← Адаб

Адаб · id 1010

النقد الأدبي ومدارسه الحديثة

ستانلي هايمن

Полный текст (589 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

هذا الكتاب من النجاح ما لم يلاقه كتاب " أصحابها.. " The Company She Keeps لماري مكارثي) . ويضم لكتاب ست قصص كتبت بضمير المتكلم وجميعها تدور حول الحياة في تلك المقطاعة الوهمية. وتستغرق القصة الطويلة وهي " الأميرة ذات الشعر الذهبي " نصف الكتاب، وهي التي اعتبرت أمثر القصص إساءة إلى أخلاق الجمهور. (وهي تتناول، كما قال الإدعاء في لهجة مرحة، عشرين دورا مستقلا من عمليات الجماع، تشترك فيها أربع نساء، مع الوصف الدقيق المفصل، إلى جانب " مجموعة (منوعة) من أعمال الدعارة "، و " التحليات المقرفة ") . وقد أجمع المراجعون والنقاد على أنها ترجمة ذاتية؟ فقال رالف بيتس " إنني مقتنع بأن كل كلمة فيها صادقة ". وأشار غرانفل هكس إلى " كشفها عن ممارساته الجنسية "، وأعلن قائلا: " إن الدلائل الداخلية تشير إلى أنها ترجمة ذاتية، وأن هنالك إشارات إلى " أنا " في كتابات ولسن السابقة التي ظهرت في منتصف العقد الرابع ". أما المحاولات التي قامت لتدحض مطابقتها لحياة ولسن، فكانت تافهة، ومنها قولهم إن القاص ناقد من نقاد الفن، وميدانه هو القاعدة الاجتماعية للتصوير، وأنه ذهب إلى بيل لا إلى برنستون، وقولهم: " هو طويل نحيف "، لا قصير سمين، وما إلى ذلك. وقد كتبت قصة " الأميرة ذات الشعر الذهبي " بأمانة مدمرة مؤلمة محرجة (جديرة بالإعجاب إلى حد ما) . وهي ما وهبه ولسن؟ فيما يبدو؟ بديلا عن الموهبة الأدبية. ولهذا السبب، وتمشيا مع خطتنا في هذا الكتاب، تستحق هذه القصة من المعالجة أكثر مما يستحقه غيرها من أعمال ولسن. والقصة نوع من السخرية الاجتماعية، ولعلها نوع من الرمز الذي يصور بلغة جنسية، في المقام الأول، علاقة القاص المضطربة بأنا، الفتاة العاملة، وبايموجين الجمسلة، المقعدة (ونعرف فيما بعد

стр. 72

أنها كذلك من أثر الهستيريا) المتزوجة التي تنتمي إلى طبقة ذاتها، في وقت معا. ويمضي القاص في عرض الجانب الآلي من العلاقات الجنسية في فترة المراهقة، بمنتهى الصراحة، متدرجا إلى سن النضج، ويبدو ذلك في قوله: " وأخيرا أقنعتها "، أنها الآن راغبة "، " ومضينا إلى ابعد من ذلك بكثير "، " ولكنني لم أتجاوز ذلك الحد "، وما إلى ذلك. وهو يرى الناس دوما على صورة الكلاب والهررة والقرود، بل حتى على صور شقائق الماء (فأنا هي " الوحش أو الطير الذي اقتنص من الحقول ") ، أو على صورة الأطعمة، والطعام متسلط على القصة (فهو يتحدث عرضا عن حفلة عشاء بقوله: " إنني أتذكر ألوان الطعا التي قدمت أكثر من تذكيري للأحاديث التي تبودلت ") . ويكشف القاص عن عنجهيته دون خشية: فيبين بصراحة أن اهتمامه بالعمال بدأ في الانهيار الاقتصادي (١٩٢٩) . ويبحث بهدوء عن وجه بالمجازفة في " علاقة المرء بأناس من طبقة دون طبقته "، ويصرح عن مخاوفه من أنه قد يستشعر العار من علاقته بأنا (" لن أجرؤ على الظهور بصحبتها في مقاطعة هيكت ") .. الخ. وإن ما يكشفه لنا من دخيلته في حالة اللاوعي لأكثر أهمية. فهو شبيه ببابت (١) (فعندما يأخذ سبيله إلى النجاح يقول " لقد ابتعت قبعة سوداء ") ؛ وهو متعجرف منخوب (" كنت حريصا على تجنب المغامرات "، " مع أنني بطبيعة الحال كنت قد اتخذت الاحتياطات اللازمة ") ودون جوان صغير (" وتأثيري القوي الذي يدل على خبرة "، " وطبقت فنونا متنوعة وألونا من اللطف ") . وسوقي مسرف في عاطفيته (" لساني في فمها الصغير الناعم ") وبذيء مسرف في بذاءته (" الأعضاء السفلى العشوشبة الندية "، " والفرن البشري ذو الحرارة والعصير ")

стр. 73

أو حتى ما يدعى " بالخسيس " (فهو يرفض مباضعة ايموجين وهي مرتدية مشدها " لقد كنت أخشى أن يكون متعسرا، أو ليس من الرجولة في شيء ") . ويكشف القاص، إلى جاني كل هذا عن نوع غريب من الشبق، نحو المرأة التي ترتدي ملابسها (" فالشهوة في مناسبات سريعة كهذه، تزداد برؤية الملابس والجوربين والحذاء "، " بانتعاش مفاجئ للرغبة الجنسية، عندما ارتدت ملابسها وهمت بالانصراف ") حتى ليكون ذلك شبيها بسادية داعر هم ممن يتحدث عنهم كرافت ابن (١) ولكن الشيء الأكثر دلالة في القصة، ليس هو الوصف الجنسي الصريح أبدا، وإنما التورية اللاشعورية. فقد تحقق من أن " أنا " ليست مشاعا في الصفحة نفسها التي يذكر فيها حبه المتزايد للشيوعية. وتؤيد الأقاصيص الأخرى وكذلك الكتاب كله بوجه عام، بعض هذه النظرات، كما تؤكد وتوضح بعض الإشارات المبكرة في كتابات ولسن. فهو في قصته " الرجل الذي اصطاد السلاحف الكدامة " The Man Who Shot Snapping Turtles يسخر من عالم التجارة وفيها أيضاً استعارات حيوانية للشخصيات الإنسانية. ويحاول في " إلين تيرهون " Ellen Terhune أن يخرج قصة أشباح على طريقة هنري جيمس، ليوضح بها نظرية الجرح والقوس. وفي " لمحات من ولبر فليك " Glimpses of Wilbur Flick تختلط السخرية من غني تافه يتلاعب بالأسباب والعلل مع رمز غريب للفن على أنه " كخاتم لبيك "، وفيها أيضاً يصف الكائنات البشرية بأوصاف حيوانية. أما قصة " الملهولانديون وروحهم اللعينة " The Milhillands and Their Damend Soul، فهي سخرية لاذعة من دور النشر الضخمة، وهي مليئة بمعارضات ولسن القاتلة وسخرياته المرة، دون أن تتسم بشيء من الفكاهة الحقيقية.

стр. 74

أما قصة " السيد بلاكبرن وزوجه في البيت " Mr. And Mes. Blackburn at Home فهي أضغاث أحلام ذات صلة بدراسة الجن والعفاريت، وتختلط فيها الصور السياسية، بالصور الجنسية، وفيها أيضاً سخريته المرة التي لا تلطفها روح الفكاهة (باستثناء ذلك السطر الذي يعتبر نسيج وحده في كتابات ولسن، وهو قوله: " لم أقل شيئا، لأن القبلة قالت كل شيء ") . أما كتاب ولسن الأخير، " أوروبة دون دليل " (١٩٤٧) ، فهو مجموعة مقالات وصفية عن أوروبة بعد الحرب، ظهر نحو من نصفها في مجلة " النيويوركر " New Yorker وإذا نحينا جانبا كراهيته الشديدة لكل ما هو بريطاني، هذه الكراهية التي تعادل كراهيته لروسية، نجد أن الظاهرة الهامة في الكتاب هي اعتماده الصريح على أسلوب " المبسط ". أي على أن ولسن يستطيع أن يثير الاهتمام بأي شيء وذلك بالكشف عنه (كما فعل في المقالات المبكرة التي نشرها في شهرية الأطلسي Atlantic عن الأدب الروسي، والتي استرعت اهتمام العالم حين كشفت عن أن اللغة الروسية تحتوي على جميع أنواع الألفاظ والأصوات الممتعة) . والكتاب يقدم شواهد جديدة على موضوعات مألوفة، دون أن يأتي بطريف. وفيه ما في غيره من عدم الاكتراث بالكائنات البشرية، فجميع الناس الذين قابلهم في بلاد اليونان، أقرب إلى النماذج والأفكار السياسية المجردة، منهم إلى الأفراد الإنسانيين. وكان في ميلان يتجنب الجماهير، أما في لندن، فإنه لا يلاحظ الأفراد، بل يلاحظ " العلامات الدهنية التي تتركها رؤوسهم في حجرات الفنادق ". ويشتد به جنون العظمة، فلا يعكس صورة بعض المظاهر المنفرة التي علق بها سنتيانا (١) ، ولا يدافع عنها

стр. 75

فحسب، ولكنه في أحد المواضع يرى أن المفكرين الإنجليز أثاروا غضبه بمدحهم لكتاباته القديمة فقط، ويقرن نفسه إلى شيكسبير. وهناك أيضاً يتجلى شغله الشاغل بالأمور الجنسية. فهو يلاحظ الفتيات " المشرقات الوجوه " و " الفاتنات " بمظاهرهن " المغرية " " المثيرة " حيثما ذهب، (حتى التماثيل في كريت لها أثداء شهية) ويعلق على جاذبية عدم التناسب والتنافر في الشكل، ويبدي اهتماما بالغا بالمومسات، ويصف لقاءاته لهن في إسهاب، ويكتب أبحاثا مقارنه عن أحوال معيشتهن، ويتحدث عن دولة من الدعارة ترأسها " فتاة بهية الطلعة حقا، حيتني بالفرنسية " في لندن، وفتاة غريبة من أصل بولوني؟ ألماني " رائعة الجمال " في نابلي. وكذلك تشغله شؤون الطعام، فهو يقارن بنهم بين وجبات الطعام والخدمة في مختلف أنحاء أوروبة التي دمرتها الحرب. ولا يرى في دلهي أكثر من " كبائب لحم ضأن في سفود "، والتجربة التي يذكرها جيدا في كريت، لم تكن أكثر من " مأدبة هومرية ". ولعل أهم ما في الكتاب، وصفه للخدعة التي كان يقوم بها ليسلي الطفال، وهي تحويله منديل جيبه إلى فأر وثاب. " وقد كنت أحقق بها أعظم النجاح ". وقد جربها مع الأطفال في أثينة " ولكنها لم تكن ناجحة تماما، فالولد على ما يبدو كان أكثر اهتماما بالاستماع إلى المناقشات السياسية ". ونستطيع أن نجمع عددا آخر من الملاحظ المتنوعة التي تساعدنا على دراسة " جرح ولسن ". منها بعض التجارب التي مر بها في برنستون ومدرسة هل، التي ما يزال يكتب عنها في ذكريات لا يجف لها معين. (لاحظ مالكوم كولي في مقالته التي كتبها عن كتاب " إلى محطة فنلندة " إن ولسن يصف لينين بأنه يتمتع بالوقار الأكيد الذي يتمتع به " ناظر مدرسة محترم ") . ولا يزال زملاؤه القدامى في الجامعة يطلون برؤوسهم في كل كتاباته. ويلازمه أيضاً اهتمام شديد بالسحر المسرحي وبالشعوذة

