← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

خُصوصيَّتُهُ بالإِضافةِ إلى الصِّفةِ، أو إلى العَلَم، فيظهَرُ أيضًا خُصوصيَّتُهُ بالإِضافة إلى الصِّفَةِ، لأنَّ صِفَتَهُ حِينَئِذٍ إمَّا المُبْهَمُ، وإمَّا المُعَرَّفُ باللَّامِ، والعَلَمُ أعرفُ منهما، فيكونُ المُضافُ إلى العلَمِ أعرفَ منهما أيضًا، أو إلى المُبهَمِ فيظهَرُ (١) أيضًا خُصوصيَّتُهُ أو مساواتُهُ، لأنَّ الصِّفةَ حِينئذٍ للمعرَّفِ باللَّامِ والمُبهَمِ، والمُبهَمُ (٢) مساوٍ للمُضافِ إلى المُبْهَمِ، والمعرَّفُ باللَّامِ أنقَصُ منه، وإمَّا المُبْهَمُ فيوصَفُ بالمُعَرَّفِ باللَّامِ، ولا يُوصَفُ المُعَرَّفُ باللَّامِ (٣) بالمُبْهَمِ، وذلك أنَّ المبهمَ أعرفُ منَ المعرَّفِ باللَّامِ، لأنَّ تَعريفَ ما فيه الألفُ واللَّامُ يتعلّقُ بالقَلبِ دونَ العَيْنِ، وَتَعْرِيفَ الإِشارَةِ يَتَعَلَّقُ بالقَلبِ والعَينِ جَميعًا. فهذا منتهى كلام النَّحويين في هذا الفَصلِ، فإن سَألتَ: فما بالُهُم في بابِ (٤) عطفِ البَيان أخَّروا الأخصَّ، والأشهرَ؟ أجبتُ: لأنَّ المتكلِّمِ هُناك عَنَى (٥) أن يذكُرَ كلا الاسمين، وأمَّا هنا فليسَ عَنَى (٥) ذلك، وكلامُ النَّحويّين منظورٌ فيه، وذلك: أنَّهم اتَّفقوا على أنَّ المضافَ إلى المُعرَّفِ باللَّامِ يُوصفُ بالمُبْهَمِ نحو أن يقال: مَررتُ بغلامِ الرَّجلِ هذا، فإنَّه يَجوزُ بغيرِ شَكٍّ، لاتفاقِهِم على أنَّ المُضافَ يُوصَفُ بما وُصِفَ به العَلَم، [ومما وُصِفَ به العَلمُ] (٦) المُبْهَمُ من قولِكَ (٧) مررتُ بزيدٍ هذا فبعدَ ذلك المُعَرَّفُ باللَّام لا يخلو من أن يكونَ أخصَّ من المُبهَمِ أو لا يكونُ، فلئن كانَ أَخَصَّ لَزِمَ التَّناقُضُ لأنَّه حِينَئِذٍ يَقْتَضِي أن لا يُوصَفَ المُبْهَمُ بالمعرَّفِ باللَّامِ، وأنَّه يوصَفُ به. ولئن لم يكن أَخَصَّ لَزِمَ أيضًا التَّناقُضُ، لأنَّه لا يخلو حِينَئِذٍ من أن يكونَ مُساوِيًا للمُبْهَمِ أو لا يكونُ، فلئن كانَ وَجَبَ

стр. 597

أن يُوصَفَ المُعرَّفُ باللَّامِ بالمُبْهَمِ، وأنْ لا يُوصَفَ به، وهذا تناقضٌ أيضًا. وهذا لأنَّ المعرّفَ باللَّامِ يُوصَفُ بمثلِهِ وبالمضافِ إلى مِثْلِهِ، ولئن لم يَكن مساويًا للمُبْهَم، وهو ليسَ بأخصَّ من المُبهَمِ، لَزِمَ أن يكونَ المُبْهَمُ أخصَّ من المعرَّفِ باللَّامِ، وإذا كانَ أخصَّ من المعرَّفِ باللَّامِ وَجَبَ أن لا يَجوزَ: "مررتُ بغلامِ الرَّجُلِ هذا" [وأنَّه يجوزُ، وهذا تَناقَضٌ، وإنَّما قلنا بأنَّه وَجَبَ حينئذٍ أن لا يَجوزَ "مررتُ بِغلامِ الرَّجلِ هذا"] (١)، لأنَّ المضافَ إلى المُعَرَّفِ باللَّامِ بمنزلةِ المعرَّفِ باللَّامِ، فيكونُ هذا بِمَنْزِلَةِ ما لو قُلتَ: مَررتُ بالغُلامِ هَذَا، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. والذي عَليه التَّعويلُ في المسأَلةِ أن تقولَ: شَرطُ اتصافِ المُعرَّفِ بالمُعَرَّفِ أن يتكافآ من جِهةِ التَّعريفِ وها هُنا أَصلان: الأصلُ الأوَّلُ: أنَّ التَّعريفَ إذا وَقَعَ في الموصوفِ مَقصودًا وَجَبَ أن يَقَعَ في الصِّفةِ كذلك، بيانُه: أنَّك إذا قُلتَ: جاءَني الرَّجُلُ فكأنَّه قِيلَ لَكَ: الرَّجُل الذي جاءَك، أيُّ الأنواعِ هو، أهو العالِمُ أم الجاهِلُ؟ فإذا قلتَ: العالِمُ أو الجَاهِلُ جازَ لأنَّ الموصوفَ وهو الرَّجُلُ كما وَقَعَ فيه التَّعريفُ مَقصودًا من حيثُ أنَّه وَقَعَ فيه مَبدوءًا به فكذلك الصِّفَةُ، ولو قُلتَ في الجَوابِ ها هنا يُوسَفُ لم يجز لأنَّ الصِّفَة والموصوفَ لم يتكافآ في جهة التَّعريفِ بدليلِ أنَّ التَّعريفَ وَقَعَ في جانِب المَوصوفِ مَقصودًا أو تكملةً (٢) على حَدّه بخلافِ الصِّفةِ فإنَّ التَّعريفَ فيها وَقَعَ غَيرَ مَقصودٍ، لأنَّ الصِّفَةَ هنا عَلَمٌ، والتَّعريفُ في العلَمِ غيرُ مَقصودٍ، وحسب كونِهِ مقصودًا في اللَّام ضَرورةَ أنَّ التَّعريفَ في العَلَمِ غيرُ مبدوءٍ به، بل هو مُخْتَلِطٌ بأجزاءِ معنى العَلَمِ غيرُ ممتازٍ عنها، بخلافِ المعرَّفِ باللَّامِ، ولذلك قُلنا بأنَّ المُبهمَ لا يُوصفُ بالمُضافِ، لأنَّ المُبهَمَ مَقصودٌ به من الأصلِ التَّعريفُ [لأنَّه للتَّعريفِ مَصوغٌ] (٣) بخلافِ اسمِ المُضافِ فإنَّه غيرُ مقصودٍ من الأصلِ

стр. 598

التَّعريفُ ولأنَّ التَّعريفَ في المُبْهَمِ وَقَعَ مُعَجَّلًا بخلافِ التَّعريفِ في المُضافِ فإنَّه [إلى وقتِ التحاقِ] (١) المُضَافِ إليه بالمُضافِ مؤجّلٌ، والمؤجَّلُ لا يكافئُ المُعَجَّل. فإن سألتَ: فكيفَ وُصِفَ المبهَمُ بالمعرّفِ باللَّامِ مع أنَّهما لم (٢) يتكافآ في جِهَةِ التَّعريفِ لأنَّ المبهمَ كما ذكرتُ قد قُصِدَ به من الأصلِ التَّعريفُ، ولا كذلك المعرَّفُ باللَّامِ، وكذلك المعرَّفُ باللَّامِ يتَّصِفُ بالمضافِ إلى المعرَّفِ باللَّامِ، وعلى العَكس مع أنَّهما لم (٣) يتكافآ في جهةِ التَّعريفِ، إذ التَّعريفُ بالمعرَّفِ باللَّامِ، وفي المُضافِ مؤَجَّلٌ؟ أجبتُ: المبهمُ والمعرّفُ باللَّامِ إمَّا أن يتكافآ في جِهَةِ التَّعريفِ أو لا يَتَكَافآ، فإن تَكَافآ حَصَلَ الغَرضُ، وإن لم يَتَكَافآ قُلنا: إنَّهما وإن لم يَتَكَافآ حَقيقةً فقد تَكَافَآ حُكْمًا، لأنَّ ذلك المُقدَّرَ من التَّفاوتِ الواقعِ بَينهما ساقِطٌ حُكمًا وهذا لأنَّ الحاجَةَ قد تَمَسُّ إلى وصفِ المُبْهَمِ بغيرِهِ من المعارِفِ، وأشبهُ شيءٍ له (٤) من المعارِفِ التي يُوصَفُ بها المُعرَّفُ باللَّامِ فَيَسْقُطُ ضَرورةً، أمَّا أنّ الحاجَةَ قد تَمَسُّ إلى وَصِفِ المُبهمِ بغيرِه من المَعارفِ، فلأنَّ المُبْهَمَ يُوصفُ بالمعرَّفِ باللَّامِ، والمعرّفُ باللَّامِ غيرُ المُبْهَمِ من المَعارِفِ، فلولا أنَّ الحاجةَ ماسَّةً إلى وصف المبهم بغيره من المعارف لما وصف به وأما أن المعرف باللَّام أشبهُ شيءٍ به من المَعارفِ التي يُوصَفُ بها، فلأنَّ المعارفَ خمسةٌ، أمَّا المضمرُ فلا يوصفُ ولا يُوصفُ به، وأمَّا المضافُ فالمعرّفُ باللَّامِ أشبهُ منه بالمُبهمِ (٥)، لأنَّ التَّعريفَ في المُعرَّفِ باللَّامِ مُعَجَّلٌ، بخلافِ التَّعريفِ في المُضافِ، فيَبْقَى العَلَمُ والمُعَرَّفُ باللَّامِ، فنقولُ: المعرَّفُ باللَّامِ أشبهُ بالمُبْهَمِ من العَلَمِ إذ التَّعريفُ في العَلمِ لم

