاينبك إلى جانب مارلو ومان والثقلاء المجوفين مثل ولف

стр. 544

إلى جانب كافكا وريلكه وربما نزع إلى التهوين من شأن أدباء كبار أمثال همنجوي وفولكنر، ومن ثم كان كتابه في جملته مخيباً للآمال. غير أن توسيعه وتطبيقه لاصطلاحات بيرك، في مجال نغاير، يدل على سداد وتوفيق وهو على وجه العموم مطلع جيد الإدراك ذو أسلوب ومنهج مرسوم، ولديه من العدة ما يعينه على أن يبلغ شأواً طيباً إذا هو تخلى عن النظرة العامة العابرة وذهب يعمق نظرته في الأغوار. وهناك شخص لعله آخر من يقدر فيه التأثر بآراء بيرك، وهو أيفور ونترز الذي كان من اقدم من استمدوا من آراء بيرك وطبقوها، وقد أشار ونترز إلى هذا في كتابه الأول " البدائية والانحطاط " الذي ظهر عام ١٩٣٧، فقال في فاتحة الكتاب بنغمته الفذة المميزة: استعملت مصطلح بيرك حيث وجدت إلى ذلك سبيلا واعترفت بذلك لكي أتجنب تكثير المصطلحات. وقد بدأت تحليلات الأمور البلاغية في نفس التاريخ الذي بدأ فيه بيرك غير أني تخليت عن هذا الاتجاه، واستمر هو فيه، لأني لم أكن أراه اتجاهاً مثمراً. ثم عدت إلى هذا النهج حين استكشفت سر القيمة البلاغية وإمكان خلق مبادئ جمالية تقوم على مثل هذا التحليل. والفرق بيني وبين بيرك غني نجحت في هذا السبيل واخفق هو، وسيجد القارئ في كتابي هذا صورة النزاع القائم بيننا. ومضى ونترز في هذا الكتاب يفيد من مصطلح بيرك الموجود في كتابه " مقولة مضادة " وكان اشد المصطلحات اجتذاباً له هو " التقدم الكيفي " المستعمل للدلالة على نوع من المبنى الشعري ولكن اقتباس المصطلح وطرح الأفكار التي يعبر عنها محاولة مقضي عليها بالإخفاق، ولذلك كف عنها ونترز وخلق لنفسه معجماً آخر.

стр. 545

ولقد أقر ونترز بدينه لبيرك وهو ينازعه وهو ينازعه ويخاصمه ومع ذلك فانه أكرم خلقاً من بعض النقاد الآخرين - أمثال أدموند ولسن وفيليب راو - الذين استمدوا مبادئ بيرك ولم يعترفوا له بالفضل. وهناك كثيرون من الشعراء والنقاد بانجلترة منهم فرنسيسسكارف وكرستوفر هل يعرفون آثار بيرك أو اهتدوا مستقلين إلى كثير من مبادئ العمل الرمزي التي اهتدى إليها. ويكاد كل ناقد في أميركة أن يكون متأثراً به، فاستمد منه رانسوم وتيت وورن وبروكس واثنوا عليه ثناء جزيلا بينما كانوا يخالفونه في الاتجاه كما أن بيرك اعتمد على استطلاعاتهم ومدحهم واشتباك مع رانسوم من بينهم في جدل أدبي مسهب طويل. ولما درس ورن قصيدة " الملاح القديم " استفاد من آراء بيرك في هذه القصيدة ومن المبنى العام لطريقته بينا نازعه بشدة حول آرائه في تناول كولردج للمكيفات ومشكلاته الزوجية. وقد راجع بيرك كتاب ورن هذا في مقال نشره بمجلة شعر في نيسان ١٩٤٧ فأثنى على دراسة ورن وقال إنها ذات " قيمة فذة " ثم ذهب يقاوم الآراء المخالفة فيها متجهاً الاتجاه " الشخصي " الذي عابه عليه ورن في مقاله ملحاً عليه أكثر من ذي قبل واصلاً به كل كتابات كولردج الأخرى. وهناك راندل جرل وقد كتب دراسة تحليلية واحدة - على الأقل - تحمل طابع بيرك، وعنوانها " التغير في النزعات والبلاغة في شعر أودن " ونشرها في المجلة الجنوبية، خريف ١٩٤١ وصرح في فاتحتها قائلا: " لقد استعرت عدة اصطلاحات من كتاب بالغ الجودة اعني كتاب " نزعات نحو التاريخ " لكنث بيرك، وأحب ان اعترف بذلك في هذا المقام ". وقد طبق جرل تلك الاصطلاحات بلباقة في الكشف عن العمل الرمزي والبلاغي في شعر أودن. كما أن دلمور شفارتز وعدداً من الشعراء الشبان أفادوا من بيرك في نقدهم، واستغلت موريل روكيزر مبادئه في شعرها

стр. 546

واعترفت بان قصيدتها " النكباء " استمدت بعض مادتها من تاب " نزعات ". أما هربت مللر فأنه من أشدهم اتكاء على مبادئ بيرك في كتابه " القصص الحديث " وفي كتابه " العلم والنقد " بل يعتمد عليه أكثر من اعتماده على آراء رتشاردز ومبادئه، ويصف بيرك بقوله: " لعل أحد ناقد في اميركة اليوم ". ويستطيع القارئ أن يتمثل مدى تأثير بيرك في اميركة إذا طالع كتب مختلف النقاد ووجد كيف يعترفون بالفضل له، على نحو أو آخر. وفي القائمة عدا من ذكرنا أسماءهم: فيليب ويلرايت ونيوتن آرفن وآرثر ميزنر وليوتل ترلنج ودافيد ديشز وجون سويني وجوزف وارن بيتش ورالف السون ومورتن دوين زابل وكثير غيرهم. أما النقد الذي ووجه به جهد بيرك نفسه فيدل على حقيقة محزنة كما هو الأمر في حال رتشاردز لان كثيراً من الذين أفادوا منه تأثروا به هاجموه بعنف، وقد كان له شرف تلقي الهجوم ممن تخصصوا في الهجوم على خير النقاد المعاصرين - ومن هؤلاء الذين وقفوا همتهم على هذه الناحية هنري بير والفرد كازين ودونالد آدمز ومن لف لفهم. وأشدهم مرارة في هجومه هو سدني هوك في مقال نشره بمجلة بارتزان، فقد وصف بيرك بأنه " يقدم العذر دون أخطاء ستالين وأنه رجل ضعيف ذو موهبة صغيرة ". ورد عليه بيرك في عدد كانون الثاني ١٩٣٨ من تلك المجلة وقصر همه على اقتباس الفصول التي شوهها هوك فرد عليه هوك في العدد نفسه مشيراً إلى أن التشويه في هذا المقام كان أمراً لازماً. ويناقض هؤلاء دارسون يتعاطفون مع بيرك كتبوا عنه سلسلة من الدراسات الجيدة منهم غورهام منسون واوستن ورن ووضعه هـ. ب باركس في مصاف جيمس وديوي ونيتشه وبرغسون واليوت وقال آخر: من الشاق أن يحيط المرء في مقال صغير بذلك الشمول في كتابات بيرك.