стр. 76

(التي يبدو أنها تمثل دائما، كما يقول ولسن، بعض الرمزية القسرية، كطقوس الموت والدفن عند هوديني) ، وكثير مما يشبه ذلك. وتمدنا مقالة غرانفل هكس ببعض المعلومات القيمة: كقصة المرة الوحيدة التي التقى فيها هكس بولسن، عندما كانت جميع آرائه في كافة الأصدقاء " مرة مهجنة دون استثناء ". وكان يبدو على مائدة العشاء رزينا متغطرسا، على نحو لا تستدعيه آداب المائدة. ثم " عجزه الأساسي عن التعاون مع أية مجموعة من البشر، وخاصة تلك الصيغة التي طبعها ولسن على بطاقات ليستعملها في المناسبات، وأنا أنقلها هنا عن دراسة هكس المشار إليها: ادموند ولسن يأسف لأنه لا يستطيع: أن يقرأ مخطوطات الكتب أو يسهم في تأليف الكتب أو الكتابة للمجلات أو يشرف على التحرير أو يقف حكما في المسابقات الأدبية ولا يمكنه أن يقوم بالأعمال التالية دون أجر: أن يعطي درسا أو يلقي محاضرات أو يخطب في المحافل أو يقف خطيبا عقب حفلات العشاء أو يتحدث في الإذاعة ولا يمكنه على أي حال من الأحوال: أن يهدي نسخا من كتبه للمكتبات العامة أو يوقع على الكتب للغرباء أو يقدم معلومات شخصية عن نفسه أو يهدي صورا له

стр. 77

أو يسمح باستعمال اسمه في أعلى الرسائل لو يستقبل أناسا مغمورين لا شغل لهم معه. ويبدو أن جميع هذه المادة تتركز في سلسلة من المتناقضات الأساسية والورطات، وما دمنا لا نستطيع أن نصلقها بشخصية ولسن دون مزيد من الاعترافات الذاتية؟ فلا بد لنا من القول فيما يبدو هي الصفة المميزة لأبطال قصصه، وخاصة ذلك البطل الذي يستعمل ضمير المتكلم. فهذا البطل القصصي، إنسان بارد الإحساس، ينفر من أي اتصال بالناس، ولكنه يهتاج بدافع جنسي متوثب، وهو يفتقر إلى ملكة الإبداع ولكنه مضطر إلى إنتاج أعمال أدبية، وهو رهن الروح التجارية في الأدب، ولا يعجبه إلا الإخلاص والاستقامة. وهو ديمقراطي واشتراكي مع أنه مغال في عصبيته العنصرية، وغطرسته واحتقاره للناس. وليس له حظ من روح الفكاهة، ويلجأ إلى المعارضة الساخرة والهجاء. يحس بالتعقيد ويغالي في تبسيط كل شيء، سواء كان في الأدب أو في العلاقات البشرية، بعبارات تنضح بالحيرة والتردد. يمقت جميع القيود، ومع ذلك لا يستطيع أن يقطع " حبل السرة " الذي يربطه بالمدرسة. يهوى التملق ومع ذلك ينفر من المعجبين. له عقل شاك، وخلق محافظ يتوق إلى أن يكون " فلوبير "، فإذا به يصبح " إما بوفاري " (١) فإذا كان شيء من هذا ينطبق على ولسن نفسه، وإذا كانت نظرية " الجرح والقوس " تربط بين غور الجرح وقوة القوس، حق لنا أن نعجب لماذا لم يكن ولسن أعظم فنان في عصرنا هذا.

стр. 78

ومن إسهامات ولسن النظرية في حقل النقد، وإن كانت إسهاما ثانويا، نظرية هزة التعرف التي بنى عليها مجموعته المنتخبة سنة ١٩٤٣، وعرفها بحكمة مقتبسة من ملفل، هي: " إن العبقريات في جميع أرجاء العالم، تقف متشابكة الأيدي متضافرة، وهزة واحدة من التعرف نسري في الدنيا بأسرها ". وعلى الرغم من السخافة التي ينطوي عليها هذا القول بمعناه الحرفي فإن ولسن آمن به حتى أنه جمع ١٢٩٠ صفحة من الأحكام الأدبية التي أطلقت على الأدباء الأميركيين. وهذه الأحكام لم يكتبها النقاد، وإنما أدباء أخر. ومن الواضح أن عددا من الأدباء العظام، اعترفوا بعبقرية معاصريهم وأسلافهم " بهزة تعرف " مشجعة دافئة "، ومنهم بعض هؤلاء الذين ضمنهم ولسن مجموعته. وتاريخ الأدب مليء بالشواهد التي تثبت ذلك. وباستطاعة أي إنسان أن يعد قائمة طويلة بأسمائهم، مثال ذلك: بلزاك ورأيه في بيل، وبيل ورأيه في سكوت وبيرون، وسيموندز ورأيه في وتمان، وتولستوي فيما قاله عن تشيخوف، وتشيخوف عن غوركي (إن حدب هذين الكاتبين الروسيين العظيمين على الناشئين، واستجابتهما السريعة لهم، جديرة بالذكر) ، ورأي بوالو (دون غيره) في موليير، ورأي كيتبس في شيكسبير، ورأي آرنولد في كيتس (مع شيء من التحفظ) ورأي راسين في لافونتين، ورأي دريدن في ملتن، وما إلى ذلك. على أنه من المتيسر أن نعد قائمة أخرى لهزات عدم التعرف تبلغ في طولها عشرة أضعاف تلك. فبيرون كان يمقت شعر كيتس، وامرسون كان يحتقر يو، وقد تهجم رونسار على ربليه، وكان وتمان يثير شعور الكراهية في نفس لوول ولونجفلو وهلمز ولانيير ووتيير (ألقى وتيير ديوان " أوراق العشب " في النار) ، كما كان سوينبرن يكرهه وآخرون سواهم. وكان لامرتين يحتقر لافونتين ولم يكن سوفوكليس يرى شيئا ذا قيمة في آثار

стр. 79

اسخيلوس ويوربيدس، ولم يكن وردزورث يستطيع أن يقرأ شعر كيتس، وكان كورني يفضل بورسو على راسين، وكان امرسون يحب هورثون ولكنه يأسف على افتقاره إلى الموهبة، وكان وتمان يكره ملفل. وفي محيط مستشاري دور النشر، رفض جيد قصة بروست المعروفة، ورفض مردث قصة " طريق الجميع " The Way of All Flesh لبتلر، وكان رأي ملتن في شيكسبير غير حميد، وكذلك كان رأي جونسون في ملتن. وكان وردزورث يكاد لا يفهم صديقه كولردج، وكان جورج مور يكره هاردي وكان سنت بيف يغض من شأن بيل وبودلير وبلزاك وفلوبير، وهكذا إلى ما لانهاية. إن أسوأ ما في نظرية " هزة التعرف "، هو أن الأدباء الذين أساء إليهم معاصروهم، كوتمان، لا يميلون إلى أن يكونوا خيرا من ذلك في حكمهم على غيرهم من الأدباء. وإن عددا من الكتاب، ومنهم وردزورث وهردي وجيمس وملفل نفسه (على الرغم من استشهاد ولسن بقولته تلك) آلمهم عدم التعرف إلى مواهبهم حتى إن بعضهم لزم الصمت فترة من الزمن، أو ظل كذلك طوال حياته المنتجة، أو طلق فنا أدبيا كان هو الفن الذي خلق له. ومن الممتع أن نلاحظ، حين نطبق هذه النظرية على ولسن نفسه أنه عجز عن تذوق عدد كبير من مشاهير الأدباء في عصره (ومنهم بعض من ذكرنا آنفا) ، كما عجز عن تذوق عمله الأدبي نفسه (١) . ومن الواضح أن مثل هذه النظرية لا تمت إلى حقيقة

стр. 80

الأمر بصلة. وإنها مجدية، في المقام الأول، في مجال التأسي الذاتي والدفاع عن النفس. وكأنما جانباها كطرتي الدينار وفي أحدهما الفوز لي وفي الثاني الخسارة لغيري. فإذا كان الكاتب الذي يؤمن بها مخفقا في أدبه، شعر بأن هناك نفرا من ذوي المواهب يقدرونه. وإذا كان موفقا شعر بأن يد العبقرية مهدت له سبيل السمو إلى مرتبة الخلود. أما وضع ولسن الحاضرة، وقد نيف على الخمسين (ولد سنة ١٨٩٥) (١) فإنه يثير الحيرة. فعمله في مجلة النيويوركر New Yorker كمعلق دائم على الكتب، يجافي الصورة التقليدية للناقد الجدي الذي يبذل أقصى من عنده من المقدرة، في التعليق على الكتب مرة أو مرتين في الأسبوع. بما في ذلك من اضطرار إلى إضاعة الوقت في سقط المتاع، ومعاناة الكتابة الضحلة، في نطاق محدود، ثم الاقتراب من الكتب الكبيرة والموضوعات الشائكة بتخصص تضيق دائرته يوما بعد يوم. ومجمل القول أن زاويته في تلك المجلة، خيبت أمل هؤلاء القراء الذين كانوا يتوقعون أن يجدوا فيها نقدا جديا (تلك المجلة التي تخصصت في النقد الخفيف) ، فألفوا ولسن سطحيا. ولم يوفق ولسن إلى اجتذاب تلك الفئة من القراء التي تبحث عن زاوية خفيفة سهلة القراءة؟ كتلك التي يحررها كفلتون فدمان؟ من زاويته في التعليق على بعض الكتب الخفيفة ككتاب " الرداء " the Robe للويد دوغلاس، و " الفيروزة " The Turquiose لآنيا سيتون، في حين أنه تجاهل عددا من الكتب الجيدة، التي ظهرت في ذلك الحين:

стр. 81

وقد كانت آراؤه النقدية في غالبيتها تقليدية، مع بعض الانحراف أحيانا، كثنائه الشاذ على ايزابيل بولتون، وانتقاصه من قدر كافكا. وقد تبدى من خلال هذا القتام، بعض القطع الجيدة، أو قطع تحتوي على بعض الأشياء الجيدة، كذلك الهجوم القوي المفحم (وإن كان خاليا من الفكاهة على القصة البوليسية، ودراسته للعلاقة بين فن وايلد ومرض الزهري، ومراجعاته الجيدة المسهبة لبعض كتب مالرو وسيلون (يمتاز ولسن بمقدرة فائقة على التغلغل إلى عقول الراديكاليين الذين انقشعت الأوهام عن عيونهم، وعلى التعمق في كتبهم، وذلك واضح فيما كتبه عن كويستلر وغيره) . ودراستع للعمل الرمزي الذي ينطوي عليه السحر المسرحي والشعوذة. وتحليله الاجتماعي الرائع لكتاب " آداب السلوك " Etiquette لاميلي بوست الذي استعان فيه باصطلاحات فن المسرح. ويبدو أن ولسن يقف في نقطة تحول في حياته. ففي مقالته التي ذكرناها آنفا والتي نشرت في " حولية مكتبة جامعة برنستون " اعترف ولسن؟ الذي كان في التاسعة والأربعين من عمره؟ بأنه بلغ منتصف العمر " والشعور يتملكني بأنني لم أبدأ في الكتابة بعد ". ولم يخف عن الناس أن النقد حرره من الوهم، وأنه لا يرى في مراجعاته في " النيويوركر "، وسلسلة مقالاته عن الأدب الروسي التي نشرها في " شهرية الأطلسي " سنة ١٩٤٣ أكثر من أعمال صحفية. وإن كتابه عن آثار الحرب، وقصة " مقاطعة هيكت " يمثلان عودته الطويلة إلى الكتابة الإبداعية، من حيث أنها مهنة له. وأكبر من هذا الاحتقار لسمعته كناقد، احتقاره الجديد لفن النقد نفسه، وقبوله المذهل للتنازل عن وظيفة النقد. ولا مندوحة من قراءة عبارته الواردة في مجلة " النيويوركر " في مقالة عن كاترين آن بورتر، قال: " إنني بهذا أشوه أقاصيص الآنسة بورتر، إذ أحاول العثور قواعد تنطبق عليهان بينما كان علي أن أنصحكم بقراءتها فقط ".

стр. 82

وقد يكون ولسن هنا ضحية لأسلوبه المهني الذي لازمه أخيرا. وقد وصف نفسه في تلك المقالة التي نشرها في " حولية مكتبة جامعة برنستوب " بأنه " صحفي " ووصف طريقة الصحفي في العمل، وصفا جديرا بالاقتباس، قال: " لقد كانت خطتي عادة؟ ولا بأس هنا من أن أهوي من عل؟ أن أجمع بعض الكتب لأراجعها، أو بعض القطع الإخبارية لتوضح بعض الموضوعات التي كانت تثير اهتمامي آنذاك. وبعد ذلك أجمع المقالات المبعثرة لأستعين بها في كتابة دراسات عامة عن هذه الموضوعات، وأخيرا أصدر كتابا يحتوي على عدد من هذه المقالات، بعد مراجعتها وتنسيقها ". ويحمل هذا القول معه رنين الصواب، وهو دون ريب، يفسر أمرا يجعل القارئ الجدي لكتب ولسن يحس بشيء من العسر، ذلك أنه في الحقيقة لم يكتب كتابا نقديا (أو أي كتاب متكامل، باستثناء " كنت أفكر في ديزي "، و " إلى محطة فنلندة ") ، بل ألف بين مجموعات من مقالاته ودراساته في المجلات، وأضفى عليها شيئا من الوحدة بعنوان مبدأ ينتظمها. وإذا بدت هذه الطريقة جذابة من حيث مصلحة الكاتب فإنها قد قيدت خطى ولسن، ودفعت بنقده إلى سبل تجارية لا تتطلب أكثر من كتابة مقالات قصيرة ليست ذات عمق هائل وتركته في العقد السادس من عمره وكأنه لم يحقق من النجاح أكثر مما حققه كاتب أصدر كتابا واحدا، يمتاز بالوحدة والشمول. ولعل الشعور بالحاجة المفاجئة إلى ترك أثر تذكره الأجيال التالية، هو أحد الأسباب التي قشعت غشاوة الوهم عن عيني ولسن فيما يتعلق بالنقد، وفي الوقت الحاضر. وهنالك ناحية أخرى من كتابة ولسن الإبداعية، تستحق البحث، وفي معرض الحديث عن كتابته النقدية؟ ألا وهي موهبته الحقيقية في كتابته المعارضات الساخرة. وهذه الناحية هي الصفحة الأخرى من عنايته بالترجمة

стр. 83

والتفسير في النقد، وقد تكون تعويضا عنها. كما لو كان الاهتمام الزائد بالمادة وحدها يتطلب منه أن يجد مكانا للاهتمام بالأسلوب وحده. وقد وفق ولسن إلى كتابة معرضات ناجحة منذ نظم قصيدته التي عارض بها اسلوب ادوين آرلنجتون روبنصون (١٩٢٣) ، حتى بلغ ذروته في قصيدة " عجة أ. مكليس " The Omelet of A. Macleish (١٩٣٨) ، ثم بعض القطع الجيدة في " مقاطعة هيكت ". وأقصى جهد طامح بذله، هو معارضة اسلوب جويس في كتابه " يقظة فينيغان "، وهو عمل جدير بالتقدير على الرغم من أنه لم يوفق فيه تمام التوفيق سواء في صورته القديمة، أو في صورته المنقحة التي صدرت باسم " المقعدون الثلاثة ". فإنها تفتقر إلى دقة جويس (فالأسماء الثلاثة: كارل فإن دورن، وهربرت غورمان، وغورهام ب. منسون، لا تمت إلى الأصل بصلة، ويبدو أنه اختارها للمشابهة الصوتية فقط) ، كما تفتقر إلى براعة جويس في تحريف الكلام ليصبح حمال أوجه المعاني. إن لهذه المعارضات الساخرة، أهمية عظيمة، وذلك عندما ننظر إليها على ضوء عبارة ولسن التي وردت في " الفنانون أو المفكرون كثيرا "، إذ قال: " إن الرغبة في هجاء الرومانتيكية، كما هو الأمر عند فلوبير، تعني ميلا قويا نحوها ". وإذا عممنا هذه العبارة، قلنا: إن الرغبة في هجاء أي شيء، تعني الميل القوي نحوه. وبما أن الموضوعات الثلاثة التي تشغل بال ولسن، وتستدعي معارضته وسخريته، هي غرور هوليوود وروحها التجارية، والعبودية الفكرية المزرية في " الستالينية "، والاسلوب الشعري، فإن كل من يتقبل نظرية ولسن، يستطيع أن ينتهي إلى نتائج طريفة. (إن الميل القوي نحو الشعر عند ولسن، فضلا عن رثائه له، ملحظ يمكن أن تنجلي حيرة النقاد الذين عجزوا عن أن يعللوا لم خصص ولسن

стр. 84

هذه المساحة الكبيرة من كتابه " هزة التعرف " لبعض الأعمال التافهة؟ مثل " خرافة من أجل النقاد " A Fable for Critics لجيمس رسل لوول، و " ملاهي نادي الصدى " Diversions of the Echi Club. لبيارد تيلور، و " خرافة نقدية " لايثي لوول (٢٤٦ صفحة أو نحو ربع الكتاب) ؟ إذا علموا أن الهجاء أو الكاتب الساخر قد يستشعر شيئا من الولاء لزملائه من مزاولي فن الهجاء والسخرية. وأخيرا، لا يكون البحث عن ولسن وافيا إذا لم يتعرض لحالته النفسية الحزينة في الوقت الحاضر. لقد غدت لهجة ولسن رثائية حين يتحدث عن الشعر، منذ أن كتب " قلعة اكسل ". وكذلك عندما يتحدث عن الماركسية، على الأقل منذ كتب تلك المقالة القصيرة الحزينة التي دعاها " الماركسية والأدب "، والتي نشرها في كتاب " الفنانون أو المفكرون كثيرا ". وقد اتخذت كتاباته كلها هذه اللهجة منذ عهد قريب. وقد أخذ يكتب ذكريات طفولته وشبابه (وفيها بعض مشاهد " مقاطعة هيكت ") ، بلهجة مفعمة بالحنين إلى أمجاد بائدة. ومقالته التي كتبها في ذكرى ت. ك. وبل، وهو أحد زملائه في برنستون، وقد مات سنة ١٩٣٩، مليئة بمثل هذه العبارة: " لقد رأينا عددا من الأصدقاء الموهوبين يعجزون عن تحقيق بعض ما كنا نعقده عليهم من آمال ". أما مقالته التي نشرها في " حولية مكتبة جامعة برنستون "، فأكثرها رثاء لأصدقائه في برنستون الذين ماتوا أو أخفقوا في حياتهم (١) ، ولزملائه من الأدباء الذين ماتوا

стр. 85

أو أخفقوا، وللكتابة نفسها التي رأى أنها قد بلغت مرحلة جديدة من العقم. ومراجعاته في " النيويوركر " تطوي الحاضر دائما وتحن إلى الماضي، وخاصة العقد الثالث من هذا القرن، حين ازدهرت مجلتا " فترة الانتقال " و " هذا الركن " This Quarter، وحين كان سكوت فتزجرالد وجون بشوب ما يزالان على قيد الحياة، وعندما كانت حركاتنا الأدبية " لم تستنفذ نفسها بعد "، وحين كان ادموند ولسن كاتبا ناشئا حديث التخرج من الجامعة، ينتظره مستقبل زاهر. والحقيقة أن ولسن ابن نفسه بطريقة مؤثرة حتى أصبح من المجازفة أن يعمد إنسان آخر إلى تأنيبه من جديد. وهو يشعر أنه جزء من شيء ضاع على الأدب ولعله كذلك. وحتى الأطفال يبدو أنهم قد ملوا رؤية منديل الجيب وهو يتحول إلى فأر.