стр. 599

يَقعْ مَقصودًا حَسبَ ما وَقَعَ في المعرَّفِ باللَّامِ، بدليلِ ما ذكرتُهُ من قبل (١) من أنّ التَّعريفَ في العَلَمِ مُخْتَلِطٌ بسائِرِ أجزاءِ معنى العَلَم، بخلافِ المُبْهَمِ والمعرَّفِ باللَّامِ وكذلك قُلنا بأنَّ تَعريفَ المُبهَمِ كتعريفِ المُعَرَّفِ باللَّام غيرُ قابلٍ للفَسخِ بخَلافِ العَلَمِ، فإنَّ تعريفَه قابِلٌ للفَسْخِ، وبهذا خَرَجَ الجَوابُ عن السُّؤالِ الثَّاني فإنَّ المضافَ والمعرّفَ باللَّام مُتَكَافآن حُكمًا، ولذلك نابت (٢) اللَّامُ عن الإِضافةِ في قولِكَ: مررتُ برَجُلٍ حَسَنِ الوَجْهِ. الأصلُ الثَّاني: أنَّ التَّعريفَ في الصِّفةِ يَجِبُ أن يَكونَ على سَنَنِ التَّعريفِ في المَوصوفِ، فإذا وَقَعَ تَعريفٌ في الموصوف بكلمة وما وراء التعريف فيه بكلمة وجب أن يكون التعريف في الصِّفَةِ كذلك حَتَّى يَتَطَابَقَا، بيانُه: أنَّك إذا قُلتَ: جاءَني الرَّجُلُ فكأنَّه قيل لَك: أيُّ الرِّجالِ جاءَك العالمُ منهم أَم الجاهلُ؟، فإذا قلتُ العالمُ جاءَ زادَ التَّعريفُ في الجَوابِ، على سَنَنِ التَّعريفِ في السُّؤالِ، وهذا لأنَّ معنى السؤالِ كما هو الذي هو عالمٌ من الرِّجال جاءَك أم الذي هو جاهِلٌ منهم فكذلِكَ معنى الجَواب الذي هو عالمٌ من الرِّجال جاءَني أم الذي هو جاهِلٌ، بخلافِ ما لَو قلتَ في الجَوابِ هذا، وهذا لأنَّ في قولك: هذا، لا يخلو من أن يَشْتَمِلَ على معنى وراءَ معنى الإِشارَةِ أو لا، فلَئِن لم يَشْتَمِلْ لَمْ يَجز أن يَقَعَ جَوابًا لأنَّه يَسألُك عن شَيئين فتُجِيبُهُ عن أَحدِهما، ولئن اشتَمَلَ لم يَجُز أن يَقَعَ أيضًا جَوابًا، لأنَّ الفَكَّ الذي ذَكَرْتُه فيما هُناك بَيْنَ لامِ التَّعريفِ وبينَ الدَّاخِلِ عليه لامُ التَّعريفِ غيرُ واقعٍ ها هُنا ضَرورةَ أنَّ الفَكَّ إنَّما يَجرِي بين كَلِمَتين، واسمُ الإِشارةِ كلمةٌ واحِدَةٌ، وكذلك إذا جِئتَ بالعَلَمِ. قالَ جارُ الله: "فَصلٌ، وحقُّ الصِّفةِ أن تَصحَبَ الموصوفَ إلَّا إذا ظَهَرَ أمرُه ظُهورًا فيُستَغنى عن ذِكْرِهِ، فحينئذٍ يجوزُ تَركُه وإقامةُ الصِّفةِ مقامه كقوله (٣):

стр. 600

وَعَلَيْهِما مَسْرُودَتَان قَضَاهُمَا … دَاودَ أَو صَنْعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ وكقوله (١): رَبَّاءُ شَمّاءُ لا يأوى لِقُلَّتِهَا … إلَّا السَّحابُ وإلَّا الأَوبُ والسّبلُ وقوله تعالى (٢): ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ". قالَ المُشرِّحُ: اعلم أنَّ المَوصوفَ في هذا الفَصلِ مطروحٌ، والجَمْعُ بينَه وبينَ هذه الصِّفةِ قَبيحٌ، ألا تَرى أنَّك لو قُلتَ: عليهما دِرعان مَسرودتان قَضاهما داودَ كان مُسْتَقبَحًا (٣)، وكذلك لو قُلتَ: حُورٌ قاصراتُ الطَّرفِ عِينٌ وَقَعَ مسْتَقْبَحًا، لأنَّه من المَعلومِ أنَّ مَسْرودتين قَضاهما داودَ لا يكونان إلَّا دِرعَين، وأنَّ قاصرات الطَّرفِ عِين لا يكنَّ إلَّا حُورًا أو نَحوهُنَّ. وكذلك لو قُلتَ ناقَةٌ رَبَّاءُ، هَضَبَةٌ شَمَّاءُ لا يَأْوِي لقُلَّتِها إلَّا السَّحاب عُدَّ قبيحًا لأنَّ الرَّبَّاء هي العالِيَةُ، واشتقاقها من (٤) الرَّبِّ لعُلُوّه على المربُوبِ وكذلك الشَّماء من

стр. 601

الشَمَمِ وهو الارتفاعُ، ومن المَعلوم أنَّ العالِيَةَ المرتفعَةَ التي لها قُلَّةٌ يقصِدُها السَّحاب لِيُلِمَّ بها لا تكونُ إلَّا هَضَبةً. الرِّوايةُ (١) صَنعُ برفعِ العين السَّوابغُ مجرورٌ على الإِضافةِ، الأوبُ هو المطرُ (٢)، لأنَّه بُخارٌ ارتفعَ من الأرضِ، ثم آبَ إليها أي: رَجَعَ، وبذلك يُسمى رَجْعًا. السَّبلُ: هو المطرُ بين السَّحابِ والأرضِ، وقد أسبَلَتِ السَّماءُ، وأصله من أَسْبَلْتُ (٣) السِّترَ، إذا أرخَيْتَه (٤). قالَ جارُ اللهِ: "ومنه (٥) قولُ النَّابِغَةِ (٦): كأنَّكَ من جِمالِ بَنِي أُقَيشٍ … يُقَعْقَعُ خَلفَ رِجليه بِشَنِّ أي: جَمَلٌ من جِمَالهم، وقالَ (٧): لَو قلتُ ما في قَومها لَم تِيْثَمِ … يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيْسَمِ

стр. 602

أي: ما في قَومِها أَحَدٌ ومنه (١): * أنا ابنُ جَلا .... * أي: رَجُلٍ جَلا وقوله (٢): * بِكَفَّيْ كانَ مِنْ أَرمى البَشَر * وسَمِع سيبويهِ (٣) بعضَ العَرَبِ الموثوقِ بهم يَقولُ: ما منهما مَاتَ حتَّى رأيتُه في حالِ كَذَا وكذا، يُريدُ: ما منهما أحدٌ ماتَ". قال المشرّحُ: اعلَم أنَّ المَوصوفَ في هذا الفَصلِ مَطروحٌ، لكنَّه لا يَقْبحُ أن يذكرَ مَع الصِّفةِ، ألا تَرى أنَّك لَو قلتَ: كأنَّكَ جَمَلٌ من أجمالِ بني أُقيش لم يَقْبَح وكذلك: لَو قلتَ: ما في قَومِها أحدٌ يفضُلُها في حَسَبٍ لكانَ هو الأحْسَنُ، وهكذا لو قلتَ: أنا ابنُ رَجُلٍ جَلا، وكذلِكَ لو قُلتَ: بكفَّي رَجلٍ كان من أَرمى البَشَر، كانَ هو الأحسَنَ، كذلك لو قُلت: ما مِنهما (٤) واحدٌ ماتَ حَتَّى رأَيتُهُ في حالِ كَذَا (٥) وكَذا، وإذا جازَ حذفُ

стр. 603

الاسمِ ومَعه حَرفُ العَطفِ في نَحو قَولِهِ (١): * ألا فالبِثَا شَهرين أو نصفَ ثالِثٍ * ألا تَرى أنَّ نِصفَ ثالثٍ لا يَكون ثالِثًا حَتَّى يتقدمَه شَهران، وكذلك قولُهُم: رَاكبُ النَّاقةِ طَلِيحان، والمعنى: رَاكِبُ النَّاقَةِ والنَّاقةُ طَلِيحان، فلأنْ يَجُوزَ حَذْفُ الاسمِ المُجرَّدِ أَولى ما قبلَ البيتِ (٢): أتخذُلُ ناصِري وتُعِزُّ عَبسًا … أَيربوعُ بن غَيطٍ للمُعِنّ كأنَّك من جِمَالِ ...... ..... … ...... ...... ....... البيت المُعِنَّ: الذي يَتَكَلَّمُ في الأُمورِ التي فيها كُفِيَ الكَلام. يَربوعُ بن غَيْطٍ: قومُ النَّابغةِ اللَّامُ في المُعن صِلةُ فِعلٍ مَحذوفٍ كأنَّه قالَ: يا يربوعَ بن غَيطٍ اعجَبوا للمُعِنَّ عُيَيْنَةَ بن حُصَيْنٍ، بَنُو (٣) أُقيشٍ بطنٌ من عُكْلٍ، وقيل: فَخِذٌ من أشْجَع، وقيل: من اليَمَنِ، وجِمَالُ بَنِي أُقَيْشٍ وَحْشيَّةٌ لا تَكاد يَتْبَعُ (٤) بها لشدّةِ نِفَارِها، وسَبَبُ هذا الشِّعرِ (٥) أنَّ بَني عَبسٍ قَتَلُوا رَجُلًا من بَني أسَدٍ فَقَتَلَتْ بنو أَسدٍ رَجُلين من عَبسٍ، فأرادَ عُيَيْنَة بن حِصنٍ الفَزَاري أن يُعينَ بني عَبسٍ، ويَنْقُضُ الحِلفَ الذي بَين بَني ذُبيان وبَني أسدٍ، وبينَهم حِلفٌ وتَناصرٌ، قولُه: كأنَّك من جِمالِ بَنِي أُقَيشٍ أي: سَريعُ الغَضَبِ والنُّفُورِ، وَتَنفُرُ مما لا يَنْبَغِي لعاقلٍ أن ينفرَ منه. "لم تِيْثَمِ" أي لم تَأْثَم. الشَّيخُ: كَسرُ حروفِ المُضَارع إلَّا الياء قِياسٌ عندَ بعضِ العَرَبِ مُتَلئِّبٌ (٦)،

стр. 604

في بابِ فَعِلَ يَفْعَلُ (١) بكسرِ العينِ في الماضي وفَتحِها في المُسْتَقبَلِ، وقوله: فَيِيْجَعَا (٢) شاذٌ. ونَظير ما في قولها قَوله تَعَالى (٣): ﴿وما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ أي ما منّا أحدٌ هذا عِنْدَ البَصريّين، والكُوفيُّون على أنَّ "مَنْ" مضمرةٌ مع "إلَّا" (٤) والتأويلُ عندهم: إلَّا مَن لَه مقامٌ (٥). وأنا ابن جَلا أي: ابنٌ من رَجُلٍ جَلا أمرُه وَوَضُحَ، أو ابنُ رَجُلٍ كَشَفَ الشَّدائِدَ، ما قبل البَيْتِ (٦):

