← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 1011

التخمير شرح المفصل في صنعة الإعراب

صدر الأفاضل الخوارزمي

Полный текст (1 749 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ما قبلَ البيتِ الثَّاني (١): فأسبلَ مِنّي عبرةٌ فرددتُها … على النَّحرِ منّي مُسْتَهِلٌّ ودامعُ على حينَ عاتبتُ (٢) المَشِيبَ على الصِّبا … فقلت ألمَّا تَصحُ والشَّيبُ وازعُ يقولُ: قد آن لَكَ أن تَصحو، وَيَزولَ عَنك ما كُنْتَ تَجِدُهُ مِمَّن تَهواه فإنَّ الشَّيبَ عن أَمثالِ هذه الأفاعيلِ كافٌّ. قالَ جارُ اللهِ: "والبناءُ على السّكون هو القِياسُ، والعُدولُ عنه إلى الحركةِ لأحدِ (٣) ثلاثةِ أَسبابٍ؛ للهَرَبِ من التقاءِ السَّاكنين في نحو هؤلاء، ولِئَلَّا يُبتدأ بساكنٍ لَفظًا أو حُكمًا، كَالكافَين التي هي (٤) بِمَعْنَى مثلِ والتي هي ضَميرٌ، ولِعروضِ البِنَاءِ، وذلك في نَحو يا حَكَمُ، ولا رَجُلَ في الدَّار، ومن قبلُ ومن بعدُ، وخَمْسَةَ عَشَرَ". قالَ المُشَرِّحُ: "هؤلاء" بِنَاؤه، لما ذَكَرنا من الضَّمائِر وأسماءِ الإِشارةِ، وبُنِي على الحَرَكَةِ لالتقاءِ (٥) السَّاكِنين، وعلى الكَسْرِ لما ذَكَرتُهُ في نَزَالِ. كافُ التَّشبيه لم يُبنَ على السُّكون لئلّا يُبدأ بساكنٍ حُكمًا (٦)، وبني على الكَسْرِ لأنَّه أخُو السُّكون، وكافُ الضَّميرِ لم يُبنَ على السُّكون لَئِلَّا يُبْتَدَأَ بساكنٍ حُكمًا، لأنَّه من جُملةِ الأسماءِ. البِناءُ إذا كَانَ عارِضًا لم يَكن على

стр. 632

السُّكونِ، فَرقًا [بينَه وبينَ البِنَاءِ الأصلي، وهذا شَيءٌ ضَعيفٌ، لأنَّ البِناءَ على الحَرَكَةِ إنَّما يَقَعُ فارقًا] (١) بينَ الأصلِيّ والعارِضِ والعارضُ (٢) أن لو لم يَكُن بِناءٌ أصلى على الحَرَكَةِ. يا حكمُ إنَّما بُني لما ذَكرناه، لا رَجُل في الدَّارِ إنَّما بُنِيَ لِتَضَمُّنِهِ معنى (من) الاستغراقيّة، وبُنِيَ على الفَتحِ ليكون اسمُ لا النَّافِيَةِ للجنسِ على نَسَقٍ واحدٍ، وأمَّا بناءُ الغاياتِ والمركّباتِ فَسَيَجِيءُ بَيانه (٣) في مَوضِعِهِ إن شاءَ اللهُ. قالَ جارُ اللهِ: " [وسكون الباء يُسمى وقفًا وحركاته ضَمًّا وفتحًا وكسرًا] وأنا أَسوقُ لك عامةَ ما تَبنِيه العَرَبُ من الأسماءِ إلَّا ما عسى أن يَشِذَّ منها، وقد ذَكَرناه في هذه المُقَدِّمةِ في سَبعةَ أبوابٍ، وهي المضمراتُ، وأَسماءُ الإِشارةِ، والموصولاتُ وأسماءُ الأفعالِ والأصواتُ، وبعضُ الظّروف، والمُركباتُ والكِناياتُ". قالَ المُشرِّحُ (٤): الرِّوايةُ "والأصواتُ" بالرَّفعِ. فإن سألتَ: فلم (٥) جعل أسماء الأفعال والأصوات قسمًا واحدًا؟ أجبتُ: لأنَّ أسماءَ الأفعالِ كما تَدلُّ على الفِعلِ، فكذلك الأصواتُ تدلُّ أيضًا، ألا تَرى أنَّ معنى قولِكَ: "أفٍّ" أي (٦) أَتَكَرَّهُ وَأَتَضَجَّرُ، وهَلَا زَجرٌ للخَيْلِ.

стр. 633

[بَابُ الضَّمَائر] [قالَ جارُ اللهِ] (١): "المُضمراتُ على ضَربين (٢)، مُتَّصِلٍ وَمُنْفَصِلٍ، فالمتَّصِلُ ما لا ينفكُّ عن اتصالِه بكلمةٍ كَقولك أَخوك، وَضَرَبَكَ ومَرَّ بِكَ. وهو على ضَربين بارزٍ ومُستَتِرٍ، فالبارِزُ ما لُفظَ به كالكاف في "أخوك"، والمستَتِرُ ما نُوِيَ كالَّذي في زَيدٍ ضَرَبَ. والمُنفَصِلُ ما جَرى مَجرى المُظهر في استِبدَادِهِ كقولِكَ: هو وأَنتَ. قالَ المُشَرِّحُ: إذا قُلت: ضَرَبَ ففي ضَرَبَ ضَمِيرٌ راجعٌ إلى زيدٍ، ذلكَ المُضمَرُ هو الفاعِلُ، لا زَيدٌ وقد مَضى. قالَ جارُ اللهِ: "ولكلّ من المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ والغائِبِ، مُذَكَّرهُ ومُؤَنَّثُهُ، مُفردُه، ومُثنَّاه ومَجمُوعه ضَميرٌ مُتَّصِلٌ (٣) ومنفصل في أحوالِ الإِعرابِ ما خلا حالِ الجَرِّ فإنَّه لا مُنفَصِلَ لها تَقولُ في مرفوعِ المُتَّصلِ ضَربتُ ضَربنا ضَربتِ إلى ضَربتينَّ، وزيدٌ ضَرَبَ إلى ضَرَبنَ، وفي منصوبِهِ ضَرَبني إلى ضَرَبَنا، وضَرَبَكَ إلى ضَرَبَكُنَّ وضَرَبَه إلى ضَرَبَهُنَّ، وفي مَجرُورِهِ غُلامي غُلامنا غُلامك إلى غُلامِكُنَّ، وغُلامه إلى غُلامِهُنَّ، وتقولُ في مَرفوعِ المُنفَصِل (٤) أنا نحن أنتَ إلى أَنتن، وهو إلى هُنَّ، وفي منصوبِهِ إيّايَ، وإيّانا، وإيَّاك إلى إيّاكنَّ، وإيّاهُ إلى إياهُنَّ".

стр. 634

قالَ المُشَرِّحُ: اعلم أنَّ الضَمِيرَ المُنفَصِلَ له مَرفوعٌ ومَنصوبُ، ولا مَجرورَ له، وذلِكَ لأنَّ الضَميرَ المَرفوعَ والمَنصوبَ مِمّا يَقَعُ إلى فَصلِهِ عن الفِعلِ (١)، وتَقدِيمِه عليه للحاجَةِ وذلك نَحو: ما أَكرمني إلا أنت، و (٢) "إيَّاكِ أَعني واسمعي يا جارة" (٣) بخلافِ المَجرور، فإنَّه لا يقع مُنفصلًا عما اتّصلَ به، ولا مُقَدَّمًا عليه، وذلك (٤) لأنَّ انجرارَ الاسمِ إمَّا بحرفِ الجرِّ وإمَّا بالإِضافةِ، والمجرورُ بحرفِ الجَرِّ كما لا يَتَقَدَّمُ على الجارِ لا يَنفَصِلُ عَنه، وهكذا المُضافُ إليه، فبعدَ (٥) ذلك لو وُضِعَ المنفَصِلُ المَجرورَ لا يَخلو من أن يُوضَعَ بموضِعِ (٦) الوَصلِ أو بموضعِ (٦) الفَصلِ، وَوَضعُهُ لكلِّ الموضعين مُمتَنِعٌ، فيمتَنِعُ الوَضعُ رأسًا، [أما أنَّه لا يجوزُ أن يُوضعَ بموضِعِ (٦) الوَصلِ، فلأنَّ الحاجةَ قد اندفَعَت بأدنى الضَّميرين وهو المُتَّصلُ] (٧) وأمَّا أنَّه لا يَجوزُ أن يُوضعَ بموضعِ (٦) الفَصلِ فلأنَّ مَوضعَ الفَصلِ في المجرورِ لا وجودَ له. ومما عَسى أن يَقَعَ إليه في هذا الفَصل حاجةٌ أنّ الواوَ والياءَ في هو وهي من نفسِ الاسمِ عندَ أكثرِ البَصريّين، وقالَ الكوفيُّون وبعضُ البصريّين الواوَ والياءَ فيهما زيادتان (٨)، واحتجَّ الكُوفيُّونَ وبعضُ البصريّين بأنَّهما لا تَسقُطان في التَّثنِيَةِ والجَمع قالوا: والَّذي أحوَجَهم

стр. 635

إلى ذلكَ أنَّ الكنايةَ لمّا انفصَلتْ احتاجُوا فيها إلى ابتداءٍ ووقفٍ، والابتداءُ لا يكونُ إلا بالمُتحرّكِ، والوقفُ لا يكونُ إلا على السَّاكنِ، والحَرفُ الواحدُ لا يكونُ ساكنًا (١) ومُتَحرِكًا في حالةٍ واحدةٍ، فزادُوا عليهما واوًا صِلةً لضَمَّةِ الهاءِ من هو، ويا صلةً لكسرةِ الياءِ من هيَ. حجةُ أكثر البصريين ثباتُهما في الوَقفِ والخَطِّ وتحركُهُما في الوَصلِ، وإنّما سَقَطَتَا من التَّثنيةِ والجمعِ، وذلك: هُما وهُم لأنَّهما بُنيتا (٢) على غيرِ لفظٍ واحدٍ مثل أنا ونحنُ، وما أشبَه ذلك. قالَ جارُ الله: فصلٌ؛ "والحروفُ التي تَتَّصِلُ بإيا من الكافِ ونحوها لواحقُ للدّلالةِ على أحوالِ المَرجوعِ إليه. وكذلك التّاءُ في أنت ونحوها في أخواتِهِ، ولا مَحَلَّ لهذه اللَّواحِقِ من الإِعرابِ، إنَّما هي عَلاماتٌ كالتَّنوين وتاءِ التَّأنيث وياءِ النَّسب وما حكاه الخليلُ عن بعضِ العَرَب: إذا "بَلَغَ الرَّجُلُ السّتّين فإيّاه وإيّا الشَّوَابٌ" مما لا يُعمَلُ عليه". قالَ المُشَرِّحُ: عنى بأحوالِ المرجوعِ إليه التَّذكيرَ والتَّأنيثَ والإِفرادَ والتَّثنيةَ والجَمعَ. الضَميرُ في أنتَ هو الهَمزةُ مع النون، ومعناه: وَضعُ اليدِ على المخاطَبِ، والتاء ها هنا بمنزلةِ الهاءِ والكافِ في: (إيّاه)، و (إيَّاك). اختَلَف النّحويون في "إيّا" (٣) مع الكافِ ونَحوها، فقالَ الخليلُ (٤): إنّ إيًّا اسمٌ مُضافٌ إلى ما بعدَه، في موضع خَفضٍ وهو مَذهبُ سيبويه أيضًا، استَدلَّ على ذلك بما حَكاه من (٥) أنَّه سَمِعَ أعرابيًا يقولُ: إذا بَلَغَ الرّجُلُ