стр. 86

الفصل الثاني ايفور ونترز والتقويم في النقد لم يندرس تقويم الآثار الفنية في عصرنا، ويرجع الفضل في بقاء هذه الظاهرة إلى الأعمال الجبارة التي حققها ايفوز ونترز الشاعر وأستاذ اللغة الإنجليزية بجامعة ليلاند ستانفورد Leland Stanford ومؤلف أربعة مجلدات بارزة في النقد الأدبي وهي: البدائية والانحطاط Primitivism and Decadence (١٩٣٧) . لعنة مول Maul " s Curs (١٩٣٨) . تشريح الهراء The Anatomy of Nonsense (١٩٤٣) . ادوين أرلنجتون روبنصون Edwin Arligton Robinson (١٩٤٦) (١) وهو رجل جاد، مفيد؟ من بعض النواحي؟ أيضاً، ومن المؤسف أن يصبح بين جيل من الكتاب أصغر منه سنا، شخصية هزلية، فلا يعرف إلا بأنه الرجل الذي يعتقد أن اليزابيث داريوش هي أكبر شعرائنا الأحياء وأن إدث وارتون أديبة خير من هنري جيمس (٢) . حقا لقد صدر

стр. 87

هذان القولان بل ما هو أكثر تطرفا منهما عن ونترز ولكنه الممثل الأوحد القوي لفن نقدي آخذ بالزوال؟ وهو طريقة جونسون في النقد؟ ومن ثم فهو يستحق دراسة دقيقة. فهو ناقد متحمس لطريقة التقويم في النقد ويراها سر وجود التحيلي النقدي وغايته الرفيعة. ولقد عد الخطوات التي تنتهي إلى تقويم في إسهاب، ومنها جميعا يتألف النقد الأدبي، في رأيه. يقول: يتألف النقد: (١) من مقررات المعرفة المستمدة من التاريخ والسير مما قد يكون ضروريا ضروريا لكي يساعد على فهم عقل الأديب وطريقته. (٢) من تحليل نظرياته الأدبية لأننا بحاجة إلى أن نفهم ونزن ما يعمله. (٣) من نقد عقلي لمحتوى القصيدة القابل لأن يصاغ نثرا محلولا أو بعبارة أخرى، الدافع الموجود في القصيدة. (٤) من نقد عقلي للمشاعر التي يكمن الدافع وراءها أي تفصيلات الأسلوب كما تبدو في اللغة والتراكيب. (٥) من الحكم النهائي وهو حكم فريد يمكن الكشف عن طبيعته العامة ولكن لا يمكن نقلها بدقة لأنها تشمل تلقينا من الشاعر حكمه القاطع الفريد على مادته ثم حكمه على ذلك الحكم. ويجب أن نتنبه إلى ان غاية الخطوات الأربع الأولى هي تحديد المجال الذي سيتحقق فيه الحاكم القاطع الفريد، وتضييقه قدر المستطاع (١) .

стр. 88

ولنضع أي عبارة " أي عمل فني " في موضع قوله " قصيدة "؛ فمن ثم نلحظ أنه بقدر ما يكون الفن نفسه تقويما للتجربة؟ عند ونترز؟ يكون النقد حكما مزدوجا معقدا تعقيدا شديدا، فهو ثانوي في تقويم التقويم الذي أجراه الشاعر على تجربته ٠أي موضوع القصيدة) وهو أساسي في تقويم تجربة الناقد (أي القصيدة نفسها) . ويضع ونترز لهذه المهمة الدقيقة الصبعة مبادئ مقنعة حين ينص على أن الاقد يجب أن يبدي " تواضعا وحذرا معقولين " في التقويم؛ وحتى عندئذ " فمن العدالة أن نضيف بأن قلة من الناس هي التي تملك الموهبة والثقافة اللتين تتيحان لنا أخذ الأحكام مطمئنين، ولا يستثنى من ذلك الدارسون المحترفون في هذه الأمور ". ومهما يكن من أمر " فإن لكل ناقد أدبي الحق في كثير من الأخطاء في الحكم ". وسواء أكان ونترز يبدي؟ في الواقع؟ أو لا يبدي " توضعا وحذرا معقولين "، وسواء عليه أستنفذ حصته من الأخطاء؟ كما يتهم هو نفسه بو - أم لم يستنفدها، فهذه مسائل أخرى. إن تقديرات ونترز المتعسفة باعثة على الدهشة في حال عدد من الأدباء يعجبونه إلى درجة العبادة. وأحد هؤلاء الكاتبة اديث وارتون فقد كتب يقول: إن السيدة وارتون في خير حالاتها لهي؟ تقريبا؟ المثل الأكمل للتأثير في مجال القصة، وهي مرتبة لا تبلغها جين أوستن وملفل وهوثورن وهنري جيمس وفيلدنج إلا بعد التغاضي عما لديهم من " محدودية الآفاق وقصور المعالجة ". ويعتقد إذ يعقد مقارنته المشهورة بينها وبين هنري جيمس أنها تستطيع أن تمنح أحكامها الخلقية دقة يعجز عنها جيمس نفسه وأن أسلوبها النثري في قصتيها " عصر البراءة " و " وادي الحكم "؟ على الأقل؟ أرفع من نثر جيمس على التحقيق؛ ولا ريب في أن قصتها " عصر البراءة " بما أوتيته من رفعة في النثر وبأنها " تصحح نقصا " في

стр. 89

مفهوم جيمس عن القصة، لتعد " أجمل زهرة فريدة في فن مدرسة جيمس ". وهذا لا يعني الحط من قدر قصتها الأخرى " وادي الحكم " فإنه قد يقال فيها " إنها خير من أي قصة لجيمس؟ منفردة؟ ". ولعل أعلى ثناء في قاموس ونترز إنما ادخره لشعر روبرت بردجز، فشعره؟ في رأي ونترز؟ أرفع من شعر اليوت وهارت كرين وولين كارلوس وليمز وماريان مور ومن أي شعر آخر معاصر، بل لا يمكن أن يقارن به عزرا بوند، وهو أرفع وأكثر أصالة من شعر جرارد مانلي هوبكنز من كل وجه. فضلا عن أن بردجز " أكثر تمدنا " و " أعقل " من سائر معاصريه، فهو لا يقارن بهم وإنما يقارن بمن يساوونه؛ فقد كتب عددا من القصائد يطيق أشد امتحان للمقارنة بأي مقطوعة من مقطوعات شيكسبير، وهو " أكمل وآصل من كتب شعرا غير مقفى منذ عهد ملتن "، وقد كتب مقطوعتين في مناسبتين " لو نسبتا إلى ملتن لما عابتاه "؛ وكتب قصيدة غنائية ليست تنقص مثقال ذرة عن قصيدة دريدن التي كتبها في قصيدة الصغير آن كلجرو Ode on the Death of Mistress Anne Killigrew. ويقول ونترز: " يبدو لي؟ دون أدنى ريب؟ أن مسرحيتي بردجز عن نيرون هما أعظم مأساة كتبت منذ صدرت مسرحية آل شنشي (١) The Cench وإذا استثنينا آلام شمشمون (٢) Samson Agonistes وهي قطعة مريعة ثائرة؟ وليست مسرحية وإن كانت تحمل روح المأساة؟ فمن المحتمل أن تكون هاتان المسرحيتان أرفع من أية مأساة إنجليزية فيما عدا مآسي شيكسبير. ثم صنف ونترز شعر بردجز خدمة للكسالى من القراء على النحو التالي: غنائيات قصيرة من الدرجة الأولى (١٠ قصائد) .

стр. 90

غنائيات قصيرة من الدرجة الثانية (١٢ قصيدة) . غنائيات طويلة ذات إيقاع بطيء، من الدرجة الأولى (٣ قصائد) . غنائيات طويلة من الدرجة الثانية (قصيدة واحدة) . يضاف إلى هذه القائمة أفوغرامان (١) (Epigrams) جميلان وقصيدتان تعليميتان ذواتا طول لا باس به " والأولى منهما في الدرجة الأولى تقريبا " ثم المقطوعتان اللتان تقدمت الإشارة إليهما مع القصيدة الغنائية. ويعتقد ونترز " أن أقرب منافس لهذا الشاعر منذ عهد شللي، هو ت. ستيرج مور T. s. Moore "؛ فقد كتب مور شعرا " لم يلحق شأوه فيه إلا اثنان أو ثلاثة من الأحياء، وقدرا من الشعر لم ينظم مثله شاعر حي " فهو أعظم بكثير من وليم بتلر يتس W. B. Yeats دون أن تكون له موهبة ييتس في سكب المواجد الذاتية؛ وقد راجع وصحح قصيدتين من أشد قصائد هوبكنز اضطرابا (٢) ؛ وهو إلى ذلك كله " فكر متألق جدا " فقد كتب؟ على الأقل؟ قصيدة يعد كل بيت فيها على حدة طرفة يتيمة، وهو أقدر من أي أديب آخر معاصر على أن يعرفنا بما يواجهنا من صعوبات أدبية. وثالث ثلاثة يعجبون ونترز هي السيدة اليزابيث داريوش " أرق شاعرة إنجليزية منذ ت. ستيرج مور " وبما أنها ابنة روبرت بردجز فموقفها

стр. 91

قد يحمل على الظن بأن صفة " العظمة " التي أسبغها عليها ونترز يمكن انتقالها بالوراثة (ومما يستحق التسجيل هنا أني لم أسمع بها حتى لقيت اسمها في أول كتاب لونترز ولم أر اسمها يذكر في أي مكان آخر إلا حين يشار إلى آراء ونترز في النقد) . وقد كتب ونترز يقول " إنها واحدة من الشعراء القلائل الأحياء الذين يوصفون بالعظمة " وعندما قال في وصف إحدى قصائدها " إن التعبيرات لا يمكن أن تكون على حال أجمل مما هي في هذه القصيدة "، ألحق بذلك مقطوعة لها بعنوان " صورة جمادات " (١) Still - Life ليقوي رأيه. ولكن مهما بلغ الرأي من تسامح نحو هذه المقطوعة فإنه لن يصفها إلا بأنها مقطوعة من النثر المقفى لطيفة بليدة فقيرة الخيال (٢) . وفي سنة ١٩٤٦ أضاف ونترز؟ دون سابق إنذار قوي؟ معبودا رابعا إلى " الثالوث " السابق حين كتب عن اودين آرلنجتون روبنصون بطلب من القائمين على سلسلة " صانعو الاتجاهات الجديدة في الأدب الحديث ". وقد قال عن روبنصون إنه " شاعر عظيم رزين " قد لنا في " اليهودي المتجول " The Wandeing Jew قصيدة من أعظم القصائد لا في عصرنا وحده بل في لغتنا أيضاً. " وربما كانت من أعظم ما يقع عليه نظر الإنسان "، وعشر قصائد قصيرة أخرى لا يدانيها " إلا شعر أربعة أو خمسة من الشعراء الإنجليز والأميركيين في المائة والخمسين سنة الماضية " وقصيدة بعنوان " لانسلوت " Lancelot وهي واحدة من القصائد القليلة القصصية المؤثرة المكتوبة باللغة الإنجليزية في خلال