стр. 605

مالَك عِندي غَيْرُ سَهْمٍ وَحَجَرْ وغَيرُ كَبداءَ شَدِيدَةِ الوَتَرْ تَرمي بِكَفَّي ..... البيت قوسٌ كَبداءُ: ملءُ الكَفِّ مقبضُها. جادت: من الجَوْدَةِ. قالَ جارُ اللهِ: "وقد يَبْلُغُ من الظُّهورِ أنَّهم يَطرحونَه رَأسًا كقولِهِم: الأجزَعُ والأبْطَحُ، والفارِسُ والصَّاحِبُ، والرَّاكِبُ، والأورَقُ، والأطلَسُ". قَالَ المُشَرِّحُ: الأجرَعُ: الرَّجلُ المُنقادُ، والأبطحُ: حَيْثُ يَنْبَطِحُ السَّيلُ في الوادي، والأوْرَقُ: من الإِبل الذي في لَونه بَيَاضُ إلى سَوادٍ، ومنه قِيل للرَّمادِ أَورَقُ، وقال أبو زيدٍ (١) هو الذي يَضْرِبُ لَوْنُه إلى الخُضرَةِ، وهو أَطْيَبُ الإِبل لَحْمًا، وليسَ عِندهم في عَمَلِهِ وسَيْرِهِ بمَحْمُودِ (٢)، دَلَّ عليه قوله (٣): يا لَيْتَ أَنِّي وَقَثَامًا نَلْتَقِي وهْوَ عَلى ظَهْرِ البَعِيرِ الأوْرَقِ ذِئبٌ أطلس: هو الذي في لَوْنِهِ غُبرةٌ إلى السَّوادِ، فإن سَألتَ أَيْشٍ يَعني باطّراحِهِ رأسًا. أيَعني به أنَّه لا يُسْتَعْمَلُ معه المَوصوفُ، أم يَعني به أنَّه يُسْتَعْمَلُ وقد لا يُسْتَعْمَلُ؟ إن عَنَيْتَ به الأوَّلَ فَممنوعٌ، وذلك أنَّ الثَّلاثةَ

стр. 606

الأَوَل وهي: الأجزَعُ والأبْطَحُ والفارِسُ، وكذلك الأبرَقُ -بالباء المُوَحَّدة- وإن كان لا يُسْتَعْمَلُ معها المَوصوفُ، فالأربعةُ الأُخر يُسْتَعْمَلُ معها ألَا تَرى إلى البَعيرِ الأورقِ، وذِئبٍ أطلس بالسِّين. وإن عَنيتَ به الثَّاني فَجميعُ أسماءِ الصِّفاتِ كذلك، قَد يُسْتَعْمَلُ مَعَهَا المَوصوفُ، وقد لا يُسْتَعْمَلُ معها؟ أَجبتُ: المعنى أنَّ هذه الأساميّ إذا أُطلِقَت انصرفَت إلى مَوْصُوفاتِها المَعْهُودةِ، وإن لم تَكُنْ مَعها مَذكورةٌ، ألا تَرى أنَّك إذا قُلتَ: مرَّ بنا الأورقُ والأطلسُ انصرف الأوَّلُ منهما إلى البَعِيرِ والثَّاني إلى الذِّئبِ وفي عراقيَّاتِ الأبِيوَردِيّ (١): وَضَبَّت عليه الطُّلسُ وهي سَوَابغٌ (٢) … تَجُوبُ (٣) عليه البِيدَ بالنَّسَلان (٤) ثمَّ الذي يَدُلُّ على القِسمِ الأوَّلِ تَنْزِيلُ الأسماءِ تَكْسيرُهم إيَّاها تكسرُ الأسماءِ فَقالُوا: الأجازِعُ والأباطِحُ والأبارقُ والفَوارسُ. فإن سألتَ: هذه الأسماءُ خَرَجَت إلى الاسميَّة كيفَ مُنِعَتِ الصَّرفَ ولم يكُن انصرافُها كأَفكَلَ وأيدعَ؟ أجبتُ: لأنَّ قَضِيَّةَ كونِها صِفات في الأصلِ أن تكونَ مقتَرِنَةً بها المَوصوفاتُ، وأن تكونَ غيرَ مصروفةٍ، فإذا أغنانا كَثْرةُ الاستِعْمَالِ عن اقترانِ المَوصوفاتِ بها فمِن أينَ تَخْرُجُ عن كَونِها غيرَ مَصروفةٍ؟

стр. 607

[بَابُ البَدْل] قالَ جارُ الله: "البَدَلُ على أَربعةِ أَضربٍ، بَدَلُ الكُلِّ من الكُلِّ كقوله تَعَالَى (١): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وبَدَلُ البَعضِ من الكُلِّ كقولك: رأيتُ قومَك أكثَرَهُم، وثُلُثَيْهم، و"ناسًا منهم (٢) وَصَرَفْتُ وُجُوهَهَا أوَّلِها"، وبدلُ الاشتمالِ كقولك: سُلِبَ زيدٌ ثَوبُه، وأعْجَبَني عمرو حسنُهُ وأَدَبُهُ وعِلْمُهُ ونَحو ذلك مما هو منه، أو بمنزلتِهِ من التَّلَبُّسِ، وبدلُ الغَلَطِ كقولك: مررتُ برجلٍ حمارٍ، أَردتَ أن تقولَ بحمارٍ فَسَبَقَكَ لِسَانُك إلى رجلٍ فَتَدَارَكْتَهُ وهذا لا يكون إلَّا في بَدأةِ الكلامِ، وبما لا يَصْدُرُ عن رَوِيَّةٍ (٣) وَفَطَانَةٍ". قالَ المُشَرِّحُ: البَدَلُ: هو ما يُذكَرُ بعدَ الشَّيءِ من غيرِ واسطةِ حَرفِ عَطفٍ على نِيَّةِ أنَّ يُعَلَّقَ به غَير ما عُلِّقَ بالأوَّلِ. الضَّميرُ في وُجُوهِهَا يَنْصَرِفُ إلى الإِبلِ. الشَّيخُ: ما أردنا بهذا تَعْلِيمَ اللَّفظِ، ولكن الغَرَضَ أنَّهم إذا غَلِطُوا كَيْفَ يَتَدَارَكُونَهُ. اعلم أنَّ البَدَلَ على ثَلَاثَةِ أضربٍ (٤): بدلُ المِثلِ من المِثلِ كقوله

стр. 608

تَعَالَى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ﴾، وبَدَلُ الاشتمالِ وهو على صِنْفَين: أحدُهما: بَدَلُ البَعْضِ من الكُلِّ كقولِكَ: رأيتُ قومَكَ أكثَرَهم الثانِي: - أن لا يكونَ بَدَلَ البَعضِ من الكُلِّ لكنَّه شيءٌ يَلْتَبِسُ به كَقولكَ: أَعجَبَني عَمرٌو حُسْنُهُ، وهذا النَّوعُ من بَدَلِ الاشتمالِ قَريبٌ من التَّمييز على (١) الجُمْلَةِ، تَقولُ: طابَ زَيدٌ قَلْبُه كما تقولُ: طابَ زيدٌ قَلبًا، وَأَعْجَبَني كَرَمُه كما تَقُولُ: أَعجَبَنِي عَمرو كَرمًا. فإن سألتَ: أَجمعَ (٢) النَّحويون على أنَّ البَدَلَ أربعةُ أَقسامٍ، كلُّ واحدٍ منها قِسمٌ، وأنت (٣) جَعَلتَهُ على ثلاثةٍ، أحدُها قسمان، فما وجهُ التَّفاضِلُ بين القَولين؟ أجَبتُ: بأنَّهم جَعَلوا صِنْفَيِ النَّوعِ نَوْعَينِ، وهذا سَهوٌ، كما قُلتَ: الحَيوان ثورٌ وفَرَسٌ وَعَرَبِيُّ (٤) وعَجَميُّ. قالَ جارُ اللهِ: "فَصلَ، وهو الذي يُعْتَمَدُ بالحَدِيثِ، وإنَّما نَذْكُرُ الأوَّلِ لِنَحوٍ من التَّوطِئَةِ ليُفادَ بِمَجْمُوعِهَا فَضلُ تَأكيدٍ وَتَبيينٍ لا يكونُ في

стр. 609

الإِفرادِ. قالَ (١) سيبويه عَقيبَ ذكرِهِ أمثلةَ البَدَلِ: أرادَ رأيتُ أكثرَ قومِك، وثلثي قَومِك، وصَرَفْتَ وُجُوهَ أوَّلِها، ولَكِنّه ثَنَّى الاسمَ تَوْكِيدًا" (٢). قالَ المشرِّحُ: المقصودُ في بابِ البَدَلِ هو الثَّانِي، أمَّا في بابِ بَدَلِ المثلِ فلأنَّ الأوَّل [قد اشتَمَلَ علىَ ما اشتَمَلَ] (٣) عليه الثَّاني، لكنْ لا بُدَّ من أن يكونَ في الثَّاني فَضلُ [تبيينٍ لا يكونُ في الأوَّلِ] (٤)، فيكونْ أدخَلَ (٥) في القَصدِ، لأنَّه أكثرُ إفضاءً (٦) إلى الغَرَضِ، وأمَّا في صِنْفَي الاشتِمَالِ فظاهرٌ كونُ الثَّاني مَقصودًا، وأمَّا في بَدَلِ الغَلَطِ فأظهرُ منه، والبَدَلُ للتَّشييدِ بعدَ (٧) التَّمهيدِ. قال جارُ اللهِ: "وقولُهم: إنَّه في حكمِ تَنْحِيةِ الأوَّلِ إيذانٌ مِنهم باستقلالِهِ بنَفْسِهِ، ومفارقَتِهِ للتَّوكيدِ والصِّفَةِ في كونِهِما تَتِمَّتَيْنِ لما يَتْبَعَانِهِ، لا أَنّ يعنوا إهدارِ الأوَّلِ وطرحَه، أَلَا تَرَاكَ تَقُولُ: زَيدٌ رأيتُ غلامَه رَجُلًا صالِحًا؟ فلو ذَهَبتَ تُهْدِرُ الأوَّلَ لم يَسُدَّ كَلَامُكَ". قَالَ المُشَرِّحُ: اِعلم (٨) أنَّ شَيْخَنَا -رَضِيَ الله (٩) عَنه- مما لا يُجرِي قولَهم: البَدَلُ في حكمِ تَنْحِيَةِ المُبدَلِ على حَقِيقَتِهِ، بل يُؤوِّلُهُ فيقولُ: المُرادُ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ أنَّ البَدَلَ لَيس كالصِّفَةِ والتَّأكيدِ في كونِهِما تَتِمَّيَنِ

