← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قالَ جارُ اللهِ (١): "ومنه قولهم لمن ذكر أمرًا قد تقادَمَ زمانُهُ حينئذٍ الآن، أي كان حينئذٍ واسمَعِ الآن". قالَ المشرَّحُ: ها هنا ظرفان، أحدُهما: حينئذٍ، والآخر: الآن، ولا بُدَّ لِكُلِّ واحدٍ منهما من عاملٍ، فيُضمَرُ عاملان، أحدُهما: كان، والآخرُ: اسمع. قالَ جارُ اللهِ: "ويُضمَرُ عامله على شريطةِ التَّفسيرِ كما صُنِعَ في المفعولِ به، وتقولُ: اليومَ سرتُ فيه وأيومَ الجمعةِ يَنطلِقُ فيه عبدُ اللهِ، مُقَدِّرًا: أسرتُ اليومَ، وأيَنطلقُ يومَ الجمعةِ". قَالَ المشرّح: كذا (٢) يقولون في اليومَ سرتُ فيه: سرتُ اليومَ سرتُ فيه. وعندي أنَّ اليومَ منصوبٌ بهذا الفِعل الظَّاهِرِ، وهو سرتُ، والضميرُ المنصوبُ المحلّ في "فيه" منصوبٌ على البَدَلِ من "يومَ"، وهاتان (٣) المسألتان أَعني: اليومَ سرتُ فيه، وأيومَ الجُمُعَةِ ينطلقُ عبدُ اللهِ يدلَّان على أنَّ "في" مقدّرةٌ في الظَّرفِ.

стр. 387

[بَابُ المفعُول مَعَه] قَالَ جارُ اللهِ: "المفعولُ مَعَه هو المنصوبُ بعدَ الواوِ الكائنةِ بمعنى "مَعَ"، وإنَّما يَنْتَصِبُ إذا تَضَمَّنَ الكلامُ فِعلًا نحوَ قولِك: ما صنعتَ وأَباك، وما زِلتُ أسيرُ والنِّيلَ، ومن أَبياتِ الكتابِ (١): فكونُوا أنتُمُ وبَنِي أَبِيكُم … مكانَ الكليَتَينِ من الطِّحَالِ" قَالَ المُشَرِّحُ: اعلم أنَّ المَفَاعِيلَ في الحَقيقةِ ثَلاثة: المفعولُ به، والمصدرُ، والظَّرفُ، وأمَّا المنصوبُ بمعنى اللَّامِ، والمنصوبُ بمعنى مَعَ، فلَيسا بمفعولين في الحَقيقةِ (٢)، وذلك لأنَّ المفعَولَ هو الذي يَقُومُ مقامَ

стр. 388

الفاعلِ إذا بُنِي الفِعلُ للمفعولِ به (١)، والمصدَرُ والظرفُ [كلّ واحدٍ منهما يقومُ] (٢) مقامَ الفاعِلِ إذا بُنِيَ الفِعلُ للمفعولِ به وليسَ في الكلامِ مفعولٌ به بخلافِ المنصوبين بمعنى "اللَّامِ" وبمعنى "مَعَ" فإنَّهما البَتَّةَ لا يقومان مقامَ الفاعِلِ، ومن ثَمَّ تَرَى العربَ يُكَنُّونَ عنْهُما بالضميرِ المُتَّصِلِ حَسْبَما كَنَّوا عن المفعولِ، فقالوا: زيدًا أَظُنُّهُ منطلقٌ، ويومٌ شَهِدناه. كما قالوا: زيدًا ضربتُه. فإن سألتَ: لِم (٣) لا يَكُونان (٤) مفعولين من حيثُ إنَّهما منصوبان ولهما بالفعلِ تَعَلُّقٌ، وإن لم يكن ما ذكرتُ من الشيئين؟ أجبتُ بأنَّهما لو كانا مَفعولين من حيث [إنَّهما منصوبان ولَهُما بالفعلِ تَعَلُّقٌ] (٥)، لكانَ الحالُ أيضًا من جملةِ المفاعيلِ، وأنَّها لَيست منها. تخميرٌ: المصيرُ (٦) إلى المنصوبِ بمعنى مَعَ واجبٌ، متى أُريدَ العَطْفُ ثُمَّ تَعَذَّرَ، تقولُ: ما صنعتَ وأَباكَ، لأنَّ رَفعَ أباكَ عَطفًا على الضميرِ في صَنَعتَ لا

стр. 389

يجوزُ، لأنَّه مُتَّصلٌ، مَرفوعٌ، غيرُ مُؤكَّدٍ، وكذلك لو قلتَ: أنت تسيرُ والنيلَ، فتنصِبُ النيلَ، لأنَّه لو رُفِعَ لأوهَمَ أنَّه يَسيرُ، والنيلُ لا يسيرُ، وإنَّما يَجرِي، ولأنَّه يلزمُ العَطفُ على الضَّميرِ المُتَّصِلِ المرفوعِ. وكذلك قوله: وَكُونُوا أنْتُمُ وبَنِي أَبِيكُم يريدُ: لِتَكُنِ نِسبَتُكُم إلى بَنِي أَبيكُمْ نِسبَةَ الكليتَينِ إلى الطِّحَالِ، ولو رَفَعَ لأوهَمَ، لأنَّ المنسوبَ إليه شيءٌ آخرُ. قالَ جارُ اللهِ: "ومنه قوله تَعالى (١): ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ ". قالَ المشرِّحُ: وكذلك قوله (٢): ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ لأنَّ الاجتماعَ لا يكونُ في الأعيانِ إنما هو في المَعَاني، فمعنَى الآية: اجمِعوا أمرَكم، واجمَعوا شركاءَكم، الأوَّلُ من الاجتماعِ والثاني من الجَمع. تخميرٌ: اعلم أنَّ المنصوبَ بمعنى "مَعَ"، يدخلُ في الحُكْمِ السَّابقِ على سبيلِ التَّبَعِ، اعتبِره بقولهم: جاءَ البردُ والطّيالِسَةَ، فالطيالسةُ -وإن كانت داخلةً في حكمِ المجيءِ لكن على سَبِيلِ التَّبعِ للبَرْدِ. قالَ الإِمامُ عبدُ القاهِرِ الجُرجاني (٣): لو قلتَ: جاءَني الطّيالسةُ والبَردَ، ولو تُركَ الفصيلُ والناقةَ لم يَستقم. قالَ جارُ اللهِ: "أو ما هو بمعناه نحو قولِكَ: ما لكَ وزيدًا، وما شَأنُك وعمرًا، لأنَّ (٤) المعنى فيها (٥) ما تَصنَعُ، وما تلابِسُ، وكذلك حَسبُك وزيدًا

стр. 390

دِرهمٌ، وقَطُك، وكفِيكَ (١) مثله لأنَّها (٢) بمعنى كَفاك. قال: * فمالَكَ والتَّلَدُّدَ حَوْلَ نَجْدٍ * وقال: * فَحَسبُكَ والضَّحاكَ سيفٌ مهنَّدُ * قالَ المشرّحُ: العطفُ على الضميرِ في ما لك متعذّرٌ، وكذلك الضميرُ في ما شأنُك، لأنَّه ضَميرٌ مُتَّصِلٌ مَجرورٌ وكذلك في حَسبُك، وقَطُك، وكفِيك مثله، فإن سألتَ: فكيفَ جازَ النَّصبُ في قولك: * فحسبُكَ والضَّحَّاكَ سَيفٌ مُهَنَّدُ * وقال (٣) ابنُ السرّاج فيه (٤): ومنهم من (٥) يَجُرُّ، ومنهم من يرفعُ؟ أجبتُ: ذلك وإن كانَ عطفَ مجرورٍ على مجرورٍ [من حيثُ الظاهرُ] (٦)، فهو عَطفٌ على منصوبٍ من حيثُ المَعنى، والمَعنى: يكفِيكَ والضَّحاك. والتَّلدد (٧): وهو التَرَدُّدُ، وحقيقتُه: الميلُ إلى أَحَدِ اللِّدَّينِ، وهما جانِبا الوَادي مرَّةً، وإلى الأُخرى أُخرى، ومنه اللَّدودُ، وهو ما نُصِبَ في أَحَدِ لَديدَيِ الفَم، ويُروَى التلدُّدُ بالرفعِ، وهي جُملةٌ ابتدائِيَّةٌ في محلّ النَّصبِ على الحالِ. تمامُ البيت (٨):

стр. 391

* وقد غُصَّت تِهامةُ بِالرِّجَالِ * يُقالُ إنَّه لمسكين الدَّارِمِيِّ (١). صدرُ البيتِ الثاني (٢): إذا كانتِ الهَيجَاءُ وانشَقَّتِ العَصَا … فَحَسبُكَ .......... البيت قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ، وليس لك أن تجرَّه حَملًا على المُكَنِّى، فإذا جئتَ بالظَّاهِرِ كان الجرَّ الاختيارُ كقولك: ما شأنُ عبدِ الله وأخيه يشتُمُه، وما شأنُ قيسٍ والبُرِّ يسرِقُه، والنَّصبُ جائزٌ". قالَ المشرَّحُ: ذاك (٣) إذا تَعَذَّرَ العطفُ، فلئن لم يَتَعَذَّر لا يخلو من أَنْ يصفوَ عن جميعِ شَوائِبِ القُبحِ، أو لا يَصفو، فلئن لم يصفُ جازَ كلا