стр. 547

وبين هذين الطرفين نقاد لم يفلح أحد منهم في أن يتجاوز التعليق على مظهر واحد في كتاب من كتب بيرك كأن يكون المراجع سمانتياً أو لغوياً أو نفسياً أو فيلسوفاً أو ناقداً أو عالماً اجتماعياً أو مراجعاً بسيطاً حائراً، فهو يختار المظهر الذي يناسبه في مؤلف بيرك وبيدي فيه رأياً. ٤ - كان السر في اختلاف المراجعين والناشرين حول الميدان الذي يعمل فيه بيرك يكمن في أنه لا ميدان له، حتى لقد تسمع في السنوات الأخيرة من يرددون القول بأنه ليس ناقداً أدبياً وإنما هو عالم سمانتي أو نفساني اجتماعي أو فيلسوف وأدق من هذا أن يقال: إنه ليس ناقداً أدبياً فحسب وإنما هو هذا الناقد والسمانتي والنفساني الاجتماعي والفيلسوف وغير ذلك، وقد أبان في بعض مقالاته كيف أن ميداناً واحداً ليس كفاء بمشكلة التركيب العامة التي تتضافر فيها جهود شتى الميادين، إذ يقول: ولو أن امرأ قدم " تركيباً " يؤلف به بين الميادين التي تشملها الأنظمة المتنوعة، فأي الأنظمة تلك كفاء بتقويم ذلك التركيب؟ إن كل تخصص يكتسب قيمته من توجهه نحو التنوع فكيف يمكن لنا أن نحكم تخصصاً واحداً ليعكس لنا " توحداً " بين المتنوعات أو لنضع الأمر وضعاً آخر فنقول: لو أراد امرؤ أن يكتب عن التواشج بين عشرة تخصصات، لكان يكتب عن شيء يقع خارج نطاقها جميعاً. ولقد كانت الغاية القصوى في نقد بيرك هي ذلك التأليف التركيبي لكل نظام أو مجموعة من المعرفة يمكنها أن تلقي ضوءاً على الادب، وجمعها معاً في إطار نقدي متناسب. وقد وقف بيرك يقاوم كل نظرة محافظة أو متدينة تنادي بإقصاء هذه الأداة النقدية أو تلك وتقول إنها " نابية " غير ملائمة، حتى قال: " إن المثل الأعلى من النقد حسب ما

стр. 548

اعتقده هو استغلال كل ما يمكن استغلاله ". وكتب يدافع عن استغلال معلومات من سيرة الشاعر لفهم شعره فقال: " يجب علينا أن نستغل كل معرفة نستطيع الحصول عليها " ومضى يوضح هذا الرأي فقال: النقد لعبة وهي خير ما يمكن أن يشهد حين يقصر المرء نفسه على الوحدة الفنية ويتحدث عنها وعن حركاتها مثلما يتحدث المذيع عن لعبة الكرة أو مشهد المصارعة. وأنا اقر بان هذه الاصطلاحات الخارجية قد تتدخل في اتساق النقد نفسه من حيث هو لعبة بالمعنى المتقدم. غير أن التحليل اللغوي قد هيأ إمكانات جديدة للربط بين النتاج والمنتج، ولهذا كله أثره في أمور الحضارة والسلوك بعامة حتى إننا يجب إلا نسمح للعرف النقدي او للمثل العليا في النقد بان تتدخل في تطورها. ويرى بيرك ان النقد الحديث شيء يشبه العلم الذي كان قبل عهد بيكون حسبما وصفه تين في كتابه " تاريخ الأدب الإنجليزي " إذ يقول: ما دام العلم قد قصر جهوده على إرضاء حب الاستطلاع وفتح آفاق جديدة من التأمل فانه كان في مقدوره في أي لحظة ان يتحول إلى تجريد ميتافيزيقي، وكان يكفيه ان يتجاوز التجربة، فتجاوزها وتعلق بالكلمات الكبرى والماهيات واشتقاق الجزئي من الكلي والعلية الكبرى، فلم يعد بحاجة إلى براهين كاملة بل أصبحت تغنيه أنصاف البراهين ولم يعد في أساسه يهتم بإقامة حقيقة وإنما يهتم بالحصول على رأي. ومضى بيرك يحاول مثل بيكون أن ينشئ تكاملا بين فروع المعرفة الإنسانية ليخلق من ذلك كياناً نقدياً فعالا يمكن الإفادة منه في التطبيق. وفي سياق تلك المحاولة سلط السيكولوجيا على الأدب فاكتشف انه لابد له

