← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وهذا لأنَّ الدّالَّ عَلى التَّضمينِ مَجموعُ أَمرَينِ أحدُهما المَنفِيُّ والثَّانِي لا النافيةُ فإذا وَقَعَ بينهما التّفرِقةُ لا يُهتَدى إلى التَّضمِين فلا تُضَمّنُ وإنما لا يُهتَدى إلى التَّضمِين لأنَّه يُشتَغَلُ (١) بالفرقِ عن لا النَّافِيَةِ. الثاني: -أنَّ تقديمَ خبرِ لا على اسمها لا يُناسبُ لا النّافِيَة، لكونها حَرفًا مَحضًا، وكون الحُروفِ جَوامدَ غيرَ مُتَصَرّفةٍ، فيرتفعُ اسمُها لتكونَ "لا" هيَ المُشَبَّهةُ بليس (٢)، فيكونُ فيها شوبٌ من الفعليّةِ. وأمَّا التَّكريرُ فلأنَّ تقديمَ خبرِها على اسمِها لإِعطاءِ المعطُوفِ عليه مزيَّةَ استِعدَادٍ بالعطفِ وإعطاءُ المعطوفِ عليه مزيَّةَ استعدادٍ بالعَطفِ- ولا عَطفَ محالٌ. قالَ جارُ اللهِ: "وقَولُهُم لا نُولُكَ أن تَفعَلَ كَذا كَلَامٌ مَوضُوعٌ مَوضِعَ لا يَنبغِي لك (٣) أن تَفعل كذا، وقولُه: حياتُك لا نَفعٌ [وموتُك فاجِعُ] (٤) وقولُه: أَنْ لا إلينَا رُجُوعُها ضعيفٌ لا يجيءُ إلا في الشِّعرِ: قالَ المشرّحُ: قولُه لا نولُكَ أن تفعلَ كذا لَيسَ من قبيلِ ما نحنُ فيه لأنَّه فاعلُ فعلِ مُضمَر تقديره لا يَحِلُّ لك (٥) أن تَفعَلَ كذا، وهو في الأصل مَصدَرُ (٦) نالَه ينولُهُ إذا أعطاه، وهو من بابِ إضافةِ المَصدَرِ إلى المفعولِ،

стр. 492

والمعنى: لا أُعطِيتَ أن تفعل كَذا مَبنِيًا للمَفعُولِ. وأمَّا قولُه: أَنْ لا إلينَا رُجُوعُهَا فَلا ها هُنا ليسَ هي النَّافيةُ للجنسِ إنما هي التي تَدخُلُ (١) على الفِعلِ المُضَارِعِ ورُجُوعُهَا مرفوعٌ أنَّه فاعلُ فعلِ مُضمَرٍ، تقديره: أن لا يقعَ إلينا رُجُوعُهَا، دليلُه صَدرُ البيتِ (٢): قَضتْ وَطَرًا واستَرجَعَتُ ثمَّ آذَنَت … رَكَائِبُها أَنْ لَا إلَينا رُجُوعُها ألا تَرى أنَّه لو لم يُضمِر الرُّجوعَ لَلَزِمَ فيه (٣) التناقض، وهذا لأنَّ الإِيذانَ يَقتَضِي أن لا يكونَ الرجوعُ في الحالِ مُتَحَقِّقًا، [كما في قولِك] (٥): هذه العارِضَةُ تُؤذِنُ بالاستِسقَاءِ، إذا لم يَكُن الاستسقاءُ واقِعًا، وقالَ النَّحويون: تاءُ التأنيثِ الساكنةِ علامةٌ تُؤذِنُ من أولِ الأمرِ بأنَّ ما يَجِئُ من الفاعِلِ مؤنثٌ، ولو لَم يُضمَر (٦) الفاعِلُ فيه (٧) لاقتَضت لا أن يكونَ انتفاءُ الرُّجوعِ في الحالِ مُتَحَقِّقًا. وأمَّا: حَيَاتُك لا نَفْعٌ ومَوتُك فاجِعُ فالنَّفيُ فيه وإن لَم يَتَكَرّر من حَيثُ الصُّورةُ فقد تَكَرَّر من حَيثُ المَعنى،

стр. 493

وذلكَ أن موتَه إذا كان فاجِعًا كان ضررًا، وإذا كان موتُه ضَرَرًا كانت (١) حياتُه نَفعًا ضَرورةً، كأنَّه (٢) قالَ: حياتُك لا نَفعٌ ولا غيرُ نفعٍ صدرُ البيتِ الأول (٣): وأنتَ امرؤٌ مِنَّا خُلِقتَ لِغيرِنَا … حَياتُكَ لا نَفعٌ وموتُكَ فاجِعُ وأنتَ على ما كان مِنكَ ابنُ حُرّةٍ … أَبِيٌّ بما يَرضَى به الخَصمُ مانِعُ وفيكَ خِصَالٌ صَالِحاتٌ يَشِينُها … لَكَ ابنُ أخٍ عَبدُ الخَلِيقةِ راضِعُ يقول: وأنت على ما فيك من تَركِ معامَلَتِك لنا بالجَميل كريمٌ تَأبَى أن تُضامَ وأن يَنَالَ مِنك خَصمُكَ ما يَرضاه [والخَليقةُ هي الطَّبيعةُ] (٤)، وعبدُ الخَليقةِ يعني أنَّ طبعَه في الخِسّةِ واللُّؤمِ كَطَبع العَبدِ الرَّاضِعِ هو اللَّئيمِ. هذا الشِّعرُ للضَّحَّاكِ بنِ هَنَّامٍ الرُّقاشِيّ، وهو في الكتابِ منسوبٌ إلى رَجُلٍ من بني سَلُولٍ، والمقولُ فيه الشعر هو الحَضَينُ بن المُنذِر. قالَ جارُ اللهِ: "وقد أَجازَ المُبَرّدُ في السَّعةِ أن يُقالَ: لا رَجُلٌ في الدارِ، ولا زيدٌ عِندنا". قال المشرّحُ: لا رجلٌ في الدارِ عندَ المُبَرِّدِ يجوزُ وعندَنا لا يجوزُ

стр. 494

وهذه المسألةُ المذكورةُ فيما مَضى من أنَّ استعمالِ لا بِمعنَى ليسَ قَلِيلٌ وكذلك أَجَازَ (١) لا زيدٌ عندنا فتدخل لا النَّافية على المَعرِفةِ من غيرِ تَكريرٍ، وهذه بعينِها هِيَ المسألةُ الأُولى، من أنّ "لا" هَا هُنا بِمعنَى لَيس. قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ وفي: "لا حولَ ولا قوةَ [إلّا باللهِ] (٢) " سِتّةُ أوجهٍ: أن تَفتَحَهُما، وأن تنصِبَ الثاني، وأن (٣) تَرفَعَه [عطفًا على المَحَلِّ] (٤)، وأن تَرْفَعَهُما وأن تَرفَع الأوّلَ على أنَّ لا (٥) بمعنى ليسَ، أو عَلى مذهبِ أبي العبَّاسِ بفتحِ الثَّاني وأن تَعكِس هذا". قالَ المُشرِّحُ: الحولُ ها هنا هي (٦) القُوّة، وأصلُه من الحَولِ بمعنى الحِيلةِ، لأنَّ الإِنسانَ يَقوى بها على ما يُريدُ، فإن سألتَ: في كلامِ الشيخِ نَظَرٌ وذلك: أنَّ قولَه: وأن تَعكِس هذا هو بعينِه الوجهُ الثالثُ أجبتُ: الوجهُ السَّادِسُ وإن كان هو الوجهُ الثَّالثُ صورةً فليس به مَذهَبًا. قالَ جارُ الله: "فَصلٌ؛ وقد يُحذَف المَنفِيّ في قولِهِم لا عَلَيكَ، أي لا بأس عَلَيكَ". قالَ المشرِّحُ: اسمُ لا النَّافيةِ للجنسِ محذوفٌ، وعليكَ خَبَرُهُ.

стр. 495

[بَابُ خَبر مَا وَلَا المشبَهتين بِلَيس] قالَ جارُ الله: "خَبَرُ "ما" و"لا" المُشَبَّهَتينِ بِليسَ وهذا التَّشبيهُ لغةُ أهلِ الحِجَازِ، وأمَّا بَنو تَمِيمٍ فَيرفَعون ما بَعدَهُما على الابتِداءِ ويقرؤُون: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (١) إلا مَنْ دَرَى كيفَ هِيَ المُصحَفِ". قالَ المُشَرِّحُ: ما ولا النَّافيتان لا يُعمِلُهُما بنو تَميمٍ، ويَترُكُونَ ما بَعدَهما على الابتِداءِ كما كانا قبلَ دُخُولِ "ما" و "لا" عَليهما، والحِجَازِيُّونَ يشبِّهونَهُما بلَيس لأنَّه لا فَرقَ بَينَهما وبَينَه من حَيثُ المعنى، وذلك أنَّ ما لِنفي الحالِ، كما أنَّ لَيس كذلك، وكَذلك لا تَجرِي مَجرى (ما) في نَفيِ الحَالِ كقولِكَ لا رَجُل في الدَّارِ فإنَّه لا يُقصَدُ به الاستقبَالُ فإن سألتَ: فما (٢) تقولُ في إنْ النَّافية، فإنَّ الشَّبَهَ بينَها وبينَ لَيس (٣) قائمٌ، ولا تَعمَلُ عَمَلَها ها هنا (٤)؟ أجبتُ المُبَرِّدُ قد أجازَ [إن زيدٌ قائِمًا (٥)، كما أجازُوا ما زيدٌ قائمًا، ولئن سَلَّمنا أنّه لا يَجُوزُ] (٦) إعمالُها عَمَلَها كما هو مَذهَبُ سِيبويهِ، لكنَّ الفَرقَ

стр. 496

بينهما ظاهرٌ، وذلكَ أنَّ النَّافيةَ الغالِبُ عَلَيها هُجُومُ الاستثناء على خَبَرها قالَ اللهُ تَعالى (١): ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ (٢) ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (٣) فلا غَنَاءَ للشَّبهِ. قالَ جارُ اللهِ: "فإذا انتَقَضَ النَّفيُ بإلَّا أو تَقَدَّمَ الخَبَرُ بَطَلَ العَمَلُ، فقيلَ: ما زيدٌ إلَّا مُنطَلِقٌ، ولا رَجُلٌ إلَّا أفضَلُ مِنكَ وما منطَلِقٌ زَيدٌ ولا أَفضلٌ منك رَجُلٌ". قالَ المشَرِّحُ: أمَّا الانتقاضُ فلأنَّ الخَبَرَ قد خَرَجَ عن خَبَر المَنفِيِّ، وهذا كالمُستَضعَف من الوُلاةِ، إذا خَرَجَ عن ولايَتِهِ أمرٌ فقدْ قَصَّرَ عن إنفاذِ التَّصرُّفِ فيهِ باعَه. وأمَّا التَّقديمُ، فلأنَّ القِياسَ في هذا (٤) الباب أن يكونَ الخَبَرُ كالاسمِ مَرفوعًا لأنَّها في الأصلِ مُبتدأٌ وخَبَرٌ، وإنما يَنتَصبُ الخَبَرُ تَشبيهًا لَه بخبَر لَيس ولا تَشبيه إلّا إذا ظَهَرَ بينهما الشَّبَهُ، وفي حالِ تَقديمِ الخَبَر ها هنا لما يَظهَر شَبهُ الخَبرِ بخبر ليس لأنَّ ظُهُورَ الشَّبهِ فيه لا يكونُ إلَّا عندَ تمامِ الكَلَامِ، فيتوقَّفُ النَّصبُ على تمامِ الكَلامِ، وإعرابُ الخَبَرِ لا يَتَوَقَفُ فبَقي على ما كانَ. وزانُ هذه المسألةِ إنَّ زيدًا مُنطَلِقٌ وعَمرٌو، ولو قُلتَ إنَّ زيدًا وعمرٌو مُنطَلِقٌ لم يَجُز، فإن سَألتَ: فَمَا تَقولُ في قَولِ الفَرزدَق (٥):

