ما تابعٌ لم يَتَّبع متبُوعَه … في لفظِهِ ومَحَلِّهِ يا ذا الثَّبَت
ماذَا بِعِلمٍ غَيرِ عِلمٍ نافِعٍ … بالغتُ في إتقانِهِ حتَّى ثَبَتْ
ومن العَجَبِ العَجِيبِ في شأنِ هذا اللُّغزِ أنَّ الكَلامَ فيه كما هو لِتَعْرِيفِ هذه المَسألةِ فقد جَرى بين أثناءِ النَّظمِ ما يَدُلُّ على صُورةِ المسألةِ أيضًا، وصوّره بقوله: "ماذا بِعِلْمٍ غَير علمٍ نافعٍ". فلمَّا عَرَضَهُ على جارِ اللَّهِ قال: لقَد جِئتَ شيئًا إدًّا. والنَّصبُ على الاستثناءِ فيها كلِّها جائزٌ إلَّا في الفصلِ الأخيرِ. أما في قولِكَ: ما جاءني من أحدٍ إلَّا عَبد اللَّه فظاهرٌ كما لو قلت: ما جاءني أحدٌ إلَّا عبدَ اللَّه، وأما في قولك: ما رأيتُ من أَحَدٍ إلَّا عَبْدَ اللَّه فكذلك ظاهر كما لو قلت: ما رأيتُ أحدًا إلَّا زيدًا ولكنَّ النَّصبَ فيه كما يَحْتَمِلُ البَدَل، يَحْتَمِلُ الاستثناء، وأمَّا قولُك: لا أحدَ فيها إلَّا عَمرًا، فقد قالَ أبو سَعِيدٍ السِّيرَافِي (١): ويجوزُ لا أحدَ فيها إلَّا زيدًا بالنَّصبِ على الاستثناءِ، وتقديرُ الكلامِ قبلَ إلَّا على التَّمامِ، [ولا يصلحُ ذلك في لا إله إلَّا اللَّه، لأنَّ الكلامَ قبلَ إلَّا لا يَحْسُنُ تقديره على التمامِ] (٢)، وقد أجازَ فيه الزَّجَّاجُ نَصبَهُ على الاستثناءِ وتقديره: لا إله للحَقِّ وهو ضعيفٌ. وأمَّا قولُك: ليس زيدٌ بشيءٍ إلَّا شيئًا لا يُعْبَأُ به فظاهرٌ، وهو بمنزلةِ أن تقولَ: ما مرَّ زيدٌ بأحدٍ إلَّا عمرًا، فإنّ عمرًا يجوزُ أن يكونَ منصوبًا على الاستثناءِ، فكذلك هَذا.
قالَ جارُ اللَّهِ: فصلٌ، وإن قدّمتَ المُستثنَى على صِفَةِ المُستَثْنَى منه فَفِيه طريقان: أحدُهما: -وهو اختيارُ سيبويهِ- أن لا تَكترِثَ للصِّفَةِ، وتَحمِلَه على البَدَلِ.
стр. 457
قال المشرّح: قوله: - أن لا تكتَرِثَ للصِّفةِ وتحمِلَه على البَدَلِ، له معنيان أحدُهما: - أنَّك تَجْعَلُ تأخيرَ المُستثنى عن الموصوفِ (١) كتأخيرِه عن الصِّفةِ وهذا لأنَّ الموصوفَ والصِّفَةَ بمنزلةِ شيءٍ واحدٍ، فإذا تأّخَّرت عن المَوصوفِ، فكَأَنَّه تأخرَ عن الصِّفَةِ. الثاني: أن تَجعل الصِّفَةِ كالعَدَمِ، لأنَّ المقصودَ هو الموصوفُ.
قال جار الله: والثَّاني (٢): أن يُنَزَّلَ تقديمُه على الصِّفةِ منزلةَ تَقديمِهِ على المَوصوفِ فتَنْصِبُهُ.
قالَ المُشَرِّحُ: يريدُ أنَّ الاستثناءَ لما تَقَدّمَ الصِّفةَ، فكأنَّه تَقَدّمَ الموصوفَ، لأنَّهما بمنزلةِ شيءِ واحدٍ، والاختيارُ في هذه المسألةِ اختيارُ سِيبَويهِ، لأنَّه لا يَجعلُ الموصوفَ تابعًا للصِّفةِ.
قالَ جارُ اللهِ: وذلك قولُك: ما أَتاني أحدٌ إلَّا أَبوكَ خيرٌ من زَيدٍ، وما مررتُ بأحدٍ إلَّا عَمرو خيرٌ من زَيدٍ، وتقولُ: إلَّا أَباك وإلَّا عَمرًا.
قال المشرّحُ: الصورتان المتقدّمتان هما اللَّتان فيهما المُستثنى [مرفوعٌ ومجرورٌ نظيرَ الوجهِ الأوَّلِ، والصُّورتان المُتأخِرتان هما اللَّتان فيهما المُستثنى] (٣) منصوبٌ نَظيرَ الوَجهِ الثَّاني.
قالَ جارُ اللهِ: فَصلٌ، وتقولُ في تَثْنِيَةِ المُستثنى: ما أَتاني إلَّا زيدٌ، وإلَّا عَمرًا وإلَّا زيدًا وإلَّا عمرٌو، ترفعُ الذي أَسندتَ إليه، وتَنْصِبُ الآخرَ، وليس لَكَ أن تَرْفَعَهُ، لأنَّك لا تقولُ: تَركوني إلَّا عمرٌو.
قالَ المشرّح: المبرِّدُ يُسمّي هذا البابَ في كتابِهِ الموسوم بـ (المُقْتَضَب) (٤) تكريرَ الاستثناءِ بغيرِ عَطْفٍ. إذا قلتَ: ما أَتاني إلَّا
стр. 458
زيدٌ (١) وإلَّا عمرًا، رفعتَ أحدَ الإِسمين، لأنَّه لا بُدَّ للفعلِ من فاعلٍ، ويَنْتَصِبُ الآخرُ على الاستثناءِ، لأنَّ المعنى تَرَكْتَنِي غيرَ زيدٍ إلَّا عمرًا. فإن سألت: لِمَ لا يجوزُ أن يَرْتَفِعَ الاسمان ها هنا؟ أجبتُ: لأنه (٢) يَلزمُ من ذلك تَعدُّدُ الفِعلِ، والفاعِلُ واحدٌ. فإن سألتَ: لِمَ لا يَجُوزُ أن يكونَ ارتفاعُ الثاني منهما على البَدَلِ؟ أجبت (٢): البَدَلُ على أربعةِ أضرُبٍ، وجميعُ الأضرُبِ ها هنا منتفِيَةٌ. فإن سألتَ: في كلامِ الشَّيخِ ها هُنا نَظَرٌ، وذلك لأنَّ قولَه: تَركوني ليسَ بمنزلةِ ما أَتانِي إلَّا زيْدٌ، ألا تَرى أنَّ زيدًا قد تَرَكَهُ في تَركوني، ولم يَتركه في ما أَتانِي إلَّا زَيْدٌ؟ أجبتُ: الشَّيخُ ها هنا تَعَمَّدَ تسهيلَ الجوابِ، لا تَطْبِيقَ اللَّفظِ بالمعنى، وإن حاوَلتَ ذلك فَقُل: تركَنِي النَّاسُ وراءَ زيدٍ إلَّا عَمرًا، وما ذَكرناه من العِنايةِ أحسَنُ وأَكْثَرُ مطابقةً، ولو قلتَ: ما أتاني إلَّا زيدًا، وإلَّا أبو عبدِ اللهِ كانَ جَيِّدًا إذ كان أبو عبد اللهِ زَيدًا.
قالَ جارُ اللهِ: وتقولُ: ما أَتاني إلَّا عمرًا إلَّا بِشرًا أحدٌ، مَنصوبين لأنَّ التَّقديرَ: ما أَتاني إلَّا عمرًا أحَدٌ إلَّا بِشرٌ على إبدالِ بِشرٍ من أَحَدٍ فَلَمَّا قَدَّمتَهُ عَليه (٣) نَصبتَهُ.
قالَ المشرّحُ: إذا قُلتَ: ما أَتاني إلَّا عَمرًا إلَّا بِشرًا أَحَدٌ نَصبتَ، لأنَّ المُستَثنى إذا كان مُقدّمًا على المُستثنى منه فهو مَنصوبٌ، واحدًا كانَ أو مُتَعَدِّدًا، وتقديرُ الشَّيخِ ها هنا فيه (٤) لُطفٌ ومُداراةٌ، وذَلِكَ أنَّه يقولُ: أنتَ تَعلم أيضًا أن تقديمَ أيِّ مُستَثنَىً كان على مُسْتَثْنَىً منه جائزٌ، وتَعلمُ أيضًا أنَّ إبدالَ أيِّ مُسْتَثْنَىً منه من مُستَثْنىً منه أيضًا، فهب أنّي قُلتُ: ها هنا: ما
стр. 459
أَتاني إلَّا عَمرًا أحَدٌ إلَّا بِشرٌ فقدّمتُ مُستَثنى (١)، وأبدَلتُ مُستَثنىً (٢)، فإذا قَدَّمتُ هذا البَدَلَ (٣) إلى الذي هو مُستَثنى على المستثنى منه فقد عَلِمتَ أيضًا أنَّه لا يكونُ في هذا المُستَثنى سِوى النَّصبِ فتَنصِبُ المُستَثنيان ضَرورةً.
قال جارُ اللهِ: فصلٌ؛ وإذا قُلتَ: ما مَرَرتُ بأحدٍ إلَّا زيدٌ خيرٌ منه كانَ ما بعدَ إلَّا جملةً إبتدائيةً، واقعةً صِفةً لأحدٍ، وإلَّا لَغوٌ في اللَّفظِ مُعطِيةٌ في المعنى فائِدَتَها جاعلةً زيدًا خَيرًا من جَميعِ من مررتَ به.
