← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وإن كانت علي العكس فإمَّا أن تكونَ الزّيادةُ مدّةً أو لا تكون، فلئن لم تكن وذلك مثل عَجَّولٍ بتشديد الجيم حُذِفَ أحدُهما، ولئن كانت مدَّةً وذلك في مثل عمّار ومسكين ومنصور حذفَ الحرفان معًا، وذلك لأنَّ حذفَ الحرفِ الواقعِ في الطّرفِ وإن كان من وجهٍ أولى فحذفُ ما قبلَ ذلك من وجه آخرَ أَولى، لأنّه حرفُ علّةٍ قريبٌ من الطّرفِ، ولذلك أعللنا صُيَّمًا وقُيَّمًا مع تصحيحِ صُوّامٍ وقُوّامٍ للقربِ. قالَ جارُ اللَّه: "وإن كان مركبًا حذفَ آخرُ الاسمين فقيلَ: يا بُختَ، ويا عَمرَ (١)، ويا سِيبَ ويا خَمسَة (٢) في بُختَنَصّر، وعمرَويهِ وسِيبَويهِ، والمسمى بِخَمسَةَ عَشَرَ". قالَ المشرّحُ: إنّما حذفَ آخرُ الاسمين لاستثقالهِ. بُختَنَصَّر: بتشديد الصّادِ نقله أبو حاتِمٍ (٣) في كتابِ (ما تلحن فيه العامّة) عن الأصمعىّ. قالَ جارُ الله: وأمَّا بَرِقَ نحرُه وتأبَّط شَرًّا فلا يُرخَّمُ". قالَ المشرّحُ: إنَّما لا يُرخَّمُ لأنَّ له جهتين من الارتباطِ، جهةُ ارتباطٍ ظاهرٍ، وجهةُ ارتباطٍ معنويّ، فإن سألتَ: فكيفَ سَقَطَ في النّسبةِ أحدُ الشرطين فقيلَ: بَرَقِيٌّ وتَأَبّطِيٌّ، ولم يَسقُط في الترخيمِ؟ أجبتُ: لأنه لو لم يَسقُط في النّسبةِ لَمَزَجَ بين ثلاثةِ أشياءَ، وذلك لا يجوزُ، بخلافِ التّرخيمِ. قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ وقد يُحذفُ المنادى فيقالُ: يا بؤسَ لزيدٍ بمعنى يا قَومُ بؤسَ لزيدٍ ومن أبياتِ الكتابِ (٤):

стр. 352

يا لعنةَ اللهِ والأقوامِ كلِّهِمُ … والصَّالِحون على سَمعانَ من جارِ" قال المشرّح: يا بؤسَ لزيدٍ دعاءٌ، قال أبو عمرو تأويلُ ذلك يا ويحَ له، وفيه وجهان أحدُهما: ما ذَكَرَه الشّيخُ من أنَّ المنادى محذوف. الثّاني: أنّ حرفَ النّداءِ قد انسَلَخَ عن معنى النّداءِ، وبقي التَّنبيهُ المجرّدُ، ومنه ﴿ألا يسجُدُوا﴾ (١) بدليل القراءةِ الثانية [ألا يا هؤلاء] (٢) اسجدوا. والصالحون بالواو. وفيه وَجهان أحدُهما: - أن يكونَ معطوفًا على محلِّ قوله: والأقوامِ، لأنَّ محلَّه الرّفعُ إذ هو في معنى الفاعلِ للّغة ونحوه (٣): طلبَ المُعَقِّب حقَّه المَظلومُ وحَكى لي الأُستاذُ (٤) منشئُ النَّظَر رَضِىّ الدّين النِيسَابوري عن بعضِ

стр. 353

أَصحابِنا من الأَفاضلِ أنَّه طالعَ دِيوانَ أَبي مَنصُورٍ الكاتبِ المَعروفِ بِصُرّبَعَر (١) فاستَدرَكَ عليه في قَوله: وكأنَّهم يبغُون في تلكَ الرُّبا … أن يَأسِرُوا العيُّوقَ والدَّبِرانِ وذلكَ أنَّ الدبران لا يخلو من أن يكونَ مفردًا؛ أو مثنى، فلئن كانَ مفردًا فليس فيه إلّا النّصبُ، وإن كان مثنىً فحقُّه أن يكونَ بالياءِ. وكان الأستاذُ معجبًا بهذا الاستدراك فقلتُ له -على البديهة-: لأنَّه معطوفٌ على مَحَلِّ العَيُّوق، [ومحلُّه الجَرُّ بدليلِ أنَّ] (٢) أن يَأسِرُوا في معنَى المَصدَرِ، وهو مُضَافٌ إلى العَيُّوق، فظنَّه الأستاذُ وحيًا من السماءِ، وكاد يَسجِد لولا مانِعُ الحَيَا، وافتتَحَ بعقبِ (٣) ذلك مباحثُه للمفصَّل. والثاني: - أن يكونَ على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مَقامَه،

стр. 354

تقديره ولعنةُ اللهِ (١) والصَّالحون، ويروى بالياءِ، وهو ظاهرٌ بالعطفِ على الأقوامِ، ويُحتَمَلُ أن يكونَ على إضمارِ المضافِ (٢). سَمْعَان: من أسماء الرِّجال، وهو بكسر السّين، كذا الرّواية عن الشّيخِ، وعليه السَّمِعانيون بمرو ولشيخنَا (٣): بدَيرِ سَمِعان قبرُ مُفتَقَدٍ … نَظيرُ قبرٍ بديرِ سَمِعَان دَيرُ سَمِعان (٤): فيه قبرُ عمرَ بنِ عبدِ العزيز ﵁. ورأَيتُ في (أَنسابِ الرُّواة) لتاجِ (٥) الإِسلامِ السَّمعاني أنّه بفتحِ السِّين. والسَّماعِنةُ بأجمعهم على ذلك. والرَّجل أعرَفُ بجدّه وأَبيه من أَجنبي لا يُعدُّ في ذَويه. ورأيتُ في نسخةٍ يا لها من نسخةٍ من كتابِ (الاستِيعاب) لابن عبدِ البَرِّ النَّمرِيِّ (٦). وقد ضَبَطَ فيه فتحةَ السّين.

стр. 355

[بَابْ التّحذيْر] قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ، ومن المنصوبِ باللّازِم إضمارُه، قولك في التّحذيرِ: إيَّاك والأسدَ، أي: اتقِ نفسَكَ أن تَتَعَرَّضَ للأسدِ، والأسدَ أن يهلِكَكَ، ونحوه: رأسَكَ والحائِطَ، ومازِ رأسَك والسّيفَ، ويقال: إيّايَ والشّرُّ، و"إياي أن يحذِفَ أحدَكُم الأرنَبَ" أي: نَحِّني عن الشَرِّ، ونحِّ الشرَّ عَنِيّ، ونحِّني عن مشاهدةِ حذفِ الأرنبِ، ونحِّ حذفِها عن حضرَتِي ومشاهَدَتِي، والمعنى: النَهيُ عن حذفِ الأرنبِ. قالَ المشرّحُ: هذا الفصل (١) يذكرُ فيه ما إذا كانَ المنصوبُ متعددًا، والعاملُ أيضًا متعدّدًا، وهو من جنسٍ واحدٍ، فإن سألتَ: لم لا يجوزُ إظهارُ العاملِ فيه؟ أجبتُ: لأنَّ ذلِكَ لا يقالُ إلّا إذا كانت البَلِيَّةُ مشرفةً والوقتُ ضَيقًا فكأنَّ القائِلَ يَرى أنَّ (٢) الوقتَ أضيقُ من أن يُتَكَلَّمَ فيه إلَّا بمثلِ ذلك، ومما هو أبلغُ منه قولهم: الأسدَ، الأسدَ، والجدارَ الجدارَ. مازِ تَرخيمٌ ومعناه: يا مازِنُ، فإن سألتَ: المنادى لم يَكن مازنًا، وإنما هو كَرَّامٌ المازِنيُّ شدَّ على بُجَيرٍ فعانقَه، ولم يكن لقعنبِ بن عتَّابٍ الرّياحي إلا بُجَيرًا هِمَّةً، فلما رأى ذلك أقبلَ نحوهما فقال كَرّامٌ: يا قَعنب أَسيري أَسيري فقال قَعْنَب ذلك، والسَّيفُ

стр. 356

في يَده وقد أَشبعتُ الحكايَةَ في بيتِ السِّقطِ (١): لَمْ أَقلْ فيه مازِ رأسَكَ والسّيفَ كما قالها (٢) المريدُ بُجَيرَا. أجبتُ: نَعم الذي فيه قيل هو كرَّامٌ المازِنيُّ، ولم يُرخِّم مازني، وإنّما رُخِّمَ مازنٌ، وكأنَّما سُمِيّ كرّامًا بلقب جَدِّه، ثم رُخِّمَ (٣)، وِهذا (٤) لأنَّ اللّقبَ مما يَسري إلى الأنباءِ بدليلِ الهَيْضَمِ في الكراميَّة (٥)، فإنَّه يقالُ على كلِّ إمامٍ من ذلك البيتِ كمحمدٍ الهَيضم، وأبي نَصرٍ الهَيضَم. وعليه فليحمل نحو قوله (٦): عشيةً فرَّ الحارثّيون بعدما … قَضَى نَحبَه في مُلتَقَى القومِ (٧) هَوبَرا