стр. 392

الأمرين، تقولُ: ما شأنُ قيسٍ والبرَّ يسرِقُه بالنصبِ والجَرِّ إذا الجَرُّ ها هنا لا يخلو عن شيءٍ قليلٍ من القبحِ (١)، وذلك يُوهمُ أنَّ المنكَرَ عليه كِلا الشيئين قيسٌ، والبرُّ، والمنكرُ عليه أحدُهما، وهو قيسٌ، وكذلك قولك: ما شأنُ عَبدِ الله وأخيه يشتُمُه فمن ثَمَّ كان الاختيارُ هو النَّصبُ. ولئن صَفا عن جميعِ شوائبِ القبحِ لم يجز الواو بمعنى "مع". يقولُ الإِمامُ عبدُ القاهر الجرجاني: ولا يجوزُ أن تقولَ: خرجَ زيدٌ وعمرًا، ومررت بزيدٍ وبكرًا تَزعُمُ أنَّك أردتَ معنى "مع" بل يَنبغي لك أن تَحْمِلَ الثاني على إعرابِ الأولِ، كما يُوجِبُهُ حكمُ العطفِ، تقولُ: خرجَ زيذٌ وعمروٌ، ومررتُ بزيدٍ وعَمروٍ. قالَ جارُ اللهِ: "وأمّا قولُك ما أنتَ وعبدُ الله، وكيفَ أنت وقَصْعةٌ من ثَريدٍ؟ فالرفعُ، قال (٢): * ما أنتَ ويبُ أبيكَ والفَخرُ * وقال: * فما القَيسيُّ بعدَك والفَخَارُ * قالَ المشرّحُ: إذا قلتَ: ما أنت وعبدُ الله فالرَّفعُ، لأنَّهُ (٣) لا فعلَ ها هنا، وكذلك لا يحسُنُ إضمارُه، لأنَّ "أنت" تدفعُ ذلك. عيبَ قولُ مَن قال: * ألا اضرب أنتَ آباطَ المَطِيِّ *

стр. 393

فإن سألتَ: فإذا لم يكن مُسْتَحسَنًا فكيفَ وَرَدَ في قوله تَعالى (١): ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ أجبتُ: ذلك لتوطِئَةِ العَطفِ. البيتُ الأوَّل للمُخَبَّلِ السَّعدي (٢) وأوله: يا زِبرقانُ أخا بني خَلَفٍ … ما أنتَ ويبُ أبيكَ والفَخرُ وبعده (٣): ما أَنت إلَّا في بَنِي خَلَفٍ … كالاسكِتَين علاهُما البَظْرُ يقولُ: من سادَ مثل قومك فلا فخرَ له بسيادتهم. وشبَّهَهُم إذا اجتَمَعُوا حولَه وأَطَافُوا به بالبَظَرِ الذي بينَ الاسكتين، وأَراد أن يقولَ: هل أنتَ في بني خَلَفٍ إلَّا كالأسكتَين في بني (٤) خلفٍ فقدَّم صَدرَ البيتِ الثاني (٥):

стр. 394

وكنتَ هُناكَ أنتَ كريمَ قيسٍ … فما القَيسِيُّ .... البيت قالَ جارُ الله: "إلَّا عندَ ناسٍ من العَرَبِ ينصِبونَه على تَأويلِ ما كنتَ أنتَ وعبدَ اللَّهِ، وكيفَ تكونُ أنتَ وَقَصعةً من ثَريدٍ. قالَ سِيبويهِ: لأنَّ كنتَ وتكونُ تقعان ها هنا (١) كثيرًا، وهو قليلٌ". قال المشرّحُ: قوله: "وهو قليلٌ"، يعني: النَّصبُ ها هنا قليلٌ. فإن سألتَ: أَلستَ قد ذكرتَ أنَّ إبرازَ هذا الضميرِ يَدفَعُ إضمارَ الفعلِ؟ أجبتُ: بَلى لكن ليسَ هذا على إضمارِ الفعلِ، بل على تَوَهُّمِ كيفَ أنتَ تكونَ، إذ لا فرقَ بينَ أن يُقالَ: كيفَ أنتَ، وبينَ أن يقالَ كيفَ تكُون (٢)؟ وقولُ الشيخِ تَدْرِيسٌ. قالَ جارُ اللهِ: "ومنه: * وما أَنا والسَّيرَ في مَتلَفٍ *". قالَ المشرِّحُ: تَمامُه (٣):

стр. 395

* يعبِّرُ (١) بالذكَرِ الضَّابِطِ * عنى بالذَّكَرِ: البَعِيرَ الذَّكرَ. قالَ جارُ اللهِ: "وهذا البابُ قياسٌ عندَ بعضهم" وعند الآخرينَ مقصورٌ على السماعِ. قالَ المشرّحُ: وجهُ القياسِ: كثرةُ هذا البابِ واطِّرادُه. ووجهُ السَّماعِ: كلامُ العربِ استقراءٌ (٢)، لا قياسٌ -اللَّهُمَّ- إلَّا (٣) إذا أُصيبَ ذلك الاطِّرادُ الكُلِّي.

стр. 396

[بَابُ المفعُول لَه] قَالَ جارُ اللهِ: "المفعولُ لَه: هو عِلَّةُ الإِقدامِ على الفِعْلِ، وهو جَوابٌ لمه، وذلك قولك: فعلتَ كذا مخافةَ الشَّرِّ، وادّخارَ فُلانٍ، وضَربتُه تَأديبًا له، وقَعَدتُ عن الحَربِ جُبنًا، وفعلتُ ذلك (١) أجلَ (٢) كذا، وفي التنزيلِ (٣): ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ ". قَالَ المشرّحُ: ادّخَار فُلانٍ من قوله (٤): * وأَغْفِرُ عَوراءَ الكَريمِ ادِّخارَهُ *

стр. 397

أجلَ كذا: أي كسبُهُ (١)، فإن سألتَ: النَّحويون يَقولون: المفعولُ (٢) له هو الغَرَضُ من الإِقدامِ على الفِعلِ، فما باله قد أُعْرِضَ عنه إلى العِلَّةِ؟ أجبتُ: العلةُ أعمُّ وأشيعُ، ألا تَرىَ أنَّك إذا قلتَ: قعدتُ عن الحَربِ جُبنًا، صَحَّ أن يقالَ: العِلَّةُ في قعودِك عن الحربِ الجُبنَ ولا يصحُّ أن يقالَ: الغرَضُ في قعودِكَ عن الحربِ الجُبنَ، لأنَّ الجُبنَ لا يكونُ الغَرَضُ (٣) لعاقلٍ. لمه: قد كَتَبه الشَّيخُ بالهاءِ (٤)، وهذا كما يكتب ثَمَّة بالفتح مع الهاء، فرقًا بينه وبينَ "ثُمَّ" بالضّمّ وذلك لأنَّ الخطَّ الإِسلامي كان ولم يَكُن نَقطٌ ولا عَجمٌ، ثم أُحدثا بعد ذلك بزمانٍ فكانوا يَضَعون الحروفَ مواضِعَ النَّقطِ والعَجمِ، كما زَادوا الواو في عمروٍ ليكونَ فرقًا بينه وبين عُمرَ. فإن سألتَ: أليسَ من شأنِ هذا المنصوبِ أن يُعَدَّ في باب المَصْدرِ، ألا تَرى أنَّك إذا قلتَ ضَربتُه تأديبًا له؟ فمعناه: ضَربتُه ضَربًا (٥) واقِعًا بِسَوطٍ، ثم كان (٦) ذلك مَعدودًا (٧) في بابِ المَصدَرِ، فكذلك يَجِبُ أن يكونَ هذا مَعْدُودًا فيه (٨)؟ أجبتُ: بل هذا هو القياسُ، والبَصريون هُمُ الذين يُتَرْجِمُون هذا الباب، وأمَّا الكوفيُّون فلا يُتَرجمونه، ويَجعلونه نوعًا من أنواعِ المصدَرِ. قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ، وفيه ثلاثُ (٩) شَرائطَ: أن يكونَ مَصدرًا وفِعلًا لفاعِل الفِعلِ المُعَلّلِ به ومقارِنًا له في الوجودِ، فإن فُقِدَ شيءٌ منها

стр. 398

فاللَّامُ (١) كقولك: جئتُك للسَّمنِ واللَّبَنِ، ولإِكرامِكَ الزائرَ، وخرجتُ اليومَ لمُخاصَمَتِك زيدًا أمسِ". قال المشرّحُ: شُرِطَ المَصدرُ في المَنصوبِ بمعنى اللَّامِ، لأنَّه متى كان مَصدرًا كان الإِدراجُ فيه أقلَّ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قلتَ: جئتُك إكرامًا لَكَ، ثُمَّ رجعتَ بهذا الكلامِ إلى الحقيقةِ لم يُحتَج فيه إلى إضمارِ اللَّام، وذلك أن تقولَ: جئتُك لإِكرامَك، ولو قلت: جئتُك جاهًا لك ثَمَّ رجعتَ به عن حقيقتِهِ فكما يُحتاجُ فيه إلى إضمارِ اللَّام يُحتَاجُ فيه إلى إضمارِ (٢) شيءٍ آخرَ، وذلك أن تقولَ: جئتُك ليحصُلَ لي (٣) جاةٌ (٤)، وكذلك شُرِطَ أن يكونَ (٥) فِعلًا لفاعِلِ الفِعْلِ المُعلِّ، وذلك أنَّه إذا كان فعلًا له كانَ أقلَّ (٦) إدراجًا، أَلا تَرى أنَّك إذا قُلتَ: ضَربتُه تأديبًا له، فهو أقلُّ إدراجًا، كما لو قُلت: ضربتُه تأديبًا له، لأنَّ تمامَ المعنى في الأولِ، ضربتُه لأُؤَدِّبَهُ، ولا كذلك في الثَّاني، لأنَّه لو قلت: ضربتُه ليتأدَّبَ، لم يكن تمامُ المعنى (٧)، لأنَّ تمامَ المعنى فيه، ضَرَبتُهُ لأؤدّبه فيتأدب (٨)، وكذلك شُرِطَ أن يكونَ مقارِنًا له في الوجودِ، لأنَّ (٩) هذا المنصوبَ علَّةُ الأوَّلِ، وإنَّما يكونُ عِلةً إذا كانَ مقارِنًا. فإن سألتَ: المقارَنَةُ ليست بشرطٍ بدليلِ قوله تعالى (١٠): ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾. ألا تَرى أنَّ زينةً منصوبٌ