стр. 497

إذْ هُم قُرَيشٌ وإذ ما مِثلَهُم أبَشَرُ أجبتُ: من النَّحويّين من قالَ هو منصوبٌ على الحالِ لأنَّ التِقديرَ إذ ما بَشَرٌ مثلَهم "فمثلَهم" في الأصلِ صِفَةٌ لِبشَرٍ، وصِفَةُ (١) النَّكرةِ إذا تَقَدَّمت عَلَيها انتَصَبت على الحالِ، كقوله (٢): والصَّالحاتُ عليها مغلقًا بابُ على أنّه رُويَ عن بعض العَرَب: "ما مُسيئًا من أَعتَب" كما وَرَدَ (٣): "ليسَ الطّيبُ إلّا المِسكُ" بِرَفعِ الطِّيبِ (٤). قالَ جارُ الله: "فصلٌ؛ ودُخُولُ الباءِ في الخبرِ نحو قولِكَ: ما زيدٌ بُمنطلقٍ إنَّما يَصِحُّ على لغةِ أهلِ الحِجازِ لأنَّك لا تقولُ: زَيدٌ بُمنطَلِقٍ". قالَ المُشرِّحُ: هذه الباءُ الدَّاخلةُ على الخبرِ ها هنا هي لُغَةُ أَهلِ

стр. 498

الحِجَازِ، أمَّا على لغةِ بني تَميمٍ فلا يكونُ لأنَّهما عِندَهُم باقيان على ما كانا عليه من الابتداءِ، وخَبَرُ المُبتدأ لا تدخُلُ عليه هذه الباءُ، فإن سألتَ: ما الدليلُ على أنَّ هذه الباءَ لا تدخُلُ على خبرِ المبتدأ؟ وهَب أنَّها لا تَدخُلُ عليه، والمُبتدأُ والخَبَرُ في مقامِ الإِثباتِ، فَلِم لا تَدخُلُ عليه وهما في مقامِ النَّفيِ؟ أجبتُ: لأنَّ هذه الباءَ لا تَدخلُ إلَّا في مقامِ النَّصبِ، والمقامُ ها هُنا مقامُ الرَّفعِ، ولذلك قالَ ابنُ السَّرَّاج: لا تقولُ ما بقائِمٍ زيدٌ. قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛: ولا التي يَكْسَعُونَها بالتاءِ هي المُشَبّهةُ بليسَ بعينها، ولكنَّهم أَبوا إلَّا أن يكونَ المنصوبُ بهَا حِينًا، قال الله تعالى (١): ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي ليس الحينُ حينَ مناصٍ. قالَ المُشَرِّحُ: يَكْسَعُونَها بالتاءِ: أي يَدفعُونَها، كسَعَهُ إذا ضَرَبَهُ على عَجُزُهُ، وَوَرَدَت الخَيلُ (٢) يَكْسَعُ بعضُها بَعضًا، ومنه اتَّبعَ فلانٌ أدبارَهم يكسَعُهُم بالسَّيفِ مثلُ يكسَؤُهُم أي يَطرُدُهُم قالَ (٣): كَسَعَ الشِّتاء بِسَبعَةٍ غُبرِ وإنَّما أُردفَت بالتَّاءِ ليصيرَ لها بليسَ شبهٌ صورةً كما لها بها شَبَهٌ معنًى، فيحسنُ فيها إضمارُ اسمِها (٤)، إذ إضمارُ الاسمِ لا يكونُ في الحروفِ، إنما يكونُ في الأفعالِ. قال سيبويه (٥): ونظيرُ لاتَ في أنَّه لا يكونُ إلا مُضمَرًا

стр. 499

فيها، لَيسَ "ولا يكونُ" في الاستثْنَاءِ، إذا قلتَ: أتونِي ليسَ زيدًا، وأتونِي لا يكونُ بِشرًا، وقال أيضًا: وليست كلَيسَ في المخاطبةِ والإِخبَارِ عن غائبٍ، تقولُ: لَستَ ولَيسُوا، وعبدُ اللهِ ليس مُنطلقًا، ولا تقولُ: عبدُ الله لاتَ مُنطلقًا، ولا قومُك لاتوا مُنطَلِقين، وهو مختصٌّ بالخبرِ وما هو في مَعناهُ، أَنشدَ جارُ اللهِ -[﵀] (١) -: حنَّت نوارُ ولاتَ حِينَ حَنّتِ (٢) وفي التَّنزيل (٣): ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، واختصَّت بالحينِ (٤) لأنَّه فيما وراء الحين (٤) يقعُ ليس بُمقنعٍ (٥)، فإن سألتَ فكيفَ لم يُقنع في الحين (٤) بليسَ أيضًا؟ أجبتُ: لأنَّ ليسَ لِنفي الحالِ صَرِيحًا، وإنَّما يكونُ لغيرِ الحَال، فيقعُ فيه التَّنافُرُ بِخِلافِ "لا" فإنَّه ليس لِنَفي الحالِ صَريحًا ولذلك يُستَعمَلُ في الاستقبالِ. "تم الجزء الأول من كتاب شرح المفصّل المَوْسُوم بالتخمير" "تأليف صدر الأفاضل الخوارزمي" "٥٥٥ - ٦١٧ هـ" "يليه الجزء الثاني: وأوله: قال جار الله ذكر المجرورات باب الإِضافة" وهذه التجزئة من عمل المحقق

стр. 500

قال جارُ الله (١): ذكرُ المَجرورات. [بَابُ الإضَافة] لا يكونُ الاسمُ مجرورًا إلَّا بالإِضافةِ، وهي المُقتَضِيَةُ للجَرِّ، كما أنَّ الفاعِليَّةَ والمفعُوليَّةَ هما المُقتضِيان للرَّفعِ والنَّصبِ، والعاملُ ها هنا غيرُ المُقتَضِي كما كان ثَمَّ، وهو حرفُ الجَرِّ أو معناه في نحوِ قولِك: مررتُ بزيدٍ، وزيذٌ في الدَّارِ، وغُلامُ زيدٍ، وخاتِمُ فِضَّةٍ. قال المُشرّحُ: كأنَّه يعني بالمقتَضِيَةِ للجَرِّ والرَّفع والنَّصبِ المقتَضِيَةَ لِنفسِ الإِعراب في الجَرِّ والرَّفعِ والنَّصبِ، تقولُ: الفاعِلِيَّةُ، وَالمَفعولِيَّةُ، والإِضافةُ، هي المُقتَضِيةُ للإِعرابِ، والعاملُ للنَّصب والرَّفعِ الفِعلُ والجرِّ الحرفُ. كذا نُقِلَ عن الشَّيخِ معنى هذا الكلام في "حاشيةِ المُفَصَّل" (٢)، تقولُ: ها هنا عمومُ أثرٍ، وعمومُ مقتَضٍ، وخصوصُ أثرٍ، وخصوصُ مقتضٍ، فيُضافُ العمومُ إلى العُمومِ، والخُصُوصُ إلى الخُصُوصِ مثالُه: لَسعُ العقاربِ النَّصِيبِيَّةِ أوجعُ من لَسعِ سائِرِ العَقارِبِ، فعمومُ الوَجَعِ وهو المُشَتَركُ فيه بينَ الوَجعَينِ، إلى عُمومِ اللَّسعِ، وهو المشتَرَكُ فيه بين اللَّسعين، كما أنَّ خصوصَ كُلِّ واحدٍ من الوَجعَين يضافُ إلى كلّ واحدٍ من اللَّسْعَينِ.

стр. 501

قالَ جارُ الله: فصلٌ؛ وإضافةُ الاسمِ إلى الاسمِ على ضَربَين: معنويَّةٌ ولفظِيَّةٌ، فالمعنَوِيَّةُ ما أفادَ تَعريفًا كقولك: دَارُ عَمروٍ، أو تخصيصًا كقولك: غلامُ رجلٍ. قال المشرّحُ: إذا قلتَ: دارُ عمروٍ فالدَّارُ -ها هنا- قد تَعَرَّفت ومعناها الدّارُ التي هي لِعَمروٍ، وإذا قُلت: دارُ رَجُلٍ فالدَّارُ ها هنا نَكِرَةٌ ومعناها دارٌ مَملوكةٌ لرجلٍ، ولذلك يُوصفُ بالنَّكرةِ نحوَ: دارُ رجلِ عامرةٌ، والإِضافةُ -ها هنا- تفيدُ تَخْصيصًا ولَيستْ بِضَائِعَةٍ، وذلك لأنَّها تُفيدُ أنَّها دارُ رَجُلٍ لا دار (١) امرأةٍ. قال جار الله (٢): ولا تَخلو في الأمرِ العامِّ من أَن تَكونَ بمعنى اللّامِ كقولِكَ: مالُ زَيدٍ، وأَرضُه، وأَبوه، وابنُه، وسَيِّدُه، وعَبدُه، أو بمعنى "من" كقولك: خاتمُ فضَّةٍ، وسوارُ ذَهبٍ، وبابُ ساجٍ. قال المشرّح: الإِضافة إذا كانت بمعنى اللّامِ فإنَّها لا تُفيدُ الملك، إنَّما تُفيدُ التَّخصِيصُ، بدليلِ أنّك إذا قُلتَ: هذا أَبوه فليسَ مَعناه أنّ أباهُ ملكٌ له بل المَعنى أنَّ له اختصاصًا به. قالَ جارُ الله: واللَّفظِيَّةُ أن تُضافَ الصِّفةُ إلى مَفعُولِها كقولِكَ هو ضاربُ زيدٍ، وراكبُ فَرسٍ، بمعنى ضاربٌ زيدًا، وراكبٌ فرسًا، أو إلى فاعِلِها كقولك: زيدٌ حسنُ الوجهِ، ومعمورُ الدَّارِ، وهندٌ جائلةُ الوِشاحِ بمعنى حسنٌ وجهُهُ، ومعمورٌ دارُه، وجائِلٌ وشاحُهَا. قال المشرّح: الإِضافةُ اللَّفظِيَّةُ هي التي يَجري وجودُها مَجرى عَدَمِها ألا تَرى أنَّك إذا قلتَ: هذا ضاربُ زيدٍ، ثم فَكَكتَ الإضافةَ فقلتَ هذا ضاربٌ زيدًا فالمعنى باقٍ ولو قلت: هذا غُلامُ زيدٍ ثم فَككتَ الإِضافة فقلتَ:

стр. 502

هذا غُلامٌ زيدٌ لم يجر ولم يُفد أصلًا فَضلًا من أن يَتَقَرَّر فيهِ معنى الإِضافةِ. قالَ جارُ اللهِ: ولا يُفيدُ إلا تَخفِيفًا في اللَّفظِ والمعنى كما هو قَبلَ الإِضافةِ، ولاستواءِ الحالين وَصَفَ النّكرةَ بهذه الصّفةِ مضافةً كما وَصَفَ بها مفصُولةً في قولِكَ: مررتُ برجُلٍ حَسَنِ الوجهِ، وبرجلٍ ضاربِ أخيه. قالَ المُشَرّحُ: هذه الإِضافة اللَّفظِيّة تفيدُ تَخفيفًا في اللَّفظِ، ألا ترى أنّك إذا قُلتَ: زَيدٌ ضاربٌ الغُلامَ، فضاربٌ فيه التَّنوين، والتَّنوين نونٌ، فإذا قُلتَ: زيدٌ ضاربُ الغُلام فقد سَقَطَتْ بالإِضافةِ هذه النُّون، وذلك تخفيفٌ، ثم إفادَتُها للتَّخفِيفِ بالإِضافة ليست بضربةِ لازبٍ، ألا تَرى أنَّه جازَ مررتُ بالضَّارِبِ الرَّجُلَ بالنَّصبِ، كما جازَ بالضَّاربِ الرَّجَلِ بالجَرِّ. قال جارُ الله: "فصلٌ؛ وقَضِيَّةُ الإِضافةِ المعنويّةِ أن يُجَرّدَ لها المضافُ من التَّعريفِ. قال المشرّح: إدخالُ اللَّامِ على المضافِ إضافةً معنويةً لا يجوزُ، وهذا لأنَّ تَعريفَ المُضافِ في بابِ الإِضافةِ يُطلَبُ من المضافِ إليه، ألا تَرَى أنّ المضافَ إليه سِيقَ إلى المضافِ لهذا المعنى، وإذا كانَ مَجِيءُ (١) المضافِ إليهِ لتعريفِ المُضافِ فممتَنِعٌ أن يُطلَبَ من غَيره تَعريفُهُ، مِثالُه: ما إذا أَحضرتَ طَبِيبًا لِعلاجِ مَريضٍ فَقبيحٌ في حُضُورِهِ طَلَبُ العِلاجِ من غَيرِه. قالَ جارُ اللهِ: "وما تَقَبّلهُ الكوفيُّون من قولهم: الثَّلاثةُ الأبوابِ والخَمسةُ الدَّراهمِ فبمعزِلٍ عندَ أصحابِنا عن القياسِ واستعمالِ الفُصَحَاءِ. قال الفَرزدقُ: فَسَمَا فَأَدْرَكَ خَمْسَةَ الأشْبَارِ وقال ذُو الرُّمَّةِ:

стр. 503

ثَلَاثُ الأَثَافِي والرُّسُومُ البَلَاقِعُ قالَ المُشَرِّحُ: إدخالُ اللَّام على المُضَافِ إضافةً مَعنَوِيّةً لا يَجُوزُ، عَدَدًا كان أو غير عَدَدٍ، كما ذكرناه من المعنى، وفيما افتَخَرَ به البَصريُّون على الكُوفِيّين نحنُ أَخذنا اللُّغةَ عن حَرَشَةِ الضِّباب، وأكَلَةِ اليَرَابِيعِ وأنتم أخذتُمُوها من أكلةِ الشَّواذي، وباعةِ الكَوامِيخ، فإن سألتَ: أيُّ احتجاجٍ فيما أَنشَدَ من البَيتين؟ وهذا لأنَّ الكوفيين يُجيزُون تجريدَ المضافِ عن اللَّامِ في فصلِ العَدَدِ كما في غيرِه. أجبتُ: لأنَّ المقامَ مقامُ تعريفٍ باللّام، وأنَّه لم يُعرَّف المضافُ باللّام، فَدَلَّ على أنَّ المضافَ في فصل العَدَدِ بدون اللَّام، والذي يَدُلّ على أنَّ المَقَامَ مقامُ تعريفٍ باللّامِ أنَّ المعنَى فسما فأدرَكَ القَبرَ (١) الذي هو خمسةُ أشبارٍ (٢). وكذلك المعنى في قوله: ثلاثُ الأثافِي، الثَّلاثُ من الأَثافي. وأنا لا أستَبعِدُ ما عليه الكُوفيُّون، وذلك أنَّ هذه الأعدادَ تَنَزَّلُ تنزيلَ المعدُودِ، وهذا القَدرُ من العَدَدِ والمعدُودِ إذا أُضيفَ جازَ إدخالُ اللَّام عليه، والذي ذَكَرهُ البَصرِيُّون قياسٌ، ومذهبُ الكوفيّين استحسانٌ والطَّبعُ يَنزِعُ إليه، فوجبَ أن يجوزَ (٣).

стр. 504

صدرُ البيتِ (١) الأوَّلِ: ما زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَداهُ إزارَهُ … فَسَمَا ........ البيت وبعدَه: يُدنى خَوَافِقَ من خَوَافِقَ تَلتَقي … في ظِلِّ مُعتَبَطِ الغُبَارِ مُثَارِ عنى بالخَوافقِ: الرَّايات، وبمعتَبَطِ الغُبار: مكانًا لم يُقاتِل فيه قَبْله أحدٌ، ولم يُثِر غُبارَه حتّى أثارَهُ هو، وهو يَمدحُ يزيدَ بن المُهَلَّبِ فيقولُ: لم يَزَل مُذ كان صَغِيرًا إلى أن مَات يَقودُ الجُيُوشَ إلى الجُيُوسِ، ويَحضُر الحُروبَ، والمعنى هو أميرٌ مذ كان صَغِيرًا. صَدرُ البيتِ الثَّاني (٢): وَهَلْ يُرجعُ التَّسلِيمُ أو يَكْشفُ العمى … ثلاثَ الأثافي .... البيت الأثافيّ: جمعُ أُثفِيةٍ وهي: حِجَارةٌ تنصَبُ للقدرِ عندَ الإِطباخ.

стр. 505

والبَلَاقِعُ: جَمعُ بلقَعٍ وهو الخَرابُ، يقولُ إنَّ الأثافي ورسومَ الدّيارِ بعدَ خَرابِها لا تَرُدُّ جوابَ سَلام، ولا تُوضِحُ عن خَبَرٍ إذا استُخبِرَتْ، وهَذا معنى قَولِه أو يَكشِفُ العَمى. قالَ جارُ اللهِ: "وتقولُ في اللَّفظيَّةِ مررتُ بزيدٍ الحَسَنِ الوَجهِ وبهندٍ الجائلةِ الوِشاحِ، وهما الضَّاربا زيدٍ، وهمو الضَّارِبُو زيدٍ، قال الله تعالى (١): ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾. قالَ المُشَرِّحُ: الإِضافةُ إذا كانت لَفظِيَّةً جازَ إدخالُ اللّام على المُضافِ لأنَّه وَقَعَ اليأسُ عن تَعريفِ المُضافِ بالمُضافِ إليه. قالَ جارُ اللهِ: "ولا تَقولُ الضَّاربُ زَيدٍ لأنَّك لا تُفيدُ فيه خِفَّةَ الإِضافةِ كما أفدتَهَا بالمُثنَّى والمَجمُوع، وقد أجازَه الفَرَّاء، وأمَّا الضَّاربُ الرَّجُل فمشبَّةٌ بالحَسَنِ الوَجهِ". قال المشرّح: إنَّما لم يَجُز نَحوَ الضَّاربِ زَيدٍ لأنَّه لم يَقع اليأسُ عن تَعريفِ المُضافِ بالمضافِ إليه، لاحتِمَالِ أن يكونَ المُضَافُ إليه نَكِرةً، وهذا لأنَّ الأعلامَ تَحتملُ التَّنكيرُ بخلافِ المُضمَرِ والمُعرَّفِ باللَّامِ فإنَّه لا يَحتَمِلُ البَتَّةَ التَّنكيرَ فإن سَألتَ: فَفي قَولِكَ: الضَّاربا زَيدٍ، لَمَ يَقع اليأسُ عن تَعريفِ المُضافِ بالمضافِ إليه؟ أَجبتُ: بَلَى وقَعَ لِوقُوعِهِ في الإِفرادِ، والتَّثنِيَةٌ فرعٌ على الإِفرادِ فَلَو امتحِنتِ الإِضافَة في التّثنية لكانَ حالُها فيها كحالِها في الإِفرادِ. رأى الأمر يفضي إلى آخر … فصيَّر آخره أوّلا (٢) فإن سألت: فكيف لم يجز الضاربا رجل كما جاز الضاربا زَيدٍ؟ أَجبتُ

стр. 506

لأنَّه قد يَقَعُ اليأسُ عن تَعريفِ المُضافِ بالمُضاف إليه ها هُنا في صورَتي التَّثنِيَةِ والإِفرادِ، إذ امتحانُ تَعريفِ المُضاف بإدخالِ اللّامِ على المُضافِ إليه لَيس على مُخالَفَةِ الأصلِ فيُمتَحَن، بخلافِ العَلم. عندَ الفَرّاء يجوزُ الضَّاربُ زَيدٍ، قياسًا على قَولهم: الضَّاربُ الرَّجلِ والجامعُ بينَهما وُقوعُ اليَأسِ عن تَعريفِ المُضافِ بالمُضافِ إليه ظاهِرًا ضَرورةَ أنَّ زَيدًا مَعرِفةٌ ظاهرًا لأنَّه عَلَمٌ، قالوا: لو (١) كانَ القياسُ في نحوِ قولك: الضَّاربُ الرّجلِ أنْ لا يجوزَ فيه سِوى النَّصبِ لكنْ جازَ فيه الجرُّ لأنَّه شُبِّهَ بقولهم: الحسنُ الوجهِ، كما شُبِّه الحسنُ الوَجهَ بالنّصبِ بالضاربِ الرجلَ، وهذا من مكاره النحو فلا يُلتَفَتُ إليه. قال جارُ اللَّه: "فصلٌ؛ وإذا كان المضافُ إليه ضميرًا متصلًا جاءَ ما فيه تنوينٌ أو نونٌ، وما عَدِمَ واحدًا منهما شرعًا في صحةِ الإِضافةِ لأنَّهم لما رَفَضُوا فيما يُوجد فيه التَّنوين والنُّون أن يجمعوا بينه وبين الضّميرِ المُتَّصلِ جَعَلوا ما لا يُوجدُ فيه له تَبَعًا، فقالوا: الضّارِبك، والضّارِبانك، والضارِبيّ، والضارباتِيّ (٢)، كما قالوا: ضارِبك، والضّارِباك، والضَّارِبوك والضارِبيَّ والضَّارِبتِيّ قال عبدُ الرَّحمن بن حَسّان: أيُّها الشَّاتِمي ليُحسَبَ مِثْلِي … إنَّما أنتَ (٣) في الضَّلالِ تَهيمُ" (٤) قال المُشرّحُ: هذا الكلامُ مُختَلٌّ بِمَرَّةٍ، وأنا أولًا: أَشرحُهُ، ثُمَّ أعتَرِضُ عليه، ثُمَّ أذكُر الصَّحيحَ، يقال: الناسُ في هذا الأمرِ شرَعٌ، أي: سَوَاءٌ يحرّك ويسكّن، والسَّماعُ ها هنا التَّحريك، وأَصلُهُ الذين يشرَعون في شرعة وهي:

стр. 507

جمعُ شارعٍ، كخدمٍ جمعُ خادمٍ، يقولُ: كان القياسُ أن لا يجوزَ إضافةُ ما لا نون فيه ولا تنوين من اسم الفاعلِ المعرَّفِ باللّامِ إلى الضميرِ، لأنَّ هذه الإِضافة (١) غيرُ مفيدةٍ للتَّعريفِ والتَّخفِيفِ فلا يجوزُ، أمَّا أنّها غيرُ مفيدةٍ للتَّعريفِ فلأنَّ التّعريفَ في هذه الإِضافة يُستفادُ من اللَّام لا من هذه الإِضافة بدليل أنَّ هذه الإِضافة لو كانت معرفةً لما دَخَلَ اللّام على المضافِ كما في الإِضافة المعنويَّة، وأمَّا أنَّه لا تخفيفَ فظاهرٌ، إلَّا أنَّهم لما أجازوا الإِضافة فيما وُجد فيه علةُ الجَواز، وهي اشتمالُ اسم الفاعل على التَّنوينِ والنونِ، أجازوها فيما لم يُوجد، فحملوا (٢) ما لم يَشتَملْ على عِلَّةِ الجَوازِ تَبَعًا لما اشتَمَل عليها. وهذا كلامٌ ليس بعده في الفَسادِ مُنتهى، لأنَّ محصُولَ هذا اللامِ شيئان: أحدُهُما: اشتمالُ أحدِهما على عِلّةِ مُوجِبَةٍ للحُكمِ وعدمُ اشتمالِ الآخرِ عليها. وثانيهُما: وُجُوبُ أن يكونَ غير المشتَمِلِ مُلتَزِمًا للحُكم كالمُشتمِلِ، وذلك أن يَتبعَ غيرُ المشتملِ المشتملَ، وهذا فاسدٌ لأنَّه يَقتَضِي ثُبُوتَ الحُكمِ في كل صورَتَين متقارِبَتَين، سواءٌ وجدت العلةُ في الصورة الأخرى أو لم توجد، وذلك لأنَّا نُتبِعُ هذه الصورةَ التي لم تُوجد فيها العلةُ الصورةَ الأخرى وهي التي فيها وُجدت. وإنَّما الوجة الصحيحُ ما ذكرتُه آنفًا من أنَّه وقع اليأسُ عن تعريفِ المضافِ بالمضافِ إليه، فتدخُلُ اللّامُ على المضافِ، وبيانُ أنَّه وَقَعَ اليأسُ من تعريفِ المُضافِ بالمُضافِ إليه ها هنا، أنَّ المضاف إليه ها هنا هو الضَميرُ والضَميرُ لا يَحتمِلُ التَّنكيرَ. قال جارُ اللَّه: "وقولُه: هُمُ الآمِرُونَ الخَيَر والفاعِلُونَه

стр. 508

مما لا يُعمَلُ عليه" (١). قال المشرِّحُ: ها هنا بحثٌ وهو أنَّك إذا قُلتَ: الضَّاربُ أباه زيدٌ فقد اتَّفقُوا على جوازِ هذا المَنصوبِ أعني أباه، وهو مَفعولُ ضاربٍ أمَّا إذا أُقيم مقامَ هذا المُضمرِ المَنصوبِ مُضمرٌ فهل يكون ذلك المضمرُ منه منصوبًا أم لا؟ في كلامِهِم ما يَدُلُّ علىَ اختلافِهم في مَحَلِّ هذا الضميرِ (٢). قال الإِمامُ عبدُ القاهر الجُرجانِيّ: فإذا قلتَ: الضّارِباك (٣)، والضَّارِبوك والضَّارباه والضّاربوه كان الكافُ والهاءُ في موضعِ جَرٍّ، وإذا قُلتَ الضّارِبُك زيدٌ الضّارِبُه عَمرو الضّارِبي زيدٌ كان الموضِعُ في جميعِ ذلك نَصبًا لما عرَّفتُك من أنَّه لا يكُونُ مع الألف واللَّام إِذا كان اسمُ الفاعلِ غيرَ مثّنًى ولا مَجموعٍ، وفي كلامِ الشَّيخِ ها هنا ما يَدُلُّ على أنَّ الموضعَ في جميع ذلك جَرٌّ، ألا ترى أنَّه قالَ: جاءَ ما فيه تنوين أو نون، وما عَدِمَ واحدًا (٤) منهما شَرعًا في صحةِ الإِضافةِ، ثم فَسَّرَ ذلك بقوله: فقالوا: الضَّارِبُك، والضَّارِبانك (٥)، والضَّارِبيّ، وهذا تَصريحٌ منه بُوجُود الإِضافة في هذه الصُّورة. احتجَّ الإِمامُ عبدُ القاهر بأنَّ (٦) العَلَم مما تَجوزُ إِضافةُ اسمِ الفاعِلِ المعرَّفِ باللَّامِ، من اسمِ الفاعلِ المُثنَّى (٧) والمَجموع إليه، ثم لا يجوزُ إضافةُ المفردِ المعرَّفِ باللَّام إليه، فكذلك الضَّميرُ [ولأنَّ الضَّميرَ] (٨) في قولك: الضّارِبه زيدُ قامَ مقامَ المنصوبِ في قولك: الضَّارِبُ أباه زيدٌ (٩). حُجَّةُ

стр. 509

الشيخِ -رحمه (١) اللَّه- المُعَرّفُ باللّامِ مما تجوزُ إضافةُ المعرّفِ باللّامِ من اسمِ الفاعلِ المُثَنَّى والمجموع إليه، وإضافةُ المعرَّفِ باللَّامِ من اسمِ الفاعلِ المُفرد إليه، فكذلك الضَّميرُ، على أنَّا نقولُ لا يلزمُ من امتِناعِ إضافةِ اسمِ الفاعلِ المفردِ إذا كانَ مُعرّفًا باللَّامِ إلى العلمِ امتناعُ إِضافةِ اسمِ الفاعلِ المفردِ إذا كان معرفًا باللَّام إلى الضَّميرِ، وذلك أنَّه في العَلَمِ لم يَقَع اليأسُ عن تعريفِ المضافِ بالمضافِ إليه، ضَرورةَ أنَّ الأعلامَ تَحتملُ التَّنكيرَ، فلا تعدِلُ عن الإِضافة إلى مُعرّفٍ آخرَ، بخلافِ الضَّمير والمعرّف باللّام، فإنَّ اليأسَ فيهما قد وَقَعَ، فإن سألتَ: ما ذكرتَ من الدّليلِ وإن دَلَّ على أنَّ العلمَ فيه احتمالُ التنكير، فها هُنا ما يَدُلُّ على أن ليسَ فيه احتمالُ التّنكير، بدليل أنه يوصف بالمعرَّفِ باللَّامِ، أجبتُ: ما ذكرتُ من الدَّليلِ وإن (٢) دَلَّ على أنَّه ليسَ فيه احتمالُ التَّنكير، فها هنا ما يَدُلُّ على أنّ فيه ذلك ألا تَرَى أنَّه يَجُوز إدخالُ اللَّام عليه (٣) بخلافِ الضَّمير (٤) والمعرَّفِ باللَّام وأمَّا قولُه: الضَّميرُ في قولِكَ: الضَّاربُه زيدٌ قامَ مقامَ المَنصوبِ في قولِكَ: الضّاربُ أباه زيدٌ، فأقولُ: ما ذكرتَ من الدَّليلِ، وإن (٥) دَلَّ على أنَّ هذا الضَّميرَ منصوبٌ فها هُنا ما يَدُلُّ على أنَّه غيرُ منصوب لأنَّ المتصلَ المنصوبَ يَتَّصِلُ بالفعلِ ولا يتّصلُ بالاسمِ، كما أنَّ المتَّصلَ المجرورَ يَتّصلُ بالاسمِ ولا يَتّصلُ بالفعلِ، وهذا لأنَّ الضّمائرَ لكونِها بمنزلةِ الإِشاراتِ والتلويحاتِ مظنَّةُ الاحتياطِ، ولذلك صاغُوا للمرفوعِ ضميرًا، وللمنصوبِ ضميرًا، وللمجرورِ ضميرًا ومن ثَمَّ حَمَلُوا قوله:

стр. 510

هُمُ الآمِرُون الخيرَ والفاعِلُونَه على ضَرورة الشّعر (١)، ولو كانَ الضميرُ المتّصلُ المنصوبُ مما يتّصلُ بالاسمِ لما كانَ في "الفاعلونه" ضرورةٌ لأنَّه بمنزلةِ "والذين يفعلُونه"، والمثبتُ في نسخةِ الشَّيخ (٢) الضَّاربوك والضّاربيَّ، قال أفضلُ القُضاة الجَنْدِيّ (٣): لعلّ الصَواب: الضّاربوك، والضَّارباني، والضَّاربيّ (٤). ما بعد البيت الأول على ما أنشدنيه بعضُ الأئمَّةِ البَنَاكِتِيَّة (٥): لا تَسُبنَّني فَلَستَ بِسِبِّي … إنَّ سِبِّي من الرَّجالِ الكَرِيمُ (٦) تمامُ البيتِ الثَّاني (٧): إِذا ما خَشُوا يومًا من الدَّهرِ مُعظِمًا قال جارُ اللَّه: فصلٌ: وكلُّ اسمٍ مَعرفةٍ يَتَعَرَّفُ به ما أَضيفَ إليهِ، إضافةً مَعْنَويَّة، إلَّا أسماءً تَوَغَّلت في إبهامِها فهي نَكِراتٌ، وإن أُضيفت إلى المعارِفِ وهي نحوُ غيرِ ومثلِ وشبهِ، ولذلك وُصفت بها النّكرات فقيل:

стр. 511

مررتُ برجلٍ غيرِك ومثلِك وشبهِك ودخل عَليها رُبَّ، قال: * يا رُبَّ مثلِكِ في النِّسَاءِ غَرِيرةٌ * قالَ المُشرّحُ: هذا الفَصْلُ قد تَخَبَّطَ فيه النّحويوُن وأَنا أولًا أُصلحُ كلامِهم بقدرِ المُمكن ثُمَّ أَعْتَرِضُ عليه، ثم أذكُرُ الصَّحيحَ. قالوا: كلُّ اسمٍ أضيفَ إلى المعرفةِ إِضافةً معنويّةً فهو مَعرفةٌ إلَّا أسماءً تَوَغَّلت في إبهامِها فهي نكراتٌ وإن أُضيفت إلى المعارِفِ، ولذلك يُقال: مررتُ برجلٍ غيرِك وشبهِك، فتقعُ صفاتٍ للنكرةِ ولو كانت معارفَ، ولَما كانَ ذلك كذلك، ولذلك دَخَلتَ عَلَيها "رُبَّ" وهي لا تَدْخُلُ إلَّا على النَّكراتِ. وهذا كلامٌ فاسدٌ، وذلك لأنَّ إباءَهَا التَّعريفَ لو كان (١) لتوغُّلها في الإِبهام لما تعرَّف المُغايرُ، والمُماثلُ والمُشابهُ في قولك: مررتُ بالرَّجلِ المُغَايِرِ أَبوه أباكَ، وبالغُلامِ المُماثِلِ وجهُهُ بَدرًا، والمُشابِهُ قَدُّهُ الغُصنَ، لمساواةِ هذه الأسماءِ تلكَ في المعنى حَذوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، والحقُّ أنَّ هذه الأسماءَ في الأصلِ صفاتٌ، ومن ثَمَّ ذَكَرَ سيبويه أَنَّهُنَّ مضافاتٌ بمعنى اسم الفاعلين في موضعِ مُغايِرِك، ومماثِلِك، ومشابِهِك للحال فلكون الإِضافةِ فيها لم يكتسِ بها المُضافُ تَعريفًا. فإن سَألتَ: لو كانت الإِضافةُ فيها لَفظيَّةً لجازَ أن تَدخلَ عليها اللَّامُ وهي مضافةٌ. أجبتُ: هذه الأسماء وإن كُنَّ في الأصلِ صفاتٍ إلَّا أنَّهُنَّ اغتَصَبنَ طَرفًا من الاسمِيَّةِ، ومن ثَمَّ لا يُعملنَ إِعمالَ سائرِ الصِّفاتِ، فلا يُقال: مررتُ بالرَّجُلِ المثلِ غلامِهِ البدرَ، والشِّبهِ قَدِّه الغُصنَ، فمن حيثُ أنَّهُنَّ صفاتٌ فالإِضافةِ فيهنَّ لفظِيَّةٌ، ومن حيثُ أنَّهنَّ أسماءٌ لم يجز دخولُ اللَّامِ المعرّفةِ على المضافِ توفيرًا على الشبهين حظَّهما، ونظيرُ هذه المسألةِ قولهَم: أقائمٌ الزيدان، ألا

стр. 512

تَرى أنَّ قائمًا من حيثُ أنَّه اسمٌ دَخَلَه التَّنوين، ومن حَيْثُ أنَّه بمنزلةِ الفِعْلِ فَرفعتُهُ بمنزلةِ رَفعةِ المُضارِعِ تمامُ البيت (١): * بَيضاءُ قد مَتَّعتُها بِطَلاقِ * قال جار اللَّه: "اللَّهم إلَّا إِذا شُهِر المُضاف بمغايرةِ المضافِ إليه كقوله تعالى (٢): ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أو المماثلة". قال المشرّح: في هذا الكلام نَظَرٌ، بيانُه: اعلم أنَّ غيرًا له ثلاثةُ مواقعَ: أحدُهما: أن تقعَ مَوْقِعًا لا يكونُ له فيه إِلَّا نكرةً، وذلك إِذا أُريدَ به النَّفيُ السَّاذج نحو: مررتُ برجلٍ غيرِ زيدٍ، تريدُ أنَّ الممرُور بِه ليس بهذا الثاني. الثاني: أن تقعَ موقِعًا لا تكونُ فيه إلَّا مَعْرفَةً، وذلك إِذا أُريد به شيءٌ قد عُرفَ بمضادَّةِ المُضاف إليه في معنى لا يُضَادُّه فيه إلَّا هو كما إذا قُلْتَ: مررتُ بغيرِك، أي المعروفُ بمضادتَك، إلَّا أنَّه في هذا الوجهِ لا يَحسُنُ أن يُجرى صفةً، لو قلتَ: مررتُ بزيدٍ غيرِك لم يَكَد يَصحُّ، إنَّما الواجِبُ أن تقولَ مررتُ بغيرِك فتذكيره (٣) غيرُ جارٍ على الموصوفِ، وأمَّا قولهم: عَليك بالحركةِ غيرِ السكونِ فكلامٌ فيه استكراهٌ، وهذا لأنَّ غيرًا في هذا الوجه

стр. 513

تَجري مَجرى الكِنَايَةِ، فلذلك تَتَعَرَّفُ، والكنايةُ لا تَجري، ومن المثال الطَّيِّبِ في هذا الباب قولُ أَبي الطَّيِّبِ (١): بغيرِكَ راعيًا عَبَثَ الذِّئَابُ … وغَيْرِكَ صارِمًا ثَلَمَ الضّرابُ ألَا تَرى أنَّه نَصَبَ راعِيًا وصَارِمًا على الحالِ من غيرِك. الثالثُ: أن تقعَ موقِعًا تارةً تكُون (٢) فيه مَعرفةً، وأُخرى نكرةً كما إذا قلتَ: مررتُ برجلٍ كَريم غيرِ لَئِيمٍ، وعاقلٍ غيرِ جاهِلٍ، فالرَّجُل (٣) الكريمُ غيرُ اللَّئِيمِ، والعاقلُ غيرُ الجَاهِل. قال الإِمامُ عبدُ القاهر الجُرجانيّ: وقوله تعالى (٤): ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ من القسم الثالث. وقد جَعَلَهُ شَيْخُنا من قَبِيل القِسمِ الثَّاني فكانَ مُستدرَكًا عليه (٥). قال النَّحويون: إذا قلتَ: مررتُ بالرَّجُلِ الكريمِ غَيرِ اللَّئيمِ، والعالِمِ غيرِ الجاهِلِ، فالمعنى: مررتُ بالرَّجلِ الكريمِ لا اللَّئِيمِ، والعالِمِ لا الجاهِلِ، ومن ثمَّ (٦) وردَ في المعطوف عليه "غيرِ" في قوله تعالى (٧) ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. قال جارُ اللَّه: "فصلٌ، والأسماءُ المضافةُ إِضافةً معنويةً على ضربين: لازمةٌ للإِضافة وغيرُ لازمةٍ لها، فاللَّازمةُ على ضربين ظروفٍ، وغيرِ ظروفٍ، فالظروفُ نحوُ: فوقَ، وتحتَ، وأمامَ، وقُدَّامَ، وخلفَ، ووراءَ (٨)، وتلقاءَ، وتِجَاهَ، وحِذا، وحذوَ، وعندَ، ولَدُن، ولَدَى، وبَينَ، وَوَسْطَ، وسِوى، وَمَعَ، ودونَ. وغيرُ الظروفِ نحو مِثلِ، وشِبهِ،

стр. 514

وغَيرِ، وبَيدِ وقيدِ (١)، وقَدا (٢)، وقاب وقَيسنِ، وأيّ، وبعضِ، وكُلِّ، وكِلا، وذو مؤنثة، مُثَنَّاة وَمَجموعةٌ وأُلَوا أُولات، وقَد، وقَط، وحَسب. وغَيرُ اللَّازِمِ نحو: ثوبٌ، ودارٌ، وفرسٌ، وغيرهما مما يضافُ في حالٍ دونَ حالٍ. قال المشرّحُ: وَسْطها: ها هنا بسكونِ السّين مثل داخل الدائرة، وبالتَّحريك مثل مركز الدائرة، والثاني مما يوصف به، ويستوي فيه جميع أحوالِ المَوصوفِ. فإن سألتَ: أليس أنَّ الجهاتِ الستَّ مما يعزل عنها المضاف إليه؟ أجبتُ: بَلَى لكن على نيَّةِ الإِضافةِ فهي بمنزلةِ المضافِ. فإن سألتَ عن أن المضافَ إليه ثَمَّ على وجهين: أحدهما: أن يكونَ على نيَّةِ الإِضافة كما في الغايات. والثاني: أن يكون لا على تِلكَ النِّيةِ كما في "القسطاس في العروض" (٣) وإنْ وقع في الحشو سُمِّيَ المَشكوكَ الطَّرفين كقولِهِ: * تَعاقبَ حينَهُ قبلًا وبعدًا * وكقوله (٤): * فَسَاغَ لِيَ الشَّرابُ وكُنتُ قَبلًا * أجبتُ: اختَلَفوا في هذه الظُّروف إذ أُفرِدَت فقالَ البَصريُّون هي كما كانت ظُروفٌ، ومَنَعَ من ذلك الكوفيُّون، فأجازَ البَصريُّون زيد قُدّامًا، وخَلفًا

стр. 515

فالنَّصبُ على الظَّرف، وقال الكوفيُّون: زيد قُدَّامٌ وخَلْفٌ بالرَّفع بمعنى متقدّمٌ ومتأخر، وإذا قُلتَ: ذَهَبَ زيدٌ خَلفًا، فهو عند البَصريّين نَصبٌ على الظَّرفِ وعندَ الكوفيِّين على الحال، فعلى ذلك لستُ أسلم أن قبلًا في قوله: (وكنتُ قَبلًا) هو هو في قولك جئتُ قبلَك ألا تَرى أنَّ قَبلًا في قولِكَ جئت قبلَك غيرُ صفةٍ، وفي كنتُ قَبلًا إذا كان انتصابُه على الحال صِفةٌ، وكَم بينَ الصِّفةِ وغيرِ الصفة. الإِضافةُ على ما قررته في مِثل، وشِبه وغير لفظيَّةٌ فلا تكونُ هذه الأسماءُ من قَبيلِ المُضافِ إِضافةً معنويَّةً، فإِن سألتَ: كلُّ: ليس من قبيل الإِضافات بدليل قولك: جاءَني الكلّ، ورأيت الكلّ، ومررت بالكلّ؟ أجبتُ: اللَّامُ فيه تَنوب عن الإِضافةِ، وإن (١) أردتَ أن تعرفَ نيابةَ اللَّامِ عن الإِضافةِ فتَأَمَّل بيتَ العراقيّات (٢): هُمُ في الرّضى كالماءِ يُسترُ في الظَّبي … وكالنَّارِ فيها حين يسلُبها السُّخط فاللَّامُ في السُّخطِ لو لم تكن نائبةً عن الإِضافةِ، لَفَسَدَ برمَّتِهِ معنى البيت. تخمير: وإنَّما نابت اللَّامُ عن الإِضافةِ إِلى الضميرِ لِشَيئين: أحدهما: أنَّ اللَّامَ للإِشارةِ كالضميرِ. والثاني: أنَّ اللَّامَ لما كانت للعهدِ، والمعهودُ غائبٌ جرت مجرى الضَّمير، كذا ذكره النحويون لأنَّ كُلًّا منهما لا يَحْتَمِلُ التَّنكِيرَ. قال جارُ اللَّه: "فصلٌ، وأيٌّ إضافتُه إِلى اثنين فصاعدًا إذا أُضيف إِلى المعرفةِ، كقولِك: أيُّ الرَّجُلين، وأيُّ الرّجال عندك، وأيُّهم وأيُّ من رأيتَ أفضلُ، وأيُّ الذين لقيتَ أكرمُ.