стр. 549

من التوفيق بين المدارس السيكولوجية المتصارعة وتركيبها جميعاً في سيكولوجية ثابتة فتبين له أنه لابد من ان يخلق تكاملا بين فروع علم الاجتماع ثم يؤلف بين السيكولوجيا وعلم الاجتماع فيما يسمى السيكولوجيا الاجتماعية، ثم يضيف إلى هذا التركيب اللغويات والسمانتيات ويضيف في النهاية الفلسفات واللاهوتيات وفي النهاية يسلط هذا التركيب الهائل على قصيدة من القصائد. وكانت غايته التي بر عنها في ختام " الثابت والتغير " هي: " ان يدل على علاقة تكاملية قائمة بين المظاهر الحضارية المتنوعة التي يظنها الناس منعزلة بعضها عن بعض ". وكان أظهر جانب في محاولة بيرك، مهمته الضرورية في التوفيق بين ماركس وفرويد أي بين الاقتصاد وعلم النفس. ولذلك قدم لنا " نظرية للعمليات النفسية التي تتساوق والعمليات الاقتصادية " أو أقترح التوفيق بين ماركس وفرويد على أساس مبدأ سماه " رموز التسلط " أو عدد مكيافللي وهوبز وفولتير وبنثام وماركس وفلبن " أعظم مكونين للتحليل النفسي الاقتصادي ". وقد استمد بيرك من الماركسية كثيراً في كتبه بينا كان ينتقد بسائطها الميكانيكية في كتابه " مقولة مضادة " ويتجه كل تحليله في أبعاد اجتماعية إلا قليلا. وهو يرى في ماركس " درامياً عظيماً وشاعراً كبيراً بليغاً استطاع أن يكتب " البيان الشيوعي "، تلك " القطعة الرائعة ". وقد استمد بيرك أيضاً بحماسة من مدارس اجتماعية أخرى فأفاد من فلسفة اشبنجلر التشاؤمية ومن علم النفس الاجتماعي الفلسفي كما يتمثل عند جورج هربرت ميد. أما علم النفس عند بيرك فيتجه إلى الوجهة التكاملية التأملية أي هو من نوع ما يسميه رتشاردز " وسطي "، ومن أهم أعمدته علم التحليل النفسي شرط ان لا يكون فردياً خالصاً بل مما يصطبغ بصبغة اجتماعية لأن أصحاب الاتجاه الفردي يخطئون في طريقة النص على العمل الرمزي.

стр. 550

وقد اخذ بيرك قدراً كبيراً من النظرية الفرويدية والمصطلح الفرويدي منذ أول كتاب أصدره واتخذ المصطلحات الفرويدية مصطلحات ثابتة للمبادئ النقدية مثل " التعويض " و " النقل " و " الضبط " كما انه كتب مقالين طويلين في تبيان قيمة التحليل النفسي أحدهما في " الثبات والتغير " والثاني في " فلسفة الشكل الأدبي ". ويحاول المقال الأول أن " يجعل " من المعالجة النفسية نوعاً من " التحول " بالفرد عن حالته الراهنة؛ ويحاول الثاني ان يطبق النظرية على الأدب أي أنه يبين للقارئ " إلى أي حد يستطيع الناقد الأدبي أن يستفيد من فرويد وما الذي يجب أن يضيفه من مادة ليست موجودة عند فرويد ". وينتهي بيرك في هذا المقال إلى القول بان آليات الحلم من مثل " التركيز " و " النقل المكاني " هي نفس الآليات التي تتم في الشعر، ويتخذ منها مفاتيح في التحليل الشعري، ويقول أن علم التحليل النفسي ذو قيمة بالغة في تحليل " القصيدة " من حيث هي حلم. بل يبعد أكثر من ذلك فيقول: أرى أننا في سبيل تحقيق غايات النقد الأدبي محتاجون إلى ما هو أكثر من البناء الذي أقامه فرويد، أولا: لإقامة التناسب بدلا من الانحياز إلى ناحية وثانياً لإيجاد الرمز الأمومي في مقابل الرمز الأبوي الذي يؤكده فرويد وثالثاً لنرى في القصيدة صلاة ومخططاً وهو شيء زائد بيرك عند حد الإفادة من فرويد بلى يستمد من تلامذته المنشقين عنه مثل يونج وأدلر ومكدوغل ورفرز وشتكل ورانك. ويخالف الاثنين الأخيرين فيفضل التداعي الحر عند فرويد على ما يسميه شتكل تعسفاً " سطور الحلم " ويرفض فكرة رانك عن مبدأ " رغبة الموت " ويفضل عليها فكرة " الموت والولادة الجديدة " في فهمه للفن. وهو في الوقت نفسه يعتقد أن فرويد مثل ماركس

стр. 551

جبار شاعر تراجيدي عظيم يستحق من الإنسانية الاحترام الخالد لعمق خياله ومهارته المنهجية، ولأنه عن طريق خياله ومهارته قد وضعنا وجهاً لوجه أمام التيارات الخفية. كذلك يفيد بيرك من المذهب الجشطالتي، مع إنه يرى في آثار علماء هذا المذهب امتداداً لمذهب السلوكيين أمثال واتسن وبافلوف، لا أنها مفارقة لمذهب السلوكيين وخروج عليه، ومن ثم فهو أقرب إلى التجريبيين من الجشطالتيين مثل كوهلر وكوفكا بعيد من النظريين مثل فرتايمر. وقد كانت محاولاته في خلق التكامل بين فروع السيكولوجيا تنقلا بين معجم السلوكيين والجشطالتيين والفرويديين وترجمة من هذا المذهب إلى ذاك ليوجد بين المصطلحات اتفاقاً. وتستطيع ان تقول أن مذهبه النفسي جشطالتي في هيكله العام مع إضافات كثيرة مستمدة من فرويد. وقد أفاد في الوقت نفسه من شتى فروع السيكولوجيا وأستعان بنظرية يانش في " الصور الأبدية " وتجارب شرنغتون على الحيوانات وتجارب باجت في عالم الأطفال، وقد أطلع على كتاب لهذا الأخير عنوانه " اللغة والفكر عند الطفل " وكان يعده بالغ الأهمية. وكانت روحه النقدية أقوى فيما يستمده من أصحاب النظريات اللغوية وإن نزع أيضاً في هذا الميدان إلى خلق التكامل بين عدة مذاهب. غير إن هناك نظرية لغوية واحدة تقبلها دون نقد. وهي التي تقول إن الإشارات هي اصل الكلام - نظرية نادى بها سير رتشاردز باجت فحولها بيرك إلى القول بان الإشارات هي جوهر الكلام. واستغلها أول مرة في كتاب " نزعات ". وقد هاجمته مارغريت شلوش وبعض فقهاء اللغة لأنه أخذ بنظرية لا تفترق شيئاً عن " المثل الأفلاطونية " ولا تحقق غاية منها فدافع بيرك عن نظرية باجت هذه في " فلسفة الشكل الأدبي " وقال أنها ليست نظرية في فقه اللغة بل النظرية في فن الشعر.