قالَ المشرّح: إذا قُلتَ: ما مررتُ بأحدٍ إلَّا زيدٌ خيرٌ منه فما بعدَ إلَّا جملةٌ ابتدائيةٌ في محلِّ الجَرِّ، [على أنَّها صِفةٌ] (٤) للمجرورِ قَبْلَ، "إلَّا". فإن سألتَ: لِمَ لا يجوزُ أن تَكُونَ الجُمْلَةُ الابتدائِيَّةُ بعد "إلَّا" إما مجرورةً على البَدَلِ من المُستثنى، وإمَّا مَنصوبةً على الاستِثناءِ وهذا لأنَّ الأصلَ في الاستثناءِ أنَّ المُستَثنى من جِنسِ المُستثَنى منه، فيكونُ تقديرُ الكلام: ما مررتُ بأحدٍ إلَّا أحَداً زيدٌ خيرٌ منه، فيكونُ أحدٌ المُستَثنى إمَّا مَجْرُورًا على البَدَلِ من أحدٍ المُستثنى مِنه، وهو أحدُ قِسمي الترديد، وإمَّا [المنصوبُ على الاستثناءِ وهو الثاني من قِسمي الترديد] (٥)؟ أجبتُ: لو كان الأمرُ كما ذكرتَ لجازَ فيه الوَصْفُ بغيرِ، كما لو كان أحدٌ في جانب المُستثنى مُظهَرًا، وهذا لأنَّ كلَّ موضِعٍ جازَ فيه الاستثناءُ بإلَّا وإعمالها جَازَ فيه الاستثناءُ بغيرِ إلَّا.
قالَ جارُ (٦) اللهِ: "فصلٌ؛ وقد أوقِعَ الفِعلُ موقِعَ الإِسمِ المُستَثنى في قولهم: نَشدتُك اللهَ إلَّا فَعلَت، والمعنى ما أطلُبُ منك إلَّا فِعْلَكَ".
стр. 460
قالَ المشرّحُ: نشدتُكَ اللهَ معناه: سَأَلْتُك باللهِ، ومحصوله: ما أطلُبُ منك إلَّا فِعْلَك، فإن سألتَ: الفِعل الواقعُ بعدَ الاستثناءِ إذا كانَ في معنى المصدَرِ فكيفَ لم يَرد على صِفَةِ المَصْدَرِ؟ أجبتُ: لأنَّ الفِعلَ الواقعَ قبلَ "إلَّا" قد اجتَمَعَ فيه أنَّه قَسمٌ، بِدَلِيلِ قولِهم: عزمتُ عليكَ لتَفْعَلَنَّ، وأنَّه طَلَبٌ، ومنتَفٍ وقد اجتمَعَ فيه ثلاثُ جهاتٍ، اثنتان منها القَسَمُ والطَّلَبُ، والثالثُ: هي الطَّلَبُ المَنْفِيُّ، أمَّا الثنتان من حيثُ أنَّه قَسَمٌ واجبٌ أن يُتلقى كالقسمِ بجملةٍ مصدّرةٍ باللَّامِ، ومن حيثُ إنه طَلَبٌ، وَجَبَ أنْ يَكونَ الواقِعُ مَصدرًا غَيرَ مُصَدَّرٍ باللَّامِ فقُلنا بأنَّه غيرُ مُصَدّرٍ باللَّامِ عَمَلًا بالدَّليلين بقدرِ الوُسْعِ. وأمَّا الثَّالثةُ: فلأنَّ الفِعلَ الواقِعَ قبلَ الاستثناءِ كما كانَ طَلبًا مَنْفِيًّا اقتضى أن يَتَخَلَّلَ بين الفِعلين حَرفُ الاستثناءِ، تَوفيرًا على الأشياءِ (١) حُقوقَها. فإن سألتَ: الفعلُ الواقعُ بعدَ الاستثناءِ إذا كَانَ في معنى المُستقبلِ فكيف لم يَجِيء مُسْتَقْبَلًا؟ أجبتُ: فرقٌ بين قوله: ألا جَلَسْتُم، وبين أن يُقال ألا تَجْلِسُون، [وذلك لأنَّ ألا جَلَسْتُم طَلَبًا لإِتمامِ الجُلُوسِ والفَرَاغِ منه، بخلافِ يَجلسون] (٢)، فإنه يَحتمل أن يُراد به الافتِعال من غيرِ أن يتمَّ الجُلُوسُ.
قالَ جارُ اللهِ: وكذلك: أَقسمتُ عَلَيْكَ إلَّا فعلتَ، وعن ابنِ عبَّاسٍ ﵁: "بالإِيواءِ والنَّصرِ إلَّا جَلَسْتُم".
قالَ المشرّحُ: يريدُ أَقسمتُ عليكَ إلَّا فَعَلتَ، بمنزلةِ نَشَدْتُك اللهَ إلَّا فَعلتَ، في أنَّه فِعلٌ مُثبَتٌ من حيثُ الظَّاهِرُ مَنْفِيٌّ من حيثُ المَعنى، والمُستَثنى فِعلٌ. وعن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "لما تُوفي رَسولُ اللهِ ﷺ : بَعَثَ أَبُو بَكرٍ بَعثًا فمرَّوا ببلادِ ضَمادٍ فلمَّا جاوزُوا تلكَ الأرضَ وقفَ أميرُهم فقالَ: أَعزِمُ على كلِّ من أصابَ شيئًا من أَهلِ هذه الأرضِ إلَّا رَدَّه"، وضَمادٌ هو
стр. 461
الذي بايعَ رسولَ الله ﷺ . دَخَلَ ابنُ عبّاسٍ إلى بعضِ الأنصارِ في وليمَةٍ فقامُوا، فقالَ: "بالإِيواءِ والنَّصرِ … " الحديثُ نُقِلَ عن "بصائرِ أبي حيَّان التَّوحيدي" (١) بِخَطِّ جارِ اللهِ، وأراد بالإِيواءِ والنَّصر ما في قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا .... ﴾ (*) فاستعطَفَهم بما وَرَدَ فيهم، وما هو من خَصَائِصِهم.
قالَ جارُ اللهِ: وفي حَدِيثِ عُمَرَ: عَزَمتُ عليكَ لما ضَرَبَت كاتِبَكَ سَوطًا بمعنى إلَّا ضربتَ.
قالَ المشرِّحُ: في (٢) حَدِيثِ عَمَرَ: رِوايةٌ أُخرى عن يَحيى بن كَثيرٍ أنَّ كاتِبًا لأبي مُوسى كَتَبَ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ من أَبو (٣) موسى فكتَبَ إليه عُمَرُ: إذا أَتَاكَ كِتابي هذا فاضرِبهُ سَوطًا واعزَلهُ عن عَمَلِك.
قالَ جارُ اللهِ: فصلٌ، والمُسْتَثنى يُحْذَفُ تَخْفِيفًا، وذلك قولهم: ليسَ إلَّا، وليس غيرُ.
قالَ المشرّحُ: الكُوفُّيون يقولونَ: لا غَيرَ بفتحِ الرَّاءِ، بمنزلةِ لا ريبَ فيه والبَصريُّون يضمُّونه على الغَايةِ، قال أَبو سَعِيدٍ السِّيرافيّ: فالحَذفُ الذي يَستعملونه بعدَ إلَّا وغيرِ، إنما استَعْمَلُوه إذا كانت إلَّا وغيرُ بعدَ لَيسَ فَقَط. وأمَّا معنى "لَيسَ إلَّا" فقد مَضَى.
стр. 462
[بَاب الخَبرَ والإسم في بَابي كانَ وَإن]
قالَ جارُ الله: الخَبَرُ والاسمُ في بابي كانَ وإنَّ لَمّا شُبِّهَ العامِلُ في البابين بالفِعلِ المُتَعدّي، شُبِّهَ ما عَمِلَ فيه بالفاعِلِ والمَفعولِ.
قالَ المُشَرِّحُ: قد مَرَّ وَجهُ الشَّبَهِ بينَ الحَرفِ المُشَبَّهِ وبينَ الفِعلِ في المَرفوعاتِ، وأمَّا خبرُ كان فلأنَّه يُشبِهُ المفعولَ من حيثُ إنّه اسمٌ يعقُبُ الفاعِلَ، وللفعلِ عليه دِلالةٌ واقتضاءٌ، وقد جَازَ أن يُكَنَّى عَنه بالضَّميرِ المتَّصِلِ.
قالَ جارُ الله: فصلٌ؛ ويُضمَرُ العامِلُ في خبرِ (١) كانَ في مثلِ (٢) قولِهم: الناسُ مَجزِيُّونَ بأعمالِهِم إن خيرًا فخيرٌ، وإن شَرًّا فَشَرٌّ، والمرءُ مقتولٌ بما قَتَلَ به إن خِنْجرًا فَخِنْجَرٌ، وإن سَيْفًا فسَيفٌ أيْ: إن كانَ عَمَلُه خَيرًا فَجَزَاؤُه خيرٌ، وإن كان عملُه شَرًّا فجزاؤُه شَرٌّ، [ومنهم مَن يَنصِبُها أي: إن كان خَيرًا كان يُجزى (٣) خَيرًا] (٤).
قالَ المشرِّحُ: هذه المَسألةُ على أَربَعَةِ أَوجُهٍ، نَصبُ الاسمين، ورفعُهُما، ونَصبُ الأولِ ورَفعُ الثاني. وهو أجودُ الوُجُوهِ، وعلى العَكسِ،
стр. 463
والمعنى إن كان عَمَلُه خَيرًا كان جَزاؤُه، خَيرًا، وإن وَقَعَ منه خَيرٌ فجزاؤُه خَيرٌ.
تخمير: أَحسَنُ الوجوهِ في هذه المَسألةِ كما ذكرنا نَصبُ الأوّلِ ورَفعُ الثاني، وتَقدِيرهُ على ما ذكره (١) في المَتنِ إن كان عملُه خَيرًا فجزاؤُه خيرٌ، وإنّما أَضمَرنا "كان" لكثرةِ وُرُودِها في الكَلامِ. فإن سألتَ: لمَ (٢) لا تُضمِر كان التّامة حَتّى يرتفعَ الاسمُ؟ أجبتُ: لأنَّ كان التي هي عبارةٌ عن الجُمل أدورُ في الكلامِ من كانَ التَّامة، فيكونُ إضمارُها أولى، وإنّما أَضمرنا المبتدأ في جانبِ الجَزاءِ (٣)، ولم نُضمر فيه الفِعلَ، لأنَّ الفاءَ التي تَقَعُ جَوابًا إنّما تَدخُلُ للابتداءِ وهذا لأنَّ الجَزَاءَ متى كانَ فِعلًا لم يَحتَج إلى الفاءِ، ثُمَّ رَفعُهُما مَعًا، وتقديرُه إن كان منه خَيرٌ فجزاؤُه خَيرٌ، و"كان" ها هنا إمَّا التّامةُ، وإمَّا النّاقِصَةُ، وإنَّما كان هذا الوَجهُ دونَ الوَجهِ الأوَّلِ في الحُسنِ، لأنَّ آخرَ الكَلَامِ ليس على سَنَنِ أوَّلِهِ، ثم نَصبُهُما مَعًا، وتقديرُه إن كان عَمَلُه خَيرًا فهو يُجزَى خيرًا، وإنما كانَ هذا الوَجهُ دونَ الوَجهِ الثَّاني لكثرةِ الإِضمارِ فيه، وهو إضمارُ المبتدأ والفِعلِ المَبنِىّ للمَفعولِ، وفاعِلِه. ثُمَّ رَفعُ الأوَّلِ ونصبُ الثّاني، وتقديرُه إن حَصَلَ (٤) منهم خَيرًا كان جزاؤُه خَيرًا وإنما كان هذا الوَجهُ أَضعَفَ الوُجُوهِ، لأنَّه عكسُ الوَجهِ المُختَارِ، ومُخالفةُ الأصلِ فيه في الظَّرفِ. فاعرفه بَحثًا يَشهدُ له الذَّوقُ بالصّحةِ.