стр. 516

قال المشرّحُ: أيٌّ في قولِك: أيُّ الرَّجلين، وأيُّ الرِّجالِ عندك قد أضيفَ إلى المظهَر، وفي أيِّهما وأيِّهم قد أضيفَ إلى المضمرِ، وفي: أيُّ الذين لقيتَ أكرمُ قد أُضيف إلى الموصولِ. قال جار الله: "وأما قولهم: أيّي وأيّك كان شَرًّا فأَخزاه الله فكقولك: أَخزى اللهُ الكاذِبَ مِنّي ومِنك وهو بَيْنِي وبَيْنَك المعنى أَيّنا، ومنا، وبيننا، قال العبَّاس بن مِرداس (١): فأيُّ ما وأيُّك كانَ شَرًّا … فَقِيدَ إلى المَقَامَةِ لا يَرَاها" قال المشرِّحُ: القياسُ أن لا يُكرر هذا المُتَوَسِّطُ بين الضَّمِيرَين إلَّا أنَّه كُرِّرَ لمعنًى (٢)، وذلك أنَّه لو لم يُكَرَّر (٣) لم يُعرف أنَّ المُكَنَّى عنه ينافي أيُّنا ومِنّا وبيننا أهو أنا وأنت أم نَحن وأَنتم. عَني بالمقامةِ المجلس يَعني (٤) فصارَ أَعمى يقادُ إلى مَجلِسِهِ، وهذا من بابِ الإِنصافِ ونحوُه: تَغَابَيتُ عَن قَومِي فَضَنُّوا غَبَاوَةً … بِمَفْرِقِ أَغْبَانَا حَصىً وَتُرَابُ وقول حَسَّان (٥): * فخيرُكُما لشرِّكُما الفِدَاءُ *

стр. 517

وبعده: ولا وَلَدَت لهم أبدًا حَصَانٌ … وخَالفَ ما تُريدُ إذا بَغَاهَا (١) يَقُولُ إذا قَصَدَ الجماعَ في المَوضِعِ الذي هو مَحَلُّه أخطَاهُ، وهذا دعاءٌ عليهم بانقطاعِ النَّسلِ. قال جارُ الله: وإذا أضيفَ إلى النكرةِ أضيفَ إلى الواحدِ والإِثنين والجماعةِ كقولك: أيُّ رجلٍ، وأيُّ رجلين، وأيُّ رجالٍ. قال المشرّح: أيُّ إذا أضيفت إلى نكرةٍ جازَ أن يكونَ المضافُ إليه مفردًا كما جاز أن يكونَ مُثنى ومَجموعًا، بِخِلافِ ما إذا أُضيف إلى المعرِفَةِ فإنَّه يَجوزُ أن يكونَ مُفردًا، والفَرقُ بينهما أنَّه إذا أًضيفَ إلى النَّكرةِ فالاستفهامُ عن المضافِ إليه كُلِّه، والمستَفهَمُ عنهُ كما يكونُ غيرَ مفردٍ يكونُ أيضًا مفردًا، بخلافِ ما إذا أُضيفَ إلى المَعرفةِ فإنَّ الاستفهامَ لا يَقَعُ على (٢) المضافِ إليه كُلِّهِ، بل على (٢) واحدٍ من الجملةِ، وإنَّما يقعُ الاستفهامُ على واحدٍ من الجملةِ إذا كان هُناك جملةٌ لها واحدٌ وهو المثنى والمجموع وكذلك تقولُ في الأولِ أيُّ رَجُلٍ قامَ، وأيُّ رَجلين قاما، أيُّ رجالٍ قامُوا، وفي الثاني: أيُّ الرجلينِ قامَ، وأيُّ الرجالِ قامَ، فإن سألتَ: لو بَيَّنَت لنا على وَجهِ التَّبرُّع كيفَ يقعُ الاستفهامُ عن البعض إذا أضيفَ إلى المعرفةِ وعن الكُلّ إذا أضيفَ إلى النَّكرةِ؟ أجبتُ: لأنَّ أيًّا إذا أُضيفَ فالاستفهامُ لا يتعدى المضافَ والمضافَ إليه، وبعد ذلك إذا أُضيفَ إلى المعرفةِ فالاستفهامُ لا يَقَعُ عن المضافِ إليه لأنَّ المانعَ عن انصرافِهِ إلى المضافِ إليه مَوجودٌ إذ المتكلمُ قد أَقَرَّ بكونِ المضافِ إليه مَعلومًا بخلافِ ما إذا أُضيفَ إلى النَّكرةِ فإنَّه لا مانعَ ها هنا من انصرافِهِ إلى الكُلّ فيصرفُ إليه لكونِهِ جَوابَ

стр. 518

الاستفهامِ فإن سألتَ: الكلُّ كما يصلُحُ جَوابًا للاستفهامِ فكذلك البَعضُ (١)؟ أجبتُ: ما الدَّليلُ على ذَلك، وذَلك (٢) لأنَّ أيًّا ها هَنا [تقعُ -في الحَقِيقَة- صِفَةً للمُضَافِ إليه، فينصرفُ الاستفهامُ إلى كلِّه بخلافِ] (٣) ما إذا كانَ المضافُ إليه معرفةً فإنَّ أيًّا لا تكونُ في معنى الصِّفةِ ضَرورةَ أنَّ أيًّا نَكِرَةٌ، والمضافُ إليه معرفةُ. قال جارُ اللهِ: ولا تقولُ: أيًّا ضَربتَ ولا بأىٍّ مررتَ إلّا حيثُ جَرى ذكرُ ما هو بعضٌ منه كَقَولهِ عَزَّ وَعَلا (٤) ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. قال المشرّحُ هذا كما لو قُلتَ: مررتُ بشاتِمي الأميرِ فقيلَ لك: بأيٍّ مررتَ، وضربتُ بعضَ شاتِمي الأميرِ فقيلَ لك: أيًّا ضَربتَ (٥)، وعليه قوله: ﴿[قُلِ (٢) ادْعُوا اللَّهَ] (٦) أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. قال جارُ الله: ولاستجابةِ الإِضافةِ عوَّضُوا منها توسيطَ المُقحَمِ بينَه وبينَ صفتِهِ في النّداء. قال المشرِّحُ: أيٌّ لما كانَ من الإضافياتِ قَصَدوا استعمالَهُ في النّداءِ غيرَ مضافٍ، عوَّضُوا عن المضافِ إليه شَيئًا شَبيهًا بالمضافِ إليه فقالوا: يا أيُّها الرَّجلُ، أَلَا تَرى أنّ "ها" في بابها ليس بمضافٍ إليه، إنَّما هو شَبيةٌ بالمُضافِ إليه في قولِكَ غُلامها.

стр. 519

قالَ جارُ الله: " فَصلٌ، وحقٌ ما يُضافُ إليه "كِلا" أن يكونَ معرفةً أو مُثَنَّى، أو ما هو في معنى المُثَنَّى كقوله (١): فإنَّ اللهَ يعلَمُني وَوَهبًا … ويَعلمُ أن سَيَلقَاهُ كِلانا وقوله (٢): إنَّ للخَيْرِ وللشَّرِ مَدىً … وكلا ذلِكَ وَجهٌ وقبل ونَظيرُه (٣): ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ". قال المشرِّحُ: أمّا حَقٌّ ما يضافُ إليه "كِلا" أن يكونَ مَعرفةً، فلأنَّ المضافَ إليه بمنزلةِ المُؤكَّدِ، والمؤَكَّدُ لا يكونُ إلّا معرفةً، على ما يجيءُ بيانُه إن شاء الله تَعالى في التَّوابعِ. وأما كونُه مُثَنًى فظاهرٌ، وذلك أنَّ التَّأكيدَ تَبعٌ (٤) للمُؤَكَّدِ في التَّثنيةِ (٥) والإِفرادِ، وإن لم يَكُن مثَنَّى فلا بُدَّ من أن يكونَ في معنى المُثنَّى كقوله: "سَيَلْقَاهُ كِلَانا" فإنْ لم يضمر فيه وهو ما وإن لم يكن مُثَنًّى إلَّا أنَّه في معنَى المُثَنَّى. في هذا البيت شُذوذٌ من وَجهين: أحدهما: إفرادُ ما أضيفَ إليه "كِلا". الثاني: إبدالُ ضَميرِ الحكايةِ من المُظهرِ، وكذلك "ذلك" في البيتِ الثَّاني لأنَّ المعنى كِلا الأمرين الخيرِ والشّرِّ. هذا البيت لابنِ الزِّبَعْرَى (٦) في يومِ أحدٍ وقبله:

стр. 520

يا غرابَ البينِ أنعمتَ فَقُل … إنَّما تَنْطِقُ شيئًا قد فُعِل إنَّ للخيرِ وللشَّرِّ. . . . . … . . . . . . . . . . . البيت وبعده: والعطيَّاتُ حشاشٌ بينهم … وسواءٌ قبرُ مُثرٍ ومُقِلّ كلُّ عيشٍ ونَعِيمٍ زَائِلُ … وبَناتُ الدَّهرِ يلعَبنَ بِكُلّ بينَهم: أي بينَ الناسِ. قال جارُ الله: ويجوزُ التَّفريقُ في الشِّعرِ كقوله: كِلا زيدٍ وعمروٍ. قال المشرّحُ: العَطفُ ها هنا من بابِ التَّثنيةِ كما في بيتِ (الإِصْلَاحِ) (١) * كأنَّ بينَ فكِّها والفَكِّ * وها هنا شيءٌ آخرُ وهو: أنَّ العَطفَ كما نَابَ عن التَّثنِيَةِ، فكذلك العَلَمُ نابَ عن الجنسِ كما في قوله (٢): * لا هيثَمَ اللَّيلةَ للمُطِيِّ * وأصلُه: كِلا الرَّجلين زيدٍ وعمروٍ.