стр. 399

بمعنى اللَّامِ، والزينةُ كانت مفقودةً وقتَ الخَلقِ؟ أجبتُ: أنَّ (١) المَعنِيَّ بكونه مقارِنًا أن يكونَ (٢) متقدّمًا على الأوَّلِ، أمَّا إذا كانَ متأخِّرًا عنه فلا بأسَ، كما لو قلتَ: شربتُ النَّقيعَةَ إصلاحًا (٣) للبدنِ، فالإِصلاحُ غيرُ واقعٍ عندَ الشُّرب، ألا تَرى أنَّ معناه شربتُ النَّقيعةَ لإِصلاحِ البدنِ، وكذلك (٤) لا يَقْتَضِي أن يكونَ الإِصلاحُ واقعًا وقتَ الشُّربِ كما لو قلتَ: سافرتُ لِأَحُجَّ، فإنّ ذلك لا يُوجِبُ أن يكونَ الحَجُّ واقعًا وَقتَ السَّفرِ، كذا هذا. فإذا فاتَ شيءٌ من هذه الشَّرائِطِ فلا بُدَّ من اللامِ فيه ليكونَ (٥) الكلامُ أقلَّ إدراجًا. قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ ويكونُ معرفةً ونكرةً، وقد جَمَعَهَا العجَّاجُ في قوله (٦): يركبُ كلَّ عاقرٍ جُمهورِ … مخافةً وزعلَ المَحبُورِ والهولَ من تَهَوُّلِ الهُبُورِ"

стр. 400

قَالَ المشرّح: العاقرُ: الرملةُ التي لا تنبتُ (١)، وحقيقتُها الرملةُ التي انقطَعَ نباتُها، واشتقاقُها من عَقَرَه. الجُمهورُ: المتراكمُ، الزَّعَلُ هو (٢) النَّشاطُ، والزَّعلُ [هو القَلَقُ من النَّشاطِ] (٣)، وتركيبُ هذه الحروفِ كيفَما اتفقَ يدلُّ على الفصلِ. إذ القَلَقُ الشَّديدُ والنَّشاطُ المفرطُ، كأنَّه يفصلُ بعضَ المفاصل عن البعضِ، ومنه عَزْلُ العاملِ، لأنَّه فصلٌ له عن عَمَلِه. الحُبُورُ: هو (٤) الذي يظهَر فيه أثرُ المَسَرَّةِ. واشتقاقُه من الحِبارِ، وهو الأثَرُ. التَهَوُّلُ: أن يَعظُمَ الشيءُ في عينِك حتَّى يَهُولُك أمرُه. فإن سألتَ: لِمَ لا يجوزُ أن يكونَ التَّهَوُّلُ من هِلتُ الرَّملَ فانهالَ؟ أجبتُ: لأنَّ ذلك يائِيٌّ وهذا واويٌّ. الهُبُورُ: هي الصُّخُورُ بينَ الرَّوابي، جمعُ هَبر بالفتحِ، ويُقالُ: هو ما اطمأَنَّ من الأرض، واشتقاقُه من هَبَرتُ له من اللَّحمِ هَبرةً، أي قَطَعتُ له قِطعةً، وذلك لأنَّ ما اطمَأَنَّ من الأرضِ كأنَّه انقَطَعَ منها البعضُ. يقولُ: يركبُ مخافةَ الإِنصاب والانهِيَالِ هذا (٥) الثورُ الوَحشِيُّ كل مُشرفَةٍ من الرِّمالِ، ولأنَّه كثيرُ النَّشاطِ فهو صاعدٌ يَهابُ أن يكونَ بين تلك الوهادِ صايدًا. "مخافةً" منصوبٌ بمعنى اللَّام، لكنَّه نَكَّرةُ، و"زعلَ المَحبورِ" منصوبٌ بمعنى اللَّام أيضًا، إلَّا أنَّه معرفةٌ مضافةٌ، و"الهَولَ" منصوبٌ بمعنى اللَّام أيضًا إلَّا أنَّه معرفةٌ باللَّامِ.

стр. 401

[بَابُ الحَال] قالَ جارُ اللَّهِ: "الحالُ، شُبِّهَ الحالُ بالمفعولِ من حيثُ إنَّهما فَضلةٌ مثلُه، جاءَت بعد مُضِيّ الجملةِ، ولها (١) بالظَّرفِ شَبَهٌ خاصُّ، من حَيْثُ أنَّها مَفعولٌ فيها". قالَ المُشَرِّحُ: أنا لا أَتَعَجَّبُ من شيءٍ يُعجبني من هؤلاءِ، بإضافتِها إلى الأحكامِ التي بُنيت على أصولٍ أَصيلةٍ، وأركانٍ وثيقةٍ، إلى أدنى مُشابَهَةٍ بين الشَّيئين، أَلم يَعرِفوا أنَّه ما من شيءٍ إلَّا وهو يُشبهُ شيئًا، ثم لم يَحظَ المُشَبَّهُ بحكمِ المشبه به؟! بدليلِ: أنَّ الفقيرَ قد يُشبِهُ في شيءٍ الأميرَ، ثُمَّ لا يُبَجَّلُ تَبْجِيلَ الأميرِ، إنَّما قِياسُ الشَّبَهِ على ما ذكرتُه، أن يكونَ الشَّيءُ يُشْبِهُ (٢) الشَّيءَ لا يَفوتُه إلَّا الصُّورةَ، والحالُ في الحَقيقةِ خبرُ "كان" (٣)، ألا تَرَى أنَّك إذا قلتَ: جاءَ زيدٌ راكِبًا، فكأنَّكَ قلتَ: جاءَ زيدٌ

стр. 402

في حالَةِ كَونِهِ راكِبًا، ولهذا وَجَبَ تَنْكِيرُها، وخبرُ كان مُشبَّةٌ بالمفعولِ غيرِ الصَّحِيحِ، بدليلِ أنَّك إذا قلتَ: كانَ زيدٌ مُنطلقًا، فمَعنَاه: كانَ زيدٌ على صِفةِ الانطلاقِ، ثمَّ المفعولُ غيرُ الصحيحِ بمنزلةِ المفعولِ الصَّحيحِ، والحالُ يُشبِهُ الظَّرفَ من حيثُ إنَّك إذا قلتَ جاءَ زيدٌ راكبًا فَمَعناه: جاءَ زيدٌ حالَ كونِهِ راكبًا، وقَولُك: حالَ كونِهِ راكبًا ظرفٌ فإن سألتَ: فلمَ لَم يُسمَّ ظَرفًا، كما سُمِّي "فَاهًا لفيك" مَصدرًا؟ أَجَبتُ: الحالُ لها شَرِيطَةٌ وهي: أن تَكونَ بَيانَ هَيْئَةِ الفاعلِ والمَفْعُولِ، ولا كَذَلِك الظَّرفُ، فَسَمَّوا هذا النوعَ من الظَّرفِ حالًا. قالَ جَارُ اللَّهِ: "ومَجيئُها لِبَيانِ هَيْئَةِ الفاعِلِ أو المَفعولِ، وذلك قولك: ضَربتُ زَيدًا قائِمًا تَجعله حالًا من أيِّهما شِئْتَ". قالَ المشرِّحُ: بيانُ هَيْئَةِ الفاعلِ والمَفعولِ كَقَولِكَ: ضَربْتُ زيدًا قائمًا، يَحْتَمِلُ أن يكونَ قائمًا حالًا من التَّاءِ في ضربتُ، وأن تكونَ حالًا من زيدٍ، فيكونَ المعنى في الأولِ: ضَربتُ زيدًا وأنا قائمٌ، وفي الثاني: ضربتُ زيدًا وهو قائمٌ، ثُمَّ الحالُ ليست بيانَ هيئةِ الفاعلِ أو المفعول على الإِطلاقِ، بل وَقتَ وقوعِ الفعلِ منه أو عليه. قالَ جارُ اللَّهِ: "وقد تكونُ منهما ضَربةً على الجَمْعِ والتَّفريقِ، كقولك: لقيتُه راكبين، قال عَنترة: متى ما تَلقَني فَردَين تَرجِف … روانفُ إليَتَيكَ وتُستَطَارا ولقيتُه مصعِدًا ومُنحَدِرًا". قالَ المشرَّحُ: إذا قلتَ: لقيتُ زيدًا راكبين، " فراكبين" حالٌ من انفاعِلِ والمَفعولِ على الجَمْعِ، وإذا قلتَ: لقيتُه مصعدًا ومنحدرًا، "فمصعدًا" و "منحدرًا" حالٌ منهما على التَّفريقِ. الرَّانِفةُ: ناحيةُ الإِليَةِ،

стр. 403

عن صاحِب "المُجمل" (١)، وقالَ اللَّحيانِيّ (٢)، رَوانفُ الآكامِ رُؤُوسُها. تُستَطارا: مَجزومٌ بالعَطْفِ على تَرجِف، وإنَّما ثنَّى ضَميرَ الفِعل، لأنَّ المُرادَ بالرَّوانِف الرَّافِعَتان. ونظيرُ هذه المسألةِ: بيتُ أبي الطيِّب (٣): وَتَكَرَّمتُ رُكَبَاتُها عن مَبركٍ … تَقَعَانِ فيه وليس مِسكًا أذفَرا ألا تَرى أنَّه قال تَقَعَان [فيه والضميرُ للرُّكَبَاتِ] (٤)، وهذا لأنَّه جَعل كلَّ رُكبَتَين بمنزلةِ ركبةٍ كما في قوله (٥): وكأنَّ بالعينينِ حَبَّ قَرَنفلٍ … أو سنبُلًا حُلَّت به فانهَلَّتِ وقبله (٦):