قالَ جارُ الله: والرّفعُ أَحسنُ في الآخرِ.
قالَ المُشرِّحُ: لأنَّ الآخرَ هو الجزاءُ المقصودُ بهذا الكَلامِ فَيكُونُ أَداؤُه بِأَقوى الجُملَتَين وهي الإِسميَّةُ أولى.
стр. 464
قالَ جارُ الله: ومنهم من يَرفعُهُما ويُضمِرُ الرَّافعَ، أي: إن كان معه خِنجَرٌ فالذي يُقتلُ به خِنْجَرٌ.
قالَ المُشَرِّحُ: تَفسير هذا الكلامِ قد مَرَّ آنفًا.
قالَ جارُ اللهِ: قال النُّعمانُ بنُ المُنذِرِ (١):
قَد قِيلَ ذلكَ إن حَقًا وإن كَذِبًا
قالَ المُشَرِّحُ: اعلَم أنَّ إيرادَ هذا البيتِ ها هُنا من حَيَّاتِ هذا الكتابِ وعَقَارِبِهِ وذلك أنّه يُوهِمُ أنَّ البيتَ من قبيلِ الكَلام المُتَقَدِّمِ، وأَنَّه يَجوزُ فيه الوُجُوهُ، وقد قالُوا بأنَّه لا يَجوزُ فيه [إلّا النَّصبُ] (٢)، وهذا لأنَّه إنَّما يقعُ مثلُ هذا على تقديره اسمًا لكانَ، ويُجعَلُ الخَبَرُ في تقديرِ الظَّرفِ له، ومُحالٌ أن تكونَ جُملةُ الشَّرطِ (٣) ظَرفًا لِجَميعهِ، فلهذا استَحَالَ أن تُقَدِّره بقولكَ: إن كانَ فيه حَقٌّ وكَذِبٌ، ومثله قولُهم: مذ كانَ ذلك إن صالِحًا وإن فاسِدًا، وأمَّا قولهم (٤):
стр. 465
لا تَقْرَبَنَّ الدَّهرَ آلَ مُطَرِّفٍ … إن ظالِمًا منهُم وإن مَظلُومَا
فإنّما وَجَبَ نصبُه، لأنَّ المُخاطَبَ مُضمَرٌ في الفِعل فانتَصَبَ ظالمًا على الخبرِ، ولا يُمكنُ غَيرُ ذلك، لما يَقتَضِيه مَعنى البَيتِ، فاعرفهُ بَحثًا [الله دُرّه] (١).
[لهذا البيتِ قِصَّةٌ عَجِيبَةٌ، عَلِقَتْ منذُ صِبَايَ بحفظِي وما عُنيت بحفظِها بلَفظها] (٢). كان لِلَبيدِ بن رَبيعة العامِريّ قَرابةٌ رآهم ذاتَ ليلةٍ وهو صَبِيٌّ مُغتمِّين، فَسَألهم عن شَأنِهِم فلم يلتَفِتُوا إليه، فأَلحَّ عليهم إلى أن قالوا: أنَّ لَنا ببابِ النُّعمانِ بنِ المُنذرِ مُهِمًّا، وهُناكَ ربيعُ بنُ زيادٍ العَبسيِّ، وله مَزيدُ قُربَةٍ واختصاصٌ بالنُّعمان، وبَينَنَا وبَينَه عَداوَةٌ فقالَ: استَصحِبوني وأنا أكفي مُهِمَّتَكُم، فلمَّا انتَهوا بلبيد إلى بابِ النُّعمان استأذن أن بالبابِ صَبِيًّا شاعرًا، فأُدخلَ، وأَدخَلَ قرابَتَهُ على النُّعمان فقالَ والرَّبيعُ هُناكَ مَعَه (٣):
نَحنُ بنو أمِّ البنين الأَربَعَهْ
نَحنُ خِيارُ عامِرِ بنِ صَعْصَعَهْ
إليكَ جاوَزنا بِلادًا مَسْبَعَهْ
نُخبِرُ عن هذا خَبِيرًا فاسْمَعَهْ
مهلًا أبيتَ اللَّعنَ لا تأكُل معه
إنَّ استَه مِن بَرَص مُلَمَّعَهْ
وإنَّه يُدخِلُ فيها أُصبُعَهْ
يُدخِلُه حتَّى يُوارى أَشجَعَهْ
كأنَّما يَطلُبُ شَيئًا ضَيَّعَهْ
стр. 466
قوله: "فاسمَعَه" كأنه على حذفِ النُّون الخَفيفةِ وإرادتِها، والعربُ تتطيَّرُ من الأبرصِ، فلمَّا سَمِعَ النُّعمان ذلك أَمسَكَ عن مواكَلتِهِ. فقالَ الرَّبيعُ: -أبيتَ اللَّعن- إنّ لَبيدًا كذَّابٌ، مُرْ إنسانًا يُفَتِشْ عَنّي، فقالَ النُّعمان:
قَد قِيلَ ذَلِكَ إنْ حَقًّا وإنْ كَذِبا … فما اعتِذَارُك مِن شَيء إذا قِيلا
ونحو ذلك المَثَلُ (١): "إنّ حَسبَكَ من شَرٍّ سَمَاعُه" (٢).
قالَ جارُ اللهِ: ومنه ألَا طعامٌ ولو تمرًا، وآتني بدَابَّةٍ ولو حِمَارًا، وإن شئتَ رَفَعتَ بمعنى ولو يَكونُ تَمرٌ وحِمارٌ.
قالَ المُشَرِّحُ: كانَ هي التَّامّةُ، وهذا من الكَلامِ المُسمَّى بـ (التَّجريدِ)، وعَليه قِراءَةُ من قَرَأ (٣) ﴿فإذا انشقتِ السَّماءُ فكَانت وردةٌ كالدِّهان﴾ (٤) أي فَحَصَلتْ سماءٌ وَردةٌ.
قالَ جارُ الله: وادفع الشَّرَّ ولو أُصْبُعًا.
قالَ المُشرِّحُ: ولو كان الدَّفعُ مِقدارَ أُصبُعٍ، والمعنى: وَلَو كانَ الدَّفعُ (٥) قَلِيلًا.
قالَ جارُ اللهِ: ومنه: أمَّا أنت مُنطَلِقًا انطَلَقت، وما مَزِيدةٌ مُعوَّضَةٌ من الفِعلِ المُضمَرِ، ومنه قولُ الهَذليّ (٦):
أَبا خُراشَةَ أمَّا أنتَ ذا نَفَرٍ
стр. 467
قالَ المشرّح: هذه المسألةُ فيها بَينَ البَصرِيّين والكوفِيّين خِلافٌ (١)، أمَّا الكوفيُّون فيقولُون أصلُ "أنَّ" هذه إنَّ المكسُورة التى للجَزَاءِ، وأنَّها إنَّما تُفتَحُ إذا دَخَلَت عَليها "ما" لِيَلِيها الاسمُ فيُجِيزُون أمَّا زيدٌ قائمًا أَقُم معه مع فَتحِ الهَمزةِ، على أنَّها قد غَيّر صورَتَها ليؤذِنَ بتغييرِ عَمَلِها في الشَّرطِ، والمتروك فيها، وعن (٢) مُجاهدٍ (٣) وأَبِي العَجّاج (٤) - ﴿إنّا هَدَينَاهُ السَّبيلَ أمَّا شاكرًا وأَمَّا كَفُورًا﴾ (٥) بفتحِ الهمزة فيهما وَهِي لُغَةٌ شاذَّةٌ نَقَلها الفَرَّاءُ عن قَيسٍ والبَصرِيُّون يقولون هي "إنْ" المَصدَرِيةِ، واللَّامُ منها محذوفةٌ، لأنَّ حروفَ الجَرِّ تُحذَفُ عندَ إن وأن كثيرًا، "وما" مزيدةٌ مُعَوَّضَةٌ من الفِعلِ
стр. 468
المُضمَرِ راجعةٌ (١) إلى معنى المُسَلّطَةِ فيما ذكره عَلِيُّ بن عيسى (٢)، لأنَّها هِيَ التي سُلِطَت على حَذفِ كُنتُ بأنْ صارت عِوَضًا منه ونحوه "إنَّك ما وخَيْرًا".
قال أَبو سَعِيد السِّيرافي (٣) إنّك ما وخَيرًا مقرونان (٤) على أنَّ ما مزيدةٌ، وهي لازمةٌ عِوَضًا عن المَحذوفِ، وهو الخَبَرُ، ونظيرُها: أفعلُ هذا إمّا لا. (ما) ها هنا عِوَضٌ عن الفعلِ، والمَعنى: لأن كُنتَ مُنطلِقًا، من أجلِ أن كنتَ مُنطَلِقًا. وتمامُ البيتِ (٥):
فإنَّ قَومِي لم تَأكُلهُمُ الضَّبُعُ
وفي أمثالِهِم (٦): أَفسَدُ من الضَّبُعِ" لأنَّها إذا وَقَعَت في الغَنَم عاثَتْ، ولم تَكتَفِ بما يَكتَفي به الذِّئبُ، قال حَمزةُ الأصفهاني (٧): ومن عَيثِ الضَّبُعِ وإسرافِهَا في الإِفساد استعارت العَرَبِ اسمها للسَّنة المُجدبةِ فقالوا: أكلَتنا الضَّبُعُ، وعن ابن الأعرابِيّ (٨): لا يريدونَ بالضَّبع السَّنةَ، وإنما هو أنّ النّاسَ إذا أجدَبوا ضعُفُوا عن الانبِعاثِ وسَقطت قُواهم، فعاثَت فيهم الضِّباعُ
стр. 469
والسّباعُ والذِّئابُ فأكَلتَهُم. معنى البيت إن كنتَ ذا نَفَرٍ فأنا أيضًا ذو نَفَرٍ (١).
قالَ جارُ الله: ويُروى قولُه (٢):
إمَّا أقمتَ وأمَّا كنتَ مُرتَحِلًا … فاللهُ يَكلأُ ما تَأتِي وما تَذَرُ
بِكَسْرِ الأوّلِ، وفتحِ الثّانِي.