стр. 357

وهو أحسنُ من أن يُجعلَ في بابِ ارتكابِ الحذفِ من المُلْبِس في ضرورةِ الشّعرِ. الحذفُ بالعصا، وأما (١) الخَذف -بالخاء المعجمة (٢) - فبالحَصى. قالَ جارُ الله: "ومنه شأنَك والحجَّ، أي عليك شأنَك مع الحجِّ، وامرأ ونفسَه، أي دَعه مع نفسِه، وأهلَك واللَّيلَ أي بادرهم قبل اللَّيلِ". قالَ المشرّحُ: هذا (٣) الفصلُ يذكرُ فيه ما إذا كان المنصوبُ متعدّدًا، ولم يكن مكررًا محضًا، والعاملُ فيه مفردٌ، لا يظنّ بأنَّ المرادَ بالشّأنِ شيءٌ هو ما وراءَ أمورِ الحَجِّ، حتى كأنَّه أُريد اقتضاءُ دينٍ على غريمٍ أو اشتِغَالٌ (٤) بتجارةٍ رابحةٍ، أو قتالُ عدوٍّ مُعَارِضٍ، بل المرادُ مقدّماتُ الحجٍّ نحو المُسافرةِ وتهيئةِ أسبابِه، وحينئذٍ تكون الواو بمعنى مع ضرورةَ أنَّها لو كانت العاطفةَ لكانَ المأمورُ به شيئين، وليس بهما، وإنّما هو شيءٌ واحدٌ وهو الحجُّ مع لوازِمه. امرأً ونفسَه يحتملُ أن تكونَ الواو عاطفةً، وأن تكون بمعنى مع، فإن حملته على العطفِ كانَ حثًّا على هَجره، والفرارِ عنه نفسه، وهذا كما يقالُ: خَلّيتَكَ ونفسَكَ، وخلّيتَكَ وأخلاقَكَ، وإن حملتَهُ على معنى مع -وهو الذي إليه ذهبَ الشّيخُ- فهو إمّا قَصرٌ ليدِه ولسانِه عنه كقولهم: امرأً وما اختاره هو الظّاهر. وإمَّا استعظامٌ لما يُزاوله من التَّعبِ كقولهم: خَلّه وأشغالَه، وإما تنبيهٌ على أنَّ عاقبةَ ما يزاوله حَميدةٌ أو وَخِيمَةٌ. وفي عراقياتِ الأبِيوَردِيِّ (٥): إذا الإِنسانُ قرّبَ أعوجيًّا … وضاجعَ هندوانيًا صَقيِلًا فَدَعه والمصاعَ فسوفَ يُؤتى … به ملكًا مهيبًا أو قَتيِلًا

стр. 358

فإن سألتَ: لم احتججتَ لتصحيحِ كلامِك ببيتِ رجلٍ لا يحتجُّ بشعرِه؟!. أجبتُ بوجهين، أحدُهما: أنّ الرّجلَ كما هو من الشّعراءِ فهو أيضًا من الأدباءِ ولو نَقَلتُ عنه كلامًا منثورًا للزِمَكَ قبولُه، فكيفَ إذا كان منظومًا؟! الثّاني: أنَّ هذا نقلٌ في المعنى لا في اللّفظِ، فيجوزُ الاحتجاجُ بقوله، قال ابنُ جني (١) المحدَثُون يحتجُّ بهم في المعاني كما يحتجُّ بالقدماءِ في الألفاظِ. أهلَك واللّيل: أي بَادر (٢) أهلَك أن يفوتُوا بمجئ اللّيلِ، وبادِرِ اللّيلَ أن يفوتَهم بمجيئِه، ومحصولُه: بادِرهم قبلَ اللّيلِ. قالَ جارُ الله: "ومنه عَذِيرَك أي أحضرِ عُذرَك (٣) أو عاذِرَكَ". قالَ المشرّحُ: هذا المثلُ وقعَ في قولِ عَمرِو بنِ معدِي كربٍ الزَّبيديّ (٤): عَذِيريَ من خَلِيليَ من مُرَادِ كان باليمنِ رجلٌ اسمهُ ثورٌ (٥)، غَزا هو وعمرُو بنُ معدي كربَ، فَغَنِما فوقع بينهما بسببِ قِسمةِ الغَنَائِمِ منافرةٌ فقالَ عمرٌو (٦):

стр. 359

أُريدُ حَيَاتَه ويريدُ قَتلِي … عَذِيريَ من خَلِيلِيَ من مُرَادِ ومرادُ قبيلةٌ من اليمنِ (١)، وهو مرادُ بنُ مالك بنُ زيدٍ بنُ كهلانَ بنُ سبأ، سُمّوا بذلك لتَمرُّدِهِم وهو على هذا القول: فَعَّال. احضَر العاذِر حتى يعذُرك، والمعنى إن أوقعتَ بك كنتَ في ذلك معذورًا، فكأنَّه استعملَ فيما لا عُذرَ فيه للتّبكيتِ كقوله (٢): عَذِيري الحَيَّ من عدوا … ن كانُوا حَيَّةَ الأرضِ لأنَّ حَيّةَ الأرضِ مثلًا (٣) في البُغَاةِ، والمعنى إن أمكنَك ذلك فجِيء به. عَدَوانُ (٤): بالدّالِ المهملةِ، وهو ابن عمروِ بنِ قيسِ بنِ عَيلان. قالَ جارُ الله: "ومنه هذا ولا زَعَمَاتِك، أي ولا أَتَوَهّم زَعَمَاتِك".

стр. 360

قالَ المشرّحُ: كما يحتمل (١) أن يكونَ مفعولًا، فكذلك يحتملُ أن يكون انتصابُه على المصدَرِ، فبعد ذلك قولك: هذا، إمَّا أن يكونَ في محلِّ النّصبِ، فيكونُ المعنى: أزعمُ هذا ولا تَزعمُ زعماتِك وإمَّا في محلِّ الرّفعِ فيكون بمنزلةِ قولهم: هذا القولُ لا قولك: إلّا أنَّ ذلك بلا العاطِفَةِ وهذا بالواو العاطفةِ، وإنَّما لَزِمَ إضمارُ العامِل ها هنا للابتدارِ إلى مخالَفَةِ المخاطَبِ. قالَ جارُ الله: "وقولهم: كِليهِما وتمرًا، أي أعطني". قال المشرّحُ: في هذا التفسير نظرٌ. والصّوابُ أعطيكَ وأطعمُك، ويتضحُ لك ذلك إذا تَصَفَّحت شأنَ ورودِ المثلِ (٢). مرَّ بعضُهم (٣) بعمروِ (٤) بنِ حَمران الجَعدي، وكان عنده زُبدٌ وقرصٌ، فقال له أعطِني زبدًا وقرصًا فقالَ عمرو أعطيكَ وأطعمُك، وأزيدُك تمرًا ولزمَ إضمارُ العامِل ها هنا للابتدارِ إلى طاعةِ المخاطبِ. قالَ جارُ الله: "وكلُّ شيءٍ ولا شتيمةَ حرٍّ، أي أبيتِ كلَّ شيءٍ ولا تَرتكبُ شتيمةَ حرًّ".

стр. 361

قالَ المشرّحُ: لَزِمَ إضمارُ العاملِ ها هنا (١) للابتدارِ إلى النهي، ومنهم من يرفعُ الأولَ وينصبُ الثاني كأنَّه قال: إيتِ كلَّ شيءٍ أمم ولا تشتُمُ حُرًا. قالَ جارُ اللَّه: "ومنه قولهم: أتيته أمرًا قاصدًا، لأنّه لمّا قال أتيته عُلم أنه محمولٌ على أمرٍ مخالفٍ للمنهيّ عنه، قال اللَّهُ تعالى (٢): ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ ويقولون حسبُك خيرًا لك، ووراءَك أوسعُ لك". قالَ المشرّحُ: المعنى أتيت أمرًا قاصِدًا، وكذلك: أيتِ خيرًا وكذلك أيتِ أوسعَ لك، أي مكانًا أوسَع لك، ولزمَ إضمارُ العاملِ للابتدارِ إلى الأمرِ. قالَ جارُ اللَّه: "ومنه (٣) من أنتَ زيد تَذكُر زيدًا أو ذاكرًا زيدًا". قالَ المشرّحُ: انتصابُ ذاكرًا أو تذكرُ على الحال، والعاملُ فيه ما في معنى مَنْ من الاستفهام (٤) وعن السّيرافي: كان رجلًا يُسمّى زيدًا، وكان زيدُ رجلًا مشهورًا بالشجاعةِ، أو ضرب من ضروبِ الفَضلِ المذكور بها الرَّجُلُ فدفعَ عن ذلك وأنكرَ عليه. وقد يجوزُ فيه الرفعُ وتقديره: ذكرك أو كلامُك زيدٌ، فلزم إضمارُ العامل لما فيه من الابتدارِ إلى الإِنكارِ. قالَ جارُ اللَّه: "ومنه مرحبًا وأهلًا وسهلًا أي أصبت رحبًا، لا ضيقًا وأتيت أهلًا، لا أجانِبَ، ووطئِتَ سهلًا من البلادِ، لا حزنًا".