стр. 552

أما السمانتيات الحديثة فان بيرك لم يطف بها إلا لماماً وقد كتب في " فلسفة الشكل الأدبي " مقالا بعنوان " المعنى السمانتي والشعري " فوضح فيه أن ميدان السمانتيات قاحل لا يحتوي على مصطلح " توفيقي ". ويرى بيرك أن مثله الأعلى كالمثل الأعلى عند السمانتيين هو " تطهير الحرب " ولكنه يحقق هذه الغاية بالتفتيش عن " مصطلحات تفصح عن المواقف التي قد ينشأ عندها الغموض " لا بتقصي المصطلحات التي تتجنب الغموض كما يفعلون هم. وقد قال في " نحو الدوافع " - وهو كتاب كتب في سنوات الحرب -: وهكذا قد يتوجه فكر المرء نحو " تطهير الحرب " لا من أجل أن تستأصل الحرب من كل نظام تكمن فيه الدوافع نحو العراك - كما هو حال نظام الإنسان نفسه - بل من أجل أن ترهف الحرب إلى حد أن تصبح سلاماً، هو السلام الحق لا ما نسميه اليوم سلاماً. ويستمد بيرك أيضاً عدداً من المبادئ والاستطلاعات من مدرستين سمانتيتين هما مدرسة كورزبسكي وأتباعه ومدرسة كرناب وموريس وإن لم يسلم لعلماء هاتين المدرستين بكل آرائهم. غير إنه إذا أستمد من أوغدن ورتشاردز أخذ آراءهما بكل تسليم، وعلى النقيض من ذلك موقفه من ثورمان آرنولد وستوارت تشيز فإنه يهاجمهما بعنف ويأبى أن يسلم لهما برأي. اللهم إلا مرة واحدة أثنى فيها على ثورمان لتفرقته بين " الحكومة السياسية " و " حكومة العمل ". وفي الأيام الأخيرة أضاف بيرك إلى هذا " المركب " المؤلف من العلوم الاجتماعية والنفسية واللغوية والسمانتية وبعض العلم الطبيعي والبيولوجي - أضاف شيئاً من الفلسفات واللاهوتيات. وقد كان في البدء بعيداً عن نطاق الفلسفة حتى إنه يستعمل صور " المساومة " في " نحو الدوافع " أثناء

стр. 553

حديثه عن الفلاسفة فيقول: " هذه نقطة تستحق المساومة فيها والمماكسة إن شئت أن تساوم أو تماكس لأنك إن مررت بها عابراً دون أن تثير التساؤل من حولها فإنك تتيح لكانت فرصة كبيرة ". ويبدو إن بيرك " أصفق " في هذه المساومة أخيراً وتنازل عن تأبيه وأخذ يستمد كثيراً من توما الإكويني وأوغسطين ومن عدد آخر من القديسين ومن الفلاسفة ابتداء من أفلاطون وأرسطو حتى ني تشه وبرغسون وسانتيانا وكون لنفسه فلسفة ميتافيزيقية، حددها بمصطلح وضعي كان من قبل ينكره. كما أخذ لنفسه نوعاً من اللاهوت استغل فيه المصطلحات التي تدور حول الألوهية لا حول الآلهة لأن الآلهة في رأيه " أسماء للدوافع أو لمجموعات من الدوافع " يشترك فيها جماعة من الناس ولكل إنسان أن يعبد الله " حسب المجاز الذي يناسبه " وفي الجملة فإن بيرك قد أتخذ آلهته من المجازات والاصطلاحات والكلمات، حتى إنه حين يشير إلى الكتاب لمقدس فإنه يعني " المعجم ". وهناك فكرة واحدة حقق فيها بيرك التكامل التام من بين هذه الاتجاهات جميعاً وتلك هي فكرته في " المسرحة " وهي ناجمة من كل أثر سابق ومن كل الأساليب والطرق التي نشبت فيها من قبل. وقد كتب في " المصطلحات الخمسة الكبرى " يقول إن " المسرحة " اصطلاح ليس من وضعنا وكل ما ندعيه لأنفسنا إننا نظرنا إلى المسألة بشيء من الاستغراب أكثر من ذي قبل حتى طلع التأمل ببعض الثمرات. وبدلا من أن نقول " الحياة رواية مسرحها هذا الكون " ونمضي عن هذا القول عابرين وقفنا عنده نتأمله طويلا، تأملا شاقا مضنياً ". وإن من يقرأ كتب بيرك بالترتيب يجد فكرة " المسرحة " قد تطورت عنده بالتدريج، من مبادئ معينة، إذ بدأ بيرك يرى إن هناك انقساماً دائماً في المبادئ المتناقضة ثم أخذ بالفكرة التي ترى إن النزعات " أعمال "

стр. 554

أولية، ثم إلى القول بالديالكتيك في جميع مراحل التأليف عنده وأحياناً كان بيرك يسوي بين هذه جميعاً ولكنك إن نظرت إليها بالترتيب وجدت فيها تطوراً وتعميقاً ينتهي بالمسرحة. وقد تعد هذه المسرحة - إلى حد ما - الديالكتيك المثالي عند كولردج وهجل، ولكنك إن أبعدت في فهمها وجدتها هي الديالكتيك العقلي عند " سيجموند فرويد ذلك الديالكتيكي المحدث العظيم " (تذكر أن بيرك قال في موضع آخر إن فرويد ليس ديالكتيكياً بالمعنى الصحيح) فإذا جمع بيرك بيم ماركس وفرويد تجاوز حدود الديالكتيك إلى ما يسميه هو المسرحة، وهو يحاول التوحيد بين ماركس وفرويد والجمع بينهما تحت شعار واحد وهو نظرية الدراما لأن فرويد يقدم لنا مادة المسرحية الفردية وماركس يقدم لنا مادة المسرحية القائمة على المشكلة الكبرى والأولى يتمثل فيها الصراع الفردي والثانية يتمثل فيها الصراع الجماعي. وإذا أمعنت النظر كرة أخرى وجدت مسرحة بيرك هي الديالكتيك السقراطي أي شفف سقراط بالتعريفات في محاوراته وذلك هو أيضاً ما ورثه أرسطوطاليس من أستاذه. وإذا نظرنا من الزاوية الفلسفية وجدنا مسرحة بيرك مشتقة كلها من أرسطوطاليس ومن الواقعية الأرسطوطاليسية التي تتجلى عند مفكرين مثل توما الأكويني في نظرياتهم عن " العمل " (١) . أما في المصطلح الأدبي فيبدو إنه متأثر بمقدمات هنري جيمس وقد أطلع عليها بيرك في دور مبكر حتى