стр. 92

مائتي عام " وبعض قصائد متوسطة الطول اثنتان منها " تقفان في صف واحد مع أعظم القصائد الإنجليزية التي من نوعهما "، واثنتان " عظيمتان " فحسب، واثنتان أخريان " ناجحتان " وعدد غير هذه " يستحق التذكر ". وعلى العموم فإن روبنصون " في مناسبات معينة شاعر من أبرز الشعراء في لغتنا "؛ وأحسن شعره يقف في صف مع أعظم ما أنتجه وردزورث وتنيسون وبراونج وهاردي وبردجز. وبين هؤلاء جميعا " يبدو أن روبنصون يجد صحابه الأدنين، في بعض اللحظات، مثلما يجد منافسيه الأقربين حيث يقف ملتن ودريدن، وهو في وقفته هذه، لا يقف أبدا في الدرجة الدنيا ". وإذا لم ينفع هذا التأكيد المغالي في بعث صيت جديد لشاعر مغمور أو متخلف فإن ونترز على استعداد ليدعي أن صيته كان مؤثلا ذائعا من قبل، كما قال عن ادليد كرابسي " إنها ليست فحسب شاعرة خالدة " بل " كانت من أشهر الشعراء في عصرنا " (١) . وأعلى درجة من الإطراء بلغها ونترز مسجلة في الملحق الخامس من كتابه " تشريح الهراء " حيث دون أسماء سبعة عشر شاعرا أميركيا ممن نالوا احترامه من أبناء جيله والجيل التالي له، وعد لهم أروع ثماني وأربعين قصيدة (طتب أمام اثنتين منها " ربما ") . وقد حذف من القائمة اسمه واسم زوجته جانيت لويس (وصرح في إحدى الحواشي أنه يحاول عامدا أن يتجنب الحديث عما كتبته وإن كان يعتقد أنها من أحسن شعراء جيلها كما أنها من أحسن القصصيين) . ومع ذلك فإن نصف الأسماء التي كتبها إنما هي أسماء أصدقائه ومريديه وتلامذته، وقد أسقط من بينها أسماء جميع الشعراء الذين اتفق على تقدمهم في عصرنا؟ تقريبا؟ ويبدو اختياره للقصائد رديئا أو مبينا على الهوى: وهذه الجريدة في مجموعها تعد من

стр. 93

أغرب الوثائق في الكتابات النقدية المعاصرة (١) . ويستعمل ونترز مثل هذا التعسف في الحكم على الشعراء الذين يمقتهم وفي رأس القائمة منهم اليوت وييتس وعزرا بوند. أما اليوت فهو مؤلف " محض شعر مستمد من غيره " وهو يعمل كل ما يعمله بوند " بمهارة أقل " وهو " أدنى مرتبة من وليم كارلوس وليمز وآخرين ". ويختم ونترز حكمه على قصيدته " الخاوون " The Hollow Men بهذه العبارة المتسامحة: " وقلما تجد في الأدب الحديث محاولة مشجية كهذه، تستمر بالقصيدة بيتا إثر بيت في عناد لا يلين ". وأما بوند فإنه " همجي حل عقاله في متحف "، وأما ييتس فشاعر " يجيش بعاطفية محزنة ملودرامية ". ويقول عنه في موضع آخر، دون أن يحاول لزوم رأي واحد فيه: إنه شاعر ذو مشاعر قد بردت حتى إنها لتبعث الخدر؛ وهؤلاء الثلاثة؟ بطبيعة الحال؟ أدنى كثيرا في مرتبتهم من بردجز وستيرج مور وغيرهما من الذين يؤثرهم ونترز. وعلى هذا الهوى والتعسف، لم تسلم آراء ونترز من التقلب. وفي كتابه " تشريح الهراء " الذي نشر عام ١٩٤٣ يصف الشاعر ولاس ستيفنز بأنه صورة للموهبة الشعرية العظيمة حين تكون منحلة منحطة وأنه لم يكتب شيئا من الدرجة الأولى منذ أن نشر ديوانه " الأرغن الصغير " Harmonium سنة ١٩٤٢. أما في كتابه " البدائية والانحطاط " الذي نشر عام ١٩٣٧ أي بعد أن ظل ستيفنز أربعة عشر عاما في الدرك الأسفل؟ كما يقول ونترز فإنه قال فيه " لعله أعظم شعراء جيله ". وفي سنة ١٩٣٩ كتب

стр. 94

ونترز مراجعة يقول فيها: " سيشهد عام ٢٠٠٠ كلا من ستيفنز ووليمز وقد تأثلت مكانتهما وعدا أحسن شاعرين " في جيلهما. ومن الممتع أن نقارن بين آراء ونترز الأدبية التي نشرها في مجلة " القافلة الأميركية الجديدة " New American Caravan عام ١٩٢٩ في مقال عنوانه " امتداد الروح الإنسانية وتكاملها في الشعر وبخاصة في الشعر الفرنسي والأميركي منذ بو وبودلير "، وبين آرائه المتأخرة التي نشرها خلال هذه الفترة (بعد ١٩٢٩) : في سنة ١٩٢٩ كان ألان تيت " يفتقر إلى مهارة " أرشيبولد مكليش وكانت قصص اليزابيث مادوكس روبرتس أعلى من قصص هنري جيمس وكان فصل من كتاب: " في الخلق الأميركي " In the American Grain للدكتور وليمز أعلى من أي نثر في عصرنا وأرفع من أكثر الشعر. أما الثالوث الذي كان يعجب ونترز بين الأميركيين الأحياء فيضم وليمز وكرين وتيت (على افتقاره إلى المهارة) وأما لورنس فهو الشاعر العظيم الوحيد بإنجلترة منذ عهد هاردي. وفي سنة ١٩٤٣ أصبح تيت " بلا شك " من أكفأ ذوي المواهب في عصرنا، وأخذ مكليش " يذوي مع الأيام "، أما وليمز وكرين فوقعا ضحية " لدعوة وتمان الخاطئة " التي تنادي بالتعبير القومي ووحدة الوجود وما أشبه، ثم سقط ذكر لورنس وحل محله بردجز ومور والسيدة داريوش. وأما قصص الآنسة روبرتس فلا ذكر لها أيضاً لأن ونترز قتلها منذ سنة ١٩٣٣ بتهمة " الصنعة ". ويميل ونترز إلى إيراد حيثياته بأقصى تفصيل، منتزعا قصيدة واحدة أو بضعة أبيات منها من أجل الحكم والتقويم. فقد يتهم ولاس ستيفر " بالإنحطاط اللذي " مثلا ولكن قصيدته " صباح الأحد " Sunday Morning " ربما كانت أعظم قصيدة أميركية في القرن العشرين، وهي على التحقيق من أعظم القصائد التأملية في الإنجليزية ". وقصيدتا تيت

стр. 95

" الخيال والظل " Shadow and Shade و " الصليب " The Cross " من أعظم القصائد الغنائية في عصرنا ". وقصيدة هريك Herrick " تجمعي يا براعم الورود " " متفوقة بوضوح " على قصيدة مارفل " إلى خليلته الخفرة ". والأبيات التسعة من قصيدة Gerontion لأليوت وأولها " أنا الذي كنت قريبا إلى قلبك أقصيت عنه " هي الوحيدة في شعر اليوت التي يمكن أن توصف بأنها شعر عظيم. وليس لروبنصون جفرز R. Jeffers أبيات سائرة يحسن اقتباسها خلا ثلاثة، وهي أبيات يعلوها الصدأ. وهناك قصيدة لبردجز يصفها بأنها استجمعت كل قوتها في الفقرة المتوسطة (كذا) وأخرى لوليمز فيها ثمانية أبيات جيدة تحمل عبء القصيدة جميعا، ولروبنصن قصيدة فيها ست دورات Stanzas أضعف من سبعة أخرى، وقصيدة أخرى تحولت إلى " مأساة كاملة " ببيتين جميلين فيها. وللنقد التقويمي المقارن عند ونترز ما له عند اليوت من طاقة على اختراق حواجز الزمان وقطع المسافات الشاسعة بين النماذج المتباينة بحثا عن التشابه في سبيل المقارنة. ومن الأمثلة النموذجية على ذلك قول ونترز " إن تفضيلي لبوب وبليك أمر لا يتزعزع " (١) . وقفة ونترز هي وقفة العقل الذي يومض لامحا الشعر الإنجليزي كله مفتشا عن مقارنة وهو قادر تمام القدرة على أن يفسر بيرون في عبارة واحدة بمقارنته ببعض خصائص بن جونسون وكامبيون وغوج وتربرفيل ولورنس وبو، كما هو قادر في عبارة أخرى على أن يوضح الفرق بين هارت كرين ووليم كارلوس وليمز مستعملا مصطلح البلاغة البتراركية بنت القرن السادس عشر والشعر المتافيزيقي ابن القرن السابع عشر ومقطعات شيكسبير ودن وشعر فلك غرفيل وفوكس وغوج وغاسقوينه وتربرفيل ودانيل ودريتون.