стр. 362

قالَ المشرّحُ: لزمَ إضمارُ العامِل ها هنا لما فيه من الابتدارِ إلى الدُّعاءِ. قالَ جارُ اللَّه: "وإن تأتني فأهلَ الليلِ والنهارِ، أي فإنَّك تأتي أهلًا لك بالليلِ والنهارِ. قالَ المشرّحُ: لَزِمَ إضمارُ العامِل ها هنا لما فيه من الابتدارِ إلى إظهارِ الكرامةِ مع ما فيه من الوجازةِ، وكذلك في جميع هذه المواضعِ". قالَ جارُ اللَّه: "فصلٌ؛ ويقولون: الأسدَ الأسدَ، والجدارَ الجدارَ، والصّبيَّ الصّبيَّ، إذا حَذَّروه الأسدَ والجِدَارَ المتداعي وإبطاءَ الصَّبِيِّ". قال المشرّح: يقالُ: وُطيء الصبيُّ، وأوطأت دابّتي الصبيَّ، وفي سيفيات أبي الطيب (١): وأوطِئَتِ الأُصَيْبِيَةُ الصِّغارُ قالَ جارُ اللَّه: ومنه أَخاك أخاكَ، أي الزمه، والطريقَ الطريقَ أي خَلِّه وهذا إذا ثُنّى لزمَ إضمارُ عامِلِه، وإذا أُفرد لم يَلزم". قالَ المشرّحُ: لأنَّ التَّثنيةَ تدلُّ على كونِ الأمرِ مهمًّا، وكونُه مهمًّا يقتَضي تَركَ العامِلِ للمبادرة إلى التَّثنِيَةِ، ولأنَّ في التَّثنِيَةِ يكونُ لِلتَّوءم هَيئةٌ من الإِنكارِ ونَمَطٌ من الاستعجالِ (٢) لا يكونُ في حالةِ الإِفرادِ، وتلك الهيئةُ وذلك النَّمَطُ دليلٌ على أنَّ الوقتَ أضيقُ من أن يُتَلَفَّظُ بالفعلِ، وذلك الدليلُ مفقودٌ في الإِفرادِ. أخاك أخاك من قوله: أخاكَ أخاكَ إنَّ مَن لا أَخًا له … كَسَاعٍ إلى الهَيجَا بغَيرِ سِلاحِ (٣)

стр. 363

[بَابْ الإشتغَال] قالَ جارُ اللَّهِ: "فصلٌ؛ ومن المنصوبِ باللّازِم إضمارُه ما أُضمِرَ عاملُه على شريطةِ التفسيرِ في قولك: زيدًا ضربتُهُ، [كأنك قلتَ: ضربتُ زيدًا ضربتُهُ] (١)، إلَّا أنَّك لا تبرِزُه استغناءً بتفسيرِه قال ذُو الرُّمّة: إذا ابنُ أبي مُوسَى بلالًا بَلَغتِهِ … فقامَ بفأسٍ بينَ وِصلَيكِ جازِرُ" قالَ المشرّحُ: كأنَّك قلتَ: ضربتُ زيدًا ضربتُه. [هذا] مذهبُ النحويين. وقد ذكرتُ ما عليه مثلُ هذا الكلامِ في الفصلِ الذي أوَّلُه: "وقد يَجيءُ الفاعلُ ورافعُهُ مضمرٌ" وقبلَ البيتِ (٢):

стр. 364

أقولُ لها إذا شَمَّر اللّيلُ واستَوت … لها البِيدُ واشتَدَّت عليها الحَرائِر إذا ابنُ أبي مُوسَى ............... … ..................... شمَّر اللّيلُ: ذهبَ أكثرُه. استَوَت بها: أي اشتَدَّ بها سيرُها، ومَضَت على غيرِ قَصدٍ، واشتدّت الرّياحُ الحارّةُ، وهي تَكسيرُ حَرورٍ، ومثلُها القَلائِصُ: جمغ قَلوصٍ وهو (١) بلالُ بن أبي بُردَةَ فاضي البَصرة (٢) الوِصلُ: - بالكَسر -هو المَفصِلُ، وهذا- وإن كان يُرى في الظّاهِرِ هِجاءً لابنِ أبي مُوسَى، فليس به يقولُ: إذا بلّغتِنِي الممدوحَ فقد بلغتِ المقصودَ فإن لم تَكُوني فلا كُنتِ، وعلى هذا الأسلوبِ بيتُ الشَّماخِ (٣):

стр. 365

إذا بَلَّغتِنِي وَحَمَلتِ رَحلِي … عُرابَةَ فاشرَقي بِدَمِ الوَتِينِ والذي يَدُلُّ على أنَّه ليسَ بهجاءٍ قولُه في هذه النُّونيّة (١): إذا ما رايةٌ رُفعتِ لِمَجدٍ … تلقَّاها عُرابةُ باليَمِينِ أَفتَرَى الشَّماخَ يمدحُ رجلًا ويهجوه في مقطوعةٍ (٢)؟! قالَ جارُ اللَّهِ: "ومنه زيدًا مررتُ به، وعمرًا لقيتُ أخاه، وبِشرًا ضربتُ غُلامَه بإضمارِ جعلتُ على طَريقي، ولابَستُ، وأَهنتُ، قال سيبويه (٣): والنَّصبُ عَرَبِيٌّ كَثيرٌ، والرّفعُ أجودُ". قالَ المشرّحُ: يريدُ إذا قُلتَ: زيدًا مررتُ به، فمعناه: جعلتُ (٤) زيدًا على طريقي مررتُ به، وإذا قُلتَ: عمرًا لقيتُ أخاه فمعناهُ، لابَستُ عَمرًا لقيتُ أَخاه، وإذا قُلتَ: بِشرًا ضربتُ غُلامَه فمعناه أَهنتُ بِشرًا ضَرَبتُ غُلامَه. والحَقيقةُ ما ذكرتُ في ذلك الفصلِ، وإنما كانَ الرَّفعُ فيه أجودَ الكلامينِ (٥) لأنَّه آكدُ الكلامين على ما ذَكرتُهُ. قالَ جارُ اللَّه: "ثمَّ إنّك تَرى النَّصبَ مختارًا ولازِمًا، فالمختارُ في موضِعَين، أحدُهما: أن تَعطِفَ هذه الجملةَ على جملةٍ فعليَّةٍ كقولِكَ: لقيتُ القومَ حتى عبدَ اللَّهِ لَقيتُه، ورأيتُ عبدَ الله وزيدًا مررتُ به وفي التَّنزيلِ (٦): ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قالَ المشرّحُ: إنّما يختارُ (٧) النصبُ ها هنا، وهو أحدُ المَوضِعَين تَوَخِّيًا

стр. 366

للمُشاكلةِ، وهذا لأنَّ طَرَفَي العَطفِ بمنزلةِ طَرَفَي التَّثنِيَةِ، ومن ثَمَّ يُصارُ إلى العَطفِ إذا تَعَذّرتِ التَّثنِيَةُ في ضرورةِ الشِّعرِ قال (١): كأنَّ بينَ فَكِّها والفَكِّ … فارةُ مِسكٍ ذُبِحَت في سَكّ وطَرَفا (٢) التَّثنية يتشاكلان صُورةً ومعنى، فكذلك (٣) هذا. قوله تعالى: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ تقديرُه (٤)، ويعذِّبُ الظّالمين. قالَ جارُ اللَّهِ: "ومنه (٥) ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾. قالَ المشرّحُ: قوله: "فَريقًا حقَّ عليهم الضَّلالةِ"، يَحتملُ أمرين (٦)،