стр. 555

إنه حين نشر مقالا عن جيمس في المجلة الجنوبية شتاء ١٩٤٢ كتب يقول: " إن ما نقرؤه من مقدمات هنري جيمس هو فكرة مسرحية فهنالك يقدم جيمس لنا تحليلا لدوافع القصص بمصطلحات يستعملها المسرحي ". وفي مقالة " الدوافع والموضوعات في شعر ماريان مور " المنشور بمجلة Accent ربيع ١٩٤٢ استعمل لأول مرة هذه المصطلحات الثلاثة: " الفعل " و " المشهد " و " الفاعل " وقال فيها: " إنها المصطلحات التي تدور عليها فلسفة المسرحية المشمولة في مقدمات هنري جيمس ". ثم يعود فيشير إلى هنري جيمس في مقال آخر ويقول: إن مقدمات هنري جيمس في جملتها لتصور مدى أوسع من هذا في استعمال المتلائمات " المسرحية " وكثير من ملاحظه يتعلق بأمر العلاقة بين الفاعل والمشهد. وكثير غيرها يتعلق بفكر المؤلف من حيث هو مصدر للعمل أي العلاقة بين الفاعل والفعل وكثير منها يدور حول مجرد العلاقات الداخلية القائمة بين العمل والمشهد والفاعل في أية قصة معطاة غير إنه في المقدمات يعالج القصة بمصطلح مسرحي، عامداً وعلى نحو منظم. وهذا بعينه هو الإلحاح على جعل " الدراما الشعائرية " موثلاً تنضوي تحته كل أفكار بيرك وتتلاءم معه حتى نظرية باجت في أن الكلام إشارات تتلاءم وهذه النظرة الشاملة. ويقول بيرك: " بما أن الأحداث الإنسانية درامية. فالحديث عن الأحداث الإنسانية يصبح نقداً درامياً ". وهذه الدراما الشعائرية ذات مراحل ثلاثة هي الغاية فالعاطفة فالإدراك ويقول بيرك: " من فعل الفاعل تنجم العاطفة ومن معاناة العاطفة تنشأ معرفته للفعل الذي يؤديه وهي معرفة تستعلي إلى حد ما فوق فعله ". وعلى هذا تقوم شعيرة " العمل الرمزي " على أساس من شعيرة

стр. 556

جماعية قديمة. وشعيرة العمل الرمزي هي البديل الذي قدمه المجتمع الحديث في مقام الشعيرة الجماعية. حتى أن اشتداد الناحية الجنسية ليعد بهذا المعنى رقصة شوة فردية تحل محل الراقصة الشهوية القبلية التي تلاشت. ومن ثم اعتمد قسط كبير من مسرحة بيرك على الانثروبولوجيا وعلم أصول السلالات " الانثولوجيا ". وقد كتب رانسوم يصف مذهبه فقال: " يبدأ بيرك بأن يعد الشاعر طبيباً والقصيدة دواء. وهو مرهف الحس على بقايا الشعائر: كالحرام والعناصر الفتيشية، واطلاق الأسماء وما أشبه ". والحق أن بيرك عني كثيراً بسلوك الجماعات البدائية مستمداً على نطاق واسع تعميمات علماء نظريين مثل فريزر وتقريرات علماء تجريبيين مثل مالينووسكي. وقد أعجب بكتاب " الغصن الذهبي " لفريزر وقال إنه " هزلي " وهي أرفع كلمة تقريظ يستعملها وإنما استحق الكتاب ثناءه لأنه " يدلنا على طقوس التطهر السحري عند الشعوب البدائية وبهذا يقدم لنا التلميحات الضرورية التي تعيننا على كشف عمليات مشابهة في أعمال الشعوب المتحضرة التي انقطعت صلتها بالشعائر ". ولا أعرف أن بيرك أشار إشارة مباشرة إلى مدرسة كمبردج أعني إلى أولئك الدارسين الذين طبقوا نظريات فريزر في الكشف عن نماذج الشعائر الدرامية القديمة الكامنة في أساس الفن والفكر الإغريقي أمثال مري وجين هاريسون وكورتفورد وكوك؟ الخ. ويبدو إنه لم يقرأ شيئاً مما كتبوه ولكن كثيراً من آرائه وبخاصة في كتاب " البطل " لراجلان وتحدث عن استحسانه له، وكان لا يرى بأساً في تسمية نقده " النقد الشعبي " وهذا قد يشير " لى معرفته بآراء فلاسفة تلك المدرسة أو يدل على توارد عجيب في التفكير. ويحتاج مصطلح بيرك منا بعض التوقف والتقدير. وهو مكثر من