стр. 610

للأوَّلِ (١)، إنَّما هو المَقصُودُ في هذا البَابِ لا أَن يُرِيدُوا إهدارَ الأوَّلِ وطرحَه (٢)، بدليلِ أنَّك تَقولُ: زَيدٌ رأيتُ غُلامَهُ رَجُلًا صالِحًا، فيكونُ "رَجُلًا" بدلًا من "غُلامه"، ثم لا يُمكِنُ طَرحُ "غُلامه" ها هُنا أَلَا تَرى أنَّك لو قُلتَ: زَيدٌ رَأَيْتُ رَجُلًا صالِحًا، لم يَرْتَبطُ آخرُ الكلامِ (٣) بأوَّلِهِ، وهذا كَلَامٌ قد باضَ (٤) فيه الفَسَادُ وعشَّشَ، وذلكَ أنَّ رَجُلًا صالِحًا ها هنا منصوبٌ على أنَّه مَفعولٌ ثانٍ لرأيتُ، و"غلامَه" منصوبٌ على أنَّه مَفعولٌ أولُ لَهُ [فإن سألتَ: فَما تقولُ في زَيدٍ أَدركتُ غُلامَه رَجُلًا صالِحًا؟ أجبَتُ] (٥): هو مَنصوبٌ على الحالِ، فإن سَأَلتَ: لو (٦) كانَ ذلك الكلامُ مُجرىً على حَقِيقَتِهِ لجازَ مررتُ بِرَجُلٍ قائِمٍ رَجُلٍ آخر، ولما (٧) جازَ رأيتُ زيدًا إيّاه، كما لا يَجوزُ رأيتُ إيّاه، وَلَمَا جازَ زيدٌ ضَربتُهُ أخاكَ، كما لا يجوزُ زيدٌ ضَربتُ أخاك؟ أَجَبتُ: أمَّا الأوَّلُ فإنَّما لا يَجوزُ لأنَّه لا يَتَمَيَّزُ فيه الأوَّل، وكذلك لو قلتَ: زَيدٌ ضَربتُ أخاكَ إيّاه لجازَ، وأمَّا الثَّاني فهو وإن كانَ بَدَلًا من حَيثُ الصُّورة فهو تَأكيدٌ من حَيثُ المعنى ألا تَرى أنَّ معناه رَأيتُ زيدًا نَفْسَهُ، فإن سَألتَ إيَّاهُ باتفاقِ النَّحويين لَيست من ألفاظِ التَّأكيد؟ أَجبتُ: نَعم لكِنْ لمَّا سدَّ مَسَدَّ التَّأكيدِ أُجرى مُجراه، ومن ثَمَّةَ قالَ ابن السّرّاجِ (٨) في قولِكَ ضَربتُ قَومَك صَغِيرَهُم وكَبِيرَهُم بأنَّه على البدَلِ والتأكيدِ (٩)، وإن لم يكن صَغِيرُهم (١٠) وكَبيرُهم من ألفاظ التَّأكيدِ، أمَّا الثَّالثُ فالمَعنِيّ بقولنا البَدَلُ في

стр. 611

حكمِ تَنحِيَةِ المُبدلِ أنَّ المُبدَلَ يَجُوزُ تَنحيتُهُ إمَّا حَقيقةً، وإمَّا حُكمًا (١) وتقديرًا، أمَّا حقيقةً ففي نحوِ: لم يَقعُدُوا إلَّا زَيدٌ. وأمَّا تَقدِيرًا فَفي نحو ما ذكرتُه، وذلِكَ أنَّ كونَ (٢) الكَلَامِ الَّذي وَقَعَ فيه المُبدَلُ جُزءًا مِن كَلامٍ آخَرٍ أمرٌ عارضٌ، والعارِضُ بمنزلةِ العَدَمِ، إذ لا يُعتَدُّ به فكانَ البَدَلُ فيه في حُكم تَنحِيَةِ المُبدَلِ حُكْمًا. ثُمَّ الذي يَشْهَدُ بكونِ البَدَلِ في حُكمِ تَنحيةِ المُبدَلِ حَقيقةً لَفظُ ابنِ السّراجِ المُبدَلُ (٣) منه بمنزلةِ ما لَيس من الكَلَامِ. قالَ جارُ اللهِ: "فصلٌ؛ والذي يَدُلُّ على كَونِهِ مُستَقِلًّا بنفسِهِ أنَّه في حُكمِ تَكريرِ العَاملِ بَدليلِ مَجيءِ ذَلكَ صَريحًا في قَوله (٤): ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (٥) وقوله (٦) ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهذا البَدَلُ (٧) من بَدَلِ الاشتمالِ". قالَ المُشَرِّحُ: تكريرُ العاملِ يِدلّ على أنَّ البَدَلَ في حكمِ تَنحِيَةِ المُبدلِ لأنَّه استئِنافٌ للتَّعليقِ بالثّاني لما علّقَ بالأوّل، فيكونُ البَدَلُ مُتَعَلِّقًا بالشَّيءِ السَّابِقِ، حَسبَ ما تعلَّقَ به المُبدَلُ، ولا نَعني بكونِ البَدَلِ في حُكمِ تَنحيةِ المُبدلِ سِوى هذا القَدرِ، مثالُه: رَجُلٌ تَوَسَّلَ إلى الأميرِ برَجُلٍ فإنّه لا يكونُ المُتَوَسِّلُ في حكمِ تَنحِيَةِ المُتَوَسَّل به أمَّا إذا ثَبَتَ للمُتَوَسِّل عَينُ القرابةِ (٨) التي هي ثابِتَةٌ للمُتَوسَّلِ بِهِ، فقد صارَ المُتَوَسِّلُ في حُكمِ تَنحيةِ المُتوسَّلِ به.

стр. 612

قالَ جارُ اللهِ: "وليسَ بمشروطٍ أن يَتَطابَقَ البَدَلُ والمُبدَلُ منه تَعريفًا وتَنكيرًا بل لَكَ أنَّ تُبدِلَ أيَّ النَّوعين شِئتَ من الآخرِ، قالَ الله تَعالى (١): ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ﴾ (٢)، وقالَ (٣): ﴿بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ خَلا أنَّه لا يَحسُنُ إبدالُ النَّكِرَةِ من المَعرِفَةِ إلّا مَوصُوفَة كَنَاصيةٍ". قالَ المُشَرّحُ: هذا بِنَاءً على أنَّ البَدَلَ فيه فَضلُ تَبيينٍ لا يكونُ في الأوّلِ. قالَ جارُ اللهِ: "فَصلٌ؛ ويُبدَلُ المُظهَرُ من المُضمَر الغائبِ دونَ المُتَكَلّمِ والمُخاطَبِ تقولُ: رأيتُهُ زَيدًا، ومَرَرتُ به زَيدٍ، وصَرَفْتُ وُجُوهَها أوَّلِها، ولا تقولُ: بِيَ المِسكينِ كانَ الأمرُ، ولا عَليك الكريمِ (٤) المُعوَّلُ". قالَ المُشَرِّحُ: المُبدَلُ للتَّدرج (٥) منه إلى البَدَلِ، وإنَّما يُتَدرَّجُ منه إليه إن لو لم يَكن بَينهما تَنافرٌ، والشّيئان متى اختَلَفا بالغَيبَةِ والخِطابِ، أو بالغَيبَةِ والحِكايةِ فَقَد تَنافَرا فإن سَألتَ فما تَقُولُ في قَولِهِ (٦): وَيعْلَمُ أنَّ سَيَلقَاه كِلَانَا فإنَّه أبدَلَ فيه المُظهَرَ وهو غائِبٌ من ضَميرِ الحِكايةِ، وقولُه تَعالى (٧): ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ فقد أَبدَلَ

стр. 613

فيه الغَائِبَ من المُخاطَبِ؟ أَجبتُ: أمَّا الأوَّل فلأنَّ المُضافَ لمَّا كانَ في الحَقيقَةِ تَأكيدًا للمُضافِ إليه، وهو ضَميرُ حِكايَةٍ كالمُبَدلِ منه جازَ إبدالُهُ منه، أمَّا الثَّاني فذاكَ من أَجلِ أنَّ الخِطابَ لَيس لِقومٍ بأعيانِهِم، فنزِّلُوا مَنزِلَةَ الغُيَّبِ لأنَّ المعنى لو كانَ للناسِ فيهم أُسوةٌ حَسَنَةٌ، أَو لأنَّ المَعنى: لقد كان لكم فيهم أُسوةٌ حَسَنَةٌ لراجيكم اللهَ. قالَ جارُ اللهِ: والمُضمَرُ من المُظهَرِ نحو قولِكَ: رأيتُ زَيدًا إيَّاهُ، ومَرَرتُ بِزَيدٍ بِهِ، والمُضمَرُ من المُضمَرِ كقولِكَ: رأيتُكَ إيَّاك، ومررتُ بِكَ بِكَ. قالَ المُشَرِّحُ: أَبدلَ فيه المضمرَ من المظهَرِ، وهو زَيدٌ، وكذلك الضَّميرُ المُنفَصِلُ وهو إيَّاك، من المتَّصل وهو الكافُ في رأيتُكَ إيَّاكَ (١)، فإن سَألتَ: لم لا يَجوزُ أن يكونَ الضَّميرُ الثَّاني في رَأيتُك إيّاكَ تأكيدًا؟ أَجَبتُ: لأنَّ الضَّميرَ متى تَأكّدَ بِضَميرٍ فلا يَخلو من أن يكونَ بينهما مُوافقةٌ إعرابيّةٌ، أو لا يكونُ، فلئن لم يَكُن بينَهما موافَقَةٌ إعرابِيَّةٌ فهو تَأكِيدٌ، ولئن كانت فَهو بَدَلٌ على ما قَرّرتُهُ قَبلُ.