стр. 636

السِّتِّين فإيّاهُ وإيا الشّوابّ ثم اختَلَفَ الخليلُ وسيبويه فقالَ الخليلُ: إيا مُضمرٌ لكونِهِ مقصورًا على وَجهِ من الإِعرابِ، وذلك آية (١) الإِضمارِ. وقالَ سيبويهِ: مُظهَرٌ إذ المُضمَرُ يَسْتَحِيلُ إضافته لأنَّ المضمرَ لا معنى له سوى الإِشارة التي هي التَّعريفُ، وعندَ الإِضافةِ يَنسَلِخُ الاسمُ عن التَّعريفِ، فلو أُجيزَ إضافةُ المُضمَرِ لَتَعطَّلَ عن المَعنى رأسًا وذلك لا يَجوزُ. قال الأخفشُ وعَليه (٢) جَماعةٌ مِن النَّحويين: لا يَجوزُ أن تكونَ إيًّا مُضافًا إلى ما بَعدها (٣)، لأنَّه ضَميرٌ، والضَّميرُ لا يُضافَ، وكذلك قَالوا: الإِخبارُ عن المضاف في باب الّذي لا يَجوزَ، لأنَّه يَلزَمُ إضمارُ المُضافِ والمُضافُ لا يُضمَرُ. [صورتُهُ لَو قيلَ لَكَ: هَذا غُلامُ زَيدٍ فَأخْبِرْ عن غُلامِ زَيدٍ لم يَجُز، لأنَّه يَلزَمُك أن تَقُولَ: الذي هو غُلامُ زيدٍ، وذلِكَ مُحالٌ] (٤)، وما حَكاه الخَليلُ شَاذٌّ لا يُعمَلُ عَليه. [وأمَّا الكُوفِيُّون] (٥) فَقالوا (٦) إيَّاك بِكمالِها اسمٌ في مَوضعِ نصبٍ. وقالَ بَعضُهُم الياءُ والكافُ بعد إيّا اسمان وإيًّا عماد لَها لا تَقومُ بِنَفسِها في الإِبانَةِ عن مَعانِيها وَحدَها، وهذا لأنَّك تَقُولُ: ضَربتُكَ فيكونُ هذا هو الأصلُ ثمَّ تَقولُ: إيَّاكَ ضَربتُ فكانَ حَقُّ هذا أنْ يَتَّصِلَ بالفعلِ فلمَّا قَدَّمُوه لما يَستحِقُّه المفعولُ من التَّقديمِ والتَّأخيرِ أتوا بإيَّا فتوصَّلوا بها إلى التَّقديم والتَّأخير، ونَظيرُ هذه المسألةِ يأيَّها الرَّجلُ. فائِدةُ الخِلافِ بينَهم وبينَ الخَليلِ فيما لو قالَ إيَّاك نَفسِكَ أكرمتُ بالجَرّ على تأكيدِ الكافِ جاز. وعندَهم لا يجوزُ، يقولُ كما أنَّ التَّنوينَ، وتاءَ التَّأنِيثِ، وياءَ النَّسبِ لا مَحَلَّ لها بانفرادِها من الإِعرابِ، فكذلك هذه اللَّواحِقُ.

стр. 637

قالَ جارُ اللهِ: "فَصلٌ، ولأنَّ (١) المُتَّصِلَ أَخصرُ لم يسوِّغُوا (٢) تَركَه إلى المنفصلِ إلا عندَ تَعَذُّرِ الوصلِ، فلا تقولُ ضَرَبَ (٣) أنت، ولا هو، ولا ضَربتُ إيّاك إلا ما شَذَّ من قَولِ حُمَيدٍ الأرقَطَ (٤): إليكَ حتَّى بَلَغت إِيَّاكا (٥) وقولِ بعضِ اللُّصوصِ (٦): كأنَّا يَومَ قُرَّى … إنَّما نَقتُلُ إيَّانَا قالَ المُشَرِّحُ: لا تَقولُ ضَرَبَ أنتَ، لإِمكانِ ضَربتُ، ولا تقولُ: ضَرَبَ هو لإِمكان ضَرَبَ مكنِيًّا فيه عن الضّميرِ المُتَّصلِ، كان القِياسُ إليك حتَّى بَلَغَتْكَ. فإن سألتَ: ألَيسَ (٨) أنّ مَحصولَ هذا الفَصلِ أنَّه عندَ تَعَذّر الوَصلِ يُصارُ إلى الفَصل، وفي قولِهِ: (نقتُلُ إيّانَا) تَعَذَّرَ الوَصلُ لاستحالةِ أن يُقال: نَقتُلُنَا، وهذا لأنَّ الجَمعَ بينَ ضَميرَي الفاعِل والمَفعولِ لا يَجوزُ إلا في أفعالِ القُلوبِ، وفيما إذا كانَ المَفعولُ غيرَ الصَّحيحِ (٩) كقولِكَ: ضَمَمتَهُم

стр. 638

إليّ، وضَمَمناهُم إلينا، ونَقتُلُ ليس من أفعال القُلوبِ وكذلك المَفعولُ ها هنا لَيس (١) بمعزلٍ عن غَيرِ الصَّحيحِ؟! أجبتُ: الكَلامُ فيه مَبنِيٌ على أصلٍ، وهو أنَّ المفعولَ في الحَقيقةِ اثنان مُظهَرٌ ومُضمَرٌ، لكنَّ المُضمَرَ أيضًا اثنان مُتَّصِلٌ ومُنفَصِلٌ فيكونُ المَفعولُ ثَلاثةً فنقولُ: هذه الثَّلاثة مما يَجري فيه التَّغييرُ والمناوبةُ، بيانهُ أنَّ الفاعِلَ إذا كان مُضمرًا غائبًا، والمَفعولَ غَائبٍ، فالمُناوَبَةُ قبلَ الاستثناءِ بين المُتّصلِ وبينَ المُظهَرِ، وأمَّا بعدَه فبينَ المُنفَصلِ وبينَ المظهر تقولُ: اكرمَه واكرمَ زَيدًا وكذلك النَّفي وما أكرمَ إلا إياهُ، وإلا زيدًا، وإن كانَ المفعولُ مُخاطبًا فالمناوبة بينَ الضَّميرين المتّصلِ قبلَ الاستثناءِ والمنفَصِلِ بعدَه، وذلك أكرمك، وما أكرَم إلا إيَّاكَ، وإن كان المَفعولُ حِكايةً فكذلك تَقولُ: أكرمني، وما أكرمَ إلا إيَّايَ وإن كان الفاعلُ مُخاطبًا والمفعولُ غائِبًا فكما إذا كان الفاعِلُ غَائِبًا والمفعولُ غائبًا، وإن كان المفعولُ مُخاطبًا فقبلَ الاستثناء يَتَعَيَّنُ المُظهَرُ وبعده يَجري بين المُظهَرِ والمنفصلِ المناوبةُ، تقولُ (٢) أكرمتَ نفسك، وما أكرمت إلا نفسك وإلا إياك، وإن كان حكايةً فبين المتَّصل والمنفصلِ تَجري المناوبةُ المُتَّصِلِ قبلَ الاستثناءِ والمنفَصِلِ بعدَه تقولُ: أكرمتَني، وما أكرمتُ إلّا إيَّايَ وإن كانَ الفاعِلُ حِكايةً والمَفعولُ غائبًا فكما اذا كانَ الفاعلُ مُخاطبًا والمفعولُ غائبًا، وإن كان المَفعولُ مُخاطبًا فَبَينَ المُتَّصلِ والمنفَصِلِ تَجرِي المناوبةُ المُتَّصِلُ قبلَ الاستثناءِ والمنفَصِلُ بَعدَه، تقولُ أكرمتك وما أكرمتُ إلا إيَّاكَ، وإن (٣) كان المفعولُ حكايةً فقبلَ الاستثناءِ يَتَعَيَّنُ المظهرُ وبعدَه يَجْرِي بينَ المُظهَرِ وبين المُنفَصِل المُناوبةُ، كقولِكَ: أكرمتُ نَفسي، وما أكرمتُ إلا نَفسي، وإلا إيّاي. إذا عَرفتَ هذا فَوجهُ

стр. 639

انسكابه بِكَ إلى الغَرَضِ أن قولَه لم يُسَوّغُوا تَركه إلى المُنفَصِل إلا عندَ تعذُّر الوَصلِ معناه إذا كانت النَّوبةُ للإِضمارِ وأما إذا كانت للإِظهار فتركُهُ إلى المُنفَصِلِ خِلافُ الأصلِ، وها هنا النَّوبةُ للإِظهارِ لأنَّ المُظهَرَ ها هنا قَبلَ الاستثناءِ يتعيّنُ كأنَّه أورَدَ (١) هذا البيتَ على وجهِ التَّمثيلِ للبيتِ. أَخْصَرُ: أفعلُ تفضيلٍ من الاختِصَارِ بحَذفِ الزَّوائِد. حُمَيْدٌ بضم الحاءَ المهملةِ الأرْقَطُ: بالرّاء المهملةِ وبالقافِ (٢). الضَّميرُ في بَلَغَتْ للنَّاقةِ. البيتُ الثَّاني لذي الإِصْبَعِ العَدْوَاني (٣) وقبله (٤): لَقِينَا منهُمُ جَمْعًا … فَأَوفَى الجَمْعُ ما كَانَا كأنَّا يَومَ قُرَّى … ........ البيت وبعده: قَتَلْنَا مِنْهُمُ كُلَّ (٥) … فَتىً أَبْيَضَ حُسَّانَا يُرَى يَرْفُلُ في البُرْدَيـ … ـــنِ من أَبْرادِ نَجْرَانَا قوله: فأوفى الجَمعُ ما كان أي ما كان عَليه أن يعملَه، قُرَّى: بالضّمِ موضعٌ ومنه بيتُ الحماسة (٦): أَلهفي بِقُرَّى سَحبَلٍ حين أَحلبت … عَلينا الوَلايا والعَدُوُّ المُباسِلُ يقول: إنَّ قَتْلنا إيّاهم بمنزلةِ من يَقتُلُ نَفسَه، وهذا لأن هؤلاء قَومٌ قَد