стр. 557

تفريع المصطلحات مثل بنثام وبيرس وفبلن، وقد عبر بيرس بسخرية عن رأي بيرك ووصفها بالصرامة المتعبة، وقد جاء فيها: من طبيعة العلم أنه لابد له من معجم فني معترف به، مؤلف من كلمات لا تجذب المتهاونين من المفكرين لاستعمالها ومن طبيعته أيضاً إنه بحاجة إلى كلمات جديدة كلما جد فيه مبدأ من المبادئ على أن تصاغ في نهج مسلم به مشروع. ومن الهام الحيوي للعلم أن كل من يضع فكرة جديدة وجب عليه أن يأخذ على عاتقه اختراع سلسلة من الكلمات المنفرة للتعبير عنها، وأني لأرجو أن تفكر بجد في المظهر الأخلاقي لوضع المصطلحات. ولم يكن من مبدأ بيرك أن يخترع كلمات جديدة دائماً كما كان يفعل بيرس بل إنه كان مثل فبلن يبعث الحياة في الكلمات القديمة أو يعيد تحديدها حيث أمكنه ذلك. (يخبرنا رتشاردز إن المشرعين الصينيين يستحسنون أن يعاقب بالموت كل من يخترع مصطلحات جديدة (، وفي استعمال الكلمات القديمة لتعبر عن معنى دقيق جديد خسارة وربح معاً. أما الربح فقد لحظه جوبير الذي كان يلح على استعمال الكلمات الشائعة اليومية حتى في موضوع مثل الميتافيزيقا إذ قال: بذلك يتجلى للناس ما يفكرون فيه بمصطلحاتهم وبذلك يوحي الأديب لهم بأنه يوفق بين الحياة ومصالحها. وأما الخسارة فقد لحظها كولردج الذي صنع كثيراً من الألفاظ إذ قال: " في مثل هذا المجال العلمي ليس أمام المعلم المرشد إلا أحد طريقين: إما أن يستعمل الكلمات القديمة بمعاني جديدة كما يفعل لنايوس وواضعوا المصطلح

стр. 558

الكيميائي. وأنا أفضل الطريقة الثانية لأن الجولة الأولى تستنزف جهداً مضاعفاً من الفكر، في عمل واحد، لأن على القارئ أن يتعلم المعنى الجديد، وأن ينسي نفسه المعنى القديم الذي ألفه وهي عملية عسيرة محيرة، فإذا كره أحد الطريقة الثانية وتجنبها تجنباً للتصافح فإني أرى التفاصح أقل كلفة من الطريقة الأولى ". وقد سلم بيرك بأنه " إن كان في مقدورنا أن نستعيد مصطلحاً غير ملائم قد مات دون أن ينكر لموته أسباب كافية فإن بعثه إلى الحياة يحمل شراً أقل من الشر الذي يصاحب الصياغة المخترعة ". ولذلك فإن بيرك يكسب عدداً من القيم الحقة كلما استعمل الكلمات المألوفة بشيء من التحوير في المعنى أو أعاد لها المعنى الذي مات ولم يكن مألوفاً. أما أن الناس لا يرون في كلمة " هزلي " نفس المعنى الذي يراه ولا يرون في " الصلاة " ذلك المعنى الذي يريده فذلك هو المسؤول عن الاضطراب الذي يقع فيه قراؤه وربما كان هو السبب أيضاً في قلة من يقبل عليه من جمهور. غير إن مصطلح بيرك من الناحية الأخرى كان يتدرج دائماً نحو مزيد من الوضوح وكل مجموعة خالفة فيه تتطور من مجموعة سالفة حتى إن الحماسي المسرحي: الفعل والمشهد والفاعل والأداة والغاية قد يرضي جوبير نفسه لأنه مستمد من الكلام الشائع المألوف. ويقول بيرك: " يجب أن تكون غايتنا دائماً هي أن نسير بمصطلحنا نحو الكمال لأن المصطلح الملائم يتضمن تنبيهات وتحذيرات ملائمة، ومما هو أساسي في المبنى المصطلح حاجته لى التركيب أو المرونة لا أعني التركيب الناشئ من تعدد المصطلحات وإنما أعني تركيباً منذ البدء فيها ". وقد كانت فكرة " المسرحة " وما يدور حولها من مصطلح من المجازات التي ثابر عليها بيرك من البداية إلى النهاية وطورها بالتدريج

стр. 559

ولما كتب " فلسفة الشكل الأدبي " عام ١٩٤١ كان قد وضع مصطلحين من خماسي الدراما وهما الفعل والمشهد؛ وفي بعض هوامش ذلك الكتاب شرح المصطلحات الخمسة ونبه إلى أنه سيتناولها من بعد بالتفصيل، وفي الوقت نفسه نشر مقاله " المعنى السمانتي والشعري " وميز فيه المثل الأعلى الشعري وقال إنه تغلغل في الدراما لا دوران حولها، وقال في مقال آخر: " إن العلاقات الإنسانية يجب أن تحلل بالنظر إلى الإرشادات التي استبانت بعد دراسة الدراما ". وهناك مصطلح آخر - مجاز - حافظ عليه بيرك أيضاً في كل كتبه وذلك هو استغلاله اصطلاحات العمل وشئون المال للتعبير عن أمور غير مالية، وهي خطة يشاركه فيها ثورو. وفي هذا المجال استعمل بيرك ألفاظاً مثل: الاستثمار وتعميم الخسائر " والتجيير " والحطيطة وغيرها في أمور الفن والفكر، وقد قال في الدفاع عن هذه الطريقة: " إن المصطلح الرأسمالي فذ لأنه يبسط العمليات الاجتماعية على شرط أن تضيف إليه البند الهزلي ". ويسمى بيرك طريقته هذه " تأملية - مالية " في مقال كتبه بالمجلة الجنوبية ربيع ١٩٤١ ويضيف إلى ذلك هذه العبارة التأسفية: " إنني استعمل هذا المصطلح المزدوج المعنى " Speculative " (١) وأنا على وعي بازدواج معناه لأني حين أسمي نفسي " Speculator " أعتقد اعتقاداً تاماً إنني أوضح قيمة اجتماعية تأثرت بهذا الازدواج مع إنني يجب واأسفاه أن أتحدث كأنني شخص ليس له مجال في هذا الموضوع، شخص لا ينال المعرفة فيه إلا حين يشرحها له المختصون أصحاب الشأن، شخص يملك المال في عقله [أي التأمل] لا المال الذي في كيسه ".