стр. 367

الرّفعُ بالابتداءِ - وهذا ظاهرٌ، والنَّصبُ على أن يُجعلَ قولُه حَقَّ عليهم الضَّلالة كِنايةً عن الإِضلالِ (١) -وما ألطَفَهَا- فلمَّا انعطَفَت هذه الجُملةُ على الجملةِ الفعليَّةِ صارَ الاختيارُ هو النّصبُ، ضَرورةَ أنَّ العطفَ يَقْتَضِي مَزِيَّةَ تَشَاكُلٍ. قالَ جارُ الله: "وإذا قلتَ: زيدًا لقيتُ أباه، وعمرًا مررتُ به، ذَهَبَ التَّفاضُلُ بينَ رَفعِ عمروٍ ونَصبِه، لأنَّ الجُملةَ الأولى ذاتُ وَجهَين. قالَ المشرّحُ: ذلك الفصلُ (٢) الذي ذكرناه في الفَصلِ المتقدّم من اختيار النَّصبِ على الرَّفعِ فيما إذا كان المَعطوفُ عليه لا يَشتملُ إلّا على جملةٍ فِعليَّة، أمَّا إذا كانت الجملةُ المَعطوفُ عليها ذاتَ وَجهين فإن كان فيها جُملةٌ ابتدائيةٌ وجُملةٌ فعليةٌ فالنصبُ في الجملةِ المعطوفِ عليها لا يكونُ هو الاختيارُ وذلك قولك: زيدٌ لقيتُ أباه وعَمرًا مَررتُ به، فكما يحسُنُ في عمروٍ النَّصبُ، لأنَّه معطوفٌ على الجملةِ الفعليةِ، وهي لقيتُ أباه، فكذلك يحسُنُ فيه الرَّفعُ، لأنَّه معطوفٌ على الجملةِ الإِسميَّةِ وهي زيدٌ لقيتُ أباه. قالَ جارُ الله: "فإن اعتَرَضَ بعدَ الواوِ ما يَصرفُ الكلامَ إلى الابتداءِ كقولك: لقيتُ زيدًا، وأمَّا عمرٌو فقد مررتُ به، ولقيتُ زيدًا وإذا عبدُ الله يَضربُه عمرٌو، وعادت الحالُ الأولى جَذَعةً. قالَ المشرّحُ: يقول الشيّخُ: ذلك الموضعُ الذي اختارَ فيه النّصب على الرّفعِ إذا دَخَلَ في الجملةِ المعطوفةِ ما يصرفُ الكلامَ إلى الابتداءِ صارَ الاختيارِ فيه الرفعُ، وذلك إذا قُلتَ: لقيتُ زيدًا، وأمَّا عَمرٌو فقد مررتُ به، وأَهنتُ بِشرًا، وأمّا بكرٌ فقد أَكرَمتُهُ وذلك لأنَّ (٣) الأجودَ أن يكونَ الاسمُ الواقعُ

стр. 368

بعدَ إمَّا (١) مرفوعًا بالابتداءِ وكذلك ما بعدَ إذا المفاجأة حسبَ ما كان في قولك: زيدٌ مررتُ به وهذا معنى قوله: عادتِ الحالةُ الأولى جَذَعةً (٢). الجَذَعَةُ اسمٌ لِوَلَدِ البَقَرِ، والحافرِ والإِبلِ في زمنٍ ليست بسِنٍّ (٣) تنبتُ ولا تسقُطُ. هذه الكلمة غَلَبَ عليها الإِمامُ عبدُ القاهر الجُرجاني فإنّه ربَّما يقول في كتابه الموسوم بـ "دلائل الإِعجاز" عادت الشُّبهةُ الأولى جَذَعةً، والإِمامُ عبدُ القاهر قد أخذَها من أبي نَصرٍ العُتبيّ، وعن قريبِ يعودُ الخلافُ جَذَعًا، وأبُو نصر العتبيُّ قد اغتَصَبَها من الجاحظِ (٤). قالَ جارُ اللَّهِ: " ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (٥) ". قالَ المشرّحُ: "ثمودَ" في قراءةِ الرّفعِ مرفوعٌ بالابتداءِ، وهديناهم خبرُه، وأما على قراءةِ النّصب فهو منصوبٌ بعاملٍ تقديره وأما معاملتُنا ثمودَ فهديناهم، وكذلك إذا قلتَ: زيدٌ لقيتُه، وأمَّا عَمرًا فقد (٦) مررتُ به، لأنَّ معناه وأمَّا مُلابَسَتِي عَمرًا فقد مررتُ به. وعندَ النحويين مهما يَكُن من شيءٍ فهديناهم (٧) ثمودَ، ومهما يكن من شيءٍ فقد مررتُ بعمروٍ، وتقولُ: أمّا يومَ الجمعةِ فإنَّك سائرٌ، ومعناه أمَّا الواقعةً يومَ الجمعةِ فإِنك سائرٌ، وعندَ بعضِهِم (٨) مهما يكن من شيءٍ فإنَّك سائرٌ يومَ الجمعةِ.

стр. 369

قالَ جارُ اللَّهِ: "الثاني: أن تقعَ موقعًا هو بالفعلِ أولى، وذلك أن تقعَ بعد حرفِ الاستفهامِ [كقولك: أعبدَ الله ضربتُه] (١) ". قالَ المشرّحُ: بَيَّنَ الشيخُ الموضعَ الثاني من المواضع التي يُختارُ فيها النَّصبُ على الرفع، وذلك أن تقعَ موقعًا هو بالفعلِ أولى، وذلك على (٢) أنواعٍ، النوعُ الأول: أن تقعَ بعد حرفِ الاستفهام كقولك: أعبدَ اللَّهِ ضربتُه، وهذا لأنَّ مذهبَ النحويين أنَّ الاستفهامَ لا يدخَلُ إلَّا على الفِعلِ، فإذا لم يَكن الفعلُ عُقيبَهُ مَذكورًا فهو فيه مقدّرًا، تقديره: أَضَرَبتَ عبدَ اللَّهِ ضَرَبتَهُ، وهذا ليس بشيءٍ، والحَقيقةُ ما ذكرتُه في الفصل الذي أوّله: (وقد يَجيءُ الفاعلُ ورافعُه مضمرٌ). قالَ جارُ اللَّه: "ومثله آلسّوطَ ضربتَ به زيدًا، وآلخوانَ أُكِلَ عليه اللَّحمُ وأزيدًا أنتَ محبوسٌ عليه، وأزيدًا أنت مكابرٌ عليه، وأزيدًا سمعتَ بهِ". قالَ المشرّحُ: مذهبُهم أنَّ المنصوبَ قبلَ الفعلِ المتّصلِ به الضميرُ المنصوبُ ينتصبُ بفعلٍ آخرَ مضمرٍ قبلَ ذلكَ المنصوب، وهو على لفظِ ذلك المذكورِ بعدَ ذلِك المنصوبِ، فإن لم ينجَع إِضمارُه أَضمرَ ما هو قريبٌ من ذلك الفعل ولذلك قالوا: فَي آلخوانِ أُكلَ عليه اللحمُ، أعلى اللَّحم الخوانَ وأزيدًا أنتَ محبوسٌ عليه ارتقبتَ (٣) زيدًا أنت (٤) محبوسٌ عليه، وهذا تمحُّلُ شنيعٌ، وهبكَ تمحَّلتَ ها هنا فما وجهُ التَّمحُّلِ في قولك: آلسوطَ ضُربَ به عمروٌ؟ وذلك لأنَّك لا تكادُ تجدُ شيئًا ينصبُ السّوط، وإنما الوجهُ الصحيحُ ها هنا ما ذهبَ إليه الكوفيُّون من أنَّ المنصوبَ المُتقدمَ يَنتصبُ بهذا الفعل

стр. 370

الواقعِ بعدَ الضمير (١)، والضميرُ ينتصبُ على البدلِ منه، فإذا كان هذا الفِعلُ فِعلًا يتعدى بحرفِ الجرِّ نُزّلَ (٢) تنزيلَ ما ليس معه حرفُ جَرٍّ من الأفعالِ المتعدِّيةِ ويتحيَّل بحيلةٍ حتى ينتصبَ به ذلك الاسمُ (٣) كما إذا قلتَ: زيدًا خَرَجتُ به، فإنه يُعاملُ (٤) معاملةَ زيدًا أخرجته، وأزيدًا أنت مكابرٌ عليه أي مغلوبٌ عليه، وهذا كما يَقولون غَلَبَ فلانٌ على عِمايَتِهِ. قالَ جارُ اللَّه: "ومنه أزيدًا ضربتُ عمرًا وأَخاه، وأزيدًا ضربتُ رجلًا يُحِبُّهُ، لأنَّ الآخرَ ملتبسٌ بالأوّلِ بالعطفِ أو بالصِّفةِ. قالَ المشرّحُ: الضميرُ (٥) في أَخاه ينصرفُ إلى زيدٍ، ولو صرفتَه إلى عمروٍ فَسَدَ الكلامُ وأمَّا في المسألةِ الثانيةِ، فسواءٌ صرفتَه إلى زيدٍ أو لم تَصرفه فإِنَّ المسألةَ صحيحةٌ أمَّا إذا صرفتَه إليه فظاهرٌ، وأمَّا إذا لم تَصرفهُ إليه، فلأنَّ الضَّميرَ المنصوبَ فيه شيءٌ انصرفَ إلى رجلٍ (٦) فالضَّميرُ المُنَكَّرُ المرفوعُ ينصرفُ بالضرورةِ إلى زيدٍ فتصحُّ (٧) المسألةُ. وفي هذين المثالين أنَّ الضميرَ الراجعَ إلى المنصوبِ قبلَ الفعلِ كما إذا اتَّصل [بالفعلِ صحَّ، فكذلك إِذا اتَّصل] (٨) بما هو في صورةِ المفعولِ لذلك الفِعلِ، وكذلك إذا اتَّصل بالمَعطوفِ على ما هو في صورةِ المفعولِ لذلك الفِعلِ، ونظيرُ هذه المسألة قوله (٩):