стр. 640

تَقَاتَلُوا وتَعَادوا وهم عَشيرةٌ واحدةٌ، ونَجْرَان (١): من نَواحِي اليَمَن، وعَليه: أفعى نَجران. قالَ جارُ الله: "وتَقولُ: هو ضَرَبَ والكريمُ أنتَ، وإنَّ الذّاهبين نَحن، و: ما قَطَّرَ الفَارِسَ إلّا أنَا (٢) وجاءَ عبدُ الله وأنتَ، وإيّاك أكرمتُ". قال المشرّحُ: الشيخُ قد حَصَرَ في هذا الفَصل مواقِع الضَّميرِ المُنفَصِلِ وهي سِتّةٌ، المُبتدأُ كقولِكَ: هو ضَرَبَ، وكيفَ أنتَ، وخَبَرُ المُبتدأ نَحو الكريمُ أنتَ، وخبرُ إن نحو إنَّ (٣) الذَّاهبين نحنُ، وما بعد الاستثناء كقولِه: ما قَطَّر الفارسَ إلَا أنَا وبعدَ حرفِ العَطفِ نحو: جاءَني عبدُ الله وأنتَ، والمفعولُ المُتَقَدِّمُ كقولك: إيّاك أكرمتُ، و"إيّاكِ أعني واسمَعي (٤) يا جَارة". يقالُ هذا البيتُ للفرزدَقِ، والظَّاهرُ أنَّه لعمرو بن معدي كرب (٥) وأوّلُ البيت: لقد (٦) عَلِمَتْ سَلمى وجَارَاتُها … ما قَطَّرَ ..... البيت

стр. 641

وبعده: شَكَكتُ بالرُّمحِ حَيَازِيمَهُ … والخَيل تَجْرِي زيَمًا بَينَنا زِيَمًا: أي متفرقةٌ، وانتصابُها على الحالِ. يقولُ: طَعَنتُ برمحي صدرَه، وكلٌّ من الخيل في كَرٍّ (١) وفَرٍّ. قالَ جارُ اللَّهِ: إلا ما أنشدَهُ ثعلبٌ (٢): وما نُبالي إِذا ما كنتِ جارتَنَا … أَلّا يُجاورُنا إلّاكِ دَيَّارُ قالَ المشرّحُ: كانَ الواجبُ أن يقولَ إلا إِيّاك لكنَّه تَرَكَ المنفَصِلَ إِلى المُتَّصلِ كما تَرَكَ المتّصل إلى المنفَصِل في (بَلَغَتْ إِيّاكَا). قالَ جارُ اللَّه: فَصلٌ: وإذا (٣) التَقَى ضَميران في نحوِ قولكَ: الدِّرهَمُ أعطيتُكَه، والدِّرهَمُ أعيتُكمُوهُ، والدِّرهمُ زَيدٌ مُعطِيكَهُ، وعَجِبتُ من ضَربِكَهُ، جازَ أن يَتَّصلا كما تَرَى، وأن ينفَصِلَ الثّاني كقولِكَ: أعطَيتُك إيّاه، وكذلك البَواقِي. قال المشرّحُ: إِذا التَقى ضَميران منصوبان فلا بُدَّ أن يكونَ أحدُهما مُتَّصِلًا وفي الثَّاني يجوزُ الاتِصّالُ والانفصالُ كقولِكَ: الدِّرهمُ أعطيتُكه أو

стр. 642

أعطيتُك إيّاه، والانفصالُ فيه قَليلٌ. قالَ ابنُ السَّرّاجِ (١): وأقلُّ العربِ من يقولُ أعطيتُكه (٢)، فإن سألتَ: ألستَ قد ذكرتَ في الفصلِ (٣) المتقدِم أن الضَّميرَ المُتَّصلَ إنّما يُصارُ إليه عندَ تعذُّرِ الوصلِ، وهُنا (٤) ما تعذَّرَ الوصلُ؟. أجبتُ: إنه وإن لم يَتَعَذّرِ الوَصلُ ها هنا صُورةً - فقد تَعَذَّرَ مَعنًى، وذلِكَ أنَّ الضَّميرَ الثاني حَقُّه أن يكونَ مُنفَصِلًا بدليلِ أنَّ الضَّميرَ المُتصلَ المَنصوبَ لا يَتَّصِلُ إلَّا بالفِعلِ ألا تَرى أنَّهم حَمَلُوا قوله (٥): هُمُ الآمرون الخَيرَ والفاعِلُونَه على ضرورةِ الشِّعر، وها هُنا يَتَّصِلُ بالاسمِ وهو كافُ الخِطابِ، وقد وَقَعَ في كافةِ نسخ المفصّل: "أعطيتمُوه" بدون الكافِ، والصَّوابُ أعطَيتُكُموهُ بالكافِ ويَشهدُ له قوله: وأن ينفَصِلَ الثَّاني كقولك: أعطيتُك إيَّاه، لأنّ هذه الصُّورة الثانيةَ هي الأولى بعينها إلَّا أنَّ الضَّميرَ في الثَّاني ها هنا مُتَّصِلٌ (٦)، وفي الأُولى مُنفَصِلٌ (٧)، ثُمَّ المَفعول الأوّلُ في الثَّانيةِ كافُ الخِطابِ فكذلِكَ الأولى. قال جارُ اللَّه: "ويَنبغي إذا اتّصلا أن يُقدّمَ منهما ما لِلمُتَكَلِّم على غَيره، وما للمخاطَب على الغائِب فتقول: أعطانِيكَ، وأعطانِيه زيدٌ الدِّرهَمُ أعطاكَهُ زَيدٌ، وقالَ اللَّهُ تَعالى (٨) ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ " -. قالَ المُشّرِّحُ: ضَميرُ المُتَكَلّم على ضَمير المُخاطَبِ مُقدَّمٌ، وكذلك

стр. 643

ضَميرُ المخاطبِ على ضَمير الغائب، وفيه وَجهان أحدُهما وَقَعَ في (حَواشي المفصَّل) وذلكَ أنّ (١) الكلامَ يَنشأُ عن المُتَكَلِّم ويَنتَهي إِلى المخاطَب ثم إلى (٢) الغائِبِ. والوجهُ الثَّاني وعليه الاعتمادُ أنَّ كلَّ واحدٍ من هذه الضَمائرِ الثَّلاثةِ إنّما يَصِلُه (٣) بالفِعلِ إِذا ظَهَرَ لَنا كَونُهُ طالِبًا للفِعلِ وإِنَّما يَظهَرُ (٤) لنا كونُه طالبًا للفِعلِ (٥) إِذا ظَهَرَ لنا كَونُه ضَميرًا مُتَّصِلًا. [وإِنما يظهرُ لنا كونُه ضَميرًا متصلًا] (٦). إذا ظَهَرَ لنا كونُه ضَميرًا ثم ضَميرًا مُتَّصِلًا فنقولُ: ضميرٌ به ضَميرُ الحِكايةِ أسرعُ ظُهورًا من ضَميرٍ، به ضَمِيرُ الغائِب لكونِ الأوَّلِ حكايةً، والحكايَةُ في الأسامي المُظهَرَةِ [غيرُ مُمكِنَةٍ، وكونَ الثَّاني خِطابًا والخِطابُ وإن لم يكن وُجودُه في الأسامي المُظهرةِ] (٧) وَضعًا لكنْ يُمكنُ وجُودُهُ فيها بِجَرِّهِ (٨) إليها وذلك بِتَوسُّطِ حَرفِ النِّداءِ، بخلافِ ضَمير الغائبِ فإِن الغَيبَةَ بأصلِ الوضعِ في جَميعِ الأسامي المُظهَرَةِ مَوجودَةٌ. قالَ جارُ اللَّه: "وإذا انفَصَل الثَّاني لم تُراعِ هذا التَّرتيبِ فقلتَ أعطاهُ إيّاك وأعطاكَ إيّاي". قالَ المُشرِّحُ: وذلك أنَّ الضَّميرين إِذا كان أحَدُهُما مُتَّصِلًا والآخرُ مُنفَصِلًا فإنَّه يَجوزُ أن يَكونَ المُتَّصلُ غائبًا والمُنفَصِلُ مخاطَبًا أو حكايةً، وعندَ ذلك يَتَّصل (٩) الضَّميرُ المُتَّصِلُ لا مَحالة بالفِعلِ فَيَفسُدُ [ما ذكرناه من] (١٠) التَّرتيبُ.