قالَ المشرّحُ: الأولُ شَرطٌ مَحضٌ، والثَّاني: لَيس بِشَرطٍ إنّما هو إخبارٌ عن ماضٍ معناه: إن قُمتَ فاللهُ يَكلأُ ما تَأتي وما تَذَرُ، أو لأن صِرْتَ مُرتَحِلًا فاللهُ يكلأْ ما تَأتِي وما تَذَرُ.
стр. 470
[بَاب المنصُوب بلَا النَافية للجنس]
قالَ جار الله: "المنصوبُ بلا التي لِنفيِ الجِنسِ هي كما ذكرتُ محمولةٌ عن إنَّ فلذلك نُصِبَ بها الاسمُ ورُفعَ الخبرُ".
قالَ المُشرّحُ: اعلَم (١) أنَّ (لا) النافية على ضَربَين، المُشبّهةِ بليس، والنافيةِ للجنسِ، وبينهما فَرقٌ من حَيثُ الصُّورةُ، والمعنى، أمّا من حيثُ الصُّورةُ فمرفوعُ المشبَّهةِ بليس مقدَّمٌ على مَنصوبِها، والنافية للجِنسِ على عَكسِ ذلك، وأمَّا من حيثُ المعنى فلأنَّ النافيةَ للجنسِ تستغرِقُ الجنسَ نفيًا من حيثُ اللَّفظِ، والمشبِّهةُ بليس فإنها -وإن كانت تستغرِقُ الجنسَ نفيًا- لكن لا من حيثُ اللَّفظُ، بيانه: أن قولك: لا رجلَ في الدارِ جوابُ من قال (٢): هل في الدارِ من رَجُلٍ، وقولك: لا رجلٌ في الدارِ جوابُ من يقول: هل رَجُلٌ في الدار، وبين المعنيين فَرْقٌ، وذلك أنَّك اذا قلتَ: هل من رجلٍ في الدارِ معناه هل من واحدٍ واثنين فَصاعدًا في الدارِ (٣) فإذا قيلَ: لا رجلٍ في الدارِ -بالفتح- فمعناه لا من واحدٍ ولا اثنين، ولا أكثر من ذلك في الدارِ إلا أنَّه حَذَفَ من الاستغراقيّةِ في الجوابِ اعتمادًا على طَرَفِ السُّؤال، وضمَّن لا النافية معنى مِن ثُمَّ بُنِيَت على الفتحِ، فهذه الفَتحة في
стр. 471
اسم "لا" النافية للجنس بمنزلةِ "من" الاستغراقيّة، بخلافِ قولِك: لا رَجُلٌ في الدارِ -بالرَّفعِ- لأَنَّ معناه الجنس الثاني وهو بعضُ هذا الجنسِ واحدًا كانَ أو أكثر، فقولك هل رجلٌ في الدَّارِ معناه هل بعض هذا الجِنسِ في الدَّارِ فإن قِيلَ لا رجلَ في الدَّارِ فمعناه لا بعضُ هذا الجنسِ في الدّارِ، وهذا وإن كان يَقتضي استغراقَ الجنسِ نفيًا لكن لا من حَيثُ اللَّفظُ بل من حيثُ الصُورةُ (١) نَفَى البَعض لأنّا متى نَفَينا بعضَ هذا الجِنسِ عن كونِهِ في الدارِ لزَم أن لا يكون فردٌ من أفرادِ هذا الجنسِ في الدَّارِ إذ لو كانَ فردٌ من أفرادِ هذا الجنسِ في الدارِ لزمَ أن يكونَ بعضُ هذا الجنسِ في الدّارِ، وقد حَكَمنا بأنّه ليس فيها فيكون مُتَدَافعًا.
وأما قَولُ النّحويين بأنَّ قولَنا: لا رَجُلٌ في الدّارِ بالرّفع نفيٌ لرجلٍ واحدٍ وقولنا: لا رَجُلَ في الدّارِ نفيُ الجنسِ فشيءٌ مُضحِكٌ (٢) يُضحَكُ منه ثم يُبكَى من عقولِ النَّحويين ألا تَرى أنَّ قولنا: لا رَجُلٌ أفضلَ مِنك مدحٌ وأيّ مدحٍ ولو كان المرادُ به واحدًا (٣) لكان من أقبحِ ما يكون من الذَّم، بَلى يمكنُ أن يُقال على المجازِ لا رجلٌ في الدّارِ بل رجلان ولكنَّ ذلك لقرينةِ بل رَجُلانِ ويكون قولنا لا رجلٌ في الدار قابلًا للتخصيصِ لأنّه عامٌّ، والعُمُومِيَّاتُ قابلةٌ للتَّخصيصِ لأنَّ هذا الكلام في الأصلِ عامٌّ قبلَ تضمُّنِه معنى "من" الاستغراقيّة [فلما ضُمِّنَ [معنى] "من" الاستغراقية] (٤) لم يبقَ قابلًا للتخصيصِ ضَرورَة أنَّه تأكيدُ عُمومٍ النّفيِ (٥) بهذا التَّضمُّن فلم يبقَ قابلًا لفَسخِ مَعنى العُمُومِ.
стр. 472
ووِزانُ المسألتين ما لو حَلَفَ إنسانٌ لا يأكلُ طعامًا، ولا يشربُ شَرابًا، ولا يلبسُ ثوبًا، وقالَ عَنَيتُ شيئًا دون شيءٍ دِينَ فيما بينه وبينَ اللهِ تَعالى، ولو حَلَفَ لا يأكلُ ولا يشربُ ولا يلبسُ وقال عَنيتُ شيئًا دون شيءٍ لم يُدَنْ فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالى. وأمَّا أنَّها محمولةٌ على إنَّ فقد مَضى في المرفوعات.
قالَ جارُ اللهِ: "وذلك إذا كان النَّفيُ مُضافًا كقولك لا غُلامَ رجلٍ أفضلُ منه، ولا صاحبَ صدقِ موجودًا، أو مضارعًا له كقولك: لا خَيرًا منه قائمًا ها هنا، ولا حافِظًا للقرآنِ عِندك، ولا ضاربًا زَيدًا في الدارِ، ولا عشرين درهمًا لك، فإذا كان مفردًا فهو مفتوحٌ".
قال المشرّح: "خيرًا منه" إنما كان مضارعًا للمضافِ لأنَّه تعلَّقَ بشيءٍ من تمامِ معناه وهو منه، ولا نَعني بالمُضارعةِ إلا هذا القدرَ وكذلك حافِظًا تَعَلَّقَ بقوله للقرآنِ لأنّه مَفعولٌ غيرُ صحيحٍ لـ "حافظًا" وكذلك "ضاربًا" تعلَّق بزيدٍ وهو له مَفعولٌ صَحيحٌ، وكذلك عِشرينَ تعلَّقَ "بدرهمًا"، و"درهمًا" تمييزٌ. فإذا كانَ اسمُها مفردًا غيرَ مضافٍ ولا مضارعٍ له فهو مفتوحٌ يقولُ المُستَفيِحُ: "ولا إلهَ غيرُك" وجهُ الفرقِ بينَ المُفرَدِ والمضافِ أنَّ علَّةَ البناءِ وإن كانت موجودةً في كِلا المَوضِعَين إلا أنَّ المانعَ في فَصلِ الإِضافَةِ موجودٌ، وذلك لِمَا عُلِمَ مَن أنّ المضافَ إليه بمنزِلَةِ التَّنوين للمُضافِ، ويَسحيلُ أن يكونَ الاسمُ مُنَوَّنًا ولا يكونُ مُعرَبًا، وكذلك المُضارِعُ للمُضافِ، لأنَّه بمضارعته ينزَّل منزلةَ المضافِ.
قالَ جارُ اللهِ: "وخَبَرُه مَرفوعٌ كقولِك: لا رَجُلَ أَفضَلُ مِنكَ ولا أحَدَ خَيرٌ مِنكَ، ويقول المُستَفتِحُ ولا إلهِ غَيرُك".
стр. 473
قالَ المشرّحُ: خبرُ "لا" النافية للجنسِ مَرفوعٌ سواءً كان اسمها مفردًا مَفتوحًا أو مُضَافًا أو مُضارِعًا لَه.
قالَ جارُ اللهِ: "أمّا قولُه:
لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلَّةً
فعلى إضمارِ فعلٍ، كأنَّه قالَ: ولا أرى خُلّة، كما قالَ الخليلُ في قولِه:
أَلا رَجُلًا جَزَاهُ الله خَيرًا
كأنَّه قالَ: أَلا تُرُونَنِي رَجُلًا. وزَعمَ يُونسُ أنَّه نَوَّنَ مُضطَرًّا".
قالَ المُشرِحُ: في قوله: (ولا خُلّةً) وجهان:
أحدهما: - وهو قولُ (١) يونس أن يكونَ هذا مَحمولًا على ضَرورةِ الشِّعرِ، وهذا لأنَّ الأصلَ في اسمِ لا أن يكونَ منصوبًا مُنوَّنًا إلا أنه تَرَكَ هذا القياس، وللشَّاعِر أن يَعملَ بهذا القياسِ المَهجُورِ في ضَرورةِ الشِّعرِ، فحاصلُ المسألةِ أنّه أعادَ تنوينَ المَبنِيّ في ضَرورةِ الشّعرِ، كما يُعادُ تَنوينُ المُنصَرِف فيها.