стр. 371

وهاجَته الجَنوبُ لوصلِ حيٍّ … أقامَ ويَمَّموا دارًا طَرُوحا من المعلومِ أنَّ الجُملة إذا وَقعت صِفَةً لنكرةٍ فلا بُدَّ فيها من ضَميرٍ يَرجِعُ إِلى تلكَ النَّكَرةِ. وقوله: أقامَ وَيَمَّموا دارًا طَروحا وقعَ صفةً للنكرةِ وهي "حَيٍّ"، ثمَّ ليسَ في الجملةِ الأولى وهي "أقام": ضميرٌ راجعٌ إليه، إنَّما الضميرُ في الجملةِ المعطوفةِ وهي"يَمَّموا" فقد أغنى عن الضميرِ في الجملةِ المعطوفةِ كما يُغني في الجملةِ المعطوفِ عليها. قالَ جارُ اللَّهِ: "فإن قلتَ: أزيدَ ذُهبَ به فليس إلا الرَّفع". [قال المشرّحُ] (١): إنما لم يَجز فيه سِوى الرَّفعُ، وذلك لأنَّ الاسمَ الواقعَ قبلَ الفعلِ والضَّميرَ المتَّصل يتجاوَبانِ ارتفاعًا وانتصابًا فإذا كانَ الضميرُ في قولك: ذُهبَ به في محلِّ الرفعِ فلا بُدَّ من أن يكونَ الاسمُ الواقعُ بعدَ الفعلِ مرفوعًا أيضًا. قالَ جارُ اللَّه: "وأَنْ يقعَ بعد إِذا وحيثُ كقولك: إِذا عبدَ اللَّهِ تلقاه فأكرمه، وحيثُ زيدًا تجده فالزمه (٢) ". قال المشرّحُ: قوله: وأَنْ يقعَ بعدها، إذا وحيثُ معطوفًا (٣) على قوله بأن يقعَ بعد حرفِ الاستفهامِ. بيّنَ الشيخُ ها هنا النوعُ الثاني من أنواع الموقعِ الذي هو بالفعلِ أولى، وذلك أن يقعَ بعدَ إذا كقولك: إذا عبدَ اللَّه تلقاه فأكرمه، وذلك أن إذا للشَّرطِ، والشرطُ يَقتضي الفعلَ، وكذلك حيثُ ها

стр. 372

هنا، بمنزلةِ إذا، لأنَّها ظرفٌ مكانِيٌّ، كما أنَّ إذا ظرفٌ زَمانيٌّ، ثم استُعمل كلٌّ منهما في الشرط. قالَ جارُ اللَّه: "وبعد حرفِ النَّفي كقولك ما زيدًا ضربتُهُ، قال جرير: فلا حسبًا فَخرتَ به لتَيْمٍ … ولا جَدًّا إذا ازدَحَمَ الجُدودُ قالَ المشرّحُ: ها هنا بَيَّن الشّيخُ النّوعَ الثّالثَ (١) من أَنواعِ الموقعِ الذي هو بالفعلِ أولى، وذلك أن يقعَ بعدِ حَرفِ النَّفي كقولك: ما زيدًا ضربتُه؟ وهذا لأنَّ المنفِيّ في الحقيقةِ هو الفعلُ، فوَجَبَ أن تَدخُلَ عليه حقيقةً، فإذا لم تَدخُل عليه حقيقةً، وَجَبَ أن تَدخلَ عليه تقديرًا، ولن تدخلَ عليه تقديرًا إلّا إذا انتَصَبَ زيدًا، اللامُ (٢) في "لِتَيمٍ" يتعلقُ "بحسبًا" وقبله (٣): ويُقضى الأمرُ حينَ تغيبُ تيمٌ … ولا يُستأذَنون وهم شُهُودُ يقولُ: تَيمٌ أقِلّاء أَذِلّاء، لا يَدخُلون في مشاورةٍ، ولا يَقِفُ إمضاءُ الأمورِ

стр. 373

عليهم. يهجو عُمَرَ بنَ لَجَأٍ التَّيمي (١). قالَ جارُ اللَّه (٢): "وأن يقعَ في الأمرِ والنّهي كقولك: زيدًا اضرِبْهُ، وخالدًا اضربْ أباه، وبشرًا لا تَشتُمْ أخاه، وزيدًا ليضربْهُ عَمرو، وبِشرًا ليقتُلْ أباه عَمرو". قال المشرّحُ: ها هنا بيَّنَ الشّيخُ النَّوعَ الرّابعَ من أنواعِ الموقعِ الذي هو بالفعلِ أولى، وذلك إذا كان الفِعلُ الواقِعُ بعدَ ذلِكَ الاسمِ أمرًا أو نَهيًا، فَنصبُ ذلك الاسمِ أولى من رَفعِهِ، لأنَّه لو رُفعَ رُفعَ بالابتداءِ، ولا يحسُنُ رفعُه بالابتداءِ، لأنَّه لو رُفع بالابتداءِ لَوقَعَ الأمرُ والنَّهيُ موقعَ (٣) الخبرِ وذلك قبيحٌ، لأنَّ الخبرَ مما يتطرقُ إليه الصِّدقُ والكَذِبُ. قالَ جارُ اللَّه: "ومثله أَمَّا زيدًا فاقتُله، وأمَّا خالدًا فلا تَشتُم أباه. قالَ المشرّحُ: يقولُ الشيخُ: الاسمُ إذا وَقَعَ بعدَ الأمرِ والنَّهي فإنّه لا يجوزُ رفعُه بالابتداءِ وإن دَخَلَ على أوّلِه ما يُقَوِّي جانبَ الابتداءِ وهو "أمَّا". فإن سألتَ: فيمَ انتصبَ زيدًا ها هنا؟ أجبتُ: بمضمرٍ على ما ذَكَرنا، وهو المعاملةُ، والمعنى: أمَّا معاملتُنا (٤) زيدًا فهذه المعاملةُ، وهي أنَّا نأمرُ بقتلِه، فإن سألتَ: ألستَ قد وقعتَ فيما فَرَرتَ منه وهو جَعلُ الأمرِ خَبرًا؟ أحبتُ: لا، لأنَّ هذا وإن كانَ فيه جَعلُ الأمرِ خَبرًا لكن على وَجهِ الخِفّةِ ضرورةَ أنَّ المُبتَدَأ ها هنا مَنوِيٌّ غيرُ ظاهرٍ، وذلك فيه جَعلُ [الأمرِ خبرًا على وجهِ] (٥)

стр. 374

العلانِيّةِ وفرقٌ بينَ الفتحِ على [وجهِ الخُفيةِ] (١)، وبينه (٢) على وجهِ العلانيةِ. قالَ جارُ اللَّهِ: "والدُّعاءُ بمنزلةِ الأمرِ والنَّهيِ، تقولُ: اللهمَّ زيدًا فاغفر ذنبَه، وزيدًا أمرَّ اللَّهُ عليه العيشَ قال أبو الأسود (٣): فكلًّا جزاهُ اللَّهُ عَنّي بما فَعَلْ قال المشرّحُ: الدّعاءُ بمنزلةِ الأمرِ، إلَّا أنَّ المأمورَ ها هنا مثلُكَ أو فوقُك، والمأمورُ هنا دونَك (٤)، صدرُ البيت (٥): أميرانِ كانا آخيَاني كِلاهُما … فَكُلًّا .... البيت قالَ جارُ اللَّه: "وأمَّا زَيدًا فَجَدَعًا له، وأمّا عمرًا فَسقيًا له". قالَ المشرّحُ: معناه: وأمَّا مُعامَلَتي زَيدًا فهذه المُعاملَةَ، وهي: أنَّي أَدعو عَليه (٦). قالَ جارُ اللَّه: "واللَّازِمُ أن تَقَعَ الجملةُ بعد حرفِ لا يليه إلّا الفعلَ كقولك إنْ زيدًا تَره تَضرِبْهُ، قال: لا تَجزَعي إن مُنفِسًا أهلكتُهُ قالَ المشرّحُ: كانَ الشيخُ ذكرَ في أوائلِ هذا الفصلِ، ثمَّ إنك تَرى