стр. 644

قالَ جارُ اللَّه: "وقَد جَاءَ في الغائبين أعطاهاهُ، وأعطاهُوها، ومنه قَولِهِ (١): وقَدْ جَعَلَتْ نَفسِي تَطِيبُ لَضَغْمَةٍ … لِضَغْمِهُمَاهَا يَقْرَعُ العَظْمَ نَابُها وهو قَليلٌ". قَالَ المُشَرِّحُ: قَولُه: وهو قَلِيلٌ يَنْصَرِفُ إِلى ما لو كانَ الضَّميران فيه مُتَّصلين سَواءٌ كانا غائِبَين، أو أحدُهما مُخَاطبًا، وإن شِئتَ فاستَدِلّ بما ذكرناه من لَفظِ ابنِ السَّرَّاجِ: يَجوزُ أَعطاكَني فإِن بَدَأَ بالغايات قالَ: أَعطاهوني. قالَ سيبويهِ: هو قَبيحٌ لا يَتَكَلَّمُ بِهِ العَرَبُ، وقالَ أبو العبَّاس هو كَلامٌ جَيِّدٌ ليسَ بِقَبِيحٍ معنى أَعطاهاه - (٢) أَعَطى المُؤَنَّثُ المذكَّرَ، ومعنى

стр. 645

أَعطاهوها أَعطى المذكّرُ المؤنّثَ، الضَميران إذا كانا غائِبَين جازَ وَصْلهُما وفَصلُ الثَّاني وهذا لأنَّ أحدَ الضَّميرين ها هُنا لا بُدَّ من أَن يكونَ مُتَّصِلًا لأنَّ المَوضعَ مَوضعُ الوَصْلِ، كما في ضَربتُهُ وأَكرَمتُهُ، وأمَّا الثَّاني فَيَجوزُ وَصلُه قِياسًا على الضَّميرِ الأوَّلِ، لأنَّ تَعَلُّقَ الثَّاني بالفِعلِ كَتَعَلُّقِ الأوَّلِ به وفي الاستِحسانِ لا يَجوزُ لما ذَكرنا من أنَّ الضَّميرَ المَنصوبَ لا يَتَّصِلُ بالاسمِ فإِن سَألتَ: فَكَيفَ وَرَدَ ضَميرُ المُذَكَّرِ الغائبِ ها هُنا مع الواوِ ولم يَجِيءْ مَعه ضَميرُ المذكَّرِ المخاطَب، أَجبتُ: لأنَّ الهاءَ لخَفائِها وبُعدِ مَخرجِها أَصلُها أن تَكونَ بالمَدِّ تَقويَةً وإِبانةً ويَشهدُ لكونِها خَفِيَّةً قولهم أرادَ أن ينزعَهَا ويَضربها بالإِمالةِ، وكذلِكَ أَجازوا في رُدّ أمرًا الوجوهَ بخلافِ رُدَّه فإنَّه لا يجوزُ إلَّا الضَّمّ، لأنَّهم قَدَّروه تقديرَ رَدُّوا، وقالُوا فصارتِ الدَّالُ كَأَنَّها قَد وَلِيَتِ الوَاوَ التي بَعدَها ولذلك صارت في رَدَّها كأنَّها قد وَلِيَت الألِفَ وهذا معنَى قَولِهم: الهاءُ حَرفٌ (١) حاجِزٌ غيرُ حَصِينٍ، والذي يَدُلُّ على ذلك أيضًا أنَّ الَّذين يَمدُّون بينَ كلمتين الثانيةُ منهما ألفُ قَطعٍ من القراءَةِ نحوَ قولِهِ (٢): ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ﴾ ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ (٣) إِنَّما لم يَمُدُّوا، وقوله منه: ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ (٤) و ﴿اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ﴾ (٥) ونحوه لأنَّه يُؤدي إلى التقاءِ السَّاكنين معنى، إلَّا أنَّه جازَ طرحُه في سائِرِ المواضِعِ تَخْفِيفًا، وها هنا لم يَجُز لِيَقَعَ فَصلًا بينَ الخَفِيفَين المُتجانِسَينِ. الضَّغمةُ: هي العَضَّةُ، لضَغمِهُماها بَدَلٌ من قوله بِضَغمَةٍ، الضَّمِيرُ الأوَّلُ في قولِهِ (٦) لِضَغمهماها لِسَبُعَين، وأمَّا الثَّاني فلِضَغْمَةٍ، ومنها اشتقاقُ

стр. 646

الضّيْغَم وهو فَيْحَلٌ، الضَّميرُ في نَابِها: لضَغْمَةٍ، وهذا من بابِ إضافةِ الشَّيءِ إِلى الشَّيءِ بأَدنى مُلابَسَةٍ بَيْنهما، كأنَّه يقولُ: إنّي لكثرَةِ ما ابتُليتُ به من المِحَن قد طَابَتْ نَفْسِي أن يَعُضَّنِي سَبُعان ناباهُما يَضرِبانِ العَظم، وقَرعُ (١) النَّابِ العَظَم كِنايَةٌ عن التَّصويتِ. قالَ جارُ اللهِ: والاختيارُ في ضَمِيرِ خَبَرِ كان وأَخواتِها الانفصالُ كقولِهِ: * لَئِن كَانَ إيَّاهُ لَقَدْ حَالَ بَعْدَنَا * قالَ المشرّحُ: خبرُ كان كما يَجيءُ مُنفَصِلًا فكذلك يَجِيءُ (٢) مُتَّصِلًا، وفي كلامِ أَبي الرَّيحان البَيرونيِ (٣)، ولا يكونُ مَعَهمَا إلَّا ثالِثٌ ورُبَّما كنتُه. قالَ ابنُ السَّراجِ (٤) ويَجوزُ كانَنِي وكُنتُهُ، كقولِكَ: ضَرَبَنِي وضَرَبْتُهُ وأَنشد لأبي الأسودِ الدُّؤلي (٥):

стр. 647

فإِلَّا يكُنها أو تَكُنْهُ فإنَّهُ … أَخُوها غَذَتهُ أمُّه بِلَبَانِهَا وتقولُ كُنتَكَ وكنتَ إيَّاكَ، كما تَقولُ: ظَننتُكَ زَيدًا، وظَنَنْتُ (١) إيَّاكَ يَقَعُ المُنْفَصِلُ مَوقِعَ المُتَّصِلِ في الكِنَايَةِ على الاسمِ والخَبرِ والاختِيَارُ في خبرِ كانَ وأخواتِها الانفِصالُ وذلك لأنَّه في الأصل خَبَرُ المبتدأ، وخَبَرُ المُبتَدَأ إذا وَقَعَ ضَميرًا لم يَقع إلَّا مُنْفَصِلًا، وأمَّا الاتِّصالُ فلأنَّ خَبَرَ كان يُشبِهُ المفعولَ كما أنَّ اسمه يُشْبِهُ الفاعِلَ فكما تَقولُ ضَربْتُهُ فكذلِكَ (٢) تَقولُ كُنتَهُ، والَّذي يُبَيّنُ لَكَ أن خبرَ كانَ شُبِّهَ (٣) بالمَفعولِ لا مَفعولٌ حقيقةً، إقامَتُكَ أَحَدَ الضَّميرين مَقامَه، وَتَرجَمَتُكَ إيَّاه بعينِ هذه اللُّغَةِ. هذا البيتُ لعمرَ بنِ أَبي رَبيعةَ وقبله (٤): قِفِي فانظرُي يا اسمَ هَل تَعرِفينَهُ … أَهذا المُغِيريُّ الَّذي كان يُذكَرُ أَهذا الَّذي أَطربْتِ (٥) نَعتًا فلم أَكنْ … وعَيشِكِ أَنْسَاهُ إلى يومَ أقبرُ لئِن كانَ البَيت (٦) وبعدَه (٧):

стр. 648

عَنِ العَهدِ والإِنسانُ قد يَتَغَيَّرُ المُغِيرِيُّ: مَنسوبٌ إلى المُغِيرَةَ بنِ عبدِ اللَّه بن عَمر بن مَخْزُوم، وهو من أَجدادِهِ. قالَ جارُ اللَّه: وَقَولُه (١) ليسَ إِيَّايَ وإيَّاكِ ولا نَخْشَى رَقِيبا (٢) قالَ المُشَرِّحُ: المَحفوظُ (ولا نَخْشَى رَقِيبا). هذا البيت لعمرَ بنِ أبي رَبيعةَ أيضًا وقبلَه: ليتَ هذا اللَّيلَ شَهرٌ لا تَرَى فيه عَرِيْبَا ليسَ إِيَّايَ وإياكِ ولا نَخْشَى رَقِيْبَا "عريبًا": أي أحدًا يريدُ لَيس فيه غَيري وغَيرُك أحدٌ. قال جارُ اللَّه: وعن بعضِ العَرَبِ: "عليه رَجُلًا ليسنى" وقال (٣): * إِذْ ذَهَبَ القَوْمُ الكِرَامُ لَيْسِي *

стр. 649

قالَ المشرّح: اجتَمَعَ في قوله: (عليه رجلًا ليسني) شيئان (١) شاذان أحدهما: - عليه للغائب والأصلُ فيه أن يُقال للمخاطبِ، وهذا لأنَّ بعضَ أحد نوعي الظَّرف يقامَ مقامَ أمرِ المُخاطَبِ دونَ أَمْرِ الغائِبِ والمُتَكَلِّمِ فإِن سألتَ: فما الموجِبُ (٢) لتَخصِيصِهِ بأمرِ المُخاطَب؟ أَجبتُ: لأنَّ إِضمارَ أمرِ المُخاطَبِ أخصَرُ ألا تَرى أنَّه لا يَحْتَاجُ إلَّا إلى نَفْسِ الفِعلِ بِخِلَافِ إضمارِ أَمري المُتَكَلِّمِ (٣) والغائِبِ فإنه كما يَحْتَاجُ إلى نَفْسِ الفِعلِ يَحْتَاجُ إلى الأمرِ أيضًا، وقَد جَاءَ في الحديثِ كذلك (٤): (عَليكمَ بالباءَةَ فمن لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيهِ بالصَّوم فإِنَّ الصَّومَ له وِجَاءٌ). الثَّاني ليسني والأصل ليس إيَّايَ كما مضى وليسَ في البيت على حذفِ نون العمادِ أَبعد مَخْرَجًا من ليسني بالنُّون. وقبله: * عَهْدِي بِقَومي كَعَدِيدِ الطَّيْسِ (٥) * إذ ذَهَبَ ...... البيت وهو الكَثِير من الرَّملِ والماءِ وغيرِهما، وكذلك الطَيْسَلُ، واللَّامُ مَزيدَةٌ، كما في عَبْدَلٍ وَزَيْدَلٍ ويروى (٦): - عَدَدتُ قَومي … قالَ جارُ اللَّهِ: فَصلٌ، والضَّميرُ المُسْتَتِرُ يكونُ لازِمًا وغيرَ لازمٍ فاللَّازمُ