الثاني: أنَّ المُفردَ في بابِ "لا" النَّافية للجنسِ لا يُبنى لذاتِه، بل لتَضَمُّنه مَعنى "مِنْ" الاستغراقيّة، وذلك للحاجَةِ إلى مَعنى التأكيدِ والمُبالغة، وها هنا قد انكسرتِ الحاجَةُ بالعَطفِ، فإن سَألتَ: متى يَكونُ العَطفُ دافِعًا للحاجَةِ، إذا كان المَعطُوفُ على صورةِ المعطوف عليه أم إذا لم يَكُن؟ أجبتُ: إذا كانَ الواو جامِعًا بين المَعطوفِ والمَعطوفِ عليه فيما يُثبِتُهُ (٢)
стр. 474
للمَعطوفِ عليه من الحُكمِ. فإن سَألتَ: لو كانَ العَطفُ ها هنا (١) جامعًا بينَ المعطوفِ والعطوفِ عليه، لبُنِيَ المعطوفُ أجبتُ: العَطفُ يَقتَضِي المُشارَكَةَ في الإِعرابِ لا في البناء ونظيرُه ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيرُ﴾ (٢)(٣) على قراءة من قرأ (الطيرُ) رفعًا (٤) فإنَّ المعطوفَ ها هنا معربٌ بالإِجماعِ، وإنَّ المعطوفَ عليه مبنيٌّ (٥) وأمَّا:
ألا رَجُلًا جَزاهُ اللهُ خَيرًا
فإنَّه ضَمَّنَ كلمةَ النَّفيِ مقرونةً بهمزةِ الاستفهام معنى التَّمَنّي. قالَ ابنُ السّرّاج (٦): الألفُ إذا دَخَلَت على "لا" جازَ أن يكونَ الكلامُ استفهامًا، وجازَ أن يكونَ تَمَنّيًا. ولذلك سُمِيّتِ المرأةُ بالمُتمَنيّةِ لقولها (٧):
أَلا سَبِيلَ إلى خَمْرٍ فأشرَبَها … أَلَا سَبيلَ إلى نَصْرِ بنِ حَجَّاجِ
والذي يَدُلُّ على كونِهِ تَمَنِّيًا قولهم: أَلا ماءَ أَشربْهُ - بالجَزمِ، إذ لو لم يَكُن محمولًا عليه لما جَازَ انجزامُ "أَشْرَبْهُ"، لأنَّه حينئذٍ يَصيرُ المعنى إن لم
стр. 475
يَكنْ لي ماء (١) أشرَبْه بالجزم وهذا مُحالٌ، وأمَّا قولهم بأنَّ ذلك على إضمارِ فعلٍ، كأنَّه قالَ: ولا أَرى خُلّةً، وأَلا ترُوُنَنِي رَجُلًا، فَشَيءٌ لا يَدُلُّ عليه فَحوى الكَلام، فرَحِمَ الله أمرًا خَلَعَ ربقَةَ التَّقليدِ، وانتَقَدَ المعاني ببَصَرٍ حَدِيدٍ.
تمام البيتِ الأوّلِ (٢):
اتَّسعَ الخَرقُ على الرَّاتِقِ
стр. 476
بعثَ النُّعمانُ بنُ المُنذِرِ جَيشًا إلى بَني سُليم لشيءٍ كان وَجِد عليهم من أَجلِه، وكان على الجَيشِ رَجُلٌ يعرفُ بكافرِ (١) بن فَرنتا (٢)، أو عمرو بن فَرنتا، فمرَّ الجيشُ على غَطفَانَ فاستَجاشَهم على بَنِي سُلَيمٍ، فَجاشوا، ثُمّ هَزَمَت بنو سُليمٍ الجَيش، وطَعِن عمروُ بن فَرنتا وأُسر، ومتَّت غَطَفَانُ إلى بَنِي سُليم بالرَّحمِ التي بَينَهُم فقالَ أبو عامرٍ جَدُّ العَبّاسِ بنِ مرداسٍ قَصيدةً ذَكَرَ فيها أنَّ ما بَينَنَا وبينَ غَطَفَانَ قد انقَطَعَ بما عَمِلُوِه. وأوَّلُها:
إنَّ بغيضًا نَسَبٌ ناسخٌ … ليسَ بِمَوثوقٍ ولا وائِقِ
لا صُلحَ بَينِي فاعلَموه وَلَا … بَينكُم ما حَمَلَت عاتِقِي (٣)
سَيفِي وما كُنَّا بِنَجدٍ ومَا … قَرقَرَ قُمرُ الوادِ بالشّاهِقِ
نسبٌ فاسخٌ: أي باطلٌ، لا يجبُ أن يُراعى، لأنَّهم بَدؤُونا بالحربِ، وأعانُوا عَلَينا جَيشَ الملكِ، ولم يُراعوا ما بَينَنَا وبينَهم من الرَّحمِ، فنحن أيضًا لا نُراعي لَهُم ذلك، ولا نَعطِفُ عَلَيهِم، ولا نَكُفَّ من أَجلِ نَسَبٍ بينَنا وبَينَهم، وقد تَفاقَمَ فيما بينَنَا وبينَهُم الأمرُ، فلا يُرجى صَلاحُه فهو كالفَتقِ الواسعِ في الثَّوب يتعَبُ من يُريدُ أن يَرفِيهِ (٤).
وأمَّا تمامُ البيتِ الثاني كما رأيتُه في (حاشِيَةِ المُفَصّلِ) (٥):
يدلُّ على مُحَصِّلةٍ تَبِيث (٦)
стр. 477
المُحَصِّلة: -بالكَسرِ- المرأةُ التي تَنخُلُ تُرابَ المَعدَنِ لتَستَخرِجَ الذَّهبَ، وتَبِيثُ: أي تُثِيرُ ترابَ المَعدَنِ.
قَالَ جارُ اللَّهِ: "وحقُه أن يكونَ نَكِرَةً، قالَ سِيبويهِ (١): واعلَم أنَّ كلَّ شيءٍ حَسُنَ لك أن تُعْمِلَ فيه "رُبُّ" حَسُنَ لك أن تُعْمِلَ فيه "لَا"، وأمَّا قولُ الشَّاعِرِ (٢):
* لا هَيْثَمَ اللَّيلةَ للمَطِيِّ *
وقولُ ابنِ الزَّبِيرِ الأسَدي (٣):
стр. 478
أَرى الحاجَاتِ عِند أبي خُبيبٍ … نَكَدنَ ولا أُميَّةَ في البِلادِ
وقولُهم: لا بَصرةَ لكم (١) و"قَضِيَّةٌ ولا أَبَا حَسَنٍ لَها"، فَعَلَى تقديرِ التَّنكيرِ".
قَالَ المُشرِّحُ: لا النافيةُ لا تَدخلُ إلَّا على نكرةٍ، لأنَّ "لا" لِنفيٍ فيه شُمول، ولا يَحصلُ بلا نفيٌ (٢) فيه شُمولٌ إلَّا إذا دَخَلَت على نَكِرةٍ، بخلافِ (ما) فإنَّها لذاتِ النَّفيِ، فلذلك عَمَّت بِدُخولِها النَّكرةَ والمَعرفةَ، وأمَّا قوله:
* لا هَيثمَ اللَّيلةَ للمَطِيِّ *
ففيه وَجهان: أحَدُهما: وعَليه النَّحويون، أنَّ معناه: لا مثلَ هَيْثَمِ، ومثلُ وإن أضيفَ إلى المعرفةِ فإنَّه (٢) نكرةٌ على ما يَأتي في موضِعِه، إن شاءَ الله تَعالى وهكذا تأوِيلُهم بقيّةَ الأمثلةِ.
الثاني: -وهو الوجهُ- وهو أنَّ العلمَ متى اشتَهَرَ بمعنًى من المعاني يُنَزَّلَ تنزيلَ الجِنسِ الدَّالِ على ذلك المعنى، كما في قولهم: لِكُلِّ فرعونٍ موسى، وكذلك اشتَقُّوا من الأعلامِ فقالوا: تَمَعدَدَ، إذا تشبَّه في خشونَةِ العيشِ بِمَعْدٍّ، [بدل تَمَعَّدَ] (٣). [ومعنى لا هيثمَ] (٤): لا راعيَ جَيِّدَ الرَّعي ونحوه قولُ مُصعَبِ بنِ الزُّبير: ما تَرى: يا إبراهيمُ (٥)، ولا إبراهيمَ (٥) اليومَ، يعني: أَرى إبراهيمَ (٥) بنَ الأشتَر (٦).
стр. 479
فإن سألتَ: فأينَ العاملُ في الظَّرفِ؟ أجبتُ [ما دلَّ عليه] (١) الظَّرفُ. فإن سألتَ: هل يجُوز أن يكونَ العاملُ لا هيثَم لتَضَمُّنِه معنى الفِعل؟ أجبتُ: لا يجوزُ لتَضَمُّنِه معنى "من" الاستغراقيّة، وكذلك لم يُجِيزُوا لا ضاربَ زيدٍ لكَ -بفتح ضارب- وبعد البيت:
* ولا فتىً مثلُ ابن خَيبَرِيّ *
ابنُ الزَّبِيرِ بفتحِ الزَّاي، كذا الرّواية عن الشَّيخِ.
أَتى عبد اللهِ بنَ الزُّبير عبدُ اللهِ بنُ فَضَالَةَ بنُ شَرِيكٍ الوالِبيِّ من بني أَسَدِ بن خُزَيْمَةَ (٢) فقالَ: نَفِدَت نَفَقَتِي، وَنَقِبَت ناقَتَي، فقال: أحضِرها فأحْضَرَهَا، فقال: أَقبِل بها وأَدبِر ففعلَ، فقالَ: ارقَعها بسَببٍ واخصُفها بِهِلبٍ وأَنجد بها ببرُد خُفُّها؛ فقالَ (٣) ابنُ فَضَالَةَ له: إنَّي أَتيتُكَ مُسْتَحْمِلًا، لا مُسْتَوْصفًا، فَلعَنَ اللهُ ناقَةً حَمَلَتنِي إليكَ، فقالَ ابنُ الزُّبيرِ، إنَّ وراكِبَها، وانصرفَ قائلًا:
أقولُ لِغِلمَتِي شُدُّوا رِكابِي … أجاوِز بَطنَ مكةَ في سَوَادِ
فماليَ حينَ أقطَعُ ذاتَ عرقٍ … إلى ابنِ الكاهِلِيَّةِ من مَعَادِ
سَيُبعِدُ بَيْنَنا نَصُّ المَطَايا … وتَعتلقُ الأداويَ والمَزَادِ
وكلُ مُعيّد قد أَعلَمتهُ … مناسمُهُنّ طَلَّاع النَّجَادِ
أَرى الحاجات ....... … ........ البيت (٤)
стр. 480
نجدُ: موصوفٌ بالبردِ، وكانَ جرير إذا أُنشِدَ شعرُ عمر بنِ أبي ربيعةَ قالَ: شعرٌ تِهَامِيّ فإذا أنجدَ وجَدَ البَرْدَ، وهذه كنايةُ عن ذهَابِهِ عن المَتَانَةِ، ونحوه قولُهِ أَيضًا في شعرِ عَدِي بن (١) الرِّقاعِ العَامِليّ: أَرى شِعرًا شَامِيًّا لو لوّحتهُ سَمومُ نَجدٍ لَم يَبقَ منه شَيءٌ، النَّصُّ: دَفْعُ (٢) المَطايا في السَّيرِ وحَملُها على الإِسراعِ. وأبو خُبيبٍ بالضَّم عبدُ الله بنُ الزُّبيرِ، وخُبيبٌ ابنُ له، وهو أكبرُ ولَدِهِ ولم يَكُن يُكَنِّيه به إلَّا من ذَمَّهُ فَجَعَلَه كاللَّقِب له. فقال له ابنُ الزُّبير لما بَلَغَهُ الشّعرَ عَلِمَ أنَّها شرُّ أمهاتِي فعيَّرني (٣) بها وهي خَيرُ عمَّاتِهِ ونظيرُه (٤):
فَسِيروا فلا مروانَ للحَيّ إذ شَتَوا … وللرَّكبِ إذ أَمسوا مُكلِّين جُوَّعا
[أَكلَّ الرَّجلُ: إذا كَلَّت مَطِيَّتُه، كما يقالُ أعطَشَ الرَّجلُ وأَظْمَأَ إذا عَطِشَت مَطِيَّتُهُ وأَظْمَأَت] (٥)، البَصرَةُ ها هنا إحدَى العِرَاقين، المرادُ بأبي حَسَنٍ عليُّ بنُ أبي طالبٍ "﵁"، وكان فَيصَلًا في الخُصُوماتِ.