стр. 404

ورُمحي مازنٍ قَبَضَت عَليه … أشاجعُ ما تَرى فيها انتِشَارا وسَيفي كالعقِيقَةِ فهو كِمْعِي … سِلاحِي لا أَفَلّ ولا فَطّارا الأشاجعُ: أصولُ الأصابِعِ، التي تَتَّصلُ بعَصَب ظاهرِ الكَفِّ، واحدها (١) أشجعُ، عقيقةُ البرقِ [ما انشقّ] (٢) منه. الكِمعُ: -بالكسر (٣) - هو الضَّجِيعُ، وكذلك الكَمِيعُ، وكامَعَهُ: أي ضاجَعَه. السيفُ الأفَلُّ يمدحُ ويذمُّ، أمَّا مَدحُه فلاستعمالِهِ في الحَرب، وأمَّا ذَمّه، فلأنَّه مختلٌّ، وقد ذُمَّ ها هنا. سَيفُ فَطارٌ، فيه تَشَقُّقٌ، والفَطَر: هو الشَّقُّ. قالَ جارُ اللَّهِ: "فصلٌ؛ والعامِلُ فيها إمَّا فعلٌ وشِبهُهُ من الصِّفاتِ، أو معنى فِعل كقولك: فيها زيدٌ مُقيمًا، وهذا عَمرٌو مُنطلقًا، وما شَأنُك قائِمًا، وما لَك واقِفًا، وفي التَّنزِيلِ (٤): ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾، ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (٥). قالَ المشرّحُ: العاملُ في الحالِ شيئان، أحدُ الشيئين الفعلُ وشِبهُهُ من الصِّفاتِ، فالفعلُ نحو قولِكَ: جاءني زيدٌ راكبًا، وشِبهه من الصِّفَاتِ مثلُ قولِكَ: مَررتُ برجلٍ عَفِيفٍ شابًا، الثَّاني: معنى الفِعلِ: وهي أنواعٌ، حَرفُ الجَرِّ لأنَّه يَسْتَدْعِي فِعلًا أو شِبهَ فِعلٍ نحو: فيها زيدٌ مُقيمًا، واسمُ الإِشارةِ نحو: هذا عمرٌو مُنْطَلِقًا، لنزولِهِ منزلةَ أُشيرُ، والاستفهامُ نحو: مالَكَ واقفًا؟.

стр. 405

قالَ جارُ اللَّه: "وليتَ"، و"لعلَّ"، و"كأنَّ" (١)، يَنْصِبُها أيضًا، لما فيهِنَّ من معنى الفعل. قالَ المشرّحُ: هذا أيضًا من أنواعِ الشَّيءِ الثاني، فإن سألتَ: بَيّن لي كيفَ تَعملُ هذه الحروفُ الثَّلاثةُ في الحالِ؟ أجبتُ: هو [نحو] (٢): ليتَ ابني فقيرًا راجعٌ. فإن سألتَ: العاملُ في الحالِ ها هنا معنى الخَبر لا ليتَ؟ أجبتُ: فرقُ بينهما، إذا جَعَلتَ العاملَ فيها ليتَ فقد تَمَنّيتَ ابنَك -وإن كان فقيرًا- راجعًا، وإذا جعلتَ العاملَ فيها خبرَ ليتَ فقد تَمَنَّيتَ ابنَك راجعًا وهو فقيرٌ، وبينَ المعنيين فرقٌ. قالَ جارُ اللَّهِ: "فالأولُ يَعملُ فيه مُتَقدِّمًا ومتأخِّرًا، ولا يعملُ فيه الثَّاني إلَّا مُتَقَدِّمًا". قال المشرّحُ: عنى بالأولِ ها هنا الفعلَ وشبهَهُ من الصفاتِ، وبالثاني: معنى الفِعل (٣)؛ حرفَ جرٍّ كان، أو اسمَ إشارةٍ أو استفهامًا، أو حرفًا من الحُروفِ المشبَّهةِ بالفعلِ. فإن سألتَ: فما بَالهم أَجازوا يومَ الجُمُعَةِ المالُ لَكَ، فنصبوا الظَّرفَ مُتَقَدّمًا، بما في آخِرِ الجُملةِ الابتدائية من معنى الفِعلِ، ولم يُجِيزوا مَجموعًا لَكَ المالُ، وما الفرقُ بينَ الحالِ والظَّرفِ في هذا البابِ مَعَ أنَّ الحالَ لَها شبهٌ بالظَّرفِ؟ أجبتُ: الحالُ كما تَتَعَلَّقُ بالعاملِ، تَتَعَلَّقُ بِذِي الحالِ ففي هذه الصورةِ يلزمُ تَقدِيمُ الحالِ على كِلا الشَّيئَينِ بِخلافِ الظَّرفِ، فإنَّه يتعلقُ بالعاملِ وهو اللَّامُ دون المالِ، فلا يلزمُ من تقديمِهِ ها هُنا، تَقديمُهُ على كلا الشَّيئين فاعرفه فَرقًا واضحًا ظاهرًا.

стр. 406

قالَ جارُ اللَّه: "وقد مَنَعُوا مررتُ راكبًا بزيدٍ أن تَجْعَلَ الرَّاكبَ حالًا من المَجْرُورِ". قالَ المشرّحُ: وذلك لِفَصْلِهِ بينَ الفِعلِ، وبينَ ما هو بمنزلةِ الجُزءِ منه بأجنَبِيٍّ، وفي هَذِهِ المَسأَلَةِ دَلِيلٌ على أنَّ حَرْفَ الجَرّ ها هُنا بمنزلةِ الجُزءِ من الفِعْلِ لا بمنزلةِ الجزءِ من المفعولِ. قالَ جارُ اللَّهِ: "فَصلُ؛ وقد يَقَعُ المَصْدَرُ حالًا كما تَقَعُ الصِّفَةُ مَصْدَرًا في قولِهِم قُم قائِمًا وفي قوله (١):

стр. 407

* ولا خارِجًا من فِيَّ زورُ كَلَامِ* قالَ المشرّحُ: اعلم أنَّ هذه المسأَلَة - أعني قيامَ "خارجًا" ها هنا مقامَ "خروجًا"، كالمختلَفِ فيها، وذلك، لأنَّ شَيْخنَا قد ذكرَ في قول كُثَيِّر (١): هَنِيئًا مَرِيئًا غَيرَ داءٍ مُخامرٍ … لِعَزَّةَ من أَعراضِنَا ما استَحَلَّتِ (٢) انتصبَ "هنيئًا" انتصابَ المَصادِرِ، وهو صِفةٌ في أَصلِهِ، وتَقديرُه: هنيئًا لعزَّة ما استَحَلَّت من أعراضِنَا هَنِيئًا (٣)، ولو قَدَّرتَ ليكن هنيئًا ما استَحَلَّت، فكانَ ما استَحَلَّت" إسمَ كان، و"هنيئًا" خبرَه لكانَ وجهًا، ولكنَّ سيبويه يقولُ: إنَّ كانَ لا تُضمر في كلِّ موضعٍ نقصًا تُوفّيه هذه ألفاظه في "شَرحِ النَّصاِئِح الكِبار" (٤). حُجَّةُ سيبويه (٥): أنَّ قولَنا: لا يَخرُجُ خُروجًا من فيَّ زورُ كَلام، معنًى صالحٌ فَوَجَبَ أن يُحملَ عليه لفظُ الفرزدقِ. فإن سألتَ: كماَ هو معنى صالحٌ فكذلك قولنا: ولا يكونُ خارِجًا من فِيَّ زُورُ كَلَامِ معنى صالحٌ فَوَجَبَ أن يُحملَ عليه لَفظُه؟ أجبتُ: ما ذَكرناه أَبلغُ، فإنَّه مؤَكّدٌ بالمَصدرِ. فإن سألتَ: ما ذكرناه أقلُّ تَعبيرًا، فبقيَ خارجًا على ما هو عليه في أَصلِه؟ أَجبتُ: ما ذكرناه أَوفَقُ لأسالِيبِ كَلامِ العَربِ، فيكون الحَملُ عليه أَولى. وبيانُ أَنَّه أَوفقُ لأساليب كلام العَرَبَ، أنَّهُ يُقالُ لا أشتُمُ ولا أَضرِبُ، ولا أكونُ ضاربًا. قالَ جارُ اللَّه: "وكذلك: قَتَلتُهُ صَبرًا، ولقيتُه فُجاءَة، وعيانًا، وكفاحًا،

стр. 408

وكلمته مشافهةً وأتيته رَكضًا، وعَدوًا (١)، ومَشيًا، وأخذتُ عنه سَماعًا، أي مَصبورًا، ومُفاجِئًا، ومُعاينًا، وكذلك البواقي". قالَ المشرّحُ: إنما جُعلت هذه المَصَادِر أحوالًا لأنَّ المَنصوبَ بعدَ الجملةِ الفِعليَّةِ أَليقُ بالحالِ من المَفعولِ المُطلَقِ، بدليلِ أنَّ الحالَ تتعلقُ بالفِعلِ من حيثُ هو مركبٌ بالفاعلِ أو المفعولِ، أو بهما، بخلافِ المفعولِ المُطلقِ، فإنَّه يتعلقُ بالفعلِ من حيثُ هو مفردٌ، ومن حيثُ هو مركَّبٌ بأحدِ الشَّيئين، فيكونُ أليقَ بالحالِ. ونظيره هنا ما إذا كانَ معك قِطعةٌ من الخِلنْجِيْن (٣) فاستوهبها منك اثنان كلُّ واحد منهما يَدَّعي أنه محتاجٌ، إلَّا أنَّ أحدَهُما يقولُ إنَّ الطبيبَ أوصاني بشُربِ الخِلَنْجِين، والآخرَ يقولُ: إنَّ الطبيبَ أمَرني بشرب العَسَلِ، ولا شَكَّ أنّ إعطاءَه الأوّلِ أَولى، فالجُملةُ ها هنا بمنزلةِ الخِلَنْجِينَ. فإن سألتَ: فهذا يَنتَقِضُ بنحوِ ضَرَبتُ عَمرًا ضَربًا فإنَّ المَنصوبَ بعدَ الجملةِ الفِعلِيَّةِ، وانتصابُه مع ذلِكَ على المَفعول المُطلقِ لا على الحالِ، ثُم ما ذكرتَ من الدليلِ -إن دَلَّ على انتِصابِه على الحالِ- فها (٤) هنا ما يدلُّ على أنَّ انتصابَه على المفعولِ المُطلق إذا لو انتَصَبَ على المَفعولِ المُطلقِ فإنه لا يُقامَ المصدَرُ مقامَ الصِّفَةِ؟ أجبتُ: عن الأولِ بأنَّ قَضِيَّةَ ما ذكرتَ من الدّليلِ أن يكونَ المنصوبُ ثَمَّ حالًا، إلّا أنَّه تَعَذَّرَ جعلُه حالًا إذ الحالُ زيادةٌ في الفائدةِ، ولو جُعِلَ المنصوبُ ثَمَّ حالًا، لم يكن زيادةٌ في الفائدةِ من ادَّعى مثلَ ذلك ها هنا فعليه الدَّليلُ (٥). ثُمَّ الدَّليلُ على أنّه لم