стр. 650

في أَربعةِ أَفعالٍ افعَل وتَفعل للمُخاطَب، وافعَل ونَفْعَل. قالَ المُشَرِّحُ: إِذا قُلتَ أَفعل فالفاعِل فيه مستكنٌ لا يمكن إبرازه غايةَ الأمرِ أن تَقولَ افعلْ أنتَ، فأَنتَ ها هُنا هو (١) لَيس الفاعِل وإنَّما هو تَأكِيدٌ بدَلِيلِ افعلا أَنتما وافعلوا أَنتم، وافعلي أنت. قالَ جارُ الله: وغيرُ اللَّازم في فِعلِ الواحِدِ الغائب وفي الصِّفاتِ .. ومَعنى اللُّزوم أن إسنادَ هذه الأفعالِ إليه خاصَّةً لا تُسْنَدُ البَتَّةَ إلى مُظهَرٍ، ولا إلى مُضْمَرٍ بارِزٍ ونحو فعل ويفعل يسنَدُ إليه وإليهما في قولك: عَمرو قامَ وقامَ غلامهُ، وما قامَ إِلَّا هو ومن غَيرِ اللَّازِمِ ما يَسْتَكِنُّ في الصِّفَةِ في نحو قَولِكَ زَيدٌ ضارِبٌ لأنَّك تُسْنِدُهُ إلى المُظهَرِ أيضًا في قولك: زَيدٌ ضارِبٌ غُلامَه. قالَ المُشَرِّحُ: إذا قُلتَ زَيدٌ ضَرَبَ ففيهِ ضَميرٌ مُسْتَكِنٌّ راجِعٌ إلى زَيدٍ، فإِذا قُلتَ: زَيدٌ ضرَبَ غُلامُه لم يَبقَ فيه ذلك الضَّميرُ يُسمَّى فارغًا، وكذلك إذا قُلتَ: زَيدٌ ضارِبٌ فيه ضَميرٌ راجِعٌ إلى زَيدٍ فإذا قُلتَ: زَيدٌ ضارِبٌ غلامُه لم يَبْقَ فيه ضَمِيرٌ. قالَ جارُ اللَّهِ: "وإلى الضَّميرِ (٢) البارِزِ في قولِكَ: هندٌ زيدُ ضاربتُهُ هِيَ، والهندان الزَّيدان ضاربتُهُما هُما، ونَحوهما مِمَّا أَجرتهما فيه على غَيرِ من هيَ له". قالَ المُشَرِّحُ: للنَّحويين في هذه المَسألةِ كلامُ فاسدٌ أَحكيه أولًا ثُمَّ أعتَرِضُ عليه ثانيًا، فأقولُ: إنَّهم يقولون هِندٌ مُبتَدَأ وزيدٌ مبتَدَأٌ ثانٍ، وضاربتُهُ خبرُ المبتدأ الثَّاني وهي فاعلٌ (٣) للمبتَدَأ الأوَّلِ، والخَبَرُ إذا جَرى على غيرِ ما

стр. 651

هو لَه فلا بُدَّ معه من ضَمير بارِزٍ يَرجعُ إلى المُبتَدَأ الأوَّل، ليكونَ هذا الضَّميرُ مُعلِمًا أنَّ هذا الخبرَ فِعلٌ للمرجُوعِ إليه (١)، وكذلِكَ إذا قُلتَ: عَمرو زَيدٌ ضاربُه هو، فلا بُدّ فيه من هذا الضَّميرِ ليُعلَمَ أنَّ الضَّاربَ ها هُنا هو عَمرو، ولو لم يَكن مَعه هذا الضَّميرُ لكانَ المعنى زَيدٌ يَضْرِبُ عَمرًا. فهذا كَلامُهم. أما الاعتراضُ عليه فلأنَّ الضَّميرَ لو كان للإِعلامِ بأنَّ الخَبَرَ قد جَرى على غَيرِ ما هو له لما لَزِمَ الضَّمِيرُ في قَوْلِكَ: هِندٌ زَيدٌ ضارِبتُهُ هِيَ، لأنَّ الخَبَرَ بدون هذا يُعلَمُ كَوْنُهُ جارِيًا على غَيرِ ما هو له، ولأنَّ هِندًا مُبتدأ وزَيدٌ مُبتدأٌ ثانٍ وضَاربتُه مُبتدأٌ ثالِثٌ وهي خَبَرُ المبتدأ الثالثُ ثم المُبتدأُ الثَّالثُ وخَبَرُه خَبَرُ المبتدإ الثَّاني، والمُبتدأُ الثَّاني وخَبَرُه خَبَرُ المبتدَإ الأوَّل والَّذي يَدُلُّ على أنَّ ضارِبتَه مُرْتَفِعَةً بالابتداء وهي خَبَره [أنّا إذا قُلنا: أَزيدٌ ضارِبتُه هي كانَ ضَاربتُه مُرْتَفِعَةٌ بالابتداءِ وهي خَبَرُه] (٢)، فكذلك إذا قُلنا: زَيدٌ ضارِبتُه هي وكذلك إذا قُلنا: هِندٌ زَيدٌ ضاربَتُهُ (٣) هِيَ. فإن سَأَلتَ: فإذا كانت ضَارِبَتُهُ مرتَفِعَةً بالابتداء فكيفَ لم تَقُلْ ضاربه (٤) هي أَجبتُ: بأنَّ ذلك أيضًا يَجوزُ لكن بَينهما فَرقٌ وذلِكَ أنك إذا قلتَ ضاربه (٤) هي فهذا كَلامٌ مع من عَلِمَ أنَّ زيدًا ضُرِبَ ولم يَعْلَم أنَّ الذي ضَرَبَهُ مُذَكَّرٌ أم مُؤَنَّثٌ بخلافِ ضارِبَتُهُ فإنَّه كَلامٌ معَ من عَلِمَ أنَّ زيدًا ضُرِبَ، وعَلِمَ أيضًا أنَّ ضارِبه مُؤَنَّثٌ، ولكن لم يَعلَم على التَّعيِينِ فهو بهذا الكلامِ يُعَيِّنُهُ. قالَ جارُ اللهِ: "فَصلٌ؛ وَيتَوَسَّطُ بينَ المُبْتَدَأ وخَبَرِهِ قَبلَ دخولِ العواملِ اللَّفظِيَّةِ وبعدَه إذا كان الخَبَرُ مَعْرِفَةً أو مُضارِعًا له في امتِنَاعِ دُخُولِ

стр. 652

التَّعريفِ عليه كأفعلَ من كَذَا أحدُ الضَّمائِرِ المنفَصِلَةِ المرفوعةِ ليؤذِنَ من أوَّلِ أمرِهِ (١) بأنَّه خَبَرٌ لا نَعْتٌ، ولِيفيدَ ضَربًا من التَّوكيدِ ويُسمِّيه البَصَرِيُّون فَصلًا والكُوفِيُّون عِمادًا وذلك في قَولِكَ: زَيدٌ هو المُنْطَلِقُ وزيدٌ هو أَفضَلُ من عمرٍو قالَ اللَّه (٢): ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾، وقال (٣): ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ وقال (٤): ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وقال (٥): ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا﴾ ". قالَ المُشَرِّحُ: هذا الضَّميرُ مَتى تَوَسَّطُ بينَ المُبتَدَأ وخَبرِه إِذا كانَ مَعرِفَةً دَلَّ على أنَّ الصِّفَةَ الواقِعَةَ بعدَ ذلك الضَّمِيرِ خَبَرٌ لا صِفَةٌ، وهذا لأنَّ ذلكَ الضَّميرَ يكونُ مُرْتَفِعًا بالابتِداءِ والاسمُ المرفوعُ بعدَه مُرْتَفِعًا بأنَّه خَبَرٌ، ثم إنَّ هذا المُبتدأ والخَبرَ هو خَبَرُ المبتَدَإِ الأوَّل فإِن سألتَ: هذا التَّجويزُ كما هو واقعٌ في المبتَدَإ الأوَّل فكذلك في الثاني فما فائِدَةُ هذا الفَصلِ؟ أجبتُ: ما الدَّليلُ على ذلكَ؟ وهذا لأنَّ المُبتدَأ الثَّاني ضميرٌ والضَّميرُ يَسْتَحِيلُ أن يُوصَفَ، وهذا الضَّميرُ يُسَمِّيه البَصرِيُّون فَصلًا لِفَصْلِهِ بينَ الخَبَرِ والصِّفَةِ، والكُوفِيُّون عِمادًا لأنَّ المبتَدَأ يَتَقَوّى بِهِ ويَعْتَمِدُ عَليه. فَيجرِ إلى نَفْسِه ذلِكَ الواقِعُ ويَجْعلُهُ خَبَرًا لَهُ ويَجِبُ أن يكونَ هو الأوَّلَ في المعنى أَلَا تَرى أنَّك لَو قُلتَ: كانَ زَيدٌ أنت خَيرٌ منه لم يَجُز. المنطَلِقُ في قولك: زَيدٌ هو المُنطَلِقُ مَعْرِفَةٌ، وأفضلُ من عَمرو مضارِعٌ للمعرفةِ مُنَزَّلٌ منزِلَتَها، وذلك من حَيْثُ أنَّ من التَّفضِيلية فيه مع ما دَخلت عليه تُفِيدُ نَوعَ تَعْريفٍ ودخولُها عَلَيهِ يُعاقِبُ دُخُولَ لامِ التَّعريفِ. وهذا لأنَّ أَفعَلَ التَّفضِيلِ يَتَعَاقَبُ عليه أحدُ الأشياءِ

стр. 653

الثَّلاثَةِ وَنَظِيرُ هذه المسأَلَة إِثنا عَشَر حيثُ لا يضافُ، وذلك أنَّ حكمَ آخرِ شَطريه حكمُ نونِ التَّثنِيَةِ لأنَّ بَينهما معاقَبَةً ولذلك قالَ الكوفيُّون بأنَّ صَرفَ ما لا يَنْصَرِفُ في الشِّعرِ جائِزٌ إلَّا أفعَلَ مِنْ، ويعضِدُهُ إجازةُ الخليل ما يَحسنُ بالرَّجلِ خَيرٍ منك أن يَفعلَ ذاكَ ومَنعُهُ ما يَحْسُنُ بالرَّجُلِ شَبِيهٍ بِكَ أن يَفعلَ. وكذلك أَجازوا كان زَيدٌ هو يَقولُ ذاك لامتِنَاعِ يَقولُ من اللَّام، "هو خيرًا لَهم" مضارِعُ المُضَارِعِ لأنَّه بمنزلةِ "أَفعلَ مِن" ومن ثَمَّ مُنِعَ الصَّرف في قولَ البُحْتُرِيّ (١). وَعَدَوتَ خَيرَ خَلِيطَةٍ منِّي على نَفْسِي … وأَرأَفُ بي هُنالِكَ مِن أَبِي وفيما أَنشدَهُ ابن (٢) جَوَاهِرِ المَوْصِلِيّ (٣): لبعضُ (٤) جِيْفَةِ كَلْبٍ خَيرُ رَائِحَةً … مِن كِذْبَةِ المَرءِ في جِدٍ وفي لَعِبِ فإن سألتَ: فما مَحَلُّ (هو) من قوله: (هو خَيرًا لَهُم) أَجبتُ: لا محلّ له من الإِعراب لأنَّه انقلب علامةً مُؤذِنَةً بأَنَّ ما بَعْدَه خَبَرٌ لا صِفَةٌ ونظيرُه النونُ في: * يَعْصُرنَ السَّلِيطَ أَقَارِبُه (٥) *