стр. 560

أما المصطلح الخماسي الدرامي الذي أوجده بيرك فهو ثمرة لمجموعات من الثنائيات والثلاثيات التي حاولها قبله كثيرون. وبه أراد أن يوجد مصطلحاً شاملا يطبق على أي مجال. وهو كما وضح بيرك نفسه ذو صلة بالعلل الأربع التي سماها أرسطوطاليس: الصورية والمادية والفاعلة والغائية: وفي مقابلها وضع بيرك - على التوالي - الفعل والمشهد والفاعل والغاية على أن تكون الخامسة وهي " الأداة " داخلة في العلة الغائية. وكذلك سوى بيرك بين خماسيه والعناصر الست التي ذكرها أرسطوطاليس في المأساة وهي: العقدة الفعل، والشخصية الفاعل، والفكرة الغاية، والموسيقى والكلام الأداة، والمنظر المشهد. وقد أوجد بن جونسون بعد ارسطوطاليس ثالوثاً مكوناً من القصيدة والشعر والشاعر وهذه الثلاثة تقابل الأداة والفعل والفاعل عند بيرك. أما ثنائية لسنج في اللاوكون: أي " الأشخاص - والأعمال " فإنها تقابل المشهد والفعل عند بيرك. وأما ثالوث أمرسون المكون من العلة والعمل والنتيجة أو ما يسميه بلغة الشعر جوبتر وبلوتو ونبتون ويسميه باسم الثالوث المسيحي أو ما يسميه: العارف والفاعل والقاتل - هذا الثالوث يقابل الغاية والفعل والمشهد أو الفاعل عند بيرك؛ ولدى آرنست فنولوزا في مقال عنوانه " الكتابة الصيني من حيث هي وسيلة لنقل الشعر " - لديه ثالوث مكون من الفاعل والفعل والغاية وهو مقارب لخماسي بيرك. وهناك مظهر هام عند بيرك لم يقدر حق قدره أعني العلاقة بين القصيدة والجمهور أو ما يسميه بيرك " البلاغي " أو " الخطابي "، وقد خصصه الناس متعسفين برتشاردز وعدوه ميدانه المطلق. غير إن بيرك عني به أيضاً عنايته بالعمل الرمزي بل زادت عنايته به على العمل

стр. 561

الرمزي في كتابيه " مقولة مضادة " و " الثبات والتغير ". وفي " فلسفة الشكل الأدبي " يقترح بيرك علاقة بين الشاعر والقصيدة وبين القصيدة والجمهور - علاقة تمزج العمل البلاغي بالعمل الرمزي في الجمهور فيقول: إن ما يؤديه العمل الفني للفنان نفسه من أمور ليست هي نفس الأشياء التي يؤديها ذلك العمل لنا لأن هناك فرقاً بين القصيدة مكتوبة والقصيدة مسموعة. وبعض هذه الأمور مشترك بيننا وبين الفنان نفسه وبعضها غير مشترك. ولكن هذا هو رأيي: إذا جربنا ن نكشف عما تؤديه القصيدة للشاعر استطعنا أن نكشف مجموعات من التعميمات التي تدلنا على ما تؤديه القصيدة لكل إنسان أيضاً فإذا تذكرنا هذه الأمور أصبحت لدينا دلالات تمكننا من تحليل نوع " الحدث " الذي تحتويه القصيدة وبتحليل هذا النوع المذكور نستطيع أن نكشف عن مبنى العمل الفني نفسه. إذن فإن القصيدة تؤدي شيئاً للشاعر وقرئه وهذا الذي يبثه الشاعر في القراء هو " البلاغي " أو هو " النقل " وإنما يسمى بهذا الاسم تمييزاً له عن " التعبير " ويسميه بيرك " الصلاة " حيث يتحدث عن ثالوثه: الحلم والصلاة والمخطط وأحياناً يسميه " اختيار الإشارة " ليصور نزعة الشاعر وهو يحاول أن " يغري النزعات الأخرى ويجتذبها " فالقصيدة على هذا عمل رمزي من الشاعر ولكنها تتخذ لها مبنى ولذلك تمكننا نحن معشر القراء من أن نعيد وجودها وبذلك تكون القراءة نفسها تمثيلا للشعائر الرمزية. وقد درس بيرك هذا الجانب التأثيري " البلاغي " في مقالين مسهبين، أدرجهما في " فلسفة الشكل الأدبي " أحدهما عنوانه " أنطونيو يدافع عن الرواية " وهو حديث ذاتي (مونولوج) طويل يوجهه أنطونيو إلى الجمهور

стр. 562

ليشرح لهم وسائل شيكسبير كما تتمثل في خطاب التأبين عند مقتل قيصر والثاني عنوانه " ترجمة المحاكمة " من (رواية الليلة الثانية عشرة) وهو تفسير آخر أقل شأناً منه الأول يوجهه الدوق. وقد عد بيرك هاتين الدراستين تفسيراً للعلاقة القائمة بين القارئ والكاتب والأصح أن تعدا دراستين للعلاقة بين القارئ والقصيدة. أما دراسته الأتم فهي " بلاغي معركة هتلر ". وهي حقاً دراسة للعلاقة بين القارئ والكاتب لأنها تتناول تعبير هتلر الرمزي في الكتاب والعمل الرمزي عند الجمهور الذي يقرؤه والعلاقة البلاغية بين الاثنين. وهذه الدراسة توحد بين الخاص والعام وبين الدراسة النفسية الموجهة لتعمق ما تستطيع بلاغة التعبير نقله إلى الجمهور. ويحاول بيرك في " مقولة مضادة " أن يطور فكرة البلاغة أولا بالتمييز بين المعالجة الشخصية والنغمية ثم بين الواقعي والخطابي؟ ثم بالتمييز بين المعالجة الشخصية والنغمية ثم بين الواقعي والخطابي؟ ثم بالتمييز بين سيكولوجية الخبر وسيكولوجية الشكل، أما الشكل فإنه " سيكولوجية الجمهور " أي " هـ إثارة الشهوة إلى الاستماع في فكر المستمع وإشباع تلك الشهوة أو هو إثارة الرغبات وإرضاؤها " - وهذا يساوي ما يسميه " البلاغة " وليس ذلك كله إلا الأدب التأثيري. ويتسع مبدأ " العمل الرمزي " عند بيرك وفكرة " البلاغة " حتى يشمل كل التوافه من كل نوع حتى إن بيرك ليستمد أمثلته من السينما ومن الأحاجي التي تقدمها الإذاعة ومن أخبار تنقلها إحدى الجرائد من الجمعية العامة للصناع عن كل ما هب ودب. وهذه الأمور كلها أنواع من الشعر مليئة بالعناصر الرمزية والبلاغية وإن كان شعراً رديئاً فإنه شعر رديء ذو أهمية حية في حياتنا وحين يغمس بيرك نفسه في هذه " البؤرة " الرخيصة يتبدى لنا كأنما هو ملك يضحي بنفسه من أجل أن تنمو مزروعات القبيلة.