стр. 375

النّصبَ مختارًا ولازمًا، فإلى الآنَ قد قَيَّد المُختارَ، والآن قد أَخذَ في شرحِ اللَّازِم فقال: اللَّازِمُ أن يقعَ بعدَ حَرفٍ لا يَلِيهِ إلّا الفعلُ وهو "إنْ". فإن سألتَ. فما التفرقةُ بينَ "حيثُ" "وإذا"، وإنْ، جعلتَ النّصبَ بعد "إذا" مختارًا، وبعد "إن" لازمًا؟ أجبتُ: إنَّ "إذا" شيءٌ دخيلٌ في المجازاةِ، بخلافِ إنْ فإنّها أمُّ الباب، وهي لا تدخلُ إلّا على الجملةِ الفعليّةِ، بخلافِ إِذا فإنَّها رُبَّما [دَخلت على الجُملةِ الإِسميّةِ] (١)، وفي "فُتوحِ ابنِ أَعثَمَ الكُوفي" (٢): إذا ما الثُّريَّا في السّماءِ كأنَّها … جُمانٌ وَهَى عِقدِهِ فَتَبَدَّدا البيتُ للنَّمرِ بنِ تَولَب، وتمامه (٣):

стр. 376

وإذا هَلَكتُ فعندَ ذلك فاجزَعِي قالَ جارُ اللَّهِ: "وهلَّا" "وألَا"، و "لولا" "ولوما" بمنزلةِ "إِنْ"، لأنَّهنُّ يطلبنَ الفعلَ، ولا يبتدأ بعدها الأسماءُ. قالَ المشرّحُ: هذه الكَلِمُ كلُّها للتَّحضِيضِ، والتَّحضِيضُ لا يكونُ إلّا (١) بالفعلِ، وفي هذه المسألة نظرٌ. قال أبو سعيدٍ السِّبرافي (٢): لا يجوزُ أن تقولَ: لولا زيدٌ قائمٌ، وهلَّا بكرٌ مُنطلقٌ، لكن يَجوزُ هلًا زَيدٌ ضَربتَه، على معنى هَلَّا ضربتَ زيدٌ ضربتَه، والنصبُ جائزٌ على معنى هَلّا ضَربتَ زيدًا ضربتَه، وإذا (٣) كان الأمران جائزين (٤) فهذا لا يقتَضي أن يكونَ الاختيارُ النَّصبَ فكيفَ يلزمُ النّصبُ؟! قالَ جارُ اللَّه: "فصلٌ؛ وحذفُ المفعولِ به كثيرٌ، وهو في ذلِكَ على نوعين، أحدُهما: أنَّ يُحذَفَ لَفظًا ويُرادَ معنىً وتقديرًا. والثاني: أنْ يجعلَ بعدَ الحَذفِ نَسْيًا مَنْسِيًّا، كأنّ فعلَه من جنسِ الأفعالِ غيرِ المتعديةِ، كما يُنسى عندَ بِناءِ الفعلِ للمفعولِ به، فمنِ الأوّلِ قولُه تعالى (٥): ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ وقوله تعالى (٦): ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾، لأنَّه لا بُدَّ لهذا الموصولِ من أن يَرجِعَ إليه من صِلَتِه مثلُ ما

стр. 377

تَرى في قوله تعالى (١): ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ وقُرئَ قَوله تَعالى (٢): ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ "وما عَمِلَت"، ومن الثَّاني قولهم: فلانٌ يُعطي ويمنَعُ ويصلُ ويقطَعُ، ومنه قوله تعالى (٣): ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ وقول ذي الرّمة (٤): وإن تعتَذِر بالمَحلِ من ذي ضُروعِها … إلى الضّيفِ يَخرج في عراقيبِها نَصلي" قالَ المشرّحُ: حذفُ المفعولِ على ضربين، أحدُهما: أن يحذفَ ويُراد، وذلك: أن يكونَ عليه سوى نفسِ الفعلِ دليلٌ آخرُ (٥)، ألا تَرى (٦) أنّ قولَه: "ويقدرُ" كما يقتضي المفعولَ، من حيثُ إنّه فعلٌ متعدٍّ فكذلك يقتَضيه من حيثُ إِنَّ "يقدِرُ" قد وقعَ في مقابَلتهِ يَبسُطُ، ويَبسُطُ له مفعولٌ، وهو الرِّزقُ، فَكَذَلِكَ يقدِرُ، وهكذا رَحِمَ في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾، كما يَستَدعِي المفعولَ من حيثُ إنَّ (٧) الرَّحمةَ لا تكونُ بدونِ مرحومٍ، فكذلك يستدعِيهِ من حيثُ أنّه وقعَ صِلةً، والجملةُ متى وقعت صِلةً لموصولٍ فلا بُدَّ فيها من ضَميرٍ يَرجِعُ إلى المَوصولِ. والثاني: - أن يُحذفَ فلا يرادُ، بل يُتركُ نَسيًا منسيًا، كما في قولهم: فلانٌ يُعطي ويَمنعُ، بدليلِ أنَّ كلَّ واحدٍ من المفعولين المحذوفين لا دليلَ

стр. 378

عليه سِوى نفسِ الفعلِ. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ فكما تَرَكَ المفعولَ فيه نَسيًا مَنسِيًا فقد أبطلَ تعديةَ الإِصلاحِ رأسًا، ألا تَرى أنّه جُعِلَ بمنزلةِ الفعلِ اللّازمِ من (١) حيثُ عُدّي بِفي، معناه (٢): واجعل الإِصلاح في ذُرِّيَّتي. الضميرُ في "تَعْتَذِرُ" للنّاقةِ، والباءُ في "بالمِحْلِ" للأداةِ، لا للظرفِ. عنى بذي ضروعها اللَّبنَ الَّذي في ضُرُوعِها كما يُراد بذي بَطنها الولدُ [الذي في بطنِها] (٣)، يريدُ بجعلِ الجُرحِ في عَراقِيبها نَصلَ سَيفي.

стр. 379

[بَابْ المفعُول فيهِ] قالَ جارُ اللَّه: "المفعولُ فيه: هو ظَرفا الزَّمان والمكان، وكلاهما ينقسمُ إلى مبهمٍ ومؤقَّتٍ ومُستعملٍ اسمًا وظرفًا، ومُستعملٍ ظرفًا لا غير، فالمبهمُ: نحو الحِينِ، والوَقتِ، والجِهاتِ السّتِّ. والمؤقتُ نحو اليومِ، والليلةِ، والسوقِ، والدارِ، والمستعملُ إسمًا وظرفًا ما جازَ أن [يعقبَ عَليه العوامل، والمستعملُ ظَرفًا لا غيرُ] (١) ما لَزِمَ النَّصبَ نحو قولك: سِرنا ذاتَ مرّةٍ، وبُكْرةً وسَحرَ وسُحَيْرًا وضُحىً، وعِشاءً، وعَشِيّةً، وعَتَمةً، ومساءً، إذا أردتَ سحرًا بعينه، وضُحَى يومِك وعشيَّته، وعِشاءَه وعَتَمَةَ ليلتِك ومَسَاءهَا (٣). قَالَ المشرّحُ: سرنا ذاتَ مرةٍ، من باب إضافةِ المُسمَّى إلى الإِسم. معناه: سِرنا بمُصاحبةِ (٤) هذا الإِسمِ، وأصلُه من قولهم: رجلٌ ذو مالٍ،

стр. 380

وامرأةٌ ذاتُ جَمالٍ (١) فإِن سألتَ: فهل بينَ قولهم سِرنا مَرّةً وسِرنا ذاتَ مرّةٍ فرقٌ؟ أَجبتُ: نَعَم (٢) إِذا قيلَ: سِرنا مرّةً احتَمل أن يكونَ للقائلِ عِلمٌ بتلكَ المرةِ زائدٌ على عِلمِ المخاطبِ بها، كما إِذا قُلتَ: أكلتُ طَعامًا فإنه يَحتملُ أن يكونَ ذلك الطعامُ معلومًا للمتكلمِ غيرَ معلومٍ للمخاطبِ بخلافِ "ذاتَ مرّةٍ" فإنَّه يتبرأ المُتَكَلّمِ من زيادةِ العلمِ. قوله: بكرةً (٣) على التنوين. كذا السَّماعُ، وسَحَر غير منونٍ (٤)، وهو عندي مبنيٌّ، وعندَ النَّحويين لا ينصرفُ، وقد قَرَّرتُ فيما مضى من هذه المسألة فإن سألتَ: كيفَ لم يُبنَ سُحَيْرًا مع أنّ كلًّا منهما متضمنٌ لمعنى اللَّامِ؟ أجبتُ: لأنَّ كونَه مُتَضَمّنًا (٥) لمعنى اللامِ إن اقتضى أن يكونَ بمنزلةِ الحرفِ فكونه مُصَغَّرًا يقتضي أن يكونَ إسمًا وكونُه مُصَغَّرًا آخرُهما وجودًا فيكونُ الغلبةُ له. قالَ جارُ اللَّهِ: "ومثله عندَ وسِوى وسَواء". قالَ المشرّحُ: عِندَ من الظُّروفِ اللّازمةِ، لأنَّه لا يدخلُ عليه من العَوامِلِ سِوى "مِن"، وأنَّها لا تَخلو من الظَّرفيَّةِ، كما في قولِهِ تعالى (٦): ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾، أي بعضُ اللَّيل، قالَ الإِمامُ عبدُ القاهِر الجُرجاني: وتقولُ العامَّةُ: خرجتُ إلى عندِه خطأ. سِوى، وسَواء (٧) في الأصلِ من صفاتِ الأمكنةِ، يُقَالُ: مكانٌ سُوىً، ثمَّ أْجري مَجرى المكانِ في قولك: جاءَني القومُ سِواكَ أي مكانك، وبذلك (٨) - انتصبَ المحدودُ. ويشهدُ لكونِهِ ظرفًا أنَّه تَسْتَقِلُّ به في السّعةِ الصلةُ،