стр. 654

قالَ ابنُ السرَّاجِ (١): وقد ذُكِرَ هذا الضَّمير المُسمى بالفَصلِ والعماد: هو مُلغىً من الإِعرابِ، فلا يؤكَّد ولا يُنسَقُ عليه. تخمير: فإن كانا جميعًا نكرتين أو كانَ أحدُهُما مَعرفةً والآخرُ (٢) نَكِرَةً لا يُشبِهُ المَعْرِفَةَ لم يَصِحَّ وُقُوعُ الفَصلِ بَيْنَهُما. قالَ الإِمامُ عَبدُ القاهِرِ الجُرجاني لو قلتَ: كانَ رجُلٌ من بَنِي تَميمٍ هو شاعرًا زَيدٌ أو قلت كان هو مُنْطَلِقًا، كانَ خَطَأً. قالَ جارُ اللَّه: "وتَدخُلُ عليه لامُ الابتِداء تقولُ: إن كَانَ زَيدٌ لهوَ الظَّريفُ وإن كُنّا لنحنُ الصَّالِحين، وكثيرٌ من العَرَب يَجْعَلُهُ (٣) مبتَدَأً وما بَعده مَبْنِيٌّ عليه. عن رُؤبة أنَّه كانَ يَقولُ: أظُنُّ زَيدًا هوَ خَيرٌ مِنك، ويَقرَؤون (٤): ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ و (٥) ﴿أَنَا أَقَلَّ﴾ ". قال المُشَرِّحُ: إنْ ها هنا (٦) هي الخَفيفة من الثَّقيلة، وهذه اللَّام (٧) هي الفارِقةُ، وكما أنَّ الضَّمِيرَ في قولِهِ: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لم يَبقَ على ما كان عَلَيه فكذلِكَ هذه اللَّامُ، لأنَّها كانت تدخُل على المبتدأ لتأكيدِ معنى الابتِدَاءِ، وها هُنا ما دَخَلَت على المُبتَدَأ وإنَّما دَخَلَت على ما كانَ مبتدأ، الأصلُ في هذا الضمير أن يكونَ في مَحَلِّ الرَّفع بالابتِداء ويكون (٨) وما بعده أيضًا مَرفوعًا بالخَبَريَّةِ لأنَّه اسمٌ وله من الإِعرابِ مَحَلٌّ وَمَحَلُّه الرَّفعُ، والذي يُمكنُ ارتفاعه بِهِ أنَّه ها هُنا مَعنى الابتِدَاء، وإنَّما يَرْتَفِعُ بالابتِدَاءِ أن لو ارتَفَعَ

стр. 655

ما بَعده بالخَبَرِ فمن قَرأَه برفعِ ما بَعده فقد جَرَى على الأصلِ، ومن نَصَبَه فقد أَخرجَ هذا الضَّمير عن أصلِه، وجَعَلَه حَرفًا مُؤذنًا بأنَّ ما بَعده خَبَرٌ لا صِفَةٌ، وتَقولُ: كأنَّ زَيدًا قائِمةٌ جارِيَتُهُ، ولو أدخلتَ اللَّامَ لقلتَ: كأنَّ زَيدًا القائِمةُ جارِيَتُهُ، فلَكَ أن تَأتي بالفَصل في هذا فَتَقُولُ: كأنَّ زَيدًا هو القائِمةُ جارِيَتُهُ، وكان الكِسائِيّ يُجِيزُ كأنَّ زَيدًا هي القائمةُ جارِيتُهُ قالَ ابنُ السَّرَّاجِ (١): وهذا لا يَجوزُ عِندي، ولا عِندَ الفَرَّاء من قِبَلِ أنَّ الفَصلَ يَنْبَغِي أن يكونَ هو الأوَّلُ والثَّاني جَميعًا. فإن سألتَ: ففي الفَصلِ، الأوَّلِ ليسَ هو الثَّاني؟ أَجبتُ: بَل هو هو ومعنَى الكَلامِ كانَ زيدٌ هو الرَّجلُ الذي قامت جارِيتُهُ. قالَ جارُ الله: "فَصل؛ ويقدِّمون قبلَ الجُملةِ ضَميرًا يُسمى ضَميرَ الشَّأنِ والقِصَّةِ، وهو المَجهولُ عندَ الكوفيِّين، وذلك نَحو قولِكَ: هو زَيدٌ مُنْطَلِقٌ أي الشَّأنُ والحَدِيثُ زَيدٌ مُنْطَلِقٌ .. منه قوله (٢) ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَيَتَّصِل بارِزًا في قولِكَ ظَنَنْتُهُ زَيدٌ قائِمٌ، وحَسِبتُهُ قام أخوك وإِنه أمةُ اللَّه ذاهِبةٌ، وإنه من يَأتِنا نأتِهِ وفي التَّنزيلِ (٣): ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (٤) ". قَالَ المُشَرِّحُ: معنى الآيةِ الشَّأنُ والقِصَّةُ اللَّهُ أحدٌ، وكذلِكَ ظننتُ الشَّأنَ والقِصَّةَ زَيدٌ قائِمٌ. فإن سَألتَ: لِمَ لا تَكونُ الهَاءُ ها هُنا ضَميرَ الظَنَّ كما في قَولك: عبدُ اللَّهِ أظُنُّه مُنْطَلِقٌ أَجبتُ: لأنَّ فِعْلَ القَلب ها هُنا مُقَدَّمٌ على المَفعولِين فلا يَجوزُ إلغاؤُه، ولو جَعَلتهُ ضَميرَ الظَّنّ لكانَ الفِعلُ مُلْغىً بِخلافِ ما إذا جَعلتُه ضَميرَ الشَّأنِ، فإنَّه يكونُ أحدُ المفعولين هذا الضَّميرَ، والمفعولُ الثَّاني هو الجُملةُ الابتدائيةُ.

стр. 656

قالَ جارُ اللَّه: ومُسْتكنًّا في قولِهِم: ليس خَلَقَ اللَّهُ مثلَه، وكان زيدٌ ذاهبٌ، وكان أَنت خيرٌ منه. قالَ المشرّحُ: اعلَم أنَّ كان ها هُنا عندَ النَّحويين هي النَّاقِصةُ، واسمها ما استَكَنَّ فيها من ضَمِيرِ الشَّأنِ والجُمْلَةُ الابتدائيَّةُ وهي زيدٌ ذاهِبٌ في مَقامِ الخَبَرِ. وكذلك كان أَنتَ خَيرٌ منه. اسم كانَ مستكنٌ فيها وهو ضميرُ الشأنِ والقصةِ، والجملةُ الابتدائيةُ [و] هي أنت خَيرٌ منه خبرُ كان، وهكذا ليس خَلَقَ الله مثله، اسم ليس مُسْتَكِنٌّ فيها، والجُملةُ الفِعْلِيَّة بَعدَها في مَحَلّ النَّصب على أنَّها خَبرُ لَيس. وعِندي أنَّ كان في الموضعين (١) هي التَّامة، والجُملةُ بعدَها مَحْكِيَّةٌ، والمعنى وَقَعَ هذه الواقِعَةُ، وهي أنَّ (٢) زَيدًا ذاهِبٌ، أو ثَبَتَ هذا الشَّأنُ، وهو أنتَ خيرٌ منه وأمَّا قولهم: لَيسَ خَلَقَ اللَّهُ مثلَه فمن باب تَوجيهِ الفِعلين إلى اسمٍ واحدٍ، وإسنادُ أحدِهما إلى الظَّاهِرِ، والآخرُ إِلى ضَمِيرِه، ونحوه: ما زالَ يُفتي أَبو حنيفة. قالَ جارُ اللَّه: و ﴿كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ (٣). قالَ المُشَرِّحُ: في كادَ ضَميرُ الشَّأنِ والقَصدِ على أنَّه اسمُ كاد "يزيغُ قلوب فَريقٍ منهم" خبرُ كادَ. فإن سألتَ: أصلُ إِضمارِ الشَّأن والقَصّةِ في الابتِداء نَحو قولِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقوله تَعالى (٤): ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ثم يَدْخُلُ على المُبتدأ الذي هو ضَميرُ القِصَّةِ العواملُ الدَّاخِلَةُ على المُبتدَأ أجبتُ: لَمَّا لَزِمَ الخَبَرُ لها أشْبَه العَوَامِلَ الدَّاخلةَ على المبتدأ. فإن سَألتَ: فهل يَجوزُ أن يكونَ في "عَسى" ضَميرُ الشأنِ والقِصَّةِ وهذا لأنَّ "عسى" من أخواتِ كادَ أجبتُ: لا يَجوزُ لأنَّ فاعلَ "عَسى"

стр. 657

يكونُ مُفرَدًا في كَثِيرٍ من الأمرِ بِخلافِ "كادَ"، ويُحتَمَلُ أن يكونَ هذا على مذهَبِ الكُوفيين لتكونَ "كاد" مسنَدَةً (١) إلى القُلوب، ويَزيغُ إلى (٢) ضميرها. قالَ الشيخُ أبو عَلِيّ الفارِسيُّ: كأنَّه قالَ: من بَعْدِ ما كادَ قلوبُ فَريقٍ منهم يَزِيغُ، لكنَّه قدّمَ يَزيغ كما قَدّم خبر كانَ كما في قولِه تعالى (٣): ﴿وَكَانَ حَقًّا (٤) عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كما يُقَدّمُ الضَّمِيرُ في ضَرَبَ غُلامَه زيدٌ، لما كانَ النِّيةُ فيه التَّأخيرُ ويكونُ التَّقديرُ: كادَ قلوبُ فَريقٍ منهم تَزيغُ، وهذا لأنَّ كادَ إذا كانَ بِغَيرِ أنْ بمنزلةِ كان على ما يَأتي بَيَانهُ إن شاءَ اللَّهُ تَعالى. ويَجوزُ أن تَقولَ: كانَ يضربُ زيدٌ، فيكون زيدٌ اسمُ كانَ، ويَضربُ خَبره، وكذلك ها هُنا. وفي فاعلِ كادَ وجهٌ ثالثٌ: وهو أن تُضَمِّنَهُ ذِكرَ ما تَقَدّم، لما كَانَ النَّبِيُّ ﷺ والمهاجِرون والأنصارُ فريقًا واحدًا جازَ أن يُضمَر في كادَ معنى الحرب [والمعنى] كاد الحربُ يزيغ قلوبَ فريقٍ منهم، وأما الضَّميرُ في منهم فحُمِلَ على المَعنى ونحوه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٥) ثم قال: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. قالَ جارُ اللَّهِ: "ويجيءُ مؤنَّثًا إذا كان في الكَلامُ مؤنَّثٌ نحو قولِهِ (٦) ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ وقوله (٧): ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وقال: * عَلى أنَّها تَعْفُو الكُلُومُ" * قال المُشَرِّحُ: القِصَّةُ مضمرةٌ في تَكُن، ولهم آيةٌ جُملَةٌ ابتدائيةٌ في