قالَ جارُ اللهِ: "وأمَّا لا سيَّما زيدٌ فمثلُ لا مِثلَ زَيدٍ".
стр. 481
قالَ المُشَرِّحُ: السِّيُّ: كما مَضى بمعنى المِثلُ، وهو وإن أُضيفَ إلى مَعرفةٍ فهو نَكِرَةٌ كالمِثْلِ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "فَصلٌ، ولا تَقُول لا أبَ لكَ قالَ نَهَارُ بن تَوسِعة (١):
أَبي الإِسلامُ لا أبَ لي سِوَاه … إذا افتَخَرُوا بقَيسٍ أو تَمِيم (٢)
ولا غُلَامينِ لَكَ، ولا ناصِرين لَكَ".
قال المشرّحُ: الأبُ، ها هنا مُفردٌ نَكِرةٌ، فلذلك بُنِيَ على الفَتْحِ، فإن سألتَ ما الدَّليلُ على أنَّه مُفرَدٌ؟ أليس أنَّه تَعَلَّقَ بشيءٍ هو من تمام معناه وهو اللَّامُ؟
أجبتُ: اللَّامُ في لَكَ ما تُعَلَّقُ بالأبِ، إنَّما تُعلَّقُ بمحذوفٍ، وهو كائنٌ ونحوه، بخلافِ لا خيرًا منه قائمٌ ها هنا فإن من فيه تُعلَّقُ بخير (٣) ها هنا (٤) نفسه، وكذلك غُلامين، وناصِرين أيضًا مفردُ (٥)، فإن سألتَ: فإذا كان مفردًا فكيفَ لم يُبنَ بدليلِ أنَّه تَسْقُطُ منه النون الذي هو عرضٌ من التَّنوين أجبتُ: لأنَّ التنوينَ حيثُ يَسقُطُ يَسقُطُ تبعًا لسقوطِهِ الحَركَةُ، وها هنا لم تسقُطُ الحركةُ، لأنَّ الياءَ في المُثَنَّى في أَحَدِ حالَتَيه بمنزلةِ النَّصبِ.
стр. 482
ونظيرُ هذه المسألةِ: إذا وَقَفْتَ على رجلٍ في: "جاءني رجلٌ"، أسقطت التّنوينَ، وإذا وقفت على رجلان في: "جاءني رجلان" لم تُسقِط النُّون، وذلك لأنَّ النُّونَ ها هنا عِوَضٌ عن التَّنوين، والتَّنوينُ حَيثُ يَسْقُطُ تَبَعًا لِحَرَكَتِهِ، والحَرَكَةُ ها هنا قائمةٌ، وهي الألفُ. نَهَارُ: هو (١) عَلَمٌ منقولٌ من نَهَارٍ ضِدَّ لَيلٍ، تَوسِعَةٌ: بفتحِ التَّاء المثناة الفوقانية وكسرِ السّين المُهْمَلَةِ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "وأَمَّا قولُهم: لا أَبًا لك ولا غُلامَي لك، ولا ناصِرَي لك فمشبَّهٌ بالشُّذوذِ بالمَلَامحِ والمَذَاكِيرِ ولَدُن غُدوَةً، وقصدُهم فيه إلى الإِضافةِ، وإثباتِ الألفِ وحذفِ النُّونِ لذلك، وإنَّما أُقحِمَتِ اللَّامُ المُضِيفَةُ توكيدًا للإِضافةِ ألا تَراهم (٢) لا يَقُولون لا أَبا (٣) فيها ولا رُقيَتِي عَلَيها ولا مُجِيرِي منها وقضاءً من حَقَّ المَنْفِيّ وفي التَّنكيرِ بما يَظْهَرُ بها من صُورةِ الانفِصالِ".
قالَ المُشرّحُ: قولهم: لا أَبا لك، ولا غُلامي لَك، مُضَافٌ مِن حَيثُ المعنى غيرُ مُضافٍ من حَيْثُ الصُّورةُ، أَمَّا أنَّهُ مُضَافٌ من حَيْثُ المعنى فلِسُقوطِ النُّونِ فيه، وكونِ اللَّام مُفردةً للإِضافةِ من حيثُ المعنى، وأمَّا أنه غيرُ مُضافٍ من حيثُ الصُّورةُ فلفَصلِ اللَّام بينَ المُضافِ والمُضافِ إليه.
تخمير: قالوا: الكَلامُ يَتّصِلُ بالأوَّلِ على ثَلَاثَةِ أوجهٍ:
أحدُها: الخَبَرُ كقولِكَ لا أبٌ لك، ولا غلامٌ لك.
والثَّاني: الصَّفَةُ كقولِكَ مررتُ بغلامٍ لَكَ.
والثَّالثُ: الإِضافَةُ التي لا تُعرِّفُ كقولك: لا أَبٌ لَكَ.
ثم هَا هُنا شَيءٌ آخرٌ وهو أَنَّه لَمَّا حَصَلَ لهما صورتان مُخْتَلِفَتَان وهما لا
стр. 483
أَبا (١) لك، ولا أبٌ لَكَ فَرَّقوا بينَهما معنى، كما فَرَّقوا بينَهُما صُورةً، فَجَعَلوا المُعَرَب للدُّعاءِ، والمبنيَّ لمجرّدِ الخَبَرِ. وما نَقَلتُةُ عن خَطِّ شَيخِنا "لا أبا لك" كلمةٌ فيها جَفَاءٌ تُسْتَعْمَلُ عندَ الحَثِّ على أَخذِ الحَقّ والإِغرَاءِ، ورُبَّمَا استَعْمَلَها الجُفَاةُ من الأعرابِ عِندَ المَسأَلَةِ والطَّلَبِ فَيَقولُ القائِلُ للأميرِ والخَلِيفَةِ انظرُ في أَمرِ رَعِيَّتِكَ لا أَبا لَكَ فقولهم لا أبا لَكَ بِمَنْزِلةِ فَقَدْتَ أَبَاك، وقَولُهم لا أبٌ لكَ معناه ليس لك أبٌ، يقول [الشيخُ (٢)] كما أنَّ الملامحَ في جمعِ لَمْحَةٍ والمَذَاكِيرَ في جمعِ ذَكَرٍ شاذٌّ فكذلك سقُوطُ النون في لا غُلامي لكَ، ولا ناصِرَي لك، فكما أنَّ انتصابَ "غدوةَ" في "لَدُن غدوةَ" شاذٌّ، فكذلك ما نَحنُ فيه، وهُم يَقْصِدون في قولهم: لا أبا لك ولا ناصري لَكَ الإِضافةَ ولذلك ثبتت الألفُ في ذلك، وسقطت النّون في هذا، وأَمَّا اللَّامُ الفاصِلةُ بينَ المضافِ والمضافِ إليه فإنَّما زيدت توكيدًا للإِضافة، لأنَّ الإِضافةَ لا تُنافي اللَّام، إذ الإِضافة ها هنا بمعنى اللَّامِ، ألا تَرَى أنَّه (٣) إذا كانَ الفاصِلُ سِوى اللَّامِ نحو: "في" و"على" و"مِن" فإنَّه لا يجوزُ، طلبًا للتنكير في اسم لا النافية للجِنسِ، وذلك لأنَّ هذه اللام وإن كانت توكِّدُ مَعنى الإِضافةِ، إلَّا أنَّها تَفصِلُ بينَ المُضافِ والمضافِ إليه من حيثُ الصُّورةُ، فيحصُلُ التَّنكِيرُ.
قالَ جارُ اللَّه: "وَقَد شُبِّهت في أنَّها مَزِيدةٌ ومُؤكَّدَةٌ بتَيْمَ الثاني في:
* يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ (٤) … " *
قال المشرّح: يُريدُ أنَّ هذه اللَّام مع (٥) الإِضافة شيئان بمعنى واحدٍ تَرادفا قبل المُضافِ إليه، كما أنَّ التّيْمَينِ شيئان بمعنًى واحدٍ ترادفا قبل
стр. 484
المُضاف (١) [و] المضاف إليه.
قالَ جارُ اللَّهِ: "والفَرقُ بين المَنْفِي في هذه اللُّغة وبينَه في الأولى أنَّه في هذه مُعربٌ، وفي تِلك مَبْنِيٌّ".
قالَ المُشرِّحُ: المَنْفِيُّ [في تلك أي: أبا لك] (٢)، وفي لا أبُ لك مبنيٌّ وكذلك لا غلامَيْ لك، ولا ناصريْ لَكَ، معربٌ لأنَّه بمنزلةِ المُضَافِ، وأمَّا لا غلامين لك ولا ناصرين لك فهو عندَ سيبويهِ مبنيٌّ، والمبردُ يمتنَعُ من ذلك (٣)، ويجعَلُ التَّثنيةَ والجَمع كالمضافِ مَنْصُوبين، وإنَّما امتَنَعَ من ذلك لأنَّ "لا" مع التَّثنِيَةِ والجمعِ جُعِلا بمنزلةِ كلِمةٍ، ولم يُوجد في كلامِ العربِ إسمان جُعلا إسمًا واحدًا والثاني مُثَنَّى أو مَجموعٌ.
وحُجَّةُ سيبويهِ: قياسُ التَّثنيةِ والجمعِ على الواحِدِ، فإن سألتَ: لو كان المُثَنَّى والمجموعُ (٤) مبنيًّا لَسَقَطَ منه النّون حَسْب سُقُوطِ التَّنوين من الواحدِ؟ أجبتُ: النون في التَّثنِيَةِ والجَمعِ أَثبَتُ من التَّنوين، ألا تَرى أنَّها تَثبُتُ معِ اللَّامِ، والتَّنوينَ يَسْقُطُ معها، ويشهدُ له أيضًا أنَّا قد نُثَنِّي حَضرموتَ ونَجْمَعُهُ فنقولُ: جاءَني حَضْرَموتان، وحَضْرَموتون، إذا كان اسمَ رَجُلٍ فقد لَحِقت الاسمَ الثاني التَّثنِيَةُ والجَمْعُ، وإن كانَ قد جُعِلَ مع ما قَبْلَهُ اسمًا واحدًا.