стр. 614

[بَابُ عَطف البَيَان] قالَ جارُ اللهِ: "عطفُ البيانِ: هو اسمٌ غَيرُ صِفَةٍ، يَكْشِفُ عن المُرادِ كَشفِها، ويُنزَّلُ من المَتبوعِ منزلةَ الكَلِمَةِ المستَعْمَلَةِ من العربِيَّةِ إذا تُرجِمَت بها، وذَلِكَ نَحو قولِهِ: أقسَمَ باللهِ أَبو حَفصٍ عُمَر أَرادَ عُمَر بن الخَطّاب ﵁، فهو كما تَرى جَارٍ مَجْرى التَّرجمةِ، حَيثُ كَشَفَ عن الكُنيَةِ لقيامِهِ بالشُّهرَةِ دُونَها". قالَ المُشرِّحُ: عَطفُ البَيانِ: هو الكَشفُ بغيرِ الوَصفِ. ما بعدَ البيتِ (١):

стр. 615

ما إن بها من نَقَبٍ ولا دَبَرْ فاغفِر له اللَّهمَّ إن كانَ فَجَرْ قالَ جارُ اللَّهِ: "فَصلٌ؛ والّذي يَفصِلُه لَكَ من البَدَلِ شَيئان، أحَدُهُما: قَولُ المَرَّارِ الأسَدِيّ (١): أنا ابنُ التَّارك البَكرِيّ بِشرٍ … عليهِ الطَّيرُ ترقُبُه وُقُوعًا لأنَّ بِشرًا لو جُعِلَ بَدَلًا من البَكرِيّ، والبَدَلُ في حُكمِ تَكريرِ العاملِ، لكانَ التَّارِكُ في التَّقديرِ دَاخِلًا على بِشرٍ". قالَ المشرِّحُ: "بِشرٍ" عَطفُ بَيانٍ من البَكْرِيِّ، لا بَدلٌ، إذْ لَو كانَ بَدَلًا والبَدَلُ في التَّقدِيرِ بمنزِلَةِ أن يُقالَ: أنا ابنُ التَّاركِ البَكريّ التَّارك بِشرٌ إذ البدلُ في حكمِ تكريرِ العامِل والتَّارك بِشرٍ لا يَجوزُ لما ذَكَرتُهُ في الضّارب زَيدٍ. قالَ جارُ اللَّه: "والثَّاني أنّ الأوَّل ها هُنا هو ما يَعتَمِدُه الحديثُ،

стр. 616

وَوَرَدَ (١) الثَّاني من أجلِ أن يُوضِّحَ أمرُه، والبَدَلُ على خِلافِ ذَلِكَ إذ هو -كَما ذَكرتُ- المُعتَمَدَ بالحَدِيثِ والأوَّلُ كالبِساطِ لذِكرِهِ". قالَ المُشَرِّحُ: المَقصودُ في بابِ عَطفِ البَيانِ هو الأوّلُ، وإنّما نَذكرُ الثَّاني للتَّفسير، ولا كَذلِكَ في بابِ البَدَلِ، فإنّ المَقصودَ هو الثَّاني وإنما يُذكرُ الأولُ للتَّمهيدِ.

стр. 617

[بَابُ العَطف بالحَرفُ] قالَ جارُ اللَّهِ: "العَطفُ بالحَرفِ، هو نحوَ قولِكَ: جاءَني زَيدٌ وعَمرٌ و، وكذلك إذا نَصبتَ أو جَرَرتَ، يَتَوسَّطُ الحَرفُ بينَ الاسمين فيُشركُهُما في إعرابٍ واحدٍ، والحُروفُ العاطِفَةُ تُذكرُ في مكانِها، إن شَاءَ اللَّهُ تَعالى" (١). قالَ المُشَرِّحُ: العَطفُ بِعُمُومِهِ يفيدُ (٢) الاشتراك في الإِعرابِ، وأمّا الاشتراكُ في المَعنى فذاك للعطفِ بِخُصُوصِهِ. قالَ جارُ اللَّه: "فَصلٌ؛ والمُضمَرُ منفَصِلُهُ بمنزلَةِ المُظهَرِ يُعطَفُ ويُعطَفُ عليه، تَقولُ: جاءَني زَيدٌ وأنت (٣)، ودَعوتُ عَمرًا وإيَّاكَ، وما جاءَني إلّا أنت وزَيدٌ، وما رأيتُ إلَّا إيَّاك وعَمرًا، وأمَّا متّصلهُ فلا يَتَأتَّى أن يُعطفَ ويُعطفَ عليه، خَلا أنَّه يُشتَرطُ في مَرفوعِهِ أنَّ يُؤكِّدَ بِالمُنْفَصِلِ (٤)، تَقولُ: ذَهبتَ أنت وزَيدٌ، وذَهبوا هم وَقومُك، وخَرَجنَا نَحن وبَنو تَميمٍ، وقالَ اللَّه (٥): ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ (٦) ".

стр. 618

قالَ المُشَرِّحُ: المُنفَصِلُ من الضَّميرِ يُعطَفُ ويُعطَفُ عليه، ألا تَرَى أنَّ قولَكَ: جاءَني زيدٌ وأنت قد عُطفَ فيه الضَّميرُ المنفَصِلُ المرفوعُ، أعني أنتَ على المُظهرِ [وهو زيدٌ، وكذلكَ: دَعوتُ عَمرًا وإيَّاك قَد عُطِفَ فيه الضَّميرُ المَنصوبُ وهو إيَّاك، على] (١) المُظهَرِ، أعني عَمرًا، وأمَّا مُتَّصِلهُ، فالبتّةَ لا يكونُ معطوفًا لِعَدَم الإِمكانِ، ولكنه يُعطفُ عليه بِشرطٍ، وذلك أنَّ يُؤكَّدَ بالمنفَصِلِ تَقولُ: ذَهبتَ أنَت وزَيدٌ، فزَيدٌ إنّما جَازَ عَطفُه على الضَّميرِ في ذَهبتَ لأنَّه تأكّدُ ذلك بالضَّميرِ المُنفَصِلِ وهو أنت، وهذا لأنَّ الفاعِلَ لا سِيَّما المُضمَرُ منه لِشدّةِ اعتِناقِ الفِعل إيَّاه صارَ بمنزلةِ الجزءِ منه. ضَمَمتُها ضَمَّةً عُدنا بها جَسَدًا … فلو رَأتنا عُيونٌ ما خَشِينَاهَا (٣) والجُزءُ من الفِعلِ لا يُعطَفُ عليه الاسمُ، فإذا تَأكَّدَ بالضّميرِ المُنفَصِلِ امتازَ عن الفِعلِ، وذَهَبَ عن كونِهِ جُزءًا، واستَبَدَّ اسمًا، فحينَئِذٍ يُعطَفُ عَليه، ثُمَّ ذلك القُبحُ على مراتبَ، فالأقبحُ العَطفُ على المُستَتِرِ نَحو: اذهبْ وزَيدٌ، والقَبيحُ ذَهبتُ وزَيدٌ وللمائلِ (٤) عن القَبِيحِ قَليلًا: ذَهبا (٥) وزَيدٌ. قوله: ولا يتأتَّى أن يعطف ويُعطَفَ عليه الثَّاني وهو المَعطوفُ بالرَّفعِ. قالَ جارُ اللَّه (٦): وقَولُ عُمرَ بنِ أبي رَبيعَة: قُلتُ إذ أقبَلَتْ وزُهرٌ تَهَادَى من ضَروراتِ الشِّعرِ. قالَ المُشَرِّحُ: عَطفَ زُهرٍ على الضَّميرِ المُتصِلِ في أقبَلَت من غيرِ

стр. 619

تَأكِيدٍ وهي على ما ذَكرنا في الدَّرجَةَ العُليا من القُبحِ. تَمامُهُ (١): ........................ … كَنِعَاجِ المَلَا تَعَسَّفْنَ رَمْلَا قَدْ تَنَقَّبْنَ بالحر وأَبدَينَ … عُيُونًا حُورَ المَدَامِعِ نُجْلَا التَّهادِي: أن يَمشيَ بَينَ اثنَينِ مُعتمدًا عليهما من ضعفِهِ وتَمايُلِهِ، المَلَا: هو الصَّحراء مَقصورٌ، يَقولُ: هؤلاءِ النِّساءُ يَمشِينَ مَشيَ نِعاجٍ الوَحشِ إذا وَقَعَت في الرَّملِ فَهُنَّ ينقُلنَ قوائِمَهن نَقلًا بَطِيئًا، وتَتَحَرَّكُ أحشاؤُهُنَّ لِتَكلُّفِهِنَّ نَقلَ قوائِمِهنَّ ويُروى (٢): قُلتُ إذْ أقبَلَتْ تَهَادى رُويدًا قالَ جارُ اللَّهِ: وتَقولُ في المَنصوبِ ضَربتُكَ وزيدًا، ولا يُقالُ مَررتُ به وزَيدٍ ولكنْ يُعادُ الجَارُّ، وقراءةُ حَمزَة (٣): ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ ليست بِتلك (٤) القويَّة". قالَ المُشَرِّحُ: العَطفُ على المتَّصلِ المَنصوبِ يَجوزُ وذلك ضَرَبتُكَ وزَيدًا ألا تَرى أنَّ الكافَ في ضَربتُك ضَميرٌ مُتَّصَلٌ (٥) مَنصُوبٌ، وزَيدًا مَعطوفٌ عليه.

стр. 620

فإن سألتَ: فكيفَ جازَ العَطفُ على المُتَّصِلِ المَنصوبِ ولَم يَجُزْ على المُتَّصِلِ المَرفوعِ؟ أجبتُ: لأنَّ المَنصوبَ لم يُعانِقْهُ الفَعْلُ تلكَ المعانقةَ، بخلافِ المرفوعِ، وبخلافِ المَجرورِ أيضًا، لأنَّ المُضافَ والمُضافَ إِليه بِمَنزِلَةِ شَيءٍ واحدٍ، ولِذَلِكَ سَقَطَ التَّنوين من المُضافِ، ولَم يَجُزْ بينهما الفَصلُ بِخلافِ الفِعلِ والمَفعولِ والعَطفُ على بَعضِ الشَّئِ الّذي هو بَعضُ الاسمِ لا يَجوزُ وأمَّا قِراءةُ حَمزةَ فمُستَضعَفَةٍ (١) ونَظيرُها ما أنشدَهُ المُبرِّدُ في (الكامِلِ).

стр. 621

فاذهَبْ فما بِكَ والأيَّامِ من عَجَبِ ولأنَّ هذا العَطْفَ ضَعِيفٌ في القِياسِ، قَليلٌ في الاستِعمالِ، أمَّا ضَعفُهُ في القِياسِ فلأنَّ المُضمَرَ المُتَّصلَ في نَحو غُلامِهِ وغُلامِكَ وغُلامي قد صارَ عِوَضًا لِما (١) كان فيه مِنَ التَّنوين، فَقَبُحَ أن يُعطَفَ عليه، كما لا يعطفُ على التَّنوين، والّذي يَدُل على أنَّ هذا المُضمَر قد صار عِوَضًا من التَّنوين وُقُوع المُعاقَبَةِ بينَ التَّنوينِ وبينَ هذا المُضمَرِ في مقامِ المُضافِ إليه، ويعضُدُ ذلك (٢) اختيارُ حَذفِهِم الياءَ في المُنادى المُضاف إلَيه كَحَذفِهم التَّنوينَ. فإن سألتَ: فكيفَ لم يَقبُحْ عَطْفُ الظَّاهِرِ المَجرورِ على الظَّاهِرِ المَجرورِ؟ أجبتُ: بأنَّ المُضمَرَ أذهَبُ في مُشابَهَةِ (٣) التَّنوين من المُظهرِ (٤) ألا تَرى أنَّ هذا المُضمَرَ على حَرفٍ كما أنَّ التَّنوين كذلك، وأنَّهما مُجتمعان في السُّكونِ بِخلافِ المُظهَرِ، ولأنَّ المُضمَرَ لا يَفصل من (٥) الاسم في الوَقف (٦) كما لا

стр. 622

يَفصل التَّنوين في الوَصلِ (١)، لأنَّه لَا يفصَلُ بينَ المضافِ والمضافِ إليه، إلا إذا كانَ المُضافُ (٢) إليه ظاهِرًا، كما في قوله (٣): قَرعِ القِسِيَّ الكنائِنِ بِخلافِ ما إذا كَانَ مُضمَرًا.