стр. 521

قالَ جارُ اللهِ: "وحُكمُه إذا أُضيفَ إلى الظَّاهِر يَجري مَجرى عَصًا ورَحىً تقولُ: جاءني كِلا الرَّجلين، ورأيتُ كِلا الرَّجلين، ومررتُ بكِلا الرَّجلين وإذا أُضيف إلى المُضمَرُ أن يُجريَ مُجرى المُثنَّى على ما ذُكِرَ". قال المشرّحُ: "كِلا" إذا أضيفَ إلى المُظهر استَوى فيه الأحوالُ الثَّلاث (١) وإذا أضيفَ إلى المُضمَرِ جَرى مَجرى المُثنَّى تقولُ: جاءَني كِلا الرَّجلين، ورأيتُ (٢) كِلا الرَّجُلين، ومررتُ بكلا الرَّجلين، وجاءَني (٣) كِلاهُما، ورأيتُ كِليهِما، ومررتُ بكِلَيهما. وجهُ الفَرقِ أنَّه إذا أُضيف إلى المظهَرِ فإنَّه البَتَّةَ لا يَجري على المُؤَكَّدِ فجازَ أن يُثنَّى بخلافِ ما إذا أُضيفَ إلى المُضمَرِ فإنَّه يَجرِي (٤) على المؤكّدِ والمُؤكَّدُ مُثَنًّى، فيكونُ التَّأكيدُ كذلك (٥) أيضًا. قال جارُ اللَّه: وفي العَرَبِ من يُقِرُّ آخرَه على الألفِ في الوجهين. قال المشرّح: من العَرَبِ من يُجري "كِلا" في الوجهين مَجرى واحدًا، ولَعلَّها لُغةُ من لا يُفَرِّقُ في التَّثنِيَةِ بينَ الحالين قال المُتَلَمِّسُ (٦): فأطرقَ إطراقَ الشُّجاعِ ولو رَأَى … مَساغًا لِناباهُ الشُّجاع لَصَمَّما (٧)

стр. 522

وأنشدَ الشَّيخُ قال أنشدَ الأُستاذُ أبو مُضَرٍ (١): -رحمهما الله- أيا رَبِّ حىِّ الزَّائرين كِلاهما … وحىِّ دَليلًا بالفَلاةِ هَداهُما (٢) قال جارُ الله: "فصلٌ؛ وأفعل التَّفضيلِ يُضافُ إلى نَحوِ ما يُضافُ إليه أيّ (٣) تقولُ: هو أفضلُ الرَّجُلين، وأفضَلُ القومِ، وتقولُ: هو أفضلُ رَجلٍ، وهما (٤) أفضلُ رجلين، وهم (٤) أفضلُ رجالٍ، والمعنى في هذا إثباتُ الفضلِ على الرِّجال إذا فُصِلوا رَجُلًا رَجُلًا، واثنين اثنين، وجماعةً جماعةً. قال المشرّحُ: إذا فُصِّلوا رَجلًا رَجلًا بالصَّاد المُهملة، إذا قلتَ: هو أفضلُ رجلٍ فالمعنى إذا فَصَّلتَ الجنسَ رَجُلًا رَجُلًا فهو أفضلُ رَجلٍ وإذا قلتَ: هما أَفضلُ رَجُلين، فالمعنى إذا فَصَّلتَ الجِنسَ رَجُلين رَجُلين فهما أفضلُ رَجُلين، وإذا قُلت: هم أَفْضَلُ رِجالٍ فالمعنى إذا فَصَّلت الجِنسَ رِجالًا رِجالًا فهم أَفضلُ رِجالٍ. قال جار الله: "وله معنيان أَحدهُما: أن يُرادَ أنَّه زائدٌ على المضافِ المُبهَمِ في الخَصلةِ التي هو وهم فيها شُركاء والثَّاني: أن تُؤخَذَ مُطلقًا له الزِّيادةَ فيها إطلاقًا ثُمَّ يُضاف لا لِلتَّفضِيلِ (٥) على المضافِ إليهم لكنْ لمجرّدِ التَّخصيص، كما يُضاف ما لا تَفضِيل فيه، وذلك قولك: النَّاقِصُ والأشجُّ أعدَلَا بَنِي مَروان كأنَّك قُلت: عادلَا بني مَروان".

стр. 523

قال المشرّحُ الضَّميرُ في قولِه: وله معنيان لا يَنْصرِفُ إلى قوله: هو أَفضَلُ رَجُلٍ، وهما أَفضَلُ رَجُلين، وإنَّما يَنصرِفُ إلى قولِك: هو أَفضَلُ الرَّجُلين كما أنّ الضَّميرَ في قوله وهو الوَجه المُختار في فصلِ الفاعلِ لا ينصرفُ إلى قوله ضَربتُ وضَربوني قومُك، بل إلى مَذهبِ البَصريِّين، وكذلك الضَّمير في قوله وهو قليلٌ في فَصلِ الأعلامِ لا ينصرفُ إلى قولِهِ ضَرَبتُ وضَرَبونِي أشرفُ من ذلك الزّيد بل إلى إدخالِ اللَّام عليه، فأحدُ المعنَيَينِ أن يكونَ هو والمُضافُ إليه مشتركين (١) في الفَضلِ إلَّا أنَّ له زيادةً عليه، فإذا قلتَ هو أفضلُ القومِ فالمعنى كلُّهم فاضِلٌ إلَّا أنَّ هذا أفضلُ منهم، والمَعنى الثَّاني أن لا يكونَ للمُضافِ إليه شَركةٌ مع المضافِ في الفَضَلِ، بل ويكونُ المضافُ هو الأفضلُ على الإِطلاق [وإنّما يضافُ إلى المضافِ لمجرَّدِ التَّخصيص كأنَّك قُلتَ هو الأفضلُ على الإِطلاق] (٢). وله اختصاصٌ بهذا كقولِكَ: النَّاقِصُ والأشجُّ أعدلا بني مَروان يُريدُهُما الأعدلان على الإِطلاقِ، ولهما ببني مَروانَ اختصاصٌ، ولا يُريدُ أنّ بني مَروان عادلون، وهما أعدَلُ منهم لأنَّه لم يكن في بني مروان عادِلٌ غيرُهما النَّاقِصُ: هو يَزيد (٣) بن الوَليد بن عبد الملكِ ﵀ (٤) وأمُّه شاه أفرنيد بنتُ فَيْرُوز بن يَزْدَجُرد الملك، نَقَصَ أُعطياتِ بني مروان، ورَدَّهم إلى القدرِ (٥) المُسْتَحَقِّ، ملك خَمسَة أَشهرٍ وأَيَّامًا وأمّا الأشجُّ فهو: عُمَرُ بن عبد العزيز بن مروان لُقِّبَ بذلك لِشَجَّةٍ عليه ملكَ بعدَ سُلَيمانَ بن عبد الملك، فأماتَ كلِّ بدعةٍ وأحيا كلَّ سنَّةٍ، حتى قامَ بعده يزيدُ بن عبد الملك فَأَحيا ما أَماتَه، وأَماتَ ما أَحياه.

стр. 524

قالَ جارُ اللهِ: "فأنتَ على الأوَّلِ يَجوزُ لَكَ تَوْحِيدُه في التَّثنِيةِ والجَمع وأن لا تؤنِّثُةُ قال اللهُ تَعالى (١) ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ وعلى الثَّاني: ليس لك إلَّا أن تُثَنِّيه وتَجْمَعَهُ وتؤنثَه، وقد اجتَمَعَ الوَجهان في قوله ﵇: (٢) "ألا أُخبرُكم بأحبِّكم إليَّ، وأَقربكُم مني مَجالِسَ يومَ القِيامةِ أحاسِنُكم أَخلاقًا الموطَّئُوون أكنَافًا اللَّذين يَأْلِفُون ويُؤلَفُون، أَلا أخبركم بأبغَضِكُم إليَّ، وأبعَدِكُمْ مِنِّي مجالِسَ يومَ القِيامَةِ أَساوِئكُم أخلاقًا الثَّرثارون المُتَفَيهِقُون". قالَ المشرّحُ: إذا قَصَدْتَ بأفعلِ التَّفضِيلِ المعنى الأوَّلَ جازَ تصريفُه وتركُ تَصريفِه، وعلى المَعنى الثَّاني: لا يَجُوزُ إلَّا تَصرِيفُه لأنَّه بمنزلةِ اسمِ الفاعلِ وقد اجتَمَعَ التَّصريفُ وَتركُهُ في الحديث ألَا تَرَى أنَّ قوله بأحبّكم إليَّ وأَقرَبَكُم من بابِ تَركِ التَّصريفِ، وأحاسِنِكُمِ أَخلاقًا من بابِ التَّصريفِ، وكذا قوله بأبغَضِكُم وَأَبْعَدِكُم من بابِ تَركِ التَّصريف وأَسَاوِيكم أخلاقًا من بابِ التَّصريفِ يومَ القيامةِ في كِلا المَوضعين مَنصوبٌ، والعامِلُ فيه ما كُنَي عنه من عُلوُّ الدَّرجةِ بأحبِّكم إليَّ، وأقربكم مِنّي لا أحبُّكم وأقرَبُكم. رَجُلٌ ثَرثارٌ كثيرُ الكَلامِ من قولهم: عينٌ ثَرَّةٌ أي كثيرةُ الماءِ كُرّرت الثَّاء فيه للمبالغة، المتفَيهقُ مثله من فَهَقَ الإِناءَ إذا ملأه كأَنَّه الذي يَنصَبُّ من شِدَّةِ الامتِلاءِ. قالَ جارُ اللَّهِ: "وعلى الوَجهِ الأوَّلِ لا يَجوزُ أن تقولَ: يوسُف أحسنُ إخوتِهِ لأنَّك لما أضفتَ الأخوة إلى ضَميرِه فقد أخرجتَه من جُملتهم من قِبَلِ أنَّ المضافَ حَقُّه أن يكونَ غيرَ المضافِ إليه، ألا تَرى أنَّك إذا قُلت: هَؤلاء إِخوة زيدٍ لم يكُن زيدٌ في عِدَادِ المُضافين إليه، وإذا خَرَجَ من جُملتهم لم