قالَ جارُ اللَّهِ: "وإذا فَصَلتَ فقلتَ: لا يَدينِ بِهَا لَكَ، ولا أبٌ فيها لَكَ، امتَنَعَ الحَذفُ والإِثباتُ عندَ سيبويهِ، وأجازهُما يُونُسُ".
стр. 485
قالَ المشرّحُ: عَني بالحذفِ حذفَ النُّون، وبالإِثباتِ إثباتَ الألفِ واحتجّ يُونس: بأنَّ قولَهم: لا أَبا لكَ قد تَنَزَّلَ منزلةَ المُضَافِ والمضافِ إِليه ولذلك عادَ الألفُ في أَبا لك (١)، فيجوز بينهما الفصلُ بالظرفِ كما في قوله (٢):
* هُمَا أَخَوَا في الحَربِ مَن لا أَخا لَهُ *
وحُجَّةُ سيبويهِ أنَّ هذا فصلٌ بينَ [المضافِ] (٣) والمضافِ إليه بشيئَين فلا يجوزُ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "فإذا قلتَ: لا غلامين ظَريفين لَكَ لم يَكُن بُدٌّ من إِثباتِ النُّونِ في الصِّفَةِ والمَوصُوفِ".
قالَ المُشرِّحُ: لا خلافَ في هذه المسألة فيما إذا فَصَلتَ بين المُضَافِ والمُضَافِ إليه بالظَّرفِ، أمَّا إذا فَصَلتَ بينهما بالصّفةِ فلا يجوزُ، وهذا لأنَّ الظرفَ يَتَوَسَّطُ بينَ شيئين، فوقَ ما يَتَوَسَّطُ بينَهما غيره من الصِّفَةِ.
قالَ جارُ اللَّهِ: "فَصلٌ؛ وفي صِفَةِ المُفرَدِ وجهان، أحدُهما: أن تُبنى مَعَه على الفَتحِ، كقولك لا رَجُلَ ظريفَ فيها، والثاني: أن تُعرَبَ محمُولة على لَفظِهِ ومحلِّه كقولك: لا رَجُلَ ظَريفًا فيها وظَريفٌ فيها (٤) ".
قالَ المشرّحُ: يجوز في صِفَةِ المُفردِ أن تُبنى الصّفةُ مَعَهُ على الفَتْحِ، لأنَّ الموصوفَ (٥) والصِّفَةَ بمنزلةِ شيءٍ واحدٍ، ولذلك يَلحَقُ الصّفةَ المذكورَةَ
стр. 486
مع الموصُوفِ حرفُ النُّدبةِ كما يَلحَقُ الاسمَ بدون الصِّفةِ، ويجوزُ أن يُعرَبَ مَحمولُه على لفظِهِ أو مَحَلِّهِ كما في المَعْطُوفِ، وذلك نحو قولِهِ تَعَالَى (١): ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ والطيرُ (٢).
قالَ جارَ اللهِ: "وإن فَصَلتَ بينهما أَعرَبتَ الصِّفَةَ (٣)، وليس في الصِّفَةِ الزَّائدةِ عليها إلَّا الإِعرابُ".
قالَ المشرّحُ: إذا وَقَعَ الفصلُ بينَ الصِّفةِ والموصوفِ لم يكن في الصِّفةِ إلَّا الإِعرابُ، لأنَّه مع الفَصلِ يستحيلُ جَعلُهما بمنزلةِ شيءٍ واحدٍ ليس في الصفةِ الزَّائدةِ على الصِّفةِ إلَّا الإِعرابُ، وإلَّا لَزِمَ المزجُ بينَ ثلاثةِ أشياءَ، وأنَّه لا يجوزُ، ومن ثَمَّ لم يُجِيزوا رأيتُه صَحرةَ بَحرةَ نَحرَةَ على بناءِ الثلاثة.
قال جار الله: "فإن كَرَّرتَ المَنفِي جازَ في الثَّاني الإِعرابُ والبناءُ وذلك قولُكُ لا ماءَ ماءً باردًا وإن شئتَ لم تُنَوّن".
قالَ المُشَرِّحُ: المَنْفِيُّ المُكَرَّرُ بمنزلةِ المَنْفِيّ المَوصُوفِ، فكما يَجُوزُ هناك الإِعرابُ والبناءُ، كذلك هَا هُنا.
قالَ جارُ الله: "فصل" (٤)؛ وحكمُ المعطوفِ حكمُ الصِّفةِ إلَّا في البِنَاءِ قالَ:
* فلا أبَ وإبنًا مثلَ مَروانَ وابنِهِ *
وقالَ:
* لا أُمَّ لي إن كانَ ذاكَ ولا أَبُ *
стр. 487
قالَ المشرِّحُ: إذا عُطِفَ على هذا المنفيِّ المفتوحِ ففي المَعْطُوفِ يجوزُ الرَّفعُ والنَّصبُ، النَّصبُ على اللَّفظِ، والرَّفعُ على المَحَلِّ، كما في والطيرُ ولا يجوز فيه الفَتحُ (١) لأنَّ الحرفَ العاطفَ يُشرّك في الإِعرابِ لا في البناءِ، فإن سألتَ: ما تقول في يا زيدُ وعمرُو فإنَّه ليس في المَعطوفِ إلَّا الضَّمُّ، أجبتُ: لأنَّ الحاجةَ إلى تَضمينِ الاسم معنَى "من" الاستغراقيَّة قد انكَسَرت بالعَطفِ ها هنا، وأمَّا هُناك فبخِلافِهِ لأنَّ الحاجَةَ إلى تَضْمِين الثَّاني معنَى النِّداءِ لم تَنْكَسِر بالعَطْفِ.
تَتِمّةُ البيتِ الأوَّلِ (٢):
* إذا هو بالمَجدِ ارتَدَى وَتَأَزَّرا *
ورُوِيَ (٣):
* إذا ما ارتَدَى بالمَجْدِ ثُمَّ تَأَزَّرا (٤) *
стр. 488
ما قبلَ البيتِ الثَّاني (١):
هَل فِي القَضِيَّةِ أن إذا استَغْنَيْتُمُ … وأَمنتُمُ فَأَنا البَعيدُ الأجنبُ
وإذا تكونُ كريهةٌ أُدعى لَها … وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدعَى جُندَبُ
هذا لَعُمرُكُمُ الصَّغارُ بعَيْنِهِ … لا أمَّ لي إن كانَ ذاك ولا أبُ
عجبٌ لتلكَ قضيَّةً وإقامَتِي … فِيكُم على تِلكَ القَضِيَّةِ أعجبُ
يقولُ هل في القِصَّةِ العادِلَةِ أنْ أُدعَى إذا نَزَلت بكُم نازِلةٌ، حَتَّى أُدافعَ عَنكم فإذا تَخَلَّصتُم منها وأَمنتُم، وكان لَكم خيرٌ، دُعِيَ إليه دُونِي جُنْدُبُ،
стр. 489
وتُرِكتُ أنا وُجنِّبتُ، وكان ها هنا التَّامة (١)، و"قَضِيَّةً" نَصبٌ على الحالِ، فإن سألتَ ما معنى "أنْ" في قولِه: "أن إذا استَغْنَيْتُمُ" أجبتُ: معناه التَّأكيدُ وهي أنْ المُخَفَّفَةُ، وقد أَغنَانا "إذا" بَعدها (٢) عن السّينِ ونظيرُها قولُه تَعَالى (٣): ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.
قَالَ جارُ اللهِ: "وأن تَعَرَّفَ فالحَملُ على المَحَلِّ لا غيرُ كَقولِكَ لا غُلامَ لَكَ ولا العَبَّاسُ".
قالَ المُشَرِّحُ: إنما يَرْتَفِعُ العَبَّاسُ لأنَّ "لا" لا عَمَلَ لها في المَعْرِفَةِ، واعلَم أن "لا" لا تَعْمَلُ في ثَلاثَةِ أَشياءٍ: في اسمٍ قد عَمِلَ فيه فِعلٌ، وفي اسمٍ مَنْفِيٍّ بلا بَعده اسمٌ مَنْفيّ، وهما جَوابُ مُسْتفهِمٍ قد ثَبَتَ عندَه أَحَدُ الشَّيئَينِ وفي اسمٍ مَعرفةٍ، فالأولُ: لا مَرحبًا ولا أَهلًا، ولا رَعيًا ولا سَقيًا، ولا كَرامةً ولا مَسَرَّةً، لأنَّ العامِلَ فيها أَفعالٌ مُضمَرَةٌ.
والثاني: لا غُلامٌ عِندي ولا جَارِيةٌ، وهذا جَوابٌ لمن قال لَكَ: أغُلامٌ عندَك أم جَاريةٌ؟، ولو قُلتَ: لا غلامَ عِندي ولا جَاريةَ فهو (٤) جوابٌ لمن قالَ لك هل غُلامٌ (٥) عندَك أو جاريةٌ؟ وعليه قرئ: (٦) ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾.
الثالث: قولك لا زيدٌ في الدارِ ولا عمرٌو. وكذلك إذا عطفتَ معرفةً منفيّةً على نَكِرَةٍ منفيَّةٍ قد عَمِلَ فيها، "لا"، لم تَعْمَل في المعرفةِ نَحْوَ لا
стр. 490
رجلَ في الدّارِ ولا زيدٌ، وعليه قراءة يعقوب (١): ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢) بفتح الفاء. ففي هذه المواضِعِ الثَّلاثة لا تعمَلُ فيها "لا"، لخروجِها عن مَعنى الاستغراقِ.
قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ ويجوزُ رَفعُهُ إذا كُرّرَ قالَ اللهُ تعالى (٣): ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ [وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾] (٤) وقال (٥): ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ ".
قال المشرّح: إنما يجوزُ الرَّفعُ في الأوَّلِ لأنَّه يجوزُ في الثاني، وإنما يَجُوزُ في الثَّاني لأنَّه بالعَطفِ تَنكَسِرُ الحاجةُ إلى تَضمِينِ المَعطوفِ معنى "من" الاستغراقِيّة فَيرتَفِعُ، فإذا (٦) ارتَفَعَ الثاني ارتَفَعَ الأوّلُ، تسويةً بينَ المَعطُوفِ والمَعطُوفِ عليه.