стр. 381

تقولُ: جاءَني من سواكَ، ورأيتُ ما سواكَ، ولو لم يَكُن ظَرفًا لما استقلَّت به؟ ألا تَرى أنَّه لا يُقالُ: جاءَني مَن غيرُ زيدٍ، وأمَّا قولنا: جاءَني القومُ سوى زيدٍ بمعنى غيرَ زيدٍ فتدريس. قال الإِمامُ عبدُ القاهِرِ الجرجاني (١): لا تقولُ هذا سِواك، ولا هو على سِواك، وهذا لأنَّ سِوى لا يكون للاستثناءِ إلَّا إذا كانَ ظَرْفًا، فإذا أَخرجتَهُ عن الظَّرفية بَطَلَ كَونُهُ للاستثناءِ. قالَ سيبويه: لا يكونُ إسمًا إلَّا في الشِّعرِ (٢)، والذي يفرَّقُ بينهما أنَّهم أَجازوا: عِندي غيرُ عبد اللهِ ولا عمرٌو (٣)، ولم يُجيزُوا سوى عبدِ اللهِ، ولا عمرٌو (٣)، نَقَلَه الغُوري (٤) (٥). قالَ جارُ اللهِ: "ومما يختارُ فيه أن يلزمَ الظَّرفيَّةَ صفةُ الأحيان، تقول: سِيرَ عليه طويلًا وكثيرًا، وقليلًا، وقديمًا، وحديثًا". قالَ المشرّحُ: صفةُ الأحيانِ (٧) ليست في الحقيقةِ بِظرفٍ، إذ هي في الأصلِ ليست زمانًا ولا مكانًا، بل هي شيءٌ أجنبِيٌّ عن الظّرفِ، أُجريَ مَجراه، وأقيمَ مقامه، والدالُّ على كونِها ظَرفًا هذا النَّصبُ، فإذا ذَهَبَ ذَهَبَت (٨) عنه (٩) الظَّرْفِيَّة، واندَرَسَت، ولم يبقَ من أطلالِها ورسومِها شيءٌ، بخلافِ الظَّرفِ، فإنَّه -وإن وَدَّعه (١٠) النَّصبُ- لم يُوَدِّعهُ العِلمُ المحيطُ بكونِهِ

стр. 382

ظَرْفًا، ضرورةَ أنَّه يَبقى فيه بَعدَ وداعِ الظَّرْفِيَّةِ له معظمُ الظَّرفيّةِ، وهو إمَّا الزَّمانُ، وإمّا المكانُ، تقولُ: حُمِلَ به طويلًا، وكثيرًا، ولو قلتَ حُمِلَ به طويلٌ وكثيرٌ عَمِيَ المُرادُ. قَالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ، ويُجعَلُ المصدَرُ حينًا لِسَعَةِ الكَلَامِ فيقالُ كانَ ذلك مَقدِم الحاجِ، وخفوقَ النجمِ، وخِلَافَةَ فلانٍ وصلاةَ العَصْرِ". قَالَ المشرّحُ: قوله: مَقْدِمَ فُلانٍ منظورٌ فيه، لأنَّ مفعِلًا كما يكونُ للمكانِ فكذلك (١) يكون للزمانِ. قالَ جارُ اللهِ: "ومنه سِيرَ عليه تَرويحتين، وانتظر نحرَ جزورين، وقوله تَعالى (٢): ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ ". قَالَ المشرِّحُ: التَّرويحة: واحدةُ التَّراويح، ومنه قولهم: يُسْتَحَبُّ أن يُجْمَعَ الناسُ في شهرِ رمضان فيُصَلِّي بهم إمامهم خمسَ ترويحات، كلُّ تَرويحة بتسليمتين، ويَجلس بين كلِّ تَرويحتين مقدارَ ترويحة. لَعلّه عنى "بأدبارَ النجومِ" وقتَ انفجارِ الصُّبحِ. قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ، وقد يُذهبُ بالظَّرف من غير أنْ يقدّرَ فيه معنى "في" اتساعًا، فيَجري ذلك مَجرى المَفعولِ به فيُقالُ: الذي سِرتُه يومَ الجمعةِ قالَ الشاعر: (٣) * ويومٌ شَهِدناه سُليمًا وعامِرًا *

стр. 383

ويضافُ إليه، كقولك: (١) * يا سَارقَ اللَّيلَةَ أَهلَ الدَّارِ * قوله تَعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، ولولا الاتساعُ لقلتُ: سرتُ فيهِ، وشَهِدنا فيه". قالَ المشرِّحُ: قضيةُ القياسِ أن يكونَ المفعولُ فيه قبلَ المفعولِ به. لأنَّه قد طُرِحَ عنه، وتَعَدّى إليه الفِعلُ من غيرِ واسطةِ الجارِ، لكنَّهم لا يُسَمُّونَه مفعولًا به لِوجهين: أحدهُما: أن المفعولَ به مما يُضافُ (٢) إليه، تقولُ: ضربَ زيدٌ عمرًا، وضَرْبُ عَمْرٍ زيدٌ شديدٌ (٣)، وأكرَمَ بكرٌ خالدًا (٣)، وإكرامُ خالدٍ بكرٌ حسنٌ، والظّرفُ لا يضافُ إليه، فلا يُقال: صلاةُ طلوعِ الشّمسِ لا تجوزُ، وإفطارُ غروبِ الشَّمسِ حرامٌ، وأنتَ تَعني: الصلاةَ في وقتِ طلوعِ الشَّمسِ والإِفطارَ في وقتِ غُروبِها، بل لو أَجَزتَ ذلك لأجزتَه، وقد أخرجتَ طلوعَ (٤) الشَّمسِ (٥) والغروبَ عن الظَّرفيَّةِ، وهذا لأنَّ الإِضافةَ إمَّا بمعنى اللّام، أو بمعنَى "مِن" وهذا يَنفِي الإِضافةَ إلى الظَّرفِ، لأنَّه لو أُضيفَ إلى الظَّرفِ لكانت الإِضافةُ بمعنَى "في"، وبينهما تَضَادٌّ وتَنَافٍ. الثاني: أنَّ المفعولَ به كما يَتَعَدَّى الفعلُ إلى مُظهَرِه، يَتَعَدّى أيضًا

стр. 384

إلى مُضمَرِهِ، تقولُ: ضربتُ زيدًا، وزيدًا ضربتُه، والظَّرفُ وإن كان يَتَعَدى الفعلُ إلى مُظهَرِهِ، فلا يَتَعَدَّى إلى مضمَرِه، تقولُ: ضربتُ يومَ الجمعةِ، ولا تقولُ: يومَ الجمعةِ ضربتُه، فإذا أُضيفَ إلى المفعولِ فيهِ أو تَعَدّى الفعلُ إلى مُضمَرِهِ فقد تَمَّ كونُه مفعولًا به، وَخَرَجَ عن الظَّرفِيَّةِ فمن قبيلِ الأولِ قوله تعالى (١): ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾. و: * يا سارِقَ اللَّيلَة أهلَ الدَّارِ * ومن قبيلِ الثَّاني قَولُهُ: * ويومٌ شَهِدناه سُليمًا وعَامِرًا * فإن سألتَ: هل بينَ الظرفِ متَّسَعًا فيه، وبينَه غيرَ مُتَّسَعٍ فيه (٢) فرقٌ من حيثُ المعنى؟ أجبتُ (٣): لا فرقَ فيه بينَ الحالين نَصَّ عليه الشَّيخُ أبو عليٍّ في كتابه الموسوم "بِحُجَّةِ القِراءة" (٤). تَمَامُ البيتِ:

стр. 385

* قليلٌ سِوى الطَّعنِ النَّهَالِ نَوَافِلُه * قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ (١)، وينصبُ بعاملٍ مُضمَرٍ كقولك في جوابِ من يقولُ لك: متَى سرتَ؟ يومَ الجمعةِ، وفي المثلِ السائرِ (٢): أسائرٌ اليومَ وقد زالَ الظَّهرُ". قالَ المشرّحُ: يومَ الجمعةِ منصوبٌ بفعلٍ مُضمرٍ، تقديره: سرتُ يومَ الجمعةِ. أسائرٌ اليومَ: من أَسْأَرَ في الإِناءِ سُؤورًا، والمرادُ: في (٣) اليومِ يسيرُ، يضربُ للرّجلِ يَرجو الحاجُّ طَلِبتَهُ، ويُبين له اليأسَ منها. قاله أَبو إسحاق الفارابي (٤) في كِتابه الموسومُ بـ (التَّثليثِ).