стр. 96

وفي حمأة هذه المقارنات والفتاوى والتقديرات والمقامات المصطنعة يتشبث ونترز بمبدأ لا يحيد عنه هو " المبدأ الخلقي "؛ كتب يقول: " إن الفن أخلاقي ولا بد من أن يكون النقد مثله ضوروة " أما ماذا يعني بقوله " أخلاقي " على وجه الدقة فأمر بعيد التعقيد والتناقض، وسنعرض له بالشرح المسهب من بعد، ولكن يكفي أن نورد هنا قطعة حسنة الدلالة، وردت في كتابه " تشريح الهراء " لتوضح؟ على الأقل؟ بعض المعنى لكيفية ما يعده هو تقويما أخلاقيا في الفن؛ يقول: " أرى أن العملية الفنية عملية تقويم أخلاقي للتجربة الإنسانية بواسطة تقنية تجعل من الممكن إجراء تقويم أدق من سواه. فالشاعر يجرب أن يفهم تجربته بمصطلحات عقلية ليعبر عن فهمه ويعبر؟ في الوقت نفسه؟ بطريق المشاعر التي نسبغها على الألفاظ، عن نوع الشعور ومقداره، أعني الشعور الذي يجب أن يثيره ذلك الفهم إثارة صحيحة. وتختلف النتيجة الفنية عن أي تجربة فجة فيما تتمتع به من إرهاف في الحكم: وهذا الفرق كبير المقدار في الفن الجيد، ولكنه فرق في المقدار لا في النوع ". ومن هذا الرأي عن الطبيعة الأخلاقية للفن والنقد يفهم ضمنا أن الناقد مفروض عليه أن " يصحح " الرأي التقليدي ما دام يعتقد أنه خطأ. ولا ريب في أن هذا العبء الخلقي المضني هو المسئول عن تطرف كثير من تقويمات ونترز، فإن محاولته في كتابه " لعنة مول " أن يضع جونز فري في مرتبة أعلى من إمرسون في كل شيء (١) ؟ وهي

стр. 97

دولة باءت بالإخفاق عندما طبع اثنتين وعشرين قصيدة وألحقها بالكتاب؟ ليست إلا جزءاً صغيراً من تلك الخطة الواسعة التي حددها ونترز في مقدمة كتابه بتواضع لم يعهد منه، فقد كتب يقول: " إن منتهى أملي أن أقيم قاعدة نقدية أعيد على أساسها النظر في تاريخ الأدب الأميركي جملة، وهو مشروع يتطلب سنوات كثيرة من الجهد ". وفي موضع آخر أشار ونترز إلى أن تشرشل وغاسقوينه وجونسون " أساتذة عظماء أغفلهم التاريخ ". وظل عدة سنوات يقود حملة ليؤكد لكل من غاسقوينه وبرنابه غوج وتربرفيل مكانتهم " الصحيحة " في الأدب، وكل هذا قد يشير إلى أنه بعد انتهائه من الأدب الأميركي كان يرنو إلى إعادة النظر أيضاً في الأدب الإنجليزي أو في أدب العالم. وعلى قدر هذا المشروع الضخم الذي بدأت تظهر معالمه والذي يرمي إلى تصحيح الرأي السائد، فصلت كل كتابات ونترز في النقد. فقد بين أن " البدائية والانحطاط " دراسة للقيم الأخلاقية في الأشكال الأدبي، وأنه يتحدث فيه عن الأدباء ليوضح الأشكال فحسب. أما " لعنة مول " فإنه صلة للكتاب السابق، إذ أنه دراسة للقيمة الخلقة عند الأدباء أنفسهم؛ وأما " تشريح الهراء " فهو أنه دراسة للقيمة الخلقية عند الأدباء أنفسهم؛ وأما " تشريح الهراء " فهو دراسة لأربع نزعات يعتقد ونترز " أنها أبعد النزعات أثراً في الإنتاج الأدبي في عصرنا، وأصحابها أبعد العقول أثراً كذلك " (لا حاجة إلى القول بأن هذا الحكم يكسب كلاً من جون كرو رانسوم وولاس ستيفنز؟ على الأقل؟ إن لم نقل اليوت وهنري آدمز، شهرة مهزوزة) . وثمة مراجعة صدرت بمجلة جبال روكي Rocky Mountain Review (عدد الخريف ١٩٤٤) كتبها ألان سوالو وهو أحد المعجبين بونترز وزاد فيها إلى هذه القائمة ما يعتبره عملاً رابعاً ضخماً، وهو مقالة طويلة لونترز بعنوان " الغنائية الإنجليزية في القرن السادس عشر " نشرت بمجلة " شعر " العدد الخاص بفبراير ومارس ١٩٣٩، ويقول سوالو: إنه يقدم هذه المقالة

стр. 98

لأنها أحسن ما كتبه ونترز في جانب البناء لا الهدم، " فهي دراسة لتاريخ ما يعده أحكم موروث تليد في الطريقة والفكر ". ومنذ ذلك الحين زاد ونترز مقالة تشبهها في البناء؟ فيما يبدو؟ وهي دراسة للشاعر روبنصون. وما من شك في أن ونترز دءوب صبور بعيد النظر، يدل على ذلك؟ حسبما يقول؟ أنه صرف سبعة عشر عاماً يعمل في المقالات الخمس الطويلة التي يتكون منها كتابه " البدائية والانحطاط "، مثابراً على مراجعتها، مضيفاً إليها أكثر ما يكتبه في المجلات، متحدثاً عنها إلى كل من يلقاه، وأحياناً مغيراً نظرته نحو الشعر الحديث، ماضياً في طريقه دون كلل. وعلى ظهر الورقة التي خط على وجهها عنوان كتابه " لعنة مول "، كتب أنه بسبيل إصدار مجلدين في النقد الأدبي؟ هما في دور الأعداد؟ الأول: دراسات عن المؤرخين والنقاد الأميركيين، والثاني: مجمل مختصر لتاريخ بلاغة القصيدة القصيرة في الإنجليزية. ولعل " تشريح الهراء " نغبة من الكتاب الأول، أما ماذا تم بالباقي منه وبالكتاب الثاني كله؟ في السنوات التي تلت عام ١٩٣٧؟ فشيء لا يعرفه إلا ونترز نفسه. ومما يلفت الانتباه أن " تشريح الهراء " نفسه نشر بعد خمس سنوات على يد الناشر الأول نفسه دون أن يحمل إعلاناً عن كتب تحت الطبع. فإذا كان ونترز قد تخلى عن مشروعيه هذين، فما ذلك إلا لأن أجزاء من " سلاحه الأدبي " بحاجة ماسة إلى شحذ وتثقيف في هذه الآونة. ٢ - ولعل كتاب " لعنة مول " أحسن كتب ونترز للدراسة التفصيلية عن تطبيق الطريقة التقويمية، لأنه الكتاب الوحيد الذي يعنى؟ من بين كتبه؟ بالأدباء، بينا الأول منها يعنى بالأشكال والثالث بالأفكار والرابع بشاعر واحد. ولعلها أيضاً أشد كتبه حيوية وأكثرها قيمة وإن لم يكن أوفرها لماحية. أما كلمة " لعنة " التي أضيفت إلى عنوانه فهي مستمدة من

стр. 99

نبوءة وردت في قصة لهوثورن عنوانها " البيت ذو القباب السبع " The House of the Seven Gabels؛ وتروى القصة أن الكولونيل بنشيون Pyncheon ظلم أحد الناس فتنبأ له المظلوم (١) بأن " الله سيعطيه دماً بشربه ". ويعتقد ونترز أن الأدباء العظماء في القرن الماضي ابتداءً من كوبر حتى جيمس كانوا يقاسون هذه اللعنة المجازية وبعبارة أدق: بما أنهم جذوا ما بينهم وبين الموروث الأدبي الصحيح من أسباب فإنهم استقبلوا أثر الرومانتيكية الأوروبية بشغف، وبذلك كانوا يشربون دماً ... هو دمهم. وقيام وحدة الكتاب على هذه الفكرة شيء مصطنع إلى حد ما لأن كل كاتب فهو؟ من ناحية؟ يشرب من دمه حتى أشد المتعلقين بالكلاسيكية؛ ومن ناحية أخرى، فإن كتابنا العظماء في القرن التاسع عشر وهم الذين أنتجوا أدباً عظيماً أصيلاً يمتد من " الحرف القرمزي " The Scarlet Latter وينتظم موبي ديك Moby؟ Dick وينتهي إلى " السفراء " (٢) The Ambassador لا يمكن أن يكونوا ملعونين أبداً إلا إن كان ونترز يريد منهم أن يقدموا أعظم مما قدموه أو يثبت أن ذلك كان في مقدورهم. (وأقول استطراداً إن هذه هي العثرة التي تحطمت عندها آراء فإن ويك بروكس الأولى، كما تحطم عندها كثير من النقد المتصل بالاجتماع لدى نقاد آخرين، أعني أنه لابد لك؟ قبل أن تظهر أن جيمس أو توين

стр. 100

أو هوثورن أو ملفل كانوا جميعاً ضحايا لبيئة معادية لهم؟ لابد لك من أن تثبت أنهم كانوا قادرين على إنتاج خيرٍ مما أنتجوا أن تتطلب كتاباً خيراً من موبي ديك أو هكلبري فن (١) Huckleberry Finn. حقاً إنهم لو عاشوا في بيئة اجتماعية متعاطفة معهم لأنشأوا أدباً مختلفاً عما أنتجوه وربما كانت الكتب التي يكتبها جيمس بخاصة موجهة إلى جمهور أكبر ولكن هذا كله من شأن النقد البيئي وحده.) اعتبر كتاب ونترز؟ إذن؟ سلسلة من المقالات النقدية فحسب، عن أدباء أميركيين عاشوا في القرن التاسع عشر، أو اعتبر كما وصفه هو بعنوان إضافي " سبع دراسات في تاريخ المعاداة للنورانية بأميركية " وهذه المقالات السبع تتحدث عن هوثورن وكوبر وملفل وبو وامرسون وجونز فري واملي ديكنسون وهنري جيمس. وطريقة ونترز في كل فصل؟ على وجه التقريب؟ أن يتحدث عن عقلية الأديب ويحلل أمثلة من نتاجه قارناً كل ذلك بتقويم تفصيلي واقتباسات غزيرة وأخيراً ملخصاً قيم كتبه وأفكاره.