стр. 623

[بابُ البِنَاء] قالَ جارُ اللَّهِ: ومن أصنافِ الاسمِ المَبْنِيّ، وهو الذي سُكونُ آخِرِه، وحَرَكتُهُ لا بعاملٍ، وسَبَبُ بنائِهِ مناسبةُ ما لا تَمَكُّن له بِوَجْه قَريبٍ أو بَعِيدٍ [بتضمن معناه] (١). قالَ المُشَرِّحُ: المُعَربُ إذا بُنِيَ فلا بُدَّ فيه من سَبَبٍ، وسَبَبُ بِنائِهِ مناسبةُ (٢) ما لا تمكُّنْ له (٣)، ومناسبته بأَحدِ أَسبابٍ وهي: إمَّا جَريُه مَجرى الحَرْفِ، كالضَّمائِرِ واسم الإشارةِ لأنَّها (٤) جَرَتْ مَجْرَى اللَّامِ المُعَرِّفَةِ، أَلَا تَرى أنَّ اللَّامَ المُعَرِّفَةَ للإِشارَةِ لأنَّها (٤) لَيْسَتْ إلَّا للتَّعْرِيفِ، وهو بعينِهِ الإِشارةُ. أمَّا تَضَمُّنه معنَى الحَرفِ كتضمُّنِ (٥) المَنْفِيِّ الجَنس معنى "مِنْ" الاستغراقية، وكتضمُّن أَمسِ معنى (٦) اللَّام، وذلك إذا عَنَيْتَ به أمسَ يَومكِ، وأمَّا إذا عَنَيتَ به أَمسًا فهو مُعَرَّبٌ كقولِهِم: * كُلُّ غَدٍ صائرٌ أمسًا * وإمَّا مُجاورة المَبْنِيِّ مُجاورة مخصوصةً كما في: غُلامي، وَتَفْعَلِين،

стр. 624

وَفَعَلُوا. فعلى هذا الحَرْفِ مَدارُ المَبْنِيَّات، فإن سَألتَ: أَيشٍ (١) تَعْنِي بعاملٍ في قولِكَ لا بِعاملٍ، أَتعني به الموجبَ للسُّكونِ أو الحَرَكَةِ، أَم تَعني به شَيئًا آخر؟ [إن عَنيتَ به شَيئًا آخر] (٢) فلا بُدَّ من بنائِه، وإن عَنَيْتَ به ما ذَكَرْنَاه (٣). قُلنا كلّ مَبْنِيٍّ فلا بُدَّ لِسكونِهِ وحَرَكَتِهِ من سَبَبٍ بهذا التَّفسيرِ، أَلَا تَرَى (٤) أنَّهم يَذكرون لِنَفْسِ بناءِ (٥) الاسمِ كَمِّيةً (٦)، ولبنائِه على الحَرَكَةِ كَمِّيَّةً (٦) أيضًا، وكذلك لِبنَائِهِ على الحركةِ المَخْصُوصَةِ، أَجبتُ: المعنِيُّ بالعامِلِ سَبَبُ السُّكونَ أو (٧) الحركةِ المناسب لِقَصْدِ الواضِعِ بَدِيًّا، وهذا لأنَّ الواضعَ قد قَصَدَ بالأسماءِ تَصريفَها من حَالٍ إلى حالٍ، وكذلك بالفِعلِ المُضَارِعِ، إلَّا أنَّه قد يَتَّفِقُ فيهما الجُمُود لِعارضٍ. قالَ جارُ اللَّه: يَتَضَمَّن معناه نحوُ أينَ وأَمسِ، أَو شِبهِهِ كالمُبْهَمات. قالَ المُشَرِّحُ: أينَ بُنِيَ لجريِهِ مَجرى هَمْزَةِ الاستفهام، وعلى الحَرَكَةِ فِرارًا من التقاءِ السَّاكنين، وعلى الفَتحِ لأنَّه من ظروفِ المكانِ، وقَضيَّةُ الظَّرفِ أن تَكُونَ لَهُ صورةٌ النَّصبِ، وأَن يكونَ لَه هذه الصورةُ من قِبَلِ العامِلِ، [إلَّا أنه لما بُنِيَ بَطَلَ أن تَكُونَ هذه الصُّورةُ من قِبَل العامل] (٨) فَبَقِيَ له نَفْسُ الصُّورةِ (٩). أَمسِ بناؤُه على ما ذَكرناهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعنى اللَّامِ،

стр. 625

لأنَّه لا يُبنى إلَّا إذا أَردتَ به أَمسَ يومِكَ كما في قولهم: (أَمسِ الدَّابرِ) فإن سَألتَ: فهذا يَنْتَقِضُ بقولِكَ غَدًا من (١) قولِكَ: أفعلُه غَدًا فإنَّه مُتَضَمَّنٌ لِمعنى اللَّام وهو مُعَرَّبٌ وأما أنه متضمن لمعنى اللام فلأن المراد به غد يومك وأما أنه معرب فظاهِرٌ، أَجبتُ: ما الدَّليلُ على أنَّ غَدًا مُتَضَمِّنٌ لِمعنى اللَّام (٢)؟ وعلى أنَّه مُنْصَرِفٌ إلى غَدِ يَومك (٢) لَكنْ لأنَّه ما قَصَدَ ذلك ابتداءً، بل لأنَّه أقربُ إلى الذِّكرِ وَأَخْطَرُ في (٣) البالِ. فإن سَأَلتَ: فَقولُهُم: أَمسِ الدَّابِرِ كذلك؟ أَجبتُ: ما الدّليلُ على ذلكَ؟، وهذا لأنَّ أمس المكسورَ مما لا تَدخلُ عليه اللَّامُ المعرِّفَةُ، فلولا أنَّه مُتَضَمِّنٌ لمعنى اللَّامِ لَدَخَلَ بِخلافِ غَدًا فإنَّه تَدخُلُ عليه اللَّامُ، ولذلك يُوصَفُ بالمعرِفَةِ بدَلِيَلِ أمسِ الدَّابِرِ بخلافِ غدًا، وبُنِي على الحَرَكَةِ فِرارًا من التقاءِ السَّاكنين، وعلى الكَسرِ لئلَّا يُتَوَهَّم أنَّه غَيرُ مُنْصَرِفٍ كما هو مَذهبُ قَومٍ من بَني تَميمٍ، حَيْثُ يَمْنَعُونها الصَّرفَ. المُبهمات شَيئان أسماءُ الإِشارةِ والمَوصولات، وكِلَا الصِّنفين يُبنى (٤) لجريِهِ مَجرى اللَّامِ المُعَرِّفَةِ وبُنِيَ على السُّكونِ لأنَّ الأصلَ في البِناءِ هو (٥) السُّكونُ. قاكَ جارُ اللَّه: "أو وُقُوعِهِ موقِعَه كَنَزالِ، أَو مُشَاكَلَتِهِ للواقِعِ مَوْقِعَه كفَجَارِ وَفَسَاقِ". قالَ المُشَرِّحُ: نَزَالِ إنَّما بُني لِجَريِهِ مَجْرى انزِل، وهو من قَبِيلِ القِسمِ الأوَّلِ، من الأقسام الثَّلاثةِ، وعلى الحَرَكَةِ ذَهابًا [عن التقاءِ السَّاكنين] (٦)، وعلى الكَسْرِ ليُعلَمَ في أوَّلِ الأمرِ أنَّه ليسَ من قبيلِ ما لا

стр. 626

يَنْصَرفُ كما هو مَذهَبُ قَومٍ من بَنِي تَمِيمٍ، ولذلك يَكُونُ عِنْدَهم حَذَامِ غَيْرَ مُنْصرفٍ، وفي أصلِ بنائِهِ وَجْهٌ آخرُ، وهو أن يكونَ بناؤُه لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى لامِ (١) التَّعريفِ، وهذا لأنَّ فَعالِ قد جَاء بمعنى المَصدرِ المَعرفة، أَلَا تَرى أنَّ فَجَارِ عَلَمٌ للفَجْرَةِ كما أنَّ بَرَّةَ عَلَمٌ للمَبَرَّة، فيكون نَزَالِ في الأصلِ معناه النُّزُول فيكونُ بناؤُه لِتَضَمُّنه مَعنى اللَّامِ (٢) المُعَرِّفَةِ، فإن سألتَ: نَزَالِ، وتَرَاكِ لو كانا مُتَضَمِّنَينِ مَعنى اللَّام المُعَرِّفَةِ لما جَازَ تَراكِها، وَمَنَاعِها. كما لا يَجوزُ أن يقالَ: التَّركِها والمَنَاعِها؟ أَجبتُ: فَرقٌ (٣) بَينَ ما فيه اللَّام ظاهِرًا، وبينَ ما فيه مَعنى اللَّام بدليلِ أنَّ العَلَمَ بمنزلةِ المُعَرَّفِ باللَّامِ، وأنَّه يَجوزُ إضافتُه ولا كذلك المُعَرَّفُ، بِدَلِيلِ أنَّه يَجوزُ أن يُقال (٤) زَيدُكم وَعَمرُكم ولا يَجوزُ: الرَّجُلُكُم والأحمرُكم. وهذه العِلِّةُ في بنَاءِ فَجَارِ وفَسَاقِ، وأَمَّا قولهم بُنِيَ فَجَارِ لأنَّه شَابه في الوَزْنِ نَزَالِ، فمن مَكَارِهِ النَّحوِ وهذا (٥) لأنَّه ما من شَيءٍ إلَّا وهو يُشْبِهُ شيئًا ثم لا يُعطى حَقَّه. قالَ جارُ اللهِ: "أَو وقوعِهِ مَوْقِعَ ما أشْبَهَهُ كالمُنادى المضمُومِ". قالَ المُشَرِّحُ: النَّحويُّون يقولون إنَّ المفردَ المُنادى المَعرفةَ (٦) بُنِيَ لوقوعِهِ موقِعَ الكَافِ من (أَدعوك)، وهذا لأنَّ قَولَنا: يا زَيْدُ بمنزلةِ أَدعوكَ، فكما أنَّ ذلك الكافَ مَبْنِيٌّ فكذلِكَ زَيدٌ في يا زيدُ، لأنَّه واقعٌ موقِعَه، وَتَحْقِيقُ الكلامِ فيه أنَّ الأسماءَ المُظهَرَةَ كلَّها غَيبٌ لا خِطَابَ فيها ولا حِكايةَ، إنَّما الخِطَابُ والحِكايةُ من خَصَائِصِ المُضْمَرَاتِ، فإذا انجَرَّ إلى المظهَرِ الخِطابُ نُزِّلَ مَنزلَة المُضْمَرِ فُبنِيَ.