стр. 409

يَتعَذَّر جَعلُه (١) ها هنا حالًا، لأنَّك (٢) لو قلتَ: كَلَّمتُهُ وأنا أشافِهُهُ جازَ. ولو قلتَ: ضَربتُ عَمرًا وأنا أَضربُهُ لم يَجزُ. وعن الثاني بأنَّ ما ذكرتَ من الدَّليلِ إن دَلَّ على إقامةِ المصدَرِ مقامَ الصفةِ خلافُ الأصلِ ها هنا ما يَدُلُّ على أنَّها لَيست كذلك، لأنَّ إقامتَهُ مقامَ الصفةِ يشتملُ على ضرب تأكيدٍ ومبالغة وذلك المطلوبُ، فوقعَ التَّعارضُ بينهما، فلا بُدَّ من الترجيحِ من وجهٍ آخرَ. قالَ جارُ اللهِ: "وليس عندَ سيبويه (٣) بِقِياسٍ، وأنكر أتانا رُجلة وسُرعةً، وأَجازه المبردُ (٤) في كلِّ ما دَلَّ عليه الفِعلُ". قالَ المشرّحُ: الخِلافُ ها (٥) هنا نَظيرُ الخِلافِ في قولهم: كيفَ أنت وقَصعةً من ثَريدٍ؟ قالَ جارُ الله: "فَصلٌ؛ والاسمُ غيرُ الصّفةِ، والمَصدَرِ بمنزلتهما في هذا البابِ، تقولُ: هذا بُسرًا أطيبُ منه رُطَبًا. وجاء البرُّ قفيزين، وصاعَين، وكلمتُه فَاه إلى فيّ، وبايعته يدًا بيَدٍ وبِعتُ الشاةَ شاةً ودِرهمًا، وبيَّنتُ له حِسابَهُ بابًا بابًا". قال المشرّحُ: جازَ أن يكونَ غيرُ المَصدرِ والصِّفةِ بمنزلتهما في هذا البابِ، لأنَّ الحالَ في الأصلِ خبرُ (٦) كان فكما يجوزُ فيه أن يكونَ صِفَةً

стр. 410

ومَصدَرًا وغيرهما فكذلك في الحالِ. بُسرًا: حالٌ وهو لَيس بصِفَةٍ، لأنَّه غيرُ جارٍ، ألا تَرى أنه لا يُقالُ: شيءٌ بُسرٌ، وكذلك رُطبًا حالٌ، وهو ليس بصفة، لأنَّه غيرُ جارٍ، رُطبًا: حالٌ بدليلِ أنَّه لا يُقالُ شيءٌ رُطبٌ، ولا كذلك قفيزٌ. وصاعين حالٌ، وكلٌّ منهما ليس بِصفةٍ، لأنَّه غيرُ جارٍ، وهلمَّ جَرًّا. فاه إلى فِيَّ: أي ضامًّا فاه إلى فِيَّ، فالحالُ في الحقيقةِ ها هنا ضامًّا، ثُمَّ طُرِحَ، وأقيمَ فاه مقامَه، ونظيرُه تُربًا وجَندلًا، ألا ترى أنَّ أصلَه: رميتَ رميًا بتربٍ وجندلٍ، ثُمَّ تربًا وَجندلًا. فهذه حقيقتُه لكنْ يَنبغي أن يُعلم أنَّ الحالَ ها هنا ليست هي يدًا وحدَها، بل هي مع قولِكَ بيدٍ، وكذلك قولُكَ: بِعتُ (١) الشاةَ شاةً ودرهمًا، الحالُ فيه ليست شاةً بانفرادِها، بل هي مع قولِكَ: ودِرهَمًا وكذلك: بَيَّنتُ حسابَه بابًا بابًا، الحالُ هي هذه المذكورة. قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ وحقُّها أن تكونَ نكرةً وذا الحالِ معرفةً". قالَ المشرّحُ: إنما يلزمُ تعريفُ ذي الحالِ، لأنّا لو أتينا بالحالِ عن ذي حالٍ منكّرةٍ لكانَ ذلك استغناءً لا يَدفعُ شبهَةً ما وقعت مع الاعراضِ عن شُبهةٍ قد (٢) وقعت، وذلك قبيحٌ. بيانهُ أنا إذا قلنا: رَجلٌ وقعت شُبهةٌ في أنَّ ذلك الرّجلَ من هو؟ أهو زيدٌ أم عمروٌ؟ فإذا ارتَفَعَت هذه الشُّبهةُ فحينئذٍ تقعُ شبهةٌ أُخرى في أنَّ الرجلَ في أيّ حالٍ جاءَ، أفي حالِ كونه ماشِيًا؟، أم في حالِ كونه (٣) راكبًا، فالواجبُ في الطبعِ أن يبدأ في الشُّبهةِ الأولى فإذا ارتَفَعَت فحينئذٍ يُقبِلُ على الشُّبهةِ الثانيةِ يرفعُها، وأمَّا تَنكيرُ الحالِ فلأَنّها في الأصلِ على ما ذكرنا (٤) خبرُ (٥) كان. قالَ جارُ الله: "وأمّا "أرسلها العِراكَ" ومررتُ به وحدَه، وجاؤُوا قَضُّهم

стр. 411

بقَضِيضِهم، وفعلتُه جَهدك، وطَاقتك فمصادرٌ قد تُكلّمَ بها (١) على نِيّةِ وَضعها في موضعِ ما لا تعريفَ فيه، كما وُضع فاه إلى فيَّ في موضعِ شفاهًا، وعنى معتركةً، ومنفردًا، وقاطبةً وجاهدًا". قال المشرّحُ: أوردَ إبلَه العِراكَ إذا أورَدَها جميعَ الماء، والعِراك فِعال من العَركِ بمعنى الدَّلكِ، وأصل الكلامِ: أوردَ إبلَه الماءَ يُعارِكُ بعضُها بعضًا العراكَ من شدّةِ الزِّحام (٢). الإِرسالُ: له معنيان، أحدُهما: البَعثُ كقوله تعالى (٣): ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ والثاني: - التَّخليةُ بين المرسَلِ وما يريده (٤) قال: أَرسلَ فِيها مُقرمًا غيرَ ققر وأَصله ما أنشده الشَّيخُ أبو عَليٍّ الفارسي (٥): فأرسلها العِرَاكَ ولم يَذُدها … ولم يُشفِق على نَغَص الدِّخال (٦) والمعنى خَلَّى بين هذه الإِبل وبينَ شُربها، ولم يَمنعها ذلك. يقال: وَحَدَ يحِدُ وَحدًا وحِدة نحو وَعَدَ يعِد وَعدًا وعِدَةً. هذا محصول كلامِ شَيخِنا في "الكشّاف". وأمَّا جاؤوا قَضُّهم بقضيضيهم فالقضّ والقَصُّ (٧) من وادٍ واحدٍ وهو الكَسرُ والتَّفريقُ. عنى بالقَضِّ ها هنا القَصَّ، وبالقَضِيضِ: المَقضُوضَ، لأنَّ في الزَّحمة كاسرًا ومكسورًا، ومعناه جاؤوا بأَجمعهِم قالَ الشَّمَّاخُ (٨):

стр. 412

أتَتنِي سُليمٌ قَضُّها بقضيضها وأصلُه: جاؤُوا مختلطًا قضُّهم بقضيضِهم، ثم جاؤُوا قَضُّهم بقضيضِهم، "جهدَكَ وطاقَتَك": من قولهم: أجهدَك جهدَك في هذا الأمرِ، أي: أبلَغ غايَتَك، وهو بالفَتحِ. لا يقالُ اجهد جَهدك في هذا الأمرِ. ولفظُ الإِمامِ عبدِ القاهر الجُرجاني (١): أرسلها تَعتَرِكُ العِراك، وطلبتُه تجهدُ جهدَكَ، وتطيقُ طاقَتَك. قالَ جارُ الله: "ومن الأسماءِ المَحذُوِّ بها حَذوَ هذه المصادِرِ قولهم: مررتُ بهم الجَمّاء الغَفِير". قال المشرّحُ: جاؤوا جَمًّا (٢) غَفيرًا، والجَمَّ الغفيرَ، أي جاؤُوا بجماعَتِهِم الشَّريفَ والوَضِيعَ ولم يَتَخَلّف منهم أحدٌ، وأصلُه: جاؤُوا مُجتَمِعِين اجتماعَ الجَمّاءِ الغفيرِ، واشتقاقُ الجَمّاءِ من الجُمَّةِ وهي: الشَّعرُ المُجتَمِعُ على الرأسِ، مثَّل كثرةَ الناسِ بالشَّعر، والغفيرُ: هو الكثير كأنّه غَفَرَ بَعضُهُم بعضًا أي غَطّاه، وإنما لم يؤنِّث الغفيرَ، لأنّه فَعيلٌ بمعنى مفعولٍ وهو جارٍ. ونظيرُه: كفٌّ خَضيبٌ، ولحيةٌ دهينٌ. قالَ جارُ الله: "وتنكيرُ ذي الحالِ قبيحٌ، إلَّا إذا قُدِّمَت عليه كقولِه (٣): لعزَّةَ موحِشًا طَلَلٌ قَدِيمٌ"