стр. 101

أما هوثورن فهو في الأصل صورة للإخفاق، رجل أخرج للناس قصة " الحرف القرمزي " وهي من أعلى الصور في النثر الإنجليزي، ثم انغمس في رومانتيكية جوفاء. وأما كوبر فهو رجل كان ينطوي على مثال اجتماعي عظيم ثم نخره صدأ العاطفة الرومانتيكية، وليس له أمل في البقاء إلا عن طريق قطع تنتزع من إنتاجه الكلي. ويتميز ملفل؟ بين هؤلاء؟ بأنه " أعظم رجل في عصره وقومه " واجه ثمار لعنة مول متقمصاً شخصية آهاب (١) فتفهمها وتغلب عليها. أما بو فإنه رجل ممتاز بثباته في النقد وفي الخلق الفني ولكنه ذو تفاهة متفردة فيهما معاً. ويقف إمرسون متخلفاً كثيراً عن جونز فري (الذي كان ذا ذكاء خلقي) وهو مصدر كثير من الاضطراب في أدبنا (٢) . وأما إملي ديكنسون فإنها " عبقرية شعريه من الطراز الأول " و " واحدة من أعظم الشعراء الغنائيين في عصرنا ". ومع ذلك فإنها مغلوبة بقلة الذوق والجفاء. وأما هنري جيمس فرمز إخفاق مريع، وكانت غاياته ومقدرته العارضة رحيبة واسعة فخلقت منه ظاهرة تستثير اهتماماً لا يبلغ شأوه. وتبدو هذه الأحكام؟ لي على الأقل؟ (وقد قدمت ملخصة دون جور مع العلم بأن الأحكام الحاسمة في مقالات ونترز المسهبة الغامضة لا يمكن استخلاصها في جملة) صحيحة دقيقة جميلة في حالي ملفل وبو، جائزة في حق أمرسون وجيمس، متسامحة في حق كوبر، موضع أخذٍ ورد في حال هوثورن والآنسة ديكنسون. وفي " لعنة مول " أشياء جيدة تعد نقداً قيماً، مثال ذلك تلك " العملية الجراحية " التي أجريت لبو، فإنها تأخرت كثيراً عن موعدها وكان

стр. 102

من حقها أن نكتب الانهزام المريع على الناقدين الذين يتخذون من بو معبوداً لهم، وبينهم أدموند ولسن وفان ويك بروكس. لقد أظهر ونترز فيها جهل بو الناقد ودعواه العلم وكشف عن العاطفية المبتذلة في فكره، وسجل الصدمة المعقولة التي يلقاها من يطالع الطبيعة الآلية الفاسدة لآرائه في الشعر والتي تحيل الشعر إلى " التفاهة والبهلوانية " وتشمل جماليات الذين يعادون النورانية؛ وفضخ تفاهة نظرياته في الأوزان وجساوة أذنه وعد مواطن شططه الغريب في تقويم الأدباء، وأخيراً هدم أركان قصائده وأقاصيصه بالنص على صغار أسلوبه بخاصة. وهذه العملية في مجموعها " جزارة " لازمة، وليس يقلل منها وزناً أنها وليدة أسباب ظالمة، وأن كل صفحة عند ونترز لتوحي بأنه يعترض على بو لأن بو يقاوم كل فن ونقد يخضع للتقويم الأخلاقي (بل إذا عرف القارئ أن بين ونترز وبو شبهاً قريباً من حيث أن كلاً منهما يقدر تقديرات جامحة مغربة، وأن نظرياتهما في الأوزان متشابهة في التفاهة، وإذا تذكر هذا القارئ المثل القائل: " رمتني بدائها وانسلت " فليس هذا كله مما يفسد عملاً نقدياً ركيناً) . وإذا استراح ونترز قليلاً من مسؤوليات التقويم الأخلاقي وجدنا فيه دارساً مدهشاً رحيب الخيال سديد الأحكام. وفي كتابه دراسات نقدية عديدة ذات أثر أخاذ، وبخاصة ذلك التحليل المسهب للرمزية الباطنية في منظر من مناظر " الحرف القرمزي " حيث تقف خستر وابنها بيرل منتظرين في بمنى الحاكم بلنجهام Bellingham ويريان نفسيهما في المرآة مشوهين. وكثيراً ما يورد تحليلات في الأوزان قوية، ومن الأمثلة الجيدة على ذلك تحليلة في كتاب " لعنة مول " ثلاث قصائد لاملي ديكنسون، هذا على الرغم من أن نظرياته في الأوزان موطن شك، وبخاصة نظريته في القاعدة الوزنية للشعر الحر (وسنعرض لها فيما بعد) ، وكتابه أيضاً مفيد

стр. 103

لما فيه من تحليل حاد لمظاهر متنوعة من التاريخ الحضاري الأميركي وأحسن مثال لذلك حديثه عن " التناقض الظاهري البيورتاني " وهو: الإيمان بالجبرية في الفكرة، والعمل على أساس حرية الإرادة. ويبدو أن ونترز مدين بالتفصيلات في هذه الفكرة لهنري بمفورد باركس ويعترف ونترز بأنه مدين لباركس ديناً كبيراً في كثير من مظاهر الفكر الأميركي، غير أن تطبيقه لتلك الفكرة على ذلك الاتجاه الرمزي عند كتاب ولاية نيوانجلند، من كتن ماذر حتى هنري آدمس، ليعد عملاً أصيلاً. وكما أن دراسته لبو أكثر ما في كتابه إقناعاً فإن مجاوزته الحد في تقدير فنيمور كوبر أقلها إقناعاً، ذلك لأن ونترز يحاول أن يجعل من كوبر أديباً واقعياً، فيدافع عن الصحة المصطنعة في تلك الأعمال الباهرة التي تضمنتها قصصه " حكايات الجورب الجلدي " (١) Leatherstocking Tales بينا الأصوب إن شئنا الجد في تحليل كوبر ودراسته أن نعتبره كاتباً رمزياً (ذلك هو ما ارتآه د. هـ؟. لورنس وجون ماسي) . ويقتبس ونترز منظراً يكاد يكون كاملاً من قصة " صائد الغزلان " The Deerslayer فقرة إثر فقرة، من نثر كوبر المتثاقل المترجرج المتعسر، شافعاً ذلك كله بمثل قوله " لعله عمل لا يقل عظمة في طوله عما يجده الإنسان في سائر القصص الأميركي، ما عدا ملفل ". أو قوله " وفجأة ينتحل النثر صفة العمومية والعظمة لكي يهيئ المرء لتلقي الصفة المتافيزيقية للأثر الذي يتلوه بعد قليل ". أما أعلى إطراء فيضيفه ونترز على قصة لكوبر عنوانها " ساحرة

стр. 104

الماء " The Water؟ Witch حين قدمها باعتدال قائلاً: " لهي بالتأكيد من ألمع القطع إن لم تكن من أعمقها في النثر الأميركي ". ويبدو أننا لا نبعد عن الحقيقة حين نرى السر الحقيقي لهذا الإطراء متصلاً بالأفكار السياسية والارستقراطية اللاديمقراطية التي كان كوبر يعتنقها، وبأختها " الرفعة البلاغية ". ويخصص ونترز أول جزء من مقالته للثناء على " الخلقية العامة " عند كوبر مسهباً مدافعاً عنها، ويختم تقديره بما يجب أن يعتبر أشد الصيحات المحزنة الداعية للتكتل انتصاراً للرجعية حين يقول " إنه ينطوي على مثل اجتماعي أعلى كان في زمانه قد أدركه التعفن والفساد، حتى إن وقوفه دونه كلفه سمعته، ولعل ذلك المثل الأعلى لم يعش بعده مدى عشرين عاماً ". ولعل أحفل تقويمات ونترز بالإساءة، في كتابه، مروره دون مبالاة على الشخصيات الكبيرة؛ فهو يرى في ثورو وألكوت شخصين قليلي الأذى غريبي الأطوار من مدرسة امرسون، ملمحاً إلى " السجية الرعوية عند ثورو " و " البلاهة الهادئة في ألكوت ". ويعتقد أن هنري جيمس كان ملتاثاً مثله شخصيات قصصه، إن كان لكلمة " لوثة " التي يكثر من استعمالها من معنى. وعلى أية حال، فكل فصل في كتاب " لعنة مول " يحوي نصيباً مقدوراً من الآراء التقويمية السطحية التي يقذف بها ونترز حول الأعمال الأدبية أو حول بعض أجزائها بل على أسطر منها أحياناً، وكلها آراء ذاتية، وقليل منها مؤيد بالبرهان. ولنتناول بضعة أمثلة كيفما اتفق: يستبعد كل ما كتبه هوثورن ما عدا " الحرف القرمزي " لأنه في زعمه " يدل على إخفاق " أو هو " تافه القيمة "، ويختار الفصل السابع من " صائد الغزلان " لأنه " خير قطعة مفردة في النثر كتبها كوبر "، ويختار الفصل الأول والأخير من قصة " السهوب " The Prairie لأنهما " يتلوانه في حسن " النثر. ويعد " بنيتوتشيرينو " Benito Cereno

стр. 105

" والجزائر المسحورة " Encantadas و " بلي بد " (١) Billy Bud حير ما كتبه ملفل باستثناء موبي ديك. ويعد خير الأبيات التي يستحسنها من شعر بو، لأن " مسجها لا بأس به " ومجموعها أقل بقليل من مائة بيت، موزعة في خمس قصائد. ويطبع القصائد الثلاث من شعر إملي ديكنسون وهي التي تجمع بين " أعظم قدرة وأجمل أداء ". ويشير إلى أن هناك رجلاً يسمى فردريك جودارد تكرمان (٢) F. G. Tuckerman، " مشبه لهوثورن في رومانسيته المتأخرة إلا أنه يكتب أحسن من هوثورن "، ون قصائد جونز فري " وهو كاتب مؤثر " ممتازة " في حدودها " مثل قصائد ترايرن Traberne وهربرت أوبليك. ويستحق ونترز ثناءً على الطريقة التي درس بها هرمان ملفل، إذ هو الوحيد من بين النقاد المعاصرين، باستثناء ف. أ. ماثيسون الذي أعطاه؟ أخيراً؟ ما يستحقه من حيث هو أعظم كاتب أميركي، وواحد من أرفع القصصين في العالم. إن ونترز ضعيف أو محدود جداً؟ على الاقل؟ في تفسير المعاني العميقة في موبي ديك غير أن تحليلاته الرمزية المسهبة لبعض القطع بالغة القيمة، فمثلاً يبدو أنه غير واعٍ لصور الشذوذ الجنسي التي تجري خلال ما يكتبه ملفل وبخاصة تلك التي تجمعت