стр. 658

مَحَلِّ النَّصبِ على أنَّها خَبَرُ كان، وأَن يعلَمَة علماءُ بني إسرائيل في مَحَلِّ الرَّفعِ فإِنَّه بَدَلٌ من آيةٍ، تمامُ البيت: ...... ..... وإنَّما … يُوَكَّلُ بالأدنى وإن جَلَّ مَا يَمْضِي وهو من أَبياتِ الحَماسةِ (١)، وأوَّلُ المقطوعةِ: حَمِدتُ إلهي بعدَ عُرْوَةَ إذ نَجَا … خِرَاشٌ وبعضُ الشَّرِّ أهونُ من بَعْضِ قالَ جارُ اللَّه: فَصلٌ؛ والضَّميرُ (٢) في قولِهِم: رُبَّهُ رَجُلًا نكرةٌ مُبْهَمٌ يُرمى به من غَيرِ قَصدٍ إلى مُضمرٍ ثم يُفَسَّرُ كما يُفَسَّرُ العَدَدُ المُبْهَمُ في قَولِكَ: عِشرون دِرهَمًا، ونَحوه في الإِبهامِ والتَّفسيرِ الضَّميرُ في نِعْمَ رَجلًا. قالَ المُشَرِّحُ: الشَّيخُ: هذا القسمُ صالِحٌ لنَصبِ التَّمييزِ عنه لإِبهامِهِ وتمامِهِ لامتناعِهِ عن الإِضافةِ، بل هو أوغَلُ في الامتناعِ عن الإِضافةِ لأنَّ الضَّمائِرَ لا تُضافُ وسائِرُ المُمَيَّزات قابلَةٌ للإِضافَةِ. تخميرٌ: اعلم أنَّ الضَّمِيرَ المَرفوعَ (٣) والمَجرورَ كما يكونُ مَعرفةً يَكونُ

стр. 659

أَيضًا نَكِرةً بدَلِيلِ أنَّك تَقولُ: رُبَّه رَجُلًا، و"رُبَّ" لا تَدْخُلُ إلَّا على النَّكِراتِ وقالَ (١): * أظبيٌّ كانَ أُمُّك أَم حِمارُ * أمَّا المضمرُ المَنصوبُ فلا يكونُ إلَّا مَعرفةً بدَلِيلِ أنَّ الإِخبارَ عن "قائمًا" في قَوْلِكَ: ضربي زيدًا قائِمًا لا يَجوزُ، لأنَّكَ لو قُلتَ: الذي ضَربني زَيدًا إِيَّاه قائِمٌ، أضمرتَ في الحالِ قالوا (٢): والإِضمارُ إنَّما يَسوغُ فيما يَسوغُ تَعْريفُه. في نِعْمَ ضَميرٌ مرفوعٌ على أنَّه فاعلُه، وهذا لأنَّ نِعْمَ لا بُدَّ له من اسمين مرفُوعين أحدُهما فاعِلُه والآخر المَخصوصُ بالمدحِ. فإذا قُلتَ نِعْمَ رَجلًا زيدٌ فزيدٌ [مرفوعٌ على أنَّه] (٣) هو المَخْصُوصُ بالمدحِ وفاعلُه مضمرٌ تُفسِّرُه هذه النكرةً الظَّاهِرَةِ ومعناهُ نِعْمَ الرَّجُلُ رَجُلًا زَيدٌ، فذلك الضَّميرُ المُسْتَكِنُّ في نِعْمَ مِثلُ هذا الضَّميرِ البارزِ في رُبَّه رَجُلًا من حَيثُ إنَّه مُبهمٌ ومُفتَقِرٌ إلى التَّفسِيرِ، لا من حَيْثُ التَّنكِيرِ. قَالَ جارُ اللَّهِ: "فَصلٌ، وإذا كُنّي به عن الاسمِ الواقِعِ بَعدَ لَولا وعَسى فالشَّائعُ الكَثيرُ أن يُقالَ: لولا أنتَ، ولولا أنا، وعسيت وعَسيتَ قالَ الله تَعالى (٤): ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ وقال (٥): ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ وقد رَوى الثِّقاتُ عن العَرَبِ لولاكَ ولولايَ، [وعساكَ وعساني] (٦)، قالَ يَزيدُ بن أمِّ الحَكَمِ:

стр. 660

وكم مَنزلٍ لَولايَ طِحتُ كما هَوى … بأَجرامِهِ في قُلّةِ النِّيقِ مُنهوى وقالَ: * لَولاكَ هذا العامُ لم أَحجُجِ * وَقالَ: * يا أبتا عَلَّك أو عَساكا * وقَالَ: ولي نَفسٌ تنازِعُني إذا ما … أَقولُ لَها لعلِّي أو عَسَانِي واختُلِفَ في ذلك: فمذهبُ سيبويهِ وقد حَكَاه عن الخَليلِ ويُونسَ أنّ الكافَ والياءَ بعدَ لولا في موضعِ الجَرِّ، وأنَّ لِلَولا مع المُكنّى حالًا ليس له مع المُظهَر، كما أنَّ للدُن مع الغُدوة حَالًا ليس له مع غَيْرِها، وهما بعدَ عَسَى في مَحَلِّ النَّصبِ بمنزِلتِهما في قولِكَ: لَعلَّك ولعلى، ومَذْهَبُ الأخفش أنَّهما في المَوضعين في مَحَلّ الرَّفعِ، وأنَّ الرَّفع في لَولا محمولٌ على الجَرِّ، وفي عَسَى على النَّصب، كما حُمِلَ الجَرُّ على الرَّفعِ في قولِهِم: ما أنا كأنت، والنَّصبُ عَلى الجَرِّ في مَواضعَ". قَالَ المُشَرِّحُ: الأصلُ فيما بَعدَ لولا أن يكونَ مَرفوعًا كقولِكَ: لولا زَيدٌ لكان كَذا فإذا جِئتَ بالضَّميرِ المَرفوعِ بعدَه فهو على هذا الأصلِ، وإذا جِئتَ بغيرِه فقلتَ: لولاكَ ولولايَ فهو على وَجهين: أحدُهُما: - أن يكونَ في محلِّ الجَرِّ، وهو مَذْهَبُ يُونسَ والخَلِيلِ وسيبويهِ (١) وذلك أن يكونَ على حَذْفِ المُضافِ، وإقامةِ المُضافِ إليه مَقامه مَعناه لولا وُجُودُكَ.

стр. 661

والثَّاني: - أنَّ يكونَ في مَحَلِّ الرَّفعِ، وهو مَذْهَبُ الأخفشِ، إلَّا أنَّ الضَّميرَ المَنصوبَ أُقيِمَ مقامَ المَرفوعِ، كما أُقيمَ المَرفوعُ مقامَ المَنصوبِ في رأيتَني أنا، ورأيتُنا نحن وإنَّما قالَ الشَّيخُ -رضي (١) اللَّهُ عنه-: وقَد رُوي فأكَّد لأنَّ في النَّحويين من يُجري هذا مُجرى الغَلَطِ وهو المُبرِّدُ، وَزَعَم أنَّ ذلك لم يأتِ عَن ثِقَةٍ (٢). والوَجْهُ لَولا أَنتَ ولَولا أنا، وعَلَيْهِ القرآنُ: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾. تَخميرٌ: فرقٌ بين العِلّةِ وبينَ الغَرَضِ فَعِلَّةُ الفِعلِ مُتَقَدَّمٌ وجُودُها على وُجودِ الفِعلِ، وهذا ضَروري بخلافِ الغَرَضِ فإنّه مُتَوَقّعٌ تَقولُ: جئتُك لِتُكرمني فإكرامُ المخاطَبِ إياه لِم يَكُن حالةَ المجيءِ مَوجودًا وإنّما هو مُتَوَقّعٌ فإذا عُرفَ (٣) هذا جِئنَا إلى ما نَحنُ بِصَددِهِ فقُلنا: قولُهم لولا أنت لِلْعِلّةِ ولولا تحتَمِلُ كلا الأمرين، والكاف فيه إما في مَحَلّ الجرّ وإما في مَحَلّ الرّفعِ قوله: إنَّ لِلَولا مع المُكنى حالًا يَعني لا يُستَبعَدُ أن يكونَ ما بعده لولا مَعَ المُظهَر مَرفوعًا، ومع المُضمَرِ مَجرورًا، كما أنَّ ما بعدَ "لَدُن" إذا كان غُدوةٌ فهو مَنصوبٌ، وإذا كان شيئًا آخر فهو مَجرورٌ. وأما أنا كأنت فنظيرُهُ قول المُتَكَلِّمِين: لَزِمَ أن يكون الشَّيءُ مع غَيره كهولا مع غَيره. عَسى: تُقام مَقام

стр. 662

لَعَلَّ فيقالُ: عَساكَ تَفعل كما يُقالُ: لَعلَّكَ تَفعَلُ كَذا، كما تُقامُ لَعلَّ مَقَامَ عَسى فيُقالُ: لَعلَّك أنَّ تفعلَ كَذا قالَ (١): لَعَلَّكَ يَومًا أن تُلمَّ مُلِمَّةٌ … عَليكَ من اللّائِي يَدَعْنَكَ أجدَعَا يُقَالُ: عَسَاكَ أن تَفعلَ كذا (٢) حَمْلُ النّصبُ (٣) على الجَرِّ كما في التَّثنِيَةِ وجَمعِ السَّلامَةِ. قَبلَ البيتِ (٤):

стр. 663

عَدُوُّكَ يَخشَى صَولَتِي إن لَقِيتُهُ … وأنتَ عَدُوّي ليسَ ذاكَ بِمستَوِي هَوى وانهَوَى بِمعنى، الجَوهري (١): وأنشدَ البَيَّارِيُّ (٢) لعمرَ بن أبي ربيعة (٣): أَومتْ بكفيَّها مِنَ الهَودَج … لَولاكَ هذا العامُ لم أحْجُجِ