стр. 413

قالَ المشرّحُ: تنكيرُ ذي الحالِ إذا كانَ مؤخرًا (١) عن الحالِ يجوزُ، لأنَّ تأخيرَه دليلٌ على أنّه لا شُبهَةَ فيه، وإن كانت فيه شُبهةٌ فهي ضَعيفةٌ بالإِضافة إلى الشُّبهةِ في الحالِ وهذا لأنَّه لو لم يكن كذلك لوقَع الابتداءُ بِذي الحالِ. "موحشًا" حالٌ، و "طلل قديم": ذُو الحالِ. قالَ جارُ اللهِ: "والحالُ المؤكِّدةُ هي التي تَجِيءُ على إثرِ جُملةٍ عقدها من اسمين، لا عَمَلَ لها لتوكيدِ خبرِها وتقريرِ مؤدّاه، ونفي الشَّك عَنه، وذلك قولك: زَيدٌ أبوك عَطُوفًا، وهو زيدٌ مَعروفًا، وهو الحَقُّ بَيّنا، أَلا تَرى كيفَ حقّقتَ بالعطوفِ الأُبُوّةَ، والمعروفُ البَيِّنُ، أنَّ الرَّجُلَ زيدٌ وأن الأمرَ حقٌّ، وفي التَّنزيلِ (٢): ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾. قالَ المشرّحُ: الحالُ المؤكدةُ، هي الحالُ الواقعةُ عن خبر المبتدأ لبيانِ كيفية أزليَّتِهِ نحو: زيدٌ أبوك عطوفًا، أَلا ترى أنَّ قولَك عطوفًا حالٌ عن قولك: "أَبوك"، "وأبوك" خبرُ المبتدأ الذي هو زيدٌ أنه لبيان كيفيَّتِهِ في أَزَلِيَّتِهِ، يريدُ: أنّه مُذ كان عَطُوفًا، بخلافِ هو زيدٍ قائمًا بالنّصبِ على الحالِ فإنّه خَطَأٌ، إذ لا فائدةَ فيه، لأنَّ الحالَ ها هنا تُوجِبُ أنه إذا كَانَ قائمًا فهو زيدٌ، وإذا تَرَكَ القيامَ فليس به، فأمَّا (٤) قولك: هو (٥) زيدٌ مَعرُوفًا فمعروفًا حالٌ، لأنَّه إنما يكونُ زيدًا بأنه يعرف بزيدٍ ففي الحالِ (٦) ها هنا فائدةٌ: كأَنَّكَ قلت: هو زيدٌ حقًّا، وكذلك قولك: هو الحقُّ بيّنًا، فبيّنًا حالٌ عن الحَقِّ الذي هو خبرُ المبتدأ، ولا يجوزُ هو الحقُّ بينٌ، كما جاز هذا الرَّجلُ منطلقٌ، لأنَّ الرجلَ جازَ أن يكونَ صفةً لهذا، ويكون منطلقًا خبرَه، ولا يجوزُ أن يكونَ

стр. 414

الحقُّ صفةً لهو وبَيّنٌ خبرَه، لأنَّ المضمَر لا يُوصفُ. تَخمير: وقد تجيءُ الحالُ المؤكدةُ عن الجملةِ الفعليةِ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ قالَ الشيخُ أبو عَليّ الفارِسِيّ: والحالُ مؤكدةً، لأنَّ في ولّيتُم دلالةً على أنّهم مُدبرون. والحقُّ أن الحالَ ها هنا هي المُستَقبَلةُ، والمعنى: ثمَّ ولّيتُم مُتابِعين في التَّولِيَة، وعليهِ عِندي قولهم: قُمْ قائمًا، وهذا لأنَّ الحالَ المؤكدةَ في الحقيقةِ خبرُ ما زَال، وما زَال صلةُ الموصولِ الذي وقعَ صفةً لذي الحالِ ألا تَرى أنّ قولَك هو أَبوك عَطُوفًا، معناه: هو الذي لم يَزَلْ عطوفًا، وكذلك ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ معناهُ: وهو الحقُّ الذي لم يَزَلْ مُصدِّقًا، ولا يُمكنُ أن تُفسَّرَ الحالُ ها هنا هذا التَّفسير، ألا تَرى أَنَّكَ لو قلتَ: ثُمَّ ولَّيْتُم الذين لم يزالوا مُدبرين لَم يجز (١). قالَ جارُ اللهِ: "وكذلك: أنَا عبدُ اللهِ آكلًا كما يأكلُ العَبِيدُ فيه تَقريرٌ للعُبودِيَّةِ وتَأكيدٌ لها. قال المشرّحُ: عبدُ اللهِ ها هنا (٢) إمَّا أن تكونَ جِنسًا -وهو الظّاهِرُ- ونحوه قولك: هو اللِّصُّ خائنًا، وإمَّا أن تكونَ عَلمًا كما لو قلتَ: أَنا عَمرُو بن معدي كَرب بَطَلًا شُجاعًا وحاتِمُ الطَّائِيّ كَرِيمًا جوادًا، لكن هذا إنما يجوزُ إذا كانَ عبدُ الله معروفًا بأكله أكلَ العبيدِ. عن عبدِ اللهِ بن عمرَ رضي الله (٣) عنهما قال (٤): "أُتي نَبِيُّ اللهِ ﷺ بطعامٍ فقالت عائشةُ رضيَ الله (١) عنها لو

стр. 415

أَكلتَ يا نَبِيَّ اللهِ وأنت مُتَّكِئٌ لكان أهونَ (١) عليكَ فأصغَى بِجَبهتِهِ (٢) حتّى كاد يمسُّ الأرضَ وقال: بل آكلُ كما يأكُلُ العَبِيدُ وأجلسُ كما يجلِسُ العَبِيدُ، فإنَّما أنا عبدٌ". قالَ جارُ اللهِ: ولو قلتَ: زيدٌ أبُوكَ مُنطَلقًا أو أخوك أَحَلتَ". قال المُشرّحُ: إنما لا يجوزُ زيدٌ أبوكَ منطلقًا، لأنّه يقتضي أن لا يكونَ أباك، إذ لم يكن مُنطلقًا مذ كان أباك، كما أنّه إذا لم يكن عَطوفًا مذ كانَ لم يكن أباكَ، وهذا (٣) كما ذكرناه في قولِك: هو زيدٌ قائمًا (٤). قالَ جارُ اللهِ: "إلَّا إذا أردتَ التَبَنّي والصّداقَةَ". قالَ المشرّحُ: بَلى لا يجوزُ ذلك -اللَّهم- إلَّا إذا عَنَيتَ زيدٌ يَتَبَنَّاك مُنطَلِقًا، أو صادقَك مُنْطَلِقًا فيجوزُ لك جَعله حالًا من أيِّهما شِئتَ من الفاعلِ أو من (٥) المَفْعُولِ. قَالَ جارُ اللهِ: "والعاملُ فيها أثبِتُهُ أو أَحُقُّهُ مضمرًا". قالَ المشرّحُ: يريدُ أنَّ العاملَ في الحالِ المؤكِّدةِ أَحدُ هذين الفِعلين، ولو كان كانَ التّامةُ لكان أَوجه. قالَ جارُ اللهِ: "فَصلٌ، والجُملةُ تَقَعُ حالًا، ولا تخلُو من أن تكونَ إسميّةً أو فِعليَّةً، فإن كانت إسمِيّةً فالواوُ، إلَّا ما شَذَّ من قولهم: كلمتُه فُوه (٦) إلى فِيَّ، وما عسى أن يُعثَر عليه في النُّدرةِ وأمَّا لقيتُه عليه جُبَّةُ وَشيٍ، فمعناه مُستَقِرَّةٌ عليه جُبُّةُ وَشيٍ، وإن كانت فِعلِيَّةً لم (٧) يَخلُ من أن

стр. 416

يكونَ فِعلُها مُضارعًا أو ماضيًا، فإن كان مضارعًا لم يخلُ (١) من أن يكونَ مُثبَتًا أو مَنفِيًّا فالمثبتُ بغيرِ واوٍ، وقد جاءَ في المَنفيِّ الأمران، وكذلك في الماضي، ولا بُدَّ معه من "قَد"، ظاهرةً أو مقدرةً. قالَ المشرِّحُ: الحالُ على ضَربين (٢) مفردةٌ كقوله (٣): * فآبُوا بالسُّيُوفِ مُكَسَّراتٍ * وجملةٌ هي إسميّةٌ، فبعدَ ذلك إمَّا أن يكونَ لا يجوزُ وقوعُ الواوِ حالًا، وذلك جاءَني زيدٌ وهو راكبٌ، وأتضربُ زيدًا وهو مريضٌ، ودَخَلتُ عليه وهو يُملي الحديثَ، وكذا كلُّ ما كانَ المبتدأُ من الجملةِ ضميرَ ذي الحالِ، وإمَّا أن يجوزَ، فبعدَ ذلك، إمَّا أن يَقِلّ بدونِ الواوِ وقوعُها حالًا نحو كلّمتُهُ فُوه إلى فيَّ، وأنشدَ أبو عَلِيٍّ (٤): ولولا حَنانُ الليلِ ما آبَ عامِرٌ … إلى جَعفَرٍ سِربالُه لم يُمَزَّقِ وَأَنشدَ الإِمامان: عبدُ القاهِر الجُرجاني والأزْهَرِيُّ (٥):