تخمير: في قوله تعالى: ﴿لَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ بالرَّفعِ على جَوابِ المُعادَلَةِ، وأمَّا قراءةُ الفَتح فعلى استفهامين.
قالَ جارُ اللهِ: "وإن جاءَ مَفصولًا بينَه وبينَ "لا"، أو مَعرفةً (٧)، وَجَبَ الرَّفعُ والتَّكريرُ كقولك: [لا رَجُلٌ فيها] (٨) ولا امرَأَةٌ، ولا زَيدٌ فيها ولا عَمرٌو.
قالَ المُشرِّحُ: أمَّا الرَّفعُ فلوجهَينِ:
أَحدُهُما: - تَفرِقَةُ الدّالِ على تَضمينِ المَنفِي مَعنى "من" الاستغراقِيّة
стр. 491
وهذا لأنَّ الدّالَّ عَلى التَّضمينِ مَجموعُ أَمرَينِ أحدُهما المَنفِيُّ والثَّانِي لا النافيةُ فإذا وَقَعَ بينهما التّفرِقةُ لا يُهتَدى إلى التَّضمِين فلا تُضَمّنُ وإنما لا يُهتَدى إلى التَّضمِين لأنَّه يُشتَغَلُ (١) بالفرقِ عن لا النَّافِيَةِ.
الثاني: -أنَّ تقديمَ خبرِ لا على اسمها لا يُناسبُ لا النّافِيَة، لكونها حَرفًا مَحضًا، وكون الحُروفِ جَوامدَ غيرَ مُتَصَرّفةٍ، فيرتفعُ اسمُها لتكونَ "لا" هيَ المُشَبَّهةُ بليس (٢)، فيكونُ فيها شوبٌ من الفعليّةِ. وأمَّا التَّكريرُ فلأنَّ تقديمَ خبرِها على اسمِها لإِعطاءِ المعطُوفِ عليه مزيَّةَ استِعدَادٍ بالعطفِ وإعطاءُ المعطوفِ عليه مزيَّةَ استعدادٍ بالعَطفِ- ولا عَطفَ محالٌ.
قالَ جارُ اللهِ: "وقَولُهُم لا نُولُكَ أن تَفعَلَ كَذا كَلَامٌ مَوضُوعٌ مَوضِعَ لا يَنبغِي لك (٣) أن تَفعل كذا، وقولُه:
حياتُك لا نَفعٌ [وموتُك فاجِعُ] (٤)
وقولُه:
أَنْ لا إلينَا رُجُوعُها
ضعيفٌ لا يجيءُ إلا في الشِّعرِ:
قالَ المشرّحُ: قولُه لا نولُكَ أن تفعلَ كذا لَيسَ من قبيلِ ما نحنُ فيه لأنَّه فاعلُ فعلِ مُضمَر تقديره لا يَحِلُّ لك (٥) أن تَفعَلَ كذا، وهو في الأصل مَصدَرُ (٦) نالَه ينولُهُ إذا أعطاه، وهو من بابِ إضافةِ المَصدَرِ إلى المفعولِ،
стр. 492
والمعنى: لا أُعطِيتَ أن تفعل كَذا مَبنِيًا للمَفعُولِ. وأمَّا قولُه:
أَنْ لا إلينَا رُجُوعُهَا
فَلا ها هُنا ليسَ هي النَّافيةُ للجنسِ إنما هي التي تَدخُلُ (١) على الفِعلِ المُضَارِعِ ورُجُوعُهَا مرفوعٌ أنَّه فاعلُ فعلِ مُضمَرٍ، تقديره: أن لا يقعَ إلينا رُجُوعُهَا، دليلُه صَدرُ البيتِ (٢):
قَضتْ وَطَرًا واستَرجَعَتُ ثمَّ آذَنَت … رَكَائِبُها أَنْ لَا إلَينا رُجُوعُها
ألا تَرى أنَّه لو لم يُضمِر الرُّجوعَ لَلَزِمَ فيه (٣) التناقض، وهذا لأنَّ الإِيذانَ يَقتَضِي أن لا يكونَ الرجوعُ في الحالِ مُتَحَقِّقًا، [كما في قولِك] (٥): هذه العارِضَةُ تُؤذِنُ بالاستِسقَاءِ، إذا لم يَكُن الاستسقاءُ واقِعًا، وقالَ النَّحويون: تاءُ التأنيثِ الساكنةِ علامةٌ تُؤذِنُ من أولِ الأمرِ بأنَّ ما يَجِئُ من الفاعِلِ مؤنثٌ، ولو لَم يُضمَر (٦) الفاعِلُ فيه (٧) لاقتَضت لا أن يكونَ انتفاءُ الرُّجوعِ في الحالِ مُتَحَقِّقًا. وأمَّا:
حَيَاتُك لا نَفْعٌ ومَوتُك فاجِعُ
فالنَّفيُ فيه وإن لَم يَتَكَرّر من حَيثُ الصُّورةُ فقد تَكَرَّر من حَيثُ المَعنى،
стр. 493
وذلكَ أن موتَه إذا كان فاجِعًا كان ضررًا، وإذا كان موتُه ضَرَرًا كانت (١) حياتُه نَفعًا ضَرورةً، كأنَّه (٢) قالَ: حياتُك لا نَفعٌ ولا غيرُ نفعٍ صدرُ البيتِ الأول (٣):
وأنتَ امرؤٌ مِنَّا خُلِقتَ لِغيرِنَا … حَياتُكَ لا نَفعٌ وموتُكَ فاجِعُ
وأنتَ على ما كان مِنكَ ابنُ حُرّةٍ … أَبِيٌّ بما يَرضَى به الخَصمُ مانِعُ
وفيكَ خِصَالٌ صَالِحاتٌ يَشِينُها … لَكَ ابنُ أخٍ عَبدُ الخَلِيقةِ راضِعُ
يقول: وأنت على ما فيك من تَركِ معامَلَتِك لنا بالجَميل كريمٌ تَأبَى أن تُضامَ وأن يَنَالَ مِنك خَصمُكَ ما يَرضاه [والخَليقةُ هي الطَّبيعةُ] (٤)، وعبدُ الخَليقةِ يعني أنَّ طبعَه في الخِسّةِ واللُّؤمِ كَطَبع العَبدِ الرَّاضِعِ هو اللَّئيمِ. هذا الشِّعرُ للضَّحَّاكِ بنِ هَنَّامٍ الرُّقاشِيّ، وهو في الكتابِ منسوبٌ إلى رَجُلٍ من بني سَلُولٍ، والمقولُ فيه الشعر هو الحَضَينُ بن المُنذِر.
قالَ جارُ اللهِ: "وقد أَجازَ المُبَرّدُ في السَّعةِ أن يُقالَ: لا رَجُلٌ في الدارِ، ولا زيدٌ عِندنا".
قال المشرّحُ: لا رجلٌ في الدارِ عندَ المُبَرِّدِ يجوزُ وعندَنا لا يجوزُ
стр. 494
وهذه المسألةُ المذكورةُ فيما مَضى من أنَّ استعمالِ لا بِمعنَى ليسَ قَلِيلٌ وكذلك أَجَازَ (١) لا زيدٌ عندنا فتدخل لا النَّافية على المَعرِفةِ من غيرِ تَكريرٍ، وهذه بعينِها هِيَ المسألةُ الأُولى، من أنّ "لا" هَا هُنا بِمعنَى لَيس.
قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وفي: "لا حولَ ولا قوةَ [إلّا باللهِ] (٢) " سِتّةُ أوجهٍ: أن تَفتَحَهُما، وأن تنصِبَ الثاني، وأن (٣) تَرفَعَه [عطفًا على المَحَلِّ] (٤)، وأن تَرْفَعَهُما وأن تَرفَع الأوّلَ على أنَّ لا (٥) بمعنى ليسَ، أو عَلى مذهبِ أبي العبَّاسِ بفتحِ الثَّاني وأن تَعكِس هذا".
قالَ المُشرِّحُ: الحولُ ها هنا هي (٦) القُوّة، وأصلُه من الحَولِ بمعنى الحِيلةِ، لأنَّ الإِنسانَ يَقوى بها على ما يُريدُ، فإن سألتَ: في كلامِ الشيخِ نَظَرٌ وذلك: أنَّ قولَه: وأن تَعكِس هذا هو بعينِه الوجهُ الثالثُ أجبتُ: الوجهُ السَّادِسُ وإن كان هو الوجهُ الثَّالثُ صورةً فليس به مَذهَبًا.
قالَ جارُ الله: "فَصلٌ؛ وقد يُحذَف المَنفِيّ في قولِهِم لا عَلَيكَ، أي لا بأس عَلَيكَ".
قالَ المشرِّحُ: اسمُ لا النَّافيةِ للجنسِ محذوفٌ، وعليكَ خَبَرُهُ.
стр. 495
[بَابُ خَبر مَا وَلَا المشبَهتين بِلَيس]
قالَ جارُ الله: "خَبَرُ "ما" و"لا" المُشَبَّهَتينِ بِليسَ وهذا التَّشبيهُ لغةُ أهلِ الحِجَازِ، وأمَّا بَنو تَمِيمٍ فَيرفَعون ما بَعدَهُما على الابتِداءِ ويقرؤُون: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (١) إلا مَنْ دَرَى كيفَ هِيَ المُصحَفِ".
قالَ المُشَرِّحُ: ما ولا النَّافيتان لا يُعمِلُهُما بنو تَميمٍ، ويَترُكُونَ ما بَعدَهما على الابتِداءِ كما كانا قبلَ دُخُولِ "ما" و "لا" عَليهما، والحِجَازِيُّونَ يشبِّهونَهُما بلَيس لأنَّه لا فَرقَ بَينَهما وبَينَه من حَيثُ المعنى، وذلك أنَّ ما لِنفي الحالِ، كما أنَّ لَيس كذلك، وكَذلك لا تَجرِي مَجرى (ما) في نَفيِ الحَالِ كقولِكَ لا رَجُل في الدَّارِ فإنَّه لا يُقصَدُ به الاستقبَالُ فإن سألتَ: فما (٢) تقولُ في إنْ النَّافية، فإنَّ الشَّبَهَ بينَها وبينَ لَيس (٣) قائمٌ، ولا تَعمَلُ عَمَلَها ها هنا (٤)؟ أجبتُ المُبَرِّدُ قد أجازَ [إن زيدٌ قائِمًا (٥)، كما أجازُوا ما زيدٌ قائمًا، ولئن سَلَّمنا أنّه لا يَجُوزُ] (٦) إعمالُها عَمَلَها كما هو مَذهَبُ سِيبويهِ، لكنَّ الفَرقَ