стр. 106

في قصته الأثيرة " بلي بد " (وهذا قصور غريب حقاً حين نعلم أن ونترز من النقاد القلائل الذين لم يخجلوا من التعليق على الشذوذ الجنسي فيما كتبوه بل إنه لحظ في قصيدة من قصائد روبنسون موضوعاً يحتمل أن تكون له صلة بالشذوذ الجنسي) . ومع هذا فإن دراسة ونترز للمفل قطعة فذة وكفاها أنه ضمنها اقتباسة كاملة تدل على جودة اختيار. بل ربما كان ونترز في هذه الدراسة، مثله عندما درس بو، يعطي الأديب ما يستحقه من تقدير صائب لأسباب خاطئة وربما كان سر اهتمامه بما يثني عليه من كتب ملفل أنه وجد فيها " الأخلاقية " التي يبحث عنها في الأدب. وهب ذلك صحيحاً، فإنه شيء لا ينقص من قدر تلك الدراسة. وهناك نقاط إضافة عن " لعنة مول " تستحق أن تذكر: أولاً: مسألة " معاداة النورانية "، سر العنوان الإضافي للكتاب، وهي تهمة يكثر من تكرارها، إكثاره من ذكر " الرومانتيكية "، وبين المصطلحين وشيحة نسب. ويعني ونترز بمعاداة النورانية نوعاً من الانفعال الكاذب يزيد فيه قدر الشعور الناتج عن مقدار الدافع المحرك له، وهذا هو ما كان يعنيه الاغريق بكلمة " هستيريا " ويرونها مرضاً نسوياً مركزه الرحم. وعلى أساس هذا المفهوم يرى ونترز الأدباء السبعة المذكورين مصابين بمعاداة النورانية؟ على وجه ما؟ بل يرى أن هذا المرض هو أكبر الظواهر فيما يسميه " الفترة الرومانتيكية " الممتدة من ١٧٥٠ حت اليوم. ولا حاجة إلى القول بأن هذا المصطلح " معاداة النورانية " في كتاب " لعنة مول " كالغربال لا يمسك ماءً، شأنه في ذلك شأن المصطلح الآخر " شرب الدم "؛ ولا شك في أن موقف رجل يتهم قرنين من تاريخ الأدب برمته مستثنياً بردجز وستيرج مور لأنهما، فيما يرى، ولدا خطأ في ذلك العصر؟ إن مثل هذا الموقف، في أحسن أحواله، قلق هش خرع لا يطمأن إليه. ثانياً: لابد من أن ننبه إلى أن معالجة هنري جيمس في الكتاب

стр. 107

- إذا صرفنا النظر عن التقويم المتناقض المشوه الذي يورده ونترز، إذ يراه حيناً رمز إخفاق مريع ويراه حيناً آخر أعظم قاص في الإنجليزية بعد ملفل؟ لهي من أشد الكتابات النقدية قصوراً في عصرنا. ٣ - لم يصبح التقويم الجمالي المنظم للأعمال الفنية غاية رئيسية للنقد، في تاريخ الأدب، إلا بعد عصر النهضة، وظل منذ عهدئذ حتى القرن الحاضر هو المنهج السائد. أما النقاد الإغريق والرومان، فكانوا يهتمون ف الدرجة الأولى بالبويطيقا، وبتحليل الطبيعة الاجتماعية للفن والتأثير الفني. وأما نقاد القرون الوسطى فقد وقفوا همهم على التفسير الأخلاقي والباطني، وارتكز نقد عصر النهضة وبخاصة في انجلترة على إيجاد التبرير الخلقي للأدب الخيالي. ولما حل العصر اليعقوبي بانجلترة (١) أخذ النقد ينتحل التعلق بالتقويم وجرى عليه طوال ثلاثة قرون مثلما كانت الحال في أوروبة يعد النهضة وفي أميركية حوالي عهد الثورة بعد فترة من الأحجام الطبيعي. وفي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر بانجلترة، ازدهر النقد التقويمي، وبلغ فيه أمثال توماس رايمر وجون دنس وصمويل جونسون ذروة التقريرات التعسفية التي يتضاءل أمامها ونترز. أما رايمر الذي وصفه ماكولي وفي وصفه شيء من العدل " بأنه أردأ ناقد عاش على ظهر الأرض " فإنه قد تأدى إلينا في صورة كان يعيد الأثر. فقد أثر في القراء حين استبعد شوسر قائلاً " إن لغتنا عندئذٍ لم تكن قادرة على إبراز شخصية بطولية " وتأثروا هم حين أعاد كتابة مسرحيات بيمونت وفتشر حسب فكرته عن الصحة الكلاسيكية وحين مزق مسرحية " عطيل " نصفين لأنها

стр. 108

نسيج من الهراء أو لأنها " مسرحية مضحكة دموية دونما تمليح أو نكهة " كتبها رجل كان يظن أن امرأة فينيسية عريقة الأصل تستطيع أن تحب زنجياً. ويقول رايمو أيضاً في شكسبير " إنه يبدو في المأساة في غير بيئته، فأفكاره معوجة وهو يهذي ويهيم على وجه دون تماسك؛ ودون أي قبس من عقل أو أي ضابط يزعه ويحد من جنونه ". أما شعره فإن " صهيل الحصان " ونباح " الزغاري " يحملان معنى أكبر مما يحمل ". وكان جون دنس يرى أحكام رايمر على شكسبير رغماً عن بعض اختلاف بينهما " أحكاماً معقولة عادلة في أكثر جزئياتها ". وقد حسن في مسرحية " نساء وندسور المرحات " (١) The Merry Wives of Windsor وجعل عنوانها " الشهم المضحك " The Comical Gallant. وعلى هذا كله فإنه كان ناقداً أميل إلى الناحية الخلقية، مؤمناً بأن الغاية الكبرى من الشعر هي إصلاح العقل البشري الآثم. غير أن تقويماته المتزمتة وبخاصة ما يتعلق منها باسكندر بوب " عدوه اللدود " أو مراجعته الممتازة لرواية " كاتو " Cato لاديسون كانت مثل أحكام رايمر تعسفية تحكمية، ومرسلاته العامة في الأدب أعلق بالجزئيات. وأما الأحكام القوية التي كان يصدرها جونسون عن الأدباء في أحاديثه لبوزول أو فيما قيده في كتابه " سير الشعراء " فإنها أشهر من أن يعاد فيها القول هنا، غير أن بعض تقريراته التي لم تنل شهرة واسعة، يستحق التنويه. ففي مقالة نشرها في " الجواب " Rambler عن سبنسر نزع إهاب " أسلوبه الفاسد " وصفع الدورة السبنسرية " الصعبة المنفرة المتعبة " بل إنه في مقدمة كتبها عن شكسبير؟ تقديراً وتبجيلاً؟ لم يتورع عن عد نقائضه من مثل " إنه قلما يوفق كثيراً في المناظر الهزلية " و " إن خطبه؟ على وجه عام؟ باردة أو ضعيفة " وزاد

стр. 109

قائلاً: إنه إذا اعتبرنا حال حياة شكسبير وهمجية عصره، فعلى القراء " أن يسامحوه على جهله ". وأكبر ناقد تقويمي متعسف شهده القرن التاسع عشر خلفاً لرايمر ودنس وجونسون هو ولتر سفج لاندور W. S. Landor فقد كان في مقدوره أن يصفع فرجيل نفسه لأنه استعمل تعبيراً لاتينياً غير دقيق وأن يصرح بأن ليس لبوليتيان (انجيليو بوليتزيانو) إلا قصيدة واحدة تستحق التقدير، وأن يهاجم كولردج هجوماً شريراً، ويستبعد الأدب الفرنسي بحذافيره وبخاصة المأساة الفرنسية وفولتير، ويضحي بكل من بوب وبيرون. وفي حمله؟ صراحةً؟ عبء التقويم التعسفي إلى نهايته المنطقية، كما حمله ونترز ضمناً؟ قرر لاندور أن أسوأ ما خطه ممثلاً في " أحاديثه الخيالية " العشرة " Immaginary Conversation " لا يمكن أن يسمو إليه أرفع خصومه موهبةً، في عشر سنوات من الكد، وأن الإصبعين اللتين تحملان قلمه لهما أقوى من داري البرلمان. ومن الواضح أن إيفور ونترز يجيء في سلسلة هؤلاء الرجال مباشرة، وأنه مثل لاندور، رجعة إلى ما قبل عصره بقرن كامل حين كان " القول الفصل " مظهراً سائداً في النقد والأدب. وهو مثل هؤلاء جميعاً، يبني تقويماته على الكلاسيكية والإيمان بالموروث. ومثل معظمهم في أنه يصدع بتقويماته خدمة لقضية رجعية سياسية. وقد قال ببعض هذه المقارنة بينه وبينهم نقاد آخرون، فقارنه كلينث بروكس برايمر في كينيون رفيو Kenyon Review عدد الربيع سنة ١٩٤٠ لتشابههما في " جوانب القوة والضعف " ووازن كثير من المراحعين بينه وبين جونسون، ربما لأن ونترز سبقهم إلى القول بأن جونسون هو الناقد الإنجليزي الذي يستحق أن يوصف ب؟ " العظيم "، ولكن لم يلحظ أحد وجه الشبه المفزع بينه

стр. 110

وبين دنس، لأن دنس عندما يهاجم الشعراء الذين يحسبهم أردياء لا لأنهم فحسب فنانون خاطئون بل لأنهم أشرار يعادون الأخلاق، أو حين يقول " إذا كان المرء واثقاً من نفسه فعليه أن يتكلم في ثقة متواضعة " ... أقول: إن دنس في هذا كله ليس إلا تجسداً مبكراً لونترز. وإذن فإن معجم ونترز النقدي وأمثلته معاصرة، غير أن قلبه وفكره يعيشان؟ فيما يبدو؟ في لندن سنة ١٧٠٠. وهناك أرومة نقدية أخرى ينتسب إليها نقد ونترز، وهو قد جلا النقاب عنها بقوله في كتاب " البدائية والانحطاط ": " إن هذه الفكرة عن الشعر في مجملها العام ليست أصلية، ولكنها إعادة للأفكار التي كانت سائدة في النقد الإنجليزي منذ أيام سدني، وظهرت في أكثر كتب الدفاع عن الشعر منذ سدني أيضاً وبخاصة فيما كتبه آرنولد ونيومان ". وهو يعني؟ بالطبع؟ سلسلة النقد الأدبي المبني على الأخلاق، ذلك انقد الذي بدأ منذ أقدم كتاب يونان، وهو موروث يطابق أحياناً مبدأ التقويم التعسفي، ويسلك أحياناً سبيلاً مجافياً له؛ ومن الواضح أن ونترز يرى موضعه في هذه السلسلة أيضاً. ولقد يحرج النفس أن نشهده يقارب بين غنف طريقته الجافية وبين لطف سدني ونيومان ظاناً أنهما من معدن واحد. بل لعل التشابه بينه وبين آرنولد أدق وأقرب. ومع أن ونترز قد ينكر ذلك التشابه مستاءً، فإن مبدأه الأساسي أعني إيمانه بأن الفن " هو تخلل الفهم الخلقي الثابت للتجربة الإنسانية " ليس؟ فيما يبدو؟ إلا إعادة لمبدأ آرنولد: " الفن هو نقد الحياة " عن طريق تطبيق المبادئ الأخلاقية. ولا ريب في أن هناك أنواعاً أخرى من النقد الأخلاقي في الأدب، يغفل ونترز ذكرها بمرونة؟ هناك ماكولي ونظرته الأخلاقية النفعة التي تختنق الأنفس، وتمثل مبدأ حزب الأحرار. وهناك تولستوي ومقته
следующие страницы →