стр. 417

* نِصفُ النَّهارِ الماءُ غامِرُهُ * ومما يُشبه أن يكونَ من هذا البابِ، إلَّا أنَّه فَصيحٌ لا كراهيةَ فيه قوله (١): إذا أتيتَ أَبا مَروان تَسأَلُه … وَجَدتَه حاضِراه الجودُ والكرمُ وإمَّا أن لا يقلَّ كقولِ بَشّارٍ (٢): * خَرَجتُ من البَازِي عَلَيَّ سَوَادُ * وكلُّ ما كانَ خبرُ المبتدأ ظَرفًا مقدَّمًا على المبتدأ، وفيه كلامٌ من حيثُ إنَّ خبرَ المبتدأِ إذا كان ظرفًا مقدمًا، هل يَبقى جُملةً اسميّة، أو لا؟ فعندَ سيبويهِ يَبقى، وعندَ الأخفش يَنقلِبُ فِعليَّةً وكذا: لقِيتُه وعليه جُبَّةُ وَشيٍ، فالفرقُ بينَ هذا النَّوعِ والنَّوعِ الأوَّلِ أنَّ الحالَ في الحقيقةِ ها هنا المقدّرُ الذي يقتَضِيهِ الظَّرفُ، والحالَ في الفصلِ الأولِ الجُملةُ بتمامِها. فهذا في الجملةِ الإِسميّةِ، وأما في الجملةِ الفعليّةِ، فإمَّا أن يكونَ الفِعلُ ماضِيًا

стр. 418

فيكونُ مع "قَد" مظهرةً (١) كما في قوله (٢): * وأُبنا بالسُّيُوفِ قَد انحَنَيْنَا * وهذا (٣) النوعُ كما يَجِيءُ بدون الواوِ، يَجِيءُ أيضًا مع الواوِ، وَتَقُولُ: جئتُ وقد رَكِبَ الأميرُ، وهذا لأنَّ الحالَ أصلُها أن تكونَ صفةً، فإذا كانت الحالُ فعلًا ماضيًا مُقتَرِنًا "بقد" ولا واو فيه، فلأنَّ "قد" قد قرَّبت الفعلَ من الحالِ وتركتهُ بتنزيلِ الصّفةِ فأمَّا (٤) إذا كانت فيه واوٌ فلأنَّ "قد" وإن قرَّبت الفعلَ من الحالِ ونَزَّلتُه تَنزيلَ الصِّفةِ إلَّا أنَّه لم يُنَزّل منزلتَهَا حذوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، فإن لم تكن "قد" معه مظهرةً فهي مقدرةٌ وتقولُ: إنَّ أفْضَلَهُمُ الضَّاربُ أخاه كان أخاه وهو قبيحٌ، والأخفشُ يُجيزه على قُبحه، وأمَّا قوله (٥): ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾، فتأويلُ ذلك عندَ أبي العبَّاس (٦) على الدُّعاءِ وأنَّه من اللهِ إيجابٌ. قالَ أبو العباس: والقراءةُ الصحيحةُ التي جُلُّ أهلِ العلمِ عليها ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. وأَمَّا أن يكونَ مضارعًا فإما مثبتًا فلا حاجةَ فيه إلى الواوِ كقولِهِ: * وَلَقَد أمُرُّ على اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي (٧) *

стр. 419

وقوله: * وَقَد عَلَوتُ قتودَ الرَّحِل يُسعِفُني (١) * وقوله تَعَالَى (٢): ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وإما منفيًا، فيجوزُ فيه الأمران (٣)، إمَّا بدون الواوِ فكقولِ أَعشى (٤) هَمْدَان: مَسِيرِي لا أَسيرُ إلى حَمِيمٍ (٥) * وإمَّا معَ الواوِ فنظيرُ بيتِ أبي الطَّيِّبِ (٦): * كَذاك أشكُو ولا أَشكو سِوى الكَلَلِ * فإن سألتَ: فما وجهُ الواوِ، وما وجهُ عدمِ الواوِ فيه؟ أجبتُ: أمّا وجهُ الواوِ فلأنَّ الفِعلَ ها هنا -وإن كانَ مضارِعًا- لا يقومُ مقامَ الصَّفَةِ، إلَّا أنَّ فيه زيادةً وهي حرفُ النَّفي، فأقيسُ الزِّيادةَ ها هنا بالنُّقصانِ في بابِ إنَّ،

стр. 420

أعني زيادةَ "ما" وتخفيفَ "إنَّ" أمَّا وَجهُ عَدَمِ الواوِ فلأنَّ المُضارعِ وإن كانَ فيه زيادةٌ وهي النَّفيُ، إلَّا أنَّها زِيادةٌ مَمزُوجَةٌ بالمُضارِعِ فتصيرُ كَلا زيادةَ، ولذلك قالُوا: لا يجوزُ دخولُ الفاءِ (١) على المضارِعِ المصدَّرِ بلا إذا وَقَعَ موقِعَ الجَزَاءِ، وذلك قولك: إن تَضْرِبني لا أَضربك بخلافِ "ما" فإنَّه يدخلُ فيه الفاءُ لا مَحَالَةَ، ولا يَنْجَزِمُ معه المُضارِعُ. قالَ جارُ الله: "فصلٌ، ويجوزُ إخلاءُ هذه الجُملة عن الرَّاجعِ إلى ذِي الحالِ، إجراءً لها مُجرى الظَّرفِ وهو قولُك: زيدٌ في الدّارِ، لانعقادِ الشَّبَهِ (٢) بين الحالِ وبَينَه، تَقُولُ: أتيتُكَ وزَيدٌ قائمٌ، ولَقِيتُكَ والجيشُ قادِمٌ، وقالَ (٣): * وَقَد أغتَدِي والطَّيرُ في وُكُنَاتِها" * قال المُشرّحُ: الأصلُ أن يُعلمَ أن من حُكمِ الجُملةِ إذا عَرِيَت عن ذكرٍ يَرجعُ منها إلى ذي الحالِ، أنّها لا تَصلحُ حالًا إلَّا بالواو، فلو قُلتَ: رأيتُ الأميرَ وقد اصطَفَّ الجيشُ، لم يَجُز حَذفُ الواوِ منه البَتَّةَ لأنَّه لَيس في هذه الجُملة ذكرٌ يَعودُ إلى ذِي الحَالِ، كما في قولك: خَرَجَ يَعْدُو به فَرَسُهُ، ولو قُلتَ: يعدُو الفَرسُ كان مُحالًا. هذه ألفاظُ الإِمامِ عبدِ القاهرِ الجُرجَانِي. وعندِي أنَّه يجوزُ أن تكون هذه الواو واو الظَّرفِ، ألا تَرى أنَّك إذا قُلتَ: جئتُ والشمسُ طالعةٌ فمعناه: جِئْتُ وقت طلوع الشَّمسِ. وأنا في هذه المسألةِ غيرُ ثابتِ القَدَم، أقدّمُ رجلًا وأُؤخّرُ أُخْرَى، ويشهدُ لكونِهِ ظَرفًا وجوه: الوجهُ الأولُ: أنَّ كلَّ حالٍ لا بدَّ لها من ذي حالٍ، وهذه المصدَّرةُ بالواوِ لها منه بُدٌّ فلا تكونُ حالًا، وذلك مثل قولك: لا صلاةَ والشمسُ

стр. 421

تَطلعُ، ولا إفطارَ والشمسُ تَغْرُبُ. فإن سألتَ: لم لا تكونُ "صلاةَ" ذا الحالِ؟ أجبتُ: لأنَّها نكرةٌ، والنكرةُ -كما هو معتَقَدُهُم- لا تكونُ ذا حالٍ، وكذلك قالوا: بأنَّ الواوَ في قولِهِم جاءَني رجلٌ ومعه آخرُ، ومرَّ بي بَطَلٌ وفي يده سيفٌ ليست للحالِ. الوجهُ الثَّاني: أنَّ الحال بيانُ هيئةِ الفاعلِ أو المفعولِ، وهذه المصدّرة بالواوِ ليست به ألا تَرَى أنَّك إذا قُلتَ: تَقَلّدتُ سَيفي والشمسُ طالعةٌ. وطلوعُ الشمسِ ليس ببيانِ هيئةِ المُتَقَلِّدِ. الوجهُ الثالِثُ: أنَّ إسنادَ شيءٍ من الفعلِ إلى الحالِ باتفاقِ النَّحويين لا يجوزُ، وهذه المُصَدَّرةَ ممَّا يُسْنَدُ (١) إليه المَبْنِيّ للمَفْعُولِ ألا تَرَى أنه يجوز التَّسَحُّر والصبحُ طالعٌ والفطرُ والشمسُ لم تَغْرُبْ، والظَّرفُ والحالُ مشتَبِهان جدًّا، ولذلك اشتَبَهَا في قولِكَ: جاءَا معًا، وذَهَبَا معًا. قال عَلِيُّ بنُ عِيسى (٢): ونُصِبَا معًا على الحالِ كأنَّه قيلَ: ذَهَبَا مُجْتَمعين، ويجوزُ أن يكونَ نصبُه على الظَّرفِ، كأنَّه قِيلَ: ذَهَبَا في وقتِ اجتِماعِهِما، والذي غرَّ النّحويين منه أنَّهم وَجَدُوا قَولهم: جِئتُكَ والشَّمسُ طالِعَةٌ يَرجِعُ معناه إلى مَعنى قولِك: جِئتُكَ حالَ طُلُوعِ الشَّمسِ فَسَمَّوهُ واوَ الحالِ. وقد غَفَلُوا عَنْ أنَّ قَولكَ حالَ طلوعِ الشَّمسِ ظرفٌ، لا حَالٌ، وإذا كانَ له واو الصَّرفِ فلا عَلينا أن تكونَ معها واو الظَّرفِ. تَخمير: النحويون سَهَوا في واوين، أحدُهما هذه، والثَّانيةُ واو المَنْصُوبِ بمعنى مَعَ، وذلك أنَّ المنصوبَ بمعنى مَعَ في محلِّ النَّصبِ على