стр. 563

٥ - لقد عرضنا فيما تقدم رأي بيرك في المواقف والخطط والنزعات والدوافع والعمل الرمزي والغايات، فلنقل كلمة في الأمور حسبما تنطبق عليه لا على غيره. ١ - ولنبدأ الحديث عن آثاره خارج المجال النقدي الحق، وهذه الآثار نوعان: (أ) القصص: وقد نشر بيرك مجموعتين هما " الثيران البيض " وهي مجموعة من القصص القصيرة، عام ١٩٢٤ و " نحو حياة أفضل " وهي سلسلة من الرسائل أو الخطب عام ١٩٣٢ وكلا الكتابين دقيق معقد غامض رصين الأسلوب جزل، والأول يتدرج من قصص واقعية إلى قصص محيرة برموزها وخطابتها وكأنها " مقولة مضادة " تعلي من شأن الأسلوب الخطابي حين كان هذا الأسلوب مشنوءاً محتقراً. وأما الثاني فهو عودة إلى أساليب " ديوانية " في الكتابة ولا يهتم بالحبكة إلا اهتماماً عارضاً ولكنه يهتم كثيراً بما يسميه بيرك " الأقطاب الستة " وهي " الندب والحبور والترجي والتحذير والتقرير والتعزير ". ولم يكسب هذان الكاتبان رواجاً وقل من قرأهما أو أعترف بهما ولكنهما أثرا في بعض الكتاب وأثنى عليهما وليم كارلوس وليمز وهاجمهما أيفور ونترز وقال إنهما " أبلد من قصص تاكري " والثاني منهما يتراءى لي من خير القصص في عصرنا. وهما من حيث صلتهما بنقده يعكسان كثيراً من أفكاره ويطبقان كثيراً من نظرياته ويعملان على " وضع " الدوافع الإنسانية مواضعها من زاوية جديدة. وقد كتبهما مطبقاً فكرته البلاغية ولكنهما من بعد أعاناه كثيراً

стр. 564

في التعريف بالعمل الرمزي والتمثيل عليه. (ب) المراجعات والترجمات والقصائد: تعلم بيرك كثيراً من المراجعة. وكان موضوع المراجعة في هذا العام مثلا يصبح مرجعاً لمراجعة تالية في العام التالي وقد أبعد عن نطاق الأدب التخيلي في مراجعته فوسع من آفاق إنتاجه وكان يستخرج الأفكار النقدية من مشكلات تنشأ من مراجعاته وكثيراً ما أدرج تلك المراجعات في خلال أعماله النقدية، وقد كتب بيرك أيضاً نقداً في الموسيقى ونقداً في التصوير وفي كتابه " مقولة مضادة " إشارات إلى النواحي الموسيقية والتصويرية، كما إنه ترجم كثيراً من الألمانية من ذلك أقاصيص لتوماس مان وكتابات من اشبلنجر واشتتزلر واميل لدفغ وغيرهم ونشر عدداً من القصائد أكثرها طليق من الوزن خطابي الأسلوب ينص على السخرية والنقد الاجتماعي ولكنها لم تجمع في كتاب. ٢ - آراؤه الاجتماعية: توجد هذه الآراء في شعره، وعلى نحو أغمض في نقده وكلها معقدة غامضة. وأبرز العناصر فيها مقته للتقنولوجيا والحضارة الآلية ومذهب " الكفاءة " و " المستوى العالي من المعيشة " وما أشبه، ولذلك قاوم هذه الاتجاهات في كتبه منذ البداية حتى النهاية. وقال: " إن المبدأ الجمالي يحاول أن يحط من القيم الموجودة في الاتجاه العملي ويحاول بالذكاء أبالخيال أن يحدث اضطراباً في القانون القائم في العمل التجاري والتنافسي الصناعي وبطولة الحرب الاقتصادية ويعمد إلى أن يزعزع أعمدة الصناعة ". هذا هو ما قاله في البيان الجمالي الذي نشره في " مقولة مضادة " ثم استمر يعتنق هذا في ختام كتابه " الثبات والتغير " وعنف لديه هذا الإيمان في " فلسفة الشكل

стр. 565

الأدبي " فوصف البناء الاقتصادي بأنه مهين يدفعنا إلى عمل أمور مهينة. وجعله تشاؤمه يرى إننا مقبلون على " فصل سياسي عابس مكفهر " وإنه لا ينقذنا منه إلا الدعوة إلى التكامل الذاتي. ثم تخف مرارة هذه النظرة الاجتماعية في كتاب " نحو الدوافع " ويقل فيها التشاؤم ولكنه لا يزال يعادي الاتجاه نحو الآلة والمستوى العالي من العيش (١) ، والمصاعب الهائلة التي يقع الناس تحت وطأتها من أجل الحصول على فوائد تقنولوجية ولا يقول ثمة أن النظام الصناعي والدافع المالي " مهينان " بل يقول إنهما " اليمان قاسيان " ويستشف أملاً ما حين يقول: حين يسيطر على سياسة المجتمع الكذابون والأغبياء والجشعون فإن فلسفات التقشف المادي قد تبعث في نفوسنا بعض العزاء لأنها تذكرنا أن تلك المواد عينها التي تتكون منها مدينتنا أو التي نبتت مدينتنا فيها لن نسمح للكذب والغباء والجشع أن تسيطر على النفوس حين يسيطر بعض الناس أن وجدوا إلى ذلك سبيلا. ويقترح بيرك في النهاية أن يأخذ الناس بشيء من " الزهد الرواقي " لأن الناس لن يقفوا عن تطوير التقنولوجيا سواء أكان ذلك لخيرهم أو لشرهم. وفي هذه النزعة نغمتان افترقتا بعد زمن. الأولى رفض الآلة والتقنولوجيا والتصنيع في كل مجتمع، ويقاوم بيرك هذه الأمور بالتقليل من " شد الأحزمة " والتقليل من الحركة والتكثير من العمل وتكييف الكفاءات مع حال البيئة. وهذا هو أشد آرائه رجعية ويشاركه فيه أمثال
следующие страницы →