стр. 386

قالَ جارُ اللهِ (١): "ومنه قولهم لمن ذكر أمرًا قد تقادَمَ زمانُهُ حينئذٍ الآن، أي كان حينئذٍ واسمَعِ الآن". قالَ المشرَّحُ: ها هنا ظرفان، أحدُهما: حينئذٍ، والآخر: الآن، ولا بُدَّ لِكُلِّ واحدٍ منهما من عاملٍ، فيُضمَرُ عاملان، أحدُهما: كان، والآخرُ: اسمع. قالَ جارُ اللهِ: "ويُضمَرُ عامله على شريطةِ التَّفسيرِ كما صُنِعَ في المفعولِ به، وتقولُ: اليومَ سرتُ فيه وأيومَ الجمعةِ يَنطلِقُ فيه عبدُ اللهِ، مُقَدِّرًا: أسرتُ اليومَ، وأيَنطلقُ يومَ الجمعةِ". قَالَ المشرّح: كذا (٢) يقولون في اليومَ سرتُ فيه: سرتُ اليومَ سرتُ فيه. وعندي أنَّ اليومَ منصوبٌ بهذا الفِعل الظَّاهِرِ، وهو سرتُ، والضميرُ المنصوبُ المحلّ في "فيه" منصوبٌ على البَدَلِ من "يومَ"، وهاتان (٣) المسألتان أَعني: اليومَ سرتُ فيه، وأيومَ الجُمُعَةِ ينطلقُ عبدُ اللهِ يدلَّان على أنَّ "في" مقدّرةٌ في الظَّرفِ.

стр. 387

[بَابُ المفعُول مَعَه] قَالَ جارُ اللهِ: "المفعولُ مَعَه هو المنصوبُ بعدَ الواوِ الكائنةِ بمعنى "مَعَ"، وإنَّما يَنْتَصِبُ إذا تَضَمَّنَ الكلامُ فِعلًا نحوَ قولِك: ما صنعتَ وأَباك، وما زِلتُ أسيرُ والنِّيلَ، ومن أَبياتِ الكتابِ (١): فكونُوا أنتُمُ وبَنِي أَبِيكُم … مكانَ الكليَتَينِ من الطِّحَالِ" قَالَ المُشَرِّحُ: اعلم أنَّ المَفَاعِيلَ في الحَقيقةِ ثَلاثة: المفعولُ به، والمصدرُ، والظَّرفُ، وأمَّا المنصوبُ بمعنى اللَّامِ، والمنصوبُ بمعنى مَعَ، فلَيسا بمفعولين في الحَقيقةِ (٢)، وذلك لأنَّ المفعَولَ هو الذي يَقُومُ مقامَ

стр. 388

الفاعلِ إذا بُنِي الفِعلُ للمفعولِ به (١)، والمصدَرُ والظرفُ [كلّ واحدٍ منهما يقومُ] (٢) مقامَ الفاعِلِ إذا بُنِيَ الفِعلُ للمفعولِ به وليسَ في الكلامِ مفعولٌ به بخلافِ المنصوبين بمعنى "اللَّامِ" وبمعنى "مَعَ" فإنَّهما البَتَّةَ لا يقومان مقامَ الفاعِلِ، ومن ثَمَّ تَرَى العربَ يُكَنُّونَ عنْهُما بالضميرِ المُتَّصِلِ حَسْبَما كَنَّوا عن المفعولِ، فقالوا: زيدًا أَظُنُّهُ منطلقٌ، ويومٌ شَهِدناه. كما قالوا: زيدًا ضربتُه. فإن سألتَ: لِم (٣) لا يَكُونان (٤) مفعولين من حيثُ إنَّهما منصوبان ولهما بالفعلِ تَعَلُّقٌ، وإن لم يكن ما ذكرتُ من الشيئين؟ أجبتُ بأنَّهما لو كانا مَفعولين من حيث [إنَّهما منصوبان ولَهُما بالفعلِ تَعَلُّقٌ] (٥)، لكانَ الحالُ أيضًا من جملةِ المفاعيلِ، وأنَّها لَيست منها. تخميرٌ: المصيرُ (٦) إلى المنصوبِ بمعنى مَعَ واجبٌ، متى أُريدَ العَطْفُ ثُمَّ تَعَذَّرَ، تقولُ: ما صنعتَ وأَباكَ، لأنَّ رَفعَ أباكَ عَطفًا على الضميرِ في صَنَعتَ لا

стр. 389

يجوزُ، لأنَّه مُتَّصلٌ، مَرفوعٌ، غيرُ مُؤكَّدٍ، وكذلك لو قلتَ: أنت تسيرُ والنيلَ، فتنصِبُ النيلَ، لأنَّه لو رُفِعَ لأوهَمَ أنَّه يَسيرُ، والنيلُ لا يسيرُ، وإنَّما يَجرِي، ولأنَّه يلزمُ العَطفُ على الضَّميرِ المُتَّصِلِ المرفوعِ. وكذلك قوله: وَكُونُوا أنْتُمُ وبَنِي أَبِيكُم يريدُ: لِتَكُنِ نِسبَتُكُم إلى بَنِي أَبيكُمْ نِسبَةَ الكليتَينِ إلى الطِّحَالِ، ولو رَفَعَ لأوهَمَ، لأنَّ المنسوبَ إليه شيءٌ آخرُ. قالَ جارُ اللهِ: "ومنه قوله تَعالى (١): ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ ". قالَ المشرِّحُ: وكذلك قوله (٢): ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ لأنَّ الاجتماعَ لا يكونُ في الأعيانِ إنما هو في المَعَاني، فمعنَى الآية: اجمِعوا أمرَكم، واجمَعوا شركاءَكم، الأوَّلُ من الاجتماعِ والثاني من الجَمع. تخميرٌ: اعلم أنَّ المنصوبَ بمعنى "مَعَ"، يدخلُ في الحُكْمِ السَّابقِ على سبيلِ التَّبَعِ، اعتبِره بقولهم: جاءَ البردُ والطّيالِسَةَ، فالطيالسةُ -وإن كانت داخلةً في حكمِ المجيءِ لكن على سَبِيلِ التَّبعِ للبَرْدِ. قالَ الإِمامُ عبدُ القاهِرِ الجُرجاني (٣): لو قلتَ: جاءَني الطّيالسةُ والبَردَ، ولو تُركَ الفصيلُ والناقةَ لم يَستقم. قالَ جارُ اللهِ: "أو ما هو بمعناه نحو قولِكَ: ما لكَ وزيدًا، وما شَأنُك وعمرًا، لأنَّ (٤) المعنى فيها (٥) ما تَصنَعُ، وما تلابِسُ، وكذلك حَسبُك وزيدًا

стр. 390

دِرهمٌ، وقَطُك، وكفِيكَ (١) مثله لأنَّها (٢) بمعنى كَفاك. قال: * فمالَكَ والتَّلَدُّدَ حَوْلَ نَجْدٍ * وقال: * فَحَسبُكَ والضَّحاكَ سيفٌ مهنَّدُ * قالَ المشرّحُ: العطفُ على الضميرِ في ما لك متعذّرٌ، وكذلك الضميرُ في ما شأنُك، لأنَّه ضَميرٌ مُتَّصِلٌ مَجرورٌ وكذلك في حَسبُك، وقَطُك، وكفِيك مثله، فإن سألتَ: فكيفَ جازَ النَّصبُ في قولك: * فحسبُكَ والضَّحَّاكَ سَيفٌ مُهَنَّدُ * وقال (٣) ابنُ السرّاج فيه (٤): ومنهم من (٥) يَجُرُّ، ومنهم من يرفعُ؟ أجبتُ: ذلك وإن كانَ عطفَ مجرورٍ على مجرورٍ [من حيثُ الظاهرُ] (٦)، فهو عَطفٌ على منصوبٍ من حيثُ المَعنى، والمَعنى: يكفِيكَ والضَّحاك. والتَّلدد (٧): وهو التَرَدُّدُ، وحقيقتُه: الميلُ إلى أَحَدِ اللِّدَّينِ، وهما جانِبا الوَادي مرَّةً، وإلى الأُخرى أُخرى، ومنه اللَّدودُ، وهو ما نُصِبَ في أَحَدِ لَديدَيِ الفَم، ويُروَى التلدُّدُ بالرفعِ، وهي جُملةٌ ابتدائِيَّةٌ في محلّ النَّصبِ على الحالِ. تمامُ البيت (٨):
следующие страницы →