стр. 422

الحالِ، ألا تَرَى أنَّك إذا قُلْتَ: جاءَ البردُ والطَّيَالِسَةَ فمعناه مقترنًا بالطيالِسَة فلما لم يُمْكِنْ إعرابُ الواوِ، نُقِلَ إعرابُها إلى ما بَعدها، ونظيرُ هذه المسألة "إلَّا"، إذا وَقَعَت صِفَةً نُقِلَ إعرابُها إلى المستثنى، وعكسُها "غيرُ". فالواو ها هُنا في الحقيقةِ للحالِ، لا للمفعولِ مَعَه، كما أنَّ الواوَ في قولِكَ: جئتُ والشَّمسُ طالِعَةٌ للمفعولِ فيهِ، لا للحالِ (١). فخُذهُما شيئين عَليهما سمةٌ مَذْهَبِيَّةٌ. الوُكُنَاتُ: جمعُ وُكنَةٌ. قالَ أبو عمرٍو (٢): الوُكنَةُ والأُكنَةُ -بالضَّمِّ- مَواقِعُ الطَّير حيثُما وَقَعَت، ومنه وَكَنَ الطَّائِرُ بَيْضَهُ وَكْنًا، أي: حَضَنَهُ، وَتَوَكَّنَ أي تَمَكَّنَ أي حضن، وكأنَّه من مقلوبِ الكَوْنِ، لأنَّ الكَونَ الاستقرارُ، وعليه قالوا: قد تَكَوَّنَ في منزِلِهِ، أي (٣): استَقَرَّ. قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ، ومن انتصابِ الحالِ بعاملٍ مضمرٍ قولهم للمرتَحِلِ راشدًا مَهدِيًّا، ومُصَاحِبًا مُعانًا، بإضمارِ: اذهب، وللقادِمِ من الحَجِّ مَأجورًا مَبرورًا أي رَجَعْتَ، وإن أنشدَ شِعرًا، أو حَدَّثتَ حديثًا قلت: صادقًا بإضمار قلتَ، وإذا (٤) رأيتَ من يَتَعَرَّضَ لأمرٍ قلتَ: متعرضًا لِعَنَنٍ لم يُعنه أي دنا منه متعرضًا. قال المشرّح: على هَذا تَقديرُ حَذفِ المُضافِ، أي: لذِي عَنَنٍ،

стр. 423

والعَنَنُ: من عَنَّ، كالعَرَضِ من عَرَض، ويَجوزُ أن تَكونَ صِفةً كالحَسَنِ، عَنَاهُ الأمرُ، أي أَهَمَّهُ. قَالَ جارُ اللهِ: "ومنه أَخَذْتُهُ بدرهَمٍ فَصاعِدًا، أو بِدِرهَمٍ فَزَائِدًا، أي: فَذَهَبَ الثَّمنُ صاعِدًا، أو زَائِدًا. قالَ المشرّحُ: كذا قالَ النَّحوِيون. وعِندي (١) أنَّ الكَلامَ أنَّكَ أشرتَ إلى عِدل مَتاعٍ، وَقَعَ سِعرُ أوَّلِ ثَوبٍ مِنْهُ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ غَلَا السِّعرُ فزاد على الدّرهَمِ، فيكونُ التَّقديرُ: أَخذتُه بدرهَمٍ فَذَهَبَ الثَّمنُ صاعِدًا، فَنَصَبَ صَاعِدًا على الحالِ، والعاملُ فيها ذَهَبَ. فإن سألتَ: فهل يَجوزُ أن تَجعلَ بَدَلَ الفاءِ الواوَ كما تَقُولُ: أَخذته بِدرهَمٍ وزِيادةٍ أجبتُ: لا يَجُوزُ، لأنَّ قولَهم أخذتُه بدرهَمٍ وزيادةٍ إخبارٌ عن شيءٍ واحدٍ وَقَعَ، ثَمَنَهُ الدِّرهَمُ مع الزِّيادةِ، وأمَّا (١) أَخذتُه بدرهَمٍ فَصاعِدًا فَلَستَ تُريدُ أن تَجْعَلَ صاعِدًا مع الدِّرهَمِ ثَمَنًا لشيءٍ واحدٍ وقعَ ثَمَنُهُ الدِّرهَمُ مَعَ الزِّيادةِ، وإنما الدّرهَمُ وَحدَهُ كانَ ثَمَنًا لِبَعْضِ الجُملةِ، ثُمَّ زادَ السِّعرُ، وإذا كانَ كذلك صارَ إدخالُ الواوِ يُبطِلُ هذا المَعنى، ولو جِئتَ بثُمَّ في موضعِ الفاءِ لجازَ، إلَّا أنّ الفاءَ أَحسَنُ، لأنَّ "ثُمَّ" توجِبُ التَّراخي، وليسَ في الأمرِ تَراخٍ فاعرِفهُ تَفْسِيرًا للمسألةِ مَنقولًا عن السَّلفِ. قالَ جارُ اللهِ: "ومنه أَتَمِيميًّا مَرّةً وَقَيسِيًّا أُخرى؟ كأنَّك قلتَ: أَتَتَحَوَّلُ ومنه قوله تَعالى (٢): ﴿بَلَى قَادِرِينَ﴾ أي نَجْمَعُها قَادِرِينَ (٣) ". قالَ المشرّحُ: هذا مَثَلٌ في التَّلَوُّنِ. الضَّميرُ المنصوبُ في نَجْمَعُها للعِظَامِ.

стр. 424

[بَابُ التمييز] قَالَ جارُ اللَّهِ: "التمييزُ، ويقالُ له: التَّبيِينُ، والتَّفسيرُ، وهو رفعُ الإِبهامِ عن جملةٍ أو مفردٍ بالنصِّ، على أحدِ مُحتَمَلاتِهِ، فمثالُه في الجُملة طابَ زيدٌ نَفسًا، وَتَصَبَّبَ عَرَقًا، وَتَفَقَّأَ شَحمًا، و* … أَبرَحْتِ جَارًا* وامتلأ الإِناءُ ماءً، وفي التَّنزِيلِ (١): ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ (٢) ". قالَ المشرّحُ: (أَبرَحتِ جَارًا) أي: جِئتِ بالبَرَحِ، وهو العَجَبُ، ومعناه: أَعجبتِ وبالَغتِ جارًا. وهذه الكلمةُ في بيتِ الأعشي (٣): أقولُ لها حينَ جَدَّ الرحيلُ … أَبرَحْتِ رَبًّا وأبرحتِ جَارا إذا قُلتَ: طابَ زيدٌ لم تدرِ إذ (٤) نُسِبَ الطِّيبُ من أيِّ وَجْهٍ، فإذا

стр. 425

قُلتَ: نفسًا (١) مَيَّزتَ وكذلكَ لو قُلتَ: قَلبًا، وكذا إذا قُلتَ: تَفَقَّأ لم يُعلم أنَّ هذا التَّفَقُّؤَ فيه من أيِّ وجْهٍ؟ فإذا قُلتَ: يُبسًا أَو شَحمًا فقد مَيَّزتَ. فإن سألتَ: مَا ذَكرتَه في حدِّ التَّمييزِ ينتقضُ بالحالِ، ألا تَرى أَنَّكَ إذا قُلتَ: جاءَ زيدٌ فقد بَقِيَ فيه إبهامٌ من حَيْثُ لم تَعرف أنَّ مجيئَه في أيِّ حالةٍ (٢) هو،؟ فإذا قُلتَ: راكِبًا فقد مَيَّزتَ، وكذلك المفعولُ، لأنَّك إذا قلتَ ضربتُ: لم يُعلم من المَضروبُ؟ فإذا نَصَصتَ عليه فقد مَيَّزتَ؟ أجبتُ: التَّمييزُ: رفعُ الإِبهامِ في مُفردٍ أو جُملَةٍ بالنَّصِّ، على أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ، على وجهٍ يكونُ المنصوصُ عليه صالِحًا لِوقُوعِهِ في جَوابِ أَحَدِ الطَّلَبَيْنِ، وهو من أيِّ شيءٍ أو من أيِّ جِهَةٍ، ألا تَرى أنَّك إذا قُلتَ: عِندي راقودٌ، فقيلَ لك: من أيِّ شيءٍ؟ فقلتَ: عَسَلًا صَحَّ، وإن كان قولك عَسَلًا جوابًا لقولك من أيِّ شي، وكذلك إذا قيلَ: طابَ زيدٌ فقيلَ: من أيِّ جهةٍ؟ فقلتَ: قَلبًا صَحَّ بخلافِ ما لو قلتَ: جاءَ زيدٌ فقيلَ: من أيِّ شيءٍ؟ فقلتَ: راكبًا لم يَصِحّ، ولم يكن راكبًا جوابًا لقولهِ: من أيِّ شيءٍ، وكذلك: لو قيلَ من أيِّ جِهَةٍ فقلتَ: راكبًا لم يَقَع جوابًا وهكذا لو قلتَ: ضَرَبتُ فقيلَ: من أيِّ شيءٍ؟ فقلتَ: زيدًا، لم يَقع جوابًا، وهكذا لو قِيل ها هُنا من أيِّ جهةٍ؟ فقلتَ: زيدًا، لم يكن جوابًا. التمييزُ كما يكونُ مفردًا في نحو قولِهِ تَعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ فكذلك يكون جَمعًا في نَحو قوله: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾. قالَ جارُ اللَّهِ: "مثالُه في المُفردِ: عِندي راقودٌ خَلَّا، ورِطلٌ زيتًا، ومَنَوانِ سَمنًا، وقَفيزانِ بُرًّا، وعشرون دِرهمًا، وثَلاثون ثَوبًا، وملءُ الإِناءِ عَسَلًا، و"على التمرةِ مِثلُها زُبْدًا"، وما في الأرضِ مَوضعُ كَفٍّ سَحَابًا.
следующие страницы →