стр. 664

أنتَ إلى مَكَّةَ أخرَجتَني … حُبًّا ولولا أنت لم أُخرُجِ الكافُ في لولَاك مفتوحةٌ كما أنَّ التَّاءَ في أنتَ كذلك، والخِطابُ لعمرَ (١) ما قبلَ البيتِ الثَّالث (٢): تقولُ بِنتِي قد أَنى أَناكا يا أَبتا ..... البيت. أي قد حانَ وقتُ رَحيلِكَ إلى من تَلتَمِسُ منه مالًا تنفِقُه. قَولُه: عَلَّكَ أي لَعلَّك إن سافَرتَ أَصبْتَ ما نَحتَاجُ إليه. ما قبلَ (٣) البيتِ الرّابع: وَمَنْ يَقصُد لأهلِ الحَقِّ مِنهم … فإنِّي أتّقِيه بما اتَّقانِي وَلِي نفسٌ ............... … ............. البيت (٤)

стр. 665

يقولُ: من قَصدَ الخَوارِجَ وحالَفَها فإنّي أُدافعه وأُحاربه وأتَّقِيه كما يَنّقِيني. ومَعنى البيتِ الثَّاني (١) إذا نازَعتُها لأحمِلَها على ما هو أصلحُ لَها ثُمَّ سوَّفتني قلتُ لها: لَعلّي أفعلُ هذا الّذي تَدعونَنِي إليه. البَيتان لِعمران بن حِطَّان (٢). قالَ جارُ اللَّهِ: "فَصلٌ (٣)؛، وتُعمَدُ ياءُ المُتَكَلّمِ إذا اتَّصلَت بالفِعلِ بنونٍ قَبلها صَونًا لها عن أخي الجَرِّ. قالَ المُشَرِّحُ: عَنى بأَخي الجَرِّ الكَسرَ". قالَ جارُ اللَّهِ: "ويُحَملُ عليها الأحرفُ الخَمسةُ تَشبِيهًا بهِ فيقالُ: إنَّني وكذلك الباقِيَةُ، كما قِيلَ ضَرَبَني ويَضرِبُنِي". قالَ المُشَرِّحُ: الحُروفُ المُشبَهَّةُ بالفعلِ سَتَةٌ لكن الشَّيخَ جَعَلَها خَمسةً لأنَّه جَعَلَ المَكسورةَ والمَفتوحَةَ حَرفًا واحِدًا. قال جارُ اللَّه: "وللتَّضعيف مع كَثرة الاستِعمالِ جَازَ حذفُها في أربعةِ مِنها في كلِّ كَلامٍ، وجَاءَ في الشِّعرِ: "لَيتِي" لأنَّها منها وقالَ زَيدُ الخَيل (٤): كمنيَةِ جابرٍ إذ قال لَيتِي … أُصادفُه وأَفقِدُ بَعضَ مالي (٥)

стр. 666

قالَ المُشرِّحُ: إنما سَقَطَ نُون العمادِ من الثَّلاثةِ احترازًا من اجتماعِ المُتَجَانِسات مع كثرةِ الاستعمالِ، ومن لَعلّ لأنَّ اللام شبيهةٌ بالنُّون والدَّليلُ عليه قوله (١): أُصيلًا لا أُسائِلُها أما لَيتني فلا يَجوزُ سُقوطُ النُّون منها -اللهم- إلَّا في ضرورةِ الشِّعرِ لأنَّ القياسَ إلحاقُها بأخواتِها. سُقُوطُ النُّون في لَيتني كُسقوطِها في قَدني وليسني، وهذا يَدُلُّ على أنَّ المَحذوفَ في قوله (٢): تَراة كالثَّغامِ يُعَلُّ مِسكًا … يَسوءُ الغَالِياتِ إذا فَلَينِي المُصاقبة للياءِ، وكذلك (٣) في قوله (٤):

стр. 667

أبالموت (١) الَّذي لا بُدَّ أنّي … مُلاقٍ (٢) لا أَباك تُخَوِّفِيني وفي هذا على الخُصوص شَيءٌ آخرُ وهو: كونُ الأوّلِ فيه عَلامةَ الإِعرابِ ولأنَّ الاستثقالُ إنما يقعُ في التَّكريرِ والتَّكثيرِ (٣)، والتَّكريرُ إنما يقعُ مع الثَّاني دونَ الأوّلِ. وزعمَ بعضُ البَصرِيّين أنَّها لغةٌ لغَطَفَان. زيدُ الخَيل هو الّذي سمّاه الرُّسول صلواتُ [اللهِ] عليه زَيدَ الخَيرِ، قَوله: وأَفقِدَ بَعضَ بالنَّصب كما لو كانَ مكانَ الواو الفاءُ. فإن سألتَ: فما الفرقُ بينَ نوني أنّي وأنّا أجبتُ: بَينهما فَرقٌ أن النُّون في أنّي هي نُونُها والسَّاقِط نُون العِمادِ كما في لَيتي ولَعلّي، وأمَّا في أنا فالأوّل من النُّونين نُونُ إنَّ والثَّانيةُ نونُ الضَّميرِ والسَّاقطُ الوَسَطُ بَدليلِ أنَّهم لم يقُولوا: لَيتَا ولا لَلعَلَّا. فإن سَألتَ: فكيفَ حَذَفُوا من لَعَلّي ولم يَحذِفُوها من لَعَلَّنا أجبتُ: لأنَّ الضَّميرَ في لَعلَّنا هذه الألفُ (٤) والنُّونُ معًا بِخِلافِ لَعلّني فإنّ الضَّميرَ هو الياءُ وحدَها والنُّونُ حَرفٌ مَزيدةٌ لتَكُونَ عِمادًا أو كما لم يَحذفوا الياءَ من لَعَلّي لم يَحذِفوا النُّون من لَعَلَّنا. فإن سَألتَ: أيُّ نوني إنَّ المحذوف: أجبتُ: الثَّانيةُ لأنها طَرفٌ والحَوادِثُ إلى الطَّرفِ أسرعُ منها إلى الوَسَطِ، والدَّليلُ عليه أنَّ إنْ المُخَفَّفةَ من الثَّقيلةِ في قولِك: إنْ زيدًا لمُنطَلِقٌ، ألا تَرى كيفَ بَقِيت النُّونُ السَّاكِنةُ وذَهبت المُتَحَرِّكَةُ.

стр. 668

قالَ جارُ الله: "وقَد فَعَلُوا ذلك في من وعَن ولَدُن وقَط وقَد إبقاءً عَليها من أن يُزيلَ الكَسرةَ سكونُها وأمَّا قولِه (١): قَدني من نَصر الخُبَيبَين قَدِي فقالَ سيبويه (٢): لما اضطرَّ شبَّهَهُ بِحَسْبي، وعن بَعضِ العَرَب مِنِي وعَنِي وهو شاذٌ ولَم يفعلوا في عَلي وإلي ولدي لأمْنِهِمِ الكَسرةَ قَبلَها" (٣). قالَ المُشَرِّحُ: نُونُ العِمادِ تُزاد لِمَعنَيَينِ: أحدُهُما: - وقايةُ آخر الكَلِمةِ عن طُرُوِّ الكَسرِ عليه. والثَّاني: - صِيانةٌ للضَّميرِ المَنصوبِ عن اختِلاطِهِ بالمَجرورِ، ولذلِكَ قالوا في عَليكَ زيدًا عَليكنى، وها هُناَ يُؤتَى به لنَفسِ وقايةِ الآخِرِ عن الكسرِ. فإن سَألتَ. فَفي ذلك اختِلاطُ الضمائِرِ؟ أجبتُ: ما فيه اختلاطٌ وذلك أنَّ حرفَ الجَرِّ يفيدُ أنَّ الضَّميرَ لا مَحالةَ مَجرورٌ وأنشدَ بعضُ النَّحويين (٤): أيُّها السّائَلُ عَنهم وعَنِي … لَستُ من قَيسٍ ولا قَيسٌ مني كذا الروايةُ. الشَّيخ كان يَجوّزُ على القِياس أن يُقالَ: عَلاي وإلَاي

стр. 669

ولداي إلّا أنَّ آخرَها ألفٌ فتُقلبُ مَع ياءِ الإِضافة ياءً وتُدغَمُ فيها فَيَتَأكَّدُ سُكونُها بالإِدغامِ، فلا سَبيلَ إلى زِيادةِ النُّون التي تُزادُ للإِبقاءِ على السُّكون. عبدُ اللهِ بنُ الزُّبير هو الذي ادّعى الخِلافة كُنيتُهُ المَشهورة أبو بكرٍ، وكانوا إذا أرادوا ذَمَّه كنَّوه أبا خبيبٍ فمن ثَنَّى ها هُنا عَنَى عَبد اللهِ ومُصعبًا ابني الزُّبيرِ ومن جَمَعَ فالمرادُ عبدُ الله وجَميعُ قَومِهِ.

стр. 670

[بَاب أسْمَاء الإشَارَة] قالَ جارُ الله: "أسماءُ الإِشارةِ ذا للمُذَكَّرِ، ولمِثنَّاهُ ذانِ في الرَّفع، وذَين في النَّصب والجَرِّ، ويَجيءُ ذانِ فيهما في بعضِ اللُّغات، منه قوله تعالى (١): ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾. قالَ المُشرِّحُ: أبو الحَسَنِ الأخفش: إنَّ قولَهم: ذا من مضاعفِ الياءِ، وذلك أنَّ سيبويه حَكَى فيه الإِمالة، فإذا جَازت فيه حُمِلَ على انقلابِ الألفِ فيه عن الياءِ في الأمرِ الأكثَرِ وإذا ثَبَتَ أنَّ الألفَ ياءٌ لم (٢) يَجُز أن تَكوَنَ اللّامُ واوًا، لأنَّه ليسَ في الكلامِ مثلُ "عَيَّوت" فإذا لم يَجُز أن تكونَ واوًا ثَبَتَ أنَّه ياءٌ، وأنَّه من بابِ حَنَيتُ وعَنَيتُ. قالَ الشيخُ أبو علي الفارِسيُّ: وأمَّا (٣) قولهم: "ذا" فليس من الأصواتِ، ولكنَّه من الأسماءِ المُظهَرَةِ، أَلا (٤) تَرَى أنَّه قَد وُصِفَ (٥) به، وحُقِّرَ في نحوِ مَرَرتُ بذا الرَّجُلِ، وزيدٌ ذا، وذيَّا. ذانِ: ليس بتثنية ذا، وإِنَّما هو اسمٌ موضُوعٌ لمثنّاه كالنساءِ لجمعِ المرأةِ، وذلك أنَّه لو كان تَثنِيَةَ ذا لقيلَ:
следующие страницы →