стр. 627

قَالَ جارُ اللهِ: "أو إضافتُه إليه كقولِهِ تَعالى (١): ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ و ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (٢) فيمن قَرأها بالفتحِ (٣)، وقولُ قَيسِ بن رفاعة: (٤) لم يَمنع الشُّربَ عَنها غيرَ أن نَطَقَتْ … حَمامةٌ في غُصُونٍ ذاتِ أوقالِ وقولُ النَّابِغَةِ: * على حِينَ عاتبتُ (٥) المَشِيبَ على الصِّبَا" * قالَ المُشَرِّحُ: ظَرفُ الزَّمانِ إذا أُضيفَ إلى جُملةٍ أوَّل أجزائِها مَبْنِيٌّ جازَ فيه الإِعرابُ والبناءُ، قالَ الإِمامُ عبدُ القاهِرِ الجُرجاني: قد أَجازوا فيه الفَتحَ على البِنَاءِ والجرَّ على الإِعرابِ تَقولُ: خَرجتُ من (٦) حينَ خَرَجَ زَيدٌ، وفي حين خَرَجَ. هذه أَلفاظه. أمَّا الإِعرابُ فلأنَّ لها شَبَهًا بالإِضافة من نحو ثوب زيد ودار عمرو وأما البناء فلأن له شبهًا بِتَرْكِيبِ بَعْلَبَكٌ وحَضرَموت، وهذا لأنَّ شَطرَهُ الثَّاني من (٧) حين عاتبتُ المَشيب غيرُ مُتَضَمِّنٍ لِمعنى الحَرفِ، كما أنَّ الشَّطرَ الثَّاني في بَعْلَبَكَّ وحَضْرَموت كذلك، وإنما قُلنا بأن الشطرَ الثاني في حين عاتبت المشيبَ غيرُ مُتَضَمِّنٍ لِمَعْنى الحَرفِ، لأنَّه لو كانَ مُتَضَمِّنًا لِمَعْنى الحَرفِ لكانَ (٨)

стр. 628

لا يَخْلُو من أن يكونَ هو معنى حَرفِ الجَرِّ أَو معنى غَيرِهِ، لا وَجه إلى أن يَكونَ مُتَضَمِّنًا لمعنًى غيرِ (١) مَعنى حَرفِ الجَرِّ بالإِجماع. ولا وَجهَ إلى أن يكونَ مُتَضَمِّنًا لِمعنى حَرْفِ الجَرِّ، لأنَّ حَرفَ الجَرِّ لا يَدْخُلُ على الجُمْلَةِ. فإن سألتَ: فكيفَ (٢) لم يَجُز (٣) البِناءُ فيما إذا كَانَ المُضافُ إليه مُعرَبًا؟ أجبتُ: وإذا كان مَبْنِيًا جازَ أن يَسري منه إليهِ البِناءُ كما سرَى إليه في بَعضِ المَواضِعِ التَّأنيثُ وذلك في نَحو شَلَّت بعضُ أصابِعِه وقوله (٤): * وَقَد شَرِقَت صَدرُ القَناةِ من الدَّمِ * كما سَرى منه (٥) إليه الاستفهامُ والجَزاءُ في نَحْوِ: غُلامِ من تَضْرِبُ؟ وغلامُ مَنْ تَضْربه أضربه؟ ومما سَرى منه إليه البِناءُ قولُه تَعَالَىَ (٦): ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ وكذلك (٧) فيما أنشدَه ابنُ السَّراجِ (٨): وَتَدَاعى مَنْخِراه بِدَمٍ … مِثلَما أثمَرَ حُمَّاضُ الجَبَل (٩) كانَ من الواجبِ أن يُرفعَ مثلُ في الأُولى وتُجرّ في الثاني، لكونِه وَصفًا إلَّا أنَّه بُني لِكَوَنِهِ مُضافًا إلى ما على أنَّا نَقول: ما الدَّليل على أنَّه لا يَجُوزُ ذلِكَ؟ والدَّليل عليه قَولهم: وقَد يَجُوز (١٠) أن يُبنى ظَرفُ الزَّمانِ إذا أضيف إلى المُضارِع كقولك (١١) يُعْجِبُني يومَ يَقومُ.

стр. 629

تَخْميرِ: كَيف يُجْمَعُ بين نصِّ الشَّيخِ ﵁ (١) - ها هُنا وفتحةِ الميم في ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (٢) فإنَّهما دَلَّا على جَوَازِ البِناءِ، ولفظُ الإِمام عبدِ القاهِرِ الجُرجاني وكذلك الحُكمُ إذا كانَ الفِعلُ مُضارِعًا كقولِهِ: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (٣) و ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ (٤) من فتح (٥) في هذا لم تَكن الفَتحةُ حَرَكَةَ بِناءٍ ولكنْ حَرَكةُ إعرابٍ، ويكونُ مَنصوبًا على الظَّرفِ، فإنه يَدُلُّ على أنَّ الفَتحةَ في ﴿يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ إعرابيَّةٌ لا بِنائيَّةٌ، لا يُجمع (٦) بينهما لأنَّهما مُتَنَافِيان لكنَّ الصَّوابَ قولُ شَيخِنا لا قولُ الإِمامِ، وكفاك دَلِيلًا فتحةُ الميِمِ في ﴿يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ إذ لو كان مُعربًا لرُفِعَ لأنَّه خَبرُ المبتدأ على أنَّ مثلَ (٧) قوله: "كيومَ وَلَدَتْهُ أُمّه" (٨)، يُحْتَمَلُ أن يكونَ منصوبًا على الظَّرفِ، ومعناه كَخُروجِهِ من ذُنُوِبِهِ كيوم وَلَدَتْهُ اُمُّه، كانَ القياسُ: في "غَيرِ أن نَطَقَت" أن يكونَ مَرفوعًا لأنَّه فاعِلٌ يَمنع، وإنَّما انفَتَحَ (٩) لِئلَّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المُضافَ إليه مُنْقَطِعٌ عنه وأنَّه على الغايةِ مَضمومٌ وهذا (١٠) لأنَّ غيرًا مما يُضَمُّ عندَ البَصريّين على الغايةِ كما مَضى، فإن سَألتَ: لم بُنِيَ على الفَتْحِ؟ أَجبتُ: لأنَّ أكثرَ هذا النوعِ من المبنيِّ ظُروفٌ فيها الفَتحةُ الأصليةُ، فصارَ الفَتحُ كهذا النَّوعِ من المَبْنِيّ بمنزلةِ العَلَمِ.

стр. 630

رِفاعةُ: بالرَّاء المكسورة وبالفاءِ وبالعَيْنِ المُهْمَلَةِ. وقبله (١): ثُمَّ ارعويتُ وقد طالَ الوُقُوفُ بنا … فيها فَصِرتُ إلى وَجْنَاءَ شَملالِ تُعْطِيكَ مَشيًا وإرقالًا ودَأَدَأَةً … إذا تَسَربَلَتِ الآكامُ بالآلِ تُردِي الأكَامُ إذا صَرَّت جَنَادِبُها … منها بِصُلبٍ وقاحِ البَطْنِ عَمَّالِ لَمْ يَمْنَعِ الشُّربَ مِنها ...... … ........ ...... البيت يصفُ وقوفَهُ في دارٍ خَلت من أَهلِها، فلمَّا طالَ وقوفُه ارعوى أي رَجَعَ فصارَ إلى راحِلَتِهِ. الوَجْنَاءُ: هي الصُّلبةُ الوَجْنَتَين. والإِرقالُ والدّأدأةُ ضَربان (٢) من العَدوِ، وَتَسَرْبَلَتِ الآكامُ بالآلِ أي عَلاها السَّرابُ فَصارَ كالسِّربالِ لَها ونحوه: * واجتابَ أرديةَ السَّرابِ أكامُها (٣) * يريدُ أنَّها في وَقْتِ الهاجِرَةِ نَشيطةٌ تُردي الأكام أي تَرميها بِخُفٍّ صُلبٍ تَظُنُّه عَمَّالٌ يَعملُ في السَّيرِ ولا يَفْتُر. ويُروى: لم يَمْنَعِ الوِردَ مكانَ لم يَمْنَعِ الشُّربَ، الضَّميرُ في مِنها للوَجنَاء والأوقالُ: جَمع وَقْلٍ وهو شَجَرُ المُقل، يقولُ: لم يَمْنَع هذه الراحلةَ أن تَشْرَبَ الماءَ إلَّا أنَّها سَمِعَت صَوتَ حَمامةٍ فَنَفَرَت، يريدُ أنَّها حَدِيدَةُ النَّفسِ قويَّةُ الحسّ، فيها لِحِدَّةِ نَفسها فَزَعٌ وذُعرٌ وذلك مِمَّا (٤) لا يُحْمَدُ منها.