стр. 525

يَجُز إضافةُ أفعلَ الذي هو هو إليهم لأنَّ من شَرطِه إضافتُهُ إلى جملةٍ هو بعضُها". قال المشرِّحُ: على المعنَى الأوَّل وهو أن يُراد أنَّه زائدٌ على المضاف إليهم الخَصلة الأُولى الأُولى (١) التي هُو وهم فيها شُركاءٌ. لا يجوزُ يوسفُ أحسنُ إِخوته لأنَّه على ذَلِكَ المعنى يَجِبُ أن يكونَ المُضافُ واحدًا من المضافِ إليهِ أَلَا تَرى لو قُلتَ: زَيدٌ أفضلُ الحِجَارِةِ لم يَجُز، ولو قُلتَ: الياقوتُ أفضلُ الحِجَارةِ جازَ ويَجِبُ أن لا يَكُونَ واحدًا منهم بدليلِ أنّ الإِخوة أُضيفَت إلى ضميرِ زَيدٍ، ويَسْتَحِيلُ أن يكونَ الشَّخصُ الواحدُ واحدًا من القومِ في حالةِ، وأن لا يكونَ واحدًا منهم في غيرِ (٢) تلك الحالةِ قوله: لم يجُز إضافةُ أفعلِ الذي هو هو إليهم: معناه لم يجُز إضافةُ الذي هو المضافُ إليه، أيْ داخلًا في المضافِ إليه، كما أنَّ معنى غيرِ المضافِ إليه (٣) فيما قبله من قبل أنّ المضافَ حقُّه أن يكونَ غيرَ (٣) المضافِ إليه (٤)، أي (٥) غيرَ داخلٍ في المضافِ إليه. قالَ جارُ الله: "وعلى الوَجْهِ الثَّاني لا يَمْتَنِعُ، ومنه (٦) قولُ من قالَ لنُصيبٍ: أنتَ أشعُر أهلِ جِلدَتِكَ، كأنَّه قالَ: أنتَ شاعرُهم". قال المشرِّحُ: وعلى المعنى الثاني وهو (٧) أن يُؤخَذَ مطلقًا له الزّيادة فيها إطلاقًا يجوز لأن المعنى يوسف هو الأحسن على الإِطلاق وله اختصاص بالأخوةِ المختصَّة به، فإن سألتَ: يوسُف إذا كانَ مُختَصًّا بالأخوة كانت

стр. 526

الأخوة أيضًا مختصَّةً به، فما الفائِدةُ في إثبات الاختصاص لهم به بالإِضافة الثَّابِتَة إليه؟ أجبتُ: إضافةُ يوسفَ إلى الأخوة كما يُوجب اختصاصَه لفظًا بهم واختصاصَهم به ضرورةً فكذلك يُوجِبُ مَزِيَّةً للمضافِ إليه من حيثُ التعرفُ بدليل أنَّه عُرِّف به المضَافُ بالإِضافةِ الأُولى أَعني إضافةَ يوسف إلى الأخوة، وإن أَوجب اختصاصه بهم لكن لا يُوجِبُ المزِيَّةَ له في العُرفِ والإِضافةُ الثَّانيةُ تُوجبُ. نُصَيبُ الشاعر (١) بِضَمّ النُّون وفتحِ الصَّادِ المهملة، كان مَولى عَبدِ العزيز بن مروان، وكان لبعض العرب من بني (٢) كنانة الساكنين بودّان (٣)، وكان ابن نوبين، وعن أبي بكر بن يزيد (٤): لقيت يومًا نصيبًا (٥) بباب هشام بن عبد الملك فقلت يا أبا محجن لم سميت نصيبًا؟ ألقولك في شعرك: * [عاتبتك النصيب] (٦) *؟ فقال: لا، ولكنني ولدت عند أهل بيت من ودان، فقال سيدي ائتوني بمولودنا هذا لننظر إليه فلمّا أتي بي فقال: إنه لمنصّب الخلق فسميت النصيب (٧). وقال نصيب لعبد الرحمن بن أزهر أنشدت الوليد بن عبد الملك فقال: أنت أشعر أهل جلدتك (٨).

стр. 527

قال جار الله: "فصل، ويضاف الشيء إلى غيره بأدنى ملابسة بينهما كقول إحدى حاملي الخشبة خذ طرفك قال (١): * إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة * أضاف الكوكب إليها لجدها في عملها إذا طلع، قال (٢): إذا قال قدني قال بالله حلفة … لتغني عني ذا أنائك أجمعا لملابسته له في شربه وهو لساقي اللبن. قالَ المشرّحُ: الخَرقاء: المرأةُ في خُلقها هَوَجٌ وقلةُ رَبَقٍ، عنى بكوكبِ الخَرقاء سُهَيلًا بدليلِ تتمَّة البيتِ:

стр. 528

* سُهيلًا (١) أذاعت (٢) غَزْلَها في القَرائِبِ * فَجَعَلَ سُهيلًا عطفًا لكوكبِ الخَرقاء، وإنَّما أَضَافَ الكوكبَ إليها لأنَّ الحَمقاءَ تُضَيِّعُ صيفَها، ولا تَسْتَعِدُّ للشِتَاءِ، فإذا طَلَعَ سُهَيْلٌ سَحْرَةً مَسَّها البَردُ وحِينَئِذٍ تَأخُذُ في الاستِعدَادِ تُفَرّقُ على قَرَابَتِها القُطنَ (٣) تَسْتَعِينُ بِهِنَّ في الغَزْلِ. حَلْفَةً: مَنْصوبٌ على المصدَرِ، والعاملُ فيه ما في بالله من معنى القَسَم، لَيَعني بفتحِ [اليَّاءِ واللَّام، وعليه قراءَةُ من قَرَأَ: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بفتح اللَّام والياءِ] (٤) أيضًا، وهذا على تَقديرِ النُّونِ الخَفِيفَةِ وحَذفِها، ومثله: اضربَ عنك الهمومَ طارِقَها … ضربَك بالسَّوطِ قونَسَ (٥) الفَرَسِ (٦) لِتَعْنِي من قول العرب، اعن عني وَجْهَك أي: بَعِّدهُ. عنى بذا أنابك اللَّبَنُ يَصِفُ رَجُلًا مِضْيَافًا. قال جارُ اللَّه: "فصلٌ؛ والذىٍ أبوه من إضافةِ الشَّيءِ إلى نَفْسِهِ أن تأخذَ الاسمَين المعلَّقَين على عَينٍ أو مَعنى واحدٍ كاللَّيث والأسدِ، وزيدٍ وأبي عبدِ اللهِ والحَبسِ والمنعِ، ونظائِرِهِنَّ، فتُضِيفُ أَحَدَهُمَا إلى الآخرِ فَذاك بمكانٍ من الإِحالة، فأمَّا قَوْلُك: جميعُ القومِ، وكلُّ الدَّراهِمِ، وعينُ الشَّيءِ ونفسُهُ فليسَ من ذلك. قالَ المُشَرِّحُ: إذا كان اسمان معلقان على معنًى واحدٍ كاللَّيثِ والأسدِ فذاك الذي لا يَجوزُ إضافةُ أحدِهما إلى الآخرِ، وكذا زيد وأبي عبد اللَّه،

стр. 529

فإنَّ زيدًا اسمه، وأبا (١) عبدِ اللَّهِ كُنيته، فإنَّه أيضًا لا يجوز إضافَةُ أحدهما إلى الآخَرِ، أمَّا إذا كان اسمان مُسمَّى أحدِهِما قبلَ الإِضافةِ غيرُ (٢)، ومُسمّى الآخر غيرُ (٣) كجميعِ القومِ ومثل كلّ الدّراهمِ، وكنحو عينُ الشَّيءِ فإنَّ ذلك مما يجوزُ إضافةُ أحدِهما إلى الآخرِ. تخمير: في كلامِهم ثلاثةُ أسماء مُتَجَانِسَةٍ، قد أودعَ الشَّيخُ كلَّ واحدٍ منها فَصلًا: أحدها: جَميعُ القَومِ، وهو المَذكورُ في هذا الفَصلِ. الثَّاني: جائِبَةُ خَبَرٍ وهو المذكورُ في الفَصلِ الثَّاني. الثَّالِثُ: حَيّ زَيْدٍ وهو المَذكُور في الفَصلِ الثَّالِثِ. وهذا لأنَّ المضافَ فيها شيءٌ عامٌّ يَتَنَاولُ أَشياءَ، فأُضيفَ للتَّخصِيص، إلَّا أنَّه قَسَّمها في ثلاثةِ فُصُولٍ [لأنَّ وهم النَّاسِ] (٤) في الأوَّل إلى أنَّه من بابِ إضافةِ الشَّيءِ إلى نَفْسِهِ، والثَّاني إلى أنَّه من بابِ إضافةِ الصِّفةِ إلى الموَصوفِ، وفي الثَّالثِ إلى أنَّه زائدٌ. قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ، ولا يَجوزُ إضافةُ الموصوفِ إلى صِفَتِهِ، ولا الصِّفَة إلى مَوصوفِها". قالَ المشرّحُ: قبلَ أن أتكلَّمَ في هذا الفصلِ أذكرُ شيئًا (٥)، وهو: أنَّ من شأنِ الصِّفةِ وإن جُرِّدت عن المَوصوفِ أن يكونَ المَوصوفُ فيها مَنوِيًّا تقول: جَاءَني أحمَرُ فيكون المعنى جاءني رجلٌ أحمرٌ، ومررتُ بغلامٍ أحمرَ فالمعنى مررت بغلامِ رجلٍ أحمرَ، وعندَ ذلك يَسْتَحِيلُ إضافةٌ أحدِهما

стр. 530

إلى الآخرِ ألا تَرى أنَّك إذا قُلتَ: جاءني رجلُ أحمرَ [بالإِضافةِ كان المعنى جاءني رجلُ أحمر] (١)، وكذا إذا قُلتَ: جَاءَني أحمرُ رجل فالمعنى: جاءَني رَجُلُ رَجُلٍ فيه أي في المضافِ حُمرةٌ وذلك غيرُ مُرادٍ لأنَّه يقتَضِي أن يكونَ بينَ الرَّجلين مُغايرةٌ ولا مغايرةَ بَينَهما. قالَ جارُ اللهِ: "وقالوا: دارُ الآخرةِ، وصلاةُ الأولى، ومسجدُ الجامِع وجانِبُ الغَربي، وبقلةُ الحَمقاء، على تأويلِ: دارُ الحياةِ الآخرةِ، وصلاة السَّاعةِ الأُولى، ومسجدُ الوقتِ الجامِعِ، وجانِبُ المكانِ الغَربِيّ، وبقلةُ الحبَّةِ الحَمْقَاء". قالَ المشرّحُ: وصفتَ الحبةُ بالحمقاءِ: لأنَّها تنبتُ في مَجَاري السَّيلِ فيجتَرِفُها السَّيلُ، (وهو أَحمقُ من رِجله) (٢) وعلى اعتبارِ ما ذكرَ في المَتنِ ها هنا تَسمية محمَّدٍ (٣) ﵀ كتابَه بـ (جامعُ الصَّغير) (٤) و (جامِعُ الكَبِير) (٥) ومعناه جامِعُ العلمِ الصَّغير، وجامِعُ العلمِ الكَبير. قال جارُ الله: "وقالوا: عَليه سِحقُ عِمامةٍ، وجردُ قَطِيفةٍ، وأخلاقُ ثِيابٍ، وهل عندَك جائِبةُ خَبَرٍ؟ ومغرّبةٌ خَبَرٍ، على الذَّهاب بهذه الأوصافَ مَذْهبَ خَاتمٍ وسِوارٍ وبابٍ ومايَةٍ لكونِها مُحْتَمِلَةً مثلها ليَتَلَخَّص (٦) أمرُها بالإِضافة كفعلِ النَّابغة في إِجراء الطير على العائِذاتِ بيانًا وتَلخِيصًا لا تقديمًا للصِّفة على المَوصوفِ حيثُ قال (٧):
следующие страницы →