стр. 631

ما قبلَ البيتِ الثَّاني (١): فأسبلَ مِنّي عبرةٌ فرددتُها … على النَّحرِ منّي مُسْتَهِلٌّ ودامعُ على حينَ عاتبتُ (٢) المَشِيبَ على الصِّبا … فقلت ألمَّا تَصحُ والشَّيبُ وازعُ يقولُ: قد آن لَكَ أن تَصحو، وَيَزولَ عَنك ما كُنْتَ تَجِدُهُ مِمَّن تَهواه فإنَّ الشَّيبَ عن أَمثالِ هذه الأفاعيلِ كافٌّ. قالَ جارُ اللهِ: "والبناءُ على السّكون هو القِياسُ، والعُدولُ عنه إلى الحركةِ لأحدِ (٣) ثلاثةِ أَسبابٍ؛ للهَرَبِ من التقاءِ السَّاكنين في نحو هؤلاء، ولِئَلَّا يُبتدأ بساكنٍ لَفظًا أو حُكمًا، كَالكافَين التي هي (٤) بِمَعْنَى مثلِ والتي هي ضَميرٌ، ولِعروضِ البِنَاءِ، وذلك في نَحو يا حَكَمُ، ولا رَجُلَ في الدَّار، ومن قبلُ ومن بعدُ، وخَمْسَةَ عَشَرَ". قالَ المُشَرِّحُ: "هؤلاء" بِنَاؤه، لما ذَكَرنا من الضَّمائِر وأسماءِ الإِشارةِ، وبُنِي على الحَرَكَةِ لالتقاءِ (٥) السَّاكِنين، وعلى الكَسْرِ لما ذَكَرتُهُ في نَزَالِ. كافُ التَّشبيه لم يُبنَ على السُّكون لئلّا يُبدأ بساكنٍ حُكمًا (٦)، وبني على الكَسْرِ لأنَّه أخُو السُّكون، وكافُ الضَّميرِ لم يُبنَ على السُّكون لَئِلَّا يُبْتَدَأَ بساكنٍ حُكمًا، لأنَّه من جُملةِ الأسماءِ. البِناءُ إذا كَانَ عارِضًا لم يَكن على

стр. 632

السُّكونِ، فَرقًا [بينَه وبينَ البِنَاءِ الأصلي، وهذا شَيءٌ ضَعيفٌ، لأنَّ البِناءَ على الحَرَكَةِ إنَّما يَقَعُ فارقًا] (١) بينَ الأصلِيّ والعارِضِ والعارضُ (٢) أن لو لم يَكُن بِناءٌ أصلى على الحَرَكَةِ. يا حكمُ إنَّما بُني لما ذَكرناه، لا رَجُل في الدَّارِ إنَّما بُنِيَ لِتَضَمُّنِهِ معنى (من) الاستغراقيّة، وبُنِيَ على الفَتحِ ليكون اسمُ لا النَّافِيَةِ للجنسِ على نَسَقٍ واحدٍ، وأمَّا بناءُ الغاياتِ والمركّباتِ فَسَيَجِيءُ بَيانه (٣) في مَوضِعِهِ إن شاءَ اللهُ. قالَ جارُ اللهِ: " [وسكون الباء يُسمى وقفًا وحركاته ضَمًّا وفتحًا وكسرًا] وأنا أَسوقُ لك عامةَ ما تَبنِيه العَرَبُ من الأسماءِ إلَّا ما عسى أن يَشِذَّ منها، وقد ذَكَرناه في هذه المُقَدِّمةِ في سَبعةَ أبوابٍ، وهي المضمراتُ، وأَسماءُ الإِشارةِ، والموصولاتُ وأسماءُ الأفعالِ والأصواتُ، وبعضُ الظّروف، والمُركباتُ والكِناياتُ". قالَ المُشرِّحُ (٤): الرِّوايةُ "والأصواتُ" بالرَّفعِ. فإن سألتَ: فلم (٥) جعل أسماء الأفعال والأصوات قسمًا واحدًا؟ أجبتُ: لأنَّ أسماءَ الأفعالِ كما تَدلُّ على الفِعلِ، فكذلك الأصواتُ تدلُّ أيضًا، ألا تَرى أنَّ معنى قولِكَ: "أفٍّ" أي (٦) أَتَكَرَّهُ وَأَتَضَجَّرُ، وهَلَا زَجرٌ للخَيْلِ.

стр. 633

[بَابُ الضَّمَائر] [قالَ جارُ اللهِ] (١): "المُضمراتُ على ضَربين (٢)، مُتَّصِلٍ وَمُنْفَصِلٍ، فالمتَّصِلُ ما لا ينفكُّ عن اتصالِه بكلمةٍ كَقولك أَخوك، وَضَرَبَكَ ومَرَّ بِكَ. وهو على ضَربين بارزٍ ومُستَتِرٍ، فالبارِزُ ما لُفظَ به كالكاف في "أخوك"، والمستَتِرُ ما نُوِيَ كالَّذي في زَيدٍ ضَرَبَ. والمُنفَصِلُ ما جَرى مَجرى المُظهر في استِبدَادِهِ كقولِكَ: هو وأَنتَ. قالَ المُشَرِّحُ: إذا قُلت: ضَرَبَ ففي ضَرَبَ ضَمِيرٌ راجعٌ إلى زيدٍ، ذلكَ المُضمَرُ هو الفاعِلُ، لا زَيدٌ وقد مَضى. قالَ جارُ اللهِ: "ولكلّ من المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ والغائِبِ، مُذَكَّرهُ ومُؤَنَّثُهُ، مُفردُه، ومُثنَّاه ومَجمُوعه ضَميرٌ مُتَّصِلٌ (٣) ومنفصل في أحوالِ الإِعرابِ ما خلا حالِ الجَرِّ فإنَّه لا مُنفَصِلَ لها تَقولُ في مرفوعِ المُتَّصلِ ضَربتُ ضَربنا ضَربتِ إلى ضَربتينَّ، وزيدٌ ضَرَبَ إلى ضَرَبنَ، وفي منصوبِهِ ضَرَبني إلى ضَرَبَنا، وضَرَبَكَ إلى ضَرَبَكُنَّ وضَرَبَه إلى ضَرَبَهُنَّ، وفي مَجرُورِهِ غُلامي غُلامنا غُلامك إلى غُلامِكُنَّ، وغُلامه إلى غُلامِهُنَّ، وتقولُ في مَرفوعِ المُنفَصِل (٤) أنا نحن أنتَ إلى أَنتن، وهو إلى هُنَّ، وفي منصوبِهِ إيّايَ، وإيّانا، وإيَّاك إلى إيّاكنَّ، وإيّاهُ إلى إياهُنَّ".

стр. 634

قالَ المُشَرِّحُ: اعلم أنَّ الضَمِيرَ المُنفَصِلَ له مَرفوعٌ ومَنصوبُ، ولا مَجرورَ له، وذلِكَ لأنَّ الضَميرَ المَرفوعَ والمَنصوبَ مِمّا يَقَعُ إلى فَصلِهِ عن الفِعلِ (١)، وتَقدِيمِه عليه للحاجَةِ وذلك نَحو: ما أَكرمني إلا أنت، و (٢) "إيَّاكِ أَعني واسمعي يا جارة" (٣) بخلافِ المَجرور، فإنَّه لا يقع مُنفصلًا عما اتّصلَ به، ولا مُقَدَّمًا عليه، وذلك (٤) لأنَّ انجرارَ الاسمِ إمَّا بحرفِ الجرِّ وإمَّا بالإِضافةِ، والمجرورُ بحرفِ الجَرِّ كما لا يَتَقَدَّمُ على الجارِ لا يَنفَصِلُ عَنه، وهكذا المُضافُ إليه، فبعدَ (٥) ذلك لو وُضِعَ المنفَصِلُ المَجرورَ لا يَخلو من أن يُوضَعَ بموضِعِ (٦) الوَصلِ أو بموضعِ (٦) الفَصلِ، وَوَضعُهُ لكلِّ الموضعين مُمتَنِعٌ، فيمتَنِعُ الوَضعُ رأسًا، [أما أنَّه لا يجوزُ أن يُوضعَ بموضِعِ (٦) الوَصلِ، فلأنَّ الحاجةَ قد اندفَعَت بأدنى الضَّميرين وهو المُتَّصلُ] (٧) وأمَّا أنَّه لا يَجوزُ أن يُوضعَ بموضعِ (٦) الفَصلِ فلأنَّ مَوضعَ الفَصلِ في المجرورِ لا وجودَ له. ومما عَسى أن يَقَعَ إليه في هذا الفَصل حاجةٌ أنّ الواوَ والياءَ في هو وهي من نفسِ الاسمِ عندَ أكثرِ البَصريّين، وقالَ الكوفيُّون وبعضُ البصريّين الواوَ والياءَ فيهما زيادتان (٨)، واحتجَّ الكُوفيُّونَ وبعضُ البصريّين بأنَّهما لا تَسقُطان في التَّثنِيَةِ والجَمع قالوا: والَّذي أحوَجَهم

стр. 635

إلى ذلكَ أنَّ الكنايةَ لمّا انفصَلتْ احتاجُوا فيها إلى ابتداءٍ ووقفٍ، والابتداءُ لا يكونُ إلا بالمُتحرّكِ، والوقفُ لا يكونُ إلا على السَّاكنِ، والحَرفُ الواحدُ لا يكونُ ساكنًا (١) ومُتَحرِكًا في حالةٍ واحدةٍ، فزادُوا عليهما واوًا صِلةً لضَمَّةِ الهاءِ من هو، ويا صلةً لكسرةِ الياءِ من هيَ. حجةُ أكثر البصريين ثباتُهما في الوَقفِ والخَطِّ وتحركُهُما في الوَصلِ، وإنّما سَقَطَتَا من التَّثنيةِ والجمعِ، وذلك: هُما وهُم لأنَّهما بُنيتا (٢) على غيرِ لفظٍ واحدٍ مثل أنا ونحنُ، وما أشبَه ذلك. قالَ جارُ الله: فصلٌ؛ "والحروفُ التي تَتَّصِلُ بإيا من الكافِ ونحوها لواحقُ للدّلالةِ على أحوالِ المَرجوعِ إليه. وكذلك التّاءُ في أنت ونحوها في أخواتِهِ، ولا مَحَلَّ لهذه اللَّواحِقِ من الإِعرابِ، إنَّما هي عَلاماتٌ كالتَّنوين وتاءِ التَّأنيث وياءِ النَّسب وما حكاه الخليلُ عن بعضِ العَرَب: إذا "بَلَغَ الرَّجُلُ السّتّين فإيّاه وإيّا الشَّوَابٌ" مما لا يُعمَلُ عليه". قالَ المُشَرِّحُ: عنى بأحوالِ المرجوعِ إليه التَّذكيرَ والتَّأنيثَ والإِفرادَ والتَّثنيةَ والجَمعَ. الضَميرُ في أنتَ هو الهَمزةُ مع النون، ومعناه: وَضعُ اليدِ على المخاطَبِ، والتاء ها هنا بمنزلةِ الهاءِ والكافِ في: (إيّاه)، و (إيَّاك). اختَلَف النّحويون في "إيّا" (٣) مع الكافِ ونَحوها، فقالَ الخليلُ (٤): إنّ إيًّا اسمٌ مُضافٌ إلى ما بعدَه، في موضع خَفضٍ وهو مَذهبُ سيبويه أيضًا، استَدلَّ على ذلك بما حَكاه من (٥) أنَّه سَمِعَ أعرابيًا يقولُ: إذا بَلَغَ الرّجُلُ
следующие страницы →